النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
باب ٥-٦ / ح ٢٣٩١ - ٢٣٩٢
كتاب الاستقراض
يَجِدِ الوَفاء صارَ غارماً، فجازَ له الوَفاء من الصَّدَقة، وقيل: كان اقتراضُه لنفسِه فلمَّا حَلَّ
الأجَلُ اشترى من إبل الصَّدَقة بعيراً ثمّن استَحقَّه، أو اقتَرَضَه من آخَرَ أو من مال الصَّدَقة
ليوَفّيه بعدَ ذلك، والاحتمال الأوَّل أقوى، ويُؤَيِّدُه سياقُ حديث أبي رافع(١)، والله أعلم.
تنبيه: هذا الحديثُ من غَرائب (الصحيح))، قال البَزّار: لا يُروى عن أبي هريرة إلَّا
بهذا الإسناد، ومَداره على سَلَمةَ بن كُهَيل، وقد صَرَّحَ في هذا الباب بأنَّه سمِعَه من أبي
سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بِمِنَّى وذلك لمَّا حَجَّ. والله أعلم.
٥- باب حُسْن التقاضي
٢٣٩١- حدَّثنا مُسلِمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ، عن رِبْعيٍّ، عن حُذَيفةَ ظُ، قال:
سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌ّه يقول: ((ماتَ رجلٌ، فقيلَ له، فقال: كنتُ أُبايعُ النّاسَ: فأتجوَّزُ عن الموسِرِ،
وأُخفِّفُ عن المعسِرِ، فَغُفِرَ له)).
قال أبو مسعودٍ: سمعتُه مِنَ النبيِّ يَّ.
قوله ((باب حُسْن النَّقاضي)) أي: استحباب حُسن المطالَبة، أورَدَ فيه حديث حُذَيفة في
قِصَّة الرجل الذي كان يَتَجوَّزُ عن الموسِرِ ويُحُفِّفُ عن المعسِرِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليه
مُستَوفَّى في ((باب مَن أَنظَرَ مُعسِراً)) من كتاب البيوع (٢٠٧٨).
وقوله في هذه الرِّواية: ((فقيل له، فقال)) فيه حذف تقديره: فقيل له: ما كنت تَصنَع؟
ووقع هنا في رواية المُستَمْلي: فقيل له: ما كنت تقول؟ وشيخ البخاري فيه: هو مسلم بن
إبراهيم، وعبد الملك: هو ابن عُمَير.
٦ - بابٌ هل يُعطى أكبرَ من سنّه
٢٣٩٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثَنِي سَلَمَةُ بنُ كُهَيلٍ، عن أبي
سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ : أَنَّ رجلاً أتى النبيَّلَ لَ يَتَقاضاه بعيراً، قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أعطُوهُ))
(١) عند مسلم (١٦٠٠).

٥٢٢
باب ٧ / ح ٢٣٩٣ - ٢٣٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
فقالوا: ما نَجِدُ إلا سِنّاً أفضلَ من سِنِّه، فقال الرجلُ: أوفَيَتَي أوفاكَ الله، فقال رسولُ اللهِ وَّ.
((أعطُوه، فإنَّ من خيار النّاس أحسنَهم قَضاءً)).
قوله: ((بابٌ هل يُعْطِى أكْبَرَ من سِنِّهِ)»؟ هو بضمّ أوَّل ((يعطى)) على البناءِ للمجهول.
وأورَدَ فيه حديث أبي هريرة الماضي قبلُ بباب (٢٣٩٠)، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى فيه.
ويحيى المذكور فيه: هو القَطّان، وسفيان شيخه: هو الثَّوري، وسيأتي بعدَ ستَّة أبوابٍ
(٢٤٠١) من روايته عن شيخ له آخر وهو شُعبة.
٧- باب حسن القضاء
٢٣٩٣- حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ ﴾
قال: كان لِرجلٍ على النبيِّ ◌َّهِ مِنٌّ مِن الإبلِ، فجاءه يَتَقاضاه، فقال ◌َّ: ((أعطُوه)) فطَلَبوا
سِنَّه، فلم يَجِدوا لَهُ إلا سِنّاً فوقَها، فقال: ((أعطُوه)). فقال: أوفَيْتَني أوفى الله بك، قال النبيُّ ◌َّهُ
((إنَّ خيارَكُم أحسنُكُمْ قَضاءً)).
٥٩/٥
٢٣٩٤ - حدَّثْنا خَلَّادٌ، حدَّثنا مِسْعَرٌ، حدَّثنا مُحاربُ بنُ دِثارٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي
الله عنهما، قال: أتيتُ النبيَّ نَّه وهو في المسجدِ - قال مِسْعَرٌ: أُراه قال: ضُحَى - فقال: ((صَلِّ
رَكْعَتَينٍ)). وكان لي علیه دَینٌ، فقضاني وزادني.
قوله: ((باب حُسْنِ القَضاءِ)) أي: استحباب حُسن أداءِ الدَّين، وأورَدَ فيه الحديث
المذکور، وهو ظاهرٌ فیما تَرجَمَ له.
قوله: ((سِنٌّ) أي: جملٌ له سِنٌّ مُعيَّن(١).
وقوله في هذه الرّواية: ((أوفَيْتَني أوفى الله بك)) وقع في رواية يحيى القَطّان في الباب الذي
قبلَه: أوفَيْتَني أوفاك الله.
(١) هذه الفِقْرة جاءت في الأصلين في موضع متقدم عند شرح الحديث (٢٣٩٠)، ونقلناها إلى موضعها
اللائق بها هنا، وجاءت في (س) مثبتةً هنا على الصواب.

٥٢٣
باب ٨ / ح ٢٣٩٥
كتاب الاستقراض
ثم أورد فيه حديث جابر: أتيت النبي وَّ، وفيه: وكان لي عليه دَين فقَضاني وزادني.
قد تقدَّم في مواضعَ(١)، وفي بعضِها بيان قَدرِ الزّيادة، وأنَّها قيراطٌ، وهو في الوكالة
(٢٣٠٩)، ويأتي الكلامُ عليه مُستَوقَى في كتاب الشُّروط (٢٧١٨).
٨- باب إذا قضی دون حقّه أو حلّلہ فهو جائز
٢٣٩٥ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني ابنُ
كَعْبٍ بنِ مالكٍ، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما أخبره: أنَّ أباه قُتِلَ يومَ أُحُدٍ شَهيداً وعليه
دَيٌّ، فاشتَّ الغُرَماءُ في حُقوقِهم، فأتيتُ النبيَّ ◌َِّ، فسألهم أن يقبلوا تمرَ حائطي، ويُحلِّلوا أبي،
فأبُوْا، فلم يُعْطِهِم النبيُّ ◌َّهِ حائطي، وقال: ((سَنَغْدو عليكَ))، فغَدا علينا حينَ أصبَحَ، فطافَ
في النَّخْلِ، ودَعا في ثَمَرِها بالبَرَكةِ، فجَدَدْتُها فَقَضَيْتُهم، وبَقِيَ لنا من تمرِها.
قوله: ((باب إذا قَضى دونَ حقِّه أو حَلَّلَه فهو جائز)) قال ابن بطَّل: هكذا وقعت هذه
التَّرجمةُ في النُّسَخِ كلّها، والصَّوابُ: وحَلَّلَه، بإسقاط الألف. قلت: رأيته في رواية أبي عليّ
ابن شَبّوية عن الفِرَبري بالواو، وكذا في رواية النَّسَفي عن البخاري، وفي ((مُستَخَرَج
الإسماعيلي)، لكِنَّ بَقيةَ الرّوايات بلفظ: ((أو)). قال ابن بطَّال: لأنَّه يجوزُ أن يقضيَ دون
الحقِّ بغير مُحالَلةٍ، ولو حَلَّلَه من جميعِ الدَّين جازَ عند جميع العلماءِ، فكذلك إذا حَلَّلَه من
بعضه. انتھی.
ووَجَّهَه ابن المنيِرِ بأنَّ المراد إذا قَضى دون حقِّه برِضا صاحبِ الدَّين، أو حَلَّلَه صاحبُ
الدَّين من جميعٍ حقِّه فهو جائز.
ثمَّ أورَدَ فيه حديثَ جابر في دَين أبيه، وفيه: فسأَلَم أن يقبلوا تمر حائطي ويُحلِّلوا أبي.
وهذا القَدر هو المرادُ في هذه التَّرجمة. فسيأتي في الباب الذي يَلِيه: أنَّ النبيِّسألَ غريمَه
في ذلك، وسيأتي من هذه الطَّريق أتمَّ مَّا هنا في كتاب الهبة (٢٦٠١)، ويأتي الكلامُ عليه
مُستَوَى في علامات النُّبُوَّة (٣٥٨٠) إن شاء الله تعالى.
(١) انظر الحديث رقم (٤٤٣).

