النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٢ / ح ٢٥١٨ كتاب العتق بها على نفسِكَ)). قوله: ((بابٌ أيُّ الرِّقاب أفضل)) أي: للعِثْق. قوله: ((حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن هشام بن عُزْوة)) هذا من أعلى حديث وقع في البخاري، وهو في حكم الثّلاثيات، لأَنَّ هشام بن عُرْوة شيخَ شيخِه من التابعين، وإن كان هنا روی عن تابعي آخر وهو أبوه، وقد رواه الحارث بن أبي أُسامة عن عبيد الله بن موسى فقال: أخبرنا هشام بن عُزْوة، أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)). قوله: ((عن أبيه)) في رواية النَّسائي (ك٤٨٧٤) من طريق يحيى القطَّان: عن هشام حدَّثني آبي. قوله: ((عن أبي مُراوح)) بضمِّ الميم بعدها راءٌ خفيفة وكسر الواو بعدها مُهمَلة، زاد مسلم (٨٤) من طريق حمّاد بن زيد، عن هشام: ((اللَّيني)، ويقال له أيضاً: الغِفاري، وهو مدني من كبار التابعين لا يُعرَفُ اسمه، وشَذَّ مَن قال: اسمه سعد، قال الحاكم أبو أحمد: أدرَكَ النبيِ نَّهِ ولم يَرَه. قلت: وما له في البخاري سوى هذا الحديث، ورجاله كلَّهم مدنيُّون إلَّا شيخه، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نَسَق، وقد أخرجه مسلم (٨٤) من رواية الزُّهري عن حَبيب مولى عُرْوة عن عُرْوة، فصار في الإسناد أربعة من التابعين. وفي الصحابة أبو مُراوِح اللَّيثي غير هذا، سمّاه ابن مَندَهْ واقداً، وعَزَاه لأبي داود، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق يحيى بن سعيد، عن هشام: أخبرني أبي أنَّ أبا مُراوح أخبره، وذكر الإسماعيلي عدداً كثيراً نحو العشرينَ نفساً رَوَوْه عن هشام بهذا الإسناد. وخالَفَهم مالكٌ فأرسَلَه في المشهور عنه عن هشام عن أبيه عن النبي ◌َّ، ورواه يحيى ابن يحيى اللَّيثي وطائفة عنه (٢٧٩/٢ - ٢٨٠) عن هشام عن أبيه عن عائشة، ورواه سعيد ابن داود عنه عن هشام کرواية الجماعة، قال الدّارَ قُطني: الرِّواية المرسَلة عن مالك أصحُ، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة. قوله: ((عن أبي ذرِّ)) في رواية يحيى بن سعيد المذكورة: أنَّ أبا ذرِّ أخبره. ١٠٢ باب ٢ / ح ٢٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال: أعلاها)) بالعين المهمَلة للأكثر، وهي رواية النَّسائي (ك٤٢١٦) أيضاً، وللكُشْمِيهني بالغين المعجمة، وكذا للنَّسَفي، قال ابن قُرقُول: معناهما متقارب. قلت: وقع لمسلمٍ (٨٤) من طريق حمّاد بن زيد عن هشام: ((أكثرها ثمناً)) وهو يُبيِّن المراد. قال النَّوَوي: مَحَلّه - والله أعلم - فيمَن أراد أن يُعتقَ رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهم مثلاً، فأراد أن يشتري بها رقبة يُعتِقُها فَوَجَدَ رقبة نفيسة أو رقبتين ١٤٩/٥ مفضولتين، فالرَّقَبَتان أفضل، قال: وهذا بخلاف الأُضحيَّة،/ فإنَّ الواحدة السَّمينة فيها أفضل؛ لأَنَّ المطلوب هنا فكّ الرَّقَبة وهناك طِيب اللَّحم، انتهى. والذي يَظهَرُ أنَّ ذلك يختلفُ باختلاف الأشخاص، فُرُبَّ شخص واحد إذا عَتَق انتَفَعَ بالعِثْق، وانتَفَعَ به أضعاف ما يتَحصُلُ من النَّفْع بعِثْق أكثر عدداً منه، وربَّ محتاج إلى كَثْرة اللَّحم لتَفِرِقَتِه على المحاويجِ الذين ينتفعون به أكثر ممّاً ينتفع هو بطِيبِ اللَّحم، فالضَّابط أنَّ مهما كان أكثر نفعاً كان أفضل، سواء قَلَّ أو كَثُرَ، واحتُجَّ به لمالكِ في أنَّ عتق الرَّقَبة الكافرة إذا كانت أغلى ثمناً من المسلمة أفضل، وخالَفَه أصبَغُ وغيره وقالوا: المراد بقوله: ((أغلى ثمناً)) من المسلمين، وقد تقدَّم تقييده بذلك في الحديث الأوَّل. قوله: ((وأنفَسُها عند أهلها)) أي: ما اغتِباطهم بها أشدُّ، فإنَّ عِثْق مِثل ذلك ما يقعُ غالباً إلَّا خالصاً، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قوله: ((قلت: فإن لم أفعَلْ)) في رواية الإسماعيلي: ((أرأيت إن لم أفعَل؟)) أي: إن لم أقدِرْ على ذلك، فَأَطلق الفعل وأراد القُدْرة. وللدّارَ قُطني في ((الغرائب)) بلفظ: فإن لم أستَطِعْ؟ قوله: ((تُعِين ضائعاً)) بالضّاد المعجَمة وبعد الألف تحتانية لجميع الرُّواة في البخاري كما جَزَمَ به عِيَاض وغيره، وكذا هو في مسلم إلَّا في رواية السَّمَر قَندي كما قاله عِيَاض أيضاً، وجَزَمَ الدّارَقُطني وغيره بأنَّ هشاماً رواه هكذا دون مَن رواه عن أبيه. وقال أبو عليٍّ الصَّدَفي ونقلتُه من خطِّه: رواه هشام بن عُرْوة بالضّاد المعجَمة والتَّحتانية، والصواب بالمهمَلة والنُّون كما قاله الزُّهري. ١٠٣ باب ٢ / ح ٢٥١٨ ڪتاب العتق وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقد خَبَطَ مَن قال من شُرّاح البخاري: إنَّه روي بالصّاد المهمَلة والنّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تَقَع في شيءٍ من طرقه، وروى الدّارَ قُطني (١) من طريق مَعمَر عن هشام هذا الحديث بالضّاد المعجَمة، قال معمر: كان الزّهري يقول: صَحَّفَ هشام وإنَّما هو بالصّاد المهملة والنّون. قال الدّارَقُطني: وهو الصواب لمقابلَتِه بالأخرَق: وهو الذي ليس بصانعٍ ولا يُحسِنُ العمل، وقال عليٌّ بن المديني: يقولون: إنَّ هشاماً صَحَّفَ فيه. انتهى، ورواية مَعمَر عن الزُّهري عند مسلم (٨٤) كما تقدَّم، وهي بالمهمَلة والنّون، وعَكَسَ السَّمَرقَندي فيها أيضاً كما نَقَلَه عِيَاض، وقد وُجِّهَت رواية هشام بأنَّ المراد بالضَّائعِ ذو الضَّياع من فقر أو عيال، فيَرجِع إلى معنى الأوَّل، قال أهل اللَّغة: رجل أخرَقُ: لا صَنْعَةَ له، والجمع: خُرْق، بضمِّ ثمَّ سكون، وامرأة خَرْقاء كذلك، ورجل صانع وصَنَعٌ، بفتحتين، وامرأة صَنَاعٌ، بزيادة ألف. قوله: ((فإن لم أفعَلْ؟)) أي: