النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٣ / ح ٢٣٢٢
كتاب المزارعة
قيراطٍ أو قيراطَين من أجرٍ، فَيَنقُص من ثواب عمل المَتَّخِذ قَدْرُ ما يَتَرتَّب عليه من الإثم
باتخاذِه وهو قيراط أو قيراطان.
وقيل: سبب النُّقصان امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يَلحَق المارِّينَ من الأذى، أو
لأَنَّ بعضها شياطين، أو عقوبة لمخالَفة النَّهي، أو لوُلوغِها في الأواني عند غَفْلة صاحبها،
فربّمَا تَنجَّسَ (١) الطاهر منها، فإذا استُعمِلَ في العبادة لم يقع مَوقِعَ الطاهر.
وقال ابن التِّين: المراد أنَّه لو لم يَتَّخِذه لكان عمله كاملاً، فإذا اقتناه نقص من ذلك
العملِ، ولا يجوز أن يَنقُص من عملٍ مضى، وإنَّما أراد أنَّه ليس عملُه في الكمال عملَ مَن لم
يَتَّخِذ(٢)، انتھی.
وما ادَّعاه من عَدَم الجواز مُنازَع فيه، فقد حكى الرُّوياني في ((البحر)) اختلافاً في الأجر:
هل يُنقَص من العمل الماضي أو المستقبل، وفي مَحَلِّ نُقصان القِيراطَينِ، فقيل: مِن عمل
النَّهار قيراطٌ، ومن عمل اللَّيل آخرُ، وقيل: من الفرض قيراط، ومن النَّفل آخر، وفي سبب
النُّقصان، يعني: كما تقدَّم.
واختلفوا في اختلاف الرِّوايَتَين في القيراطَين والقيراط، فقيل: الحكم الزّائد، لكَونِه
حَفِظَ ما لم يَحَفَظْه الآخرُ، أو أنَّه ◌َِّ أخبر أوَّلاً بنقص قيراط واحدٍ، فسمعَه الراوي الأوَّل،
ثمَّ أخبر ثانياً بنقص قِيراطَين زيادةً في التَّأكيد في التَّنفير من ذلك، فسمعَه الراوي الثاني.
وقيل: يُنَزَّلُ على حالَيْنِ: فنقصُ القيراطَين باعتبار كَثْرة الأضرار باتَِّاذِها، ونقص القيراط
باعتبار قِلَّته. وقيل: يختصّ نقصُ القيراطَين بمَن الَّخذها بالمدينة الشَّريفة خاصَّةً، والقيراط
بما عَداها، وقيل: يَلْتَحِقِ بالمدينة في ذلك سائر المدُن والقُرى، ويختصّ القيراط بأهل
البَوادي، وهو يَلتَفِتُ إلى معنى كَثْرة التَّأذِي وقِلَّته. وكذا مَن قال: يحتملُ أن يكون في
نوعين من الكلاب، ففيما لا بسه أذى(٣) قيراطان، وفيما دونه قيراط.
(١) في (س): يتنجّس.
(٢) في (س): يتخذه.
(٣) تحرفت في (س) إلى: آدمي، وسقطت من (أ)، وأثبتناها على الصواب من (ع).

٤٢٢
باب ٣ / ح ٢٣٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
وجَوَّزَ ابن عبد البَرِّ أن يكون القيراطُ الذي يَنقُص أجرَ إحسانه إليه، لأنَّه من جُملة
ذوات الأكباد الرَّطبة أو الخَرَّى، ولا يخفى بعدُه.
واختُلِفَ في القيراطَين المذكورين هنا: هل هما كالقيراطَين المذكورَين في الصَّلاة على
الجِنازة واتِّباعها؟(١) فقيل: بالتَّسوية، وقيل: اللَّذان في الجِنازة من باب الفضل، واللَّذان هنا
من باب العقوبة، وباب الفضل أوسَع من غيره، والأصَحّ عند الشافعية إباحةُ اتّخاذ
الكلاب لحفظِ الدَّرب إلحاقاً للمنصوصِ بما في معناه، كما أشار إليه ابن عبد البَرِّ، واتَّفَقوا
على أنَّ المأذون في التّخاذه ما لم يَحَصُل الاتِّفاق على قتله، وهو الكلب العَقُور، وأمَّا غير
العَقُور، فقد اختُلِفَ هل يجوز قتله مُطلَقاً أم لا؟
واستُدِلَّ به على جواز تربية الجِرْو الصغير لأجل المنفَعة التي يَؤُولُ أمره إليها إذا كَبِرَ،
ويكون القصد لذلك قائماً مقام وُجود المنفَعة به، كما يجوز بيع ما لا يُنْتَفَع به في الحال لكَونِه
يُنتفع به في المآل.
واستُدِلَّ به على طهارة الكلب الجائز التِّخاذه، لأنَّ في مُلاَبَسَته مع الاحتراز عنه مَشَقَّة
شديدة، فالإذن في اتّخاذه إذنٌ في مُكمِّلات مقصوده، كما أنَّ المنع من لَوازمه مُناسب للمنعِ
منه، وهو استدلال قوي لا يُعارضه إلَّا عُموم الخبر الوارد في الأمر من غَسل ما وَلَغَ فيه
الكلب من غير تفصيل(٢)، وتخصيص العُموم غير مُستَنكَر إذا سوَّغَه الدَّليل.
وفي الحديث الحثّ على تكثير الأعمال الصَّالحة، والتَّحذير من العمل بما يَنقُصها،
والتَّنبيه على أسباب الزّيادة فيها والنَّقْص منها لتُجتَنَب أو تُرتَكَب، وبيان لُطف الله تعالى
بخَلقِه في إباحة ما لهم به نفع، وتبليغ نبيهم ◌َلآ لهم أمور معاشهم ومَعادهم، وفيه ترجيح
المصلَحة الرَّاجحة على المفسَدة لوقوعِ استثناء ما يُنْتَفَع به ممَّا حَرُمَ اتِّخاذُه.
٢٣٢٣- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يزيدَ بنِ خُصَيفةَ، أنَّ السائبَ بنَ
يزيدَ حدَّثه، أَنَّه سمعَ سفيانَ بنَ أبي زهيرٍ - رجُلٌ من أزدِ شَنُوءَةَ، وكان من أصحاب النبيِّ يَّ -
(١) سلف برقم (٤٧).
(٢) سلف برقم (١٧٢).