٥٢٤
باب ٩ / ح ٢٣٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله في هذه الرِّواية: ((عن ابن كعب بن مالك)) ذَكَر أبو مسعود وخَلَفٌ في ((الأطراف))
وتَبِعَهما الحُميدي أنَّه عبد الرحمن، وذكر المِّي أَنَّه عبد الله، واستَدَلَّ بأنَّ ابن وَهْب روى
الحديثَ عن يونسَ بالسَّنَدِ الذي في هذا الباب، فسَّه عبد الله. قلت: والرِّواية بذلك عند
الإسماعيلي، إلّا أنَّه قال فيه: إنَّ جابراً قُتِلَ أبوه. وصورتُه مُرسَل، فإنَّه لم يقل: إنَّ جابراً
أخبره ولا حدَّثه، ولكنَّ هذا القَدْرَ كافٍ في كَونِه عبدَ الله لا عبد الرحمن، نعم روی
الزّهْري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر قِصَّة شُهَداءٍ أُحُد كما مضى في الجنائزِ
(١٣٤٤)، وذلك هو الحاملُ لهم على تفسيره هنا به، والله أعلم.
٦٠/٥
٩ - بابٌ إذا قاصَّ أو جازَفَه في الدين فهو جائزٌ تمراً بتمرٍ أو غيره
٢٣٩٦ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنس، عن هشامٍ، عن وهْبٍ بنِ كَيْسانَ، عن
جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّه أخبره: أنَّ أباه توُلَّ وتَرَكَ عليه ثلاثينَ وَسْقاً لِرجلٍ مِن
اليهودِ، فاستَنْظَرَه جابرٌ فأبى أن يُنظِرَه، فكَلَّمَ جابرٌ رسولَ الله وَّهِ لِيَشْفَعَ له إليه، فجاء
رسولُ اللهِوَّرِ فَكَلَّمَ اليهوديَّ ليأخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بالذي له، فأَبَّى، فَدَخَلَ رسولُ اللهِ وَِّ النَّخْلَ،
فمَشَى فيها، ثمَّ قال لجِابٍ: ((جُدَّ له، فأوفِ له الذي له)) فجَدَّه بعدَما رَجَعَ رسولُ اللهِوَِّ،
فأوفاه ثلاثينَ وَسْقاً، وفَضَلَت له سَبْعةَ عَشَرَ وَسْقاً، فجاء جابرٌ رسولَ الله وَّ لُخْبِرَه بالذي
كان، فوَجَدَه يُصَلّي العَصْرَ، فلمَّ انصَرَفَ أخبَرَه بالفَضْلِ، فقال: ((أخبِرِ ذاكَ ابنَ الخطَّاب))
فَذَهَبَ جابرٌ إلى عمرَ، فأخبَرَه، فقال له عمرُ: لقد عَلِمْتُ حينَ مَشَى فيها رسولُ اللهِ وَيَد.
لَیُبارَ گنَّ فیھا.
قوله: ((بابٌ إذا قاصَّ أو جازَفَه في الدَّينِ)) أي: عند الأداءِ ((فهو جائز تمراً بتمرٍ أو غيرِهِ»
قال المهلَّب: لا يجوزُ عند أحدٍ من العلماءِ أن يأخُذَ مَن له دَينُ تمرٍ من غريمِه تمراً مُجازَفةً
بدَينِهِ لمَا فيه من الجهل والغَرَر، وإنَّما يجوزُ أن يأخُذَ مُجازَفَةً في حقِّه أقلّ من دَينِهِ إذا عَلِمَ
الآخِذُ ذلك ورضي، انتھی.
وكأنَّه أراد بذلك الاعتراضَ على ترجمة البخاري، ومُرادُ البخاري ما أثبَتَه المعتَرِضُ لا

٥٢٥
باب ١٠ / ح ٢٣٩٧
كتاب الاستقراض
ما نَفاه، وغَرَضه بيان أنَّه يُغْتَفَرُ في القَضاءِ من المعاوضة ما لا يُغَفَرُ ابتداءً، لأنَّ بيعَ
الرُّطَبِ بالتَّمرِ لا يجوزُ في غيرِ العَرايا، ويجوزُ في المعاوضة عند الوَفاء، وذلك بيِّنٌّ في
حديثِ الباب، فإنَّهِ ﴿ سألَ الغريمَ أن يأخُذَ تمرَ الحائط وهو مجهولُ القَدْرِ في الأوساق
التي له، وهي معلومة، وكان تمرُ الحائط دون الذي له، كما وقع التصريحُ بذلك في كتاب
الصُّلح (٢٧٠٩) من وجهٍ آخرَ، وفيه: فأبوا ولم يَروا أنَّ فيه وفاءً.
وقد أخذَ الدِّمياطي كلام المهلَّب فاعتَرَضَ به، فقال: هذا لا يَصِحّ. ثمَّ اعتَلَّ بنحوِ ما
ذكره المهلَّب. وتَعَقَّبَه ابن المنيِّر بنحوِ ما أجَبتُ به، فقال: بيع المعلومِ بالمجهول مُزابَنَةٌ، فإن
كان تمْراً أو نحوَه فمُزابَنة ورباً، لكن اغتُفِرَ ذلك في الوَفاءِ، لأنَّ التَّقاوُتَ مُتَحقِّق في العُرفِ
فيَخرُجُ عن كَونِهِ مُزابَنة، وسيأتي الكلام على بقية فوائدِه في علامات النَّبَوَّة (٣٥٨٠) إِن
شاء الله تعالى.
قوله في هذا الإسناد: ((حدَّثنا أنس)) هو ابن عياضٍ أبو ضَمْرة، وهشام: هو ابن عُروَة،
ووَهْب: هو ابن كَيسان، والإسناد كلّه مدنُّونَ.
١٠ - باب من استعاذ من الدّين
٢٣٩٧- حدثنا أبواليمان، أخبرنا شُعيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وحدَّثنا إسماعيلُ، قال:
حذَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدٍ بنِ أبي عَتيقٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوةَ، أنَّ عائشةَ رضي
الله عنها أخبَرَتْه: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ كان يَدْعو في الصَّلاةِ ويقول: ((اللهمَّ إنّ(١) أعوذُ بكَ مِن
المأَثَمِ والمغْرَمِ))، فقال له قائلٌ: ما أكْثَرَ ما تَسْتَعيذُ يا رسولَ الله مِن المغْرَم! قال: ((إنَّ الرجلَ إِذا
غَرِمَ حدَّث فكَذَبَ، ووَعَدَ فأخلَفَ)).
قوله: ((باب من استعاذ من الدين. حدَّثنا أبو اليَمَان)) تقدَّم بهذا الإسناد والمتن في أواخر ٦١/٥
صِفة الصلاة (٨٣٢)، وسياقه هناك أتمٌّ، وتقدَّم شرحُه ثَمَّ، والسّياق الذي هنا كأنَّه
(١) لفظة ((إني)) أثبتها القَسْطلَّاني لأبي ذرِّ الهروي، وقد عُلِّم في اليونينية بعلامة سُقوطها من رواية أبي ذرّ!
فالله تعالى أعلم.