من الصِّناعة أو الإعانة، ووقع في رواية الدّارَقُطني في (الغرائب)): ((أرأيت إن ضَعُفت؟)) وهو يُشعِرُ بأنَّ قوله: ((إن لم أفعل)) أي: للعَجزِ عن ذلك، لا گَسلاً مثلاً. قوله: (تَدَع النّاس من الشرِّ)) فيه دليل على أنَّ الكَفّ عن الشّ داخل في فِعْل الإنسان وكَسْبه حتَّى يُؤْجَرَ عليه ويُعاقَبَ، غير أنَّ الثَّواب لا يَحَصُلُ مع الكَفّ إلَّا مع النِّية والقَصْد، لا مع الغفلة والدُّهول، قاله القُرْطُبي مُلخَّصاً. قوله: ((فإنَّها صدقةٌ تَصَّدَّق)) بفتح المثنَّاة والصَّاد المهملة الخفيفة على حذف إحدى التاءَين، والأصل: تَتصَدَّقُ، ويجوزُ تشديدها على الإدغام. وفي الحديث أنَّ الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان، قال ابن حِبَّان: الواو في حديث أبي ذرِّ هذا بمعنى ((ثمَّ))، وهو كذلك في حديث أبي هريرة، أي: المتقدِّم في ((باب مَن قال: إنَّ الإيمان هو العمل)) (٢٦) وقد تقدَّم الكلام فيه على طريق الجمع بين ما اختلفَ من (١) في ((الغرائب)) له كما ذكر العيني في ((عمدة القاري)) ٨٠/١٣. ١٠٤ باب ٣ / ح ٢٥١٩ - ٢٥٢٠ فتح الباري بشرح البخاري الرِّوايات في أفضل الأعمال هناك، وقيل: قَرَنَ الجهاد بالإيمان هنا؛ لأنَّه كان إذ ذاكَ أفضل الأعمال، وقال القُرْطُبي: تفضيل الجهاد في حال تَعيُنِهِ، وفضل برِّ الوالدينِ لمن يكون له أبَوَان، فلا يُجاهد إلَّا بإذنهما، وحاصلُهُ أنَّ الأجوبة اختلفت باختلاف أحوال السَّائلينَ. وفي الحديث حُسْنُ المراجَعة في السُّؤال، وصَبْر المفتي والمعلِّم على التِّلميذ ورِفقُه به، وقد روى ابن حِبَّان (٣٦١) والطَّبَري وغيرهما من طريق أبي إدريس الخَوْلاني وغيره عن أبي ذرِّ حدَّثنا حديثاً طويلاً فيه أسئلة كثيرة وأجوبتها تَشتَمِل على فوائد كثيرة: منها سؤاله ١٥٠/٥ عن / أيِّ المؤمنينَ أكملُ، وأيِّ المسلمين أسلمُ، وأيِّ الهجرة والجهاد والصَّدَقة والصلاة أفضلُ، وفيه ذِكر الأنبياء وعددهم وما أُنزِلَ عليهم، وآداب كثيرة من أوامر ونَواهٍ وغير ذلك(١). قال ابن المنِر: وفي الحديث إشارة إلى أنَّ إعانة الصَّانع أفضل من إعانة غير الصَّانع؛ لأنَّ غيرَ الصَّانعِ مَظِنَّهُ الإعانة، فكلُّ أحد يُعِينه غالباً، بخلاف الصَّانع، فإنَّه لشُهرَتِه بصَنعَتِهِ يُغْفَل عن إعانته، فهي من جنس الصَّدَقة على المستور. ٣- باب ما يُستحب من العتاقة في الگُسوف أو الآيات ٢٥١٩- حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، حدَّثنا زائدةُ بنُ قُدامةَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن فاطمةَ بنت المنذِرِ، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: أمَرَ النبيُّ وَِّ بِالعَتاقةِ في كُسُوفِ الشمسِ. تابَعَه عليٌّ عن الدَّرَاوَرْديِّ عن هشامٍ. ٢٥٢٠ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثْنا عَثّامٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن فاطمةَ بنت المنذِرِ، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: كنَّا نُؤْمَرُ عندَ الخُسُوفِ بالعَتاقةِ. قوله: ((باب ما يُستَحبُّ من العَتاقة)) بفتح العين، ووَهِمَ مَن كسرها، يقال: عَتَقَ يَعْتِقُ عَتاقاً وعَتاقةً، والمراد الإعتاق، وهو ملزوم العَتاقة. (١) وإسناده ضعيف جدّاً، فيه إبراهيم بن هشام، وهو متروك الحديث. ١٠٥ باب ٤ / ح ٢٥٢١ كتاب العتق قوله: ((في الكسوف أو الآيات)) كذا لأبي ذرِّ وابن شَبّويه وأبي الوَقْت، وللباقينَ: ((والآيات)) بغير ألفٍ، و((أو)) للتنويع لا للشَّكِّ؛ وقال الكِرْماني: هي بمعنى الواو وبمعنى ((بل)) لأنَّ عَطف الآيات على الكسوف من عَطف العامّ على الخاصّ، وليس في حديث الباب سوى الكسوف، وكأنَّه أشار إلى قوله في بعض طرقه: ((إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله يُخُوِّفُ الله بهما عباده))(١)، وأكثر ما يقعُ التَّخويف بالنار، فناسَبَ وقوع العِثْق الذي يُعِقُ من النار، لكن يختصُّ الكسوف بالصلاة المشروعة بخلاف بقية الآيات. قوله: ((حدَّثنا موسى بن مسعود)) وهو أبو حُذَيفة النَّهدي، بفتح النّون، مشهور بكُنيتِه أكثر من اسمه، وقد تقدَّم الحديث في الكسوف (١٠٥٤) عن راوٍ آخر عن شيخه زائدة. قوله: ((تابَعَه علي)) يعني: ابن المديني، وهو شيخ البخاري، ووَهِمَ مَن قال: المراد به ابن حُجْر، والدَّراوَزْدي: هو عبد العزيز بن محمد. قوله: ((حدَّثنا محمد بن أبي بكر)) هو المقدَّمي، وعَّام - بفتح المهملة وتشديد المثلَّثة -: هو ابن عليّ بن الوليد العامري الكوفي، ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد، وهشام: هو ابن عُزْوة، وفاطمة زوجته، وهي ابنة عمِّه، وهذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوَفَى في موضعه (٨٦)، وتَبيَّنَ برواية زائدة أنَّ الآمِر في رواية عَّام هو النبي ◌َِّ؛ وهو ممّا يُقوِّي أنَّ قول الصحابي: ((كنّا نُؤْمَر بكذا)» في حكم المرفوع. ٤- باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أَمةً بين الشركاء ٢٥٢١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمْرٍو، عن سالم، عن أبيه ﴾، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((مَن أعتَقَ عَبْداً بين اثنَينٍ، فإن كان مُوسِراً قُوِّمَ عليه، ثمَّ يُعتَقَ)). قوله: ((باب إذا أعتَقَ عبداً بين اثنَينِ أو أمةً بين الشُّرَ كاء)) قال ابن التِّين: أراد أنَّ العبد ١٥١/٥ كالأَمَة لاشتراكهما في الرِّقّ، قال: وقد بُيِّنَ في حديث ابن عمر في آخر الباب أنَّه كان يُفتي (١) سلف برقم (١٠٤٨). ١٠٦ باب ٤ / ح ٢٥٢١ فتح الباري بشرح البخاري فيهما بذلك. انتهى، وكأنَّه أشار إلى رَدِّ قول إسحاق