النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ باب ٢٥ / ح ٢٤٦٧ - ٢٤٦٩ كتاب المظالم أُرَاجِعَكَ؟ فوالله إنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ نَّهِ لِيُراجِعْنَه، وإنَّ إحداهنَّ لَتَهجُرُه اليومَ حتَّى اللَّيْلِ، فَأَفْزَعَتْني فقلتُ: خابَت مَن فَعَلتْ منهنَّ بعَظِيمِ، ثمَّ ◌َعْتُ عليَّ ثِيابي فدَخَلْتُ على حفصةً فقلتُ: أيْ حفصةُ، أَتُغاضبُ إحداكُنَّ رسولَ الله وَِّاليومَ حتَّى اللَّيْلِ؟! فقالت: نعم، فقلتُ: خابَت وخَسِرَت، أفَتَأْمَنُ أن يَغْضَبَ الله لَغَضَبِ رسولِهِ وَّهِ فَتَهْلَكِينَ؟ لا تَسْتَكْثِرِي على رسولِ اللهِ وَّةٍ، ولا تُراجِعِيه في شيءٍ، ولا تَهْجُرِيه وسَلِيني ما بَدا لكِ، ولا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانت جارَتُكَ هي أوْضَأَ منكٍ وأحَبَّ إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، يُرِيدُ عائشةً. وكنّا تَحَدَّثنا أنَّ غِسَّانَ تَنعَلُ النِّعالَ لغَزْوِنا، فنزلَ صاحبي يومَ نَوْبَتِه، فَرَجَعَ عِشاءً فضَرَبَ بابي ضَرْباً شديداً، وقال: أثَمَّ هو؟ ففَزِعْتُ فخَرَجْتُ إليه، وقال: حَدَثَ أمرٌ عَظِيمٌ، قلتُ: ما هو، أجاءت غسّانُ؟ قال: لا، بَل أعظَمُ منه وأطوَلُ، طَلَّقَ رسولُ الله ◌َلِّ نِساءَه، قال: قد خابَت حفصةُ وخَسِرَت، كنتُ أظُنُّ أنَّ هذا يُوشِكُ أن يكونَ، فجَمَعْتُ عليَّ ثِيابي فصَلَّيْتُ صلاةَ الفَجْرِ مَعَ النبيِّ وَّهِ، فَدَخَلَ مَشْرُبةً له فاعتَزَلَ فيها، فدَخَلْتُ على حفصةَ فإذا هي تَبْكي، قلتُ: ما يُبْكِيكِ؟ أوَلم أكُن حَذَّرْتُكِ؟ أَطَلَّقَكُنَّ رسولُ الله ◌ٍَّ؟ قالت: لا أدري، هو ذا في المَشْرُبِةِ، فخَرَجْتُ فجِئْتُ المِنْبِرَ، فإذا حَوْلَه رَهْطٌ يَبْكي بعضُهم، فجَلَسْتُ معهم قليلاً، ثمَّ غَلَبني ما أجِدُ فِئْتُ المَشْرُبةَ التي هو فيها، فقلتُ لغلام له أسوَدَ: استأذِن لعُمرَ، فدَخَلَ فكُلَّمَ النبيَّ وَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فقال: ذَكَرْتُكَ له فصَمَتَ، فانصَرَفْتُ حتَّى جَلَسْتُ معَ الرَّهْطِ الذينَ عِندَ الِثْبر، ثمَّ غَلَبَني ما أَجِدُ، فِئْتُ - فذَكَرَ مثلَه - فجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذينَ عندَ المِنْبرِ، ثُمَّ غَلَبني ما أجِدُ فِثْتُ الغلامَ، فقلتُ: استأذِن لعُمرَ - فَذَكَرَ مثلَه - فلمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفاً، فإذا الغلامُ يَدْعُوني، قال: أذِنَ لكَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فدَخَلْتُ عليه، فإذا هو مُضْطَجِعٌ على رِمال حَصِيرٍ ليسَ بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّرَ الرِّمالُ بجَنْبِهِ، مُتَّكِئٌ على وسادةٍ من أَدَم حَشْوُها ليفٌ، فسَلَّمْتُ عليه ثمَّ قلتُ وأنا قائمٌ: طَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَه إلَّ فقال: ((لا)) ثمَّ قلتُ وأنا قائمٌ أستأنِسُ: يا رسولَ الله، لو رأيتَني وكنَّا مَعْشَرَ قُرَيشٍ تَغْلِبُ النِّساءَ، فلمَّا قَدِمْنا على قومٍ تَغْلِبُهم نِساؤُهم، فَذَكَرَه، فَتَبَسَّمَ النبيُّ ◌َِّ، ثُمَّ قلتُ: لو رأيتَني ودَخَلْتُ على حفصةَ فقلتُ: لا يَغُرَّنَّكِ ٤٢ باب ٢٥ / ح ٢٤٦٧ - ٢٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري أنْ كانت جارَتُكِ هي أوْضَأَ منكِ وأحَبَّ إلى النبيِّ ◌َّةِ، يُرِيدُ عائشةَ، فتَبَسَّمَ أُخرَى، فجَلَسْتُ حينَ رأيتُه تَبَسَّمَ، ثمَّ رَفَعْتُ بَصَري في بيتِهِ، فوالله ما رأيتُ فيه شيئاً يردُّ البَصَرَ غيرَ أَهَبةِ ثلاثٍ ١١٦/٥ فقلتُ: ادْعُ الله فلْيُوَسِّع على أُمَّتِكَ،/ فإنَّ فارسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم وأُعْطُوا الدُّنْيا، وهم لا يَعْبُدُونَ الله، وكان مُتَّكِئاً فقال: ((أوَفِي شَكٌّ أنتَ يا ابنَ الخطَّاب؟ أُولَئِكَ قومٌ عُجِّلَت لهم طَيَِّاتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا)) فقلتُ: يا رسولَ الله، استَغفِرْ لي. فاعتَزَلَ النبيُّ ◌َِّ من أجْلِ ذلك الحديث حينَ أفشَتْه حفصةُ إلى عائشةً، وكان قد قال: ((ما أنا بداخِلٍ عليهنَّ شهراً) من شِدّةٍ مَوْجِدَتِهِ عليهنَّ حينَ عاتَبَه الله، فلمَّا مَضَت تِسْعُ وعِشْرُونَ دَخَلَ على عائشةَ، فَبَدَأ بها، فقالت له عائشةُ: إِنَّكَ أقسَمْتَ أن لا تَدْخُلَ علينا شهراً، وإنّا أصبَحْنا بِتسعٍ وعِشْرِينَ ليلةً أعُدُّها عَدّاً، فقال النبيُّ وَّةِ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ)) وكان ذلك الشَّهْرُ تِسْعاً وعِشرينَ. قالت عائشةُ: فَأَنْزِلَت آيةُ التَّخْبِيرِ، فَبَدَأ بي أوَّلَ امرأةٍ، فقال: «إنّ ذاكِرٌ لكِ أمراً ولا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتَّى تَسْتَأْمِري أبَوَيكِ)) قالت: قد أعلمُ أنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا يأمراني بفِراقِكَ، ثمَّ قال: ((إنَّ الله قال: ﴿يَكَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩])) قلتُ: أفي هذا أستأمِرُ أبَوَيَّ؟ فإنّ أُرِيدُ اللهَ ورسولَه والدّارَ الآخِرَةَ. ثمَّ خَيََّ نِساءَه فقُلْنَ مثلَ ما قالت عائشة. ٢٤٦٩ - حدَّثني ابنُ سلام، أخبرَنا الفَزاريُّ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسٍ ﴾ قال: آلَى رسولُ اللهِ وَ لِّ من نِسائه شهراً، وكانتِ انفَكَّت قَدَمُه، فجَلَسَ في عُلِّيَّةٍ له، فجاء عمرُ فقال: أَطَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قال: ((لا، ولكنّي آلَيتُ منهنَّ شهراً) فمَكَثَ تِسْعاً وعِشْرِينَ، ثمَّ نزلَ فَدَخَلَ علی نسائه. قوله: ((باب الغُرْفِةِ)) بضمّ المعجَمة وسكون الراءِ، أي: المكان المرتَفِع في البيت، ((والعُلّية)» بضمّ أوَّله وتُكسَر وبتشديد اللَّام المكسورة وتشديد التَّحتانية، ((المُشْرِفَة)) بالمعجَمة والفاء وتخفيف الراء، ((وغير المُشْرِفَةِ في السُّطوحِ وغيرها)) ويجتمعُ بالتَّقسيمِ ممَّا ذكره أربعةُ أشياءً: ٤٣ باب ٢٥ / ح ٢٤٦٧ - ٢٤٦٩ كتاب المظالم بالنّسبة إلى الإشراف وعَدَمه، وبالنّسبة إلى كونها في السُّطوح وفي غيرها. وحُكمُ المشرِفة الجوازُ إذا أُمِنَ من الإشراف على عَورات المنازِل، فإن لم يُؤْمَن لم يُحِبَرَ على سدِّه، بل يُؤْمَر بعَدَمِ الإشراف، ولمن هو أسفَل منه أن يَتحقَّظَ. ثمَّ ساق المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث: الأول: حديث أسامة بن زيد: ((أَشَرَفَ النبيِِّ على أُطُم)) وهو بضمَّتَينٍ، وتقدَّم في أواخِر الحجِّ (١٨٧٨)، وسيأتي الكلامُ عليه في كتاب الفِتَن (٧٠٦٠) إن شاء الله تعالى. الثاني: حديث ابن عبّاس عن عمر في قِصَّة المرأتين اللَّتَين تَظاهَرَتا، أورَدَه مُطوَّلاً، وقد مضى في العلم مختصراً (٨٩)، ويأتي الكلام على شرحه مُستَوقَى في النِّكاح (٥١٩١) إن شاء الله تعالى. وقوله في السَّنَدِ: ((عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَور)) هو تابعي ثقة، ذكر الدِّمياطي عن الخَطيبِ أنَّه لم يَروِ عن غير ابن عبّاس ولا حدَّث عنه إلَّ الزُّهري، ولم يَتَعَقَّبه، وقد أخرج أبو داود وغيرُه من طريق محمد بن جعفر بن الزُّبَير عنه عن ابن عبّاس حديثاً، فما سَلِمَ له الشِّقّ الثاني(١). الثالث: حديث أنس قال: ((آلى رسول الله وَل﴿ من نِسائه شهراً)) الحديث، وسيأتي الكلامُ عليه في النِّكاح أيضاً (٥٢٠١)، وكأنَّه أورَدَه لقوله: ((فجَلَسَ في عُلِّيَّةٍ له فجاء عمر فقال: أطَلَّقْتَ نِساءَك؟)) فإنَّ في حديثٍ عمرَ الذي قبلَه: («فدَخَلَ مَشرُبةً له فاعتَزَلَ فيها)» وفيه: ((فجئت المشرُبةَ التي هو فيها فقلت لغلام أسوَدَ: استأذِن لعُمر)) الحديث، والمراد بالمشرُبة: الغُرفة العالية، فأراد بإيراد حديث أنس أنَّها كانت عاليةً، وإذا جازَ اتِّخاذ الغُرفة (١) بل لم يسلم له الشِّقان، فقد أخرج الحديث أبو داود (١٨٧٨) وابن ماجه (٢٩٤٧) من طريق محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة - وليس عن ابن عباس - قالت: لمّا اطمأنَّ رسول الله بَل﴿ بمكة عام الفتح طاف على بعیر یستلم الركن بمحجنٍ في يده، قالت: وأنا أنظر إليه. ٤٤ باب ٢٥ / ح ٢٤٦٧ - ٢٤٦٩ فتح الباري بشرح البخاري ١١٧/٥ العالية/ جازَ اتّخاذ غير العالية من باب الأوْلى، وأمَّا المشرفةُ فحُكمُها مُستَفاد من حديثٍ أسامةَ الذي صَدَّرَ به الباب، والله أعلم. وأظنُّ البخاري تأسّی بعُمر حيثُ ساق الحديثَ كلّه، وكان يكفيه في جواب سؤال ابن عبَّاس أن يَكتَفي بقول: عائشة وحفصَة، كما كان يَكفي البخاري أن يَكتَفي بقوله مثلاً: ودَخَلَ النبيِّهِمَشرُبةً له فاعتَزَلَ فيها، كما جَرَت به عادتُه، والله أعلم. وقوله في حديثٍ عمرَ: ((وا عَجَباً)) بالتنوين، وأصلُه ((و)) التي للنُّدبة وجاء بعده: ((عَجَبا)) للتَّأكيد. وفي رواية الكُشْمِيهني: ((وا عَجَبي))، قال ابن مالك: فيه شاهدٌ على استعمال ((وا)) في غير النُّبة، وهو رأيُ المَبَرِّد، قيل: إنَّ عمرَ تَعجَّبَ من ابن عبّاس كيف خَفيَ عليه هذا مع اشتهاره عنده بمَعرِفة التفسير، أو عَجِبَ من حِرصِه على تحصيل التفسير بجميع طرقه حتَّى في تسمية مَن أُبهمَ فيه، وهو حُجَّةٌ ظاهرةٌ في السُّؤال عن تسمية مَن أُبِهِمَ أو أُهِلَّ. وقوله: «كنتُ وجارٌ لي)) بالرفع للأكثر، ويجوز النَّصب. وقوله فيه: ((تَنعَل النِّعالَ)) أي: تَضِرِبها وتُسَوّيها، أو هو مُتعدٍّ إلى مفعولَين فحذف أحدهما والأصل: تُنْعِل الدَّوابَّ الِّعالَ، ورُوي ((البِغال)) بالموخَّدة والمعجَمة، وسيأتي في النِّكاح (٥١٩١) بلفظ: تنعل الخيل. وقوله: ((فأفزَعَني)) أي: القول، وللكشميهني: ((فأفزَعنَني)) بصيغَة جمع المؤنَّث. وقوله: ((خَابَت مَن فَعَلَت منهنَّ))، في رواية الكشميهني: جاءت مَن فَعَلَت منهنَّ بعظيمِ. وقوله: ((على رِمال)) بكسر الراء ويجوز ضَمّها، يقال: رَمَلَ الحَصِيرَ: إذا نَسَجَه، والمراد ضُلوعه المتداخِلة بمَنزِلة الخيوط في الثَّوب المنسوج، وكأنَّه لم يكن فوق الحصير فراش ولا غيره، أو كان بحيث لا يَمنَع تأثير الحصیر. قوله: ((فقلت وأنا قائم: أستأنِس)) أي: أقول قولاً أستَكشِف به هل يَنبَسِط لي أم لا؟ ويكون أوَّل كلامه: ((يا رسول الله، لو رأيتني)) ويُحتَمَل أن يكون استفهاماً محذوف الأداة، ٤٥ باب ٢٦-٢٧ / ح ٢٤٧٠ - ٢٤٧١ كتاب المظالم أي: أَأستأنِسُ يا رسول الله؟ ويكون أوَّل الكلام الثاني: ((لو رأيتَني)) ويكون جواب الاستفهام محذوفاً واكتَفى فيما أراد بقَرِينة الحال. وقوله: ((أَهَبة)) بفتح الهمزة والهاء ويجوز ضَمّها. وقوله: ((إنّا أصبَحْنا بتسعٍ)) في رواية الكشميهني: لتِسعِ. ٢٦ - باب من عَقَلَ بعيره على البلاط أو باب المسجد ٢٤٧٠- حدَّثنا مُسلِمٌ، حدَّثنا أبو عَقيلٍ، حذَّثنا أبو المتوكّلِ النّاجِيُّ، قال: أتيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: دَخَلَ النبيُّ ◌َِّ المسجدَ، فدَخَلْتُ إليه وعَقَلْتُ الجملَ في ناحيةِ البَلاط، فقلتُ: هذا جَلُكَ، فخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بالجملِ قال: ((الجملُ والثَّمَنُ لكَ)). قوله: ((باب مَن عَقَلَ بعيرَه على البلاط)) بفتح الموحّدة: وهي حِجارةٌ مفروشَةٌ كانت عند باب المسجد. وقوله: ((أو باب المسجدِ)) هو بالاستنباط من ذلك، وأشار به إلى ما وَرَدَ في بعضٍ طرقه. وأورَدَ فيه طَرَفاً من حديثٍ جابر في قِصَّة جمله الذي باعه النبي ◌ِِّ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوقَى في كتاب الشُّروط (٢٧١٨)، وغَرَضه هنا قوله: ((وعَقَلتُ الجملَ في ناحية البَلاط)» فإنَّه يُستَفادُ منه جواز ذلك إذا لم يحصُل به ضَرَر. تنبيه: أبو عَقِيل - بفتح المهمَلة بعدَها قاف -: اسمه بَشِير - بفتح أوَّله وبالمعجَمة - بن عُقْبة، وسيأتي في الشَّرِكة قريباً (٢٥٠١، ٢٥٠٢) زُهْرة بن مَعبَد وكُنيته أبو عَقِيل أيضاً، وهو غيرُ هذا. ٢٧ - باب الوقوفِ والبولِ عند سُبَاطة(١) قومٍ ٢٤٧١ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، عن شُعْبةَ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن خُذَيفَ ◌َُه قال: لقد رأيتُ رسولَ الله وََّ، أو قال: لقد أتى النبيُّ وَّ سُباطةَ قومٍ فبالَ قائماً. (١) السُّباطة: الموضع الذي يُرمى فيه التراب والأوساخ وما يُكنس من المنازل. ٤٦ باب ٢٨-٢٩ / ح ٢٤٧٢ - ٢٤٧٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الوقوف والبَوْل عند سُباطَة قوم)) أورَدَ فيه حديث حُذَيفة في ذلك، وقد ١١٨/٥ تقدَّم شرحُه مُستَوفّى في كتاب الطَّهارة (٢٢٥٠٢٢٤)، وجاز البَول في السُّباطة وإن كانت لقومٍ بأعيانهم؛ لأنَّهَا أُعِدَّت لإلقاء النَّجاسات والمستَقذَرات. ٢٨ - باب من أخذ الغُصْنَ وما يؤذي الناس في الطريق فرمی به ٢٤٧٢ - حدَّثنا عبدُ الله بن يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((بينما رجلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ على الطريق، فأخذَه، فشَكَرَ اللهُ له فغَفَرَ له)). قوله: ((باب مَن أخذَ الغُصْن وما يُؤْذي النّاس في الطَّريق فرمى به)» في رواية الكُشْمِيهني: ((مَن أَخَّرَ )) بتشديد المعجَمة بعدها راء. وأورَدَ فيه حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ: ((غُصن شَوك)) وفي حديث أنس عند أحمد (١٢٥٧١): ((أنَّ شَجَرةً كانت على طريق الناس تُؤذيهم فأتى رجلٌ فَعَزَلها))، وقد تقدَّم في أواخِر أبواب الأذان (٦٥٢) مع الكلام عليه. وقوله: ((فَغَفَرَ له)) وقع في حديثِ أنسٍ المذكور: ((ولقد رأيته يَتَقَلَّبُ في ظِلِّها في الجنَّة)). ويُنظَرِّ في هذه التَّرجمة وفي التي قبلها بثلاثة أبوابٍ وهي إماطة الأذى، وكأنَّ تلكَ أعمّ من هذه لعَدَمِ تَقْبِيدِها بالطَّريقِ وإن تَساوَيا في فضل عموم المُزال، وفيه أنَّ قليل الخير يحصُل به كثير الأجر. قال ابن المنيِّر: إنَّمَا تَرجَمَ به لئلا يُتخيَّلِ أنَّ الرَّمَيَ بالغُصن وغيره ممّا يُؤذي تصرُّفُ في مِلكِ الغير بغير إذنِهِ فَيَمتَنِعِ، فأراد أن يُبيِّنَ أنَّ ذلك لا يَمْتَنِعُ، لما فيه من النَّدبِ إليه، وقد روى مسلم (٢٦١٨) من حديث أبي بَرِزَةَ قال: قلت: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ أَنتَفِعُ به، قال: ((اعزِلِ الأذى عن طريق المسلمين)). ٢٩ - باب إذا اختلفوا في الطريق الميتاءِ - وهي الرَّحْبة تكون بين الطريقين - ثم يريد أهلُها البُنيانَ، فتُركَ منها الطريق سبعةَ أذرُع ٢٤٧٣ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، عن الزُّبَيرِ بنِ خِرِّيتٍ، عن ٤٧ باب ٢٩ / ح ٢٤٧٣ كتاب المظالم عِكْرِمةَ، سمعتُ أبا هريرةَ ﴾ قال: قَضَى النبيُّ ◌َ إذا تَشَاجَرُوا في الطّرِيق بسَبْعةِ أَذْرُعٍ. قوله: ((باب إذا اختلفوا في الطَّريقِ المِيتاء)) بكسر الميمِ وسكون التَّحتانية بعدَها مُثنّاة ومَّ بوزن مِفعال من الإتيان، والميم زائدة، قال أبو عَمْرو الشَّيباني: الميتاءُ أعظَم الطّرقِ وهي التي يَكثُر مرور الناس بها. وقال غيره: هي الطَّريقُ الواسعةُ، وقيل: العامرة. قوله: ((وهي الرَّحْبةُ تكون بين الطَّريقَينِ ثمَّ يريدُ أهلُها البُنْيان ... )) إلى آخره، وهو مَصِيرٌ منه إلى اختصاص هذا الحكم بالصّورة التي ذكرها، وقد وافقَه الطَّحَاوي على ذلك فقال: لم نَجِد لهذا الحديث معنَى أوْلى من حَملِه على الطَّريقِ التي يُرادُ ابتِداؤُها إذا اختلفَ مَن يَبتَدِّثُها في قَدْرها كَبلدٍ يَفْتَحُها المسلمون وليس فيها طريق مسلوك، وكمَواتٍ يُعطيه الإمامُ لمن يُحييها إذا أراد أن يجعلَ فيها طريقاً للمارَّة ونحو ذلك. وقال غيره: مُرادُ الحديث أنَّ أهلَ الطَّريقِ إذا تَراضَوا على شيءٍ كان لهم ذلك، وإن اختلفوا جُعِلَ سبعةَ أذرُع، وكذلك الأرض التي / تُزرَعُ مثلاً إذا جَعَلَ أصحابُها فيها طريقاً ١١٩/٥ كان باختيارهم، وكذلك الطَّريق التي لا تُسلَك إلَّا في النادرِ يُرجَعُ في أفنيتِها إلى ما يَتَراضى علیه الجيران. قوله: ((عن الزُّبَير بن خِرّيت)) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراءِ المكسورة بعدَها تحتانية ساكِنِة ثمَّ مُثنّاة، بصريّ ما له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين في التفسير (٤٦٥٣ و٤٨٩٣) وآخر في الدَّعوات (٦٣٣٧)، وقد أورَدَ ابن عَديٍّ هذا الحديثَ في أفراد جَرِير بن حازم راويه عن الزُّبَير هذا، فهو من غرائب ((الصحيح)) ولكنَّ شاهدَه في مسلمٍ من حديثٍ عبد الله بن الحارث عن ابن عبّاس(١)، وعند الإسماعيلي من طريق وَهب بن جَرِیر عن أبيه: سمعت الزُّبیر. قوله: ((إذا تَشاجَروا)) تَفاعلوا من المشاجرة بالمعجَمة والجيم، أي: تَنازَعوا، وللإسماعيلي: (١) بل هو عند مسلم (١٦١٣) من حديث عبد الله بن الحارث عن أبي هريرة، وليس عن ابن عباس، وستأتي الإشارة إليه مرة أخرى على الصواب بعد قليل. أما حديث ابن عباس فهو عند ابن ماجه (٢٣٣٩) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عنه، وستأتي الإشارة إليه بعد قليل أيضاً. ٤٨ باب ٢٩ / ح ٢٤٧٣ فتح الباري بشرح البخاري ((إذا اختلفَ الناس في الطَّريقِ))، ولمسلم (١٦١٣) من طريق عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة: ((إذا