٥٢٦
باب ١١ / ح ٢٣٩٨ - ٢٣٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
للإسناد الثاني، ويُؤَيِّدُه أنَّ روايةَ أبي اليَمَان المفرَدَةَ هناك صَرَّحَ فيها بالإخبار من عُرُوَة
للزّهري، وذكر هاهنا بالعَنعَنة.
وإسماعيلُ المذكورُ هنا: هو ابن أبي أُوَيس، وأخوه: هو عبد الحميد أبو بكر، وهو بكُنيتِه
أشھَر، وسليمان: هو ابن بلال، والإسناد كلّه مدنُّونَ.
قال المهلَّب: يُستَفادُ من هذا الحديثِ سدُّ الذَّرائع، لأنَّه وَه استعاذَ من الدَّين، لأنَّه في
الغالبِ ذَريعةٌ إلى الكذبِ في الحديثِ، والخُلْفِ في الوَعِدِ، مع ما لصاحبِ الدَّين عليه من
المقال، انتهى.
ويُحْتَمَلُ أن يُراد بالاستعاذة من الدَّين الاستعاذَةُ من الاحتياج إليه، حتَّى لا يقعَ في هذه
الغَوائل، أو من عَدَمِ القُدرة على وفائه حتَّى لا تَبقى تَبِعَتُه، ولَعَلَّ ذلك هو السِّرُّ في إطلاق
التَّرجمة. ثمَّ رأيت في ((حاشية ابن المنيِّ)): لا تَنَاقُضَ بين الاستعاذة من الدَّين وجواز الاستدانة،
لأنَّ الذي استُعيذَ منه غَوائل الدَّين فمن ادّان وسَلِمَ منها فقد أعاذَه الله وفِعْلُه جائزٌ (١).
١١ - باب الصّلاة على من ترك ديناً
٢٣٩٨ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَديٍّ بنِ ثابتٍ، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هريرةَ
﴾، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلَّا فإلينا)).
٢٣٩٩ - حَدَّثَني عبدُ الله بنُّ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو عامِرٍ، حدَّثنا فُلَيِحٌ، عن هلال بنِ عليٍّ، عن
عبد الرحمن بنِ أبي عَمْرةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((ما من مُؤْمِنٍ إلا أنا أوْلَى به في
الدُّنْيا والآخرِة، اقرؤوا إن شِئْتُم: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فأيّما
مُؤْمِنٍ ماتَ وتَرَكَ مالاً، فلْيَرِثْه عَصَبَتُهُ مَن كانوا، ومَن تَرَكَ دَيناً أو ضَياعاً، فلْيأْتِنِي فأنا مَوْلاه)).
قوله: ((باب الصلاة على مَن تَرَكَ دَيناً) قال ابن المنيِرِ: أراد بهذه التَّرجمة أنَّ الدَّينَ لا يُحِلُّ
بالدِّين، وأنَّ الاستعاذَةَ منه ليست لذاته، بل لمَا يُحشى من غَوائله، وأورَدَ الحديثَ الذي
(١) في (س): وفَعَل جائزاً.

٥٢٧
باب ١٢ - ١٣ / ح ٢٤٠٠ - ٢٤٠١
كتاب الاستقراض
فيه: ((مَن تَرَكَ دَيناً فليأتِني) وأشار به إلى بَقيّتِه: وهو أنَّه كان لا يُصَلّي على مَن عليه دَين،
فلمَّا فُتِحَت الفُتوح صارَ يُصَلّي عليه، وقد مضى بتمامه في الكَفالة (٢٢٩٨). ويأتي بقية
شرحه في تفسير الأحزاب (٤٧٨١)، وفي الفرائضٍ (٦٧٣١) إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((كَلَّا)) بالفتحِ والتَّشديد، أي: عِيالاً.
وقوله: ((ضَياعاً)) بِفتح المعجَمة، أي: عِيالاً أيضاً، قال الخطَّبي: جُعِلَ اسماً لكُلِّ ما هو
بِصَدَدِ أن يَضيعَ من ولدٍ أو خَدَم، وأنكَرَ الخطَّابي كسر الضّاد، وجَوَّزَه غيره على أنَّه جمعُ
ضائع، گجیاع وجائع.
١٢ - بابٌ مطل الغني ظلم
٢٤٠٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الأعلَى، عن مَعمَرٍ، عن هنَّامِ بنِ مُنبِّهِ أخي وهْبٍ بنِ
مُنِيِّهِ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ)).
قوله: ((بابٌ مَطْل الغَني ظُلْم)) تَرجمَ بلفظ الحديث، وهو طَرَفٌ من حديث مضى تامّاً
في الحوالة مع الكلام عليه (٢٢٨٧).
عبد الأعلى الذي في الإسناد: هو ابن عبد الأعلى البصري.
١٣ - بابٌ لصاحب الحق مَقال
٦٢/٥
ويُذكَر عن النبيِّ وَّهِ: ((لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعقُوبَتَه)). قال سفيانُ: ((عِرْضُه)) يقول:
مَطَلَني، (وعقوبَتُه)): الحَبْس.
٢٤٠١ - حدَّثنا مُسدّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن سَلَمَةَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ هُ﴾.
أتى النبيَّ ◌َهرجلٌ يَتَقاضاه، فأغلَظَ له فهَمَّ به أصحابُه، فقال: ((دَعُوه، فإنَّ لِصاحبِ الحقِّ مقالاً).
قوله: ((بابٌ لِصاحبِ الحقِّ مَقال)) ذكر فيه حديث أبي هريرة المقدَّم قريباً، وهو نَصِّ في
ذلك، وذكر الحديث المعَلَّق لما فيه من تفسير المقال، وقد تقدَّم شرح حديث أبي هريرة
قريباً (٢٣٩٠).

٥٢٨
باب ١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ويُذْكَر عن النبيِ نَّهِ: لَيُّ الواجد يُحِلُّ ◌ِرْضَه وعقوبَتَه)) اللَّيِّ، بالفتح: المَطْلُ،
لَوَى يَلوي. والواجِدُ، بالجيمِ: الغَنيّ، من الوُجدِ بالضمِّ، بمعنى القُدْرة. و((يُحِلُّ)) بضمّ
أوَّله، أي: يُجُوِّزُ وصفَه بكَونِهِ ظالماً.
والحديثُ المذكورُ وَصَلَه أحمد (١٧٩٤٦) وإسحاق في ((مسندَيهما))، وأبو داود (٣٦٢٨)
والنَّسائي (٤٦٨٩)(١) من حديثٍ عَمرو بن الشَّريد بن أوس الثَّقَفي عن أبيه، بلفظه، وإسناده
حسن، وذكر الطبراني(٢): أنَّه لا يُروى إلَّا بهذا الإسناد.
قوله: ((قال سُفْيان: عِرْضه، يقول: مَطَلَني، وعقوبتُه: الحَبْس)) وَصَلَه البيهقي (٥١/٦)
من طريق الفِريابي - وهو من شيوخ البخاري - عن سفيان بلفظ: عِرضُه أن يقولَ:
مَطَلَني حَقّي، وعقوبته أن يُسجَنَ. وقال إسحاق: فسَّر سفيان عِرضَه: أذاه بلسانه، وقال
أحمد لمَّا رواه عن وكيع بسندِه (١٧٩٤٦): قال وكيع: عِرِضُه: شِكايَتُه. وقال كلٌّ منهما:
عقوبتُه: حَبْسه.
واستُدِلَّ به على مشروعية حبسِ المَدِين إذا كان قادراً على الوَفاءِ، تأديباً له وتشديداً
عليه، كما سيأتي نقلُ الخِلاف فيه، وبقوله: ((الواجد)) على أنَّ المُعِرَ لا يُحبَس.
تنبيه: وقع في الرَّافعي في المتن المرفوع: لَيُّ الواجد ظُلم وعقوبتُه حَبسُه. وهو تغييرٌ،
وتفسيرُ العقوبة بالحبسِ إنّما هو من بعضِ الرُّواة كما ترى.
١٤ - بابٌ إذا وجد مالَه عند مفلس في البيع والقرض
والوديعة فهو أحقّ به
وقال الحسنُ: إذا أفلَسَ وتَبيَّنَ لم يَجُزْ عِثْقُه ولا بيعُه ولا شِراؤه.
وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: قَضَى عُثْمَانُ: مَنِ اقْتَضَى من حقِّه قَبْلَ أن يُفْلِسَ فهو له، ومَن عَرَفَ
متاعه بعينه فهو أحقُّ به.
(١) وهو أيضاً في ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٢٧).
(٢) في ((المعجم الأوسط)) (٢٤٢٨).

٥٢٩
باب ١٤
كتاب الاستقراض
قوله: ((باب إذا وَجَدَ ماله عند مُفْلِس في البيع والقَرْضِ والوديعة فهو أحقُّ به)) المفلِس
شرعاً: مَن تزيدُ دُيونُه على موجودِهِ، سُمّي مُفلِساً لأنَّه صارَ ذا فُلوس بعدَ أن كان ذا دراهمَ
ودنانيرَ، إشارةً إلى أنَّه صارَ لا يَملِكُ إلَّا أدنى الأموال وهي الفُلوس، أو سُمّ بذلك لأنَّه
يُمنَعُ التَّصَرُّفَ إلَّا في الشيءِ التافه كالفُلوسِ، لأنَّهم ما كانوا يتعاملون بها إلَّا في الأشياءِ
الحقيرة، أو لأنَّه صارَ إلى حالةٍ لا يَملِكُ فيها فَلْساً، فعلى هذا فالهمزة في ((أفلَسَ)) للسَّلْب.
٦٣/٥
وقوله: ((في البيعِ»/ إشارة إلى ما وَرَدَ في بعضِ طرقه نَصّاً(١).
وقوله: ((والقَرْض)) هو بالقياس عليه، أو لدخولِه في عُمومِ الخبرِ، وهو قولُ الشافعي
في آخرينَ، والمشهور عن المالكية: التَّفْرِقة بين القَرْضِ والبيع.
وقوله: ((والوديعة)) هو بالإجماع. وقال ابن المنيِر: أدخَلَ هذه الثلاثة إمَّا لأنَّ الحديثَ
مُطلَق، وإمَّا لأنَّه واردٌ في البيع، والآخَران أولى، لأنَّ مِلك الوَديعة لم يَنْتَقِل، والمحافَظَة على
وفاءِ مَن اصطَنَعَ بالقَرضِ معروفاً مطلوب.
قوله: ((وقال الحسن: إذا أفلَسَ وتَبيَّنَ لم يَجُز عِثْقه ولا بيعُه ولا شِراؤُه)) أمَّا قوله: ((وتَبيَّنَ))
فإشارة إلى أنَّه لا يُمنَعُ التَّصَرُّفَ قبلَ حُكمِ الحاكم، وأمَّا العِتقُ فمَحَلّه ما إذا أحاطَ الدَّينُ
بماله، فلا يَنْفُذُ عِتَقُه ولا هِبتُه ولا سائرُ تَبرُّعاته، وأمَّا البيعُ والشِّراءُ فالصحيح من قول
العلماءِ: أنَّهما لا يَنفُذان أيضاً إلَّا إذا وقع منه البيع لوَفاءِ الدَّين، وقال بعضهم: يُوقَفُ، وهو
قولٌ للشافعي(٢)، واختُلِفَ في إقراره، فالجمهور على قَبُولِهِ، وكأنَّ البخاري أشار بأثرٍ
الحسن إلى مُعارضة قول إبراهيمَ النَّخَعي: بيعُ المحجورِ وابتیاءُه جائز.
قوله: ((وقال سعيد بن المسيّب: قَضى عثمان - أي: ابن عَفّان -... )) إلى آخره، وصَلَه أبو
عُبيد في ((كتاب الأموال))(٣) والبيهقي (٤٦/٦) بإسنادٍ صحيح إلى سعيد، ولفظه: أفلَسَ
(١) كما سيأتي في الشرح.
(٢) في (ع) و(س): قول الشافعي، وهو تحريف، والمثبت على الصواب من (أ)، موافقاً لعبارة العيني في
(«العمدة)) ١٣٧/١٢ حيث قال: وبه قال الشافعي في قول.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((الأموال))، وقد عزاه إليه الحافظ أيضاً في ((تغليق التعليق)) ٣/ ٣٢٠. وأخرجه =

٥٣٠
باب ١٤ / ح ٢٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
مَولَّى لأُمِّ حَبيبةَ فاختُصِمَ فيه إلى عثمان فقَضى، فذكره، وقال فيه: قبلَ أن يَتبیّن إفلاسُه،
قوله: قبلَ أن يُفلِسَ، والباقي سواء.
٢٤٠٢ - حدَّثْنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّتنا زهيرٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرني أبو بكرٍ
ابنُ محمَّدٍ بنِ عَمْرٍو بنِ حَزْمٍ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أخبَرَه، أنَّ أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ
ابنِ هشامٍ أخبَره، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال رسولُ الله ◌َّةِ - أو قال: سمعتُ رسولَ الله
وَّ يقول -: «مَن أدرَكَ مالَه بعَينِهِ عندَ رجلٍ - أو إنسانٍ - قد أفلَسَ، فهو أحقُّ به من غيرِهِ».
قوله: ((حدَّثنا زهير)) هو ابن معاوية الجُعْفيّ، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري. وفي هذا
السَّنَدِ أربعة من التابعينَ هو أوَّهُم، وكلَّهم وَلِيَ القضاء، وكلَّهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن
من طبقةٍ واحدةٍ.
قوله: ((قال رسول الله ﴿ ﴿، أو قال: سمعت رسولَ الله وَلَ)) هو شكٌّ من أحدِ رواته،
وأظنُّه من زهير، فإنّي لم أرَ في رواية أحد ممّن رواه عن يحی مع گثرتهم فيه التصریحَ
بِالسَّمَاعِ (١)، وهذا مُشعِرٍ بأنَّه كان لا يرى الرّوايةَ بالمعنى أصلاً.
قوله: ((مَن أدَرَكَ ماله بعَينِهِ» استُدِلَّ به على أنَّ شرطَ استحقاق صاحب المال دون غيره:
أن يَجِدَ مالَه بعَينِهِ لم يَتغيَّر ولم يَتَبَدَّل، وإلّا فإن تَغَيَّرَتِ العينُ في ذاتها بالنَّقْصِ مثلاً، أو في
صِفةٍ من صِفاتها، فهي أُسْوَةُ الغرماءِ، وأصرَحُ منه رواية ابن أبي حسين عن أبي بكر بن
محمد بسندِ حديث الباب عند مسلم (٢٣/١٥٥٩) بلفظ: إذا وُجِدَ عنده المتاعُ ولم يُفرِّقه،
ووقع في رواية مالك (٦٧٨/٢) عن ابن شِهَاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
مُرسلاً: ((أيُّما رجلٍ باع مَتَاعاً فأفلَسَ الذي ابتاعه ولم يَقِضِ البائع من ثمنه شيئاً، فوَجَدَه
بعَينِه فهو أحقُّ به))، فمفهومه أنَّه إذا قَبَضَ من ثمنه شيئاً كان أُسوَةَ الغُرَماءِ، وبه صَرَّحَ ابن
شِهَاب فيما رواه عبد الرَّزّاق (١٥١٥٧) عن مَعمَرِ عنه، وهذا وإن كان مُرسلاً فقد وصَلَه
= كذلك الدار قطني في ((سننه)) (٢٩١٥).
(١) أخرجه أحمد (٧١٢٤)، ومسلم (١٥٥٩) (٢٢)، وأبو داود (٣٥١٩)، وابن ماجه (٢٣٥٨)، والترمذي
(١٢٦٢)، والنسائي (٤٦٧٦) من طرق عن يحيى. وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)).

