النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ٣ / ح ٢٥٦٩ - ٢٥٧٠
كتاب الهبة
أنس عند التِّرمِذي (١٣٣٨) بلفظ: ((لو أُهدي إليَّ كُراعٍ لَقَبِلت))، وللطََّراني (٣٩٢/٢٥)
من حديث أُمّ حَكِيم الخُزاعية: قلت: يا رسول الله، تَكرَه رَدَّ الظُّلْف؟ قال: ((ما أقبَحَه! لو
أُهديَ إليَّ كُراعٍ لَقَبِلت)) الحديث، وخَصَّ/ الذِّراعِ والكُراعِ بالذِّكرِ ليجمَعَ بين الحقير ٢٠٠/٥
والخطير؛ لأَنَّ الذِّراع كانت أحَبَّ إليه من غيرها والكُراع لا قيمة له، وفي المثل: أعطِ العبد
كُراعاً يَطلُب منك ذِراعاً.
وقوله هنا: ((عن سليمان)) هو ابن مِهران الأعمَش، وأبو حازم: هو سلمان مولى عَزَّة،
وهو أكبر من أبي حازم سَلَمة المذكور في الباب قبله.
قال ابن بَطَّال: أشار عليه الصلاة والسَّلام بالكُراع والفِرْسِن إلى الحَضّ على قَبُول
الهدية ولو قَلَّت، لئلَّا يَمْتَنِعَ الباعِثُ من الهديّة لاحتقار الشيء، فحَضَّ على ذلك لما فيه
من الثَّلُّف.
٣- باب من استَوهبَ من أصحابه شيئاً
وقال أبو سعيدٍ: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً)).
٢٥٦٩ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلٍ
أنَّ النبيَّ وَ ◌ّهِ أَرسَلَ إلى امرأةٍ مِن المهاجِرِين، وكان لها غلامٌ نَجّارٌ قال لها: «مُري عَبْدَكِ
فلْيَعْمَل لنا أعوادَ الِثْبر)) فأمَرَت عَبْدَها فذهب فقَطَعَ مِن الطَّرْفاءِ، فصَنَعَ له مِنْراً، فلمَّا قَضاه
أرسَلَت إلى النبيِّ وََّ: إِنَّه قد قَضاه، قال ◌َ: ((أرسِلى به إليَّ)) فجاؤُوا به فاحتَمَلَه النبيُّ ◌َالـ
فوَضَعَه حيثُ تَرَوْنَ.
٢٥٧٠ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن أبي حازم، عن
عبدِ الله بنِ أبي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عن أبيه ◌َّه قال: كنتُ يوماً جالساً مَعَ رِجالٍ من أصحاب النبيِّ
وَّهِ فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَّةَ، ورسولُ اللهِ وَِّ نازِلٌ أمامَنا والقومُ مُخْرِمونَ، وأنا غيرُ مُحْرِمٍ
فأبصَرُوا حماراً وَحْشِيّاً وأنا مَشْغُولٌ أخصِفُ نَعْلي، فلم يُؤْذِنُوني به، وأحَبُّوا لو أنّ أبصَرْتُه،
فالتَّفَتُّ فأبصَرْتُه فقُمْتُ إلى الفَرسِ فأسرَجْتُه، ثمَّ رَكِبتُ ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ فقلتُ لهم:

٢٠٢
باب ٣ / ح ٢٥٦٩ - ٢٥٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
ناوِلُونِي السَّوْطَ والرُّمْحَ، فقالوا: لا والله لا نُعِينُكَ عليه بشيءٍ، فغَضِبتُ فنزلْتُ فأخَذْتُهما، ثمَّ
رَكِيتُ فشَدَدْتُ على الحمار فعَقَرْتُه، ثمَّ جِئْتُ به وقد مات فوَقَعُوا فيه يأكُلُونَه، ثمَّ إِنَّهم شَكُّوا
في أكلِهِم إيّاه وهم حُرُمٌ فِرُحْنا، وخَبَأْتُ العَضُدَ معي فأدرَكْنا رسولَ الله وَّ فسألْناه عن ذلك
فقال: ((مَعَكُم منه شيءٌ؟)) فقلتُ: نعم، فناوَلْتُهُ العَضُدَ، فأكَلَها حتَّى نَفَّدَها وهو مُخْرِمٌ.
فَحدَّثني به زيدُ بنُ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي قَتَادةَ، عن النبي ◌ِّ.
قوله: ((باب مَن استَوْهَبَ من أصحابه شيئاً) أي: سواء كان عَيناً أو منفعة جازَ، أي:
بغير كراهة في ذلك إذا كان يعلم طِيبَ أنفُسهم.
قوله: «وقال أبو سعيد» هو الخُذري.
قوله: ((اضْرِبوا لي مَعَكُمْ سَهْماً)) هو طَرَف من حديث الرُّقية، وقد تقدَّم بتمامه مشروحاً
في كتاب الإجارة (٢٢٧٦).
قوله: ((حدَّثنا أبو غسّان)) هو محمد بن مُطرِّف، وسَهْل: هو ابن سعد، وتقدَّم الحديث
مشروحاً في كتاب الجمعة (٩١٧): وفيه استيهابُه من المرأة منفعةَ غلامها، وقد سبق ما نُقِلَ
في تسمية كلٍّ منهما.
وأغرَبَ الكِرْماني هنا فَزَعَمَ أنَّ اسم المرأة مينا وهو وهمٌّ، وإنَّما قيل ذلك في اسم
٢٠١/٥ النَّجّار كما تقدَّم،/ وأنَّ قول أبي غسّان في هذه الرِّواية: إنَّ المرأة من المهاجرينَ وهمٌّ،
ويُحْتَمل أن تكون أنصاريةً حالَفَت مُهاجریّاً وتزوَّجت به أو بالعكس، وقد ساقه ابن
بَطَّال في هذا الموضع بلفظ: ((امرأة من الأنصار))، والذي في النُّسَخ التي وقَفت عليها من
البخاري ما وصَفتُه.
قوله: ((حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله)) هو الأُوَيسي، والإسناد كلّه مدنيُّونَ، وقد تقدَّم
حديث أبي قَتَادة مشروحاً في كتاب الحجّ (١٨٢١)، وفيه طلب أبي قَتَادة من أصحابه
مُنَاوَلَتْهُ رُمحه، وإنَّما امتَنَعوا لكَونِم كانوا مُحرِمينَ، وفيه أيضاً قوله بَّ: ((هل مَعَكُم منه
شيء؟)) وقد ذكرت هناك رواية مَن زاد فيه: ((كُلُوا وأطعِموني)) ولعلَّ المصنّف أشار إلى

