النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب ١٧ / ح ٢٥٩٦ - ٢٥٩٧ كتاب الهبة الرِّواية اللَّبسَ الذي تقدَّمت الإشارة إليه في كتاب الشَّفعة (٢٢٥٩)، ووقع عند الإسماعيلي: ((من بني تَيْمِ الرَّباب)) بفتح الراء والموخَّدة الخفيفة وآخره موخَّدة أُخرى، وهو وهمٌ، والصواب تَيْم بن مُرَّة، وهو رَهط أبي بكر الصِّدّيق، وقد وافقَ محمد بن جعفر على ذلك يزيدُ بن هارون عن شُعْبة كما حكاه الإسماعيلي، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الأدب (٦٠٢٠) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((باباً)) منصوب على التَّمییز. ١٧ - باب من لم يقبل الهدية لعلَّةٍ وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، كانتِ الهَدِيَّةُ في زَمَنِ رسولِ اللهِوَّ هَدِيَّةً، واليومَ رِشْوةٌ. ٢٥٩٦- حدَّثْنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخبَرَه: أنَّه سمعَ الصَّعْبَ بنَ جَّامَةَ اللَّيْثِيَّ، وكان من أصحاب النبيِّ وَِّ يُخبرُ: أَنَّه أهدَى لرسولِ اللهِوَّ حِمارَ وَحْشٍ وهو بالأبواءِ أو بوَدّانَ، وهو يُخْرٌِ، فَرَدَّه، قال صَعْبٌ: فلمَّا عَرَفَ في وجهي رَدَّه هَدِيَّتِي قال: «ليسَ بنا رَدُّ عليكَ، ولكنّا حُرُمٌ)». ٢٥٩٧ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير، عن أبي حُميدِ الساعِدِيِّ ◌َثُّ، قال: اسْتَعْمَلَ النبيُّ ◌َّهِ رجلاً مِن الأزدِ يقالُ له: ابنُ اللُّنْبِيَّةِ على الصَّدَقةِ، فلمَّا قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ لي، قال: ((فَهَلَّا جَلَسَ في بيتٍ أبيه أو بيتِ أُمُّه فِيَنْظُرُّ أَيْهدى له أم لا؟ والَّذي نفسي بيده، لا يأخُذُ أحدٌ منه شيئاً إلا جاء به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على رقبتِه، إن كان بعيراً له رُغاءٌ، أو بَقَرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيعَر)) ثمَّ رَفَعَ بَيَدِه حتَّى رأينا عُفْرَةَ إِيْطَيه: ((اللهمَّ هل بَلَّغْتُ، اللهمَّ هل بَلَّغْت)) ثلاثاً. قوله: ((باب مَن لم يقبل الهديّة لِعِلَّةٍ)) أي: بسببٍ يَنشَأ عنه الرّيبة كالقَرضِ ونحوه. قوله: ((وقال عُمر بن عبد العزيز ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن سعد (٣٧٧/٥) بقِصَّةٍ فيه، ٢٤٢ باب ١٧ / ح ٢٥٩٦ -٢٥٩٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢٢١/٥ فروى من طريق فُرات بن مسلم قال: اشتَهى عمر بن عبد العزيز التَّفّاح فلم يَجِد / في بيته شيئاً يشتري به، فَرَكِبنا معه، فَتَلَقّاه غِلمان الدَّير بأطباق تُفّاح، فَتَناوَلَ واحدة فشَمَّها ثمَّ رَدَّ الأطباق، فقلت له في ذلك! فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: ألم يكن رسولُ الله وَليل وأبو بكر وعُمر يقبلون الهديّة؟ فقال: إنَّها لأولَئِكَ هديّة وهي للعُمّال بعدهم رِشوَة. ووَصَلَه أبو نُعيم في ((الحِلية)) (٢٩٤/٥) من طريق عَمْرو بن مُهاجر عن عمر بن عبد العزیز في قِصَّة أُخرى. وقوله: ((رِشْوَة) بضمِّ الراء وكسرها ويجوزُ الفتح، وهي ما يُؤْخَذُ بغير عِوَض ويُعاب آخِذه. وقال ابن العربي: الرِّشوَة كلّ مال دُفِعَ ليُبتاع به من ذي جاهٍ عَوْناً على ما لا يَحِلّ، والمرتَشي قابضه، والرَّاشي مُعطِيه، والرَّائش الواسطة، وقد ثبت حديث عبد الله بن عَمْرو في لَعن الرَّاشي والمرتَشي، أخرجه التِّرمِذي (١٣٣٧) وصَحَّحَه، وفي رواية: ((والرَّائش والرَّاشِي))(١)، ثمَّ قال: الذي يُهدي لا يَخْلُو أن يَقصِدَ وُدَّ المُهْدَى إليه أو عَوْنَه أو مالَه، فأفضلُها الأوَّل، والثالث جائز لأنَّه يَتَوَقَّع بذلك الزّيادة على وجه جميل، وقد تُستَحبُّ إن كان محتاجاً والمُهْدي لا يَتَكَلَّف وإلَّا فِيُكرَه، وقد تكون سبباً للمَوَدَّة وعَكسها. وأمَّا الثاني، فإن كان لمعصيةٍ فلا يَحِلُّ، وهو الرِّشوَة، وإن كان لطاعةٍ فُيُستَحَبّ، وإن كان لجائزٍ فجائز، لكن إن لم يكن المهدَى له حاكماً والإعانةُ لدفع مَظلِمة أو إيصالِ حقّ فهو جائزٌ، ولكن يُستَحبُّ له ترك الأخْذ، وإن كان حاكماً فهو حرام. انتهى مُلخَّصاً. وفي معنى ما ذكره عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد (٢٣٦٠١) والطبراني من حديث أبي مُميدٍ مرفوعاً: ((هدايا العُمّال غُلول)) وفي إسناده إسماعيل بن عَيّاش، وروايته عن غير أهل بلده (٢) ضعيفة، وهذا منها، وقيل: إنَّه رواه بالمعنى من قِصَّة ابن اللُّتبية المذكورة (١) من حديث ثوبان عند أحمد (٢٢٣٩٩)، والحاكم ١٠٣/٤، والطبراني (١٤١٥)، وفي إسناده أبو الخطاب وهو مجهول، وليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. (٢) تحرف في (س) إلى: أهل المدينة. ٢٤٣ باب ١٨ كتاب الهبة ثاني حدیثَي الباب. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عبّاس وجابر ثلاثتها في الطبراني ((الأوسط)) (٧٨٥٢ و ٦٩٠٢ و ٤٩٦٩) بأسانيد ضعيفة. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثين: أحدهما: حديث الصَّعب بن جَّامة في قِصَّة الحمار الوَحْشي، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوَى في الحجّ (١٨٢٥). الثاني: حديث أبي حُميدٍ في قِصَّة ابن اللُّتبية، وسيأتي الكلام عليه مُستَوَى في كتاب الأحكام (٧١٧٤) إن شاء الله تعالى، وسَبَقَ في أواخر الزكاة (١٥٠٠) تَسميته وضَبط اللُّبية. ووجه دخولهما في التَّرجمة ظاهر. أمَّا حديث الصَّعب، فإنَّ النبيَّ وَّهِ بَيَّنَ العِلَّة في عَدَم قَبُوله هَديتَه لكَونِه كان مُرِماً، والمحرِم لا يأكُل ما صِيدَ لأجلِه؛ واستنْبَطَ منه المهلَّب رَدَّ هديّة مَن كان ماله حراماً أو عُرِفَ بالظُّلم. وأمَّا حديث أبي حُميدٍ، فلأنَّهِ وَِّ عابَ على ابن اللُّتبية قَبُولَه الهديّة التي أُهديت إليه لكونه كان عاملاً، وأفاد بقوله: ((فهلّا جَلَسَ في بيت أُمّه)) أنَّه لو أُهديَ إليه في تلك الحالة لم تُكرَه لأنَّها كانت لغیر رِيبة. قال ابن بَطَّال: فيه أنَّ هدايا العُمّال تُجُعَل في بيت المال، وأنَّ العامل لا يَملِكُها إلَّ إن طلبَها له الإمام. وفيه كَراهية قَبُول هدية طالب العِناية. وقوله في حديث أبي حُميدٍ: ((حتَّى نظرتُ عُفْرة)) بضمِّ المهمَلة وفتحها وسكون الفاء وقد تُفْتَح، وهي بَياضٌ ليس بالناصع. ١٨ - بابٌ إذا وَهَبَ هبةً أو وَعَدَ ثم مات قبل أن تصل إليه وقال عَبِيدةُ: إن ماتا وكانت فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ والمُهْدَى له حَيٌّ فهي لوَرَثَتِه، وإن لم تَكُنْ ٢٤٤ باب ١٨ / ح ٢٥٩٨ فتح الباري بشرح البخاري فُصِلَت فهي لوَرَثةِ الَّذِي أهدَى. وقال الحسنُ: أَيُّهما مات قَبْلُ، فهي لوَرَثةِ المُهْدَى له إذا قَبَضَها الرَّسُولُ. ٢٥٩٨ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ المنكَدِر، سمعتُ جابراً ﴾، قال: قال ليَ النبيُّ وَّهِ: ((لو جاءَ مالُ البَحْرَينِ أعطَيْتُكَ هكذا)) ثلاثاً، فلم يَقْدَمْ حتَّى تُوقِّيَ ٢٢٢/٥ النبيُّ وََّ، فأمَرَ / أبو بكرٍ مُنادِياً فنادَى، مَن كان له عندَ النبيِّ ◌َلَ عِدَةٌ أو دَينٌ فَلْيأْتِنا، فأتيتُه فقلتُ: إِنَّ النبيَّ وَ ◌ّهِ وَعَدَني؛ فحَثَى لي ثلاثاً. قوله: ((باب إذا وَهَبَ هِبَة أو وَعَدَ ثمَّ مات قبلَ أن تَصِلَ إليه)) أي: الهديّة، وفي رواية الكُشْمِيهني: أو وَعَدَ عِدَةً. قال الإسماعيلي: هذه التَّرجمة لا تَدخُلُ في الهِبَة بحالٍ. قلت: قال ذلك بناءً على أنَّ الهِبَةَ لا تَصِحُّ إلَّا بالقَبض، وإلَّا فليست هِبَةً، هذا مُقتَضى مذهبه، لكن مَن يقول: إنَّها تَصِحُ بدون القَبضِ يُسَمّيها هِبَةً، وكأنَّ البخاري جَنَحَ إلى ذلك، وسأذكُرُ نَقل الخلاف فيه في الباب الذي يليه. وقال ابن بَطَّل: لم يُروَ عن أحد من السَّلَف وجوب القضاء بالعِدَة، أي: مُطلَقاً، وإنّما نُقِلَ عن مالك: أنَّه يَجِب منه ما كان بسببٍ. انتهى، وغَفَلَ عَّ ذكره ابن عبد البَرِّ عن عمر ابن عبد العزيز، وعَّ نَقَلَه هو عن أصبَغَ، وعمّا سيأتي في البخاري الذي تَصَدّى لشرحِه في (باب مَن أمَرَ بإنجازِ الوَعْد)) في أواخر الشَّهادات (٢٦٨١-٢٦٨٤)، وسيأتي نَقل ما فيه والبحث فيه في مكانه إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال عَبيدَة)) بفتح أوَّله: وهو ابن عَمْرو السَّلْماني، بفتح المهمَلة وسكون اللّام. قوله: ((إن ماتا)) أي: المُهْدي والمُهْدى إليه ... إلى آخره، وتفصيلُه بين أن تكون انفَصَلَت أم لا، مَصيرٌ منه إلى أنَّ قَبْض الرَّسول يقوم مقام قبضِ المهدى إليه. وذهب الجمهورُ إلى أنَّ الهديّة لا تَنَتَقِل إلى المهدى إليه إلَّا بأن يَقِضَها أو وكيلُه. قوله: ((وقال الحسن: أيّهما مات قَبْلُ، فهي لوَرَثَةِ المهدى له إذا قَبَضَها الرَّسول)) قال ابن ٢٤٥ باب ١٩ / ح ٢٥٩٩ كتاب الهبة بَطَّالِ: قال مالك كقولِ الحسن، وقال أحمد وإسحاق: إن كان حاملها رسول المُهدي رَجَعَت إليه، وإن كان حاملها رسول الُهدى إليه فهي لوَرَثَتِهِ. وفي معنى قول عَبيدة وتفصيله حديث رواه أحمد (٢٧٢٧٧) والطبراني (٢٠٥/٢٥) عن أُمّ كُلثوم بنت أبي سَلَمة وهي بنت أُمَ سَلَمة قالت: لمَّا تزوَّج النبي ◌َّ أُمّ سَلَمة قال لها: إنّ قد أهديت إلى النَّجاشي خُلَّة وأواقيَ من مِسك، ولا أرى النَّجاشي إلَّا قد مات ولا أرى هَديتي إلَّا مردودة عليَّ، فإن رُدَّت عليَّ فهي لك، قال: وكان كما قال، الحديث. وإسناده حسن. ثم ذكر المصنِّفُ حديثَ جابر في وفاء أبي بكر الصِّدّيق له ما وَعَدَه به النبيُّ ◌َِِّ، وسيأتي بسطُ شرحِه في كتاب فرض الخُمُس (٣١٣٧) إن شاء الله تعالى. قال الإسماعيلي: ليس ما قاله النبيِ وَّ لجابر هِبَة، وإنَّما هي عِدَة على وَصفٍ، لكن لمَّا كان وعد النبي ◌َّ لا يجوزُ أن يُخْلَفَ نَزَّلوا وعدَه مَنزِلة الضَّمان في الصِّحَّة فَرْقاً بينه وبين غيره من الأُمَّة مَمَّن يجوزُ أن يَفيَ وأن لا يَفي. قلت: وجه إيراده أنَّه نَزَّلَ الهديّة إذا لم تُقْبَض مَنِزِلة الوَعد بها، وقد أمَرَ الله بإنجازِ الوعد، لكن حَمَلَه الجمهور على النَّدب کما سيأتي. ١٩ - باب كيف يُقبَض العبدُ والمتاع وقال ابنُ عمرَ: كنتُ على بَكْرٍ صَعْبٍ، فاشتَراه النبيُّ وَّه وقال: ((هو لكَ يا عبدَ الله)). ٢٥٩٩- حدَّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن المِسْوَرِ بنِ تَحَرَمةَ رضي الله عنهما أنَّه قال: قَسَمَ رسولُ اللهِوَّهِ أَقِيَةً، ولم يُعْطِ مَخَرَمةَ منها شيئاً، فقال مخرمةُ: يا بُنِيَّ انطَلِقْ بنا إلى رسولِ الله وَّةِ، فانطَلَقْتُ معه فقال: ادْخُل فادْعُه لي، قال: فَدَعَوْتُه له، فخَرَجَ إليه وعليه قَباءٌ منها فقال: ((خَبَأْنا هذا لكَ)) قال: فَتَظَرَ إليه فقال: ((رَضِيَ تَخَرَمةُ)). [أطرافه في: ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢] قوله: ((باب كيف يُقبَض العبدُ والمتاع)) أي: الموهوب. ٢٢٣/٥ ٢٤٦ باب ٢٠ / ح ٢٦٠٠ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن بَطَّل: كيفية القَبْض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب وحِيازة الموهوب لذلك، قال: واختلفوا هل من شرط صِحَّة الهِبَة الحيازة أم لا؟ فحَكَى الخلافَ، وتحريره: قولُ الجمهور: أنَّها لا تَتِمّ إلَّا بالقبض، وعن القديم - وبه قال أبو ثَوْر وداود -: تَصِحّ بنفسِ العَقْد وإن لم تُقبَض، وعن أحمد: تَصِحُّ بدون القبض في العين المعَيَّنَة دون الشّائعة، وعن مالك كالقديم لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثُّلث افْتُقِرَ إلى إجازة الوارث. ثُمَّ إِنَّ التَّرجمة في الكيفية لا في أصل القَبْض، وكأنَّه أشار إلى قول مَن قال: يُشتَرَطُ في الهِبَة حقيقة القَبْض دون التَّخلية، وسأُشيرُ إليه بعد ثلاثة أبواب. قوله: (وقال ابن عُمر: کنت علی بکر صَعْب)) الحديث، تقدَّم ذِكْره وشرحُه في كتاب البيوع (٢١١٥). ثم ذكر المصنِّفُ حديثَ المِسوَر بن ◌َرَمةَ في قِصَّة أبيه في القَباء، وسيأتي الكلام عليه في كتاب اللِّباس (٥٨٠٠). وقوله: ((فقال: خَبَأْنا هذا لك؛ قال: فَتَظَرَ إليه فقال: رَضِيَ تَخَرَمة)) قال الدَّاوُودي: هو من قول النبيِّ وَّة على جِهَة الاستفهام، أي: هل رَضِيتَ؟ وقال ابن التِّين: يُحتَمَل أن يكون من قول تَرَمة. قلت: وهو المتبادر للذِّهن. ٢٠ - باب إذا وهب هبةً فقبضها الآخَرُ ولم يقل: قَبلتُ ٢٦٠٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مَحِبُوبٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ◌ُميد بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَ لَه فقال: هَلَكْت؟ فقال: ((وما ذاكَ؟)) قال: وقَعْتُ بأهلي في رمضانَ قال: ((أَنَجِدُ رقبةً؟)) قال: لا، قال: ((فَهَل تستطيعُ أن تصومَ شهرَينٍ مُتَتَابعَينٍ؟)) قال: لا، قال: ((فتستطيعُ أن تُطْعِمَ سِقِينَ مِسْكِيناً؟)) قال: لا، قال: فجاء رجلٌ مِن الأنصار بعَرَقٍ - والعَرَقُ: الِكْتَلُ فيه تمرٌ - فقال: ((اذهَبْ بهذا فتَصَدَّقْ ٢٤٧ باب ٢١ كتاب الهبة به)) قال: على أحوَجَ مِنّا يا رسولَ الله؟ والَّذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما بين لابَتَيها أهلُ بيتٍ أحوَجُ مِنّا، ثم قال: ((اذهَبْ فأطعِمْه أهلَكَ)). قوله: ((باب إذا وَهَبَ هِبَة فقَبَضَها الآخر ولم يَقُل: قَبِلْت)) أي: جازَت، ونَقَلَ فيه ابن بَطَّال اتّفاق العلماء، وأنَّ القبض في الهِبَة هو غاية القَبُول، وغَفَلَ رحمه الله عن مذهب الشّافعي، فإنَّ الشّافعية يَشتَرِطون القَبُول في الهِبَة دون الهديّة، إلَّا إن كانت الهِبَة ضِمنية كما لو قال: أَعْتِقْ عبدَك عنِّي، فعَتَقَه عنه، فإنَّه يَدخُلُ في مِلكه هِبَّةً ويُعتَق عنه ولا يُشتَرَطِ القَبُول. ومُقابل إطلاق ابن بَطَّال قول الماوردي: قال الحسن البصري: لا يُعتَبَرُ القَبُول في الهِبَة كالعِثْق، قال: وهو قول شَذَّ به عن الجماعة وخالَفَ فيه الكافَّة إلّا أن يريد الهديّة فيُحتَمَل. انتهى، على أنَّ في اشتراط القَبُول في الهديّة وجهاً عند الشّافعية. ثم أوردَ فيه حديث أبي هريرة في قِصَّة المجامِع في رمضان، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في الصّيام (١٩٣٦)، والغَرَض منه أنَّه وَّهِ أعطى الرجل الثَّمر فقَبَضَه ولم يقل: قَبِلتُ، ثمّ قال له: ((اذهب فأطعِمْه أهلك))، ولمن اشتَرَطَ القَبُول أن يُجِيبَ عن هذا بأنَها واقعةُ عَينٍ، فلا حُجَّة فيها، ولم يُصرِّح فيها بذِكرِ القَبُول ولا بنَفِْهِ. وقد اعتَرضَ الإسماعيلي بأنَّه ليس في الحديث أنَّ ذلك كان هِبَة، بل لعلَّه كان من الصَّدَقة فيكون قاسماً لا واهباً. انتهى، وقد تقدَّم في الصوم التصريح بأنَّ ذلك كان من الصَّدَقة، وكأنَّ المصنّف يَجِنَحُ إلى أنَّه لا فرق في ذلك. ٢١ - باب إذا وهب ديناً على رجلٍ ٢٢٤/٥ قال شُعْبةُ، عن الحَكَمِ: هو جائزٌ. ووَهَبَ الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السَّلام لرجلٍ دَينَه. وقال النبيُّ ◌ََّ: ((مَن كان له عليه حقٌّ فَلْيُعْطِهِ، أو لِيَتَحَلَّلْه منه)). فقال جابرٌ: قُتِلَ أبي وعليه دَينٌ فسألَ النبيُّ وَ غُرَماءَه أن يقبلُوا ثَمَرَ حائطي، ويُحلِّلُوا أبي. ٢٤٨ باب ٢١ / ح ٢٦٠١ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦٠١ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: حدَّثني ابنُ كَعْبٍ بنِ مالكِ، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما أخبره: أنَّ أباه قُتِلَ يومَ أُحدٍ شَهِيداً، فاشتَّ الغُرَماءُ في حُقُوقِهم، فأتيتُ رسولَ الله وَّرَ فَكَلَّمْتُه، فسألهم أن يقبلُوا ثَمَرَ حائطي، ويُحُلِّلُوا أبي فأبَوْا، فلم يُعْطِهم ولم يَكْسِرْه لهم ولكن قال: ((سأغدُو عليكَ إِنْ شاء الله)) فَدا علينا حتَّى أصبَحَ، فطافَ في النَّخْلِ، ودَعا في ثَمَرِه بالبَرَكَةِ فَجَدَدْتُها فَقَضَيتُهم حُقُوقَهم وبَقِيَ لنا من ثَمَرِها بَقِيَّةٌ، ثمَّ جِئْتُ رسولَ الله ◌َِّ وهو جالسٌ فأخبَرْتُه بذلك فقال رسولُ اللهِ وَلِّ العُمرَ: ((اسمَعْ - وهو جالسٌ - يا عمر)) فقال: أَلَّا يكونُ قد عَلِمْنا أَنَّكَ رسولُ الله، والله إنَّكَ لَرسولُ الله. قوله: ((باب إذا وَهَبَ دَيناً على رجل)) أي: صَحّ ولو لم يقبضه منه ویقبِض له. قال ابن بَطَّال: لا خلاف بين العلماء في صِحَّة الإبراء من الدَّين إذا قَبِلَ البَراءة، قال: وإنَّما اختلفوا إذا وَهَبَ دَيناً له على رجل لرجلٍ آخر، فمَن اشتَرَطَ في