النص المفهرس

صفحات 1-20

فَبَعُ النَّارِى
بشرح صحيح البُخَارِيّ
تأليف
الإِكَّامِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أحَ بِنْ عَلَّ بْنِ حَجَرِ السَّقَلَانيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أُشْرفَ على تحقيق الكتَّابُ ورَاحَعه
شُغَيْب الأهووط عادكٌ مُّشْد
شارك في تخريج نصوصه
حقّقٍ هَذّا الجَزِءِ وخّصَهُ وعَلّ عَلَيْ
هَيْم ◌َعَبْ الفَّفورْ
سليمِ عَامِرْ
الجُزِّءُ الثّامِنْ
الرسالة العالمية

0
-
-3

فَبَُّ النَّطَرِي
بشرّح صحِيُّح البُخاريّ
٨

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع و الحاسوبي وغيرها الا بادن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
http://www.resalabonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039- 818615
P.O. BOX:117460
بسـ
جَمْعَ الحَقُوُقُ محفوظَةٌ لِلنَّاشِرْ
الطبعَة الأولىُ
١٤٣٤ ه ـ -٢٠١٣م

٥
كتاب المظالم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب المَظالم
٩٥/٥
في المظالم والغَصْب
وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله:
﴿عَزِيزٌ ذُوْ اْنِقَاءٍ﴾.
﴿مُقْنِعِ رُءُوسِهِمْ﴾: رافِعِي رؤوسِهم، المُقنِعُ والمُقمِحُ واحدٌ.
وقال مجاهدٌ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: مُدِيمي النَّظَرِ. وقال غيره: مُسْرِ عينَ لا يرتدُّ إليهم طَرْفُهم.
﴿وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ يعني: جُوفاً لا عُقولَ لهم.
﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَ أَجَلٍ فَرِيبٍ تُحِبُ
دَعْوَتَكَ وَشَّحِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ )
وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ اٌلَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا
لَكُمُ الْأَمْثَالَ ( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ، فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أنتِقَاءِ﴾
[إبراهيم: ٤٢- ٤٧].
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب المظالم. في المظالم والغَصْب)) كذا للمُستَمْلِي، وسَقَطَ
((كتاب)) لغيره، وللنَّسَفي: ((كتاب الغَصْب. بابٌ في المظالم)).
والمظالم: جمع مَظْلِمة، مصدر ظَلَمَ يَظلِمُ، واسمٌ لمَا أُخِذَ بغير حقّ، والظُّلم: وَضْع
الشيء في غير موضعِه الشّرعي، والغَصْب: أخذ حقِّ الغير بغير حقّ.
قوله: «وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إِلى:
﴿عَزِيِزٌ ذُوْ آنِقَامٍ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساق غيره الآية.

٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿مُقْنِ رُءُوسِهِمْ﴾: رافِعِي رُؤوسهم، المُقْنِعِ والمُقْمِح واحد)) سقط للمُستَمْلي
والكُشْمِيهني قوله: ((رافعي رُؤوسهم)) وهو تفسيرُ مجاهدٍ، أخرجه الفِريابي من طريقه،
وهو قولُ أكثر أهل اللُّغة والتفسير، وكذا قاله أبو عبيدة في ((المجازِ)) واستَشهَدَ بقول
الرَّاجز:
أَنْهَضَ نحوي رأسَه وأَقْنَعا كأنَّما أبصَرَ شيئاً أطمَعا
وحكى ثَعلَب أنَّه مُشتَرَك، يقال: أقنَعَ: إذا رَفَعَ رأسَه، وأقنَعَ: إذا طأْطَأَه، ويُحتملُ أن
يُراد الوجهان: أن يَرفعَ رأسَه يَنظر، ثمَّ يُطَاطِئُه ذلَّ وخضوعاً، قاله ابن التِّين.
وأمَّا قوله: ((المُقنِعِ والمُقمِح واحد)) فذكره أبو عبيدة أيضاً في ((المجازِ)) في تفسير
سورة (يسَ))، وزاد: معناه أن يَجِذِبَ الذَّقَنَ حتَّى تصيرَ في الصَّدرِ ثمَّ يَرفَعَ رأسَه، وهذا
يُساعد قول ابن النِّينِ، لكنَّه بغير ترتیب.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: مُديمي النَّظَر، وقال غيره: مُسْرِعينَ)) ثبت هذا هنا
لغير أبي ذرٍّ، ووقع له هو في ترجمة الباب الذي بعده، وتفسير مجاهد وَصَلَه الفِريابي أيضاً،
وأمَّا تفسير غيره فالمراد به أبو عبيدة أيضاً، فكذا قاله واستَشهدَ عليه، وهو قول قتادةَ
والمعروف في اللُّغة، ويحتمل أن يكون المراد كلًّا من الأمرَين، وقال ثَعلَب: المُهطِعُ: الذي
يَنظُرُ فِي ذَلِّ وخشوعٍ لا يُقْلِعُ(١) بَصَرَه.
قوله: ((﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ يعني: جُوفاً لا عُقولَ لهم)) وهو تفسير أبي عُبيدة أيضاً في
(المجازِ))، واستشهد بقول حسَّان:
ألا أبلِغْ أبا سفيان عنِّي فأنتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ
والهواء: الخَلَاء الذي لم تَشْغَله الأجرام، أي: لا قوَّةَ في قلوبهم ولا جَراءةَ. وقال ابن عَرَفة:
معناه: نُزِعَت أفتِدَتُهم من أجوافهم.
(١) تحرف في (س) إلى: يقطع، وانظر ((القاموس المحيط)) و(تاج العروس)) (هطع).