٢٠٣
باب ٤ / ح ٢٥٧١
كتاب الهبة
هذه الزِّيادة.
وقوله: «فحدّثني به زید بن أسلم)) قال ذلك محمد بن جعفر راويه عن أبي حازم، وهو
ابن أبي کثیر أخو إسماعيل.
وقوله فيه: ((أخصِف نَعْلِي)) بمُعجمةٍ ثمَّ مُهمَلة مكسورة، أي: أجعَلُ لها طاقاً، كأنَها
كانت انخَرقَت فأبدَلها. وأغرَبَ الدَّاوُودي فقال: أعمَلُ لها شِسْعاً.
وقوله: ((حتَّى نَفَّدَها)) بتشديد الفاء المفتوحة، أي: فَرغَ من أكلها كلّها، وروي بكسر
الفاء والتَّخفيف، ورَدَّه ابن التِّين.
قال ابن بَطَّال: استيهاب الصَّديق حسنٌ إذا عَلِمَ أنَّ نفسَه تَطِيب به، وإنَّما طلبَ النبيُّ
وَلّ من أبي سعيد، وكذا من أبي قَتَادة وغيرهما، ليؤنِسَهم به ويَرفعَ عنهم اللَّبْس في تَوقُّفِهم
في جواز ذلك.
وقوله في السَّنَد: ((عبد الله بن أبي قَتَادة السَّلَمي)) هو بفتح اللّام، وهذا مشهور في
الأنصار، وذكر ابن الصلاح أنَّ مَن قاله بكسر اللّم لَحَنَ، وليس كما قال بل كسر اللّام
لغةٌ معروفةٌ وهي الأصل، ويُتعجّبُ من خَفَاء ذلك علیه.
٤ - باب من استسقى
وقال سَهْلٌ: قال لي النبيُّ ◌َّ: ((اسقِني)).
٢٥٧١ - حدَّثنا خالدُ بنُ عَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدَّثني أبو طُوَالةَ - اسمُه
عبدُ الله بنُ عبدِ الرّحمنِ - قال: سمعتُ أنساً ﴾ يقول: أنانا رسولُ الله وَلّ في دارِنا هذه،
فاستَسْقَى فحَلَبْنا له شاةً لنا، ثمَّ شُبْتُه من ماءٍ بئرِنا هذه، فأعطَيْتُه وأبو بكرٍ عن يَسارِهِ وعمرُ
تُجاهَه وأعرابٌّ عن يمينِهِ، فلمَّا فَرَغَ قال عمرُ: هذا أبو بكرٍ، فأعطَى الأعرابيّ فَضْلَه، ثمَّ قال:
((الأيمَنُونَ الأيمَنُونَ، أَا فِيَمِّنُوا)).
قال أنسِ: فهي سُنّةٌ، فهي سُنَّةٌ، ثلاثَ مَرّاتٍ.
قوله: ((باب مَن اسْتَسْقى)) ماءً أو لَبَناً أو غير ذلك ممَّا تَطِيبُ به نفس المطلوب منه.

٢٠٤
باب ٤ / ح ٢٥٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال سَهْل: قال لي النبيِ وَّ اسِقِني)) هو طَرَف من حديث أوَّله: ذُكِرَ للنبي ◌ِّ
امرأة من العرب، فأمَرَ أبا أُسيدٍ أن يُرسِلَ إليها ... الحديثَ، وفيه: فقال النبي ◌َّ: ((اسِقِنا يا
سهلٌ))(١).
ثمَّ ذكر حديث أنس في تقديم الأيمَن في الشُّرب، وسيأتي شرحُه في الأشربة (٥٦١٢)،
وأورَدَه هنا من طريق أبي طُوَالة - وهو بضمِّ المهمَلة وتخفيف الواو - اسمه عبد الله بن
عبد الرحمن، والغَرَض منه قول أنس: فاستسقى.
قوله: (الأيمَنونَ الأيمَنونَ)) فيه تقدير مُبتَدَأْ مُضمَرٍ، أي: المقدَّمُ الأيمَنونَ، والثانية للتَّأكيد.
وقوله: ((ألا فيَمِّنوا)) كذا وقع بصيغَة الاستفتاح، والأمر بالتَّيامُن، وقد أخرجه مسلم
(١٢٦/٢٠٢٩) من الوجه الذي أخرجه منه البخاري إلَّا أنَّه قال في الثالثة أيضاً:
((الأيمَنونَ)) ذكر اللَّفْظَة ثلاث مَرّات كما ذكر قول أنس: ((فهي سُنَّةٌ، ثلاث مِرار))، وعلى
ذلك شَرَحَ ابن التِّين كأنَّه وقع كذلك في نُسخَتِه، ولم أرَه في شيء من النُّسَخ إلَّا كما وصَفت
أوَّلاً، وتوجيهُه أنَّه لمَّا بَيَّنَ أنَّ الأيمَن يُقدَّمُ ثمَّ أكَّدَه بإعادتِه أكملَ ذلك بصريحِ الأمر به،
٢٠٢/٥ ويُستفاد من حذف المفعول / التَّعميم في جميع الأشياء لقولِ عائشة: كان يُعجِبُه التَّيمُّنُ في
شَأْنه كلِّه(٢).
وأشار الإسماعيلي إلى أنَّ سليمان بن بلالٍ تفرَّد عن أبي طوالة بقوله: ((فاستَسقى))،
وأخرجه من طريق إسماعيل بن جعفر وخالد الواسطي عن أبي طُوَالة بدونها. انتهى،
وسليمان حافظ وزيادته مقبولة، وقد ثبتت هذه اللَّفظَة في حديث جابر من طريق الأعمَش
عن أبي صالح عنه في حديث سيأتي في الأشربة(٣).
وفيه جواز طلب الأعلى من الأدنى ما يريدُه من مأكولٍ ومشروبٍ إذا كانت نفس
(١) سيأتي موصولاً عند البخاري برقم (٥٦٣٧).
(٢) سلف عند البخاري برقم (١٦٨).
(٣) برقم (٥٦٠٦) وليس فيه هذه اللفظة المشار إليها، وهي عند مسلم (٢٠١١) من الطريق المذكورة.

