النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ١٢ / ح ٢٥٣٨
كتاب العتق
مِئَةَ رقبةٍ، قال: فسألتُ رسولَ اللهِوَّه فقلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ أشياءَ كنتُ أصنَعُها في
الجاهلِيَّةِ، كنتُ أتحنَّثُ بها؟ - يعني: أتبَرَّرُ بها - قال: فقال رسولُ الله وَّ: ((أسلَمْتَ على ما
سَلَفَ لكَ من خیرٍ)).
قوله: ((باب عِثْق المشرِك)) يُحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل أو المفعول، وعلى الثاني
جَرى ابن بَطَّال فقال: لا خلاف في جواز عِتق المشرك تَطُوُّعاً، وإنَّما اختلفوا في عِتقه عن
الكفَّارة، وحديث الباب في قِصَّة حَكيم بن حِزام حُجَّة في الأوَّل؛ لأَنَّ حَكيماً لمَّا أعتَقَ
وهو كافر لم يحصل له الأجر إلّا بإسلامه، فمَن فعَلَ ذلك وهو مسلم لم یکن بدونه، بل
أوْلى، انتھی.
وقال ابن المنيِر: الذي يَظهرُ أنَّ مُراد البخاري أنَّ المشرك إذا أعتَقَ مسلماً نَفَذَ عِتقُه،
وكذا إذا أعتَقَ كافراً فأسلَمَ العبد، قال: وأمَّا قوله: ((أسلمتَ على ما سلَفَ لك من خيرٍ))
فليس المراد به صِحَّة التَّقَرُّب منه في حال كُفره، وإنَّما تأويله أنَّ الكافر إذا فعَلَ ذلك، انتَفع
به إذا أسلَمَ لمَا حصل له من التَّدرُّب على فعل الخير، فلم يَحَتَج إلى مُجاهَدة جَديدة، فيُتَابُ
بفضلِ الله عمّا تقدَّم بواسطة انتفاعه بذلك بعد إسلامه. انتهى، وقد قَدَّمت لذلك أجوبة
أُخرى في كتاب الزكاة (١٤٣٦) مع الكلام على بقية فوائد الحديث المذكور.
قوله: ((أنَّ حَكِيم بن حِزام أعتَقَ)) ظاهر سياقه الإرسال؛ لأنَّ عروة لم يُدرِك زمنَ ذلك،
لكنَّ بقية الحديث أوضحَت الوَصْل، وهي قوله: ((قال: فسألت))، ففاعلُ ((قال)) هو حَکیم،
فكأنَّ عروة قال: قال حَكِيم، فيكون بمَنزِلة قوله: عن حَكِيم، وقد أخرجه مسلم (١٢٣/
١٩٥) من طريق أبي معاوية عن هشام، فقال: عن أبيه عن حکیم.
قوله: ((أَنْبَرَّرُ بها)) بالموخَّدة وراءَينِ الأولى ثقيلة، أي: أطلُبُ بها البِرَّ وطَرح الِحِنْث، وقد
تقدَّم نَقل الخلاف في ضبطه في الزكاة.
وقوله: ((يعني أنبرَّر)) هو من تفسير هشام بن عروة راويه كما ثبت عند مسلم والإسماعيلي،
وقَصَّرَ مَن زَعَمَ أنَّه تفسير البخاري.

١٤٢
باب ١٣ / ح ٢٥٣٩ - ٢٥٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
١٣ - باب مَن مَلَك من العرب رقيقاً فوهبَ وباعَ وجامعَ
وفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لََّ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا
فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
٢٥٣٩، ٢٥٤٠ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ:
ذَكَرَ عُرْوةُ، أَنَّ مروانَ والِسْوَرَ بنَ تَخَرَمَةَ أخبَرَاهِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ قامَ حينَ جاءه وَفْدُ هَوازِنَ،
فسألُوه أن يردّ إليهم أموالهم وسَبْيَهم، فقال: ((إنَّ معي مَن تَرَوْنَ، وأحَبُّ الحديثِ إليَّ أصدَقُه،
فاختارُوا إحدَى الطّائِفَتَينِ: إمّا المالَ، وإِمّا السَّبْيَ، وقد كنتُ اسْتَأَنَيتُ بهمْ)) وكان النبيُّ ◌َّ
انْتَظَرَهم بضْعَ عَشْرَةَ ليلةً حينَ قَفَلَ مِن الطّائِفِ، فلمَّا تَبيَّنَ لهم أنَّ النبيَّ ◌ِ ◌ّ غِيرُ رادِّ إليهم إلَّ
١٧٠/٥ إحدَى الطّائفَتَينِ قالوا: فإنّا نَخْتارُ سَبَنا، فقامَ النبيُّ وَّهِ فِي النّاسِ فَأَثْنَى / على الله بما هو أهلُه،
ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ إخوانَكُم جاؤُونا تائِينَ، وإنّي رأيتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فمَن أحَبَّ
منكم أن يُطَيِّبَ ذلك فلْيَفْعَل، ومَن أحَبَّ أن يكونَ على حَظِّه حتَّى نُعْطِيَه إِّاه من أوَّلِ ما يُفِيءُ
الله علينا فلْيَفْعَلْ)). فقال النّاسُ: طَّنا لك ذلك، قال: ((إنّا لا نَذْري مَن أذِنَ منكم ممَّن لم يأذن،
فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَينا عُرَفَاؤُكُمْ أمَرَكُمْ))، فَرَجَعَ النّاسُ فَكَلَّمَهم عُرَفَاؤُهم، ثمَّ رَجَعُوا إلى
النبيِّ يَِّ فأخبَروه أنَّهم طَيُّوا وأذِنُوا، فهذا الَّذِي بَلَغَنا عن سَبٍْ هَوازِنَ.
وقال أنسُ: قال عبَّاسُ للنبيِّ ◌َّهِ: فَادَيتُ عَقِيلاً.
قوله: ((باب مَن مَلَكَ من العرب رقيقاً فوَهَبَ وباعٍ وجامعَ وفَدى وسَبى الذُّرّية)) هذه
التَّرجمة مَعقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب، وهي مسألةٌ مشهورةٌ، والجمهور على أنَّ
العربي إذا سُبيَ جازَ أن يُستَرَقّ، وإذا تزوَّج أَمةً بشرطِه كان ولدُها رقيقاً.
وذهب الأوزاعي والثَّوري وأبو ثور إلى أنَّ على سيِّد الأَمة تقويمَ الوَلَد، ويُلزَمُ أبوه
بأداءِ القيمة ولا يُستَرَقّ الولد أصلاً، وقد جَنَحَ المصنّف إلى الجواز، وأورَدَ الأحاديث
الدّالَّة على ذلك، ففي حديث المِسوَر ما تَرجَمَ به من الهِبَة، وفي حديث أنس ما تَرجَمَ به من