صِحَّة الهِبَة القَبْض لم يُصَحِّح هذه، ومَن لم يَشتَرِطه صَخَّحَها، لكن شَرَطَ مالكٌ أن تُسَلَّم إليه الوثيقة بالدّينِ ويَشهَد له بذلك على نفسه أو يُشهِدَ بذلك ويُعلِنه إن لم یکن به وثیقة، انتهى. وعند الشّافعية في ذلك وجهان: جَزَمَ الماوردي بالبُطلان، وصَحَّحَه الغَزالي ومَن تَبِعَه، وصَحَّحَ العُمْراني وغيره الصِّحَّة. قيل: والخلاف مُرَتَّب على البيع إن صَخَّحنا بيع الدَّين من غير مَن عليه فالهِبَة أَولى، وإن مَنَعناه ففي الهِبَة وجهان، والله أعلم. قوله: ((وقال شُعْبة عن الحگم: هو جائز)) وَصَلَه ابن أبي شيبة (٧٦/٧) عن أبي داود عن شُعْبة قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى - يعني محمد بن عبد الرحمن - فسألَني عن رجل كان له على رجل دَين فوَهَبَه له، ألَّه أن يَرجِعَ فيه؟ قلت: لا. قال شُعْبة: فسألت حَمَّاداً فقال: بلى، له أن يَرجِعَ فيه. قوله: ((ووَهَبَ الحسنُ بن عليّ دَينَه لرجلٍ)) لم أقف على مَن وَصَلَه. قوله: (وقال النبي ◌َّ: مَن كان عليه حقّ فَلْيُعْطِه أو ليتَحَلَّله منه)) أي: من صاحبه، ٢٤٩ باب ٢٢ / ح ٢٦٠٢ كتاب الهبة وَصَلَه مُسدَّد في ((مسنده)) من طريق سعيد المقبُري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن كان لأحدٍ عليه حقٌّ فليُعطِه إياه أو ليتَحَلَّله منه)) الحديث، وقد تقدَّم موصولاً بمعناه في كتاب المظالم (٢٤٤٩)، ووجه الدّلالة منه لجوازِ هِبَة الدَّين: أنَّه وَيهِ سوَّى بين أن يُعطيَه إياه أو يُحُلِّلَه منه، ولم يَشتَرِط في التَّحليل قَبضاً. قوله: ((وقال جابر: قُتِلَ أبي ... )) إلى آخره، وَصَلَه في الباب بأتمَّ منه، وتُؤْخَذُ التَّرجمةُ من قوله: ((فسألَ النبيُّ وَ غُرَماء والد جابر أن يقبلوا ثَمَرَ حائطه وأن يُحلِّلوه)) فلو قَبِلوا كان في ذلك براءة ذِمَّته من بقية الدَّين، ويكون في معنى التَّرجمة، وهو هِبَة الدّين، ولو لم يكن جائزاً لما طلبَه النبي ◌ِّ. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((وقال اللَّيث: حذَّثني يونس)) وَصَلَه الذُّهلي في ((الزُّهريات)) عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث، وقد سبق من وجه آخر في الاستقراض (٢٣٩٥)، ويأتي الكلام عليه مُستَوقّى في علامات النُّوَّة (٣٥٨٠) إن شاء الله تعالى. ٢٢ - باب هبة الواحد للجماعة ٢٢٥/٥ وقالت أسماءُ للقاسِمِ بنِ محمَّدٍ وابنِ أبي عَنِيقٍ: وَرِثْتُ عن أُختي عائشةَ بالغابةِ، وقد أعطاني به معاویةٌ مِئةً ألفٍ فهو لكما. ٢٦٠٢ - حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ حَثِ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ وعن يمينِهِ غلامٌ، وعن يَسارِهِ الأشياخُ فقال للغلامِ: ((إن أذِنْتَ لي أعطَيَتُ هُؤُلاءٍ)) فقال: ما كنتُ لأُوثِرَ بنَصِيبي منكَ يا رسولَ الله أحداً، فتَلَّه في يدِه. قوله: ((باب هِبَة الواحد للجماعةِ)) أي: يجوز ولو كان شيئاً مُشاعاً. قال ابن بَطَّل: غَرَضُ المصنّف إثبات هِبَة المُشَاع، وهو قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفة، كذا أَطْلَقَ، وتُعقّبَ بأنَّه ليس على إطلاقه وإنَّما يُفرَّقُ في هِبَة المُشاع بين ما يقبلُ ٢٥٠ باب ٢٣ / ح ٢٦٠٣ - ٢٦٠٤ فتح الباري بشرح البخاري القِسمةَ وما لا يقبلُها، والعِبرة بذلك وقت القَبْض لا وقت العَقْد. قوله: ((وقالت أسماءُ)) هي بنت أبي بكر الصِّدّيق، والقاسم بن محمد: هو ابن أبي بكر وهو ابن أخيها، وابن أبي عَتيق: هو أبو بكر عبد الله بن أبي عَتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو ابنُ ابنِ أخي أسماء. تنبيه: ذكر ابن الِّين أنَّه وقع عنده في رواية القابسي إسقاط الواو من قوله: ((وابن أبي عَتيق)) فصار القاسم بن محمد بن أبي عَتيق، وهو غَلَط، ومَعَ كَونه غَلَطاً فإنَّه یصیر غیر مناسب للترجمة. قوله: ((ورِثْت عن أُختي عائشة)) لمَّا ماتت عائشة رضي الله عنها وَرِثَها أُختاها أسماء وأُمّ كُلثوم وأولاد أخيها عبد الرحمن، ولم يَرِثها أولاد محمد أخيها لأنَّه لم يكن شقيقَها، وكأنَّ أسماء أرادت جَبْرَ خاطر القاسم بذلك وأشرَكَت معه عبدَ الله، لأنَّه لم يكن وارثاً لوجودِ أبيه. ثم أورد المصنِّفُ حديثَ سهلٍ بن سعد في قِصَّة شُرب الأيمَن فالأيمَن، وقد تقدَّم في المظالم (٢٤٥١)، ويأتي الكلامُ عليه مُستَوَى في الأشربة (٥٦٢٠)، وقد اعتَرَضَ الإسماعيلي بأنَّه ليس في حديث سهلِ ما تَرجَمَ به وإنَّما هو من طريق الإرفاق وأطالَ في ذلك، والحقّ - كما قال ابن بَطَّل -: أنَّهِوَ لَه سألَ الغلام أن يَهَبَ نصيبَه للأشياخ، وكان نصيبُه منه مُشاعاً غير مُتميِّز، فدَلَّ على صِحَّة هِبَة المُشاع، والله أعلم. ٢٣ - باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة، والمقسومةِ وغيرِ المقسومةِ وقد وَهَبَ النبيُّ ◌َل﴿ وأصحابُه لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا منهم وهو غيرُ مَقْسُومٍ. ٢٦٠٣ - وقال ثابتُ بنُ محمَّدٍ: حدَّثنا مِسْعَرٌ، عن مُحارِبٍ، عن جابرٍ عُ: أتيتُ النبيَّ ◌ِل في المسجدِ فقَضَاني وزادني. ٢٦٠٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُحاربٍ، سمعت جابرَ بنَ ٢٥١ باب ٢٣ / ح ٢٦٠٥ - ٢٦٠٦ كتاب الهبة عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: بِعْتُ مِن النبيِّ وَ لَه بعيراً في سَفَرٍ، فلمَّا أتينا المدينةَ قال: «ائْتِ المسجدَ فصَلِّ رَكْعَتَينٍ)) فَوَزَنَ؛ قال شُعْبةُ: أُراه فَوَزَنَ لي فأرجَحَ، فما زالَ منها شيءٌ حتَّى أصابها أهلُ الشَّامِ يومَ الحَرّةِ. ٢٦٠٥ - حدَّثْنَا قُتَيةُ، عن مالكٍ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ ﴾: أنَّ رسولَ الله آلآ ٢٢٦/٥ أَتِيَّ بِشَرابٍ، وعن يمينه غلامٌ، وعن يَسارِهِ أشياخٌ فقال للغلام: «أتأذَنُ لي أن أُعطيَ هؤلاءِ؟)) فقال الغلامُ: لا والله لا أُوْثِرُ بنَصِيبي منكَ أحداً، فتَلَّه في يدِه. ٢٦٠٦ - حدّثنا عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جَبَلَةَ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن سَلَمَةَ، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: كان لرجلٍ على رسولِ اللهِوَّ دَيْنٌّ فَهَمَّ به أصحابُه فقال: ((دَعُوه، فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً)) وقال: اشتَرُوا له سِنّاً، فأعطُوها إيّاه)) فقالوا: إنّا لا نَجِدُ سِنّاً إلا سِنّاً هي أفضلُ من سِنِّ؟ قال: «فاشتَرُوها فأعطُوها إِّهِ، فإنَّ من خيرِكُم أحسنَكُم قَضاءً)». قوله: ((باب الهِبَة المقبوضةِ وغير المقبوضةِ والمقسومةِ وغير المقسومةِ)) أمَّا المقبوضة فتقدَّم حكمُها، وأمَّا غيرُ المقبوضة فالمراد القَبض الحقيقي، وأمَّا القَبضُ التَّقديري فلا بُدَّ منه لأنَّ الَّذي ذكره من هِبَة الغانمينَ لوَفد هَوازِن ما غَنِموا قبلَ أن يُقسَّمَ فيهم ويَقبِضوه فلا حُجَّةَ فيه على صِحَّة الهِبَة بغير قبضٍ؛ لأنَّ قَبضَهم إياه وقع تقديريّاً باعتبار حِيازَتِهِم له على الشّيوع. نعم قال بعض العلماء: يُشتَرطُ في الهِبَة وقوع القَبض الحقيقي ولا يَكفي القَبض التَّقديري بخلاف البيع، وهو وجهٌ للشّافعية، وأمَّا الْهِبَةُ المقسومةُ فحكمُها واضح، وأمَّا غيرُ المقسومة فهو المقصودُ بهذه الترجمة وهي مسألةُ هِبَة المُشاع، والجمهورُ على صِحَّة هِبَة المُشاع للشَريكِ وغيره، سواء انقَسَمَ أو لا، وعن أبي حنيفة: لا يَصِحُّ هِبَة جُزءٍ ممّاً يَنْقَسِمُ مُشاعاً لا من الشَّرِيكِ ولا من غيره. قوله: (وقد وَهَبَ النبي ◌َّ وأصحابه لهُوازِنَ ما غَنِموا منهم، وهو غيرُ مَقْسومٍ)) سيأتي ٢٥٢ باب ٢٤ / ح ٢٦٠٧ فتح الباري بشرح البخاري موصولاً في الباب الَّذي يَليه بأتمّ من هذا، وقوله: ((وهو غيرُ مقسوم)) من تَفَقُّه المصنّف. قوله: ((حذَّثني ثابت)) هو ابن محمد العابد. وثبت كذلك عند أبي عليّ بن السَّكَن، كذا للأكثر. وبه جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستخرَجِ))، وفي رواية أبي زيد المروَزي: ((وقال ثابت)) ذكره بصورة التَّعليق وهو موصولٌ عند الإسماعيلي وغيره، وفي رواية أبي أحمد الجُرجاني قال البخاري: ((حدَّثنا محمد، حدَّثنا ثابت)) فزاد في الإسناد محمداً ولم يُتَابَع على ذلك، والَّذي أظنُّه أنَّ المراد بمحمد: هو البخاري المصنِّفُ ويقعُ ذلك كثيراً، فلعلَّ الجُرجاني ظَنَّه غيرَه، والله أعلم. وسيأتي الكلامُ على حديث جابر في الشُّروط (٢٧١٨). ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ سهل بن سعد المذكورَ في الباب الَّذي قبلَه، وقد قَدَّمتُ توجیھَہ. ثم أوردَ حديث أبي هريرة في الَّذي كان له على النبيِ وََّ دَين فقال: ((اشتَروا له سِنًّ»، وقد تقدَّم شرحُه في الاستقراض (٢٣٩٠)، وتوجيهُه ظاهرٌ أيضاً. وعبد الله بن عثمان شيخ المصنِّفِ فيه: هو المعروفُ بعَبْدان. ٢٤ - باب إذا وهب جماعةٌ لقوم ٢٦٠٧، ٢٦٠٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، أنَّ مروانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَرَمةَ أخبَرَاه: أنَّ النبيَّ ◌َّ قال حينَ جاءه وَفْدُ هَوازِنَ مُسلِمِينَ فسألُوه أن يردّ إليهم أموالَهُم وسَبْيَهم فقال لهم: ((مَعِي مَن تَرَوْنَ، وأحَبُّ الحديث إليَّ أصدَقُه، فاختارُوا إحدَى الطّائِفَتَيْنِ، إمّا السَّبْيَ، وإمّا المالَ، وقد كنتُ استَأَنَيت)) - وكان النبيُّ وَ انْتَظَرَهم بضْعَ عَشْرَةَ ليلةً حينَ قَفَلَ مِن الطّائِفِ - فلمَّا تَبيَّنَ لهم أنَّ النبيَّ ◌ََّ غيرُ رادٌ إليهم ٢٢٧/٥ إلَّا إحدَى الطّائِفَتَينِ قالوا: فإنّا نَخْتارُ سَبْيَنا، فقامَ في المسلمِينَ/ فأثْنَى على الله بما هو أهلُه ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ إخوانَكُم هؤلاءِ جاؤُونا تائبِينَ، وإنّ رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمَن أحَبَّ منكم أن يُطيِّبَ ذلك فلْيَفْعَل، ومَن أحَبَّ أن يكونَ على حَظِّه حتَّى نُعْطِيَه إِّاه من أوَّلِ ما يُفِي ءُ الله علينا، فَلْيَفْعَلْ)) فقال النّاسُ: طَيَّينا يا رسولَ الله لهم، فقال لهم: ((إنّا لا نَدْري مَن أذِنَ ٢٥٣ باب ٢٥ / ح ٢٦٠٩ - ٢٦١٠ كتاب الهبة منكم فيه ممَّن لم يأذَن، فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَينا عُرَفاؤُهم)) ثمَّ رَجَعُوا إلى النبيِّ ◌َِّ فأخبَروه أنَّهم طَيّبوا وأذِنُوا؛ وهذا الَّذِي بَلَغَنا من سَبٍْ هَوازِنَ. هذا آخرُ قولِ الزُّهْريِّ، يعني: فهذا الَّذِي بَلَغَنا. قوله: ((باب إذا وَهَبَ جماعةٌ لقوم)) زاد الكُشْمِيهني في روايته: ((أو وَهَبَ رجلٌ جماعة جازَ)) وهذه الزِّيادة غير محتاج إليها لأنَّها تقدَّمت مُفرَدة قبلُ بباب. وقد أورَدَ فيه حديث المِسوَر في قِصَّة هَوازِنَ، وسيأتي مُستَوفَّى في غَزْوة حُنَينٍ في المغازي (٤٣١٨ و٤٣١٩). ووجه الدّلالة منه لأصلِ الترجمة ظاهر لأنَّ الغانمينَ - وهم جماعة - وهَبوا بعض