٢٠٥
باب ٥ / ح ٢٥٧٢
كتاب الهبة
المطلوب منه طيِّبَةً به، ولا يُعَدُّ ذلك من السُّؤال المذموم.
٥- باب قَبُول هدية الصَّید
وَقَبِلَ النبيُّ ◌َِّ مِن أبي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيدِ.
٢٥٧٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةٌ، عن هشامِ بنِ زيد بنِ أنسِ بنِ مالكِ، عن
أنسِ عُه قال: أنْفَجْنا أرَباً بمَرِّ الظَّهْرانِ، فسَعَى القومُ فَلَغَبُوا، فأدرَكْتُها فأخَذْتُها، فأتيتُ بها أبا
طَلْحَةَ فَذَبَحَها، وبَعَثَ إلى رسولِ اللهِوَهَ بَوَرِكِها - أو فَخِذَيها، قال: فخِذَيها لا شَكَّ فيه ۔
فقَبِلَه. قلتُ: وأكَلَ منه؟ قال: وأكَلَ منه ثمَّ قال بعدُ: قَبِلَه.
[طرفاه في: ٥٤٨٩، ٥٥٣٥]
قوله: ((باب قَبُول هديّة الصَّيد، وقَبِلَ النبي ◌ِّهِ من أبي قَتَادة عَضُد الصَّيد» تقدَّم حديثه
في ذلك قبل باب (٢٥٧٠).
وقوله في حديث أنس: «أنفَجنا» بالفاءِ والجيم، أي: أثرنا.
وقوله: ((فَلَغَبوا)) بالمُعجَمة والمُوخَّدة، أي: تَعِبوا؛ ووقع كذلك في رواية
الكُشْمِيهني، وأغرَبَ الدَّاوُودي، فقال: معناه عَطِشوا، وتَعَقَّبَه ابن التِّين وقال: ضَبَطوا
(لَغِبوا)) بكسر الغين والفتحُ أَعرَفُ، وسيأتي شرحُه إن شاء الله تعالى في كتاب الصَّيد
والذَّبائح (٥٥٣٥).
ومَرُّ الظَّهران: وادٍ معروف على خمسة أميال من مَكَّة إلى جِهَة المدينة، وقد ذكر الواقدي
أنَّه من مَكَّة على خمسة أميال. وزَعَمَ ابن وضّاح أنَّ بينهما أحداً وعشرينَ ميلاً، وقيل: ستَّة
عشر، وبه جَزَمَ البكري.
قال النَّوَوي: والأوَّل غَلَط وإنكارٌ للمحسوس. ومَرّ: قرية ذات نخل وزرع ومياه،
والظَّهران: اسم الوادي، وتقول العامَّة: بَطْن مَرو.
قلت: وقول البَكْري هو المعتَمَدُ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٢٠٦
باب ٦-٧ / ح ٢٥٧٣ - ٢٥٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأبو طلحة: هو زوج أُمّ سُلَيمٍ والدة أنس.
وقوله: (فَخِذَيها لا شكَّ فيه)) يشير إلى أنَّه يَشُكّ في الوَرِكَينِ خاصَّة، وأنَّ الشَّكّ في قوله:
(فَخِذَيها أو ورِكَيها)) ليس على السَّواء، أو كان يَشُكُّ في الفَخِذَينِ ثمَّ استَيقنَ، وكذلك شكَّ
في الأكل ثمَّ استَيَقنَ القَبُول فجَزمَ به آخراً.
٦- باب قَبُول الهدية
٢٥٧٣- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله
ابنِ عُثْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن عبدِ الله بنِ عِبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ رضي الله عنهم: أنَّه أهدَى
لرسولِ الله ◌َلِّ حماراً وَحْشِيّاً وهو بالأَبواءِ، أو بوَدّانَ فَرَدَّ عليه، فلمَّا رَأَى ما في وجهِه قال:
((أمَا إنّا لم نَرُدَّه عليك إلا أنّا حُرُمٌ)).
قوله: ((باب قَبُول الهديّة)) كذا ثبت لأبي ذرٍّ، وسَقَطَت هذه التَّرجمة هنا لغيره وهو الصواب.
٢٠٣/٥ وأورَدَ فيه / حديث الصَّعب بن جَّامة في إهدائه الحمار الوَحْشي.
وشاهد التَّرجمة منه مفهومُ قولِه: ((لم نَرُدَّه عليك إلّا أنّا حُم)) فإنَّ مفهومه: أنَّه لو لم
يكن مُحرِماً لَقَبِلَه منه، وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الحجّ (١٨٢٥)، وفيه أنَّه لا يجوزُ قَبُول ما
لا تَحِلُّ من الهديّة.
٧- باب قَبُول الهديّة
٢٥٧٤ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثْنَا عَبْدةُ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: أنَّ النّاسَ كانوا يَتَحرَّوْنَ بَهَداياهم يومَ عائشةَ يَبْتَغُونَ بها، أو يَبْتَغُونَ بذلك مَرْضاةَ
رسول الله {آلى.
[أطرافه في: ٢٥٨٠، ٢٥٨١، ٣٧٧٥]
قوله: ((باب قَبُول الهدية)) كذا لأبي ذرٍّ، وهو تَكْرار بغير فائدة. وهذه التَّرجمة بالنّسبة
٢٠٤/٥
إلى ترجمة قَبُول هَديّة الصَّيد من العامّ بعد الخاصّ. ووقع عند النَّسَفي: باب مَن قَبِلَ

٢٠٧
باب ٧ / ح ٢٥٧٥
كتاب الهبة
الهدية.
وذکر فیه ستّة أحاديث:
الأوَّل: حديث عائشة: ((كان الناس يَتَحرَّون بهداياهم يوم عائشة)) وَسيأتي شرحُه في
الباب الذي بعده.
وقوله فيه: «مرضاة» هو مصدرٌ بمعنی الرِّضا.
وقوله فيه: ((يَبتَغونَ)) بالموخَّدة والمعجَمة من البُغية، وروي: ((يَتَّبِعونَ)) بتقديمِ مُثنّة
مُثقَّلة وكسر الموحَّدة وبالمهمَلة.
ثانیھا: حديث ابن عبّاس.
٢٥٧٥ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا جعفرُ بنُ إِياسٍ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: أهدَت أَمُّ حُفَيدٍ خالةُ ابنِ عبَّاسٍ إلى النبيِّ وَّ أَقِطاً وسَمْناً
وأضُبّاً، فأكَلَ النبيُّ ◌ٍَّ مِن الأَقِطِ والسَّمْنِ، وتَرَكَ الأَضُبَّ تَقَذُّراً.
قال ابنُ عبَّاسِ: فَأَكِلَ على مائدةِ رسولِ الله ◌َِّ، ولو كان حَراماً ما أُكِلَ على مائدةٍ
رسولِ الله ◌ِ﴾﴾.
[أطرافه في: ٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨]
((أهدَت أُمّ حُفَيد)) وهي بالمهمَلة والفاء مُصغَّر، وسيأتي الكلام عليه في الأطعمة(١) في
الكلام على الضَّبّ.
وقوله فيه: ((وَتَرَكَ الأضُبَّ)) كذا لأبي ذرِّ بصيغَة الجمع، ولغيره: ((الضَّبّ))، والأضُبّ
بضمِّ المعجَمة جمع ضَبّ، مِثل: أكُفّ وكَفّ.
قوله: ((تَقَذُّراً)) بالقاف والمعجَمةِ، تقول: قَذِرتُ الشيءَ وتَقَذَّرتُه: إذا كرهتَه.
وقول ابن عبّاس: ((لو كان حراماً ما أُكِلَ على مائدة النبي ◌َّ)) استدلالٌ صحيح من
(١) بل في كتاب الصيد والذبائح برقم (٥٥٣٧).

٢٠٨
باب ٧ / ح ٢٥٧٦ -٢٥٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
جِهَة التَّقرير.
ثالثها: حديث أبي هريرة في قَبُوله ◌َِّ الهدية ورَدّه الصَّدَقة.
٢٥٧٦ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا مَعْنٌّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ، عن محمَّدٍ
ابن زِيادٍ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: كان رسولُ اللهِ وَّ﴿ إذا أُتيَ بطعام سألَ عنه: ((أَهَدِيَّةٌ أم
صَدَقَةٌ؟)) فإن قِيلَ: صَدَقةٌ قال لأصحابه: ((كُلُوا)) ولم يأكُل، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بَيَدِهِ وَلَلـ
فأكَلَ معهم.
وقوله فيه: ((إذا أُتيَ بطعام)) زاد أحمد (٨٠١٤) وابن حِبَّان (٦٣٨٢) من طريق حَمَّاد بن
سَلَمة عن محمد بن زياد: من غير أهله.
قوله: ((ضَرَبَ بيدِهِ) أي: شَرعَ في الأكل مُسرِعاً، ومثله: ضَرَبَ في الأرض: إذا أسرَعَ
السَّیر فیها.
رابعها: حديث عائشة في قِصَّة بَرِيرة من طريق القاسم عن عائشة.
٢٥٧٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حَدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الرّحمنِ بنِ القاسِمِ،
قال: سمعتُه منه، عن القاسِمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها أرادت أن تَشْتَرِيَ بَرِيرةَ، وأنَّهم
اشتَرَطُوا وَلاءَها، فَذُكِرَ للنبِّ وَّهِ فِقال النبيُّ ◌َلَّ: ((اشتَرِيها فأعتِقِيها، فإِنَّا الوَلَاءُ لِمَن أَعْتَقَ)).
وأُهْدِيَ لها لحمٌّ فقيل للنبيِّ ◌َّةَ: هذا تُصُدِّقَ على بَرِيرةَ، فقال النبيُّ ◌َّ: «هو لها صَدَقةٌ، ولنا
هَدِيَّةٌ)، وخُيَِّت.
قال عبدُ الرَّحمنِ: زوجُها حُرٍّ أو عَبْدٌ؟ قال شُعْبةُ: سألتُ عبدَ الرَّحمنِ عن زوجِها، قال: لا
أدري أخُّ أم عَبْدٌ.
وسيأتي شرحُه في كتاب النِّكاح (٥٠٩٧) وقد مضى ما يَتعلَّقُ بشِراء بَرِيرة في كتاب
العِثْق قريباً (١).
(١) برقم (٢٥٣٦)، وشرحه في كتاب المكاتب الأحاديث (٢٥٦٠-٢٥٦٥).