٧
باب ١ / ح ٢٤٤٠
كتاب المظالم
١ - باب قِصاص المظالم
٢٤٤٠ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا معاذُ بنُ هشام، حدَّثني أبي، عن قَتَادةَ، عن ٩٦/٥
أبي المتوكّلِ النّاجيِّ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌َه، عن رسولِ الله وَّةِ، قال: ((إذا خَلَصَ المُؤْمِنونَ
مِن النّار حُبِسوا بقَنْطَرةٍ بين الجنَّةِ والنّارِ، فَيَتَقَاضُونَ مَظالمَ كانت بينهم في الدُّنْيا، حتَّى إذا نُقّوا
وهُذِّبوا أُفِنَ لهم بدخولِ الجنَّةِ، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بَيَدِه لأحدُهم بمَسْكَتِهِ في الجنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِه
کان في الدُّنْيا».
وقال يونسُ بنُ محمَّدٍ: حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن قَتَادةَ، حدَّثنا أبو المتوكّلِ.
[طرفه في: ٦٥٣٥]
قوله: ((باب قِصاص المظالم)) يعني: يومَ القيامة، ذكر فيه حديث أبي سعيد الخُدْري، وقد
تَرجَمَ عليه في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٥): ((باب القِصاص يومَ القيامة)) ويأتي الكلامُ عليه هناك.
وقوله: ((بقَنطَرة)) الذي يَظْهَرُ أنَّهَا طَرَف الصِّراط ممَّا يَلي الجنَّة، ويُحتمل أن تكون من
غيره بين الصِّراط والجنَّة.
وقوله: ((فيَتَقاصُونَ)) بتشديد المهمَلة، يتفاعلون من القصاص، والمراد به تَتْبُّعُ ما بينهم
من المظالم وإسقاط بعضِها ببعض.
وقوله: ((حتَّى إذا نُقّوا)) بضمِّ النّون بعدَها قاف من التَّنقية، ووقع للمُستَمْلي هنا
(تَقَصَّوا)) بفتح المثنَّاة والقاف وتشديد المهمَلة، أي: أكملوا النَّقَاصَّ.
قوله: ((وهُذُّبوا)) أي: خَلَصُوا من الآثام بمُقاصَصَة بعضها ببعض، ويَشهَدُ لهذا الحديث
قوله في حديثٍ جابر الآتي ذكرُه في التَّوحيد: ((لا يَحِلُّ لأحدٍ من أهلِ الجنَّة أن يَدخُلَ الجنَّة
ولأحدٍ قِبَلَه مَظْلِمة))(١) والمراد بالمؤمنينَ هنا بعضهم، وسيأتي بقيةُ الكلام على هذا الحديث
في كتاب الرِّقاق إن شاء الله تعالى.
(١) هو جزء من حديث مطول، ساق البخاري طرفاً منه معلقاً في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنفَعُ
الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ .. ﴾ إلخ، قبل الحديث رقم (٧٤٨١)، وأتمه الحافظ في الشرح وعزاه
لأحمد، وهو بنحوه في ((مسنده) برقم (١٦٠٤٢)، وهو حديث حسن الإسناد.

٨
باب ٢ / ح ٢٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال يونس بن محمد ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان)) (٨٣٩)،
وأراد البخاري به تصريح فَتَادة عن أبي المتوكّل بالتحديث، واسم أبي المتوكّل: عليّ بن دُؤَاد،
بضمِّ الدّال بعدَها همزة.
٢- باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعَنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]
٢٤٤١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثني قَتَادةُ، عن صَفْوانَ بنِ مُخْرِرٍ
المازِنيِّ، قال: بينما أنا أمشي مَعَ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما آخِذٌ بَيَدِهِ، إذ عَرَضَ رجلٌ، فقال: كيفَ
سمعتَ رسولَ الله وَّه فِي النَّجْوَى؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله وَلَّ يقول: ((إنَّ اللهَ يُدْني المُؤْمِنَ،
فيَضَعُ عليه كَنَفَه ويَسْتُه، فيقول: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ فيقول: نعم أيْ رَبِّ.
حتَّى إذا قَرَّرَه بذُنوِهِ، ورَأى في نفسِهِ أَّه هَلَكَ، قال: سَتَرْتُها عليكَ في الدُّنْيا، وأنا أغفِرُها لكَ
اليومَ، فيُعْطَى كتابَ حسناته، وأمَّا الكافرُ والمنافقون فيقول الأشْهادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ
عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾)).
[أطرافه في: ٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤]
قوله: ((باب قولِ الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اَللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ ﴾)) ذكر فيه حديث ابن عمر:
(يُدْني اللهُ المؤْمِنَ فيَضَعُ عليه كَنَفَه)) الحديث، وسيأتي الكلامُ عليه مستوَى في التَّوحيد
(٧٥١٤)، وفي كتاب الرِّقاق الإشارة إليه(١).
قوله في هذه الرواية: «گنَفه» بفتح النّون والفاءِ عند الجمیع، ووقع لأبي ذرٍّ عن الگُشْمِیھني
بكسر المثنَّة(٢)، وهو تصحیفٌ قبيحٌ، قاله عِیَاض.
٩٧/٥
ووجه دخوله في أبواب الغَصْبِ الإشارة إلى أنَّ عُمومَ قوله هنا: ((أغفِرُها لك))
مخصوص بحديث أبي سعيد الماضي في الباب قبله.
(١) في الشرح عند الحديث رقم (٦٥٣٦).
(٢) أي: كتفه.

