النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
باب ٢٨ / ح ٢٦١٧
كتاب الهبة
والشّام، وهي دُومة الجندَل: مدينة بقُربٍ تبوكَ بها نخل وزرع وحِصن، على عشرِ مراحلَ
من المدينة وثَمانٍ من دِمَشقَ، وكان أُكَيدِرُ مَلِكَها، وهو أُكَيدِرُ بن عبد الملك بن عبد الجِنّ
- بالجيم والنّون - بن أعباء بن الحارث بن معاوية، يُنسَبُ إلى كِندةَ، وكان نَصرانيّاً. وكان
النبي ◌َّ﴿ أرسَلَ إليه خالد بن الوليد في سريةٍ فأسَرَه وقتل أخاه حسَّان وقَدِمَ به المدينة،
فصالَحَه النبيِ وَِّ على الجِزية وأطلقَه، ذكر ابن إسحاق قِصَّتَه مطوّلة في المغازي(١).
وروى أبو يَعْلى (٢) بإسنادٍ قوي من حديثٍ قيس بن النُّعمان: أنَّه لمَّا قَدِمَ أخرج قَباء من
ديباج منسوجاً بالذَّهَبِ فَرَدَّه النبي ◌ِِّ عليه، ثمَّ إنَّه وَجَدَ في نفسِه من رَدِّ هَديتِهِ فَرَجَعَ به
فقال له النبي ◌َّ: ((ادفَعْه إلى عمرَ)) الحديث، وفي حديث عليٍّ عند مسلم (١٨/٢٠٧١):
أنَّ أُكَيدِرَ دُومَ أهدى للنبي وَّه ثوبَ حرير فأعطاه عليّاً فقال: ((شَقِّقه ◌ُراً بين الفواطم)»،
فيُستَفاد منه أنَّ الحُلَّة التي ذكرها عليّ في الباب الَّذي قبلَه هي هذه التي أهداها أُكَيدِر،
وسيأتي المراد بالفواطم في اللِّباس (٥٨٤٠) إن شاء الله تعالى.
٢٦١٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، عن
هشامِ بنِ زيدٍ، عن أنسِ بنِ مالكِ : أنَّ يهوديَّةً أتتِ النبيَّ ◌َِّ بشاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ منها
فِقِيلَ: ألا نَقْتُلُها؟ قال: ((لا)) فما زِلْتُ أعرِفُها في لَهَواتِ رسولِ الله ◌َّؤ.
ثانيها: حديث أنس أيضاً: ((أنَّ يهوديةً أتت النبيِّهِ بشاةٍ مَسمومةٍ فأكَلَ منها)) الحديثَ،
وسيأتي شرحُه في غَزْوة خَيْبَرَ من المغازي (٤٢٤٩)، واسم اليهودية المذكورة زينب، وقد
اختُلِفَ في إسلامها کما سيأتي.
قوله: ((فأكَلَ منها فجيءَ بها)) زاد مسلم (٢١٩٠) وأحمد (١٣٢٨٥) في روايته من الوجه
المذكورِ هنا: فأكَلَ منه فقال: ((إنَّهَا جَعَلَت فيه سُّ))، وزاد مسلم بعدَ قوله: ((فجيءَ بها إلى
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٥٢٦/٢.
(٢) في ((مسنده)) الكبير رواية ابن المقرئ، وهو في ((المطالب العالية)) لابن حجر (٢٢٣٧)، وأخرجه أيضاً ابن
عساكر في «تاريخ دمشق» ٢/ ٤٢.

٢٦٢
باب ٢٨ / ح ٢٦١٨
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣٢/٥ رسولِ الله وَّ): / فسألها عن ذلك فقالت: أرَدتُ لأقْتُلَك، قال: ((ما كان الله ليسلِّطَكِ عليَّ)).
قوله: «فقيل: ألا نَقْتُلُها؟)» في رواية أحمد ومسلم: فقالوا: يا رسول الله.
قوله: (فِي لَهَواتِ)) بفتح اللّام جمع لَهَاة: وهي سقف الفَم أو اللَّحمة المشرفة على الحَلْق،
وقيل: هي أقصى الخَلْق، وقيل: ما يَبْدُو من الفَمِ عند التَّسُّم.
ثالثها: حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدّیق.
٢٦١٨- حدّثنا أبو التُّعْمانِ، حدَّثْنا المعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي عثمانَ، عن
عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما قال: كَّا مَعَ النبيِّ ◌َ ثلاثينَ ومِئةً فقال النبيُّ ◌َلّ:
((هَل مَعَ أحدٍ منكم طعامٌ؟)) فإذا مَعَ رجلٍ صاعٌ من طعامٍ أو نَحْوُه فعُجِنَ، ثمَّ جاء رجلٌ
مُشْرِكٌ مُشْعَانٌ طَوِيلٌ بِغَنَمِ يَسُوقُها فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((بَيْعاً أم عَطِيَّةً؟)) أو قال: ((أَمَ هِبَةً؟)) قال:
لا، بَل بيعٌ. فاشتَرَى منه شاةً فصُنِعَت، وأُمَرَ النبيُّ ◌َلِّرِ بِسَوادِ البَطْنِ أن يُشْوَى، وايمُ الله ما في
الثَّلاثِينَ والِئةِ، إلا وقد حَّ النبيُّ ◌َِّ له حُزّةً من سَوادِ بَطْنِها، إن كان شاهداً أعطاها إيّاه، وإن
كان غائباً خَبَأْ له، فجَعَلَ منها قَصْعَتَيْنِ، فأكَلُوا أْمَعُونَ وشَبِعْنا ففَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فحَمَلْناه
على البعیر. أو كما قال.
وقد تقدَّم بعضُه بهذا الإسناد في البيوعِ (٢٢١٦).
قوله: ((عن أبيه)) هو سليمان بن طَرْخان التَّيْمي، والإسناد كلُّه بصريون إلَّ الصحابي.
قوله: ((صاعٌ من طعامٍ أو نحوُه)) بالرفع، والضَّميرُ للصّاعِ.
قوله: ((ثمَّ جاء رجل مُشْرِك)) لم أقف على اسمِه ولا على اسمِ صاحبِ الصَّاعِ المذكور.
قوله: ((مُشْعانٌ)) بضمِّ الميم وسكون المعجَمة بعدَها مُهمَلة وآخره نون ثَقيلة، فسَّرَه
المصنّف في آخرِ الحديث في رواية المُستَمْلي بأنَّه الطّويلُ جِدّاً فوقَ الطّول، وزاد غيرُه: مع
إفراط الطّول شَعَث الرّأس، وقد تقدَّم وكأنَّه أقوى، لأنَّه سيأتي في الأطعمة (٥٣٨٢) من
وجهٍ آخرَ بلفظ: ((مُشْعانٌّ طويلٌ)) ويحتملُ أن يكون قوله: ((طويلٌ)) تفسيراً لـ((مُشْعانّ)).
وقال القَزّاز: المشعانُّ: الجافي الثائر الرَّأس.