الغنيمة لمن غَنِموها منهم وهم قومُ هَوازِنَ. وأمَّا الدّلالةُ لزيادة الكُشْمِيهني، فمِن جِهَة أنَّه كان للنبي وَّ سهمٌ مُعيَّنٌ - وهو سهم الصَّفِي(١) - فوَهَبَه لهم، أو من جِهَةٍ أَنَّه ◌َ لّاسْتَوَهَبَ من الغانمينَ سِهامَهم فوَهَبوها له، فوهبها هو لهم. ٢٥ - باب من أُهديَ له هديةٌ وعنده جلساؤه فهو أحق ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّ جُلَساءَه شُرَ كاؤُه. ولم يَصِحَّ. ٢٦٠٩ - حدَّثنا ابنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَلِّ: أَنَّه أخَذَ سِنّاً فجاء صاحبُه يَتَقاضاه، فقالوا له، فقال: ((إنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً) ثمَّ قَضاهُ أفضلَ من سِنِّه وقال: ((أفضلُكُم أحسنُكُمْ قَضاءً)). ٢٦١٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن عَمْرٍو، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه كان مَعَ النبيِّ نَّهِ فِي سَفَرٍ، وكان على بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فكان يَتَقَدَّمُ النبيَّ ◌َِّ فيقُولُ أبوه: يا عبدَ الله، لا يَتَقَدَّمُ النبيَّ أحدٌ، فقال له النبيُّ وَّ: ((بِعْنِيه)) فقال عمرُ: هو لكَ، فاشتَراه ثمَّ قال: ((هو لكَ يا عبدَ الله، فاصْنَعْ به ما شِئْتَ)). (١) الصَّفِي: هو الشيء النفيس الذي يصطفيه النبي ◌َّ لنفسه كفرسٍ أو سيفٍ ونحو ذلك من الغنيمة قبل القسمة. ٢٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب مَن أُهْدِيَ له هديّة وعنده جُلَساؤُه فهو أحقُّ بها)) أي: منهم. قوله: ((ويُذكَّرُ عن ابن عبّاس: أنَّ جُلَساءَه شُرَ كَاؤُه، ولم يَصِحَّ)) هذا الحديث جاء عن ابن عبَّاس مرفوعاً ومَوقوفاً، والموقوف أصلَحُ إسناداً من المرفوع، فأمَّا المرفوع فوَصَلَه عبد بن حُميدٍ (٧٠٥) من طريق ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((مَن أُهديت له هدية وعنده قومٌ فهم شُرَكاؤُه فيها)) وفي إسناده مِندَل بن عليّ وهو ضعيف، ورواه محمد بن مسلم الطائفي عن عَمْرو كذلك، واختُلِفَ على عبد الرَّزّاق عنه في رفعِه ووَقِفِه (١)، والمشهور عنه الوَقف، وهو أصُ الرِّوايَتين عنه، وله شاهدٌ مرفوعٌ من حديثٍ الحسن بن عليّ في ((مسندٍ)) إسحاق بن راهويه، وآخر عن عائشة عند العُقَيلي وإسنادُهما ضعيف أيضاً، قال العُقَيلي(٢): لا يَصِحُّ في هذا الباب عن النبي ◌َّ شيء. قال ابن بَطَّل: لو صَحَّ حديثُ ابن عبّاس لحُمِلَ / على النَّبِ فيما خَفَّ من الهدايا وما جَرَت العادةُ بتَرك المشاخَّة فيه، ثمَّ ذكر حِكايةَ أبي يوسف المشهورةَ، وفيما قاله نظر لأنَّه لو صَحَّ لكانت العِبرةُ بعُموم اللَّفظ، فلا يُخَصُّ القليل من الكثير إلَّ بدليل، وأمَّا حَملُه على النَّبِ فواضح. ٢٢٨/٥ ثمَّ أورد المصنِّفُ في الباب حدیثین: أحدهما: حديث أبي هريرة في قِصَّة الَّذي كان له على النبيِ نَّهِ دَيْن فقال: ((اشتَروا له سِنّا)) الحديث، وقد تقدَّم شرحُه في الاستقراض (٢٣٩٠). ووجه الدّلالة منه: أنَّ النبي ◌َّهُ وَهَبَ لصاحبِ السِّنِّ القَدْرَ الزّائد على حقِّه ولم يُشاركه فيه غيرُه، وهذا مَصِير من المصنّفِ إلى اتّحاد حكمِ الهِبَة والهديّة وقد تقدَّم ما فيه. ثانيهما: حديث ابن عمر في هِبَة النبي ◌َ ◌ّ له البِكرَ الَّذي كان راكبَه، وقد تقدَّم شرحُه في البيوع (٢١١٥). (١) أخرجه البيهقي ٦/ ١٨٣ من طريق عبد الرزاق مرفوعاً، وعلَّقه موقوفاً، وقال: هو أصُ. (٢) في ((الضعفاء)) له ٣/ ٦٧. ٢٥٥ باب ٢٦-٢٧ / ح ٢٦١١ - ٢٦١٢ كتاب الهبة ووجه الدّلالة منه للترجمة ظاهر كما تَقرَّرَ من حديث أبي هريرة، وقد نازَعَه الإسماعيلي فيه، والذي يَظهَرُ أنَّ المصنِّفَ أراد إلحاق المُشَاع في ذلك بغير المُشاع، وإلحاق الكثير بالقليلِ لعَدَم الفارق. ٢٦ - باب إذا وهب بعيراً لرجلٍ وهو راكبه فهو جائزٌ ٢٦١١ - وقال الحُمَيديُّ: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرٌو، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: كَّا مَعَ النبيِّ وَّهَ فِي سَفَرٍ، وكنتُ على بَكْرٍ صَعْبٍ، فقال النبيُّ وََّ لِعُمرَ: (بِعْنِيه)) فابْتاعَه، فقال النبيُّ وَّ: «هو لكَ يا عبدَ الله)). قوله: ((باب إذا وَهَبَ بعيراً لرجلٍ وهو راكبُهُ فهو جائزٌ)) أي: وتُنَزَّلُ التَّخليةُ مَنِزِلَةَ النَّقْل، فيكون ذلك قَبضاً فتَصِحُّ الهِبَةُ، وقد تقدَّم توجيه ذلك. قوله: ((وقال الحُمَيدي)) ... إلى آخره، وَصَلَه أبو نُعيمٍ في (المستخرَجِ)) من مسند الحميدي بهذا السَّنَدِ وقد تقدَّم في ((باب إذا اشتَرى شيئاً فوَهَبَهَ من ساعته)) من كتاب البيوع (٢١١٥). ٢٧ - باب هدية ما يُكره لُبْسُها ٢٦١٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالك، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما قال: رَأى عمرُ بنُ الخَطَّابِ حُلّةً سِيَرَاءَ عندَ باب المسجدِ فقال: يا رسولَ الله، لَوِ اشتَرَيتَها فلَبِسْتَها يومَ الجُمُعةِ وللوَقْدِ، قال: ((إِنَّا يَلْبَسُها مَن لا خَلَاقَ له في الآخرةِ)) ثمَّ جاءت حُلَلٌ، فأعطَى رسولُ الله ◌َِّ عمرَ منها حُلّةً وقال: أكَسَوْتَنِيها وقلتَ في حُلّةِ عُطَارٍ ما قلتَ! فقال: ((إنّ لم أَكِسُكَها لتَلْبَسَها)» فكَسَاها عمرُ أخاً له بمكَّةً مُشْرِ كاً. قوله: ((باب هديّة ما يُكْرَه لُبْسُها)) كذا للأكثر، و((ما)) يَصلُحُ للمُذَكَّرِ والمؤَنَّث، فأَنَّثَ هنا ٢٢٩/٥ باعتبار الحُلَّة. ووقع