٤٢٣
باب ٤ / ح ٢٣٢٤
كتاب المزارعة
قال: سمعتُ رسولَ الله وََّ يقول: «مَنِ اقْتَنَى كلباً لا يُغْني عنه زَرْعاً ولا ضَرْعاً نَقَصَ كلَّ يوم
من عملِه قيراطٌ)). قلتُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ الله وََّ؟ قال: إي ورَبِّ هذا المسجدِ.
[طرفه في: ٣٣٢٥]
قوله: ((عن يزيد بن خُصَيفَةَ)) بالمعجَمة ثمَّ المهمَلة ثمَّ الفاء مُصغَّرٌ، والسائبُ بن يزيد
صحابيّ صغير مشهور، ورجال الإسناد كلّهم مدنيُّون بالأصالة إلَّا شيخ البخاري، وقد
أقام بالمدينة مُدَّة، وفيه رواية صحابي عن صحابي.
قوله: ((من أزدٍ شَنُوءَة)) بفتح المعجَمة وضَمّ النّون بعدها واو ساكنة ثمَّ همزة مفتوحة،
وهي قبيلة مشهورة، نُسِبوا إلى شَنُوءَة: واسمه الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن
نَضْر بن الأزد.
٨/٥
قوله: ((قلتُ: أنتَ سمعت هذا؟)) فيه التثُبُّت في الحديث.
وفي قوله: ((إي ورَبِّ هذا المسجد)) القَسَم للتَّوكيد، وإن كان السَّامع مُصدِّقاً.
٤ - باب استعمال البقر للحراثة
٢٣٢٤ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبد
الرحمن بنِ عَوْفٍ الزّهْري، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌ََِّ، قال:
((بينما رجلٌ راكِبٌ على بقرةٍ التَفَتَتْ إليه، فقالت: لم أُخْلَق لهذا، خُلِقْتُ للْحِراثةِ، قال: آمَنْتُ به
أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، وأخذَ الذِّئْبُ شاةً فتَبِعَها الرّاعي، فقال له الذُّتْبُ: مَن لها يومَ السَّبُعِ يومَ لا
راعيَ لها غيري؟ قال: آمَنْتُ به أنا وأبو بكرٍ وعمر)).
قال أبو سَلَمةَ: وما هما يومئذٍ في القومِ.
[أطرافه في: ٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠]
قوله: (باب استعمال البقر للحِراثَةِ)) أورَدَ فيه حديث أبي هريرة في قول البقرة: ((لم أُخلَق
لهذا، إنَّما خُلِقت للحِراثة)) وسيأتي الكلام عليه في المناقب (٣٦٦٣)، فإنَّ سياقه هناك أتُّ
من سياقه هنا، وفيه سبب قوله {وَ لّ: ((آمنتُ بذلك))، وهو حيثُ تَعجَّبَ الناسُ من ذلك،