٥٣١
باب ١٤ / ح ٢٤٠٢
كتاب الاستقراض.
عبد الرَّزّاق في ((مُصَنَّفِه))(١) عن مالك، لكنَّ المشهورَ عن مالك إرسالُه، وكذا عن الزُّهْري،
وقد وَصَلَه الزُّبَيدي عن الزُّهْري، أخرجه أبو داود (٣٥٢٢) وابن خُزيمة وابن الجارود
(٦٣٢).
ولابن أبي شَيْبة (٣٦/٦) عن عمر بن عبد العزيز، أحد رواة هذا الحديث، قال: قَضَی
رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّه أحقُّ به من الغُرَماءِ، إلَّا أن يكون اقتَضى من ماله شيئاً فهو أُسوَةُ
الغُرَماءِ. وإليه يشيرُ اختيار البخاري لاستشهاده بأثرِ عثمان المذكورِ، وكذلك رواه
عبد الرَّزّاق (١٥١٦٥) عن طاووس وعطاء صحيحاً، وبذلك قال جمهور مَن أخذَ بعُمومٍ
حديث الباب، إلَّا أنَّ للشافعي قولاً هو الرَّاجحُ في مذهبِهِ، أن لا فرقَ بين تَغُّرِ السِّلعة أو
بقائها، ولا بين قَبضِ بعضِ ثمنِها أو عَدَمٍ قَبضِ شيءٍ منه، على التَّفاصيل المشروحة في
کتب الفروع.
قوله: ((عند رجلٍ أو إنسان)» شكٍّ من الراوي أيضاً.
قوله: «قد أفلَسَ» أي: تَبيَّنَ إفلاسه.
قوله: ((فهو أحقُّ به من غيره)) أي: كائناً مَن كان، وارثاً وغريماً، وبهذا قال ◌ُمهورُ
العلماء، وخالَفَ الحنفيّة فتأوَّلوه لكَونِه خبرَ واحدٍ خالَفَ الأُصولَ، لأنَّ السِّلعةَ صارت
بالبيعِ مِلكاً للمُشتَري ومن ضَمَانه، واستحقاقُ البائع أخذها منه نَقضٌ لِلكِهِ، وحملوا
الحديثَ على صورةٍ وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عاريّة أو لُقَطة. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان
كذلك لم يُقِيَّد بالفَلَس، / ولا جُعِلَ أحقَّ بها لمَا تَقْتَضيه صيغَةُ أفعَل من الاشتراك، وأيضاً ٦٤/٥
فما ذَكَروه يَنْتَقِضُ بالشُّفعة، وأيضاً فقد وَرَدَ التَّنصيصُ في حديث الباب على أنَّه في صورة
(١) كذا قال الحافظ، مع أن الذي وقع في مطبوع ((المصنف)) (١٥١٥٨) عن مالك مرسلاً أيضاً، وهو كذلك
في أصله الخطِّي الموجود عندنا، ولم يأت موصولاً عن مالك أيضاً في شيء من روايات ((الموطأ)) فيما قاله
ابن عبد البر ٤٠٦/٨، لكن أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٤٦٠٦) من طريق عبد الرحمن بن
بشر النيسابوري، عن عبد الرزاق، عن مالك موصولاً كما قال الحافظ، فلعل الحافظ رآه معزواً لعبد
الرزاق موصولاً فظنه في ((المصنف))، وإلا فقد نصَّ ابنُ التركماني أيضاً في ((الجوهر النقي)) ٦ / ٤٧ أنه في
((المصنف)) مرسلاً، موافق لما في المطبوع، وما في أصله الخطي الموجود عندنا.

٥٣٢
باب ١٤ / ح ٢٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثّوري في ((جامعِه))، وأخرجه من طريقه ابن خُزيمة وابن
حِبَّان (٥٠٣٧) وغيرهما، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: ((إذا ابتاع الرجلُ سلعةً
ثُمَّ أفلَسَ وهي عنده بعَينِها فهو أحقُّ بها من الغُرَماءِ))، ولابن حِبَّان (٥٠٣٨) من طريق
هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أفلَسَ الرجلُ فوَجَدَ البائعُ سلعتَه))
والباقي مِثْلُه، ولمسلمٍ (٢٣/١٥٥٩) في رواية ابن أبي حسين المشار إليها قبلُ: إذا وُجِدَ
عنده المتاعُ أنَّه لصاحبِه الذي باعه، وفي مُرسَل ابن أبي مُلَيكة عند عبد الرَّزّاق (١٥١٦٩):
((مَن باع سلعةً من رجلٍ لم يَنقُده ثمَّ أفلَسَ الرجلُ فَوَجَدَها بعَينِها، فليأخُذها من بين
الغُرَماءِ))، وفي مُرسَل مالكٍ (٦٧٨/٢) المشار إليه: ((أيُّما رجلٍ باع متاعاً))، وكذا هو عند
مَن قَدَّمنا أنَّه وصَلَه، فَظَهَرَ أنَّ الحديثَ واردٌ في صورة البيع، ويَلتَحِقُ به القَرض وسائرُ ما
ذُكر من باب الأَولى.
تنبيه: وقع في الرَّافعي سياق الحديثِ بلفظ الثَّوري الذي قدَّمتُه، فقال السُّبكي في
((شرح المنهاج)): هذا الحديث أخرجه مسلم بهذا اللَّفظِ، وهو صريحٌ في المقصودِ، فإنَّ
اللَّفظَ المشهورَ، أي: الذي في البخاري، عامٌّ أو مُتِمِل، بخِلاف لفظ البيع فإنَّه نَصُّ لا
احتمالَ فيه، وهو لفظ مسلم، قال: وجاء بلفظه بسندٍ آخرَ صحيح. انتَهى. واللَّفظُ المذكورُ
ما هو في ((صحيح مسلمٍ))، وإنَّما فيه ما قدَّمتُه، والله المستعان.
وحَمَلَه بعض الحنفية أيضاً على ما إذا أفلَسَ المشتري قبلَ أن يَقِضَ السِّلعةَ. وتُعُقِّبَ
بقوله في حديثٍ الباب: ((عند رجل)) ولابن حِبَّان من طريق سفيان الثَّوري، عن يحيى بن
سعيد: ((ثُمَّ أفلَسَ وهي عنده)، وللبيهقي من طريق ابن شِهَاب عن يحيى (١): ((إذا أفلَسَ
الرجلُ وعنده مَتاع)) فلو كان لم يَقِضه ما نَصَّ في الخبرِ على أنَّه عنده، واعتذارهم بكَونِه
خبرَ واحدٍ فيه نظر، فإنَّه مشهورٌ من غير هذا الوجه، أخرجه ابن حِبَّان (٥٠٣٩) من
(١) كذا قال الحافظ، وهو سَبْق قلم منه رحمه الله، لأن الذي عند البيهقي ٦ / ٤٧: عن الزهري، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة. لا عن يحيى بن سعيد بسنده المذكور، ثم إن رواية الزهري عن أبي بكر هذه
موجودة عند أبي داود في ((سننه)) (٣٥٢٢)، وقد عزاها الحافظ إليه سابقاً، فكان حريّاً أن يعزوَها إليه هنا.

٥٣٣
باب ١٤ / ح ٢٤٠٢
كتاب الاستقراض
حديثٍ ابن عمر، وإسناده صحيح(١)، وأخرجه أحمد (٢٠١٤٨) وأبو داود (٣٥٣١) من
حديث سمُرة، وإسناده حسن(٢)، وقَضى به عثمان وعُمر بن عبد العزيز كما مضى، وبدون
هذا يَخْرُجُ الخبرُ عن كَونِه فرداً غريباً، قال ابن المنذر: لا نَعرِفُ لعثمان في هذا مُخُالفاً من
الصحابة. وتُعُقِّبَ بما روى ابن أبي شَيْبة (٣٦/٦) عن عليّ: أنَّه أُسوَةُ الغُرَماء. وأُجيبَ بأنَّه
اختُلِفَ على عليّ في ذلك بخلاف عثمان.
وقال القُرطُبي في ((المفهِم)): تَعسَّفَ بعض الحنفية في تأويل هذا الحديثِ بتأويلاتٍ لا
تقومُ على أساس، وقال النَّوَوي: تأوَّلَه بتأويلاتٍ ضعيفةٍ مردودةٍ. انتَهى.
واختلفَ القائلون في صورةٍ، وهي ما إذا ماتَ ووُجِدَت السِّلعةُ، فقال الشافعي: الحكمُ
كذلك، وصاحب السِّلعة أحقُّ بها من غيره، وقال مالك وأحمد: هو أُسْوَة الغُرَماء، واحتَجّا
بما في مُرسَل مالكِ (٦٧٨/٢): ((وإن ماتَ الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه أُسْوَة الغُرَماءِ))،
وفَرَّقوا بين الفَلَسِ والموت بأنَّ المِيِّتَ خَرِبَت ذِمَّتُه، فليس للغُرَماءِ مَحَلَّ يَرجِعون إليه،
فاستَوَوا في ذلك، بخلاف الفَلَس.
واحتَجَّ الشافعي بما رواه (٢٠٣/٣) من طريق عمر بن خَلْدة قاضي المدينة عن أبي
هريرة قال: قَضى رسولُ الله ◌َّهِ: أَيُّما رجلٍ ماتَ أو أفلَسَ فصاحب المتاع أحقّ بمَتاعِه إذا
وَجَدَه بعَينِهِ، وهو حديث حسنٌ يُحْتَجُّ بمثله(٣)، أخرجه أيضاً أحمد (٤) وأبو داود (٣٥٢٣)
وابن ماجَهْ (٢٣٦٠) وصَحَّحَه الحاكمُ (٥٠/٢-٥١)، وزاد بعضهم في آخره: ((إلَّا أن يَتْرُكَ
(١) بل إسناده حسن، لأن فيه فليح بن سليمان، وأعدلُ الأقوال فيه ما قاله الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): أن
حديثه في رُتبة الحسن.
(٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، ولم يذكره الحافظ نفسه في ((أطراف المسند))، ولا عزاه لأحمد في ((إتحاف
المهرة) (١٩٦٥١)!
(٣) بل في إسناده أبو المعتمر بن عمرو بن رافع، وهو مجهول. والزيادة التي سيشير إليها الحافظُ عند ابن أبي
شيبة ١٠/ ١٧١.
(٤) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، ولم يذكره الحافظ نفسه في ((أطراف المسند))، ولا عزاه لأحمد في ((إتحاف
المهرة)) (١٩٦٥١)!