٢٠٩
باب ٧ / ح ٢٥٧٧ -٢٥٧٩
كتاب الهبة
وشاهد التَّرجمة منه قوله: ((هو لها صدقة ولنا هَديّة)) فيُؤخَذ منه أنَّ التحريم إنَّما هو على
الصِّفة لا على العين، ووقع في رواية أبي ذرِّ الهَرَوي: فقيل للنبي وَّ: هذا تُصُدِّقَ به على
بَرِيرة، فقال النبي ◌َّ: (هو لها صدقة ولنا هدية))، ووقع لغير أبي ذرِّ هنا: فقال النبي ◌َّ:
(«هذا تُصُدِّقَ به على بَرِيرة؟ هو لها صدقة ولنا هدية))، فجَعَلَ السُّؤال والجواب من كلامه
وَهِ، والأوَّل أصوَبُ، وهو الثابت في غير هذه الرّواية أيضاً.
خامسها: حديث أنس في ذلك.
٢٥٧٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
فيه، قال: أَتِيَ النبيُّ ◌َّه بَلَحْمٍ فِقِيلَ: تُصُدِّقَ على بَرِيرةَ، قال: ((هو لها صَدَقٌ ولنا هَدِيَّةٌ)).
قوله: ((عن أنس)) في رواية الإسماعيلي من طريق معاذٍ عن شعبة عن قتادة: سمع أنسَ
ابنَ مالكِ.
سادسها: حديث أُمّ عَطيّة في الشّاة من الصَّدَقة وأنَّهَا بَلَغَت مَحِلّها.
٢٥٧٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أبو الحسنِ، أخبرنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن خالدِ الحَذّاءِ،
عن حفصةَ بنت سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةً قالت: دَخَلَ النبيُّ وَّرِ على عائشةَ رضي الله عنها فقال:
((عندَكُم شيءٌ؟)) قالت: لا، إلَّا شيءٌ بَعَثَت به أُمُّ عَطِيَّةَ مِن الشّاةِ التي بَعَثْتَ إليها مِن الصَّدَقِةِ،
قال: ((إنَّه قد بَلَغَت ◌َحِلَّها)).
قوله فيه: ((التي بَعَنتَ إليها)) كذا للأكثر بصيغَة المخاطبة، وللكُشْمِيهني: ((بُعِثت)) بضمِّ
أوَّله على البناء للمجهول.
قوله: ((إنَّه قد بَلَغَتْ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((إنَّها قد بَلَغت مَحِلَّها)) بكسر المهمَلة، يقعُ
على المكان والزَّمان، أي: زالَ عنها حكمُ الصَّدَقة المحرَّمة عليَّ وصارت لي حلالاً.
تنبيه: أُمّ عَطيّة اسمها نُسَيبة، بنونٍ ومُهمَلةٍ وموخَّدة مُصغَّراً كما تقدَّم في الكلام على
هذا الحديث في أواخر الزكاة (١٤٤٦ و١٤٩٤)، ووقع عند الإسماعيلي من رواية وَهْب بن
بَقيَّة عن خالد بن عبد الله نَسِيبة بفتح النّون، ومن رواية يزيد بن زُرَيع عن خالد الحَذّاء

٢١٠
باب ٧ / ح ٢٥٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
نُسَيبة بالتَّصغير وهو الصواب، ثمَّ أخرجه من طريق ابن شِهَاب عن الحَذّاء عن أُمَ عَطيّة
قالت: بَعَثَت إليَّ نُسيبةُ الأنصارية بشاةٍ فأرسَلتُ إلى عائشة منها، فقال رسول الله وَله
((عندكُم شيء؟)) قالت: لا إلَّا ما أرسلت به نُسَيبة ... الحديث.
قال الإسماعيلي: هذا يدلُّ على أنَّ نسيبةَ غيرِ أُمّ عَطيّة. قلت: سبب ذلك تحريف وقع في
روايته في قوله: ((بَعَثَت))(١)، والصواب: (بُعِث)) على البناء للمجهول، وفيه نوع التَّجريد؛
لأَنَّ أُمَّ عَطيّة أخبرت عن نفسها بما يُوهِمُ أنَّ الذي تُخِرُ عنه غيرُها.
قال ابن بَطَّال: إنَّما كان النبيِ نَّهِ لا يأْكُلُ الصَّدَقَةَ لأنَّها أوساخ الناس، ولأنَّ أخْذَ
الصَّدَقة مَنزِلة ضَعَة، والأنبياء مُنَزَّهون عن ذلك لأنَّه وَلَه كان كما وصَفَه الله تعالى:
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنىَ﴾ [الضحى: ٨] والصَّدَقة لا تَحِلُّ للأغنياء، وهذا بخلاف الهديّة، فإِنَّ
٢٠٥/٥ العادة جارية بالإثابة عليها، و كذلك/ كان شأنه.
وقوله: ((قد بَلَغَت مَحِلَّها)) فيه أنَّ الصَّدَقة يجوزُ فيها تَصَرُّفُ الفقير الذي أُعطيها
بالبيعِ والهديّة وغير ذلك، وفيه إشارة إلى أنَّ أزواج النبي ◌َِّ لا تَحُرُمُ عليهنَّ الصَّدَقة كما
حَرُمَت عليه؛ لأَنَّ عائشة قَبِلَت هديّة بَرِيرة وأُمّ عَطيّة مع عِلمها بأنَّها كانت صدقة
عليهما، وظَنَّت استمرار الحكم بذلك عليها، ولهذا لم تُقَدِّمها للنبي ◌ِّ لعلمِها أنَّه لا تَحِلُّ
له الصَّدَقة، وأقرَّها وَّ على ذلك الفَهم، ولكنَّه بَيَّنَ لها أنَّ حكم الصَّدَقة فيها قد تَحَوَّلَ
فحَلَّت له وَلِ أيضاً.
ويُستنبَط من هذه القِصَّة جواز استرجاع صاحب الدَّين من الفقير ما أعطاه له من
الزكاة بعينه.
وأنَّ للمرأة أن تُعطيَ زكاتَها لزوجِها ولو كان يُنفِقُ عليها منها، وهذا كلُّه فيما لا شرطَ
فیه، والله أعلم.
(١) تحرَّف في (س) إلى: بعث.