٩
باب ٣ / ح ٢٤٤٢
كتاب المظالم
٣- باب لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يُسلِمه
٢٤٤٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، أنَّ سالماً أخبَرَه:
أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((المسلمُ أخو المسلمِ لا
يَظْلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجَتِهِ، ومَن فَّجَ عن مُسلِمٍ كُرْبةً،
فَّجَ الله عنه كُرْبةً من كُرُبات القيامةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِماً سَتَرَه الله يومَ القيامةِ)).
[طرفه في: ٦٩٥١]
قوله: ((باب لا يَظْلِمُ المسلمُ المسلمَ ولا يُسلِمُه)) بضمّ أوَّله، يقال: أسلَمَ فلان فلاناً: إذا
ألقاه إلى الهلَكة ولم يَحمِه من عدوِّه، وهو عامٌّ في كلِّ مَن أُسلِمَ لغيره، لكن غَلَبَ في الإلقاءِ
إلى الهلكة.
قوله: ((المسلم أخو المسلم)) هذه أُخوَّة الإسلام، فإنَّ كلَّ اتِّفاقِ بين شيئين يُطلَقُ بينهما
اسمُ الأُخوَّة، ويَشتَرِكُ في ذلك الحُرُّ والعبد والبالغ والمميِّز.
قوله: ((لا يَظلِمُه)) هو خبرٌ بمعنى الأمر، فإنَّ ظُلم المسلمِ للمسلمِ حرام.
وقوله: (ولا يُسلِمُه)) أي: لا يَترُكُه مع مَن يُؤذيه ولا فيما يُؤذيه، بل يَنصُرُه ويَدفَعُ عنه،
وهذا أخَصّ من تَرْك الظُّلم، وقد يكون ذلك واجباً وقد يكون مندوباً بحَسَبِ اختلاف
الأحوال، وزاد الطبراني (١٣٢٣٩) من طريق أُخرى عن سالم: ((ولا يُسلِمُه في مُصيبةٍ
نزلت به))، ولمسلمٍ (٢٥٦٤) في حديث أبي هريرة: ((ولا يَحِقِرُه)) وهو بالمهمَلة والقاف،
وفيه: ((بحَسب امرِئٍ من الشَّرِّ أن يَحِقِرَ أخاه المسلمَ)).
قوله: ((ومَن كان في حاجة أخيهِ)) في حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٦٩٩): ((واللهُ في
عَوْن العبدِ ما كان العبد في عَوْن أخیهِ».
قوله: ((ومَن فَّجَ عن مسلم كُرْبةً)» أي: غُمَّة، والكَرْب: هو الغَمُّ الذي يأخُذُ النَّفْسَ،
و(كُرُبات)) بضمِّ الراء: جمع كُربة ويجوزُ فتحُ راءٍ كُرُبات وسكونُها.

١٠
باب ٤ / ح ٢٤٤٣ - ٢٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ومَن سَتَرَ مسلمًا)) أي: رآه على قبيح فلم يُظهِره، أي: للنّاس، وليس في هذا ما
يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه، ويُحْمَلُ الأمرُ في جوازِ الشَّهادة عليه بذلك على ما
إذا أنكَرَ عليه ونَصَحَه فلم يَنتَهِ عن قبيحِ فعلِه ثمَّ جاهَرَ به، كما أنَّه مأمورٌ بأن يَستَثِّرَ إذا وقع
منه شيء، فلو تَوَجَّهَ إلى الحاكِمِ وأقرَّ لم يَمْتَنِعِ ذلك، والذي يَظْهَرُ أنَّ السَّتَرَ مَحَلّه في مَعصيةٍ
قد انقَضَت، والإنكارَ في مَعصيةٍ قد حَصَلَ التلبُّس بها، فَيَجِبُ الإنكارُ عليه وإلَّ رَفَعَه إلى
الحاكِم، وليس من الغيبة المحَرَّمة، بل من النَّصيحة الواجبة، وفيه إشارةٌ إلى تركِ الغيبة؛
لأَنَّ مَن أَظهَرَ مَساوِئَ أخيه لم يَستُّره.
قوله: ((سَتَرَه الله يومَ القيامةِ)) في حديث أبي هريرة عند التّرمِذي (١٤٢٥ و٢٩٤٥):
(سَتَرَه الله في الدنيا والآخرة)).
وفي الحديث حَضّ على التَّعاوُن وحُسن التَّعاثُرِ والأُلفة، وفيه أنَّ المجازاةَ تَقَعُ من
جِنس الطاعات، وأنَّ مَن حَلَفَ أنَّ فلاناً أخوه وأراد أُخوَّةَ الإسلام لم يَحَنَث، وفيه حديث
عن سوید بن حنظلة في أبي داود (٣٢٥٦) في قِصَّةٍ له مع وائل بن حُجٍ.
٤ - بابٌ أَعِن أخاك ظالماً أو مظلوماً
٩٨/٥
٢٤٤٣ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا عُبيدُ الله بنُ أبي بكرِ بنِ أنسٍ
وُيدٌ الطَّويلُ، سَمِعَا أنْسَ بنَ مالكِ ظُه يقول: قال النبيُّ ◌َالَ: ((انصر أخاكَ ظالماً أو مَظْلُوماً)).
[طرفاه في: ٢٤٤٤، ٦٩٥٢]
٢٤٤٤ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ﴾ه قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ:
((انصُرْ أخاكَ ظالماً أو مَظْلوماً) قال: يا رسولَ الله، هذا نَنْصُرُه مَظْلوماً، فكيفَ نَنْصُرُه ظالماً؟!
قال: ((تَأْخُذُ فوقَ يَدَیهِ)).
قوله: ((باب أعِنْ أخاك ظالماً أو مَظْلوماً)) تَرجَمَ بلفظ الإعانة، وأورَدَ الحديثَ بلفظ
النَّصر، فأشار إلى ما وَرَدَ في بعضٍ طرقه، وذلك فيما رواه حُدَيج بن معاوية - وهو بالمهمَلة