٥٣٤
باب ١٤ / ح ٢٤٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
صاحبُه وفاء))، ورَجَّحَه الشافعي على المرسَلِ، وقال: يُحْتَمَلُ أن يكون آخرُه من رأيٍ أبي
بكر بن عبد الرحمن، لأنَّ الذينَ وصَلوه عنه لم يَذْكُرُوا قَضيةَ الموت، وكذلك الذينَ رَوَوا
عن أبي هريرة وغيره لم يَذكُرُوا ذلك، بل صَرَّحَ ابن خَلْدة عن أبي هريرة بالتَّسوية بين
الإفلاس والموتِ، فَتَعيَّنَ المصير إليه، لأنَّها زيادةٌ من ثقة. وجَزَمَ ابنُ العربي المالكي بأنَّ
الزّيادةَ التي في مُرسَل مالكِ من قول الراوي، وجَمَعَ الشافعيّ أيضاً بين الحديثين بحَمل
حديث ابن خَلدة على ما إذا ماتَ مُفلِساً، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن على ما إذا ماتَ
مليئاً، والله أعلم.
ومن فروعِ المسألة ما إذا أراد الغُرَماء أو الوَرَثة إعطاءَ صاحبِ السِّلعة الثَّمَن، فقال
مالك: يَلْزَمُه القَبُول، وقال الشافعي وأحمد: لا يَلزَمُه ذلك لمَا فيه من الِنَّةَ، ولأنَّه ربَّما
ظَهَرَ غريمٌ آخرُ فزاحَمَه فيما أخذَ. وأغرَبَ ابن التِّين فحكى عن الشافعي أنَّه قال: لا يجوزُ له
ذلك، وليس له إلَّا سلعتُه.
٦٥/٥
ويَلْتَحِقُ بالمبيعِ المؤجّرُ، فَيَرجِعُ مُكتَري الدّابَّة أو الدّار إلى عَين دابَّتِهِ وداره ونحوِ ذلك،
وهذا هو الصحيحُ عند الشافعية والمالكية. وإدراج الإجارة في هذا الحكم مُتَوَقِّف على أنَّ
المنافعَ يُطلَقُ عليها اسم المتاع أو المال، أو يقال: اقتَضى الحديثُ أن يكون أحقّ بالعينِ، ومن
لَوازمٍ ذلك الرُّجوع في المنافعِ، فثبت بطريق اللُّزوم.
واستُدِلَّ به على حُلول الدَّين المؤجَّل بالفَلَسِ من حيثُ إنَّ صاحبَ الدَّين أدرَكَ مَتاعه
بعَينِهِ، فيكون أحقّ به، ومن لوازمٍ ذلك أن يجوزَ له المطالبة بالمؤجَّلِ، وهو قولُ الجمهور،
لكِنَّ الرَّاجحَ عند الشافعية: أنَّ المؤجَّلَ لا يَحِلُّ بذلك، لأنَّ الأجَلَ حَقٌّ مقصود له فلا يُفوَّت.
واستُدِلَّ به على أنَّ لصاحبِ المتاعِ أن يأخُذَه، وهو الأصَحُّ من قولي العلماء، والقولُ
الآخر يَتَوَقَّفُ على حُكمِ الحاكمِ كما يَتَوَقَّفُ ثبوت الفَلَس.
واستُدِلَّ به على فسخ البيع إذا امتَنَعَ المشتري من أداء الثَّمَن مع قُدرَتِهِ بمطْلٍ أو هَرَبٍ
قياساً على الفَلَسِ، بجامع تَعذَّرِ الوصول إليه حالاً، والأصَحّ من قولي العلماء: أنَّه لا يُفْسَخ.

٥٣٥
باب ١٥-١٦ / ح ٢٤٠٣
كتاب الاستقراض
واستُدِلَّ به على أنَّ الرُّجوعَ إنَّما يقعُ في عَين المتاع دون زَوائِدِه المنفَصِلة، لأنَّهَا حَدَثَت
على مِلكِ المشتري، وليست بمَتاعٍ للبائعِ، والله أعلم.
١٥- باب من أخّر الغريم إلى الغد أو نحوه
ولم يَ ذلك مَطْلاً
وقال جابرٌ: اشتَدَّ الغُرَماءُ في حُقوقِهم في دَينٍ أَبي، فسألهم النبيُّ وَّل أن يقبلوا تمْرَ حائطي
فأبَوْا، فلم يُعْطِهِم الحائطَ، ولم يَكْسِرْه لهم، وقال: ((سأَغْدُو عليكم)) فغَدا علينا حينَ أصبَحَ،
فَدَعا في ثَمَرِها بالبَرَكةِ فَقَضَيتُهُمْ.
قوله: ((باب مَن أخَّرَ الغريم إلى الغَدِ أو نحوه ولم یَرَ ذلك مَطْلاً)) ذکر فیه حديث جابر في
قِصَّة دَين أبيه مُعلَّقاً، وقد تقدَّم موصولاً قريباً (٢٣٩٥) من طريق ابن كعب بن مالك عن
جابر، لكِنَّه ليس فيه قوله: ((ولم يَكسِرِه لهم)) وذكرها في حديثه في كتاب الهبة كما سيأتي
(٢٦٠١)، واستَنْبَطَ من قوله وَلّر: ((سأغدو عليكُم)) جواز تأخير القسمة لانتظار ما فيه
مَصلَحة لمن عليه الدَّين، ولا يُعَدُّ ذلك مطْلاً.
تنبيه: سقطت هذه التَّرجمةُ وحديثُها من رواية النَّسَفي، ولم يَذكرها ابن بطَّال ولا أكثرُ
الشُّراح.
١٦ - باب من باع مال المفلس أو المُعدِم فقسمه بين الغرماء
أو أعطاه حتی ینفق على نفسه
٢٤٠٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدَّثنا حسينٌ المعلِّمُ، حدَّثنا عطاءُ بنُ أبي
رَبَاحِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: أعتَقَ رجلٌ غُلاماً له عن دُيُرٍ، فقال النبيُّ
وَهُ: ((مَن يَشْتَريه منّي؟)) فاشتراه نُعيمُ بنُ عبدِ الله، فأخذَ ثمنَه فَفَعَه إلیهِ.
قوله: ((باب مَن باع مال المفْلِسِ أو المعدِمِ فقَسَمَه بين الغُرَماءِ، أو أعْطاه حتَّى يُنفِقَ على
نفسِهِ)) ذكر فيه حديث المديَّرِ مختصراً، وسيأتي الكلامُ عليه في العِتق (٢٥٣٤).