في رواية النَّسَفي: ((ما يُكرَه لُبسُه))، وبه تَرجَمَ الإسماعيلي وابن بَطَّال، والمرادُ بالكراهة ما هو أعمُّ من التحريمِ والتَّنزيه، وهديّة ما لا يجوزُ لُبسُه جائزة، فإنَّ لصاحبِهِ التَّصرُّفَ فيه بالبيعِ والهِبَة لمن يجوزُ لباسُه كالنِّساءِ. ٢٥٦ باب ٢٧ / ح ٢٦١٣ فتح الباري بشرح البخاري ويُستَفادُ من الترجمة الإشارة إلى مَنْع ما لا يُستَعملُ أصلاً للرِّجال والنِّساءِ كآنية الأكل والقُّربٍ من ذهب وفِضَّة. ثمَّ أورَدَ المصنّف فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابنِ عمرَ في حُلَّةِ عُطارد، وسيأتي شرحُه في كتاب اللِّباس (٥٨٤١)، ومُناسبتُه للترجمة ظاهرةٌ. ثانيها: حديث ابنِ عمرَ في قِصة فاطمة. ٢٦١٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ أبو جعفرٍ، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن أبيه، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: أتى النبيُّ وََّ بِيتَ فاطمةَ فلم يَدخُل عليها وجاء عليٌّ، فذَكَرَت له ذلك، فَذَكَرَه للنبِّ وَِّ قال: ((إنّ رأيتُ على بابها سِتْراً مَوْشِيّاً)) فقال: ((ما لي ولِلُّنْيا)) فأتاها عليٌّ فَذَكَرَ ذلك لها فقالت: ليأمُرْني فيه بما شاءَ. قال: ((تُرْسِلي به إلى فلانٍ)) أهلِ بيتٍ بهم حاجةٌ. قوله: ((حذَّثنا محمد بن جعفر أبو جعفر)) جَزَمَ الكَلَاباذي بأنَّه الفَيْدي، نسبةً إلى فَيْد بفتح الفاءِ وسكون التَّحتانية: بَلَد بين بغداد ومكَّة في نصفِ الطَّريق سواءٌ، وكان نزلها فنُسِبَ إليها. ويحتملُ عندي أن يكون هو أبو جعفر القُومَسي الحافظُ المشهورُ، فقد أخرج عنه البخاري حديثاً غير هذا في المغازي(١)، وإنَّما جَوَّزتُ ذلك لأنَّ المشهورَ في كُنية الفَيدي أبو عبد الله بخلاف القُومَسي فكُنيتُه أبو جعفر بلا خلاف. قوله: ((حدَّثنا ابن فُضَيلِ عن أبيه)) هو محمد بن فُضَيل بن غَزْوان الكوفي، وليس لفُضَيل عن نافعٍ عن ابن عمر في البخاري سوى هذا الحديث. (١) يشير إلى الحديث (٤٢٢٧) وفي أوله: ((حدثنا محمد بن أبي الحسين حدثنا عمر بن حفص ... )) إلخ، ومحمد ابن أبي الحسين: هو محمد بن جعفر السِّمْناني القُومَسي كما في ((التهذيب)) وغيره، وكما ذكر الحافظ في شرحه لهذا الحديث، إلا أنه لم يُشِر إلى أنه روى له البخاري في هذا الموضع، وإنما رجَّح أنه هو الذي روى عنه في العيدين (٩٧١) وقال: والذي يظهر أنه هو. ثم إنه قال في ((تهذيب التهذيب)) في سياق ترجمته للقومسي: روى عنه البخاري حديثاً واحداً في غزوة خيبر. ٢٥٧ باب ٢٧ / ح ٢٦١٣ كتاب الهبة قوله: ((أتى النبي ◌َّهبيتَ فاطمة فلم يَدخُل عليها)) زاد في رواية ابن نُمَيرٍ عن فُضَيلِ عند أبي داود (٤١٤٩) والإسماعيلي وابن حِبَّان (٦٣٥٣): قال: وقَلَّما كان يَدخُلُ إِلَّ بَدَأ بها. قوله: ((فذكرت ذلك له)) زاد في رواية ابن نُمَير: فجاء عليّ فرآها مُهتَمَّةً. قوله: ((فذكر للنبي ◌َ ل﴾)) في رواية الأَصِيلي: «فذكره))، وفي رواية ابن نُمَير: فقال: يا رسول الله، إنَّ فاطمةَ اشْتَدَّ عليها أنَّك جِئت فلم تَدخُل عليها. قوله: ((سِتْراً مَوشِيّاً)) بضمِّ الميم(١) وسكون الواو بعدَها مُعجَمة ثمَّ تحتانية، قال ابن التِّين: أصلُه مَوْشُوياً(٢)، فالتَّقى حرفا عِلَّة وسَبَقَ الأوَّلُ بالسُّكون فقُلِبَت الواو ياءً وأُدغِمَت في الأُخرى، وكُسِرَتِ الأولى لأجلِ التي بعدَها، فصار على وزن: مَرْضِيّ ومَطْلِيّ، ويجوزُ فيه: مُوشَى بوَزْن موسى، وقال المطرِّزي: الوَشْيُّ: خلطُ لونٍ بلونٍ، ومنه: وَشَی الثَّوبَ: إذا رَقَّمَه ونَقَشَه، وقال ابن الجَوْزي: الموشَى: المخطَّط بألوانٍ شَتَّى. قوله: ((ما لي وللدُّنْيا)) زاد ابن ثُمَير: ((ما لي وللرَّقْمِ)) أي: المرقوم، والرَّقْمُ: النَّقْش. قوله: ((قال: تُرسِلي به)) كذا لأبي ذرِّ ((تُرسِلي)) بحذف النّونِ وهي لغة، أو يُقدَّرُ ((أنْ)) فحُذِفَت لدلالة السّياق، وفي رواية الأكثر: ((تُرسِلُ)) بضمِّ اللّام بغير ياء. قوله: ((أهلِ بيتٍ بهم حاجة)) بجَرِّ ((أهلِ)) على البدلِ، ولم أعرفهم بعدُ. وفي الحديث كراهةُ دخولِ البيت الَّذي فيه ما يُكرَه. وأورَدَ ابن حِبَّان (٦٣٥٤) عَقِبَ هذا الحديث حديث سَفِينَ فقال: ((لم يكن رسولُ الله ◌َل﴿ يَدخُلُ بيتاً مُزَوَّقاً)، وتَرجَمَ عليه: البيان بأنَّ ذلك لم يكن منه وَّه في بيت فاطمة دون غيرها؛ وفيما قاله نظرٌّ، إلَّا إن حملنا التَّزويق على ما هو أعمُّ مَمَّا يُصنَعُ في نفسِ الجِدار أو يُعلَّقُ عليه. قال المهلَّب وغيره: كَرِهَ النبيُّ وٍَّ لا بنتِه ما كَرِهَ لنفسِه من تعجيلِ الطيِّياتِ في الدُّنيا لا (١) كذا في أصول ((الفتح)) التي بين أيدينا، فإن لم يكن تحريفاً فيغلب على ظنًّا أنه سبقُ قلمٍ من الحافظ، والصواب: بفتح الميم، ویوضحه ما بعده. (٢) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: موشياً. ٢٥٨ باب ٢٨ / ح ٢٦١٤ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ سترَ الباب حرامٌ. وهو نَظِيرُ قوله لها لمَّا سألَته خادماً: ((ألا أدُلَّكِ على خيرٍ من ذلك؟» فَعَلَّمَها الذِّكرَ عند النَّوم (١). ثالثها: حديث عليّ في الحُلَّة. ٢٦١٤ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ منهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ الملِكِ بنُ مَيسَرةَ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ وَهْب، عن عليٍّ ﴾ قال: أهدى إليَّ النبيُّ وََّ حُلّةَ سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُها فرأيتُ الغَضَبَ في وجهِهِ، فشَقَقْتُها بین نِسائي. [طرفاه في: ٥٨٤٠،٥٣٦٦] وفيه قوله: ((فشَقَقتُها بین نِسائي)) وسيأتي شرحُه في كتاب اللباس (٥٨٤٠). ومُناسَبتُه ظاهرة من قوله: ((فرأيت الغَضَبَ في وجهه)) فإنَّه دالٌّ على أنَّه كَرِهَ له لُسَها مع گونه أهداها له. ٢٣٠/٥ ٢٨ - باب قَبُول الهدية من المشركين وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ: ((هاجَرَ إبراهيمُ عليه السَّلام بسارةَ، فَدَخَلَ قَرْيةً فيها مَلِكٌ أو جَبّارٌ، فقال: أعطُوها آجَرَ)). وَأُهْدِيَت للنبيِّ ◌َِّ شاةٌ فيها سُمّ. وقال أبو مُميدٍ: أهدَى مَلِكُ أيْلةَ للنبيِّ وَّهِ بَغْلَةً بيضاءَ، وكَسَاه بُرْداً، وكَتَبَ إليه بيَخْرِهم. قوله: ((باب قَبُولِ الهديّةِ من المشركينَ)) أي: جواز ذلك، وكأنَّه أشار إلى ضَعف الحديث الوارد في رَدِّ هديّة المشرك، وهو ما أخرجه موسى بن عُقْبة في المغازي عن ابن شِهَاب، عن عبد الرَّحمن بن كعب بن مالك ورجال من أهلِ العلم: أنَّ عامر بن مالك الَّذي يُدعى مُلاعِب الأسِنَّة قَدِمَ على رسولِ الله وَه وهو مُشرِكٌ فأهدى له فقال: ((إنّ لا أقبَلُ هديّةَ مُشِرِك)) الحديث، رجاله ثقات إلَّا أنَّه مُرسَل، وقد وَصَلَه بعضُهم عن (١) سيأتي عند البخاري برقم (٥٣٦٢) من حديث عليٍّ ◌َُّه ٢٥٩ باب ٢٨ كتاب الهبة الزُّهري(١) ولا يَصِحّ. وفي الباب حديث عِيَاض بن حَمَّار أخرجه أبو داود (٣٠٥٧) والتِّرمِذي (١٥٧٧) وغيرُهما من طريق قَتَادةَ عن يزيد بن عبد الله عن عِيَاضٍ قال: / أهدَيت للنبيِنَّهِ ناقةً ٢٣١/٥ فقال: ((أسلمتَ؟)) قلت: لا، قال: ((إنّ ثُّهِيتُ عن زَبْدِ المشركينَ))، والزَّبْدُ بفتح الزّايٍ وسكونِ الموحّدة: الرِّفْد، صَحَّحَه التِّرمِذي وابن خُزيمة. وأورَدَ المصنِّفُ عِدَّةَ أحاديثَ دالَّةٍ على الجواز، فجَمَعَ بينها الطََّري بأنَّ الامتناع فيما أُهديَ له خاصَّة والقَبُول فيما أُهديَ للمسلمينَ، وفيه نظرٌ لأنَّ من جُلة أدلَّة الجوازِ ما وقعت الهديّة فيه له خاصَّة، وجَمَعَ غيرُه بأنَّ الامتناع في حقِّ مَن يريدُ بَهَديّتِه التَّوَدُّدَ والموالاةَ، والقَبُولَ في حقّ مَن يُرجَى بذلك تأنيسُه وتأليفُه على الإسلام، وهذا أقوى من الأوَّل. وقيل: يُمَّلُ القَبُولُ على مَن كان من أهلِ الكتاب، والرَّدُّ على مَن كان مَن أهلِ الأوثان. وقيل: يَمْتَنِعُ ذلك لغيره من الأُمَراءِ وأنَّ ذلك من خصائصِه. ومنهم مَن ادَّعى نَسْخَ المنع بأحاديثِ القَبُول، ومنهم مَن عَكَسَ. وهذه الأجوبةُ الثلاثةُ ضعيفة، فالنَّسُ لا يَثبُتُ بالاحتمال ولا التَّخصيص. قوله: ((وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّ: هاجَرَ إبراهيم عليه الصلاةُ والسَّلامُ بسارةَ)» الحديث، أورَدَه مختصراً وسيأتي موصولاً مع الكلام عليه في أحاديث الأنبياءِ (٣٣٥٧ و ٣٣٥٨). ووجه الدّلالة منه ظاهرٌ، وهو مَبنيٌّ على أنَّ شَرْع مَن قَبلَنا شَرعٌ لنا ما لم يَرِدْ في شرعِنا ما يُخالفُه، ولا سيّما إذا لم يَرِدْ من شَرعِنا إنكارُه. قوله: ((وَأُهْدِيَتْ للنبيِ لِّشاةٌ فيها سُمّ)) ذكره موصولاً في هذا الباب. (١) منهم عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٩٦٥٨) - ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) ١٩/ (١٣٩) - عن معمر، عن الزهري، به. ٢٦٠ باب ٢٨ / ح ٢٦١٥ - ٢٦١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال أبو مُميدٍ: أهدى مَلِكُ أيْلةَ)) بفتح الهمزة وسكون التَّحتانية: بلدٌ معروف بساحلِ البحرِ في طريق المِصريينَ إلى مَكَّةَ وهي الآنَ خَراب، وقد تقدَّم الحديث مُطوَّلاً في الزكاة (١٤٨١). وقوله: (وكَتَبَ إليه بيَحْرِهم)) أي: بِبَلَدِهم، وحَلَه الدَّاوُودي على ظاهره فوَهَمَ. ثمَّ أورد المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: ٢٦١٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن قَتَادةَ، حدّثنا أنسُّ ه قال: أُهْدِيَ للنبيِّ ◌ََّ جُبَةُ سُنْدُسٍ، وكان يَنْهَى عن الحَرِيرِ، فَعَجِبَ النّاسُ منها فقال: ((والَّذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِهِ، لَمَنادِيلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنَّةِ أحسنُ مِن هذا». [طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨] ٢٦١٦ - وقال سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ: إنَّ أُكَيدِرَ دُومةَ أهدى إلى النبيِّ ◌ِل. أحدُها: حديث أنس في جُبَّة السُّندُس. وسيأتي شرحُه في كتاب اللباس (٥٨٣٦) إن شاءَ الله تعالى. قوله: ((أُهْديَ)) بضمّ أوَّلِه على البناء للمجهول. قوله: ((وكان يَنْهى)) أي: النبي ◌َّ ((عن الحريرِ)) وهي جملةٌ حاليّةٌ. قوله: ((وقال سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة ... إلى آخره، وَصَلَه أحمد (١٣١٤٨) عن رَوحِ، عن سعيدٍ - وهو ابن أبي عَرُوبة - به، وقال فيه: ((جُبَّة سُندُس أو ديباج، شكَّ سعيدٌ))، وسيأتي بيانُ ما فيه من التَّخالُفِ مع بقية شرحِه في كتاب اللِباس (٥٨٤٠) إن شاء الله تعالی. وأراد البخاري منه بيان الَّذي أهدى لتَظهَر مُطابَقَته للترجمة، وقد أخرجه مسلم (٢٤٦٩) عن طريق عمر بن عامر عن قَتَادة فقال فيه: ((إنَّ أُكَيدِرَ دُومَة الجندَل))، وُكَيدِر دُوْمة: هو أُكَيدِرُ تصغير أكدَرَ، ودُومَة بضمِّ المهمَلة وسكون الواو: بلد بين الحِجازِ