١١
باب ٤ / ح ٢٤٤٣ - ٢٤٤٤
كتاب المظالم
وآخِره جيم مُصغَّر - عن أبي الزُّبَير، عن جابر مرفوعاً: ((أعِن أخاك ظالماً أو مظلوماً)
الحديث، أخرجه ابن عَديٍّ (٥٤٥)، وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من الوجه الذي
أخرجه منه البخاري بهذا اللَّفظ.
قوله: ((انصُر أخاك ظالماً أو مَظْلوماً)) كذا أورَدَه مختصراً عن عثمان، وأخرجه الإسماعيلي
من طرق عنه كذلك، وسيأتي في الإكراه (٦٩٥٢) من طريق أُخرى عن هُشَيمٍ، عن
عُبيد الله وحدَه، وفيه من الزِّيادة: ((فقال رجل: يا رسول الله، أنصُرُه إذا كان مظلوماً،
أَفَرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصُرُه؟ قال: تَحَجِزُه عن الظُّلم، فإنَّ ذلك نَصرُه))، وهكذا
أخرجه أحمد (١١٩٤٩) عن هُشَيم، عن عُبيد الله وحدَه، وأخرجه الإسماعيلي من طرقٍ
أُخری عن مُشَیمِ عنهما نحوه.
قوله في الطريق الثانية: ((قال: يا رسول الله)) في رواية أبي الوَقْت في البخاري: ((قالوا))
وفي الرِّواية التي في الإكراه: ((فقال رجل)) ولم أقف على تَسميتِه.
قوله: ((فقال: تَأْخُذُ فوقَ يَدَيِهِ) كَنّى به عن كَفِّه عن الظُّلمِ بالفعلِ إن لم يَكُفَّ بالقول،
وعَبَّرَ بالفَوقية إشارةً إلى الأخذِ بالاستعلاءِ والقوّة، وفي رواية معاذ عن حُميدٍ عند
الإسماعيلي: ((فقال: يَكُفُّه عن الظُّلم، فذاكَ نَصره إياه))، ولمسلم (٢٥٨٤) في حدیثِ جابر
نحو الحديث وفيه: «إن كان ظالماً فليَنهَه، فإنَّه له نُصرة)).
قال ابن بطَّال: النَّصرُ عند العربِ الإعانة، وتفسيره لنَصْرِ الظَّالِ بمَنعِه من الظُّلمِ من
تسمية الشيءٍ بما يَؤُولُ إليه، وهو من وَجِيزِ البَلاغَة، قال البيهقي: معناه: أنَّ الظَّالمَ مظلومٌ
في نفسِه، فيَدخُلُ فيه رَدْع المرءِ عن ظُلمِه لنفسِه حِسّاً ومعنَى، فلو رأى إنساناً يريدُ أن يَجُبَّ
نفسَه لظَنِّه أنَّ ذلك يُزيلُ مَفسَدةَ طلبِه الزِّنى مثلاً، مَنَعَه من ذلك وكان ذلك نَصراً له،
واَحَدَ في هذه الصّورة الظَّالم والمظلوم. وقال ابن المنيِر: فيه إشارة إلى أنَّ التَركَ كالفعل في
باب الضَّمان، وتحتَه فروع كثيرة.
تنبيه: ذکر مسلمٌ (٢٥٨٤) في روايته من طريق أبي الزُّبَير عن جابر سبباً لحديثِ الباب
يُستَفادُ منه زَمَن وقوعِه، وسيأتي ذِكْره في تفسير المنافقينَ (٤٩٠٥) إن شاء الله تعالى.

١٢
باب ٥ / ح ٢٤٤٥ - ٢٤٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
لطيفة: ذكر المفَضَّل الضَّي في كتابه ((الفاخِر)) أنَّ أوَّلَ مَن قال: ((انصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً)) جُندُب بن العَنبَر بن عَمْرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهِرَه، وهو ما اعتادوه من حَمِيَّة
الجاهلية، لا على ما فسَّرَه النبي ێ، وفي ذلك يقول شاعرهم:
إذا أنا لم أنصُر أخي وهوَ ظالمٌ على القومِ لم أَنصُر أخي حينَ يُظلِمُ
٩٩/٥
٥- باب نصرِ المظلوم
٢٤٤٥ - حدّثنا سعيدُ بنُ الرَّبيع، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأشْعَثِ بنِ سُلَيم، قال: سمعتُ
معاويةَ بنَ سُوَيدٍ، سمعتُ البَرَاءَ بنَ عازِبٍ رَضِيَ الله عَنْهما قال: أمَرَنا النبيُّ ◌َّهِ بِسَبْعِ وَهانا
عن سَبْعٍ: فَذَكَرَ عيادةَ المريضِ، واتِّباعَ الجنائزِ، وتَشْميتَ العاطسِ، وَرَدَّ السلامِ، ونَصْرَ
المظْلومِ، وإجابةَ الدّاعي، وإبرارَ القَسَمِ.
٢٤٤٦ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُّ العَلَاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى ◌َـ
،
عن النبيِّ ◌َّ﴿ قال: ((المؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنْيان يَشُدُّ بعضُه بعضاً)» وشَبَّكَ بين أصابعِهِ.
قوله: ((باب نَصْرِ المظلوم)) هو فرض كفاية، وهو عامٌّ في المظلومينَ، وكذلك في الناصرينَ
بناءً على أنَّ فرض الكفاية مُخاطَب به الجميع، وهو الرَّاجحُ، ويَتَعيَّنُ أحياناً على مَن له القُدرة
عليه وحدَه إذا لم يَتَرتَّب على إنكاره مَفسَدة أشدّ من مَفسَدة المنكر، فلو عَلِمَ أو غَلَبَ على
ظَنِّه أنَّه لا يفيدُ، سقط الوجوب وبقيَ أصل الاستحباب بالشَّرطِ المذكور، فلو تَساوَت
المفسَدَتان تَخَيَّرَ، وشرْطُ الناصر أن يكون عالماً بكَون الفعل ظُلماً. ويقعُ النَّصرُ مع وقوع
الظُّلم وهو حينئذٍ حقيقة، وقد يقعُ قبلَ وقوعِه كمَن أنقذَ إنساناً من یَدِ إنسانٍ طالبه بمال
ظُلماً، وهَذَّدَه إن لم يَبذُله، وقد يقعُ بعدُ، وهو كثيرٌ.
ثمَّ أورَدَ المصنّف فيه حدیثین:
أحدهما: حديث البراء في الأمر بسبع والنَّهي عن سبعٍ، فَذكره مختصراً وسيأتي الكلامُ
على شرحه مُستَوقَى في كتاب الأدبِ (٦٢٢٢) واللِباس (٥٨٤٩ و٥٨٦٣) إن شاء الله تعالى،
والمقصودُ منه هنا قوله: ((ونصر المظلومِ)).