بن راهويه: إنَّ هذا الحكم مُخْتَصّ بالذُّكور، وهو خطأٌ، وادَّعى ابن حَزْم أنَّ لفظ العبد في اللُّغة يتناولُ الأَمة، وفيه نظرٌ، ولعلَّه أراد المملوك. وقال القُرطُبي: العبدُ اسم للمملوكِ الذَّكَر بأصلٍ وَضْعِه، والأَمة اسم لمؤنَّثِهِ بغير لفظه، ومن ثَمَّ قال إسحاق: إنَّ هذا الحكم لا يتناول الأُنثى، وخالَفَه الجمهور فلم يُفرِّقوا في الحكم بين الذَّكَر والأُنثى، إمَّا لأنَّ لفظ العبد يُراد به الجنس كقوله تعالى: ﴿إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فإنَّه يتناولُ الذَّكَرَ والأُنثى قطعاً، وإمَّا على طريق الإلحاق لعَدَمِ الفارق، قال: وحديث ابن عمر (٢٥٢٥) من طريق موسى بن عُقْبة عن نافع عنه: ((أنَّه كان يُفتي في العبد والأمة يكون بين الشُّرَكاء)) الحديث، وقد قال في آخره: ((يُخْبِرُ ذلك عن النبي ◌ِّ) فظاهرُه أنَّ الجميع مرفوع، وقد رواه الدّارَ قُطني (٤٢١٨) من طريق الزُّهري، عن نافع عن ١٥٢/٥ ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((مَن كان له شِرٌ في عبد أو أَمَة))/ الحديث(١)، وهذا أصرَحُ ما وجدتُه في ذلك، ومثله ما أخرجه الطَّحَاوي (١٠٥/٣) من طريق ابن إسحاق عن نافع مثله، وقال فيه: مُلَ عليه ما بَقي في ماله حتَّى يُعتَقَ كلُّه، وقد قال إمام الحرمين: إدراك كَون الأَمة في هذا الحكم كالعبدِ حاصل للسَّامعِ قبل التَّغَطُّنِ لوجه الجمع والفَرق، والله أعلم. قلت: وقد فرَّقَ بينهما عثمان البَتِّي(٢) بمأخَذٍ آخر، فقال: يَنْفُذُ عِتقُ الشَّريك في جميعه ولا شيء عليه لشَريكِه إلّا أن تكون الأَمة جميلةً تُراد للوطء، فيَضمَنُ ما أدخَلَ على شَريكه فيها من الضَّرَر، قال النَّوَوي: قول إسحاق شاذّ، وقول عثمان فاسد، انتهى. وإِنَّمَا قَيَّدَ المصنِّفُ العبد باثنَيْنِ والأَمة بالشُّرَكاء، اتِّباعاً للفظ الحديث الوارد فيهما، وإلَّا فالحکم في الجميع سواءٌ. قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار، وسالم: هو ابن عبد الله بن عمر، ووقع في رواية (١) في إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف. (٢) تحرف في (س) إلى: الليثي. ١٠٧ باب ٤/ ح ٢٥٢١ كتاب العتق الحميدي (٦٧٠) عن سفيان: حدّثنا عمرو بن دينار. قوله: ((عن سالم)) هو ابن عبد الله بن عمر، وللنَّسائي (ك٤٩٢٢) من طريق إسحاق بن راهويه عن سفيان عن عَمْرو: أنَّه سمِعَ سالم بن عبد الله بن عمر. قوله: ((مَن أعتَقَ)) ظاهره العُموم، لكنَّه مخصوص بالاتّفاق، فلا يَصِحُّ من المجنون ولا من المحجور عليه لسَفَهٍ، وفي المَحْجور عليه بفَلَسٍ، والعبدِ والمريضِ مَرَضَ الموت، والكافر تفاصيل للعلماءِ بحَسَبِ ما يَظهَرُ عندهم من أدلَّة التَّخصيص، ولا يقوَّمُ فِي مَرَضِ الموتِ عند الشّافعية إلَّا إذا وسِعَه الثُّلثُ، وقال أحمد: لا يُقوَّمُ في المرض مُطلَقاً، وسيأتي البحث في عتق الكافر قريباً (٢٥٣٨). وخَرَجَ بقوله: ((أَعتَقَ)) ما إذا أعتَقَ عليه بأن وَرِثَ بعضُ مَن يُعتَقُ عليه بقَرابةٍ فلا سِرايةً(١) عند الجمهور، وعن أحمد رواية، وكذلك لو عَجَزَ المكاتَب بعد أن اشتَرى شِقصاً يُعِقُ على سيِّدِهِ، فإنَّ الِلك والعِثْقَ يَحِصُلان بغير فعلِ السَّيِّدِ فهو كالإرث، ويَدخُلُ في الاختيار ما إذا أُكرهَ بحقٌّ، ولو أوصى بعِتق نصيبه من المشتَرَك، أو بعتق جُزءٍ مَمَّن له كلِّه، لم يَسرِ عند الجمهور أيضاً؛ لأنَّ المال يَنتَقِلُ للوارثِ ويصيرُ الميّت مُعسِراً، وعن المالكية رواية، وحُجَّةُ الجمهورِ مع مفهوم الخبر أنَّ السِّراية على خلاف القياس فيختصُّ بمَورِدِ النَّصّ، ولأنَّ التَّقويم سَبيلُه سبيلُ غَرامة المتلَفات، فيقتضي التَّخصيص بصُدورِ أمر يُجُعَل إتلافاً، ثمَّ ظاهر قوله: ((مَن أعتَقَ)) وقوع العِثْق مُنْجَزاً، وأجرى الجمهور المعَلَّق بصِفةٍ إذا وُجِدَت مَجَرى المنْجَز. قوله: ((عبداً بين اثنَينٍ)) هو كالمثال، وإلّا فلا فرقَ بين أن يكون بين اثنينٍ أو أكثر، وفي رواية مالك وغيره في الباب: ((شركاً)) وهو بكسر المعجمة وسكون الراء، وفي رواية أيوب (١) السِّراية لغة: اسم للسَّير في الليل، وقد يستعملها الفقهاء في المعاني تشبيهاً لها بالأجسام، فيقال: سرى الجرح من العضو إلى النفس؛ أي: دام أَلمُه حتى حدث منه الموت. وسَرَى العِثْق لبيان تكميل الحرية في العبد المعتَق بعضُه. ١٠٨ باب ٤ / ح ٢٥٢١ فتح الباري بشرح البخاري الماضية في الشَّرِكة (٢٤٩١): ((شِقصاً)) بمُعجَمةٍ وقاف ومُهمَلة وزن الأوَّل، وفي رواية في الباب: ((نصيباً)) والكلّ بمعنَّى، إلّا أنَّ ابن دُرَيد قال: هو القليلُ والكثير، وقال القَزّازُ: لا يكون الشِّقص إلَّ كذلك، والشّرك في الأصل مصدر أُطلِقَ على مُتَعَلِّقه وهو العبد المشتَرَك، ولا بُدَّ في السّياق من إضمار جُزءٍ أو ما أشبهَه؛ لأنَّ المشتَرَك هو الجملة أو الجُزء المعَيَّن منها، وظاهره العُموم في كلِّ رَقيق، لكن يُستَئنى الجاني والمرهون، ففيه خلاف، والأصحّ في الرَّهن والجِناية مَنع السِّراية؛ لأَنَّ فيها إبطال حقّ المرتَبِن والمجني عليه، فلو أعتَقَ (١) مُشتَرَكاً بعد أن كاتَباه، فإن كان لفظ العبد يتناول المكاتَب وقعت السِّراية، وإلَّا فلا، ولا يَكفي ثُبُوتُ أحكام الرِّقّ عليه، فقد ثبتت ولا يَستَلِمُ استعمال لفظ العبد عليه، ومثله ما لو دَبَّراه، لكن تَناوُل لفظ العبد للمُدَبَّرِ أقوى من المكاتَب، فيَسري هنا على الأصحّ، فلو أعتَقَ من أمة ثبت كَوتُها أُمَّ ولدٍ لشَريكِهِ، فلا سِراية؛ لأنَّها تَسْتَلِمُ النَّقْلَ من مالكٍ إلى مالكٍ، وأُمّ الوَلَدِ لا تَقبَل ذلك عند مَن لا يَرى بيعَها، وهو أصحّ قولي العلماء. قوله: ((فإن كان