٥٣٦
باب ١٦-١٧ / ح ٢٤٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
٦٦/٥ قال ابن بطَّال: لا يُفهَمُ من الحديثِ معنى قوله في التَّرجمة: ((فقَسَمَه بين الغُرَماءِ))، لأنَّ
الذي دَبَّرَ لم يكن له مالٌ غير الغُلام كما سيأتي في الأحكام (٧١٨٧)، وليس فيه أنَّه كان
عليه دَين، وإنَّما باعه لأنَّ من سُنَتِهِ أن لا يَتَصَدَّقَ المرءُ بماله كلّه ويَبقى فقيراً، ولذلك قال:
((خيرُ الصَّدَقة ما كان عن ظَهْر غِنَى))(١). انتهى.
وأجاب ابن المنيِّر بأنَّه لمَّ احتمل أن يكون باعه عليه لمَا ذكر الشّارح، واحتَمَلَ أن
يكون باعه عليه لكَونِه مِدْياناً، ومال المِديان إمَّا أن يَقسِمَه الإمام بنفسِه، أو يُسلِّمَه إلى
المِديان ليقسِمَه، فلهذا تَرجَمَ على التقديرين، مع أنَّ أحدَ الأمرَين يُخَرَّجُ من الآخرِ، لأنَّه إذا
باعه عليه لحقِّ نفسِه، فلأن يبيعَه عليه لحقِّ الغُرَماءِ أولى. انتَهى.
والذي يَظهَرُ لي أنَّ في التَّرجمة لَفّاً ونَشراً، والتَّقديرُ: مَن باع مالَ المفلِسِ فَقَسَمَه بين
الغُرَماء، ومَن باع مالَ المعدِمِ فأعطاه حتَّى يُنفِقَ على نفسِه، و ((أو)) في الموضعَين للتّنويع،
ويُخَرَّجُ أحدُهما من الآخرِ كما قال ابن المنيِِّ، وقد ثبت في بعضٍ طرق حديث جابر في قِصَّة
المديَّرِ أنَّه كان عليه دَينٌ، أخرجه النَّسائي (٥٤١٨) وغيرُه.
وفي الباب حديث في ذلك أخرجه مسلم (١٥٥٦) وأصحاب السُّنَنِ(٢) من حديث أبي
سعيد الخُدْري وفيه: أنَّ النبي ◌َّم قال: ((خُذوا ما وجدتُم وليس لكم إلَّا ذلك)).
وذَهَبَ الجمهورُ إلى أنَّ مَن ظَهر فَسُه، فعلى الحاكمِ الحَجْرُ عليه في ماله حتَّى يبيعَه
عليه ويَقسِمَه بين غُرَمائه على نِسبة ديونِهِم، وخالَفَ الحنفيّة واحتَجّوا بِقِصَّة جابر حيثُ
قال في دَين أبيه: فلم يُعطِهم الحائطَ ولم يَكسِرِه لهم. ولا حُجَّةَ فيه، لأنَّه أَخَّرَ القِسمة
ليحضُرَ فَتَحصُلَ البَرَكَةُ في الثَّمَرِ بحضوره، فيَحصُلَ الخير للفَرِيقَينِ، وكذلك كان.
١٧ - بابٌ إذا أقرضه إلى أجل مسمَّى أو أجّله في البيع
وقال ابنُ عمَرَ في القَرْضِ إلى أَجَلٍ: لا بأسَ به، وإن أُعْطيَ أفضلَ من دراهِه ما لم يَشْتَرِطْ.
(١) سلف برقم (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٦٩)، وابن ماجه (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٤٥٣٠).

٥٣٧
باب ١٧ -١٨ / ح ٢٤٠٤ - ٢٤٠٦
كتاب الاستقراض
وقال عطاءٌ وعَمْرو بنُ دينارٍ: هو إلى أجَلِه في القَرْضِ.
٢٤٠٤ - وقال اللَّيْثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبيعةَ، عن عبد الرحمن بنِ هُرْمُزَ، عن أبي هريرةَ
، عن رسولِ الله وَّهِ: أنَّه ذَكَرَ رجلاً من بني إسرائيلَ سألَ بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلِفَه،
فَدَفَعَها إليه إلى أجَلٍ مُسمَّى ... فذكر الحديثَ.
قوله ((باب إذا أقرَضَه إلى أجَلٍ مُسَمَّى أو أجَّلَه في البيعِ)) أمَّ القَرض إلى أجَلِ فهو ممّاً
اختُلِفَ فيه، والأكثر على جوازِه في كلِّ شيء، ومَنَعَه الشافعي. وأمَّا البيعُ إلى أجَل، فجائز
اتّفاقاً، وكأنَّ البخاري احتَجَّ للجوازِ في القَرضِ بالجوازِ في البيعِ مع ما استَظهَرَ به من أثرِ
ابن عمر وحديث أبي هريرة.
قوله: ((وقال ابن عُمر ... )) إلى آخره، وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٧/ ١٨٠) من طريق المغيرة
قال: قلت لابن عمر: إنّ أُسلِفُ جيراني إلى العطاءِ، فيَقضُوني أجودَ من دراهمي، قال: لا
بَأسَ به ما لم تَشتَرِط. وروى مالك في ((الموطَّ)) (٢/ ٦٨١) بإسنادٍ صحيحٍ: أنَّ ابن عمر
استَسلَفَ من رجل دراهم، فقَضاه خيراً منها. وقد تقدَّم الكلام على هذا الشِّقِّ في ((باب
استقراض الإبل)» (٢٣٩٠).
قوله: ((وقال عطاء وعَمْرو بن دينار: هو إلى أجَلِه في القَرْضِ)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق(١) عن
ابن جُرَیج عنهما.
قوله: ((وقال اللَّيثُ ... )) إلى آخره، ذَكَر طَرَفاً من حديثِ الذي أسلَفَ ألف دينار، وقد
تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَ في ((باب الكَفالة)) (٢٢٩١).
١٨ - باب الشفاعة في وضع الدّین
٢٤٠٥ - حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن مُغِیرً، عن عامٍ، عن جابرٍ غُ، قال:
أُصيبَ عبدُ الله وتَرَكَ عيالاً ودَيناً، فطَلَبتُ إلى أصحاب الدَّينِ أن يَضَعوا بعضاً فأبُوْا، فأتيتُ
النبيَّ ◌َّه فاستَشْفَعْتُ به عليهم، فأبُوْا، فقال: ((صَنِّ تمرَكَ كلَّ شيءٍ منه على حِدَتِهِ: عَذْقَ ابنِ
٦٧/٥
(١) لم نقف عليه في مطبوع ((مصنف عبد الرزاق))، وقد عزاهُ إليه الحافظ أيضاً في ((تغليق التعليق)) ٣٢٢/٣.