١٤٣
باب ١٣ / ح ٢٥٤١
كتاب العتق
الفِداء، وفي حديث ابن عمر ما تَرجَمَ به من سَبْي الذَّرّية، / وفي حديث أبي سعيدٍ ما تَرجَمَ ١٧١/٥
به من الجِماع ومن الفِدية أيضاً، ويَتَضَمَّنُ ما تَرجَمَ به من البيع، وفي حديث أبي هريرة ما
تَرجَمَ به من البيع لقوله في بعض طرقه: ((ابتاعي)) كما سأُبيُّهُ.
وقوله في التَّرجمة: ((وقول الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوَكًا ... ) إلى آخر الآية)) قال ابن المنيِّر:
مُناسَبة الآية للترجمة من جِهَة أنَّ الله تعالى أطلقَ العبد المملوك ولم يُقيِّده بكَونِهِ عَجميّاً،
فدَلَّ على أن لا فَرْقَ في ذلك بین العربي والعجمي، انتھی.
وقال ابن بَطَّل: تأوَّلَ بعض الناس من هذه الآية أنَّ العبد لا يَملِك، وفي الاستدلال بها
لذلك نظر؛ لأنَّهَا نَكِرةٌ في سياق الإثبات، فلا عُمومَ فيها، وقد ذكر قَتَادة أنَّ المراد به الكافر
خاصَّةً. نعم، ذهب الجمهور إلى كَونه لا يَملِكُ شيئاً، واحتَجّوا بحديثٍ ابن عمر الماضي
ذِكْره في الشُّرب (٢٣٧٩) وغيره. وقالت طائفة: إنَّه يَملِك، روي ذلك عن عمر وغيره.
واختلفَ قول مالك فقال: مَن باع عبداً وله مال، فمالُه للَّذي باعه إلَّ بشرطٍ. وقال
فيمَن أعتَقَ عبداً وله مال: فإنَّ المال للعبدِ إلَّا بشرطٍ. قال: وحُجَّتُه في البيع حديثه عن
نافع المذكور، وهو نصٌّ في ذلك، وحُجَّته في العِثْق ما رواه عُبيد الله بن أبي جعفر، عن
بُكَير بن الأشَجّ، عن نافع، عن ابن عمر رَفَعَه: «مَن أَعتَقَ عبداً فمال العبد له، إلَّا أن
یستئنیه سیدُه)).
قلت: وهو حديث أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) بإسنادٍ صحيحٍ(١)، وفَرَّقَ بعض أصحاب
مالك بأنَّ الأصل أنَّه لا يَملِك، لكن لمَّا كان العِثْق صورة إحسان إليه، ناسَبَ ذلك أن
لا يَنْزِعَ منه ما بيدِه تكميلاً للإحسان، ومن ثَمَّ شُرِعَت المكاتَبة وساغَ له أن يَكتَسِبَ
ويُؤَدّي إلى سيِّده، ولولا أنَّ له تَسَلَّطاً على ما بيدِه في صورة العِثْق ما أغنى ذلك عنه شيئاً،
والله أعلم.
فأما قِصَّة هَوازِن فسَيأتي شرحُها مُستَوفَى في المغازي (٤٣١٨ و٤٣١٩).
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦٢).

١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله في هذه الطَّريق عن ابن شِهَاب قال: ((ذكر عُرْوةُ))، سيأتي في الشُّروط (٢٧٣١
و٢٧٣٢) من طريق مَعمَر عن الزُّهري: أخبرني عُرْوة.
وقوله: ((استَأنَيت)) بالمثنَّة قبل الألف المهموزة السَّاكنة ثمَّ نون مفتوحة وتحتانية ساكنة،
أي: انتَظَرت.
وقوله: ((حتَّى يَفي ءَ) بفتح أوَّله ثمَّ فاء مكسورة وهمزة بعد التَّحتانية السَّاكنة(١)، أي:
يَرجِع إلينا من مال الكُفّار من خَرَاج أو غنيمة أو غير ذلك، ولم يُرِدِ الفَيء الاصطِلاحي
وحده.
٢٥٤١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ قال: كَتَبتُ إلى نافعِ
فَكَتَبَ إِلَيَّ: إنَّ النبيَّ ◌َ أغارَ على بني المُصْطَلِقِ وهم غارُّونَ وأنْعامُهم تُسْقَى على الماءِ، فقَتَلَ
مُقاتِلَتَهم وسَبَى ذَرَاريَّهم، وأصابَ يومَئذٍ جُوَيِرِيَةً؛ حدَّثني به عبدُ الله بنُ عمرَ، وكان في ذلك
لجيشٍ.
وأما قِصَّة بني المصطَلِقِ من حديث ابن عمر، فعبد الله المذكور في الإسناد: هو ابن المبارك.
وقوله: ((أغارَ على بني المصطَلِقِ)) بضمِّ الميم وسكون المهمَلة وفتح الطاء وكسر اللّام
بعدها قاف، وبنو المصطَلِقِ بَطن شَهير من خُزاعة: وهو المصطَلِقِ بن سعيد بن عَمْرو بن
ربيعة بن حارثة بن عَمْرو بن عامر، ويقال: إنَّ المصطَلِقِ لَقَب واسمه جَذيمة، بفتح الجيم
بعدها ذال مُعجَمة مكسورة، وسيأتي شرح هذه الغَزَاة في كتاب المغازي (٤١٣٨ و٤١٣٩)
إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((وهم غارُّونَ)) بالغين المعجَمة وتشديد الراء، جمع غارِّ بالتَّشديد، أي: غافل،
أي: أَخَذَهم على غِرَّة.
قوله: ((وأصابَ يومَئذٍ جُوَيريَةَ)) بالجيمِ مُصغَّراً، بنت الحارث بن أبي ضِرار - بكسر المعجمة
وتخفيف الراء - بن الحارث بن مالك بن المصطَلِقِ، وكان أبوها سيِّد قومه، وقد أسلَمَ بعد
(١) في روايات ((الصحيح)) كما في اليونينية: ((من أول ما يُفيء الله علينا)) بضم أوله من: أفاءً.

١٤٥
باب ١٣ / ح ٢٥٤٢ - ٢٥٤٣
كتاب العتق
ذلك، وقد روى مسلم هذا الحديث (١٧٣٠) من وجه آخر عن ابن عَوْن، وبَيَّنَ فيه أنَّ نافعاً
استَدَلَّ بهذا الحديث على نَسخ الأمر بالدُّعاءِ إلى الإسلام قبل القتال، وسيأتي البحث في ذلك
في ((باب الدَّعوَة قبل القتال)) من كتاب الجهاد (٢٩٣٨ و٢٩٣٩) إن شاء الله تعالى.
٢٥٤٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن
محمَّدٍ بنِ يحيى بنِ حَبَّانَ، عن ابنِ مُحَيرِيٍ قال: رأيتُ أبا سعيدٍ ﴾ فسألتُه فقال: خَرَجْنا مَعَ
رسولِ اللهِوَلَهُ فِي غَزْوةٍ بني المصْطَلِقِ، فأَصَبنا سَبْياً من سَبْيِ العربِ، فاشتَهَينا النِّساءَ فاشتَدَّت
علينا العُزْبةُ، وأحبّبنا العَزْلَ، فسألنا رسولَ الله وَّه فقال: ((ما عليكم أن لا تَفْعَلُوا؛ ما من
نَسَمَةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلا وهي كائنةٌ)).
وأما حديث أبي سعيد فسيأتي الكلام عليه في كتاب النِّكاح (٥٢١٠) مُستَوفَّى إن شاء
الله تعالى حيثُ ساقه هناك تامّاً.
وقوله هنا: (ابن حَبَّان)) هو بفتح أوَّله والموخَّدة الثَّقيلة، وابن مُحَيريز بالمهمَلة وراء
وزاي مُصفَّر.
وقوله: (نَسَمة)) بفتح النّون والمهمَلة، أي: نَفْس.
٢٥٤٣ - حدَّثْنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعةَ، عن
أبي هريرةَ﴾ قال: لا أزالُ أُحِبُّ بني تميمٍ ...
وحذَّثني ابنُ سلَامٍ، أخبرنا جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن المغيرةِ، عن الحارثِ، عن أبي زُرْعةَ،
عن أبي هريرةَ ...
وعن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ قال: ما زِلْتُ أُحِبُّ بني تميم مُنْذُ ثلاثٍ سمعتُ
من رسولِ اللهَ وَّل يقول فيهم، سمعتُه يقول: ((هم أشَدُّ أُمَّتي على الدَّجّال))، قال: وجاءت
صَدَقاتُهم، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((هذه صَدَقاتُ قومِنا))، وكانت سَبِيَّةٌ منهم عندَ عائشةَ فقال:
((أعتِقِيها، فإنَّها من ولدِ إسماعيلَ)».
[طرفه في: ٤٣٦٦]