موسِراً قوِّمَ)) ظاهره اعتبار ذلك حال العِثْق،/ حتَّى لو كان مُعسِراً ثمَّ أيسَرَ بعد ذلك لم يَتغيَّر الحكم، ومفهومه أنَّه إن كان مُعسِراً لم يُقوَّم، وقد أفصَحَ بذلك في رواية مالك حيثُ قال فيها: ((وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، ويَبقى ما لم يُعتَق على حكمِه الأوَّل، هذا الذي يُفهَمُ من هذا السّياق، وهو السُّكوتُ عن الحكم بعد هذا الإبقاء، وسيأتي البحث في ذلك في الكلام على حديث الباب الذي يليه. ١٥٣/٥ قوله: ((قُوِّمَ عليه)) بضمٍّ أوَّله، زاد مسلم (١٥٠١/ ٥٠) والنَّسائي (ك٤٩٢٢) في روايتهما من هذا الوجه: ((في ماله قيمة عَدل، لا وَكْسَ ولا شَطَط)) والوَكس - بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُهمَلة -: النَّقص، والشَّطَط - بمُعجَمة ثمَّ مُهمَلة مُكَرَّرة والفتح -: الجَوْر، واتَّفَقَ مَن قال [بذلك] من العلماء على أنَّه يُباعُ في حِصَّة شَريكه جميع ما يُباعُ عليه في الدَّین على اختلاف عندهم في ذلك، ولو كان عليه دَين بقَدرِ ما يَملِكُه كان في حكم الموسِر على (١) أي: أحدُ الشريكين أعتق عبداً مشتَرَكاً. ١٠٩ باب ٤ / ح ٢٥٢٢ كتاب العتق أصحّ قولي العلماء، وهو كالخلاف في أنَّ الدَّين هل يَمنَع الزكاة أم لا؟ ووقع في رواية الشّافعي (٦٦/٢) والحُميدي (٦٧٠): «فإِنَّه يُقوَّمُ عليه بأعلى القيمة، أو قيمة عَدل))، وهو شكّ من سفيان، وقد رواه أكثر أصحابه عنه بلفظ: ((قوِّمَ عليه قيمة عَدل)) وهو الصواب. قوله: (ثُمَّ يُعتَق)) في رواية مسلم: ((ثُمَّ أُعِقَ عليه من ماله إن كان موسِراً»، وهو يُشعِرُ بأنَّ التاء في حديث الباب مفتوحة مع ضَمّ أوَّله. تنبيه: روى الزُّهري عن سالم هذا الحديث مختصراً أيضاً، أخرجه مسلم (١٥٠١/ ٥١) بلفظ: ((مَن أعتَقَ شِركاً له في عبدٍ عَتَقَ ما بَقي في ماله إذا كان له مالٌ يَبلُغُ ثمن العبد»، وذكر الخطيب قوله: ((إذا كان له مالٌ يَبلُغُ ثمن العبد)) في ((المدرَج)) (١)، وقد وقعت هذه الزِّیادة في روایة نافع كما سيأتي. ٢٥٢٢ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((مَن أَعتَقَ شِرْكاً له في عَبْدِ، فكان له مالٌ يَبلُغُ ثَمَنَ العبدِ قُوِّمَ العبدُ عليه قِيمةَ عَدْلٍ، فأعطَى شُرَكاءَه حِصَصَهم وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ)). قوله في طريق مالك عن نافع: ((وكان له ما يَبلُغ)) أي: شيء يَبلُغ، وعند الكُشْمِيهني: ((مالٌ يَبلُغ)) وهي رواية ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٧٢) والتَّقَبيد بقوله: ((يَبلُغ)) يُرِجُ ما إذا كان له مال، لكنَّه لا يَبلُغُ قيمة النَّصيب، وظاهره أنَّه في هذه الصّورة لا يُقوَّم عليه مُطلَقاً، لكنَّ الأصحّ عند الشّافعية - وهو مذهب مالك - أنَّه يَسري إلى القَدْر الذي هو موسِرٌ به، تنفيذاً للعِثْق بحَسَبِ الإمكان. قوله: (ثَمَن العبد)) أي: ثمن بقية العبد، لأنَّه موسِر بحِصَّتِه، وقد أوضحَ ذلك النَّسائي (ك٤٩٣١) في روايته من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن عُبيد الله بن عمر وعُمر بن نافع (١) فقال: يقال: إنه من کلام الزهري ولیس من كلام رسول الله ێ، وقد روی هذا الحدیث أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق فلم يزد على قوله: ((في ماله». انظر ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) له ٣٢٨/١. ١١٠ باب ٤ / ح ٢٥٢٣ فتح الباري بشرح البخاري ومحمد بن عَجْلان عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((وله مال يَبلُغُ قيمة أنصِباء شُرَكائه، فإنَّه يَضمَن لشُرَكائه أنصِباءَهم، ويَعْتِقِ العبد)) والمراد بالثَّمَنِ هنا القيمة؛ لأَنَّ الثَّمَن ما اشتُرِيَت به العينُ، واللّازم هنا القيمة لا الثَّمَن، وقد تَبيَّنَ المراد في رواية زيد بن أبي أُنيسة المذكورة، ويأتي في رواية أيوب في هذا الباب بلفظ: ((ما يَبلُغُ قيمته بقيمة عَدل)). قوله: ((فأعطى شُرَكاءَه)) كذا للأكثر على البناء للفاعِل، و((شُرَكَاءَه)» بالنَّصب، ولِبعضِهم: ((فأُعطي)) على البناء للمَفعولِ ((وشُرَكاؤُه)) بالضّمّ. وقوله: ((حِصَصَهم)) أي: قيمة حِصَصهم، أي: إن كان له شُرَکاء فإن كان له شَريك أعطاه جميع الباقي، وهذا لا خلاف فيه، فلو كان مُشتَرَكاً بين الثلاثة فأعتَقَ أحدُهم حِصَّته: وهي الثُّلث، والثاني حِصَّته: وهي السُّدُس، فهل يُقَوَّم عليهما نصيب صاحب النِّصف بالسَّوية، أو على قَدر الحِصَص؟ الجمهور على الثاني، وعند المالكية والحنابلة خلاف كالخلاف في الشُّفعة إذا كانت لاثنَينِ هل يأخُذان بالسّوية، أو على قَدر المِلك؟ قوله: (عَتَقَ منه ما عَتَقَ)) قال الدَّاوُودي: هو بفتح العين من الأوَّل، ويجوز الفتح والضَّمّ في الثاني، وتَعَقَّبَه ابن التِّين بأنَّه لم يقله غيره، وإنَّما يقال: عَتَقَ بالفتح، وأُعتَقَ بضمِّ الهمزة، ولا يُعرَفُ ((عُثِقَ)) بضمٍّ أوَّله؛ لأنَّ الفعل لازم غير مُتعدٍّ. ٢٥٢٣ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((مَن أعتَقَ شِرْكاً له في مملوكٍ فعليه عِتْقُه كلِّه إن كان له مالٌ يَبلُغُ ثَمَنَه، فإن لم يكن له مالٌ يُقوَّمُ عليه قيمةَ عَدْلٍ على المُعتِقِ فَأَعِقَ منه ما أعتَقَ)). حدَّثنا مُستَّدٌ، حدَّثنا بِشْرٌ، عن عُبيد الله ... اختصره. قوله في الرواية الثالثة: ((عن أبي أُسامة عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري. قوله: ((عِتقُه كلِّ)) بجَرِّ اللّام تأكيداً للضَّمير المضاف، أي: عِتَقُ العبد كلِّه. قوله: ((فإن لم يكن له مال يُقوَّم عليه قيمة عَدْل على المعْنِقِ)) هكذا في هذه الرِّواية، وظاهرها أنَّ التَّقويم