اختلفتُم))، وأخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٥٥٤٧) وأبو داود (٣٦٣٣) والتِّرمِذي (١٣٥٦) وابن ماجَهْ (٢٣٣٨) من طريق بُشير بن كعب - وهو بالتَّصغير والمعجَمة - عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا اختلفتُم في الطَّريقِ فاجعَلوه سبعة أذرُع)) ومِثْلُه لابن ماجَهْ (٢٣٣٩) من حديثِ ابن عبّاس. قوله: ((في الطَّريقِ)) زاد المستَمْلي في روايته: ((المِيتاءِ)) ولم يُتَابَع عليه، وليست بمحفوظَةٍ في حديث أبي هريرة، وإنَّما ذكرها المؤَلِّفُ في التَّرجمة مُشيراً بها إلى ما وَرَدَ في بعضٍ طرق الحديث كَعادتِهِ، وذلك فيما أخرجه عبد الرَّزّاق(١)، عن ابن عبّاس، عن النبي وَّ: ((إذا اختلفتُم في الطَّريقِ المِيتاء فاجعَلوها سبعةَ أذرُع))، وروى عبد الله بن أحمد في ((زيادات المسند)» (٢٢٧٧٨) والطَّبَري من حديثِ عُبادة بن الصَّامتِ قال: ((قضى رسولُ الله ◌ِوَليه في الطَّريقِ المِيتاء)) فذكره في أثناءِ حديث طويلٍ، ولابن عَديٌّ(٢) من حديثِ أنس: ((قضى رسولُ اللهِ وَّهِ فِي الطَّريقِ المِيتاء التي تُؤتى من كلِّ مكان)) فذكره، وفي كلٍّ من الأسانيد الثلاثة مقالٌ. قوله: ((بسَبْعِةِ أَذْرُع)) الذي يَظهَرُ أنَّ المراد بالذِّراعِ ذِراع الآدمي فيُعتَبرُ ذلك بالمعتَدِل، وقيل: المراد بالذُّراعِ ذِراع البُنيان المتعارَف، قال الطَّبَري: معناه: أن يُجُعَلَ قَدرُ الطَّريق المشتَرَكة سبعة أذرُع ثمَّ يَبقى بعدَ ذلك لكُلّ واحدٍ من الشُّرَكاءِ في الأرضِ قَدرُ ما يَنْتَفِعُ به ولا يَضُرُّ غيرَه، والحِكمة في جَعلِها سبعة أذرُع لتَسلُكها الأحمال والأثقال دخولاً وخروجاً، ويَسَعُ ما لا بُدَّلهم من طَرحِه عند الأبواب، ويَلتَحِقُ بأهل البُنيان مَن فَعَدَ للبيعِ في حافّة الطَّريق، فإن كان الطَّريقُ أزيَدَ من سبعة أذرُع لم يُمنَع من القُعودِ في الزّائد، وإن (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه))، وأخرجه بهذا اللفظ من طريقه البيهقيُّ في ((الكبرى)) ٦٩/٦، وبنحوه أحمد في «مسنده)) (٢٨٦٥). (٢) في ((الكامل)) ٣٣٩/٤. ٤٩ باب ٣٠ / ح ٢٤٧٤ -٢٤٧٥ كتاب المظالم كان أقلَّ مُنِعَ لئلا يُضيِّقَ الطَّريقَ على غيره. ٣٠- باب الُّھبی بغير إذن صاحبه وقال عُبَادةُ: بايَعْنا النبيَّ ◌َّهِ أَن لا نَنْتَهِبَ. ٢٤٧٤ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عَدِيُ بنُ ثابتٍ، سمعتُ عبد الله بنَ يزيدَ الأنصاريَّ - وهو جَدُّه أبو أُمُّه - قال: نهى النبيُّمنَِّ عن النُّهَبَى والمُثْلِةِ. [طرفه في: ٥٥١٦] ٢٤٧٥- حدَّثنا سعيدُ بنُّ عُفَيرٍ، قال: حدَّثْنِي اللَّيْثُ، حدَّثْنَا عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّ: (( لا يَزْنِي الزّاني حينَ يَزْني وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْةً يَرفَعُ النّاسُ إليه فيها أبصارَهم حينَ يَنتَهِبُها وهو مُؤْمِنٌ)). وعن سعيدٍ وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وََّ مِثْلَه إلا النُّهْبَةَ. قال الفِرَبْريُّ: وَجَدْتُ بِخَطٍّ أبي جعفرٍ: قال أبو عبدِ الله: تفسيرُه: أن يُنزَعَ منه نُورُ الإيمانِ. [أطرافه في: ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠] قوله: ((باب النُّهْبى بغير إِذْن صاحبه)) أي: صاحب الشيءٍ المنهوب، والنَّهْبى بضمِّ النّون: ١٢٠/٥ فُعْلى مَن النَّهب: وهو أخذُ المرءِ ما ليس له جِهاراً، ونَهبُ مال الغير غير جائز، ومفهوم التَّرجمة أنَّه إذا أذِنَ جاز، ومَحَلّه في المنهوب المُشاع كالطَّعام يُقدَّمُ للقومِ، فَلِكُلّ منهم أن يأكلَ(١) مَمَّا يَليه ولا يَجذِب من غيره إلَّا بِضاه، وبنحوِ ذلك فسَّرَه النَّخَعي وغيره. وكَرِهَ مالك وجماعة النَّهبَ في نِثار العُرس، لأنَّه إمَّا أن يُحمَلَ على أنَّ صاحبَه أذِنَ للحاضرينَ في أخذِه فظاهرُه يقتضي التَّسويةَ، والنَّهبُ يقتضي خِلافَها، وإمَّا أن يُحمَلَ على (١) في (س): يأخذ. ٥٠ باب ٣٠ / ح ٢٤٧٥ فتح الباري بشرح البخاري أَنَّه عَلَّقَ الثَّمليكَ على ما يَحَصُلُ لكُلِّ أحد، ففي صِحَّتِه اختلاف، فلذلك کَرِهَه. وسيأتي لذلك مَزِيد بيان في أوَّل كتاب الشَّركة (٢٤٨٣-٢٤٨٦) إن شاء الله تعالی. قوله: ((وقال عُبادة: بايَعْنا النبي ◌ِِّ على أن لا نَنتَهِبَ)) هذا طَرَف من حديثٍ وَصَلَه المؤَلِّفِ في ((وُفودِ الأنصار)) (٣٨٩٣)، وقد تقدَّمت الإشارة إليه في أوائل كتاب الإيمان (١٨)، وكان من شَأْن الجاهلية انتهاب ما تَحَصُل لهم من الغارات، فوقعت البيعةُ على الَّجرِ عن ذلك. قوله: (سمعت عبد الله بن یزید)) کذا للأكثر، وللگُشْمِیھَني وحدَه: ابن زيد، وهو تصحيف. قوله: ((وهو)) يعني: عبد الله ((جَدُّه)) أي: جَدّ عَديٍّ لأُمِّه، واسم أُمُّه فاطمة، وتُكْنِى أُمَّ عَدي، وعبد الله بن يزيد: هو الخَطْمي، مضى ذكرُه في الاستسقاءِ (١٠٢٢)، وليس له عن النبي وَّ في البخاري غير هذا الحديث، وله فيه عن الصحابة غير هذا. وقد اختُلِفَ في سماعِه من النبي ◌َّةِ، وروى هذا الحديثَ يعقوب بن إسحاق الحَضرَمي عن شُعْبة فقال فيه: ((عن عدي عن عبد الله بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري)) أشار إليه الإسماعيلي، وأخرجه الطبراني (٣٨٧٢)، والمحفوظ عن شُعْبة ليس فيه أبو أيوب. وفيه اختلافٌ آخرُ على عدي بن ثابت كما سيأتي في كتاب الذَّبائح (٥٥١٦). وفي النَّهي عن النُّهبة حديث جابر عند أبي داود (٤٣٩١) بلفظ: ((مَن انتَهَبَ فليس مِنّا))(١)، وحديث أنس عند التِّرمِذي (١٦٠١) مِثله، وحديث عمران عند ابن حِبَّان (٥١٧٠) مِثله، وحديث ثَعْلبة بن الحكم بلفظ: ((إنَّ النُّهبةَ لا تَحِلّ)) عند ابن ماجه (٣٩٣٨)، وحديث زيد بن خالد عند أحمد (١٧٠٥٢): نهى رسول الله وَ ل عن النُّهبة. قوله: ((عن النُّهبى والمُثْلِ) بضمِّ الميم وسكون المثلَّثة، ويجوزُ فتحُ الميم وضَمّ المثلّثة، وسيأتي شرحها في كتاب الذَّبائح إن شاء الله تعالى. (١) هذا لفظ حديث أنس عند الترمذي، وأما لفظ حديث جابر عند أبي داود فهو: ((ومن انتهب نُهبة مشهورة فليس منّا)». ٥١ باب ٣١ / ح ٢٤٧٦ كتاب المظالم ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديث: ((لا يَزني الزّاني حینَ یَزني وهو مُؤمِن)) الحدیث، وفيه: ((ولا يَنْتَهِبُ نُهبة يَرفَعُ الناسُ إليه فيها أبصارهم))، ومنه يُستَفادُ التَّقييد بالإذن في التَّرجمة؛ لأنَّ رفع البَصَر إلى المنتَهِبِ في العادة لا يكون إلَّا عند عَدَم الإذنِ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوَى في كتاب الحدود (٦٧٧٢) إن شاء الله تعالى. قوله: ((وعن سعيدٍ)) يعني: ابن المسيّب ((وأبي سَلَمة)) يعني: ابن عبد الرحمن ((عن أبي هريرة مِثله، إلَّا التُّهبة)) يعني: أنَّ الزُّهري روى الحديثَ عن هؤلاء الثلاثة عن أبي هريرة، فانفَرَدَ أبو بكر بن عبد الرحمن بزيادة ذكر النُّهبة فيه، وظاهره أنَّ الحديثَ عند عُقَيلٍ عن الزُّهري عن الثلاثة على هذا الوجه، وقد أخرجه في الحدود (٦٧٧٢) فقال فيه: ((عن ابن شِهَاب، عن سعيد وأبي سَلَمة مِثله إلَّا النُّهبة))، ورواه مسلم (١٠٢/٥٧) من طريق الأوزاعي عن الزُّهري عن الثلاثة بتمامه، وكأنَّ الأوزاعي ◌َلَ رواية سعيد وأبي سَلَمة على رواية أبي بكر، والذي فصَّلها أحفظُ منه، فهو المحفوظ، وسيأتي مزيد بيانٍ لذلك في كتاب الحدود، إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال الفِرَبْري: وَجَدْت بخَطّ أبي جعفر)) هو ابن أبي حاتم ورّاق البخاري، ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّفُ ((تفسيره)) أي: تفسير النَّفي في قوله: ((لا يَزني وهو مُؤمِن)): ((أن يُنزَعَ منه نورُ الإيمان (١)»/ وهذا التفسير تَلَقّاه البخاري من ابن عبّاس، فسيأتي في أوَّل ١٢١/٥ الحدودِ(٢): ((وقال ابن عبَّاس: يُنزَعُ منه نور الإيمان))، وسنذكر هناك مَن وَصَلَه ومَن وافقَه على هذا التَّأويلِ ومَن خالَفَه، إن شاء الله تعالى. ٣١- باب كسر الصليب وقتل الخنزير ٢٤٧٦- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّبِ، سمعَ أبا هريرةَ عُ، عن رسولِ اللهِ وَِّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَنْزِلَ فيكُمُ ابنُ (١) في (س): ((ينزع منه، يريد الإيمان)) قال القسطلّاني في ((إشاد الساري)): كذا في فرعين لليونينية، وروايته فيها عن المستملي بلفظ ((يريد)) من الإرادة، وقال في ((فتح الباري)): نور الإيمان. (٢) بين يدي الحديث (٦٧٧٢). ٥٢ باب ٣٢ / ح ٢٤٧٧ فتح الباري بشرح البخاري مريمَ حَكماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْبةَ، ويَفِيضَ المالُ حتَّى لا يقبله أحدٌ)). قوله: ((باب كسر الصَّليبٍ وقَتْل الخِنْزِيرِ)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة: ((يَنزِلُ ابن مريمَ)» وسيأتي شرحُه في أحاديثِ الأنبياءِ (٣٤٤٨)، وقد تقدَّم من وجهٍ آخرَ في ((باب مَن قَتَلَ الخِنزير)) في أواخِر البيوعِ (٢٢٢٢). وفي إيراده هنا إشارة إلى أنَّ مَن قَتل خِنزيراً أو كَسر صَليباً لا يَضمَنُ؛ لأنَّه فَعَلَ مأموراً به، وقد أخبر عليه الصّلاةُ والسلامُ بأنَّ عيسى عليه السلام سيفعلُه، وهو إذا نزل كان مُقرِّراً لشَرع نبينا وَّةِ، كما سيأتي تقريرُه إن شاء الله تعالى. ولا يخفى أنَّ مَحَلّ جواز كسر الصَّليبِ إذا كان مع المحاربينَ، أو الذِّمَي إذا جاوَزَ به الحدَّ الذي عُوهِدَ عليه، فإذا لم يتجاوز وكَسَرَه مسلم كان مُتَعدّياً، لأنَّهم على تقريرهم على ذلك يُؤَدّون الجِزِيةَ، وهذا هو السِّرُّ في تَعميمِ عيسى كسرَ كلِّ صليبٍ؛ لأنَّه لا يقبلُ الجِزِيةَ، وليس ذلك منه نَسْخاً لشرع نبيِّنا محمد مَّه بل الناسخ هو شَرعُنا على لسان نبيِّنا لإخباره بذلك وتقريره. ٣٢- باب هل تُكسر الدِّنان التي فيها خرٌّ أو تُخُرَّق الزِّقاق؟ فإن كَسَر صنماً أو صَليباً أو طُنبوراً أو ما لا يُنتَفَع بخشبه وَأُنِيَ شُرَيِحٌ فِي طُبُورٍ كُثِرَ، فلم يَقْضٍ فيه بشيءٍ. ٢٤٧٧ - حدَّثنا أبو عاصم الضَّحّاكُ بنُ تَخَلَدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبَيْدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ لَهُ: أَنَّ النبيَّ ◌َرَ أَى نِيراناً تُوقَدُ يومَ خيبرَ فقال: ((علامَ تُوقَدُ هذه النِّيرانُ؟)) قال: على الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، قال: ((اكْسِرُوها وهَرِيقوها)) قالوا: ألا نُهَرِيقُها ونَغسِلُها؟ قال: ((اغْسِلُوا)). قال أبو عبدِ الله: كان ابنُ أُوَيسِ يقول: ((الحُمُرُ الأَنَسِيَّةِ))، بنصب الألف والنون. [أطرافه في: ٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١، ٦٨٩١] قوله: ((باب هل تُكسَر الدِّنان التي فيها خمر أو تُخُرَّقُ الزِّقاق؟» لم يُبيِّ الحكم؛ لأَنَّ المعتمدَ ١٢٢/٥ ٥٣ باب ٣٢ / ح ٢٤٧٧ كتاب المظالم فيه التَّفصيل: فإن كانت الأوعيةُ بحيثُ يُراقُ ما فيها وإذا غُسِلَت طَهُرَت وانتُفِعَ بها، لم يَحُزُ إتلافها وإلَّ جازَ، وكأنَّه أشار بكسر الدِّنان إلى ما أخرجه التِّرمِذي (١٢٩٣) عن أبي طلحة قال: يا نبي الله، اشتريت خَمراً لأيتام في حِجري. قال: ((أهرِق الخمرَ واكسِر الدِّنان))، وأشار بتخريق الزِّقاق إلى ما أخرجه أحمد (٥٣٩٠ ,٦١٦٥) عن ابن عمر قال: أخذَ النبي ◌َّ- شَفرةً وخَرَجَ إلى السّوقِ وبها زِقاق خمر جُلِبَت من الشّام، فشَقَّ بها ما كان من تلكَ الزِّقاق؛ فأشار المصنّف إلى أنَّ الحديثين إن ثَبَتَا فإنَّمَا أمَرَ بكسر الدِّنان وشَقِّ الزّقاق عقوبةً لأصحابها، وإلَّا فالانتفاع بها بعدَ تطهيرها مُمكِن كما دَلَّ عليه حديث سَلَمة أوَّل أحاديث الباب. قوله: ((فإن كَسَرَ صَنَماً أو صَليباً أو طُنْبوراً أو ما لا يُنتَفْعُ بَخَشَبِهِ)) أي: هل يَضمَنُ أم لا؟ أمَّ الصَّنَمُ والصَّليبُ فمعروفان يُتَّخذان من خَشَبٍ ومن حديدٍ ومن نُحاسٍ وغير ذلك. وأمَّا الُّنبورُ: فهو بضمِّ الطاءِ والموحّدة بينهما نون ساكنة، آلة من آلات الملاهي معروفة، وقد تُفتَحُ طاؤه. وأمَّا ما لا يُنْتَفعُ بخَشَبِهِ، فبينه وبين ما تقدَّم خصوص وعُموم. وقال الكِرْماني: المعنى: أو كَسَرَ شيئاً لا يجوزُ الانتفاع بخَشَبه قبلَ الكسر كآلة الملاهي، يعني: فيكون من العامّ بعد الخاصّ، قال: ويُتَمل أن يكون ((أو)) بمعنى حتَّى، أي: كَسَرَ ما ذُكِرَ إلى حَدٍّ لا يُنْتَفَعُ بخَشَبِهِ، أو هو عَطف على محذوف تقديره: كَسَرَ كَسراً يُنْتَفْعُ(١) بِخَشَبِهِ ولا يُنتَفع به بعدَ الكسر. قلت: ولا يخفى تكلّف هذا الأخير وبُعْد الذي قبلَه. قوله: ((وأُتِيَ شُرَيح في طُنْبورٍ كُسِرَ فلم يَقْضِ فيه بشيء)) أي: لم يُضَمِّن صاحبه، وقد وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٧/ ٣١٢) من طريق أبي حَصينٍ، بفتح أوَّله بلفظ: ((أنَّ رجلاً كَسَرَ ◌ُنبوراً لرجلٍ فَرَفَعَه إلى شُرَيح فلم يُضَمِّنه شيئاً». ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث: (١) كذا في الأصلين على الصواب، وفي (س): ((لا ينتفع)) بزيادة ((لا)) قبل الفعل، ولا يستقيم بها المعنى المراد بعد التقدير المذكور. وانظر ((عمدة القاري)) ٢٩/١٣. ٥٤ باب ٣٢ / ح ٢٤٧٨ فتح الباري بشرح البخاري أحدها: حديث سَلَمة بن الأكوعِ في غسلِ القُدورِ التي طُبِخَت فيها الخمر، وسيأتي الكلامُ عليه مُستَوَى في كتاب الذَّبائح (٥٤٩٧) إن شاء الله تعالى. وهو يُساعِدُ ما أشَرت إليه في التَّرجمة من التَّفصيل. قال ابن الجَوْزي: أراد التَّغليظ عليهم في طَبخِهم ما نُهيَ عن أكلِه، فلمَّا رأى إذعانهم اقْتَصَرَ على غَسلِ الأواني، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ دِنانَ الخمر لا سبيلَ إلى تطهيرها لمَا يُداخِلُها من الخمر، فإنَّ الذي داخَلَ القُدورَ من الماء الذي طُبِخَت به الخمر نَظيرُه(١)، وقد أَذِنَ وَّهِ فِي غَسلِها، فدَلَّ على إمكان تطهيرها. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّفُ ((كان ابن أبي أويس)) يعني: شيخَه إسماعيل. قوله: ((الأَنَسِيَّة، بنَصْب الألف والنّون)) يعني: أنَّهَا نُسِبَت إلى الأَنَس - بالفتح - ضدَّ الوَحْشة، تقولُ: آنَسْتُهُ أَنَسةً وأَنساً بإسكان النّون وفتحِها، والمشهور في الرِّوايات بكسر الهمزة وسكون النّون نسبة إلى الإنسِ، أي: بني آدمَ؛ لأَنَّها تَأْلَفُهم، وهي ضِدُّ الوَحْشيّة. تنبيه: ثبت هذا التفسير لأبي ذرِّ وحدَه، وتَعبيره عن الهمزة بالألِفِ وعن الفتحِ بالنَّصبِ جائز عند المتقَدِّمينَ، وإن كان الاصطلاح أخيراً قد استَقَرَّ على خِلافه، فلا يُبادَرُ إلى إنكاره. ٢٤٧٨ - حذَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عن أبي مَعمَرٍ، عن عبدِ الله بنِ مَسْعُودٍ ﴾، قال: دَخَلَ النبيُّ نَّهِ مِكَّةَ وحَوْلَ الكَعْبةِ ثلاثُ مِئٍ وسِتُّونَ نُصُباً، فجَعَلَ يَطْعُنُها بُعُودٍ فِي يَدِهِ وَجَعَلَ يقول: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١]. [طرفاه في: ٤٧٢٠،٤٢٨٧] ثانيها: حديث ابن مسعود في طَعْن الأصنام، وسيأتي الكلامُ عليه في غزوة الفتح (٤٢٨٧). قوله: «يَطْعُها)» بفتح العين وبضمِّها، قال الطبري: في حديث ابن مسعود جواز كسر (١) في (س): ((يطهِّره))، وهو تحريف يفسد المعنى المراد من السياق، وصوابه ما أثبتناه من الأصلين، إذ المراد أن الماء حين خالط الخمرَ في القدور أصبح مثلها في النجاسة. ٥٥ باب ٣٢ / ح ٢٤٧٩ - ٢٤٨٠ كتاب المظالم ١٢٣/٥ آلات الباطلِ وما لا يَصلُحُ إلَّا في المعصية، حتَّى تَزِولَ/ هَيئَتُها ويُنتَفَع برُضاضها. ثالثها: حديث عائشة في هَتكِ السِّتِرِ الذي فيه التَّماثيل. ٢٤٧٩ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبَيَدِ الله بنِ عمَرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها كانتِ التَّخَذَت على سَهْوةٍ لها سِتْراً فيه تماثيلُ، فَهَتَكَه النبيُّ ◌َِّ فَاتَّخَذَت منه نُمْرُقتَينِ، فكانتا في البيتِ يجلسُ عليهما. [أطرافه في: ٥٩٥٤، ٥٩٥٥، ٦١٠٩] وسيأتي الكلامُ عليه في اللِّباس (٥٩٥٤) ونذكر فيه وجهَ الجمع بين قولها هنا: ((كان النبي ◌َّ يَتَّكِىُّ عليها)) وبين قولها في الطَّريقِ الأُخرى: ((ما بال هذه النُّمرُقة؟» قلت: اشتريتُها لتوَسَّدَها. قال: ((إنَّ البيتَ الذي فيه الصّورة لا تَدخُلُه الملائكة)). والسَّهْوةُ، بفتح المهمَلة وسكون الهاء: صُفَّة، وقيل: خِزانة، وقيل: رَفِّ، وقيل: طاقٌ يُوضَعُ فيه الشيء. قال ابن التِّين: قولها: ((فَتَكَه)) أي: شَقَّه، كذا قال، والذي يَظهَرُ أَنَّه نَزَعَه، ثمَّ هي بعدَ ذلك قَطَّعَته کما سيأتي توضیحه، إن شاء الله تعالى. ٣٣- باب من قائل دُون مالِه ٢٤٨٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا سعيدٌ - هو ابنُ أبي أيوبَ - قال: حدَّثني أبو الأسوَدِ، عن عِكْرِمةَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َلّ يقول: ((مَن قُتِلَ دُونَ ماله فهو شَهِيدٌ)). قوله: ((باب مَن قاتَلَ دونَ مالٍ)) أي: ما حُكمُه؟ قال القُرطُبي: ((دون)) في أصلِها ظَرف مكانٍ بمعنى تحت، وتُستَعمل للسَّبَبية على المجاز، ووجهه أنَّ الذي يُقاتل عن ماله غالباً إنَّما يجعلُه خَلفَه أو تحته ثمّ يُقاتل عليه. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن يزيد)) هو المقرِئُ، وأبو الأسوَد: هو محمد بن عبد الرحمن بن ٥٦ باب ٣٣ / ح ٢٤٨٠ فتح الباري بشرح البخاري نَوفَل الأسدي، ووقع منسوباً هكذا عند الإسماعيلي. قوله: ((عن عِكْرِمةَ)) في رواية الطَّبَري(١) عن أبي الأسوَد: ((أنَّ عِكْرمةَ أخبرە))، ولیس لعِكْرمةَ عن عبد الله بن عَمْرو - وهو ابن العاص - في ((صحيح البخاري)) غير هذا الحدیث الواحد. قوله: ((مَن قُتِلَ دونَ ماله فهو شهيدٌ)) قال الإسماعيلي: وكذا أخرجه البخاري. وكأنَّه كَتَبَه من حِفظه أو حدَّث به المقرِئ من حِفظه، فجاء به على اللَّفظِ المشهور، وإلَّا فقد رواه الجماعةُ عن المقرِيِ بلفظ: ((مَن قُتِلَ دون ماله مظلوماً فلَه الجنَّة)) قال: ومَن أتى به على غير اللَّفظِ الذي اعتيدَ فهو أَوْلى بالحفظ، ولا سيَّما وفيهم مِثلُ دُحَيم، وكذلك ما زادوه من قوله: ((مظلوماً)) فإنَّه لا بدَّ من هذا القَيد. وساقه من طريق دُخَيم وابن أبي عمر وعبد العزيز بن سلام. قلت: وكذلك أخرجه النَّسائي (٤٠٨٦) عن عُبيد الله بن فضالة عن المقرِئ، وكذلك رواه حَيوَة بن شُرَيح عن أبي الأسوَدِ بهذا اللَّفظِ، أخرجه الطَّري. نعم للحديثِ طريق أُخرى عن عِكْرمةَ أخرجها النَّسائي (٤٠٨٧) باللَّفْظِ المشهور، وأخرجه مسلم (١٤١) كذلك من طريق ثابت بن عِيَاض، عن عبد الله بن عَمْرو، وفي روايته قِصَّة قال: لمَّا كان بين عبد الله بن عَمْرو وبين عَنبَسة بن أبي سفيان ما كان، تَسَّروا(٣) للقتال، فَرَكِبَ خالد بن العاص إلى عبد الله بن عَمْرو فوَعَظَه، فقال عبد الله بن عَمْرو: أما عَلِمت ... فذكر الحديث، وأشار بقوله: ((ما كان)) إلى ما بيَّنْه حَيْوَة في روايته المشار إليها فإنَّ أوَّلها: أنَّ عاملاً لمعاوية أجرى عَيناً من ماءٍ ليسقيَ بها أرضاً، فدنا من حائطٍ الآلِ عَمرو بن العاص، فأراد أن يَخِرِقَه ليُجريَ العين منه إلى الأرض، فأقبَلَ عبد الله بن عَمْرو ومَواليه بالسِّلاح وقالوا: والله لا تَخْرِقون حائطَنا حتَّى لا يَبقى منّا أحد ... فذكر (١) في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) ٢/ ٧٩٤. (٢) تحرف لفظ ((تيسروا)) في (س) إلى: ((يشير)). وقال النووي في شرحه على مسلم: معنى («تيسّروا للقتال)»: تأهَّبوا وتهیؤوا. ٥٧ باب ٣٣ / ح ٢٤٨٠ كتاب المظالم الحديث، والعامل المذكور: هو عَنبَسة بن أبي سفيان كما ظَهَرَ من رواية مسلم، وكان عاملاً لأخيه على مَكَّةَ والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عَمْرو من ذلك لمَا يَدخُلُ عليه من الضَّرَرِ، فلا حُجَّةَ فيه لمن عارَضَ به حديث أبي هريرة فيمَن أراد أن يَضعَ جِذْعَه على جِدار جاره(١)، والله أعلم. وأخرجه النَّسائي من وجهَين آخرين، وأبو داود والِّرمِذي (١٤١٩) من وجهٍ آخرَ كلّهم عن عبد الله بن عَمْرو باللَّفظِ المشهورِ(٢)، وفي رواية لأبي داود (٤٧٧١) والِّرمِذي (١٤٢٠): / ((مَن أُريدَ مالُه بغير حقٍّ فقاتَلَ فقُتِلَ، فهو شهيد))، ولابن ماجَهْ (٢٥٨١) من ١٢٤/٥ حديثٍ ابن عمر نحوه، وكأنَّ البخاري أشار إلى ذلك في التَّرجمة لتَعبيره بلفظ: ((قاتَلَ))، وروى التِّرمِذي وبقية أصحاب ((السُّنَنِ)) من حديثٍ سعيد بن زيد نحوَه، وفيه ذكرُ الأهلِ والدَّمِ والدِّينِ(٣)، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجَهْ (٢٥٨٢): ((مَن أُريدَ ماله ظُلماً فَقُتِلَ فهو شهيد)). قال النَّوَوي: فيه جواز قتلِ مَن قَصَدَ أخْذَ المال بغير حقٍّ، سواء كان المالُ قليلاً أو كثيراً، وهو قول الجمهور، وشَذَّ مَن أوجَبَه، وقال بعض المالكية: لا يجوزُ إذا طلبَ الشيء الْخَفيف. قال القُرطُبي: سببُ الخِلاف عندنا هل الإذنُ في ذلك من باب تَغيير المنكَرِ فلا يَفتَرِقُ الحال بين القليلِ والكثير، أو من باب دَفع الضَّرَرِ فيختلفُ الحال؟ وحكى ابن المنذر عن الشّافعي، قال: مَن أُريدَ مالُه أو نفسُه أو حَرِيمُه فَلَه الاختيارُ أن يُكَلِّمَه أو يَستَغِيثَ، فإن مُنِعَ أو امتَنَعَ لم يكن له قتاله، وإلَّا فلَه أن يَدِفَعَه عن ذلك ولو أَتَّى على نفسِه، وليس عليه عَقْل ولا دِيَة ولا كَفّارة، لكن ليس له عَمْدُ قَتْله. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أنَّ الرَّجُلِ أن يدفعَ عَّا ذُكر إذا أُريدَ ظُلماً بغير (١) سلف برقم (٢٤٦٣). (٢) هو عند أبي داود (٤٧٧٢) باللفظ المشهور ولكن من حديث سعيد بن زيد، وأما حديث عبد الله بن عمرو فلم يخرجه عنه إلا باللفظ الذي سیشیر إلیه بعد قليل. (٣) أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، وابن ماجه (٢٥٨٠)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي (٤٠٩٥). ٥٨ باب ٣٤ / ح ٢٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري تفصيل، إلَّا أنَّ كلّ مَن يُحِفَظ عنه من علماء الحديث كالمجمِعِين على استثناءِ السُّلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصَّبرِ على جَوْره وترك القيام عليه (١). وفَرَّقَ الأوزاعي بين الحال التي للنّاس فيها جماعة وإمام فحَمَلَ الحديث عليها، وأمَّا في حال الاختلاف والفُرقة فليَستَسلِم ولا يُقاتل أحداً. ويَرِدُ علیه ما وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم (١٤٠) بلفظ: أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذَ مالي؟ قال: ((فلا تُعطِه)) قال: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قال: ((قاتِلْه(٢)) قال: أرأيتَ إن قَتَلَني؟ قال: ((فأنتَ شهيد)) قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال: ((فهو في النار)). قال ابن بطَّل: إنَّما أدخَلَ البخاري هذه التَّرجمة في هذه الأبواب ليبيِّن أنَّ للإنسان أن يَدفعَ عن نفسِه وماله ولا شيءَ عليه، فإنَّه إذا كان شهيداً إذا قُتِلَ في ذلك، فلا قَوَدَ علیه ولا دِيَةً إذا كان هو القاتل. ٣٤- باب إذا کَسر قَصْعةً أو شيئاً لغيره ٢٤٨١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان عندَ بعضٍ نِسائه، فأرسَلَت إحدَى أُمَّهات المؤمنينَ مَعَ خادِمٍ بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضَرَبَت بيَدِها فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فضَمَّها وجَعَلَ فيها الطَّعامَ وقال: (كُلُوا)) وحَبَسَ الرَّسُولَ والقَصْعةَ حتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعةَ الصَّحِيحةَ، وحَبَسَ المكسُورةَ. وقال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، حدَّثنا مُحميدٌ، حدَّثنا أنسُّ، عن النبيِّ يَّؤ. [طرفه في: ٥٢٢٥] قوله: ((باب إذا كَسَرَ قَصْعةً أو شيئاً لغيرهٍ) أي: هل يَضمَنُ المِثْلَ أو القيمة؟ قوله: ((إنَّ النبي ◌َِّ كان عند بعضِ نِسائِهِ)) في رواية التُّرمِذي (١٣٥٩) من طريق سفيان الثَّوري، عن حُميدٍ، عن أنس: ((أهدَت بعض أزواج النبي وَّ طعاماً في قَصعةٍ فضَرَبَت (١) انظر ما سيأتي في الفتن (٧٠٥٢ -٧٠٥٧). (٢) تحرف في (س) إلى: فاقتله. ٥٩ باب ٣٤ / ح ٢٤٨١ كتاب المظالم عائشةُ القَصعةَ بيدِها)) الحديث، وأخرجه أحمد (١٢٠٢٧) عن ابن أبي عدي ويزيد بن هارون، عن حُميدٍ به، وقال: أظنُّها عائشة. قال الطِّيِي: إِنَّا أُبَهَمت عائشة تَفخيماً لشَأْنِها، وإِنَّه ممّا لا يخفى ولا يَلتَبِسُ أنَّها هي؛ لأَنَّ الهدايا إنَّما كانت تُهدى إلى النبي ◌َّ في بيتها. قوله: ((فأرسَلَت إحدى أُمَّهات المؤْمِنينَ مع خادِمٍ)) لم أقف على اسم الخادم، وأمَّا المرسِلةُ فهي زينب بنت جحش، ذكره ابن حَزْمٍ في ((المحَلّى)) (٨/ ١٤١) من طريق اللَّيث بن سعد، عن جَرِير بن حازم، عن / حُميد: سمعت أنس بن مالك: أنَّ زينب بنت جَحْش أهدَت إلى ١٢٥/٥ النبي و ﴿ وهو في بيت عائشة ويومها جَفْنة من حَيْس ... الحديث، واستَفَدنا منه مَعرِفةً الطَّعام المذكور. ووقع قريبٌ من ذلك لعائشة مع أُمّ سَلَمة، فروى النَّسائي (٣٩٥٦) من طريق حمّاد بن سَلَمة، عن ثابتٍ، عن أبي المتوكّل، عن أُمّ سَلَمة: أنَّها أتت بطعامٍ في صَحفةٍ إلى النبي ◌َ عَلى الله وأصحابه، فجاءت عائشة مُتَّزِرة بكِساءٍ ومعها فِهْر(١) ففَلَقَت به الصَّحفة ... الحديث. وقد اختُلِفَ في هذا الحديث على ثابتٍ فقيل: عنه عن أنس، ورَجَّح أبو زُرعة الرَّازي فيما حَكاه ابن أبي حاتم في (العِلَلِ)) (٤٦٦/١) عنه رواية حَمَّاد بن سَلَمة، وقال: إنَّ غيرها خطأ، ففي («الأوسَطِ)) (٤١٨٤) للطَّبَراني من طريق عُبيد الله العُمري، عن ثابتٍ، عن أنس: أنَّهم كانوا عند رسولِ اللهِوَ له في بيت عائشة إذ أُتي بصَحفة خُبز ولحم من بيت أُمّ سَلَمة، قال: فَوَضَعْنا أيديَنا وعائشة تَصنَعُ طعاماً عَجِلةً، فلمَّا فَرَغنا جاءت به ورَفَعَت صَحْفةَ أُمّ سَلَمَة فَكَسَرَتها ... الحديث. وأخرجه الدّارَ قُطني (٤٣٠١) من طريق عِمران بن خالد، عن ثابتٍ، عن أنس قال: كان النبي ◌َّل﴾ في بيت عائشةَ معه بعض أصحابه يَنتَظِرون طعاماً فسَبَقَتها - قال ◌ِمران: أكثر ظَنّي أنَّها حفصة - بصَحفةٍ فيها ثَريد فَوَضَعتها فخَرَجَت عائشةُ - وذلك قبلَ أن يَحَتجبنَ - فضَرَبَت بها فانكَسَرَت ... الحديث. ولم يُصِب (١) الفِهِر: الحَجَر قَدْر ما يُدَقُّ به الجوز ونحوه، أو ما يملأ الكف، والجمع: أفهار. ٦٠ باب ٣٤ / ح ٢٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري عِمرانُ في ظنّه أنَّها حفصَة بل هي أُمّ سَلَمة كما تقدَّم. نعم وقعت القِصَّةُ لحفصة أيضاً وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة (٢١٥/١٤ -٢١٦) وابن ماجَهْ (٢٣٣٣) من طريق رجلٍ من بني سُوَاءة غير مُسَمَّى عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّل مع أصحابه فصَنَعتُ له طعاماً، وصَنَعَت له حفصةُ طعاماً فسَبقَتني، فقلت للجارية: انطَلِقي فأكفِئِي قَصعَتها، فأكفَأَتْها فانكَسَرَت وانتَشَرَ الطَّعام فجَمعَه على النِّطْعِ فأكَلوا، ثمَّ بَعَث بقَصعَتي إلى حفصةَ فقال: ((خُذوا ظَرفاً مكان ظَرفِكُمْ)) وبقية رجاله ثِقات، وهي قِصَّةٌ أُخرى بلا رَيْب؛ لأَنَّ في هذه القِصَّة أنَّ الجاريةَ هي التي كَسَرَت الصَّحفة، وفي الذي تقدَّم أَنَّ عائشةَ نفسها هي التي کسرَتها. وروى أبو داود (٣٥٦٨) والنَّسائي (٣٩٥٧) من طريق جَسْرة، بفتح الجيمِ وسكون المهمَلة، عن عائشة قالت: ما رأيت صانعة طعاماً مِثلَ صفيّة، أهَدَت إلى النبي ◌َّهِ إناءً فيه طعام، فما مَلَكتُ نفسي أن كسرتُه فقلت: يا رسول الله، ما كَفّارته؟ قال: ((إناءٌ كإناءٍ وطعامٌ كطعام)) إسناده حسن، ولأحمد (٢٦٣٦٦) وأبي داود عنها: فلمَّا رأيت الجاريةَ أخذتني رِعْدة(١)، فهذه قِصَّة أُخرى أيضاً. وتَحَرَّرَ من ذلك أنَّ المراد بمَن أُبهمَ في حديثِ الباب هي زينبُ، لمجيءٍ الحديث من تَخَرَجِه وهو حُميدٌ عن أنس، وما عدا ذلك فقَصَصٌ أُخرى لا يَليقُ بمَن يُحقِّقُ أن يقولَ في مِثلٍ هذا: قيل: المرسِلة فلانة، وقيل: فلانة ... إلى آخره، من غير تحرير. قوله: ((بقَصْعة)) بفتح القاف: إناءٌ من خَشَب، وفي رواية ابن عُليَّة في النِّكاح عند المصنِّفِ (٥٢٢٥): ((بصَحفة)) وهي قَصْعةٌ مبسوطةٌ وتكون من غير الخَشَب. قوله: ((فضَرَبَت بيدِها فكَسَرَتِ القَصْعَةَ)) زاد أحمد (١٢٠٢٧): ((بنِصِفَينٍ))، وفي رواية أُمّ سَلَمة عند النَّسائي (٣٩٥٦): فجاءت عائشة ومعها فِهْر ففَلَقَت به الصَّحْفة، وفي رواية ابن عُلِيَّة: فضَرَبَت التي في بيتها يد الخادم فسَقَطَت الصَّحفة فانفَلَقَت؛ والفَلْق بالسُّكون: الشَّقّ، (١) هذا اللفظ لیس عند أبي داود.