١٤٦
باب ١٣ / ح ٢٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأما حديث أبي هريرة: أورَدَه المصنّف عن شيخين له كلّ منهما حدَّثه به عن جَرِير،
١٧٢/٥ لكنَّه فرَّقَهما؛ لأَنَّ أحدهما زاد فيه عن جَرِير إسناداً آخر، وساقه هنا على لفظ/ أحدهما وهو
محمد بن سلام، وسيأتي في المغازي (٤٣٦٦) على لفظ الآخر، وهو زهير بن حَرْب.
ومُغيرة: هو ابن مِقَسَم الضَّي، والحارث: هو ابن يزيد، والعُكْلي، بضمِّ المهمَلة
وسكون الكاف، وليس له في البخاري إلَّا هذا الحديث، وقد أغفَلَه الكلاباذي من رجال
البخاري، وهو ثقة جَليل القَدر من أقران الراوي عنه مُغيرة، لكنَّه تقدَّم عليه في الوفاة،
والإسناد كلّه كوفيون غير طَرَفَيه: الصحابي وشيخ البخاري.
قوله: ((ما زِلتُ أُحِبّ بني تميم)) أي: القبيلة الكبيرة المشهورة، يَتَسِبون إلى تميم بن مُّ
- بضمِّ الميم بلا هاءٍ - بن أُدّ - بضمِّ أوَّله وتشديد الدّال - بن طابِخَة - بموحَّدٍ مكسورة
ومُعجَمة ۔ بن إلياس بن مُضَر.
قوله: «مُنذُ ثلاث)) أي: من حین سمعت الخِصال الثلاث، زاد أحمد (٩٠٦٨) من وجه
آخر عن أبي زُرْعة عن أبي هريرة: وما كان قوم من الأحياء أبغَض إليَّ منهم فأحببتهم.
انتهى، وكان ذلك لمَا كان يقعُ بينهم وبين قومه في الجاهلية من العداوة.
قوله: ((هم أشَدُّ أُمَّتي على الدَّجّال)) في رواية الشَّعبي عن أبي هريرة عند مسلم (٢٥٢٥):
((هم أشدّ الناس قتالاً في الملاحم)) وهي أعمّ من رواية أبي زُرعة، ويُمكِن أن يُحمَلَ العامُّ في
ذلك على الخاصّ، فيكون المراد بالملاحمِ أكبرها: وهو قتال الدَّجّال، أو ذَكَر الدَّجّال
ليدخُلَ غيرُه بطريق الأَوْلى.
قوله: ((هذه صَدَقات قومنا)) إنَّا نَسَبَهم إليه لاجتماعِ نَسَبهم بنَسَبِهِ وَّ فِي إلياسَ بن
مُضَر، ووقع عند الطبراني في ((الأوسَط)) (٧٩٦٢) من طريق الشَّعبي عن أبي هريرة في هذا
الحديث: وأُتِيَ النبيُّ وَ لّه بِنَعَمِ من صدقة بني سعد، فلمَّا راعَه حُسْنُها قال: ((هذه صدقة
قومي)) انتهى، وبنو سعد بطنٌ كبير شَهِير من تميم، يُنسَبون إلى سعد بن زيد مناة بن تميم،

١٤٧
باب ١٣/ ح ٢٥٤٣
كتاب العتق
صال الله .
من أشهرهم في الصحابة قيس بن عاصم بن سِنَان بن خالد السَّعدي، قال فيه النبي ◌َّ
((هذا سيِّد أهل الوَبَر))(١).
قوله: ((وكانت سَبِيَّة منهم عند عائشة)) أي: من بني تميم، والمراد بَطن منهم أيضاً، وقد
وقع عند الإسماعيلي من طريق أبي مَعمَر عن جَرِير: وكانت على عائشة نَسَمة من بني
إسماعيل، فقَدِمَ سَبْيُ خَوْلان، فقالت عائشة: يا رسول الله، أبتاعُ منهم؟ قال: ((لا)) فلمَّا
قَدِمَ سَبِيُّ بني العَنبَر قال: ((ابتاعي، فإنَّهم ولد إسماعيل))، ووقع عند أبي عَوَانة من طريق
الشَّعبي عن أبي هريرة أيضاً: ((وجيءَ بسَبِيٍ بني العَنبَرَ))، وبنو العَنبَرَ بَطنٌ شَهِيرٌ أيضاً من
بني تميم، يُنسَبون إلى العَنْبَرَ - وهو بلفظ الطِّيب المعروف - بن عَمْرو بن تميم.
تنبيه: وقع في نُسخَة ((الصحيحين)): ((سَبِيَّة)) بَوَزْن فَعِيلة مفتوح الأوَّل من السَّبْي، أو
من السِّبَا، ولم أقف على اسمها، لكن عند الإسماعيلي من طريق هارون بن معروف، عن
جَرِير: ((نَسَمة)) بفتح النّون والمهمَلة، أي: نفس، وله من رواية أبي مَعمَر المذكورة: وكانت
على عائشة نَسَمة من بني إسماعيل، وفي رواية الشَّعبي المذكورة عند أبي عَوَانة: وكان على
عائشة مُحرَّر، وبيَّنَ الطبراني في ((الأوسَط)) (٧٩٦٢) في رواية الشَّعبي المذكورة المراد بالذي
كان عليها، وأنَّه كان نَذراً، ولفظه: نَذَرَت عائشة أن تُعِقِ مُحرَّراً من بني إسماعيل.
وله في ((الكبير)) (٤٢١٦) من حديث دُرَيح - وهو بمُهمَلاتٍ مُصغَّراً - بن ذُؤَيب بن
شُعُثُم - بضمِّ المعجَمة والمثلَّثة بينهما عَين مُهمَلة - العَنبَري: أنَّ عائشة قالت: يا نبي الله، إنّي
نَذَرتُ عَتيقاً من ولد إسماعيل، فقال لها النبي ◌َّةَ: ((اصبِرِي حتَّى يَجِيءَ فَيْءُ بني العَنْبَر
غَداً)) فجاء فَيْءُ بني العَنبَرَ فقال لها: ((خُذي منهم أربعةً)) فأخَذَت رُدَيحاً وزُبَيْباً وزُخَيّاً
وسَمُرة. انتهى، فأمَّا رُدَيح فهو المذكور، وأمَّا زُبَيب: فهو بالزّائِ والموخَّدة مُصغَّر أيضاً،
وضَبَطَه العَسكَري بنونٍ ثمَّ موخَّدة: وهو ابن ثَعْلبة بن عَمْرو، وزُخَيّ بالزّايٍ والخاء
(١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٥٣)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢/ ٣٤٨، والحاكم ٣/ ٦١١،
والطبراني ١٨/ (٨٧٠)، وهو حسنٌ إن شاء الله.