٢١١
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ -٢٥٨١
كتاب الهبة
تنبيه: استُشكِلَت قِصَّة عائشة في حديث أُمّ عَطيّة مع حديثها في قِصَّة بَرِيرة؛ لأَنَّ شَأْتَهما
واحد، وقد أعلمَها النبيُّ ◌َِّ في كلٍّ منهما بما حاصلُه: أنَّ الصَّدَقة إذا قَبَضَها مَن يَحِلّ له
أخْذُها ثمَّ تَصرَّف فيها زال عنها حكم الصَّدَقة، وجازَ لمن حَرُمَت عليه أن يتناولَ منها إذا
أُهديت له أو بيعَت، فلو تقدَّمت إحدى القِصَّتين على الأُخرى لَأغنى ذلك عن إعادة ذِكر
الحكم، ويَبِعُدُ أن تَفَعَ القِصَّتان دفعةً واحدةً.
٨- باب من أهدی إلی صاحبه وتَحرّی بعضَ نسائه دون بعضٍ
٢٥٨٠- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها قالت: كان النّاسُ يَتَحرَّوْنَ بَهَذَاياهم يومي، وقالت أمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ صَوَاحبي
اجْتَمَعْنَ، فَذَكَرَت له فأعرَضَ عَنْها.
٢٥٨١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه،
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ نِساءَ رسولِ الله وَّلِ كُنَّ حِزْبَينِ: فحِزْبٌ فيه عائشةُ وحفصةُ
وصَفِيَّةُ وسَوْدةُ، والحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وسائرُ نِساءِ رسولِ اللهِ وََّ، وكان المسلمونَ قد
عَلِمُوا حُبَّ رسولِ اللهِ وَّرِعائشةَ، فإذا كانت عندَ أحدِهم هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أن يُهْدِيَها إلى رسولِ الله
وَ ◌ّ أَخَّرَها، حتَّى إذا كان رسولُ اللهِ وَّه في بيتٍ عائشةَ بَعَثَ صاحبُ الهَدِيَّةِ إلى رسولِ الله
وَّه في بيتِ عائشةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمّ سَلَمَةَ فقُلْنَ لها: كَلِّمي رسولَ الله ◌َ يُّكَلِّمُ النّاسَ فيقول:
مَن أرادَ أن يُهْدِيَ إلى رسولِ الله وَِّ هَدِيَّةً فَلْيُهدِها إليه حيثُ كان من بيوتِ نِسائه، فَكَلَّمَتْه ◌ُمُّ
سَلَمَةَ بما قُلنَ، فلم يَقُل لها شيئاً، فسألَها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقُلْنَ لها: فكَلِّمِيه، قالت:
فكَلَّمَتْه حينَ دارَ إليها أيضاً، فلم يَقُل لها شيئاً، فسألْنَها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقُلْنَ لها:
كَلِّمِيه حتَّى يُكلِّمَكِ، فدارَ إليها فَكَلَّمَتْه، فقال لها: ((لا تُؤْذِيني في عائشةَ، فإنَّ الوَحْيَ لم يأتِني
وأنا في ثوبٍ امرأةٍ إلا عائشةَ)) قالت: أتوبُ إلى الله من أذاكَ يا رسولَ الله.
ثُمَّ إِنََّنَّ دَعَوْنَ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ◌ِّهِ، فأرسَلَت إلى رسولِ الله ◌َ تقولُ: إِنَّ نِساءَكَ
يَنْشُدْنَكَ العَدْلَ في بنت أبي بكرٍ، فَكَلَّمَتْه فقال: ((يا بُنِيَّةُ، ألا تُحِبِّنَ ما أُحِبّ؟)) قالت: / بَلَى، ٢٠٦/٥

٢١٢
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ -٢٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
فَرَجَعَت إليهنَّ فأخبَرَتْهنَّ فقُلْنَ: ارْجِعي إليه، فَأَبَتْ أن تَرجِعَ، فأرسَلْنَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ
فأنتْه فأغلَظَت وقالت: إنَّ نِساءَكَ يَنْشُدْنَكَ الله العَدْلَ في بنت ابنِ أبي قُحَافةَ، فَرَفَعَت صوتَها
حَتَّى تَناوَلَت عائشةَ وهي قاعدةٌ فسَبَّتْها، حتَّى إِنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لَيَنظُرُّ إلى عائشةَ هل تَكَلَّمُ،
قال: فتَكَلَّمَت عائشةُ تَرُدُّ على زينبَ حتَّى أسكَتَتَها، قالت: فَنَظَرَ النبيُّ بَّهِ إلى عائشةَ وقال:
((إِنَّا بنتُ أبي بكرٍ)).
قال البخاريُّ: الكَلامُ الأخِيرُ قِصّةُ فاطمةَ يُذكَرُ عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن رجلٍ، عن
الزّهْرِيِّ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الَّحْمنِ.
وقال أبو مروانَ الغَسَّاني: عن هشام، عن عُرْوةَ: كان النّاسُ يَتَحرَّوْنَ بِهَدَاياهم يومَ عائشةً.
وعن هشام، عن رجلٍ من قُرَيشٍ ورجلٍ مِن الموالي، عن الزُّهْريِّ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قالت عائشةٌ: كنتُ عندَ النبيِّ وَّ فاستأذنَت فاطمةُ.
قوله: (باب من أهدی إلی صاحبه وتَحرّی بعض نسائه دون بعض» يقال: تحرّی الشيء:
إذا قَصَدَه دون غيره.
قوله: ((حدَّثنا سليمان بن حَرْب، حدَّثنا حماد بن زيد عن هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن
عائشة قالتْ: كان النّاس يَتَحرَّوْنَ بَهَداياهم يومي، وقالت أُمّ سَلَمَةَ: إنَّ صَواحبي اجْتَمَعْنَ،
فذكرت له فأعرَضَ عَنْها)» هكذا أورَدَه مختصراً جِدّاً، وقد أخرجه أبو عَوَانة وأبو نُعيم
والإسماعيلي من طريق محمد بن عُبيد، زاد الإسماعيلي وخَلَف بن هشام كلاهما، عن حمّاد
ابن زيد بهذا الإسناد بلفظ: ((كان الناس يَتَحرَّون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمعنَ
صَواحبي إلى أُمّ سَلَمة فقُلنَ لها: خَبِّي رسول الله وَّهِ أَن يأمُرَ الناسَ أن يُهدوا له حيثُ
كان، قالت: فذكرتْ ذلك أُمّ سَلَمة للنبي ◌َِّ، قالت: فأعرَضَ عنِّي، قالت: فلمَّا عاد إليَّ
ذكرت له ذلك فأعرَضَ عنِّي)) الحديث. وقد أخرجه المصنّف (٣٧٧٥) في مَناقب عائشة
عن عبد الله بن عبد الوهّاب عن حَمَّاد بن زيد فقال: عن هشام عن أبيه: كان الناس
يَتَحرَّونَ؛ فذكره بتمامه مُرسلاً، وروى ابن سعد في طبقات النِّساء (١٦٣/٨) من حديث أُمّ