يُشرَعُ في حقّ مَن لم يكن له مال، وليس كذلك، بل قوله: ((يُقوَّم)) ليس ١٥٤/٥ ١١١ باب ٤ / ح ٢٥٢٤ كتاب العتق جواباً للشَّرط، بل هو صِفة مَن له المال، والمعنى: أنَّ مَن لا مال له بحيثُ يقع عليه اسم التَّقويم، فإنَّ العِثْقَ يقعُ في نصيبه خاصَّة، وجواب الشَّرط هو قوله: ((فأُعْتِقَ منه ما أعتَقَ)) والتَّقدير: فقد أُعتِقَ منه ما أعتقَ، وقد وقع في رواية أبي بكر وعثمان اني أبي شيبة عن أبي أُسامة عند الإسماعيلي بلفظ: ((فإن لم يكن له مال يُقوَّم عليه قيمة عَدل عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، وأوضحُ من ذلك رواية خالد بن الحارث عن عُبيد الله عند النَّسائي (ك٤٩٢٧) بلفظ: ((فإن كان له مال قُوِّمَ عليه قيمة عَدل في ماله، فإن لم يكن له مال عَتَقَ منه ما عَتَقَ)). قوله: ((حدَّثنا مُسدّد، حدَّثْنا بِشْر)) أي: ابن المفَضَّل ((عن عُبيد الله)) أي: ابن عمر. قوله: ((اختَصَره)) أي: بالإسناد المذكور، وقد أخرجه مُسدَّد في ((مسندِه)) برواية معاذ بن المثنَّى عنه بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي (١٠/ ٢٧٧) من طريقه ولفظه: ((مَن أعتَقَ شِركاً له في مملوك، فقد عَتَقَ كلّه))، وقد رواه غير مُسدَّد عن بشر مُطوَّلاً، أخرجه النَّسائي (ك٤٩٣٠) عن عَمْرو بن عليّ عن بشر، لكن ليس فيه أيضاً قوله: ((عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، فيُحتَمَلُ أن يكون مُراده أنَّه اختصر هذا القَدر، وقد فَهِمَ الإسماعيلي ذلك، فقال: عامَّة الكوفيينَ رَوَوْا عن عُبيد الله بن عمر في هذا الحديث حكم الموسِر والمعسِر معاً، والبصريون لم يَذْكُرُوا إِلَّ حكم الموسِر فقَط. قلت: فمِن الکوفیینَ أبو أُسامة کما تَری وابن نُمَیر عند مسلم (٤٨/١٥٠١)، وزهير عند النَّسائي (ك٤٩٢٥)، وعيسى بن يونس عند أبي داود (٣٩٤٣)، ومحمد بن عُبيد عند أبي عَوَانة (٤٧٤٥) وأحمد (٦٢٧٩)، ومن البصريينَ بشر المذكور، وخالد بن الحارث، ويحيى القطَّنُ عند النَّسائي (ك٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٣٠) وعبد الأعلى فيما ذكر الإسماعيلي، لكن رواه النَّسائي (ك٤٩٢٦) من طريق زائدة عن عُبيد الله، وقال في آخره: ((فإن لم يكن له مال عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، وزائدة كوفي لكنَّه وافقَ البصريينَ. ٢٥٢٤- حدّثنا أبو النُّعْمانِ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّ قال: ((مَن أَعتَقَ نَصِيباً له في مملوكٍ أو شِرْكاً له في عَبْدِ، فكانَ له مِن المالِ ما ١١٢ باب ٤ / ح ٢٥٢٤ فتح الباري بشرح البخاري يَبلُغُ قِيمَتُه بقِيمةِ العَدْلِ فهو عَتِيقٌ)). قال نافعٌ: وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ. قال أيوبُ: لا أدري أشيءٌ قاله نافعٌ، أو شيءٌ في الحديث؟! قوله: ((أو شِرْكاً له في عبدٍ)) الشَّكّ فيه من أيوب، وقد سبق في الشَّرِكة (٢٤٩١) من وجه آخر عنه فقال فيه: ((أو قال: نصيباً)). قوله: ((فهو عَتيق)) أي: مُعتَق، بضمٍّ أوَّله وفتح المثنَّاة. قوله: «قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أو شيء في الحدیث» هذا شكّ من أیوب في هذه الزِّيادة المتعَلَّقة بحكم المعسِر: هل هي موصولةٌ مرفوعةٌ، أو مُنقَطِعةٌ مقطوعةٌ، وقد رواه عبد الوهّاب عن أيوب فقال في آخره: ((وربّما قال: وإن لم يكن له مال فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ، وربَّما لم يقله، وأكثر ظَنّي أنَّه شيء يقوله نافع من قِبَله)) أخرجه النَّسائي (ك٤٩٣٥)، وقد وافقَ أيوبَ على الشَّكّ في رفع هذه الزِّيادة يحيى بن سعيد عن نافع، أخرجه مسلم (٤٩/١٥٠١) والنَّسائي (ك٤٩٤٠) ولفظ النَّسائي: ((وكان نافع يقول ـــ قال يحيى: لا أدري أشيء كان من قِبَله يقوله أم شيء في الحديث -: فإن لم يكن عنده فقد جازَ ما صَنَعَ»، ورواها من وجه آخر عن يحيى، فجَزَمَ بأنَّا عن نافع، وأدَرَجَها في المرفوع من وجهٍ آخرَ (ك٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٢٧)، وجَزَمَ مسلم (٤٩/١٥٠١) بأنَّ أيوبَ ويحيى قالا: ((لا ندري أهو في الحديث أو شيء قاله نافع من قِبَله)) ولم يُخْتَلَف عن مالك في وصلِها ولا عن عُبيد الله بن عمر، لكن اختُلِفَ عليه في إثباتها وحذفها كما تقدَّم، والذين أثبتوها حُفّاظ، فإثباتها عن عُبيد الله مُقدَّم، وأثبَتَها أيضاً جَرِير بن حازم كما سيأتي بعد اثنَي عشر باباً (٢٥٥٣) وإسماعيل بن أُميَّة عند الدّارَ قُطني (٤٢١٩). وقد رَجَّحَ الأئمَّة رواية مَن أثبَت هذه الزّيادة مرفوعة، قال الشّافعي: لا أحسَبُ عالماً بالحديث يَشُكّ في أنَّ مالكاً أحفَظُ لحديثِ نافع من أيوب، لأنَّه كان ألزم له منه، حتَّى ولو اسْتَوَيا فشكَّ أحدهما في شيءٍ لم يَشُكَّ فيه صاحبه، كانت الحُجَّة مع مَن لم يَشُكَّ. ويُؤْيِّدُ ذلك قول عثمان الدّارمي: قلت لابن معين: مالك في نافع أحَبُّ إليك أو أيوب؟ قال: ١١٣ باب ٤ / ح ٢٥٢٥ كتاب العتق مالك. وسأذكُرُ ثَمَرة الخلاف في رفع هذه الزِّيادة أو وقفها في الكلام على حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. ٢٥٢٥ - حدّثنا أحمدُ بنُ مِقْدام، حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه كان يُفْتي في العبدِ أو الأَمةِ يكونُ بين شُرَكَاءَ فِيُعتِقُ أحدُهم نَصِيبَه منه يقول: قد وَجَبَ عليه عِنْقُه كلِّه إذا كان للَّذِي أعتَقَ مِن المالِ ما يَبلُغُ يُقْوَّمُ من ماله قِيمةَ العَدْلِ، ويُدفَعُ إلى الشُّرَكاءِ أنصِباؤهم، ويُخَلَّى سبيلُ المعْتَقِ. يُخْبِرُ ذلك ابنُ عمَرَ عن النبيِّ ێ. ورواه اللَّيْثُ وابنُ أبي ذِئْبٍ وابنُ إسحاقَ وُجُوَيِرِيةُ ويحيى بنُ سعيدٍ وإسماعيلُ بنُ أُمِيَّةً، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌ٍَّ ... مُختصَراً. قوله: ((أَنَّه كان يُفْتي ... )) إلى آخره، كأنَّ البخاري أورَدَ هذه الطَّريق ليشيرَ بها إلى / أنَّ ١٥٥/٥ ابن عمر راوي الحديث أفتى بما يقتضيه ظاهره في حقّ الموسِر، ليُرُدّ بذلك على مَن لم يقل به، ولم يَتفرَّد موسى بن عُقْبة عن نافع بهذا الإسناد، بل وافقَه صَخر بن جُوَيريةَ عن نافع، أخرجه أبو عَوَانة (٤٧٣٩) والطَّحَاوي (١٠٦/٣) والدّارَ قُطني (٤٢٢٥) من طريقه. قوله: ((ورواه اللَّيث وابن أبي ذِئْب وابن إسحاق وجُوَيريةٌ ويحيى بن سعيد وإسماعيل بن أُميَّة عن نافع عن ابن عُمر عن النبي ◌ِّ مُختصَراً) يعني: ولم يَذْكُروا الجملة الأخيرة في حقّ المعسِر، وهي قوله: ((فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، فأمَّا رواية اللَّيث فقد وصَلها مسلم (١٥٠١) ولم يَسُق لفظه، والنَّسائي (٤٩٣٢) ولفظه: سمعت رسول الله،وَّه يقول: ((أيُّما مملوكٍ كان بين شُرَكاء فأعتَقَ أحدهم نصيبه، فإنَّه يُقامُ في مال الذي أعتَقَ قيمةَ عَدْل، فيُعتَقَ إِن بَلَغَ ذلك ماله)». وأمَّا رواية ابن أبي ذِئب فَوَصَلها مسلم (٤٩/١٥٠١) ولم يَسُق لفظها، ووَصَلها أبو نُعيم في (مُستخرَجِه)) عليه ولفظه: ((مَن أعتَقَ شِركاً له في مملوك وكان للَّذي يُعتِقِ مَبلَغ ثمنه، فقد عَتَقَ کُّه)). ١١٤ باب ٤ / ح ٢٥٢٥ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا رواية ابن إسحاق فَوَصَلها أبو عَوَانة (٤٧٥٠) ولفظه: ((مَن أَعتَقَ شِركاً له في عبدٍ مملوك، فعليه نَفاذُه منه». وأمَّا رواية جُوَيريةَ - وهو ابن أسماء - فوَصَلَها المؤَلِّف في الشركة (٢٥٠٣) کما مضى. وأمَّا رواية يحيى بن سعيد فوَصَلها مسلم وغيره وقد ذكرت لفظه. وأمَّا رواية إسماعيل بن أُميَّة، فَوَصَلها مسلم (٤٩/١٥٠١) ولم يَسُق لفظها، وهي عند عبد الرَّزّاق (١٦٧١٤) نحو رواية ابن أبي ذِئب. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الموسِر إذا أعتَقَ نصيبه من مملوك عَتَقَ كلَّه، قال ابن عبد البَرّ: لا خلافَ في أنَّ التَّقويم لا يكون إلَّا على الموسِر، ثمَّ اختلفوا في وقت العِثْق؛ فقال الجمهورُ والشّافعي في الأصحّ وبعض المالكية: إنَّه يَعْتِقِ في الحال، وقال بعض الشّافعية: لو أعتَقَ الشَّريك نصيبه بالتَّقويمِ كان لَغواً، ويَغْرَم المعتِقُ حِصَّة نصيبه بالتَّقويم، وحُجَّتُهم رواية أيوب في الباب حيثُ قال: ((مَن أعتَقَ نصيباً وكان له من المال ما يَبلُغُ قيمتَه، فهو عَتيق))، وأوضح من ذلك رواية النَّسائي (ك٤٩٤٢) وابن حِبَّان (٤٣١٧) وغيرهما من طريق سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((مَن أعتَقَ عبداً وله فيه شُرَكاء وله وفاء، فهو حُرّ، ويَضمَنُ نصیب شُرَكائه بقیمتِه)»، وللطّحاوي (١٠٦/٣) من طريق ابن أبي ذِئب عن نافع: ((فكان للَّذي يُعتِقِ نصيبه ما يَبلُغُ ثمنه، فهو عَتيق كلّه))، حتَّى لو أعسَرَ الموسِر المعتِقُ بعد ذلك استَمَرَّ العِثْقُ وبقي ذلك دَيناً في ذِمَّتِهِ، ولو مات أُخِذَ من تَرِكَته، فإن لم يُخُلِّف شيئاً لم يكن للشَريكِ شيء واستَمرَّ العِثْق. والمشهور عند المالكية: أنَّه لا يُعتِقِ إلَّا بدفع القيمة، فلو أعتَقَ الشَّرِيكُ قبل أخذ القيمة نَفَذَ عِتقُه، وهو أحد أقوال الشّافعي، وحُجَّتُهم رواية سالم أوَّل الباب حيثُ قال: ((فإن كان مُوسِراً قوِّمَ عليه ثمَّ يُعتَق)). والجواب: أنَّه لا يَلزَمُ من ترتيب العِثْق على التَّقْويم ترتيبه على أداءِ القيمة، فإنَّ التَّقويمَ ١١٥ باب ٥ / ح ٢٥٢٦ كتاب العتق يفيدُ مَعرِفة القيمة، وأمَّا الدَّفع فقَدرٌ زائد على ذلك. وأمَّا رواية مالك (٢/ ٧٧٢) التي فيها: (فأعطى شُرَكاءَه حِصَصهم وعَتَقَ علیه العبد) فلا تقتضي ترتيباً لسياقها بالواو. وفي الحديث حُجَّة على ابن سِيرِينَ حيثُ قال: يَعْتِقُ كلُّه ويكون نصيب مَن لم يُعِقِ في بيت المال، لتصريحِ الحديث بالتَّقويمِ على المعتِق. وعلى ربيعة حيثُ قال: لا يَنفُذُ عِتقُ الجزء من مُوسِر ولا مُعسِر، وكأنَّه لم يَتْبُت عنده الحديث. وعلى بُكَير بن الأشَجّ حيثُ قال: إنَّ التَّقویم يكون عند إرادة العِثْق لا بعد صدوره. وعلى أبي حنيفة حيثُ قال: يَتخيَّرُ الشَّريك بين أن يُقوَّم نصيبه على المعتِق أو يُعتِقِ نصيبه أو يُستَسعى(١) العبدُ في نصيب الشَّريك، ويقال: إنَّه لم يُسبَق إلى ذلك ولم يُتَابِعِه عليه أحد حتَّى ولا صاحباه، وطَرَّدَ قولَه في ذلك فيما لو أعتَقَ بعضَ عبدِه، فالجمهور قالوا: يَعتِقِ كلّه، وقال هو: يَستَسعي العبدُ في قيمةِ نفسِه لمولاه. واستَئنى الحنفية ما إذا أذِنَ الشَّریك فقال لشریکِه: أعتِق نصیبك، قالوا: فلا ضمان فيه. واستُدِلَّ به على أنَّ مَن أتلَفَ شيئاً من الحيوان فعليه قيمتُه لا مثلُه، ويَلتَحِق بذلك ما لا يُکال ولا یوزَن عند الجمهور. وقال ابن بَطَّال: قيل: الحِكمة في التَّقويم على الموسِر أن تَكمُلَ حُرّية العبدِ/ لَتِمَّ شهادتُه ١٥٦/٥ وحدوده، قال: والصواب أنَّها لاستكمال إنقاذ المعتِق من النار. قلت: وليس القول المذكور مردوداً، بل هو مُتَمَلٌ أيضاً، ولعلَّ ذلك أيضاً هو الحِكمةُ في مشروعية الاستِسْعاء. ٥- باب إذا أعتق نصیباً في عبدٍ وليس له مالٌ استُسعيَ العبدُ غير مشقوقٍ عليه على نحو الكتابة ٢٥٢٦ - حدَّثني أحمدُ بنُ أبي رَجاءٍ، حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمِ، سمعتُ (١) الاستسعاء: عمل العبد وسعيه لتحصيل قيمة نصيب الشريك الآخر ليحرِّر نفسه. ١١٦ باب ٥/ ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري قَتَادَةَ، قال: حدَّثني النَّضْرُ بنُ أنسِ بنِ مالكِ، عن بَشِيرِ بنِ نَّهِيكٍ، عن أبي هريرةَ ظُه، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((مَن أَعتَقَ شَقِيصاً من عَبْدٍ ... )). ٢٥٢٧ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن النَّضْرِ بنِ أنسِ عن بَشِيرِ بنِ نَبِيكِ، عن أبي هريرةَ عَّه، أنَّ النبيَّنَّه قال: ((مَن أَعتَقَ نَصِيباً - أو شَقِيصاً - في مملوكٍ، فخَلاصُه عليه في ماله إن كان له مالٌ، وإلَّا قُوِّمَ عليه فاستُسْعِيَ به غيرَ مَشْقُوقٍ عليه). تابَعَه حَجّاجُ بنُ حَجّاجٍ وأبانُ وموسى بنُ خَلَفٍ عن قَتَادةَ، اختصره شُعْبةٍ. قوله: ((باب إذا أعتَقَ نَصيباً في عبد وليس له مال استُشْعي العبد غير مَشْقوق علیه، على نحو الكتابة)) أشار البخاري بهذه التَّرجمة إلى أنَّ المراد بقوله في حديث ابن عمر: ((وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ)) أي: وإِلَّ فإن كان المعتِقِ لا مال له يَبلُغُ قيمة بقية العبد، فقد تَنَجَّزَ عِتقُ الجُزء الذي كان يَمِلِكُه، وبقي الجُزء الذي لشَريكِه على ما كان عليه أوَّلاً إلى أن يُستَسعى العبدُ في تحصيل القَدر الذي يُخلِّص به باقيَه من الرِّ إن قويَ على ذلك، فإن عَجَزَ نفسُه اسْتَمَرَّت حِصَّة الشَريك مَوقوفة، وهو مَصير منه إلى القول بصِحَّة الحديثَينِ جميعاً، والحكم برفعِ الزّيادتين معاً وهما: قوله في حديث ابن عمر: ((وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، وقد تقدَّم بيان مَن جَزَمَ بأنَّها من جُملة الحديث، وبيان مَن تَوَقَّفَ فيها أو جَزَمَ بأنَّها من قول نافع. وقوله في حديث أبي هريرة: ((فاستُسعِيَ به غير مَشقوق عليه))، وسأُبيِّنُ مَن جَزَمَ بأنَّها من ◌ُملة الحديث ومَن تَوَقَّفَ فيها أو جَزَمَ بأنَّها من قول قَتَادَةَ، وقد بَيَّنت ذلك في كتابي ((المدرَج)) بأبسط ممّا هنا. وقد استَبَعَدَ الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثَي ابن عمر وأبي هريرة ومَنَعَ الحكمَ بِصِحَّتِهما معاً، وجَزَمَ بأنَّهما مُتَدافعان، وقد جَمَعَ غيره بينهما بأوجُهٍ أُخَرَ يأتي بيانُها في أواخرِ الباب إن شاء الله تعالى. قوله: ((جَرِیر بن حازم سمعت قتادة) سيأتي بعد أبواب (٢٥٥٣) من روایة جَرِیر بن حازم عن نافع، فلَه فيه طريقان، وقد حَفِظَ الزّيادة التي في كلٍّ منهما وجَزَمَ برفعٍ كلّ منهما. ١١٧ باب ٥ / ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧ كتاب العتق قوله: ((عن بَشِير بن نَبِيك)) بفتح الموحَّدة وكسر المعجَمة وبفتح النّون وكسر الهاء، وزناً واحداً. قوله: ((مَن أعتَقَ شَقيصاً من عبد)) كذا أورَدَه مختصراً وعَطَفَ عليه طريق سعيد عن قَتَادَةَ، وقد تقدَّم في الشَّرِكة (٢٥٠٤) من وجهٍ آخرَ عن جَرِير بن حازم وبَقيّته: «أعتَقَ كلُّه إن كان له مال، وإلَّا يُستَسعَى غير مشقوق عليه))، وأخرجه الإسماعيلي من طريق بشر بن السَّري ويحيى بن بُكَير جميعاً عن جَرِير بن حازم بلفظ: ((مَن أعتَقَ شِقصاً من غلام وكان اللَّذي أعتَقَه من المال ما يَبلُغُ قيمة العبد أُعْتِقَ في ماله، وإن لم يكن له مال استُسعيَ العبدُ غير مَشقُوق علیه)). قوله: ((حدَّثنا سعيد)) هو ابن أبي عَرُوبة. قوله: ((عن النَّضْرِ)) في رواية جَرِير - التي قبلها - عن قَتَادَ: حدَّثني النَّضر. ١٥٨/٥ قوله: ((وإلَّا قُوِّمَ عليه فاستُسْعِيَ به)) في رواية عيسى بن يونس عن سعيد عند مسلم (١٥٠٣ /٤ و٥٥): ((ثُمَّ يُستَسعى في نصيب الذي لم يُعتِقِ)) الحديث، وفي رواية عَبْدة عند النَّسائي (ك٤٩٤٣) ومحمد بن بشر عند أبي داود (٣٩٣٨) كلاهما عن سعيد: «فإن لم يكن له مال قوِّمَ ذلك العبد قيمة عَدل واستُسعِيَ في قيمته لصاحبِه)) الحديث. قوله: ((غير مَشْقوق عليه)) تقدَّم توجيهُه، وقال ابن التِّين: معناه: لا يُستَغلى عليه في الثَّمَن، وقيل: معناه: غير مُكاتَب، وهو بعيد جدّاً. وفي ثُبوت الاستسعاء حُجَّة على ابن سيرينَ حيثُ قال: يُعتَق نصيب الشَّريك الذي لم يُعِقِ من بيت المال. قوله: ((تابَعَه حَجّاج بن حَجّاج وأبان وموسى بن خَلَف عن قَتَادةَ، واختصره شُعْبة)) أراد البخاري بهذا الرَّدِّ على مَن زَعَمَ أنَّ الاستسعاء في هذا الحديث غيرُ محفوظٍ. وأنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة تفرَّد به، فاستَظهَرَ له برواية جَرِير بن حازم بموافقَتِهِ، ثمَّ ذكر ثلاثة تابَعوهما على ذكرها. ١١٨ باب ٥ / ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري فأمَّا رواية حجاج فهو في نُسخَة حجاج بن حَجّاج عن قتادةَ من رواية أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طَهمان عن حَجّاج وفيها ذِكر السِّعاية، ورواه عن قَتَادةَ أيضاً حَجّاج بن أرطاة، أخرجه الطَّحَاوي (١٠٧/٣). وأمَّا رواية أبان فأخرجها أبو داود (٣٩٣٧) والنَّسائي (ك٤٩٤٦) من طريقه قال: حدَّثنا قَتَادة أخبرنا النَّضر بن أنسٍ، ولفظه: «فإنَّ عليه أن يُعتِقَ بَقَيَّتَه إن كان له مال، وإِلَّا استُسعِيَ العبدُ)) الحديث، ولأبي داود: ((فعليه أن يُعتقَه كلَّه)) والباقي سواء. وأمَّا رواية موسى بن خَلَف، فوَصَلها الخطيبُ في كتاب ((الفصل للوَصْل)) (٣٥٥/١) من طريق أبي ظَفَر عبد السَّلام بن مُطَهَّر عنه عن قَتَادة عن النَّضر ولفظه: ((مَن أعتَقَ شِقصاً له في مملوك فعليه خلاصه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استُسعيَ غير مَشقُوق عليه». وأمَّا رواية شُعْبة فأخرجها مسلم (١٥٠٢/ ٥٢) والنَّسائي (ك٤٩٤٧) من طريق غُندَر عنه عن قَتَادة بإسناده، ولفظه: عن النبي ◌َِّ في المملوك بين الرجلَينِ فُيُعتقُّ أحدُهما