٢٦٣
باب ٢٩
كتاب الهبة
قوله: ((بيعاً أم عَطيَةً؟)) انتَصَبَ على فعلِ مُقدَّرٍ.
قوله: ((فاشتَرى منه شاةً)) في رواية الكُشْمِيهني: «فاشتَری منها)) أي: من الغنم.
قوله: ((بسَواد البَطْن)» هو الكَبِدُ أو كلّ ما في البَطنِ من کَبِدٍ وغيرها.
قوله: ((وايمُ الله)) هو قَسَم، وقد تقدَّم أنَّه يقال بالهمزِ وبالوَصلِ وغير ذلك.
قوله: ((أعطاها إياه)) هو من القلب، وأصلُه: أعطاه إياها.
قوله: ((فأكَلوا أجَمَعونَ)) يحتملُ أن يكونوا اجتمعوا على القَصعَتين، فيكون فيه مُعجِزَةٌ
أُخرى لكونهما وسِعَتا أيدي القوم، ويحتملُ أن يريدَ أنَّهم أكَلوا كلَّهم في الجملة، أعمُّ من
الاجتماع والافتراق.
قوله: ((ففَضَلَت القَصْعَتان فحَمَلْناه)) أي: الطَّعام، ولو أراد القَصعَتين لَقال: حَمَلناهما،
ووقع في رواية المصنِّفِ في الأطعمة (٥٣٨٢): ((وفَضَلَ في القَصعَتين))، وكذا أخرجه مسلم
(٢٠٥٦)، والضَّميرُ على هذا للقَدْرِ الَّذي فَضَلَ.
قوله: ((أو كما قال» شكٌّ من الراوي.
وفي هذا الحديث قَبُولُ هديّة المشرك لأنَّه سألَه: هل يَبيعُ أو يُهدي؟
وفيه فسادُ قول مَن ◌َلَ رَدَّ الهديّة على الوَثَني دون الكتابي؛ لأَنَّ هذا الأعرابي كان وثَنِيّاً.
وفيه المواساةُ عند الضَّرورة، وظُهورُ البَرَكة في الاجتماع على الطَّعام، والقَسَمُ لتأكيد
الخبر، وإن كان المخبِرُ صادقاً، ومُعجِزَةٌ ظاهرةٌ وآيةٌ باهرة من تكثير القَدْر الْيَسير من
الصَّاعِ ومن اللَّحم، حتَّى وسِعَ الجمعَ المذكورَ وفَضَلَ منه، ولم أرَ هذه القِصَّةَ إلَّا من
حديث عبد الرَّحمن، وقد وَرَدَ تكثير الطَّعام في الجملة من أحاديثِ جماعةٍ من الصحابة،
مَحَلُّ الإشارة إليها علامات النُّوَّة، وستأتي إن شاء الله تعالى (٣٥٧١- ٣٥٨١).
٢٩ - باب الهدية للمشركين
وقولِ الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ نَبُّوهُمْ

٢٦٤
باب ٢٩ / ح ٢٦١٩ - ٢٦٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وَتُقْسِطُواْ إِلَّهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
٢٦١٩- حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ دِينارٍ،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: رَأى عمرُ حُلّةً على رجلٍ تُباعُ فقال النبيِّ ◌َّ: ابْتَعْ هذه
الحُلّةَ تَلْبَسْها يومَ الجُمُعةِ وإذا جاءكَ الوَفْدُ، فقال: ((إنَّما يَلْبَسُ هذه مَن لا خَلَاقَ له في الآخرةِ»
فَأَتِيَ رسولُ اللهِوََّ منها بحُلَلٍ فأرسَلَ إلى عمرَ منها بحُلّةٍ، فقال عمرُ: كيفَ ألبَسُها وقد قلتَ
٢٣٣/٥ فيها ما قلتَ؟! قال: ((إنّ لم أكسُكَها لتَلْبَسَها، تَبِيعُها أو تَكْسُوها))،/ فأرسَلَ بها عمرُ إلى أخ له
من أهلِ مَكَّةَ قبلَ أن يُسلِمَ.
٢٦٢٠ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت
أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: قَدِمَت عليَّ أُمّي وهي مُشْرِكةٌ في عَهْدِ رسولِ الله وَِّ فاستَفْتَيَتُ
رسولَ الله وَّهِ. قلتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وهي راغِبَةٌ، أفَأْصِلُ أُمّي؟ قال: ((نعم، صِلِي أُمَّكِ)).
[أطرافه في: ٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩]
قوله: ((باب الهديّة للمشركينَ وقول الله تعالى: ﴿لَا يَنَهَنَكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي
اُلِدِينِ﴾)) ساق إلى آخرِ الآية، وهي روايةُ أبي ذرِّ وأبي الوَقْت، وساق الباقون إلى قوله:
﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾، والمراد منها بيانُ مَن يجوزُ بِرُّه منهم، وأنَّ الهديّةَ للمُشِرِكِ إثباتاً ونفياً
ليست على الإطلاق، ومن هذه المادّة قوله تعالى: ﴿ وَإِن جَهَدَ اكَ عَلَىَّ أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]، ثمَّ البِرُّ والصِّلة
والإحسان لا يَستَلِمُ التَّحَابُبَ والتَّوادُدَ المنهيَّ عنه في قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فإنَّها عامَّةٌ في حقِّ
مَن قاتَلَ ومَن لم يُقاتِل، والله أعلمُ.
وأورَدَ فیه حدیثین:
أحدهما: حديث ابن عمر في حُلَّة عُطارد، وقد سبق قريباً (٢٦١٢).

٢٦٥
باب ٢٩ / ح ٢٦٢٠
كتاب الهبة
والغَرَضُ منه قوله: ((فأرسَلَ بها عمر إلى أخ له من أهلِ مَكَّةَ قبلَ أن يُسلِمَ)) واسمُ هذا
الأخِ عثمان بن حَكِيم وكان أخا عمرَ من أُمِّه، أُمُّهما حَنْتَمة (١) بنتُ هشام بن المغيرة، وهي
ابنة عَمِّ أبي جَهل بن هشام بن المغيرة.
وقال الدِّمياطي: إنَّما كان عثمان بن حَكِيم أخا زيد بن الخطَّب أخي عمر لأُمِّه، أمُّهما
أسماء بنت وَهْبٍ. قلت: إن ثبت احتَمَلَ أن تكون أسماء بنت وهب أرضَعَت عمر، فيكون
عثمان بن حَكِيم أخاه أيضاً من الرَّضاعة كما هو أخو أخيه زيدٍ من أُمّه.
ثانيهما: حدیث أسماء بنت أبي بكر.
قوله: ((عن هشام) هو ابن عُرْوة، وفي رواية ابن عُيَينةَ الآتية في الأدبِ (٥٩٧٨):
أخبرني أبي.
قوله: ((عن أسماء بنت أبي بكر)) في رواية ابن عُيَينة المذكورة: ((أخبرتني أسماء))، كذا قال
أكثر أصحاب هشام، وقال بعض أصحاب ابن عُيَينة عنه: ((عن هشام عن فاطمة بنت
المنذِر عن أسماء)). قال الدّارَقُطني: وهو خطأ. قلت: حَكَى أبو نُعيمِ أنَّ عمر بن عليّ
المقدَّمي ويعقوب القارئ رَوَياه عن هشام كذلك، فيحتملُ أن يكونا محفوظَين، ورواه أبو
معاوية وعبد الحميد بن جعفر عن هشام فقالا: ((عن عُرْوةَ عن عائشة))، وكذا أخرجه ابن
حِبَّان (٤٥٣) من طريق الثَّوري عن هشام، والأوَّلُ أشهر، قال البُرقاني: وهو أثبَتُ.
انتهى، ولا يَبعُدُ أن يكون عند عُرْوةَ عن أُمِّه وخالَتِه، فقد أخرجه ابن سعد (٢٥٢/٨) وأبو
داود الطَّيالسي (١٧٤٤) والحاكم (٤٨٣/٢) من حديث عبد الله بن الزُّبَير قال: قَدِمَت
قُتَيلة - بالقاف والمثنَّاة مصغَّرةً - بنت عبد العُزّى بن سعد من بني مالك بن حِسْل - بكسر
الحاء وسكون السِّين المهملتين - على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهُدْنة - وكان أبو بكر
طلَّقها في الجاهلية - بهدايا: زبيبٍ وسمنٍ وقَرَظٍ (٢)، فأَبَتْ أسماء أن تَقبَلَ هديتَها أو تُدخِلَها
بيتَها وأرسَلَت إلى عائشة: سلي رسولَ الله وََّ، فقال: (لتُدخِلها)) الحديث، وعُرِفَ منه تسميةُ
(١) تصحفت في (س) إلى: خيثمة.
(٢) القرظ: نوع من أوراق الشجر يدبغ به، ووقع عند بعضهم: ((أقط)) بدل: قرظ.