١٣
باب ٦
كتاب المظالم
ثانيهما: حديث أبي موسى: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان))، وسيأتي الكلامُ عليه في الأدبِ(١)
إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((يَشُدُّبعضُه)) في رواية الكُشْمِيهني: ((يَشُدُّ بعضُهم)) بصِيغَة الجمع.
٦ - باب الانتصار من الظالم لِقولِه جَلَّ ذکرُه:
﴿لَا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]،
وَالَِّيْنَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]
قال إبراهيمُ: كانوا يَكْرَهونَ أن يُسْتَذَلّوا، فإذا قَدَرُوا عَفَوْا.
قوله: ((باب الانتصار من الظّالم، لقوله جَلّ ذِكرُه: ﴿لَّا يُحِبُ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ أَلْقَوْلِ
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ﴾)) يعني: وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ﴾، أمَّا الآية الأولى
فروى الطَّبَري من طريق السُّدّي قال في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: فانتَصَرَ بمِثلِ ما ظُلِمَ به
فليس عليه مَلام، وعن مجاهد: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فانتَصَرَ فإنَّ له أن يَجَهَرَ بالسّوء، وعنه: نزلت
في رجل نزل بقومٍ فلم يُضيِّفُوه، فرُخِّصَ له أن يقولَ فيهم. قلت: ونزولها في واقعة عَينٍ لا
يَمنَعُ حَملها على عُمومِها. وعن ابن عبّاس: المراد بالجَهرِ من القول: الدُّعاء، فَرَخَّصَ
للمظلومِ أن يَدعوَ على مَن ظَلَمَه.
وأمَّا الآيةُ الثانيةُ، فروى الطَّبَري من طريق السُّدّي أيضاً في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ
هُمْ يَصِرُونَ﴾ قال: يعني ممَّن بَغى عليهم من غير أن يَعتَدوا.
وفي الباب حديث أخرجه النَّسائي وابن ماجَهْ بإسنادٍ حسنٍ من طريق البَهيّ(٣)، عن
عُرُوَة، عن عائشة قالت: دَخَلتْ عليَّ زينبُ بنت جَحش فسَبَّتَنِي، فَرَدَعَها النبي ◌َّ فَبَتْ،
فقال لي: ((سُبِّيها)) فسببتُها حتَّى جَفَّ رِيقُها في فمِها، فرأيت وجهَه يَتَهلَّلُ(٣).
(١) باب: تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً، عند الحديث (٦٠٢٦).
(٢) كذا في (ع) على الصواب، وهو عبد الله البهِيّ، مولى مصعب بن الزبير، وقد تحرَّف في (أ) إلى: البيهقي،
وفي (س) إلى: التيمي.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٦٢٠)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٥٨)، وابن ماجه (١٩٨١)، والنسائي في =

١٤
باب ٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال إبراهيم)) أي: النَّخَعي ((كانوا)) أي: السَّلَف ((يَكْرَهونَ أن يُسْتَذَلّوا)) بالذّال
المعجَمة من الذُّلِّ، وهو بضمّ أوَّله وفتح المثنَّة، وهذا الأثر وَصَلَه عبد بن حُميد وابن عُيَينة
في ((تفسيريهما)) في تفسير الآية المذكورة.
١٠٠/٥
٧ - باب عفو المظلوم
لقولِه تعالى: ﴿إِن نُبِّدُواْ خَيْرً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:
١٤٩]، ﴿ وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْتََّالِمِينَ
وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ تُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى
اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
وَمَن يُضْلِيلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِهُ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْأْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ
مِّن سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: ٤٠- ٤٤].
قوله: ((باب عَفْو المظلوم لقوله تعالى: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ﴿وَجَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَنِئَّةٌ﴾)) أي: وقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا .. ﴾
إلى آخره، وكأنَّه يشيرُ إلى ما أخرجه الطَّبَري عن السُّدّي في قوله: ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ﴾ أي:
عن ظُلم، وروى ابن أبي حاتم عن السُّدّي في قوله: ﴿ وَحَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ قال: إذا
شَتَمَك شَتَمتَه بمِثلِها من غير أن تَعتَدي ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾، وعن الحسن:
رُخّصَ له إذا سبَّه أحد أن يَسُبَّه.
وفي الباب حديث أخرجه أحمد (٩٦٢٤) وأبو داود (٤٨٩٧) من طريق ابن عَجْلان،
عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنَّ النبي ◌َّ قال لأبي بكر: ((ما من عبدِ ظُلِمَ مَظْلِمةً فعَفَا
عنها، إلَّا أعزَّ الله بها نَصْرَه))(١).
= («الكبرى» (٨٨٦٥) و(٨٨٦٦) ولفظه: فقال النبي ◌َّرُ: ((دونَكِ فانتصري)). ولم يقل: سبّيها، وليس فيه
أيضاً قولها: فسببتُها، وهذا إنما وقع بإسناد ضعيف عن عائشة عند أحمد (٢٤٩٨٦) وأبي داود (٤٨٩٨).
(١) رواية أبي داود مختصرة، وليس فيها الحرف المذكور هنا، وهو حديث حسن.