١٤٨
باب ١٣ / ح ٢٥٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
المعجَمة مُصغَّر أيضاً، وضَبَطَه ابن عَوْن بالراءِ أوَّله، وسَمُرة: وهو ابن عَمْرو بن قُرْط،
بضمِّ القاف وسكون الراء، قال في الحديث المذكور: فمَسَحَ النبيُّ ◌ََّ رُؤوسَهم وبَرَّك
عليهم ثمَّ قال: ((يا عائشة، هؤلاءِ من بني إسماعيل قَصْداً)) انتهى.
١٧٣/٥
والذي تَعيَّنَ لعِثْق عائشة من هؤلاءِ الأربعة إمَّا / رُدَيح وإمَّا زُخَيّ، ففي ((سُنَن أبي
داود)) (٣٦١٢) من حديث الزُّبَيب بن ثَعْلبة ما يُرشِدُ إلى ذلك، وفي أوَّل الحديث عنده:
بَعَثَ رسول الله وَّ جَيشاً إلى بني العَنبَرَ فأخَذوهم برُكْبةٍ من ناحية الطائف، فاستاقُوهم
إلى رسول الله وَ﴾؛ ورُكْبة بضمِّ الراء وسكونِ الكاف بعدها موحّدة: موضع معروف،
وهي غير رَكُوبة: الثَّنيّة المعروفة التي بين مَكَّة والمدينة، وذكر ابن سعد أنَّ سَريَّة عُيَينَةَ بن
حِصْن هذه كانت في المحَرَّم سنة تسع من الهجرة، وأنَّه سبى إحدى عشرة امرأة وثلاثين
صَبِيّاً، والله أعلم.
وفي قوله وَلّ لعائشة: ((ابتاعيها فَأَعْتِقِيها)) دليل للجمهور في حِصَّة تَمَلُّك العربي، وإن
كان الأفضل عِتق مَن يُستَرَقّ منهم، ولذلك قال عُمر: من العار أن يَملِكَ الرجل ابنَ عَمّه
وبنتَ عَمّه، حكاه ابن بَطَّال عن المهلَّب.
وقال ابن المنيِّر: لا بُدّ في هذه المسألة من تفصيلٍ، فلو كان العربي مثلاً من ولد فاطمة
عليها السَّلام وتزوَّج أَمَةً بشرطِه، لاستَبَعَدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كَون المسبيِّ من
ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه، فالذي بالمثابة التي فرَضناها يقتضي وجوب حُرّيته
حَتماً، والله أعلم.
وفي الحديث أيضاً فضيلة ظاهرة لبني تميم، وكان فيهم في الجاهلية وصَدر الإسلام
جماعة من الأشراف والرُّؤَساء. وفيه الإخبار عَّا سيأتي من الأحوال الكائنة في آخر الزّمان.
وفيه الرَّدّ على مَن نَسَبَ جميع اليمن إلى بني إسماعيل لتَفْرِقَتِه ◌َلّ بين خَوْلان وهم من
اليمن، وبين بني العَنبَرَ وهم من مُضَر، والمشهور في خَوْلان أنَّه ابن عَمْرو بن مالك بن
الحارث من ولد كَهْلان بن سَبَأ. وقال ابن الكلبي: خَوْلان بن عَمْرو بن الحاف بن قُضاعة،

١٤٩
باب ١٤ -١٥/ ح ٢٥٤٤ -٢٥٤٥
كتاب العتق
وسيأتي بسط القول في ذلك في أوائل المناقب (٣٥٠٧) إن شاء الله تعالى.
١٤ - باب فضلٍ من أدَّب جاريته وعلَّمها
٢٥٤٤ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، سمعَ محمَّدَ بنَ فُضَيلٍ، عن مُطرِّفٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن
أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ◌ّه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن كانت له جاريةٌ فَعَلَّمَها فأحسنَ
إليها، ثمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها كان له أجْرانِ».
قوله: ((باب فضل مَن أذَّبَ جاريته)) سقط لفظ: ((فضل)) من رواية أبي ذرِّ والنَّسَفي،
وزاد النَّسَفي: وأعتَقَها.
أورَدَ فيه حديث أبي موسى مختصراً، وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب النِّكاح
(٥٠٨٣) إن شاء الله تعالى.
ومُطرِّف المذكور في السَّنَد: هو ابن طَرِيف، كوفي مشهور.
وقوله في هذه الرّواية: ((فعَلَّمها)) في رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي والسَّرَخسي: فعالها.
١٥ - باب قول النبي ◌َّمَ: ((العبيدُ إخوانكم فأطعِمُوهم ممّا تَأْكُلونَ))
وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينِ﴾ إلى قوله: ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: ٣٦].
قال أبو عبد الله: ((ذِي القُربَى)): القَرِيبُ، و((الصَّاحِب بالجَنْب)): الغَرِيبُ.
٢٥٤٥- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا واصِلٌ الأحْدَبُ، قال: سمعتُ
المعرُورَ بنَ سُويدٍ، قال: رأيتُ أبا ذَرِّ الغِفاريَّ ◌َ﴾ه وعليه حُلَّةٌ وعلى غلامِه حُلّةٌ، فسألناه عن
ذلك فقال: إنّي سابَيتُ رجلاً فشَكَاني إلى النبيِّ ◌ََّ، فقال ليَ النبيُّ ◌ََّ: «أَعَيَّتَه بأُمُّه؟)).
ثمَّ قال: ((إنَّ إخوانَكُم خَوَلُكُم، جَعَلهم الله تحتَ أيدِيكُم، فمَن كان أخُوه تحتَ يدِه
فَلْيُطْعِمْه ممّا يأكُلُ، ولْيُلِسْه ممّا يَلَبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كَلَّقْتُمُوهم ما يَغْلِبُهم
فأعِینُوهم)).
١٧٤/٥

١٥٠
باب ١٥ / ح ٢٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب قول النبي ◌َّ: العَبيد إخوانكُم فأطعِموهم ممَّا تَأْكُلُونَ)) لفظ هذه التَّرجمة
أورَدَ المصنِّف معناه من حديث أبي ذرٍّ، وقد رُوِّيناه في ((كتاب الإيمان)) لابن مَندَهْ بلفظ:
((إنَّهم إخوانكُم، فمَن لايَمَكُم منهم فأطعِموهم ممَّا تأكلون، واكسوهم ممّا تَكتَسونَ))،
وأخرجه أبو داود (٥١٦١) من طريق موَرِّق، عن أبي ذرٍّ بلفظ: ((مَن لايَمَكُم من مملوكيكُم
فأطعِموهم ممَّا تأكُلون، واكسُوهم ممَّا تَلَبَسونَ))، وروى البخاري في ((الأدب المفرَد)) (١٩٠)
من طريق سلام بن عَمْرو، عن رجل من الصحابة مرفوعاً قال: ((أرِقّاؤُكُم إخوانكُم))
الحديث، ومن حديث جابر (١٨٨): كان النبي ◌َّ يُوصِي بالمملوكينَ خيراً ويقول:
((أطعِموهم ممَّا تأكُلُونَ))، ومن حديث أبي اليَسَر - بفتح التَّحتانية والمهمَلة - واسمه كعب
ابن عمرو الأنصاري، رَفَعَه: ((أطعِموهم ممَّا تَطْعَمون، واكسوهم ممّا تَلبَسونَ)) وفيه قِصَّته،
وأخرجه مسلم (٣٠٠٦) في آخر كتابه في أثناء حديث طويل.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِ، شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى
اَلْقُرْبَ وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ إلى قوله: ﴿ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساق في
رواية کَرِيمة الآية كلّها.
قوله: ((قال أبو عبد الله: ذي القُرْبى: القريب، والصّاحب بالجَنْبِ: الغريب)) هو تفسير
أبي عبيدة في ((كتاب المجاز))، وقد خولِفَ في الصَّاحب بالجنب، فقيل: هو المرأة، وقيل:
الرَّفيق في السَّفَر. والمراد بذِكرِ هذه الآية هنا قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ فدَخَلوا
فيمَن أُمِرَ بالإحسان إليهم لعَطفِهم عليهم.
قوله: ((حدَّثنا واصِل الأحْدَب)) هو ابن حَيّان بالمهمَلة والتَّحتانية الثَّقيلة، وهو كوفي ثقة
مشهور من طَبَقة الأعمَش، والمعرور، بالعين المهمَلة، وهو كوفي أيضاً، يُكنَى أبا أُميَّة، من
كبار التابعين، يقال: عاش مئة وعشرين سنة.
قوله: ((رأيتُ أبا ذرِّ)) تقدَّم الكلامُ على ذلك في كتاب الإيمان (٣٠) وتسمية الرجل
الذي سابَّه أبو ذرِّ والكلامُ على الحُلَّة.