٢٦٦
باب ٢٩ / ح ٢٦٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
أُمّ أسماء وأنَّهَا أُمُّها حَقيقة وأنَّ مَن قال: إنَّهَا أُمُّها من الرَّضاعة فقد وَهِمَ.
ووقع عند الزُّبَيرِ بن بَكّارٍ: أنَّ اسمَها قَيْلة، ورأيته في نُسخَةٍ مُجُوَّدةٍ(١) منه بسكونٍ
التَّحتانية، وضَبَطَه ابن ماكُولا بسكون المثنَّة، فعلى هذا فمَن قال: قُتَيلة صَفَّرَها. قال
الزُّبَير: أُمُّ أسماء وعبد الله ابنَي أبي بكر قَيْلة بنت عبد العُزّى؛ وساق نَسَبَها إلى حِسْل بن
عامر بن لُؤَيّ، وأمَّا قولُ الدَّاوُودي: إنَّ اسمَها أُمُّ بكر فقد قال ابن التِّين: لعلَّه كُنِيتُها.
٢٣٤/٥
قوله: ((قَدِمَت عليَّ أُمّي))/ زاد اللَّيث عن هشام كما سيأتي في الأدبِ (٥٩٧٩): ((مع
ابنِها»، وكذا في رواية حاتم بن إسماعيل عن هشام كما سيأتي في أواخر الجِزية(٢)، وذكر
الزُّبَيرُ أنَّ اسمَ ابنِها المذكورِ الحارثُ بن مُدرِك بن عبيد بن عَمْرو بن تَخَزوم ولم أرَ له ذِكراً في
الصحابة، فكأنَّه مات مُشرِكاً، وذكر بعضُ شُيوخِنا أنَّه وقع في بعضِ النَّسَخ: ((مع أبيها)»
بموحّدةٍ ثمّ تحتانیة، وهو تصحیف.
قوله: ((وهي مُشْرِكَة)» سأذكُرُ ما قيل في إسلامِها.
قوله: ((في عَهْدِ رسولِ اللهِ وَ﴿)) في رواية حاتم: ((في عَهِدِ قُرَيش إذ عاهَدوا رسولَ الله ◌َ
وأراد بذلك ما بين الُدَيبية والفتح، وسيأتي بيانُه في المغازي (٤١٤٧-٤١٩١).
قوله: ((فاستَفْتَيَت رسولَ اللهِ وَِّ قلتُ: إِنَّ أُمَّي قَدِمَت وهي راغِبةٌ)) في رواية حاتم:
((فقالت: يا رسول الله، إنَّ أُمّي قَدِمَت عليَّ وهي راغِبة))، ولمسلمٍ (١٠٠٣) من طريق
عبد الله بن إدريس عن هشام: ((راغِبة أو راهبة)) بالشَّكّ، وللطَّبَراني (٢٠٥/٢٤) من طريق
عبد الله بن إدريس المذكور: ((راغبة وراهبة))، وفي حديثٍ عائشة عند ابن حِبَّان (٤٥٣):
((جاءتني راغِية وراهبة)) وهو يُؤْيِّدُ روايةَ الطبراني، والمعنى: أنَّهَا قَدِمَت طالبةً في بَرِّ ابنِها لها
خائفة من رَدِّها إياها خائبة؛ هكذا فسَّرَه الجمهور، ونَقَلَ المستَغفِري أنَّ بعضَهم أوَّلَه فقال:
(١) تحرف في (س) إلى: مجرّدة.
(٢) برقم (٣١٨٣) ولكنه هناك باتفاق الروايات المعتمدة في اليونينية بلفظ: ((مع أبيها))، وسيذكر الحافظ بعد
قليل أنه وقع في بعض النسخ كذلك وأنه تصحيف.

٢٦٧
باب ٢٩ / ح ٢٦٢٠
كتاب الهبة
وهي راغبٌ في الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، ورَدَّه أبو موسى بأنَّه لم يقع في شيءٍ من
الرِّواياتِ ما يدلُّ على إسلامها، وقولها: ((راغبة)) أي: في شيءٍ تأخُّذُه وهي على شِركِها،
ولهذا استأذَنَت أسماء في أن تَصِلها، ولو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذنٍ، انتهى.
وقيل: معناه راغِبة عن ديني، أو راغِبة في القُربِ مِنّي ومجاوَرَتي والتَّوَدُّد إليَّ، لأنَّها
ابْتَدَأْت أسماءَ بالهديّة التي أحضَرَتها وَرَغِبَت منها في المكافأة، ولو ◌ُلَ قوله: ((راغِبة)) أي:
في الإسلام لم يَستَلِزِم إسلامها.
ووقع في رواية عيسى بن يونس عن هشام عند أبي داود (١٦٦٨) والإسماعيلي: ((راغِمة))
بالميم، أي: كارهةً للإسلام ولم تَقْدَمْ مهاجرةً.
وقال ابن بَطَّال: قيل معناه هاربة من قومِها، ورَدَّه بأنَّه لو كان كذلك لكان مُراغِمة،
قال: وكان أبو عَمْرو بن العَلاء يُفسِّرُ قوله: ﴿ مُرَغَمَا﴾ [النساء: ١٠٠] بالخروجِ عن
العدوِّ على رَغْمِ أنفِه، فيحتملُ أن يكون هذا كذلك، قال: ((وراغِبة)) بالموخَّدة أظهَرُ في
معنی الحدیث.
قوله: ((صِلي أُمَّك)) زاد في الأدبِ (٥٩٧٨) عَقِبَ حديثه عن الحُميدي عن ابن عُيَينة:
قال ابن عُيَينة: فأنزَلَ الله فيها: ﴿لَّا يَنْهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوُمْ فِي الِینِ﴾، وكذا وقع في
آخر حديثِ عبد الله بن الزُّبَيرِ، ولعلَّ ابن عُيَينة تَلَقّاه منه، وروى ابن أبي حاتم عن السُّدّي:
أنَّها نزلَت في ناسٍ من المشركينَ كانوا أليَنَ شيءٍ جانباً للمسلمينَ وأحسنَه أخلاقاً. قلت:
ولا مُنافاةَ بينهما فإنَّ السَّبَبَ خاصّ واللَّفظَ عامٌ، فيتناولُ كلَّ مَن كان في معنى والدة أسماء.
وقيل: نَسَخَ ذلك آيةُ الأمر بقتلِ المشركينَ حيثُ وُجِدوا، والله أعلم.
وقال الخطَّابي: فيه أنَّ الرَّحِمَ الكافرةَ تُوصَل من المال ونحوِه كما تُوصَل المسلمة،
ويُستنبَطُ منه وجوب نَفَقة الأب الكافر والأُمّ الكافرة وإن كان الوَلَد مسلماً. انتهى.
وفيه موادعة أهل الحربٍ ومُعاملَتُهم في زَمَنِ الهُدنة، والسَّفَرُ في زيارة القريبِ وتَحرّي

٢٦٨
باب ٣٠ / ح ٢٦٢١
فتح الباري بشرح البخاري
أسماءَ في أمر دينِها، وكيف لا وهي بنتُ الصِّدّيق وزوج الزّبير رضي الله عنهم.
٣٠- باب لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجعَ في هِبَته وصَدَقته
قوله: ((باب لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَرجِعَ فيِ هِبَتِهِ وصَدَقَتِهِ» كذا بَتَّ الحُكمَ في هذه المسألة
لقوَّة الدَّليلِ عنده فيها، وتقدَّم في ((باب الهِبَة للوَلَدِ)) أنَّه أشار في الترجمة إلى أنَّ للوالِدِ
الرُّجوعَ فيما وهَبَه للوَلَد، فيُمكِنُ أنَّه يَرى صِحَّةَ الرُّجوع له وإن كان حراماً بغير عذر،
واختلفَ السَّلَف في أصلِ المسألة وقد أشَرنا إلى تفاصيلِ مذاهبهم في ((باب الهِبَة للوَلَدِ)»
ولا فرقَ في الحكم بين الهَديَّةِ والهِبَة، وأمَّا الصَّدَقَةُ فاتَّفَقوا على أنَّه لا يجوزُ الرُّجوعُ فيها
بعدَ القَبض.
وأورَدَ المصنِّفُ في الباب حديثَين:
أحدهما: حديث ابن عباس من طريقين: إحداهما:
٢٦٢١ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ وشُعْبةُ قالا: حدَّثنا قَتَادةُ، عن سعيد بنِ
المسيّبِ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّوَِّ: ((العائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ».
قوله: ((حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام)) هو الدَّستُوائي ((وشُعْبة)) كذا أخرجه،
وتابَعَه أبو قِلابةَ عند أبي عَوَانَةَ (٥٦٤٧)، وأبو خليفة عند الإسماعيلي، وعليّ بن عبد العزيز
عند البيهقي (٦ / ١٨٠)، كلَّهم عن مسلم بن إبراهيم(١)، ورواه أبو داود (٣٥٣٨) عن
مسلم المذكورِ فقال: ((حدَّثنا شُعْبة وأبانُ وهَمَّام))، وتابعَه إسماعيل القاضي عن مسلم بن
إبراهيم عند أبي نُعيمٍ، فكأنَّه كان عند مسلم عن جماعة.
قوله: ((عن سعيد بن المسيّبٍ عن ابن عبّاس)) في رواية بَهْز(٢) عن شُعْبة: أخبرني قَتَادة،
(١) رواية أبي عوانة عن أبي قلابة عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وليس عن مسلم بن إبراهيم، ولعله
انتقال نظر من الحافظ رحمه الله، فرواية مسلم بن إبراهيم عنده تلي رواية عبد الصمد، رواها عنه أبو
داود السِّجزي عن هشام وأبان وهمام وشعبة.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: شهر.