٥٣٨
باب ١٨ / ح ٢٤٠٥ - ٢٤٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
زيدٍ على حِدةٍ، واللّينَ على حِدةٍ، والعَجْوةَ على حِدةٍ، ثمَّ أحضِرْهم حتَّى آتيَكَ)) ففَعَلْتُ، ثمّ
جاء ◌ٍَّ فِقَعَدَ عليه، وكالَ لكُلِّ رجلٍ حتَّى استَوْفَى، وبَقيَ الثَّمْرُ كما هو كأنَّه لم يُمَسَّ.
٢٤٠٦ - وغَزَوْتُ معَ النبيِّ وَِّ على ناضحِ لَنا، فأَزْحَفَ الجملُ، فَتَخَلَّفَ عليَّ، فوَكَزَه
النبيُّ وَّهِ مِن خَلْفِهِ، قال: ((بِعْنيِهِ وَلَكَ ظَهْرُه إلى المدينةِ)) فلمَّا دَنَوْنا استأذَنْتُ قلتُ: يا
رسولَ الله، إنّي حَديثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَال ◌َّهِ: ((فِما تَزَوَّجْتَ، بِكْراً أو ثَيِّاً؟)) قلتُ: ثَيِّاً، أُصيبَ
عبدُ الله وتَرَكَ جَوارِيَ صِغاراً، فَتَزَوَّجْتُ نَيِّاً تُعلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهنَّ، ثمّ قال: ((اتْتِ أهَلَكَ))
فقَدِمْتُ، فأخبَرَتُ خالي ببيعِ الجملِ، فَلَمَني، فأخبَرَتُه بإعْياءِ الجملِ، وبالذي كان مِن النبيِّ
وَه ووَكْزِهِ إِيّه، فلمَّا قَدِمَ النبيُّ ◌َّهَ غَدَوْتُ إليه بالجملِ، فأعطاني ثمنَ الجملِ والجملَ
وسَهْمي معَ القومِ.
قوله: «باب الشَّفاعةِ في وضْع الدَّينِ» أي: في تخفيفه، ذكر فيه حديث جابر في دین أبيه،
وفيه حديثُهُ في قِصَّة بيع الجمل جمعهما في سياقٍ واحدٍ، والمقصود منه قوله: فطلبتُ إلى
أصحاب الدَّين أن يَضَعوا بعضاً فأبُوا، فاستشفَعت بالنبي ◌َّ عليهم فأبَوْا، الحديث.
وقوله في هذه الرِّواية: ((صَنِّف تمرَك)) أي: اجعَل كلَّ صِنفٍ وحدَه.
وقوله: ((على حِدَةٍ)) بكسر الحاءِ وتخفيفِ الدّال، أي: على انفراد.
وقوله: ((عَذْق ابن زيد)) بفتح العين وسكون الذّال المعجَمة: نوع جيِّد من التَّمر، والعَذْقُ
بالفتحِ: النَّخلة، واللِّينُ بكسر اللَّام وسكون التَّحتانية: نوع من الثَّمر، وقيل: هو الرَّديء.
وقوله: ((فأزحَف)) بفتح الهمزة وسكون الزّايٍ وفتح المهمَلة، أي: كَلَّ وأعيا، وأصلُهُ أنَّ
البعيرَ إذا تَعِبَ يَجُّ رَسَنَه، وكأنَّهم كَنَوا بقولهِم: أزحَفَ رَسَنَه، أي: جَرَّه من الإعیاءِ، ثمَّ
حَذَفوا المفعول لكثرة الاستعمال. وحكى ابن التِّينِ: أنّه في بعضِ النُّسَخِ بضمِّ الهمزة،
وزَعَمَ أنَّ الصَّوابَ: زَحَفَ الجملُ، من الثُّلاثي، وكأنَّه لم يَقِفْ على ما قَدَّمناه.
وقوله: ((ووَكَزَه)) كذا للأكثرِ بالواو، أي: ضَرَبَه بالعَصا، وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلِي
والحَمُّوِيّ: ((وَرَكَزَه)) بالراءِ، أي: رَكَزَ فيه العَصاء، والمراد المبالَغَة في ضربِه بها، وسيأتي بقيةٌ

٥٣٩
باب ١٩ / ح ٢٤٠٧ -٢٤٠٨
كتاب الاستقراض
الكلام على دَين أبيه في علامات النَّبَوَّة (٣٥٨٠)، وعلى بيع جَلِه في الشُّروطِ (٢٧١٨) إن
شاء الله تعالى.
١٩ - باب ما يُنهَى عن إضاعة المال
وقولِ الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] و﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴾
[يونس: ٨١] وقال: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن تَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا
نَشَؤُاْ﴾ [هود:٨٧] وقال: ﴿ وَلَا تُؤْثُواْ السُّفَهَآءَ آَمْوَلَكُم) الآية [النساء:٥]، والحَجْرِ في ذلك، وما
يُنْهَى عن الخِدَاعِ.
٢٤٠٧ - حدَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ ٦٨/٥
رضي الله عنهما قال: قال رجلٌ للنبيِّ وَّهِ: إنّي أُخذَعُ في البيوع، فقال: ((إذا بايعتَ فقُلْ: لا
خِلابةَ)) فكان الرجلُ يقولُه.
٢٤٠٨ - حَدَّثني عُثْمانُ، حَدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن وَرّادٍ مولى المغيرةِ بنِ
شُعْبةَ، عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، قال: قال النبيُّ بَّه: ((إنَّ الله حَرَّمَ عليكُم عقوقَ الأَمَّهاتِ، ووَأْدَ
البناتِ، ومَنْعَ وهاتٍ، وكَرِهَ لكم قيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ)).
قوله: ((باب ما يُنْهى عن إضاعةِ المال، وقول الله تَبَارَكَ وتعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾)»
كذا للأكثرِ، ووقع في رواية النَّسَفي: ((إنَّ الله لا يُحِبُّ الفَساد)) والأوَّل هو الذي وقع في
التِّلاوة.
قوله: ((و﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾)) كذا للأكثر، ولابن شَبّويه والنَّسَفي: ((لا يُحِبّ))
بدل: ﴿لَا يُصْلِحُ﴾ قيل: وهو سهو، ووَجهُه عندي - إن ثبت - أنَّه لم يَقصِد التِّلاوة، لأنَّ
أصلَ التِّلاوة: ﴿إِنَّ اللّهَلَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله: ((وقال: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرَُ أَنْ تَّتْرُكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا ذَشَتَؤُأْ﴾)) قال المفسِّرونَ:
كان يَنهاهم عن إفسادها، فقالوا ذلك، أي: إن شِئنا حَفِظناها، وإن شِئنا طَرَحناها.
قوله: ((وقال: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْالسُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ الآية)) قال الطََّري بعدَ أن حكى أقوالَ المفسِّرِينَ

٥٤٠
باب ١٩ / ح ٢٤٠٧ - ٢٤٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
في المراد بالسُّفَهاءِ: الصَّوابُ عندنا أنَّها عامَّةٌ في حقِّ كلّ سفيه صغيراً كان أو كبيراً، ذَكَراً
كان أو أُنثى، والسَّفيه: هو الذي يُضيِّعُ المالَ ويُفسِدُه بسوء تدبيره.
قوله: ((والحَجْر في ذلك)) أي: في السَّفَه، وهو معطوفٌ على قوله: إضاعة المال. والحَجْر
في اللُّغَة: المنع، وفي الشَّرع: المنع من التَّصَرُّفِ في المال، فتارةً يقعُ لَمَصلَحة المحجورِ عليه،
وتارةً لحقِّ غير المحجورِ عليه، والجمهور على جواز الحَجر على الكبير، وخالَفَ أبو حنيفة
وبعضُ الظَّاهرية ووافقَ أبو يوسف ومحمد، قال الطَّحاوي: لم أرَ عن أحدٍ من الصحابة مَنْع
الحَجر عن الكبير، ولا عن التابعينَ إلَّا عن إبراهيمَ النَّخَعي وابن سِيرِين، ومن حُجَّة
الجمهورِ حديث ابن عبّاس: أنَّه كَتَبَ إلى نَجْدة: وكَتَبَتَ تَسألُني: متى يَنقَضِي يُتَم الْيَتِيمِ؟
فَلَعَمري إنَّ الرجلَ لَتَنْبُت لحيته وإِنَّه لَضعيف الأخذ لنفسِه، ضعيف العطاء، فإذا أخذَ
لنفسِه من صالح ما أخذَ الناس، فقد ذَهَبَ عنه اليُتم(١). وهو وإن كان موقوفاً فقد وَرَدَ ما
يُؤَيِّدُه كما سيأتي بعدَ بابینِ(٢).
قوله: ((وما يُنْهى عن الخِداع)) أي: في حقِّ مَن يُسِيءُ التَّصَرُّفَ في ماله، وإن لم يُحُجَر عليه.
ثمَّ ساق المصنِّفُ حديثَ ابن عمر في قِصَّة الذي كان يُحْدَعُ في البيوع، وقد تقدَّم الكلامُ
عليه في ((باب ما يُكرَه من الخِداعِ في البيعِ)) من كتاب البيوع (٢١١٧)، وفيه توجيه
الاحتجاج به للحَجرِ على الكبير، ورَدُّ قول مَن احتَجَّ به لمنع ذلك، والله المستعان.
قوله: ((حدَّثْني عُثْمان)) هو ابن أبي شَيْبة، وجَرِيرٌ: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن
المعتَمِر، والإسناد كلّه كوفیون، لكن سكَنَ جَرِيرُ الرَّيَّ، ومنصور وشيخه وشيخ شيخه
تابعيّون في نَسَقِ.
قوله: ((إنَّ الله حَرَّمَ عليكُم عقوقَ الأُمَّهات)) قيل: خَصَّ الأُمَّهات بالذِّكرِ لأنَّ العقوقَ
إليهِنَّ أسرَع من الآباءِ لضَعفِ النِّساءِ، ولينَبِّه على أنَّ بَرَّ الأُمِّ مُقدَّم على برِّ الأَبِ فِي التَّلَطُّفِ
(١) أخرجه مسلم (١٨١٢).
(٢) في باب ((من ردَّ أمر السفيه والضعيف العقل)).