١٥١
باب ١٥ / ح ٢٥٤٥
كتاب العتق
قوله: ((أعيّرتَه بأُمِّه؟ ثمّ قال: إنَّ إخوانگُم)) کذا هنا، وتقدّم في الإیمان من وجه آخر عن
شُعْبة بزيادة: ((إِنَّك امرُؤٌ فيكَ جاهلية، إخوانكم خَوَلكم))، والاختصار فيه من آدم شيخ
البخاري، فإنَّ البيهقي أخرجه (٧/٨) من وجهٍ آخر عن آدم كذلك، ويُتمَّلُ أن يكون
شُعبة اختصره له لمَّا حدَّثه به.
والخَوَل، بفتح المعجَمة والواو: هم الخَدَم، سُمّوا بذلك لأنَّهم يَتخوَّلون الأُمور، أي:
يُصلِحونَها، ومنه الخَوَلي لمن يقومُ بإصلاح البُستان، ويقال: الْخَوَل: جَمَعَ خائل، وهو
الرَّاعي، وقيل: التَّخويل: التَّمليك تقول: خَوَّلَك الله كذا، أي: مَلَّكَك إياه.
وقوله: ((عَيَّرته)) أي: نَسَبته إلى العار، وفي قوله: ((بأُمِّه)) رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّه لا يَتَعَدّى
بالباء، وإنَّما يقال: عَيَّرته ◌ُمَّه، ومِثل الحديث قول الشّاعِر (١):
أيّها الشّامتُ المعيِّرُ بالذَّهرِ
والعار: العَيب، وفي تقديم لفظ: ((إخوانكُم)) على (خَوَلكم)) إشارة إلى الاهتمام بالأُخوَّة.
وقوله: ((تحت أيديكُم)) مَجَازٌ عن القُدرة أو المِلك.
قوله: ((فلْيُطْعِمْه ممَّا يأكُل)) أي: من جنسِ ما يأكل، للتَّبعيضِ الذي دَلَّت عليه ((من))،
ويُؤيِّدُ ذلك حديث أبي هريرة الآتي بعد بابينِ (٢٥٥٧): ((فإن لم يُجلِسه معه فليُناوِله لُقمةً»
فالمراد المواساة لا المساواة من كلّ جهة، لكن مَن أخَذَ بالأكملِ كأبي ذرٍّ فعَلَ المساواة، وهو
الأفضل، فلا يَستأثِرُ المرء على عياله من ذلك وإن كان جائزاً، وفي ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٨٠)
ومسلم (١٦٦٢) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((للمملوكِ طعامُه وكِسوَتُه بالمعروف، ولا يُكَلَّف
من العمل ما لا يُطيق))، وهو يقتضي الرَّدّ في ذلك إلى العُرف، فمَن زاد عليه كان مُتَطَوِّعاً.
وأمَّا ما حكاه ابن بَطَّال/ عن مالك أنَّه سُئِلَ عن حديث أبي ذرِّ فقال: کانوا یومئذٍ لیس ١٧٥/٥
(١) هو عدي بن زيد العبادي، يقول:
أيّها الشّامتُ المعيِّرُ بالدَّهرِ
أأنت المبرَّأ الموفورُ
بل أنتَ جاهل مغرورُ
أم لديك العهد الوثيق من الأيام
انظر ((نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري ٢٧١/٤.

١٥٢
باب ١٦ / ح ٢٥٤٦ -٢٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
لهم هذا القُوت؛ واستَحسَنَه، ففيه نظرٌ لا يخفى، لأَنَّ ذلك لا يَمنَع حملَ الأمر على عمومه
في حقِّ كلّ أحد بحَسَبِهِ.
قوله: ((ولا تُكَلِّفوهم ما يَغْلِيُهم)) أي: عمل ما تصيرُ قُدرَتُهم فيه مغلوبة، أي: ما يَعچِزون
عنه لِعِظَمِه أو صُعوبته، والتَّكليف: تحميل النَّفس شيئاً معه كُلْفة، وقيل: هو الأمر بما يَشُقّ.
قوله: ((فإن كَلَّقْتُموهم)) أي: ما يَغْلِبُهم، وحُذف للعلمِ به، والمراد: أن يُكَلَّفَ العبد
جنس ما يَقدِرُ عليه، فإن كان يَستَطيعُه وحده وإلَّا فليُعِنه بغيره.
وفي الحديث النَّهي عن سبّ الرَّقيق وتعبيرهم بمَن ولدَهم، والحثّ على الإحسان
إليهم والرِّفق بهم، ويَلتَحِقِ بالرَّقيق مَن في معناهم من أجیر وغيره.
وفيه عَدَمُ الثَّرفُّع على المسلم والاحتقار له.
وفيه المحافظةُ على الأمر بالمعروفِ والنّهي عن المنكر، وإطلاق الأخ على الرَّقيق، فإن
أُريدَ القَرابة فهو على سبيل المجاز لنسبة الكلّ إلى آدم، أو المراد أُخوَّة الإسلام، ويكون
العبد الكافر بطريق التَّبَع، أو يختصُّ الحكمُ بالمؤمن.
١٦ - باب العبد إذا أحسن عبادة ربِّه ونَصَحَ سيِّدَه
٢٥٤٦ - حذَّثني عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
أنَّ رسولَ اللهِوَلَه قال: ((العبدُ إذا نَصَحَ سَيِّدَه وأحسنَ عبادةَ رَبِّه، كان له أجْرُهُ مَرَّتَينٍ)).
[طرفه في: ٢٥٥٠]
٢٥٤٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن صالحٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن أبي بُرْدةَ، عن
أبي موسى الأشْعَرِيِّ صَ، قال النبيُّ وَّرَ: «أَيُّما رجلٍ كانت له جاريةٌ أَذَّبَهَا فأحسنَ تَعْلِيمَها،
وأعتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَه أجْرانٍ، وأيُّمَا عَبْدٍ أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَوالیهِ فَلَه أجْرانٍ».
قوله: ((باب العبد إذا أحْسَنَ عبادة رَبّه ونَصَحَ سَيِّده) أي: بيان فضله أو ثوابه. أورَدَ فيه
أربعة أحاديث:

١٥٣
باب ١٦ / ح ٢٥٤٨
كتاب العتق
أحدها: حديث ابن عمر المصرِّح بأنَّ لمن فَعَلَ ذلك أجرَين.
ثانيها: حديث أبي موسى مثله، وزيادة ذِكر: «مَن كانت له جارية فعَلَّمَها وأعتَقَها
فتزوَّجها)»، وهو طَرَف من حديث تقدَّم في الإيمان (٩٧) بلفظ: ((ثلاثة يُؤْتَون أجرهم
مَرَّتین))، فذكر فيه أيضاً مؤمن أهل الكتاب.
ثالثها: حديث أبي هريرة: ((للعبدِ المملوك الصَّالح أجران))، واسم الصلاح يَشمَلُ ما
تقدَّم من الشَّرطَين: وهما إحسان العبادة، والنُّصح للسَّيِّد، ونصيحة السَّيِّد تَشْمَلُ أداء حقّه
من الخدمة وغيرها، وسيأتي في الباب الذي يليه (٢٥٥١) من حديث أبي موسى بلفظ:
((ويُؤَدّي إلى سيِّده الذي له عليه من الحقّ والنَّصيحة والطاعة)).
رابعها: حديث أبي هريرة أيضاً: ((نَعِمّا لأحدِهم يُحسِن عبادة رَبّه، ويَنصَحِ لسَيِّدِه)) وهو
مُفسِّر للحديثِ الذي قبله موافق/ للحديثَينِ الآخرين.
تنبيه: وقع لابن بطّال عَزو حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب لأبي موسى، وهو
غلطٌ فاحش.
١٧٦/٥
٢٥٤٨ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، سمعتُ سعيدَ
ابنَ المسيّبِ يقول: قال أبو هريرةَ ﴾: قال رسولُ الله ◌َِّ: (لِلْعبدِ المملُوكِ الصّالحِ أجْرانٍ))،
والّذي نفسي بيده، لولا الجهادُ في سبيلِ الله والحجُّ وبِرُّ أُمّي، لَأَحْبَبتُ أن أموتَ وأنا مملوكٌ.
قوله: ((والذي نفسي بيده لَوْلا الجهاد في سبيل الله والحجّ وبرّ أُمّي، لَأحْبَيْت أن أموت وأنا
تَمْلُوك)) ظاهر هذا السّياق رفعُ هذه الجمَل إلى آخرها، وعلى ذلك جرى الخطّابي فقال: لله
أن یَمتَحِنَ أنبياءە وأصفیاءَه بالرِّقُّ كما امتحَنَ یوسف، انتهى.
وجَزَمَ الدَّاوُودي وابن بَطَّال وغير واحد بأنَّ ذلك مُدَرَجٌ من قول أبي هريرة، ويدلَّ
عليه من حيثُ المعنى قوله: ((وبرُّ أُمّي))، فإنَّه لم يكن للنبي ◌َِّ حِينِئِذٍ أُمّ يَبَرُّها، ووَجَّهَه
الكِرْماني فقال: أراد بذلك تعليم أُمَّته، أو أورَدَه على سبيل فَرْض حياتها، أو المراد أُمّه التي
أرضَعَته. انتهى، وفاتَه التَّنصيصُ على إدراج ذلك، فقد فَصَّلَه الإسماعيلي من طريق أُخرى

١٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
عن ابن المبارَك، ولفظه: ((والذي نفس أبي هريرة بيدِه ... )) إلى آخره، وكذلك أخرجه
الحسين بن الحسن المروَزي في ((كتاب البِرّ والصِّلة)) عن ابن المبارك، وكذلك أخرجه مسلم
(١٦٦٥) من طريق عبد الله بن وَهْب وأبي صَفوان الأُمَوي، والمصنّف في ((الأدب المفرد))
(٢٠٨) من طريق سليمان بن بلال، والإسماعيلي من طريق سعيد بن يحيى اللَّخْمي، وأبو
عَوَانة (٦٠٨٦) من طريق عثمان بن عمر، كلّهم عن يونس، زاد مسلم في آخر طريق ابن
وَهْبٍ: ((قال - يعني: الزُّهري -: وبَلَغَنا أنَّ أبا هريرة لم يكن يحجُّ حتَّى ماتَت أُمّه لصُحیتِها،
ولأبي عَوَانة (٦٠٩٠) وأحمد (٩٧٨٩ و ٩٨٤٠) من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أنَّه
كان يسمعُه يقول: لولا أمران لَأحببت أن أكون عبداً، وذلك أني سمعت رسول الله وله
يقول: ((ما خَلَقَ اللهُ عبداً يُؤَدّي حقَّ الله عليه وحقَّ سيِّده، إلَّا وَفّاه الله أجره مَرَّتين))، فعُرِفَ
بذلك أنَّ الكلام المذكور من استنباط أبي هريرة، ثمَّ استَدَلَّ له بالمرفوعِ.
وإنَّمَا اسْتَئنى أبو هريرة هذه الأشياء؛ لأنَّ الجهاد والحجّ يُشتَرَطُ فيهما إذنُ السَّيِّد،
وكذلك برُّ الأُمّ فقد يحتاجُ فيه إلى إذن السَّيِّد في بعض وجوهه، بخلاف بقية العبادات
البَدَنية، ولم يَتَعرَّض للعِباداتِ المالية؛ إمَّا لگونِه كان إذ ذاكَ لم یکن له مال يزيد على قَدْر
حاجته، فيُمكِّنُه صَرفُه في القُرُبات بدون إذن السَّيِّد، وإمَّا لأنَّه كان يَرى أنَّ للعبدِ أن
يَتصرَّفَ في ماله بغير إذنِ السَّيِّد.
فائدة: اسم أُمّ أبي هريرة أُمَيمة بالتَّصغير، وقيل: ميمونة، وهي صحابيةٌ ثبتَ(١) إسلامُها
في ((صحيح مسلم)) (٢٤٩١) وبيان اسمها في ((ذَيل المعرفة)) لأبي موسى.
قال ابن عبد البَرّ: معنى هذا الحديث عندي: أنَّ العبد لمَّا اجتَمَعَ عليه أمران واجبان:
طاعةُ رَبّه في العِبادات، وطاعةُ سيِّده في المعروف، فقام بهما جميعاً، كان له ضِعْفا(٢) أجر
الحُرّ المطيع لطاعته، لأنَّه قد ساواه في طاعة الله، وفَضَلَ عليه بطاعة مَن أمَرَه الله بطاعته،
(١) في (س): ذکر.
(٢) كذا في الأصلين، وهو الموافق لما في ((التمهيد)) ٢٣٦/١٤، وفي (س): ضعف، والضِّعف هنا بمعنى المِثْل.

١٥٥
باب ١٦ / ح ٢٥٤٩
كتاب العتق
قال: ومن هنا أقول: إنَّ مَن اجتَمَعَ عليه فرضان فأدّاهما، أفضلُ مَمَّن ليس له عليه إلَّا فرض
واحد فأدّاه، كمَن وَجَبَ عليه صلاة وزكاة فقام بهما، فهو أفضل ممَّن وَجَبَت عليه صلاة
فقط، ومُقتَضاه أنَّ مَن اجتَمَعَت عليه فروض فلم يُؤَدِّ منها شيئاً، كان عِصيانُه أكثر من
عِصيان مَن لم يَجِب عليه إلَّا بعضُها. انتهى مُلخَّصاً.
والذي يَظهَرُ أنَّ مَزيد الفضل للعبدِ الموصوف بالصِّفة لمَا يَدخُلُ عليه من مَشَقَّة الرِّقّ،
وإلَّا فلو كان التَّضعيف بسببٍ اختلاف جِهَة العمل لم يختصّ العبد بذلك.
وقال ابن التِّين: المراد أنَّ كلّ عمل يعمله يُضاعف له، قال: وقيل: سبب التَّضعيف أنَّه
زاد لسَيِّدِه نُصحاً، وفي عبادة رَبّه إحساناً فكان له أجر الواجبينِ وأجر الزّيادة عليهما. قال:
والظَّاهر خلاف هذا، وأنَّ بَيَّنَ ذلك لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّه غير مأجور على العبادة. انتهى، وما
ادَّعى أنَّه الظَّاهر لا يُنافي ما نَقَلَه قبل ذلك.
فإن قيل: يَلْزَمُ أن يكون أجرُ المماليكِ ضِعف أجر السَّادات، أجابَ الكِرْماني بأن لا
محذور في ذلك، أو یکون أجره مضاعفاً من هذه الجهة، وقد يكون للسّيِّدِ چهات أُخرى
يَستَحِقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤَدّي للحقّينِ على العبد المؤَدّي
لأحدهما. انتھی.
ويُحْتَمَلُ أن يكون تضعيف الأجر مُخْتَصّاً بالعملِ الذي يَتَّحِدُ/ فيه طاعة الله وطاعة ١٧٧/٥
السَّيِّد فيعمل عملاً واحداً، ويُؤجَر عليه أجرَينِ بالاعتبارَين، وأمَّا العمل المختَلِف الجِهَة
فلا اختصاص له بتضعيفِ الأجر فيه على غيره من الأحرار، والله أعلم.
واستدلَّ به على أنَّ العبد لا جهادَ عليه ولا حَجّ في حال العُبودية، وإن صَحَّ ذلك منه.
٢٥٤٩ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حذَّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمَشِ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن
أبي هريرةَ ◌ّ قال: قال النبيُّ ◌ََّ: ((نَعِمَّا لأحدِهم يُحْسِنُ عبادةَ رَبِّه، ويَنصَحُ لسَيِّدِه)).
قوله في حديث أبي هريرة الأخير: ((حدَّثنا إسحاق بن نَصْر)) هو إسحاق بن إبراهيم بن
نَصر، نُسِبَ إلی جَدّهِ.