٢٦٩
باب ٣٠ / ح ٢٦٢٢
كتاب الهبة
سمعت سعيد بن المسيّب يُحدِّثُ أنَّه سمِعَ ابن عبّاس، أخرجه أحمد (٢٥٢٩).
قوله: ((قال النبي ◌َّه)) في رواية بُكَير بن الأشَجِّ عن سعيد بن المسيّب: سمعتُ ابن عبّاس
يقول: سمعتُ رسولَ الله وَ ل يقول، أخرجه مسلم (٦/١٦٢٢).
قوله: ((العائد في هِبَتِه كالعائدِ في قَبِهِ)) زاد أبو داود (٣٥٣٨) في آخره: قال همَّامٍ: قال
قَتَادة: ولا أعلمُ القَيءَ إلَّا حراماً.
الطريق الثانية:
٢٦٢٢ - وحدَّثني عبدُ الرّحمنِ بنُ المبارَكِ، حذَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا أيوبُ، عن عِكْرِمةً،
عن ابنِ عبَّاسٍ / رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذي يَعُودُ في هِبَتِه ٢٣٥/٥
کالکلبِ یَرجِعُ في قَبِهِ)).
قوله: ((وحدَّثني عبد الرَّحمن بن المبارك» هو العَيْشي، بتحتانية ومُعجمة، بصريّ يُكنى أبا
بكر وليس أخاً لعبد الله بن المبارك المشهور، والإسنادُ كلُّه بصريون إلّا ابن عبّاس وعِكرِمة
وقد سكناها مُدَّة.
قوله: ((ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ) أي: لا ينبغي لنا مَعشَرَ المؤمنينَ أن نَتَّصِفَ بصِفةٍ ذَميمةٍ
يُشابهنا فيها أخَسُّ الحيواناتِ في أخَسِّ أحوالها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٍ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾[النحل: ٦٠]، ولعلَّ هذا أبلَغُ في الَّجرِ عن ذلك
وأدَلُّ على التحريم ممّاً لو قال مثلاً: لا تَعودوا في الهِبَة.
وإلى القولِ بتحريم الرُّجوع في الهِبَة بعدَ أن تُقبَضَ ذهب ◌ُمهور العلماءِ إِلَّ هِبَةَ الوالِدِ
لوَلَدِه، جمعاً بين هذا الحديث وحديث النُّعمان الماضي.
وقال الطَّحَاوي: وقوله: ((لا يَحِلّ)) لا يَسْتَلِزِمُ التحريم وهو كقوله: ((لا ◌َحِلُّ الصَّدَقة
لغَنيٍّ)) (١)، وإنَّما معناه لا تَحِلُّ له من حيثُ تَحِلُّ لغيره من ذَوي الحاجة، وأراد بذلك التَّغليظَ
(١) أخرجه أحمد (٦٥٣٠)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما، وهو حديث صحيح.

٢٧٠
باب ٣٠ / ح ٢٦٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
في الكراهة.
قال: وقوله: ((كالعائدِ في قَيْئِه)) وإن اقتَضى التحريم لكَون القَيء حراماً، لكنَّ الزّيادةَ في
الرِّواية الأُخرى وهي قوله: ((كالكلبِ)) تدلّ على عَدَمِ التحريمِ لأنَّ الكلبَ غير مُتَعَبَّدٍ،
فالقَيء ليس حراماً عليه، والمراد التَّنزيه عن فعلِ يُشبِهِ فعلَ الكلب.
وتُعقِّبَ باستبعاد ما تأوَّلَه ومُنافَرة سياق الأحاديثِ له، وبأنَّ عُرفَ الشَّرع في مِثلِ
٢٣٦/٥ هذه الأشياءِ المبالَغةُ في الزَّجرِ كقوله: / ((مَن لَعِبَ بالنَّردَشير، فكأنَّا غَمَسَ يدَه في لحم
خِنزیر))(١).
قوله: ((الَّذي يَعودُ في هِيَتِهِ)) أي: العائدُ في هِبَتِه إلى الموهوب، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ [الأعراف: ٨٨].
قوله: ((كالكلبِ يَرجِعُ في قَيْئِهِ)) هذا التَّمثيل وقع في طريق سعيد بن المسيّبِ أيضاً عند مسلم
(٥/١٦٢٢)، أخرجه من رواية أبي جعفر محمد بن عليٍّ الباقر عنه بلفظ: ((مَثَلُ الَّذِي يَرجِعُ في
صَدَقَتِهِ، كَمَثَل الكلب يَقِيُ ثمَّ يَرجِعُ في قَبِه فيأكُلُه))، وله (٦/١٦٢٢) في رواية بُكَيرِ المذكورة:
(أََّا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بصدقةٍ ثمَّ يَعودُ فِي صَدَقَتِهِ، كمَثَلِ الكلبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيتَه)).
الحديث الثاني: حديث عمرَ.
٢٦٢٣ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن زيد بنِ أسلَمَ، عن أبيه، سمعتُ عمرَ
ابنَ الخطّاب ﴾ يقول: حَلْتُ على فرسٍ في سبيلِ الله فأضاعَه الَّذي كان عندَه، فأرَدْتُ أن
أشْتَرِيَه منه، وظننتُ أنَّه بائعُه برُخْصٍ، فسألتُ عن ذلك النبيَّ وَله فقال: ((لا تَشْتَرِه وإن
أعطاكَه بدِرْهَمٍ واحدٍ، فإنَّ العائدَ في صَدَقَتِهِ كالكلبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ)).
قوله: ((حدَّثنا يحيى بن قَزَعة)) بفتح القاف والزّائِ والمهمَلة، مَكّ قديم لم يُرِّج له
غيرُ البخاري.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٩)، ومسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٣٩)، وابن ماجه (٣٧٦٣) من حديث
بريدة بن الحصيب.