نصيبه قال: ((يَضمَن))، ومن طريق معاذ عن شُعْبة بلفظ: ((مَن أعتَقَ شِقصاً من مملوك فهو حُرّ من ماله))(١)، وكذا أخرجه أبو عَوَانة (٤٧٦٢) من طريق الطَّيالسي عن شُعْبة، وأبو داود (٣٩٣٥) من طريق رَوح عن شُعْبة بلفظ: ((مَن أعتَقَ مملوكاً بينه وبين آخر، فعليه خلاصُه)). وقد اختصر ذِكر السِّعاية أيضاً هشام الدَّستُوائي عن قَتَادة إلّا أنَّه اختُلِفَ عليه في إسناده: فمنهم مَن ذكر فيه النَّضر بن أنس، ومنهم مَن لم يَذكُرُه، وأخرجه أبو داود (٣٩٣٦ و٣٩٣٧) والنَّسائي (ك٤٩٤٨ و٤٩٤٩) بالوجهَينِ (٢)، ولفظ أبي داود والنَّسائي جميعاً من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه: ((مَن أَعتَقَ نصيباً له في مملوك عَتَقَ من ماله إن كان له مال)»، ولم يُتَلَّف على هشام في هذا القَدْر من المتن، وغَفَلَ عبد الحقّ فَزَعَمَ أنَّ هشاماً (١) عند مسلم (١٥٠١) (٥٣). (٢) النسائي لم يخرجه إلا من الوجه الذي ليس فيه النضر بن أنس. وانظر ((مسند أحمد)) (١٠٨٧٣). ١١٩ باب ٥/ ح ٢٥٢٦ -٢٥٢٧ كتاب العتق وشُعْبة ذَكَرا الاستسعاء فوَصلاه، وتَعَقَّبَ ذلك عليه ابن الموّاق فأجاد، وبالَغَ ابن العربي فقال: أَنَّفَقوا على أنَّ ذِكر الاستسعاء ليس من قول النبي ◌َّةِ، وإنَّما هو من قول قَتَادة. ونَقَلَ الْخَلّال في ((العِلَل)) عن أحمد: أنَّ ضَعَّفَ رواية سعيد في الاستسعاء، وضَعَّفَها أيضاً الأثرَمُ عن سليمان بن حَرْب، واستَندَ إلى أنَّ فائدةَ الاستسعاء أن لا يَدخُلَ الضَّررُ على الشَّريك، قال: فلو كان الاستسعاء مشروعاً لَلَزِمَ أنَّه لو أعطاه مثلاً كل شهر درهمَينِ أنَّه يجوزُ ذلك، وفي ذلك غاية الضَّرَر على الشَّريك. انتهى، وبمثل هذا لا تُرَدُّ الأحاديث الصحيحة. قال النَّسائي: بَلَغَني أنَّ همّاماً رواه فجَعل هذا الكلام، أي: الاستسعاء، من قول قَتَادة، وقال الإسماعيلي: قوله: ((ثُمَّ استُسعيَ العبد)) ليس في الخبر مسنداً، وإنَّما هو قول فَتَادة مُدَرَج في الخبر على ما رواه همَّام، وقال ابن المنذر والخطّابي: هذا الكلام الأخيرُ من فُتیا قَتَادة ليس في المتن. قلت: ورواية همَّام قد أخرجها أبو داود (٣٩٣٤) عن محمد بن كثير عنه عن قَتَادة، لكنَّه لم يَذكُر الاستسعاء أصلاً، ولفظه: أنَّ رجلاً أعتَقَ شِقصاً من غلام، فأجازَ النبي ◌َّ عِتقه وغَرَّمَه بقية ثمنه؛ نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرِئ عن همَّام فذكر فيه السِّعاية، وفَصَلَها من الحديث المرفوع، أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدّارَقُطني (٤٢٢٢)/ ١٥٤/٥ والخطَّبي والحاكم في ((عُلوم الحديث))(١) والبيهقي (٢٨٢/١٠) والخطيب في ((الفصل للوصل)» (٣٥٨/١-٣٥٩) كلّهم من طريقه، ولفظه مثل رواية محمد بن کثیر سواء، وزاد: قال: فكان قَتَادةُ يقول: إن لم يكن له مال استُسعيَ العبد. قال الدّارَقُطني: سمعت أبا بكر النَّيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همَّام، ضَبَطَه وفَصَلَ بين قول النبيِ وَّه وبين قول قَتَادة، هكذا جَزَمَ هؤلاءِ بأنَّه مُدَرَج، وأبى ذلك آخرون منهم صاحبا (الصحيح)) فصَحَّحا كونَ الجميع مرفوعاً، وهو الذي رَجَّحَه ابن (١) ((معرفة علوم الحديث)) ص٤٠. ١٢٠ باب ٥/ ٢٥٢٦ -٢٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري دَقيق العيد وجماعة؛ لأَنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة أعرَفُ بحديثٍ قَتَادة لكَثْرة مُلازَمَتِه له، وكَثْرة أخذه عنه من همَّام وغيره، وهشام وشُعبة إن كانا أحفَظَ من سعید، لكنَّهما لم يُنافيا ما رواه، وإنَّما اقتَصَرا من الحديث على بعضِه، وليس المجلسُ مُتَّحِداً حتَّى يَتَوقَّف في زيادة سعيد، فإنَّ مُلازَمة سعيد لقَتَادةَ كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيرُه، وهذا كلُّه لو انفَرَدَ، وسعيد لم يَنفَرِد، وقد قال النَّسائي في حديث أبي قَتَادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قَتَادة: هشام وسعيد أثبَتُ في قَتَادة من همَّام. وما أُعلَّ به حديث سعيد من كَونه اختَلَطَ أو تفرَّد به مردود، لأنَّه في ((الصحيحينِ)) وغيرهما من رواية مَن سمِعَ منه قبل الاختلاط كَيزيد بن زُرَيع، ووافقَه عليه أربعة تقدَّم ذِكْرهم، وآخرون معهم لا نُطيلُ بذِكْرهم، وهمَّام هو الذي انفَرَدَ بالتَّفصيل، وهو الذي خالَفَ الجميع في القَدر المتَّفَق على رفعه، فإنَّ جَعَلَه واقعةَ عَينٍ وهم جَعَلوه حُكماً عاماً، فدَلَّ على أنَّه لم يَضبطه كما ينبغي. والعَجَب تَمَّنْ طَعَنَ في رفع الاستسعاء بكَونِ هَمَّام جَعلَه من قول قَتَادة، ولم يَطعن فيما يدلُّ على تَركِ الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي: ((وإلَّا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ)) بكَونِ أيوب جَعَلَه من قول نافع كما تقدَّم شرحُه، ففَصَلَ قول نافع من الحديث وميَّزَه كما صَنَعَ هَمَّام سواء، فلم يَجَعَلوه مُدرَجاً كما جَعَلوا حديث همَّام مُدرَجاً، مع كَون يحيى بن سعيد وافقَ أيوب في ذلك، وهمَّام لم يوافقه أحدٌ، وقد جَزَمَ بكَونِ حديث نافع مُدرَجاً محمد بن وضّاح وآخرونَ، والذي يَظهَرُ أنَّ الحديثَينِ صحيحان مرفوعان وِفاقاً لعملٍ صاحبي الصحيح. وقال ابن الموّاق: والإنصاف أن لا نُوهِّمَ الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمِعَ قَتَادة يُفتِي به، فليس بين تحديثه به مرَّة وفُتياه به أُخرى مُنافاة. قلت: ويُؤيِّدُ ذلك أنَّ البيهقي (٢٨٣/١٠) أخرج من طريق الأوزاعي عن قَتَادة: أنَّه أفتى بذلك، والجمع بين حديثَي ابن عمر وأبي هريرة مُمكِن بخلاف ما جَزَمَ به الإسماعيلي.