١٥
باب ٨-٩ / ح ٢٤٤٧ - ٢٤٤٨
كتاب المظالم
٨- باب الظلم ظلماتٌ يومَ القيامة
٢٤٤٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ الماجِشونُ، أخبرنا عبدُ الله بنُ دینارٍ،
عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رَضِيَ الله عَنْهما، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ)).
قوله: ((باب الظُّلْمِ ظُلُمات يوم القيامةِ» أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر بهذا اللَّفظِ من غير
مَزيد، وقد رواه أحمد (٥٦٦٢) من طريق محارب بن دِثارٍ، عن ابن عمر، وزاد في أوَّله: ((یا
أيُّها الناسُ اتَّقوا الظُّلمَ))، وفي رواية (٥٨٣٢): ((إياكُم والظّلمَ))، وأخرجه البيهقي في
(«الشَّعبِ)) (٧٤٥٩) من هذا الوجه وزاد فيه: قال محارب: أظلمُ الناس مَن ظَلَمَ لغيره.
وأخرجه مسلم (٢٥٧٨) من حديث جابر في أوَّل حديث بلفظ: ((اتَّقوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ
ظُلُمَاتٌ يومَ القيامة، واتَّقوا الشُّحَّ)) الحديث.
قال ابن الجوزي: الظُّلمُ يَشتمل على مَعصيتَين: أخذُ مال الغير بغير حقّ، ومُبارَزَة
الرَّبّ بالمخالَفة، والمعصية فيه أشدّ من غيرها؛ لأنَّه لا يقعُ غالباً إلَّا بالضَّعيفِ الذي لا
يَقدِرُ على الانتصار، وإنَّما يَنشَأُ الظُّلِمُ عن ظُلمة القلب؛ لأنَّه لو استَنَارَ بنورِ الهُدى لاعتَبَرَ،
فإذا سعى المثَّقون بنورهم الذي حَصَلَ لهم بسببِ التَّقوى، اكتَنَفَت ظُلُماتُ الظُّلم الظَّالِمَ
حيثُ لا يُغني عنه ظُلمُه شيئاً.
٩ - باب الاتّقاءِ والحذَرِ من دعوة المظلوم
٢٤٤٨ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا زَکَریّا بنُ إسحاقَ الگيُّ، عن یحی
ابنِ عبدِ الله بنِ صَيفيٍّ، / عن أبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ عنِ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ١٠١٥
وَّ بَعَثَ معاذاً إلى الْيَمَنِ، فقال: ((أَتَّقِ دَعْوةَ المظْلومِ، فإنَّها ليسَ بينها وبين الله حجابٌ)).
قوله ((باب الاتقاء والحَذَر من دَعوة المظلوم)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس في بَعث معاذ
ابن جبل إلى اليمن مختصراً مُقتَصِراً منه على المراد هنا، وقد تقدَّم الكلام عليه مستوفَى في
أواخِر الزكاة (١٤٩٦).

١٦
باب ١٠ / ح ٢٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
١٠ - باب من كانت له مَظلِمٌ عند الرجل فحلَّلها له هل يُبيِّنُ مَظْلمتَه؟
٢٤٤٩- حذَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حذَّثنا سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبي
هريرةَ ظّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَن كانت له مَظْلِمَةٌ لأحدٍ من عِرْضِه أو شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْه
منه اليومَ قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهَمٌّ، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإن
لم تَكُن له حسناتٌ أُخِذَ من سَيِّئَات صاحبِهِ، فحُمِلَ عليه)).
قال أبو عبد الله: قال إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ: إنَّما سُمّيَ المقبُريَّ، لأنَّه كان يَنزِلُ ناحيةَ المقابرِ.
قال أبو عبد الله: وسعيدٌ المقبُريُّ، هو مَوْلَى بني لَيثٍ، وهو سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، واسمُ أبي
سعیدٍ کیْسان.
[طرفه في: ٦٥٣٤]
قوله: ((باب مَن كانت له مَظْلِمة عند الرجلِ فحَلَّلها له هل يُبيِّنُ مَظْلِمِتَه)»؟ المظلِمةُ بكسر
اللَّام على المشهور، وحكى ابن قُتَيبة وابن التِّين والجَوْهَري فتحَها، وأنكَرَه ابن القُوطيّة(١)،
ورأيت بخَطّ مُغَلْطاي: أنَّ القَزّازَ حكى الضَّمَّ أيضاً.
وقوله: ((هل يُبيِّن)) فيه إشارة إلى الخِلاف في صِحَّة الإبراء من المجهول، وإطلاق
الحديث يُقوِّي قول مَن ذهب إلى صِحَّتِه، وقد تَرجَمَ بعدَ باب: ((إذا حَلَّلَه ولم يُبيِّن كم هو))
وفيه إشارةٌ إلى الإبراءِ من المجمَلِ أيضاً.
وزَعَمَ ابن بطَّل أنَّ في حديثِ الباب حُجَّةً لاشتراط التَّعيينِ؛ لأنَّ قوله: ((مَظلِمة))
يقتضي أن تكون معلومةَ القَدرِ مُشاراً إليها. انتهى، ولا يخفى ما فيه.
(١) هو أبو بكر، محمد بن عمرو بن عبد العزيز بن عيسى بن مزاحم، المعروف بابن القوطية الأندلسي، مؤرخ،
من أعلم أهل زمانه باللغة والأدب، أصله من إشبيلية، ومولده ووفاته بقرطبة، له كتاب ((الأفعال الثلاثية
والرباعية)) و((المقصور والممدود)) و((تاريخ فتح الأندلس)) و((شرح رسالة أدب الكاتب))، والقوطية: هي
سارة بنت المنذر بن جَطْسيَّة، من بنات ملوك القوط بالأندلس، تزوجها عيسى بن مزاحم مولى عمر بن
عبد العزيز. توفي سنة سبع وستين وثلاث مئة. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٩/١٦ -٢٢٠.