٢٧١
باب ٣٠ / ح ٢٦٢٣
كتاب الهبة
قوله: ((عن زيد بن أسلم)) سيأتي في آخر حديثٍ في الهِبة (٢٦٣٦) عن الحميدي: «حدّثنا
سفيان، سمعتُ مالكاً يسألُ زيد بن أسلم فقال: سمعتُ أبي)) فذكره مختصراً، ولمالكٍ فيه
إسنادٌ آخرُ سيأتي في الجهاد (٣٠٠٢) عن نافع عن ابن عمر، وله فيه إسنادٌ ثالث عن عَمْرو
ابن دينار، عن ثابتٍ الأحنَف، عن ابن عمر، أخرجه ابن عبد البَرِّ.
قوله: ((سمعتُ عُمر بن الخطّاب)) زاد ابن المديني عن سفيان: ((على المِنِبَرِ)) وهي في
((الموطَّاتِ)) للدّارَ قُطني.
قوله: ((حَمَلْت على فرسٍ)) زاد القَعنبي في (الموطَّ)(١): ((عَتيق)) والعَتيقُ: الكَريم الفائق
من كلِّ شيء، وهذا الفرسُ أخرج ابن سعد (١/ ٤٩٠) عن الواقدي بسنده عن سهل بن
سعد في تسمية خيل النبي ◌َ ﴿ قال: ((وأهدى تميم الدّاري له فرَساً يقال له الوَرْد، فأعطاه
عمرَ فحَمَلَ عليه عمرُ في سبيلِ الله فوَجَدَه يُباعِ)) الحديث، فعُرِفَ بهذا تسميتُه وأصلُه، ولا
يُعارِضُه ما أخرجه مسلم (١٦٢١) ولم يَسُق لفظَه، وساقه أبو عَوَانَةَ في ((مُستخرَجِه))
(٥٦٥٦) من طريق عُبيد الله بن عمرَ عن نافع عن ابن عمرَ: ((أنَّ عمرَ حَمَلَ على فرسٍ في
سبيلِ الله، فأعطاه رسولُ الله ◌َّهِ رجلاً))؛ لأنَّه يُحمَلُ على أنَّ عمرَ لمَّا أراد أن يَتَصَدَّقَ به،
فَوَّضَ إلى رسولِ الله ◌ِّ اختيار مَن يَتَصَدَّقُ به عليه، أو استشارہ فیمَن يَحمِلُه عليه فأشار
به عليه، فنُسِبَت إليه العطيّة لگونِه أمرَه بها.
قوله ((في سبيلِ الله)) ظاهرُه أنَّه حَمَلَه عليه حَمْل تمليكٍ ليجاهدَ به، إذ لو كان حملَ تحبيسٍ لم
يَجُزْ بيعُه، وقيل: بَلَغَ إلى حالةٍ لا يُمكِنُ الانتفاعُ به فيما حُبِسَ فيه وهو مُفتَقِرٌ إلى ثُبُوت
ذلك، ويدلُّ على أنَّه تمليك قوله: ((العائد في هِبَتِه)) ولو كان حَبساً لَقال في حَبِه أو وقِفِه؛
وعلى هذا فالمراد بسبيلِ الله: الجهاد لا الوَقفُ، فلا حُجَّةَ فيه لمن أجازَ بيعَ الموقوفِ إِذا بَلَغَ
غايةً لا يُتصوَّرُ الانتفاعُ به فیما وُقِفَ له.
قوله: ((فأضاعه)) أي: لم يُحسِن القيام عليه وقَصَّرَ في مَؤونَتِه وخِدمَته، وقيل: أي: لم
يَعرِف مِقدارَه، فأراد بيعَه بدون قيمتِهِ، وقيل: معناه استعمله في غير ما جُعِلَ له،
(١) وكذا هو في رواية يحيى الليثي عن مالك ١/ ٢٨٢.

٢٧٢
باب ٣٠ / ح ٢٦٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
والأوَّل أظهَرُ، ويُؤيِّدُه رواية مسلم (١/١٦٢٠) من طريق رَوحٍ بن القاسم عن زيد بن
أسلم: ((فوَجَدَه قد أضاعه وكان قليلَ المال)» فأشار إلى عِلَّ ذلك، وإلى العُذرِ المذكورِ في
إرادة بیعه.
قوله: ((لا تَشْتَرِهِ ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ)) سمّى الشِّراءَ عَوداً في الصَّدَقة؛ لأَنَّ العادةَ جَرَت
بالمسامحة من البائعِ في مِثلِ ذلك للمُشتَري، فأطلقَ على القَدرِ الَّذِي يُسامحُ به رُجوعاً،
وأشار إلى الرُّخصِ بقوله: ((وإن أعطاكَه بدرهمٍ)).
ويُستَفَادُ من قوله: ((وإن أعطاكَه بدرهمٍ)) أنَّ البائعَ كان قد مَلَكَه ولو كان مُحبساً عليهِ
كما اذَّعاه مَن تقدَّمُ ذِكرُه وجازَ له بيعُه، لكَونِهِ صار لا يُنْتَفَعُ به فيما حُبِسَ له لمَا كان له أن
يَبيعَه إلَّا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يُسامحَ منها بشيءٍ، ولو كان المشتَري هو المحبِسَ،
والله أعلم.
وقد استَشكَلَه الإسماعيلي وقال: إذا كان شرطُ الواقفِ ما تقدَّم ذِكرُه في حديثِ ابن
عمر في وقفِ عمرَ لا يُباعُ أصلُه ولا يوهَبُ، فكيف يجوزُ أن يُباعِ الفرسُ الموهوبُ؟
وكيف لا يُنْهَى بائعُه أو يُمنَعُ من بيعِه؟ قال: فلعلَّ معناه أنَّ عمر جَعَلَه صدقة يُعطيها مَن
يَرى رسولُ اللهِ وَّر إعطاءَه، فأعطاها النبي ◌َّ الرجلَ المذكورَ، فجَرى منه ما ذكر،
ويُستَفادُ من التَّعليلِ المذكورِ أيضاً أنَّه لو وَجَدَه مثلاً يُباعُ بأغلى من ثمنِه لم يتناوله النَّهيُ.
قوله: «فإنَّ العائدَ في صَدَقَتِهِ ... )) إلى آخره، حَمَ الجمهورُ هذا النَّهي في / صورة الشِّراءِ
على التَّنزيه، وحَمَلَه قومٌ على التحريمِ. قال القُرطُبي وغيره: وهو الظَّاهر. ثمَّ الزَّجر المذكور
مخصوص بالصّورة المذكورة وما أشبهَها لا ما إذا رَدَّه إليه الميراثُ مثلاً.
٢٣٧/٥
قال الطَّبَري: يُخَصُّ من عُمومٍ هذا الحديث مَن وَهَبَ بشرطِ الثَّواب ومَن كان والداً،
والموهوب ولده والهِبَة التي لم تُقبَض والتي رَدَّها الميراث إلى الواهبِ لُبُوتِ الأخبار
باستثناء كلّ ذلك. وأمَّا ما عدا ذلك كالغني يُثيبُ الفقير ونحو مَن يَصِلُ رَحِمَه فلا رُجوعَ
لهؤلاء، قال: وممّا لا رجوعَ فيه مُطلَقاً الصَّدَقة يُرادُ بها ثواب الآخرة.

٢٧٣
باب ٣١ / ح ٢٦٢٤
كتاب الهبة
وقد استُشكِلَ ذِكر عمرَ مع ما فيه من إذاعة عملِ البِرِّ وكِتمانُه أرجَح، وأُجيبَ بأنَّه
تَعارَضَ عنده المصلَحَتان - الكِتِمان وتبليغُ الحكمِ الشَّرعي - فَرَجَّحَ الثاني فعَمِلَ به.
وتُعُقِّبَ بأنَّه كان يُمْكِنُه أن يقولَ: ◌َلَ رجل على فرسٍ مثلاً ولا يقول: حَلتُ، فيجمعُ بين
المصلَحتَين. والظَّاهرُ أنَّ مَحَلَّ رُجحان الكِتمان إنَّما هو قبلَ الفعلِ وعنده، وأمَّا بعدَ وقوعِه
فلعلَّ الَّذي أُعطيَه أذاع ذلك فانتفى الكِتمان، ويُضافُ إليه أنَّ في إضافَتِه ذلك إلى نفسِه
تأكيداً لصِحَّة الحكم المذكور؛ لأَنَّ الَّذِي تَقَعُ له القِصَّةُ أجدَر بضَبطِها مَمَّن ليس عنده إلَّا
وقوعها بحُضوره، فلمَّا أمِن ما يُحشى من الإعلان بالقَصدِ صَرَّحَ بإضافة الحكمِ إلى نفسِه،
ويحتملُ أن يكون مَحَلّ ترجيح الكِتمان لمن يخشى على نفسِه من الإعلان العُجبَ والرّياء،
أمَّا مَن أمِن من ذلك گَهُمرَ فلا.
٣١- بابٌ
٢٦٢٤ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم،
قال: أخبرني عبدُ الله بنُ عُبيد الله بنِ أبي مُلَيكةً: أنَّ بني صُهَيبٍ مَوْلى بني جُدْعانَ ادَّعَوْا بيتَينِ
وحُجْرَةً أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أُعطَى ذلك صُهَيباً فقال مروانُ: مَن يَشْهَدُ لكما على ذلك؟ قالوا: ابنُ
عمرَ، فَدَعاه فشَهِدَ: لَأَعْطَى رسولُ اللهِّهِ صُهَيْباً بيتَينِ وحُجْرةً، فقَضَى مروانُ بشهادتِه لهم.
قوله: ((بابٌ)) كذا للجميعِ بغير ترجمة، وهو كالفصلِ من الباب الَّذي قبلَه.
ومُناسَبتُه لها أنَّ الصحابةَ بعدَ ثُبُوت عَطيّة النبيِّ نَّهِ ذلك لصُهَيبٍ لم يَستَقْصِلوا هل
رَجَعَ أم لا؟ فدَلَّ على أن لا أثرَ للرُّجوعِ في الهِبَة.
قوله: ((أنَّ بني صُهَيب)) هو ابن سِنَان الرّومي، وقد تقدَّم أصله في العرب في ((باب شِراء
المملوكِ من الحربي)) من كتاب البيوع (٢٢١٩).
وقوله: ((مولى بني جُدعان)) كذا في رواية الكُشْمِيهني، وللباقينَ: ((مولى ابن جُدعان))
وهي رواية الإسماعيلي من طريق أبي حاتم عن إبراهيم بن موسى شيخ البخاري فيه،