٢١٣
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ - ٢٥٨١
كتاب الهبة
سَلَمة قالت: كان الأنصار يُكثِرون إلطافَ رسول الله وَّهِ، سعدُ بن عُبادة وسعدُ بن معاذ
وعمارةُ بن خَزْم وأبو أيوب، وذلك لقُرْبٍ جِوَارهم من رسول الله وَّةٍ.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس ((حدَّثني أخي)) هو أبو بكر عبد الحميد ((عن
سليمان)) هو ابن بلال. وقد تابَعَ البخاري حُميد بن زَنْجويه عند أبي نُعيم وإسماعيل القاضي
عند أبي عَوَانة، فَرَوَياه عن إسماعيل بن أبي أوَيس كما قال، وخالَفَهم محمد بن يحيى الذُّهلي
فرواه عن إسماعيل: حدَّثني سليمان بن بلال؛ حَذَفَ الواسطة بین إسماعيل وسليمان، وهو
أخو إسماعيل.
قوله: ((عن هشام بن عُرْوة)) زاد فيه على رواية حمّاد بن زيد في آخره: ((فقالت - أي: أُمّ
سَلَمة -: أتوبُ إلى الله من ذلك يا رسول الله)، وزاد فيه أيضاً إرسالهنَّ فاطمة ثمَّ إرسالهنَّ
زينب بنت جَحْش، وقد تَصرَّفَ الرُّواة في هذا الحديث بالزّيادة والنَّقْص، ومنهم مَن جَعَلَه
ثلاثة أحاديث.
قال البخاري: ((الكلام الأخير قِصَّة فاطمة)) أي: إرسال أزواج النبي ◌َّ فاطمة بنت
النبي وَّ إليه ((يُذكَرُ عن هشام بن عُرْوة عن رجل، عن الزُّهري، عن محمد بن عبد الرحمن))
يعني أنَّه اختُلِفَ فیه علی هشام بن ◌ُزْوة، فرواه سليمان بن بلال عنه، عن أبيه، عن عائشة
في ◌ُملة الحديث الأوَّل، ورواه عنه غيره بهذا الإسناد الأخير.
قوله: ((والحِزْب الآخرُ أُمّ سَلَمَةَ وسائر نِساء رسول الله ◌ِّ)) أي: بَقيتهنَّ، وهي زینب
بنت جَحش الأسَدية وأُمّ حَبيبة الأُمَوية وجوَيريةُ بنت الحارث الخُراعية وميمونة بنت
الحارث / الهلالية دون زينب بنت خُزيمةَ أُمّ المساكين. رواه ابن سعد (١٦٢/٨) من طريق ٢٠٧/٥
رُمَيثة المذكورة، وهي بالمثلَّثة مُصغَّرة، عن أُمّ سَلَمة قالت: كَلَّمَني صَوَاحبي وهنَّ
- فذكرتهنَّ - وكنّا في الجانب الثاني، وكانت عائشة وصواحبها في الجانب الآخر، فقُلنَ:
كَلِّمي رسول الله وَِّ فإنَّ الناس يُهدون إليه في بيت عائشة ونَحنُ نُحِبُّ ما تُحِبّ ...
الحديث، قال ابن سعد: ماتت زينب بنت خُزَيمةَ قبل أن يَتزوَّج النبيِ نَّهِ أُمّ سَلَمة،
وأسكَنَ أُمَّ سَلَمة بيتها لمَّا دَخَلَ بها.

٢١٤
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ -٢٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقُلْنَ لها: كَلِّمي رسول الله وَهِ يُكلِّمِ النّاسَ)) بالجزم والميم مكسورة لالِتِقاءِ
السَّاکنینِ، ويجوز الرفع.
قوله: ((فلْيُهْدِها)» في رواية الكُشْمِيهني: ((فليُهدِ)» بحذف الضَّمير.
قوله: ((فإنَّ الوَحْيَ لم يأتِني وأنا في ثوب امرأة إلَّا عائشة)» يأتي شرحُه في مناقب عائشة إن
شاء الله تعالى (٣٧٧٥).
قوله: ((ثُمَّ إِنََّنَّ دَعَوْنَ فاطمة)) في رواية الكُشْمِيهني: ((دَعَینَ))، وروى ابن سعد (٨)
١٧٢) من مُرسَل عليّ بن الحسين: أنَّ التي خاطَبَتَها بذلك منهنَّ زينب بنت جَحْش، وأنَّ
النبي وَليم سألها: ((أرسَلَتكِ زينب؟)) قالت: زينب وغيرها، قال: ((أهي التي وَلِيَتْ ذلك؟»
قالت: نعم.
قوله: ((إنَّ نِساءَك يَنشُدْنَك العَدْل في بنت أبي بكر)) أي: يَطْلُبنَ منك العَدل، وفي رواية
الأَصِيلي: ((يُناشدنَك الله العَدل)) أي: يسألنَك بالله العَدل، والمراد به التَّسوية بينهنَّ في كلّ
شيء من المحَبَّة وغيرها، زاد في رواية محمد بن عبد الرحمن عن عائشة عند مسلم (٢٤٤٢):
أرسَلَ أزواج النبي ◌َ ◌ّ فاطمة بنت رسول الله وَّ فاستأذنَت عليه وهو مُضطَجِع معي في
مِرْطي فقالت: يا رسول الله، إنَّ أزواجك أرسَلنَني يسألنَك العدلَ في بنت ابن أبي قُحَافة؛
وأبو قُحَافة: هو والد أبي بكر.
قوله: ((فقال: يا بُنيَّةُ: ألا تُحِبّينَ ما أُحِبّ؟ قالتْ: بَلى)) زاد مسلم في الرِّواية المذكورة: قال:
«فأحِبّي هذه)) فقامت فاطمةُ حين سمعت ذلك.
قوله: ((فَرَجعَت إلَيهنَّ فأخبَرَتْهنَّ)) زاد مسلم: فَقُلْنَ لها: ما نَراكِ أغنَيتِ عَنّا من شيء.
قوله: ((فأبت أن تَرْجِعَ)) في رواية مسلم: فقالت: والله لا أُكَلِّمُه فيها أبداً.
قوله: ((فأرسَلْنَ زينب بنت جَحْش)) زاد مسلم: وهي التي كانت تُساميني منهنَّ في
المنزلة عند رسول الله وَّر ... فذكر الحديث، وفيه ثَناء عائشة عليها بالصَّدَقة وذِكْرِها لها
بالحِدَّة التي تُسرِعُ منها الرَّجعة.

٢١٥
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ -٢٥٨١
كتاب الهبة
قوله: ((فأتتْه)) في مُرسَل عليّ بن الحسين: فذهبت زينب حتَّى استأذنَت، فقال: ((ائذَنوا لها))
فقالت: حَسبُكَ إذا بَرَقَت لك بنت ابن أبي قُحَافة ذِراعَيها، وفي رواية مسلم: ورسول الله
مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلَت فاطمة وهو بها.
قوله: ((فأغلَظَتْ)) في رواية مسلم: ثمَّ وَقَعَت بي فاستَطالَت، وفي مُرسَل عليّ بن الحسين:
فوقعت بعائشة ونالَت منها.
قوله: ((فسَبَّتْها حتَّى إِنَّ رسول الله وَّهِ لَيَنظُرُ إلى عائشة هل تَكَلَّم)) في رواية مسلم: وأنا
أرقُبُ رسولَ اللهِ وَله وأرقُب طَرْفَه هل يأذَنُ لي فيها، قالت: فلم تَبَرَحْ زينب حتَّى عَرَفتُ
أَنَّ رسول الله وَلَّهِ لا يكره أن أنتَصِرَ؛ وفي هذا جواز العمل بما يُفهَمُ من القَرائن، لكن روى
النَّسائي (ك٨٨٦٥ و ٨٦٦٦) وابن ماجَهْ (١٩٨١) مختصراً من طريق عبد الله البَهِيِّ عن
عُرْوة، عن عائشة قالت: دَخَلَت عليَّ زينب بنت جحش فسَبَّتَنِي، فَرَدَعَها النبي ◌َّ فأبت،
فقال: ((سُبّيها)) فسَبَبْتُها حتَّى جَفَّ رِيقُها في فمها، وقد ذكرته في (باب انتصار الظَّالم)) من
كتاب المظالم(١)، فيُمكِن أن يُحِمَل على التَّعَدُّد.
قوله: ((فَتَكَلَّمَت عائشة تَرُدّ على زينب حتَّى أسكَتَتْها)) في رواية لمسلم: (٢٤٤٢): فلمَّا
وقَعت بها لم أنشَبْها أن أثخَيْتُها غَلَبَةً، ولابن سعد (٨/ ١٧١، ١٧٢): فلم أنشَبْها أن أفحَمتُها.
قوله: ((فقال: إنَّها بنت أبي بكر)) أي: إنَّها شريفةٌ عاقلةٌ عارفةٌ كأبيها، وكذا في رواية
مسلم، وفي رواية النَّسائي المذكورة (ك٨٨٦٥ و٨٨٦٦): فرأيت وجهه يَتَهلَّل؛ وكأنَّه
وست
أشار إلى أنَّ أبا بكر كان عالماً بمناقب مُضَر ومَثالِها، فلا يُستَغرَبُ من بنته تَلَقّي ذلك عنه:
ومَن يُشابِهْ أَبَهُ فما ظَلَمْ (٢)
(١) الباب السادس من كتاب المظالم، ص١٣ من هذا الجزء، وانظر تعليقنا عليه هناك.
(٢) هذا عجز بيت لأرجوزة قالها رؤية بن العجاج في مدح عدي بن حاتم الطائي وصدره:
بأپِهِ اقتدى عديٌّ في الکرمْ
وهو من الأبيات التي يستدلُّ بها النحاة على جواز إعراب الأسماء الستة بالحركات، انظر ((أوضح =