١٥٦
باب ١٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((نَعِما لأحدِهم)) بفتح النّون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، ويجوز كسر
النّون، وتُكسَرُ النّون وتُفتَح أيضاً مع إسكان العين وتحريك الميم، فتلك أربع لُغات. قال
الَّجّاج: ((ما)) بمعنى الشيء، فالتَّقدير: نِعمَ الشيءُ. ووقع لبعضِ رواه مسلم: ((نُعْمَى))
بضمِّ النّون وسكون العين مقصور بالتنوينِ وغيره، وهو مُتَّجَه المعنى إن ثبتت به الرِّواية.
وقال ابن التِّين: وقع في نُسخَة الشَّيخ أبي الحسن، أي: القابِسي: ((نِعِمَّ ما)) بتشديد الميم
الأولى وفتحها، ولا وجه له، وإنَّمَا صَوابه إدغامها في ((ما)) وهي كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِمًا
يَعِطُّكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨].
قوله: (يُحْسِن)) هو مُبيِّن للمخصوصِ بالمدحِ في قوله: ((نِعْمَ))، زاد مسلم (١٦٦٧) من
طريق همَّام عن أبي هريرة: ((نَعِمّا للمملوكِ أن يُتَوَلَّى يُحسِنُ عبادة الله)) أي: يموت على ذلك،
وفيه إشارة إلى أنَّ الأعمال بالخواتيم.
١٧ - باب كراهية التطاولٍ على الرَّقيق، وقوله: عبدي أو أَمتي
١٧٨/٥
وقال الله تعالى: ﴿وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَّبِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا ﴾
[النحل: ٧٥]، وقال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، وقال: ﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: ٢٥].
وقال النبيُّ وَّهِ: ((قُومُوا إلى سَيِّدِكُم)) و﴿ أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]: سَيِّدِك،
((ومَن سَيِّدُكُم)).
قوله: ((باب كَراهية التطاول على الرَّقيق)) أي: التَّرفُّع عليهم، والمراد مُجاوَزَة الحدّ في
ذلك، والمراد بالكراهة كراهة الشَّنزيه.
قوله ((عبدي أو أمَتي)) أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استَشهَدَ للجوازِ بقوله
تعالى: ﴿وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وبغيرها من الآيات والأحاديث الدّالَّة
على الجواز، ثمَّ أردَفَها بالحديث الوارد في النَّهي عن ذلك، واتَّفَقَ العلماء على أنَّ النَّهي
الوارد في ذلك للتَّنزيه، حتَّى أهلُ الظَّاهر، إلَّا ما سنذكره عن ابن بَطَّال في لفظ الرَّبّ.

١٥٧
باب ١٧
كتاب العتق
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: قوموا إلى سَيِّدِكُم)) هو طَرَفٌ من حديث أبي سعيد في قِصَّة سعد
ابن معاذ وحكمه على بني قُرَيظَة، وسيأتي تامّاً في المغازي (٤١٢١) مع الكلام عليه.
قوله: ((ومَن سَيِّدِكُمْ)) سقط هذا من رواية النَّسَفي وأبي ذرٍّ وأبي الوَقْت وثبت للباقينَ،
وهو طَرَفِّ من حديث أخرجه المؤَلِّف في ((الأدب المفرَد)) (٢٩٦) من طريق حَجّاج
الصَّاف، عن أبي الزُّبَير قال: حدَّثنا جابر قال: قال رسول الله ◌ِوَ الَ: «مَن سيِّدِكُم يا بني
سَلِمة؟)) قُلنا: الجَدّ بن قيس، على أنّا نُبخِّلُه، قال: ((وأُّ داءٍ أَدْوى من البُخل؟ بل سيِّدُكُم
عَمْرو بن الجَمُوح) وكان عَمْرو يَعتَرِض على أصنامهم في الجاهلية، وكان يُولِم عن
رسول الله وَ﴿ إذا تزوَّج. وأخرجه الحاكم (٢١٩/٣) من طريق محمد بن عَمْرو عن أبي
سَلَمة عن أبي هريرة نحوه، ورواه ابن عائشة في ((نوادره)) من طريق الشَّعبي مُرسلاً وزاد:
قال: فقال بعض الأنصار في ذلك:
وقال رسولُ الله والقولُ قولُه لمن قال مِنّا مَن تُسمّون سيِّدًا
فقالوا له جَدُّبنُ قيسٍ على التي نُبخِّلُه فيها وإن كان أسوَدا
فسَوَّدَ عَمْرَو بن الجَمُوحِ لُجُودِهِ وحُقَّ لعَمرِو بالنَّدى أن يُسَوَّدا
انتھی.
والجَدّ، بفتح الجيم وتشديد الدّال: هو ابن قيس بن صَخر بن خَنساء بن سِنَان بن عبيد
ابن عَديّ بن غَنْم - بسكونِ النّون - بن کعب بن سَلِمة - بکسر اللّام - يُکنَی أبا عبد الله،
له ذِكرٌ في حديث جابر أنَّه ◌َمَلَه معه في بيعة العَقَبة، قال ابن عبد البَرّ: كان يُرمَى بالنِّفاق،
ویقال: إنَّه تاب وحَسُنَت توبتُه، وعاش إلى أن مات في خلافة عثمان.
وأمَّا عَمْرو بن الجَمُوح - بفتح الجيم وضَمّ الميم الخفيفة وآخره مُهمَلہ - بن زید بن
حَرام - بمُهمَلتين - بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة، قال ابن إسحاق: كان من
سادات بني سلمة، وذکر له قِصَّة في صَنَمه وسبب إسلامه وقوله فیه:
تالله لو كُنتَ إلهاً لم تَكُن أنتَ وكلبٌ وَسْطَ بئرِ فِي قَرَنْ