٢٧٤
باب ٣١ / ح ٢٦٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وابن جُدعان: هو عبد الله بن جُدعان بن عَمْرو بن كعبٍ بن سعد بن تَيم بن مُرَّة، وأمَّا
صُهَيب فكان له من الوَلَدِ مَمَّن روى عنه حمزة وسَعد وصالح وصَيفي وعبَّاد وعثمان
ومحمد وحبيب.
قوله: ((فقال مروان)) هو ابن الحَكم حيثُ كان أمير المدينة لمعاوية، وكان موت صُهَیب
بالمدينة في أواخرٍ خلافة علي.
قوله: ((مَن يَشْهَدُ لكما؟)) كذا فيه بالتَّنية؛ وبقية القِصَّة بصيغة الجمع، فيُحمَلُ على أنَّ
المتوَلّي للدَّعوى بذلك منهم كانا اثنَينِ ورَضِيَ الباقون بذلك، فنُسِبَ إليهم تارةً بصيغَة
الجمعِ وتارةً بصيغَة الَّنية، على أنَّ في رواية الإسماعيلي: ((فقال مروان: مَن يَشْهَدُ لكم؟»
ولا إشكال فيه. أجابَ الكِرْماني بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان عند بعضِهم.
قوله: (لَأعطى)) بفتح اللّام، هي لامُ القَسَم، كأنَّ أعطى الشَّهادةَ حكم القَسَم، أو فيه
قَسَمٌّ مُقدَّر، أو عَبَّرَ عن الخيرِ بالشَّهادة، والخبرُ يُؤَكَّدُ بالقَسَمِ كثيراً وإن كان السَّامع غير
٢٣٨/٥ مُنكِرٍ، ويُؤيِّدُ كونَه خبراً أنَّ مروان قضى لهم بشهادة ابن عمرَ وحدَه،/ ولو كانت شهادة
حَقيقة لاحتاجَ إلى شاهدٍ آخرَ. ودعوى ابن بَطَّالٍ أنَّه قضى لهم بشهادتِه ويمينهم فيه نظرٌ،
لأنَّه لم يُذكر في الحديث.
وقد استَدَلَّ به بعضُ المتأخِرينَ لقولِ بعضِ السَّلَفِ كَشُرَيح: إنَّه يَكفي الشّاهدُ الواحدُ
إذا انضَمَّت إليه قَرِينَةٌ تدلُّ على صِدقِه، وتَرجَمَ أبو داود في السُّنَنِ ((باب إذا عَلِمَ الحاكم
صِدقَ الشّاهد الواحد يجوزُ له أن يَحِكُمَ)) وساق (٣٦٠٧) قِصَّةَ خُزيمة بن ثابت في سببٍ
تَسميتِه ذا الشَّهادتين، وهي مشهورة، والجمهورُ على أنَّ ذلك خاصٌّ بخُزيمةَ، والله أعلم.
وقال ابن التِّين: يُحتَمَلُ أن يكون مروانُ أعطى ذلك مَن يَسْتَحِقُّ عنده العطاءَ من مال الله،
فإن كان النبيُّ عليه الصلاةُ والسَّلامُ أعطاه كان تنفيذاً له، وإن لم يكن كان هو المنشِئَ
للعطاء، قال: وقد يكون ذلك خاصّاً بالفَيءٍ كما وقع في قِصَّة أبي قَتَادة، حیثُ قضى له
بدَعواه وشهادةِ مَن كان عنده السَّلَبُ.

٢٧٥
باب ٣٢ / ح ٢٦٢٥ - ٢٦٢٦
كتاب الهبة
قوله: ((بيتَينِ وحُجْرة)) ذكر عمرُ بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)): أنَّ بيتَ صُهَيب كان لأُمّ
سَلَمَةٍ فَوَهَبَتْه لصُهَيبٍ، فلعلَّها فعَلَت ذلك بأمر النبي وَّهِ، أو نُسِبَ إليها بطريق المجازِ وكان
في الحقيقة للنبي وَّةِ، فأعطاه لصُهَيبٍ، أو هو بيتٌ آخرُ غير ما وقعت به الدَّعوى المذكورة.
٣٢ - باب ما قيل في العُمْری والرُّقْبی
أعمَرْتُه الدّارَ فهي عُمْرَى: جَعَلْتُها له، ﴿وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَاراً.
٢٦٢٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرٍ ﴾ قال: قَضَی
النبيُّ وَّ بِالعُمْرَى: أنَّهَا لِمَن ◌ُهِبَت له.
٢٦٢٦ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثْنا همَّامٌ، حدَّثْنا قَتَادةُ، قال: حدَّثني النَّضْرُ بنُ أنسٍ،
عن بَشِيرٍ بِنِ غَبِيكٍ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّنَّ قال: (العُمْرَى جائزةٌ)).
وقال عطاءٌ: حدَّثني جابرٌ، عن النبيِّ وَِّ، مِثْلَه.
قوله: ((باب ما قيل في العُمْرى والرُّقْبى)) أي: ما وَرَدَ في ذلك من الأحكام، ثبت
للأصِیلي و گرِیمة بسملةٌ قبلَ الباب.
والعُمرى بضمِّ المهمَلة وسكون الميمِ مع القَصْر، وحُكيَ ضَمُّ الميمِ مع ضَمّ أوَّلِه،
وحُكيَ فتح أوَّله مع السُّكون، مأخوذ من العُمْرِ، والرُّقْبى بوزنها مأخوذة من المراقَبة؛
لأَنَّهم كانوا يَفْعَلون ذلك في الجاهلية، فيُعطي الرجلَ الدّارَ ويقول له: أعمَرتُك إياها، أي:
أبَحتُها لك مُدَّةَ عُمرِك، فقيل لها: عُمرى لذلك، وكذا قيل لها: رُقبى؛ لأَنَّ كلَّ منهما يَرِقُبُ
متى يموتُ الآخر لتَرجِع إليه، وكذا ورَثَتُه فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلُها لُغةً.
أمَّا شرعاً، فالجمهور على أنَّ العُمْرى إذا وقعت كانت مِلكاً للآخِذِ ولا تَرجِعُ إلى
الأوَّل، إلَّا إن صَرَّحَ باشتراط ذلك. وذهب الجمهورُ إلى صِحَّة العُمرى إلَّا ما حكاه أبو
الطيِّبِ الطََّري عن بعضِ الناس، والماوَرديُّ عن داود وطائفةٍ. لكن ابن حَزْمِ قال بصِحَّتِها
وهو شيخُ الظَّاهرية.