٢١٦
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ - ٢٥٨١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي هذا الحديث مَنقَبة ظاهرة لعائشة، وأنَّه لا حَرَجَ على المرء في إيثار بعض نِسائه
٢٠٨/٥ بالتُّحَف، وإنَّما اللّزم العَدل في المبيت والنَّفَقة ونحو/ ذلك من الأُمور اللّزمة، كذا قَرَّرَه
ابن بَطَّال عن المهلَّب.
وتَعَقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّ النبي ◌َِّ لم يَفعَل ذلك، وإِنَّمَا فَعَلَه الذين أهدَوْا له وهم باختيارهم
في ذلك، وإنَّما لم يَمنَعهم النبي ◌َّه لأنَّه ليس من كمال الأخلاق أن يَتَعرَّض الرجل إلى
الناس بمِثلِ ذلك لما فيه من التَّعَرُّض لطلبِ الهديّة، وأيضاً فالذي يُهدي لأجلِ عائشة
كأنَّه مَلَّكَ الهديّة بشرطٍ، والتَّمليك يُتَبع فيه تحجير المالك، مع أنَّ الذي يَظهَرُ أنَّه وَِّ كان
يُشِرِكُهنَّ في ذلك، وإنَّما وقعت المنافسة لكَونِ العَطيّة تَصِلُ إليهنَّ من بيت عائشةً.
وفيه قَصْدُ الناس بالهدايا أوقاتَ المسَرَّة ومواضعَها ليزيدَ ذلك في سُرورِ الْمُهْدى إليه.
وفيه تَنافُس الضَّرائرِ وتَغايُرهنَّ على الرجل، وأنَّ الرجل يَسَعُه السُّكوت إذا تَقاوَلْنَ،
ولا يَميلُ مع بعضٍ على بعضٍ.
وفيه جواز التَّشكّي والتَّوسُّل في ذلك، وما كان عليه أزواج النبي ◌َّ من مَهابَتِهِ
والحياء منه حتَّى راسَلنَه بأعزّ الناس عنده فاطمة. وفيه سرعة فَهْمهنَّ ورُجوعهنَّ إلى الحقّ
والوقوف عنده.
وفيه إدلالُ زينبَ بنت جَحْش على النبي و ﴿ لكَونِها كانت بنت عَمَّته، كانت أُمُّها
أُمَيمَةَ - بالتَّصغير - بنت عبد المطَّلِب.
قال الدَّاوُودي: وفيه عُذر النبيِّ وَّ لزينبَ، قال ابن التِّين: ولا أدري من أينَ أخَذَه!
قلت: كأنَّه أخَذَه من مُخاطَبَتَها النبيَّ وََّ لطلبِ العَدْل مع عِلمها بأنَّه أعدلُ الناس،
لكن غَلَبَت عليها الغَيْرة فلم يؤاخذها النبيُّ ◌َ بإطلاق ذلك، وإنَّمَا خَصَّ زينبَ
بالذِّكرِ، لأنَّ فاطمة عليها السَّلام كانت حاملة رسالة خاصَّة، بخلاف زينب فإنَّا
= المسالك)) ٤٤/١، و((شرح ابن عقيل)) ٥٠/١.

٢١٧
باب ٨ / ح ٢٥٨٠ - ٢٥٨١
كتاب الهبة
شَرِيكَتُهنَّ في ذلك بل رأسهنَّ، لأنَّها هي التي تَوَلَّت إرسال فاطمة أوَّلاً ثمَّ سارَت
بنفسِها. واستُدِلَّ به على أنَّ القَسْم كان واجباً عليه، وسيأتي البحث في ذلك في النِّكاح
إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((وقال أبو مروان الغسَّاني» كذا للأكثر بغَينٍ مُعجَمة وسين مُهمَلة ثقيلة، ووقع في
رواية القابسي عن أبي زيد فيه تغيير فغيَّره ((العثماني))، حكاه أبو عليّ الجيَّاني وقال: إنَّه خطأ،
وقد تقدَّمت لأبي مروان هذا رواية موصولة في كتاب الحجّ (١٦٢٦) (٢)، ووقع للقابسي فيه
تصحيف غير هذا.
وقوله: ((وقال أبو مروان ... )) إلى آخره، يعني: أنَّ أبا مروان فصَلَ بين الحديثَينِ في
روايته عن هشام، فجَعَلَ الأوَّل - وهو التَّحَرّي - كما قال حمَّد بن زيد عن هشام، وجَعَلَ
الثاني - وهو قِصَّة فاطمة - عن هشام عن رجل من قُريش ورجل من الموالي، عن محمد بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة.
قلت: وطريق محمد بن عبد الرحمن عن عائشة بهذه القِصَّة مشهورة من غير هذا الوجه،
أخرجها مسلم (٢٤٤٢) والنَّسائي (٣٩٤٤) من طريق صالح بن كَيْسان، زاد مسلم:
((ويونس))، وزاد النَّسائي (٣٩٥٤): ((وشعيب بن أبي حمزة))، ثلاثتهم عن الزُّهري عنه،
وهكذا قال موسى بن أعيَن عن مَعمَر عن الزُّهري، وخالَفَه عبد الرَّزّاق (٢٠٩٢٥) فقال:
عن مَعمَر عن الزُّهري عن عُرْوة عن عائشة، وخالَفَهم إسحاقُ الكلبي، فجَعَلَ أبا بكر بن
عبد الرحمن بدل: محمد بن عبد الرحمن.
قال الذُّهْلِي والدّارَ قُطني وغيرهما: المحفوظ من حديث الزّهري: عن محمد بن عبد الرحمن
عن عائشة.
(١) عند باب (٩٧): القرعة بين النساء إذا أراد سفراً، بين يدي الحديث (٥٢١١).
(٢) وله أيضاً عند البخاري ثلاثة أحاديث أخرى موصولة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أحدها:
في الجنائز (١٣٨٩)، وثانيها: في الديات (٦٨٨٣)، وثالثها: في التوحيد (٧٣٧٠).