١٥٨
باب ١٧
فتح الباري بشرح البخاري
وروى أحمد (٢٢٥٥٣)، وعُمر بن شَبَّة في ((أخبار المدينة)) بإسنادٍ حسن عن أبي قَتَادة:
أَنَّ عَمْرو بن الجَمُوح أتى رسول الله وهله فقال: أرأيتَ إن قاتَلتُ حتَّى أُقْتَل في سبيل الله،
تُراني أمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنَّة؟ فقال: ((نعم)) وكانت عَرْجاء، زاد عمر: فَقُتِلَ
يوم أُحد رحمه الله.
١٧٩/٥ وقد روى ابن مَندَهْ/ وأبو الشَّيخ في ((الأمثال)) (٨٩) والوليد بن أبان في كتاب ((الجود))
له من حديث كعب بن مالك(١): أنَّ النبي ◌َّلِ قال: ((مَن سيِّدِكُم يا بني سَلِمة؟» قالوا: جَدّ
ابن قيس ... فذكر الحديث، فقال: ((سَيِّدِكُم بشر بن البراء بن معرور)) وهو بسكونِ العين
المهمَلة، ابن صَخْر، يجتمع مع عَمْرو بن الجَمُوح في صَخْر، ورجال هذا الإسناد ثقات، إلَّا
أنَّه اختُلِفَ في وصله وإرساله على الزّهري، ويُمكِنُ الجمع بأن تُحمَلَ قِصَّةٌ بشرٍ على أنَّها
كانت بعدَ قتلِ عَمرِو بن الجَموح جمعاً بين الحديثَين، ومات بشر المذكور بعد خَيْبَرَ، أكَلَ
مع النبي ◌َ ◌ّر من الشّاة التي سُمَّ فيها(٢)، وكان قد شَهِدَ العَقَبة وبدراً، ذكره ابن إسحاق
وغيره.
وما ذكره المصنِّفُ يحتاجُ إلى تأويل الحديث الوارد في النَّهي عن إطلاق السَّيِّد على
المخلوق، وهو في حديث مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخّير عن أبيه عند أبي داود (٤٨٠٦)
والنَّسائي (ك١٠٠٠٤) والمصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٢١١)، ورجاله ثقات، وقد صَحَّحَه
غير واحد، ويُمكِن الجمع بأن يُحِمَلَ النَّهيُ عن ذلك على إطلاقه على غير المالك، والإذن
بإطلاقه على المالك، وقد كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا ويكره أن يُخاطِبَ أحداً بلفظه
أو كتابته بالسَّيِّد، ويتأكَّد هذا إذا كان المخاطَب غير تَقيّ، فعند أبي داود (٤٩٧٧) والمصنِّف
في «الأدب)) (٧٦٠) من حديث بُرَيدةَ مرفوعاً: ((لا تقولوا للمنافق سيِّداً)) الحديث، ونحوه
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، وهو خطأ، والصواب: أنس بن مالك.
(٢) أخرج قصة أكله مع النبي وَّ الدارميُّ (٦٧)، وأبو داود (٤٥١٢) من مرسل أبي سلمة، والحاكم ٢١٩/٣،
والطبراني (١٢٠٢)، والبيهقي ٤٦/٨ من حديث أبي هريرة، وقصة سمِّ النبي ◌َّ أخرجها البخاري ولكن
دون ذكر بشر بن البراء، وستأتي برقم (٣١٦٩) و(٤٢٤٩) و(٥٧٧٧).

١٥٩
باب ١٧ / ح ٢٥٥٠ -٢٥٥٢
كتاب العتق
عند الحاكم (٣١١/٤).
ثمَّ أورَدَ المصنِّف في الباب غير هذينِ المعلَّقَينِ سبعة أحاديث:
حدیثا ابن عمر وأبي موسى في العبد الذي له أجران.
٢٥٥٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيد الله، حدَّثنی نافعٌ، عن عبد الله خُه، عن
النبيِّ وَّةِ قال: ((إِذا نَصَحَ العبدُ سَيِّدَه، وأحسنَ عبادةَ رَبِّه، كان له أجْرُه مَرَّتَينِ».
٢٥٥١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى
◌َّ، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((لِلمَمْلوكِ الَّذِي يُحسِنُ عبادةَ رَبِّه، ويُؤَدّي إلى سَيِّدِه الَّذي له علیه مِن
الحقِّ والنَّصِيحةِ والطّاعةِ أجْرانٍ».
وقد تقدَّما من وجهَينٍ آخرَينٍ في الباب الذي قبله. والغرض منهما قوله في حديث ابن
عمر: ((إذا نَصَحَ سيِّده))، وفي حديث أبي موسى: ((ويُؤَدّي إلى سيِّدِه)).
ثالثها: حديث أبي هريرة.
٢٥٥٢- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزَاقِ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن همَّامِ بنِ مُنِّهِ: أنَّه سمعَ أبا
هريرةَ ﴾ يُحدِّثُ عن النبيِّ وَّ أَنَّه قال: ((لا يَقُلْ أحدُكُم: أطعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّك،
ولْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلايَ، ولا يَقُلْ أحدُكُم: عَبْدِي، أَمَتي، ولْيَقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي وغُلامِي)).
ومحمدٌ شيخ المؤَلِّف فيه لم أرَه منسوباً في شيء من الرّوايات إلَّا في رواية أبي عليّ بن
شَبّويه فقال: حدَّثنا محمد بن سلام، وكذا حَكَاه الجيَّاني عن رواية أبي عليّ بن السَّكَن،
وحكى عن الحاكم أنَّه الذُّهلي.
قلت: وقد أخرجه مسلم (١٥/٢٢٤٩) عن محمد بن رافع عن عبد الرَّزّاق، فيُحتَمَلُ أن
يكون هو شيخ البخاري فيه، فقد حدَّث عنه في ((الصحيح)) أيضاً، وكلام الطَّرْقي يشيرُ إليه.
قوله: ((لا يَقُل أحدُكم: أطعِمْ رَبَّك ... )) إلى آخره، هي أمثلة، وإنَّما ذُكِرَت دون غيرها
لغَلَبة استعمالها في المخاطَبات، ويجوزُ في ألف ((اسْقِ)) الوصل والقطع.

١٦٠
باب ١٧ / ح ٢٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه نَهيُ العبد أن يقولَ لسَيِّدِه: رَبّ، كذلك نَهيُ غيره فلا يقول له أحد: رَبّك،
ويَدخُل في ذلك أن يقولَ السَّيِّدُ ذلك عن نفسه، فإنَّه قد يقول لعبدِه: اسق رَبّك، فيَضَعُ
الظَّاهرَ موضع الضَّمير على سبيل التَّعظيم لنفسِه، والسَّبَب في النَّهي أنَّ حَقيقة الرُّبوبية لله
تعالى؛ لأَنَّ الرَّبّ هو المالك والقائم بالشيء، فلا توجَدُ حَقيقةُ ذلك إلَّا لله تعالى.
قال الخطّبي: سبب المنع أنَّ الإنسان مربوبٌ مُتَعَبَّدٌ بإخلاص التَّوحيد الله وتَرْك
الإشراك معه، فكُرهَ له المضاهاةُ في الاسم لئلا يَدخُل في معنى الشِّرك، ولا فرق في ذلك
بين الحُرّ والعبد، فأمَّا ما لا تَعَبُّد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يُكرَه إطلاق
ذلك عليه عند الإضافة كقوله: ربّ الدّار، وربّ الثَّوب. وقال ابن بَطَّال: لا يجوزُ أن يقال
لأحدٍ غیر الله: رَبّ، کما لا يجوزُ أن يقال له: إله، انتھی.
والذي يختصُّ بالله تعالى إطلاق الرَّبّ بلا إضافةٍ، أمَّا مع الإضافة فيجوزُ إطلاقُه، كما
في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السَّلام: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]،
وقوله: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله عليه الصلاة والسَّلام في أشراط السَّاعة:
((أن تَلِدَ الأمة رَبَّهَا))(١)، فدَلَّ على أنَّ النَّهيَ في ذلك محمول على الإطلاق، ويُحْتَمَلُ أن يكون
النَّهيُ للتَّنزيه، وما وَرَدَ من ذلك فلِبيان الجواز. وقيل: هو مخصوص بغير النبي ◌َِّ ولا يردّ
ما في القرآن، أو المراد النَّهي عن الإكثار من ذلك واتَِّاذ استعمال هذه اللَّفْظَة عادةً، وليس
المراد النَّهيَ عن ذِكْرها في الجملة.
قوله: ((وليقل: سَيِّدِي مَوْلايَ)) فيه جواز إطلاق العبد على مالكه: سيِّدي.
قال القُرطُبي وغيرُه: إنَّما فَرَّقَ بين الرَّبّ والسَّيِّد؛ لأنَّ الرَّبَّ من أسماء الله تعالى اتِّفاقاً،
١٨٠/٥ واختُلِفَ في / السَّيِّد، ولم يَرِد في القرآن أنَّه من أسماء الله تعالى. فإن قُلنا: إنَّه ليس من أسماء الله
تعالى، فالفَرقُ واضحٌ إذ لا التباس، وإن قُلنا: إنَّه من أسمائه فليس في الشُّهرة والاستعمال
كلفظ الرَّبّ، فَيَحصُلُ الفَرق بذلك أيضاً، وقد روى أبو داود (٤٨٠٦) والنَّسائي (ك١٠٠٠٣)
(١) سلف برقم (٥٠).