٢٧٦
باب ٣٢ / ح ٢٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ اختلفوا إلى ما يَتَوجَّه التَّمليك، فالجمهور أنَّه يَتَوجَّه إلى الرَّقَبَة كَسائِرِ الهِبات، حتَّى
لو كان المُعْمَرُ عبداً فأعتَقَه الموهوبُ له نَفَذَ بخلاف الواهب، وقيل: يَتَوَجَّه إلى المنفَعة دون
الرَّقَبة، وهو قولُ مالك والشّافعي في القديم. وهل يُسلَك به مَسلَك العاريَّة أو الوَقف؟
روايتان عند المالكية، وعن الحنفية: الثَّمليكُ في العُمرى يَتَوَجَّه إلى الرَّقَبة، وفي الرُّقبى إلى
٢٣٩/٥ المنفَعة، / وعنهم: أنَّها باطلة.
وقول المصنّف: ((أعمَرتُه الدّارَ فهي عُمرى: جَعَلتُها له)) أشار بذلك إلى أصلِها، وأطلقَ
الجُعَلَ لأنَّه يَرى أنَّها تصيرُ مِلكَ الموهوب له كقولِ الجمهورِ ولا يَرى أنَّها عاريَّة كما سيأتي
تصريحُه بذلك في آخر أبواب الهِبَة (٢٦٣٦).
وقوله: ((﴿وَأَسْتَعْمَرَكُمُ فِيهَا﴾: جَعَلَكُمْ عُمَاراً)) هو تفسيرُ أبي عُبيدة في ((المجازِ)) وعليه
يَعْتَمِدُ كثيراً، وقال غيره: ﴿وَأُسْتَعْمَرَكُمْ﴾: أطالَ أعماركُم، وقيل معناه: أذِنَ لكم في عِمارَتِها
واستخراج قُوتِكُم منها.
قوله: ((عن یحیی)) هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ عن جابر)) في رواية هشام عن يحيى: حدَّثني أبو سَلَمة سمعتُ
جابر بن عبد الله، أخرجه مسلم (١٦٢٥/ ٢٥)، وأبو سَلَمة: هو ابن عبد الرَّحمن.
قوله: ((قضى النبي ◌َّرَ بالعُمرى أنَّها لمن وُهِبَت له)) هو بفتح ((أنَّها)) أي: قضى بأنَّها، وفي
رواية الزُّهري عن أبي سَلَمة عند مسلم (٢٠/١٦٢٥): «أُّما رجلٍ أَعمَرَ عُمرى له ولِعَقِهِ،
فإنَّها للَّذي أُعطيَها لا تَرجِعُ إلى الَّذي أعطاها، لأنَّه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث)) هذا
لفظُه من طريق مالك عن الزُّهري، وله نحوُه من طريق ابن جُرَيج عن الزُّهري، وله من
طريق اللَّيث عنه: ((فقد قَطَعَ قولُه حقَّه فيها، وهي لمن أُعمِرَ ولِعَقِه)) ولم يَذكُرِ التَّعليلَ
الَّذي في آخره، وله من طريق مَعمَرٍ عنه: ((إنَّما العُمرى التي أجازَها رسولُ اللهِوَ ◌ّ أن
يقولَ: هي لك ولِعَقِبِك، فأمَّا الَّذي قال: هي لك ما عِشتَ، فإنَّها تَرجِعُ إلى صاحبِها، قال
مَعمَر: كان الزُّهري يُفتي به)) ولم يَذكُر التَّعليل أيضاً، وبَيَّنَ من طريق ابن أبي ذِئب عن

٢٧٧
باب ٣٢ / ح ٢٦٢٦
كتاب الهبة
الزّهري: أنَّ التَّعليلَ من قولِ أبي سَلَمة، وقد أوضحتُه في كتاب ((المدرَج)»، وأخرجه مسلم
(٢٦/١٦٢٥و٢٧) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: جَعَل الأنصار يُعمِرون المهاجرينَ
فقال النبي ◌َّ: ((أمسِكوا عليكُم أموالَكُم ولا تُفسِدوها، فإنَّه مَن أَعمَرَ عُمرى فهي للَّذي
أُعمِرَها حَيّاً وميَِّاً ولِعَقِبِه)).
فیجتَمِعُ من هذه الرِّواياتِ ثلاثة أحوال:
أحدُها: أن يقولَ: ((هي لك ولِعَقِبِك)) فهذا صريح في أنَّها للمَوهوب له ولِعَقِهِ.
ثانيها: أن يقولَ: ((هي لك ما عِشتَ، فإذا مُتَّ رَجَعَت إليَّ) فهذه عاريَّة مُؤَقَّتَة وهي
صحيحة، فإذا مات رَجَعَت إلى الَّذي أعطى، وقد بَيَّنَت هذه والتي قبلها روايةُ الزُّهري،
وبه قال أكثر العلماء، ورَجَّحَه جماعة من الشّافعية، والأصحّ عند أكثرهم لا تَرجِعُ إلى
الواهب، واحتَجّوا بأنَّه شرطٌ فاسدٌ فَأُلغيَ، وسأذكُرُ الاحتجاجَ لذلك آخر الباب.
ثالثها: أن يقولَ: أعمَرتُكَها ويُطلِقَ، فرواية أبي الزُّبَير هذه تدلُّ على أنَّ حكمها حكم
الأوَّل، وأنَّها لا تَرجِعُ إلى الواهب، وهو قولُ الشّافعي في الجَديد والجمهور، وقال في
القديم: العَقدُ باطل من أصلِهِ. وعنه كقولِ مالكٍ، وقيل: القديمُ عن الشّافعي كالجَديد.
وقد روى النَّسائي (٣٧٥٥): أنَّ قَتَادة حَكَى أَنَّ سليمان بن هشام بن عبد الملِك سألَ
الفقهاءَ عن هذه المسألة - أعني صورةَ الإطلاق - فذكر له قَتَادة عن الحسنِ وغيره أنَّها
جائزةٌ، وذكر له حديث أبي هريرة بذلك، قال: وذكر له عن عطاءٍ عن جابر عن النبيِ وَال
مِثْلَ ذلك، قال: فقال الزُّهري: إنَّما العُمرى - أي: الجائزةُ - إذا أَعمَرَ له ولِعَقِه من بعدِه،
فإذا لم يَجَعَل عَقِبَه من بعدِه كان للَّذي يَجِعَلُ شرطَه. قال قَتَادة: واحتَجَّ الزُّهري بأنَّ الْخُلَفاءَ
لا يقضون بها فقال عطاء: قضى بها عبد الملك بن مروان.
قوله: ((عن بَشير)) بالمعجَمة وزن عَظيم ((بن نَهيك)) بالنّونِ وزن ولدِه.
قوله: ((العُمْرى جائزة)) فَهِمَ قَتَادة - وهو راوي الحديث - من هذا الإطلاق ما حَكَيْتُه
عنه، وحَمَلَه الزّهرُّ على التَّفصيل الماضي، وإطلاق الجواز في هذه الرِّواية لا يُفهَم منه غير

٢٧٨
باب ٣٢ / ح ٢٦٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
الِحِلّ أو الصِّحَّة، وأمَّا حَمله على الماضي للَّذي يُعاطاها، وهو الذي حَمَلَه عليه قَتَادة
فيحتاج إلى قَدْر زائد على ذلك، وقد أخرج النَّسائي (٣٧٥٢) من طريق محمد بن عَمْرو
عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا عُمرى، فمَن أعمَرَ شيئاً فهو له)) وهو يَشهَد لمَا
فَهِمَه قَتَادٌ.
قوله: ((وقال عطاء: حدَّثني جابر عن النبي ◌ِِّ، مثلَه)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((نحوه))
٢٤٠/٥ بدل:/ ((مثله))، وطريق عطاء موصولة بالإسناد المذكور عن قَتَادة عنه، فقَتَادة هو القائل:
((وقال عطاء)) ووَهِمَ مَن جَعَلَه مُعلَّقاً، وقد بَيَّنَ ذلك أبو الوليد عن همَّام، أخرجه أبو نُعيم
في ((مُستخرَجَه)) من طريقِه بالإسنادينِ جميعاً ولفظُهما واحد؛ وهو يُقوِّي رواية أبي ذرٍّ،
وقد رواه مسلم (١٦٢٥) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة بلفظ: ((العُمرى
ميراث لأهلِها».
تنبيه: تَرجَم المصنِّف بالرُّقْبِى ولم يَذكُر إلَّا الحديثَينِ الواردَينِ في العُمرى، وكأنَّه يَرى
أَّهما مُتَّحِدا المعنى وهو قول الجمهور، ومَنَعَ الرُّقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافقَ أبو
يوسف الجمهورَ؛ وقد روى النَّسائي (٣٧١١) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس مَوقوفاً:
((العُمرى والرُّقبى سواء))، وله (٣٧٢٨) من طريق إسرائيل عن عبد الكريم، عن عطاء
قال: ((نَهى رسول الله وَ له عن العُمرى والرُّقبى. قلت: وما الرُّقبى؟ قال: يقول الرجل
الرَّجُل: هي لكَ حَياتَك، فإن فعَلتُم فهو جائز)) هكذا أخرجه مُرسلاً، وأخرجه (٣٧٣٢)
من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن حَبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا عُمرى
ولا رُقبى، فمَن أعمَرَ شيئاً أو أرقَبَه، فهو له حياتَه ومماتَه)) رجاله ثقات، لكن اختُلِفَ في
سماع حَبيب له من ابن عمر، فصَرَّحَ به النَّسائي في طريق، ومعناه(١) في طريق أُخرى.
وقال الماوَرْدي: اختلفوا إلى ماذا يُوَجَّه النَّهي؟ والأظهَر أنَّه يتوجّه إلى الحكم، وقيل:
يَتَوجَّه إلى اللَّفظِ الجاهلي والحكم المنسوخ، وقيل: النَّهي إِنَّما يَمنَعُ صِحَّة ما يفيد المنهي عنه
(١) كذا في الأصلين و(س): ومعناه، ويغلب على ظنِّنا أنه خطأ من النُّساخ، وأن الصواب فيه: ونفاه، فقد
صرّح بالسماع عنده برقم (٣٧٣٤)، ونفاه برقم (٣٧٣٣).