٢١٨
باب ٩ / ح ٢٥٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأبو مروان هذا: هو يحيى بن أبي زكريّا الغسَّاني، وهو شامي نزلَ واسط، واسم أبي
زكريا يحيى أيضاً، ووَهَمَ مَن زَعَمَ أنَّه محمد بن عثمان العثماني، فإنَّه وإن كان يُكْنى أبا مروان
لكنَّه لم يُدرِك هشام بنَ عُرْوةَ، وإنَّما يروي عنه بواسطةٍ، وطريقه هذه وصَلها الذُّهلي في
((الزُّهريات)).
وقد اختُلِفَ على هشام فيه اختلافٌ آخر، فرواه حمَّد بن سَلَمة عنه، عن عوف بن
الحارث، عن أُخته رُمَيثة، عن أُمّ سَلَمة: أنَّ نساءَ النبي ◌َّهِ قُلنَ لها: إنَّ الناس يَتَحرَّون
بهَداياهم يومَ عائشة ... الحديث، أخرجه أحمد (٢٦٥١٣).
ويحتمل أن یکون هشام فیه طريقان، فإنَّ عَبْدة بن سليمان رواه عنه بالوجهين، أخرجه
الشَّيخان من طريقه بالإسناد الأوَّل كما مضى في الباب الذي قبلَه (٢٥٧٤)، وأخرجه
النَّسائي (٣٩٥٠ و٣٩٥١) من طريقه متابعاً لحمَّد بن سَلَمة، والله أعلم.
٩ - باب ما لا يُرَدُّ من الهدية
٢٠٩/٥
٢٥٨٢- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابتِ الأنصاريُّ، قال:
حذَّثني ثُمامةُ بنُ عبدِ الله قال: دَخَلْتُ عليه فناوَلَني طِيباً قال: كان أنسٌ ﴾ لا يردُّ الطِّيبَ.
قال: وزَعَمَ أنسٌ: أنَّ النبيَّ ◌ٍَّ كان لا يردُّ الطِّيبَ.
[طرفه في: ٥٩٢٩]
قوله: ((باب ما لا يُرَدُّ من الهديّة)) كأنَّه أشار إلى ما رواه التِّرمِذي (٢٧٩٠) من حديث ابن
عمر مرفوعاً: ((ثلاث لا تُرَدُّ: الوَسَائد، والدُّهن، واللَّبَن)) قال الثِّرمِذي: يعني بالدُّهن:
الطِّيب، وإسناده حسن إلّا أنَّه ليس على شرط البخاري، فأشار إليه واكتَفى بحديثٍ أنس:
أَنَّهِ وَ كان لا يردُّ الطِّيب.
قال ابن بَطَّال: إنَّما كان لا يردُّ الطّيب من أجل أنَّه مُلازم لمناجاة الملائكة، ولذلك كان
لا يأكُلُ الثّومَ ونحوَه.

٢١٩
باب ١٠ / ح ٢٥٨٣ -٢٥٨٤
كتاب الهبة
قلت: لو كان هذا هو السَّبَب في ذلك لكان من خصائصه، وليس كذلك فإِنَّ أنساً
اقتدى به في ذلك. وقد وَرَدَ النَّهي عن رَدّه مقروناً ببيان الحكمة في ذلك في حديث صحيح
رواه أبو داود (٤١٧٢) والنَّسائي (٥٢٥٩) وأبو عَوَانة(١) من طريق عُبيد الله بن أبي جعفر
عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن عُرِضَ عليه طِيبٌ فلا يردَّه، فإنَّه خفيف
المَحْمِل طَيِّبُ الرَّائحة))، وأخرجه مسلم (٢٢٥٣) من هذا الوجه لكن قال: ((رَيحان))
بدل: ((طيب))، ورواية الجماعة أثبَت، فإنَّ أحمد وسبعة أنفُس معه(٢) رَوَوه عن عبد الله بن
يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب بلفظ: ((الطّيب))، ووافقَه ابن وَهْب عن سعيد عند
ابن حِبَّان (٥١٠٩)، والعدد الكثير أوْلى بالحفظ من الواحد، وقد قال التِّرمِذي عَقِب
حديث أنس وابن عمر: وفي الباب عن أبي هريرة، فأشار إلى هذا الحديث.
قوله: ((عَزْرة)) هو بفتح المهملة وسکون الزّاي بعدها راء.
قوله: ((حدَّثني ثُمامة بن عبد الله قال: دَخَلْت عليه فناوَلَني طيباً، قال: كان أنس لا يرةُّ
الطّيب)) فاعِل ((قال)) هو عَزرة، والضَّمير لئُمامة، وزَعَمَ بعض الشُّاح أنَّ الضَّمير لأنسٍ،
وليس كذلك، فقد أخرجه أبو نُعيم من طريق بشر بن معاذ عن عبد الوارث، عن عَزرة بن
ثابت قال: دَخَلت على ثُمامة فناوَلَني طيباً، قلت: قد تَطَيَّت، فقال: كان أنس لا يردُّ
الطِّيب.
قوله: ((وزَعَمَ)) أي: قال، والزَّعْم يُطلَقُ على القول كثيراً.
١٠ - باب من رأى الهبة الغائبة جائزةً
٢٥٨٣، ٢٥٨٤ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ
شِهَابٍ قال: ذَكَرَ عُرْوةُ: أَنَّ الِسْوَرَ بنَ تَخْرَمةَ رضي الله عنهما ومروانَ أخبَرَاه: أنَّ النبيَّ ◌َّد.
(١) في الطب من ((صحيحه)) كما في ((إتحاف المهرة)) (١٩١٤٨).
(٢) أخرجه أحمد (٨٢٦٤)، وأبو داود (٤١٧٢)، والنسائي (٥٢٥٩)، والبزار في («مسنده)) (٨٨٥٥)، وابن
حبان (٥١٠٩)، والبيهقي (٢٤٥/٣).

٢٢٠
باب ١١ / ح ٢٥٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
حينَ جاءه وَفْدُ هَوازِنَ قامَ في النّاسِ، فَأَثْنَى على الله بما هو أهلُه ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ
إخوانَكُم جاؤُونا تائِينَ، وإنّ رأيتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمَن أحَبَّ منكم أن يُطَيِّبَ ذلك
فَلْيَفْعَل، ومَن أحَبَّ أن يكونَ على حَظِّه حتَّى نُعْطِيَه إيّاه من أوَّلِ ما يُفِيءُ الله علينا)) فقال
النّاسُ: طَيِّْنا لكَ.
قوله: ((باب مَن رأى الهِبَة الغائبة جائزة)) ذكر فيه طَرَفاً من حديث المِسوَر ومروان في
٢١٠/٥ قِصَّة هَوازِن، ومُراده/ منه قوله وَّ: ((وإنّ رأيت أن أرُدَّ عليهم سَبْيَهم، فمَن أحَبَّ منكم
أن يُطيِّبَ ذلك فليَفعَل)) فإنَّ في بقية الحديث ((طَيِّينا لك)) وقد تقدَّم قريباً في العِتْق في ((باب
مَن مَلَكَ من العرب رقيقاً)) (٢٥٤٠،٢٥٣٩) بأتمَّ من هذا بهذا الإسناد بعَينِهِ، ففيه أنَّهم
وهَبوا ما غَنِموه من السَّبْي من قبل أن يُقسَمَ وذلك في معنى الغائب، وحَذَفَ في هذه
الطَّريق جواب الشَّرط من الجملة الثانية وهي («فليَفعَل))، وقد ثبت كذلك في الباب الذي
أشرت إليه.
قال ابن بَطَّال: فيه أنَّ للسُّلطان أن يَرفَعَ أملاك قوم إذا كان في ذلك مَصلَحة
واستئلاف، وتَعَقَّبَه ابن المنيِر وقال: ليس كما قال، بل في نفسِ الحديث أنَّه بَّه لم يَفْعَل ذلك
إلّا بعد تَطييبٍ نُفُوسِ المالكينَ.
١١ - باب المكافأة في الهبة
٢٥٨٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عِيسَى بنُ يونسَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها قالت: كان رسولُ اللهِوََّ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عليها.
لم يَذْكُر وكيعٌ ومُحاضِرٌ: عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً.
قوله: ((باب المكافأة في الهِبَة)) المكافأة بالهمزِ مُفاعلة بمعنى المقابلة، والمراد بالهِبَة هنا
المعنى الأعمّ كما قَرَّرتُه في أوَّل كتاب الهبة.
قوله: ((عن هشام)) في رواية الإسماعيلي من طريق إبراهيم بن موسى الفَرّاء عن عيسى
ابن يونس: حدَّثنا هشام.