١٧
باب ١٠ / ح ٢٤٤٩
كتاب المظالم
قال ابن المنيِر: إنَّما وقع في الحديث التَّقدير حيثُ يَقْتَصُّ المظلومُ من الظَّلم حتَّى يأخُذَ
منه بقدر حقّه، وهذا مُتَّفَق عليه، والخِلاف إنَّما هو فيما إذا أسقط المظلومُ حقَّه في الدنيا: هل
يُشْتَرَطُ أن يَعِرِفَ قَدَرَه أم لا؟ وقد أُطْلِقَ ذلك في الحديث. نعم قام الإجماعُ على صِحَّة
التَّحليلِ من المعَيَّن المعلوم، فإن كانت العينُ مَوجودةً، صَحَّت هِبَتُها دون الإبراءِ منها.
قوله: ((مَن كانت له مَظْلِمة لأخيهِ)) اللَّام في قوله: ((له)) بمعنى على، أي: مَن كانت عليه
مَظلِمة لأخيه، وسيأتي في الرِّقاق (٦٥٣٤) من رواية مالك عن المقبُري بلفظ: ((مَن كانت
عنده مَظْلِمة لأخيهِ))، والتِّرمِذي (٢٤١٩) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن المقبُري: ((رَحِمَ
اللهُ عبداً كانت له عند أخيه مَظلمة».
قوله: ((من عِرْضِه أو شيء)) أي: من الأشياء، وهو من عَطْف العامّ على الخاصِّ، فيَدخلُ فيه
المالُ بأصنافه والجِراحاتُ حتَّى اللَّطمة ونحوها، وفي رواية التِّرمِذي: ((من عِرضٍ أو مال)».
قوله: «قبلَ أن لا يكونَ دینار ولا دِرْهَم)) أي: يوم القيامة، وثبت ذلك في رواية عليّ بن
الجعد(١) عن ابن أبي ذِئب عند الإسماعيلي.
قوله: ((أُخِذَ من سَيِّئَات صاحبِه)) أي: سيئات صاحبِ المظلِمة ((فحُمِلَ عليه)) أي: على
الظَّالم، وفي رواية مالك: ((فطُرِحَت عليه))، وهذا الحديث قد أخرج مسلم (٢٥٨١) معناه
من وجهٍ آخرَ وهو أوضحُ سياقاً من هذا،/ ولفظُه: ((المغلِسُ من أُمَّتِي مَن يأتي يومَ القيامة ١٠٢/٥
بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شَتَمَ هذا، وسَفَكَ دَم هذا، وأكَلَ مال هذا، فيعطى هذا
من حسناته وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يقضيَ ما عليه أُخِذَ من خطاياهم
فِطُرِحَت عليه وطُرِحَ في النار)) ولا تَعارُضَ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لأنَّه إنَّما يُعاقَبُ بسببٍ فعلِه وظُلمِه ولم يُعاقَب بغير جِنايةٍ منه بل
بجِنايَتِهِ، فَقُوبَلَت الحسناتُ بالسَّيِّئَات على ما اقتضاه عَدلُ الله تعالى في عباده، وسيأتي مَزيدٌ
لذلك في كتاب الرِّقاق (٦٥٣٤) إن شاء الله تعالى.
(١) هو بنحوه في ((الجعديات)) (٢٨٦٨) و(٢٩٤٣) من طريقين عن ابن أبي ذئب عن المقبري، وانظر ((مسند
الطيالسي)) (٢٤٤٠).

١٨
باب ١١ / ح ٢٤٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال إسماعيل بن أبي أوَيس: إنَّما سُمّي المقبُريَّ ... )) إلى آخره، ثبت هذا في رواية
الكُتْمِيهنيّ وحدَه، وإسماعيل المذكور من شُيوخ البخاري.
١١ - باب إذا حلَّلَه من ظُلمه فلا رجوعَ فيه
٢٤٥٠ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي
الله عنها: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قالت: الرجلُ تكونُ
عندَه المرأةُ ليسَ بمُسْتَكْثِرِ منها يريدُ أن يُفارقَها، فتقولُ: أجْعَلُكَ من شَأني في حٍِّ، فنزلت هذه
الآيةُ في ذلك.
[أطرافه في: ٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦]
قوله: (باب إذا حَلَّلَه من ظُلْمِه فلا رُجوعَ فيه)) أي: معلوماً عند مَن يَشتَرِطُه، أو مجهولاً
عند مَن یجیزُه، وهو فيما مضى باتفاق، وأمّا فيما سيأتي ففيه الخِلاف.
ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ عائشة في قِصَّة التي تَخْتَلِعُ من زوجِها، وسيأتي الكلامُ عليه في
تفسير سورة النِّساءِ (٤٦٠١)، ومحمد شيخُه: هو ابن مُقاتل، وعبد الله: هو ابن المبارك.
ومُطابَقَتُه للترجمة من چِهَة أنَّ الخُلعَ عَقدٌ لازم، فلا يَصِحّ الرُّجوع فيه، ويَلتَحِق به كلّ
عقدٍ لازم كذلك، کذا قال الکِرْماني فوَهمَ.
ومَورِد الحديث والآية إنَّما هو في حقِّ مَن تُسقِطُ حقَّها من القسمة، وليس من الخُلعِ
في شيء، فمِن ثَمَّ وقع الإشكالُ، فقال الدَّاوُودي: ليست التَرجمة بمطابقةٍ للحديث،
ووَجَّهَه ابن المنيِّر بأنَّ التَّرجمةَ تَتَناوَلُ إسقاط الحقِّ من المظلِمة الفائتة، والآيةُ مضمونها
إسقاطُ الحقِّ المستَقبَل حتَّى لا يكون عدمُ الوَفاءِ به مَظْلِمةً لسقوطِهِ.
قال ابن المنيِر: لكِنَّ البخاري تَلَطَّفَ في الاستدلال، فكأنَّه يقول: إذا نَفَذَ الإسقاط في
الحقِّ المتَوَقَّع؛ فلَأن يَنفُذَ في الحقِّ المحقَّقِ أَولى. قلت: وسيأتي الكلامُ على هِبَة المرأة يومَها في
كتاب النِّكاح (٥٢١٢) إن شاء الله تعالى.