٢٧٩
باب ٣٣ / ح ٢٦٢٧
كتاب الهبة
فائدة، أمَّا إذا كان صِحَّة المنهي عنه ضَرَراً على مُرتَكِبِه فلا يَمنَعِ صِخَّته كالطَّلاق في زَمَن
الحيض، وصِحَّة العُمرى ضَرَر على المعمِر، فإنَّ مِلكَه يزول بغير عِوَض، هذا كلّه إذا ◌ُمِلَ
النَّهي على التحریم.
فإن ◌ُلَ على الكراهة أو الإرشاد لم يَحتَجْ إلى ذلك، والقَرِينة الصَّارفة ما ذُكِرَ في آخر
الحديث من بيان حكمه، ويُصرِّح بذلك قوله: ((العُمرى جائزة))، وللتِّرمِذي (١٣٥١) من
طريق أبي الزُّبَير عن جابر رَفَعَه: ((العُمرى جائزة لأهلِها، والرُّقبَى جائزة لأهلِها)) والله أعلم.
قال بعض الخُذّاق: إجازة العُمرى والرُّقبى بعيد عن قياس الأُصول، ولكنَّ الحديث
مُقدَّم، ولو قيل بتحريمِهما للنَّهي، وصِخَّتِهِما للحديثِ لم يَبعُد، وكأنَّ النَّهيَ لأمرٍ خارج وهو
حِفظ الأموال، ولو كان المراد فيهما المنفَعة كما قال مالك لم يَنهَ عنهما، والظَّاهر أنَّه ما كان
مقصود العرب بهما إلَّا تمليك الرَّقَبَة بالشَّرطِ المذكور، فجاء الشَّرع بمُراغَمَتِهِم فصَحَّحَ
العَقد على نَعت الهِبَة المحمودة، وأبطَلَ الشَّرط المضادّ لذلك، فإنَّه يُشبِهِ الرُّجوع في الهِبَة،
وقد صَحَّ النَّهي عنه وشُبَِّ بالكلبِ يَعود في قَبِه. وقد روى النَّسائي (٣٧١٠) من طريق أبي
الُّبَير عن ابن عبّاس رَفَعَه: ((العُمرى لمن أعمَرَها، والرُّقبى لمن أرقَبَها، والعائد في هِبَتَه
كالعائدِ في قَيْئِه))، فشرط الرُّجوع المقارن للعَقدِ مِثل الرُّجوع الطارئ بعدَه فَنَهى عن ذلك،
وأمَرَ أن يُبقيَها مُطلَقاً أو يُخْرِجَها مُطلَقاً، فإن أخرجها على خلاف ذلك بَطَلَ الشَّرط وصَحَّ
العَقد مُراغَمةً له. وهو نحو إبطال شرط الوَلاء لمن باع عبداً كما تقدم في قصة بَرِيرة(١).
٣٣- باب من استعار من الناس الفرس
٢٦٢٧- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، قال: سمعتُ أنساً يقول: كان فَزَعُ بالمدينةِ،
فاستَعَارَ النبيُّ ◌َ﴿ فَرَساً من أبي طَلْحَةَ يقال له: المندُوبُ، فَرَكِبَ، فلمَّا رَجَعَ قال: ((ما رأَينا من
شيءٍ، وإن وَجَدْناه لَبَحْراً)).
[أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢]
قوله: ((باب من استَعارَ من النّاس الفرسَ)) زاد أبو ذرٍّ عن مشايخه: ((والدّابَّةَ)) وزاد عن
(١) عند ((باب ما يجوز من شروط المكاتب))، الحديث (٢٥٦١) من كتاب المكاتب.

٢٨٠
باب ٣٤ / ح ٢٦٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤١/٥ الكُشْمِيهني: ((وغيرَها)) وثبت / مِثلُه لابن شَبّويه لكن قال: ((وغيرهما)) بالتَّثنية، وذكر بعض
الشُّرَاح ممّن أدرَكناه قبلَ الباب ((كتاب العاريَّة)) ولم أرَه في شيءٍ من النَّسَخِ ولا الشُّروح،
والبخاري أضافَ العاريَّةَ إلى الهِبَة لأنَّهَا هِبَةُ المنافع.
والعاريَّةُ بتشديد التَّحتانية ويجوزُ تخفيفها، وحُكي عارَة براءٍ خفيفةٍ بغير تحتانيةٍ، قال
الأزهري: مأخوذةٌ من عارَ: إذا ذهب وجاء، ومنه سُمّي العَيّار؛ لأنَّه يُكثِرُ الذَّهابَ
والمجيءَ، وقال البَطَلْيَوْسيّ: هي من التَّعاوُر: وهو التَّنَاوُبُ، وقال الجَوْهَري: منسوبةٌ إلى
العار لأنَّ طلبَها عارٌ، وتُعُقِّبَ بوقوعِها من الشّارعِ ولا عارَ في فعلِه، وهذا التَّعَقُّب، وإن
كان صحيحاً في نفسِه، لكنَّه لا يَرِدُ على ناقلِ اللُّغة، وفعلُ الشّارعِ في مِثْلِ ذلك لبيان
الجواز. وهي في الشَّرع: هِبَةُ المنافعِ دون الرَّقَبة ويجوزُ تَوقيتُها.
وحكمُ العاريَّة إذا تَلِفَت في يدِ المستعير أن يَضمَنَها إلّا فيما إذا كان ذلك من الوجه
المأذونِ فيه، هذا قول الجمهور، وعن المالكية والحنفية: إن لم يَتَعَدَّ لم يَضمَنْ.
وفي الباب عِدَّة أحاديثَ ليس فيها شيء على شرط البخاري، أشهَرُها حديث أبي أُمامةَ:
أَنَّه سمعَ النبيَّ وَّهِ فِي حَجَّة الوَدَاعِ يقول: ((العاريّةُ مُؤَدّاة، والَّعيم غارِم)) أخرجه أبو داود
(٣٥٦٥) وحَسَّنَه التِّرمِذي (١٢٦٥) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٥٠٩٤).
قلت: في الاستدلال به نظرٌ، وليس فيه دلالةٌ على التَّضمينِ لأَنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُّكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وإذا تَلِفَت الأمانةُ لم يَلزَمْ رَدُّها. نعم روی
الأربعة وصَحَّحَه الحاكمُ (١) من حديثِ الحسنِ عن سَمُرة رَفَعَه: «على اليد ما أخَذَت حتَّى
تُؤَدَّه)) وسماع الحسنِ من سمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فيه، فإن ثبت ففيه حُجَّةٌ لقولِ الجمهور، والله أعلم.
قوله: ((كان فزَعٌ بالمدینةِ» أي: خوفٌ من عدوّ.
قوله: ((من أبي طَلْحة)) هو زيد بن سهل زوج أُمّ أنس.
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، وابن ماجه (٢٤٠٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧٨٣)،
والحاكم ٢/ ٤٧.