١٩
باب ١٢ -١٣ / ح ٢٤٥١ -٢٤٥٢
كتاب المظالم
١٢ - باب إذا أَذِنَ له أو أحلّه ولم يُبِّن کم هو
٢٤٥١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازمِ بنِ دينارٍ، عن سَهْلِ بنِ
سعدٍ الساعديُِّ: أَنَّ رسولَ الله وََّ أَتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ منه، وعن يمينِهِ غلامٌ، وعن يَسارِه
الأشْياخُ، فقال للغلام: «أتأذَنُ لي أن أَعْطِيَ هَؤُلاءِ؟»، فقال الغلامُ: لا والله يا رسولَ الله لا
أوثِرُ بنَصيبي منكَ أحداً، قال: فَتَلَّه رسولُ الله ◌َِّ فِي يَدِهِ.
قوله: (باب إذا أذِنَ له)) أي: في استيفاءِ حقِّه، ((أو أَحَلَّه)) في رواية الكُشْمِيهني: أو أُحِلَّ
له «ولم یُبِّن کمْ هو».
أورَدَ فيه حديثَ سهل بن سعد في استئذان الغلام في الشّرب، وقد تقدَّم في أوَّل كتاب ١٠٣/٥
الشِّرب (٢٣٥١) ويأتي الكلامُ عليه في الأشربة (٥٦٢٠).
ومُطابَقَته - وقد خَفيت على ابن التِّن فأنكَرَها - من جِهَة أنَّ الغلام لو أذِنَ في شُرب
الأشياخ قبلَه لَجَازَ؛ لأن ذلك هو فائدة استئذانه، فلو أذِنَ لكان قد تَبَرَّعَ بحقٌّه وهو لا يعلمُ
قَدَرَ ما يَشرَبون ولا قَدرَ ما كان هو يَشرَبُه، وسيأتي في كتاب الهِبَة (٢٦٠٢) مَزيد لذلك.
١٣ - باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض
٢٤٥٢ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني طَلْحةُ بنُ عبدِ الله:
أنَّ عَبْد الرَّحمنِ بنَ عَمْرِو بنِ سَهْلٍ، أخبَرَه، أنَّ سعيدَ بنَ زيدٍ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه
يقول: ((مَنْ ظَلَمَ مِن الأرضِ شيئاً، طُوِّقَه من سَبْعِ أَرَضينَ)).
[طرفه في: ٣١٩٨]
قوله: ((باب إِثْمِ مَن ظَلَمَ شيئاً من الأرضِ)) كأنَّه يشيرُ إلى توجيه تصوير غَصْب الأرض،
خِلافاً لمن قال: لا يُمكن ذلك.
قوله: (حدَّثني طَلْحة بن عبد الله)) أي: ابن عَوف، وكذا هو عند أحمد (١٦٤١) عن أبي
اليَمَان، زاد الحُميديُّ في («مسندِه)) (٨٣) من وجهٍ آخرَ في هذا الحديث: ((وهو ابن أخي
عبد الرحمن بن عَوْف)).

٢٠
باب ١٣ / ح ٢٤٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عبد الرحمن بن عَمْرو بن سَهْل)) هو المدني، وقد يُنْسَبُ إلى جَدِّه، وقد نَسَبَه المِزّي
أنصاريّاً، ولم أرَ ذلك في شيءٍ من طرق حديثه، بل في رواية ابن إسحاق التي سأذكُرُها ما
يدلُّ على أنَّ قُرَشي، وقد ذكر الواقدي فيمَن قُتِلَ بالْحَرَّة عبدَ الملِك بن عبد الرحمن بن
عَمْرو بن سهل بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نَصر العامري القُرَشي، وأظنُّه ولد هذا،
وكانت الحَرَّة بعدَ هذه القِصَّة بنحوٍ من عشر ◌ِنينَ، وليس لعبد الرحمن هذا في ((صحيح
البخاري)» سوى هذا الحديث الواحد.
١٠٤/٥
وفي الإسناد ثلاثة من التابعينَ في نَسَقٍ، / وقد أسقط بعض أصحاب الزّهري - في
روايتهم عنه هذا الحديث - عبد الرحمن بن عَمْرو بن سهل، وجَعَلوه من رواية طلحة عن
سعيد بن زيد نفسه، وفي ((مُسندَي)) أحمد (١٦٤٢) وأبي يَعْلى (٩٥٠) و((صحيح ابن
خُزيمة))(١) من طريق ابن إسحاق: حدَّثني الزُّهري، عن طلحة بن عبد الله قال: أتتني
أروى بنت أوَيس في نَفَرٍ من قريش فيهم عبد الرحمن بن سهل، فقالت: إنَّ سعيداً انتَقَصَ
من أرضي إلى أرضِه ما ليس له، وقد أحببت أن تأتوه فتُکَلِّموه. قال: فرَکِینا إليه وهو
بأرضِه بالعَقيق ... فذكر الحديث، ويُمكِنُ الجمعُ بين الرِّوايَتَين بأن يكون طلحة سمِعَ هذا
الحدیثَ من سعید بن زيد، وثَبَّتَه فیه عبدُ الرحمن بن عمرو بن سهل، فلذلك کان ربّما
أدخَلَه في السَّنَدِ وربَّما حَذَفَه، والله أعلم.
قوله: ((مَنْ ظَلَمَ)) قد تقدَّم من رواية ابن إسحاق قِصَّة لسعيدٍ في هذا الحديث، وسيأتي
في بَدْءِ الخَلقِ (٣١٩٨) من طريق عُروَة، عن سعيدِ: أنَّه خاصَمَته أروى في حقٍّ زَعَمَت أنَّه
انتَقَصَه لها إلى مروان، ولمسلم (١٣٩/١٦١٠) من هذا الوجه: ادَّعَت أروى بنت أويس
على سعيد بن زيد أنَّه أخذَ شيئاً من أرضِها فخاصَمَته إلى مروان بن الحكم، وله (١٦١٠/
١٣٨) من طريق محمد بن زيد، عن سعيد: أنَّ أروى خاصَمَته في بعضٍ داره، فقال: دَعُوها
وإياها، وللزُّبَير في كتاب ((النَّسَب)) من طريق العَلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، والحسن بن
(١) ليس في القسم المطبوع من ((صحيحه)).