٤٢٤
باب ٥ / ح ٢٣٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
ويأتي هناك أيضاً الكلام على اختلافهم في قوله: ((يوم السَّبُع)) وهل هي بضمِّ الموحَّدة أو
إسكانها، وما معناها؟
قال ابن بطَّال: في هذا الحديث حُجَّة على مَن مَنَعَ أكل الخيل مُستدِلًّا بقوله تعالى:
﴿لِتَكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، فإنَّه لو كان ذلك دالًّا على منع أكلها لَدَلَّ هذا الخبر على منع
أكل البقر، لقوله في هذا الحديث: ((إِنَّمَا خُلِقَت للحَرثِ)).
وقد اتَّفَقوا على جواز أكلها، فدَلَّ على أنَّ المراد بالعُموم المستفاد من جِهَة الامتنان في
قوله: ﴿لِتَّكَبُوهَا﴾، والمستفاد من صِيغَة ((إنَّم)) في قوله: ((إنَّما خُلِقت للحَرثِ))(١)، عُموم
مخصوصُ.
٥ - بابٌ إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره
وتَشْرَكُني في القمر
٢٣٢٥ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي
هريرةَ ، قال: قالتِ الأنصارُ للنبيِّ وَِّ: اقسِم بيننا وبين إخْواننا النَّخيلَ، قال: ((لا)) فقالوا:
تَكْفونا المؤونةَ ونَشْرَكُكُم في الثَّمَرةِ، قالوا: سمعنا وأطَعْنا.
[طرفاه في: ٣٧٨٢،٢٧١٩]
قوله: ((باب إذا قال اكْفِنِي مَؤونة النَّخْل أو غيره)) أي: كالعنبِ، ((وتَشْرَ كُنِي فِي الثَّمَر)»
أي: تكون الثَّمَرة بيننا، ويجوز في (تَشركْني)) فتح أوَّله وثالثه، وضَمّ أوَّله وكسر ثالثه،
بخلاف قوله: ((ونَشرَ ککُم)» فإنَّه بفتح أوَّله وثالثه حَسب.
قوله: ((قالت الأنصار)) أي: حين قَدِمَ النبي وَ ◌ّر المدينة، وسيأتي في الهِبَة (٢٦٣٠) من
حديث أنس قال: لمَّا قَدِمَ المهاجرون المدينةَ قاسَمَهم الأنصارُ على أن يُعطُوهم ثِمار
أموالهم ويَكفُوهم المؤونة والعمل، الحديث.
(١) لفظة ((إنما)) لم ترد في هذه الرواية باتفاق رواة البخاري حسب اليونينية والقسطلّاني، ولكنها ستأتي في
رواية الحديث الآتية برقم (٣٤٧١).

٤٢٥
باب ٦ / ح ٢٣٢٦
كتاب المزارعة
قوله: ((النَّخيلَ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((النَّخل)) والنَّخيل: جمع نَخْل، كالعَبيد: جمع
عبد، وهو جمع نادر.
قوله: (المؤونة)) أي: العمل في البساتين من سقيها والقيام عليها.
قال المهلَّب: إنَّما قال لهم النبيِ وَّ: ((لا)) لأنَّه عَلِمَ أنَّ الفُتوح ستُفتَحُ عليهم، فكَرِهَ أن
يَخْرُج شيء من عَقار الأنصار عنهم، / فلمَّا فَهمَ الأنصار ذلك جمعوا بين المصلَحتَينِ: امتثال ٩/٥
ما أمَرَهم به، وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرينَ، فسألوهم أن يُساعِدوهم في العمل
ويَشرَكوهم في الثَّمَر، قال: وهذه هي المساقاة بعَينِها.
وتَعَقَّبَه ابن التِّين بأنَّ المهاجرينَ كانوا مَلَكوا من الأنصار نصيباً من الأرض والمال
باشتراط النبي ◌َليم على الأنصار مواساة المهاجرينَ ليلة العَقَبة، قال: فليس ذلك من المساقاة
في شيءٍ.
وما ادَّعاه مردود، لأنَّه شيء لم يُقِمْ عليه دليلاً، ولا يَلزَم من اشتراط المواساة ثبوت
الاشتراك في الأرض، ولو ثبت بمُجرَّدِ ذلك لم يَبقَ لسُؤالهم لذلك ورَدِّه عليهم معنًى،
وهذا واضحٌ بحمد الله تعالى.
٦ - باب قطع الشجر والنخل
وقال أنسُ: أمَرَ النبيُّ ◌َّ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ.
٢٣٢٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيَةُ، عن نافع، عن عبدِ الله ﴾، عن النبيِّ
وَّةٍ: أَنَّهِ حَرَّقَ نَخْلَ بني النَّضيرِ وَقَطَعَ، وهيَ البُوَيرةُ، ولها يقول حسَّانُ:
حَرِيقٌ بالبُوَيرةِ مُسْتَطِيرُ
وهانَ على سَرَاةِ بني لُؤَيِّ
[أطرافه في: ٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤]
قوله: (باب قَطْع الشَّجَر والنَّخْل)) أي: للحاجة والمصلحة إذا تَعيَّنَت طريقاً في نِكاية
العدوّ ونحو ذلك، وخالَفَ في ذلك بعضُ أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطع الشجر المثمِر

٤٢٦
باب ٧ / ح ٢٣٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
أصلاً، وحَمَلوا ما وَرَدَ من ذلك إمَّا على غير المثمِر، وإمَّا على أنَّ الشجر الذي قُطِعَ في قِصَّة
بني النَّضير كان في الموضع الذي يَقعُ فيه القتال، وهو قول الأوزاعي واللَّيث وأبي ثَوْر.
قوله: ((وقال أنس: أمَرَ النبي ◌ِّهِ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ)) هو طَرَف من حديث بناءِ المسجد
النَّبوي، وقد تقدَّم موصولاً في المساجد (٤٢٨)، ويأتي الكلام عليه في أوَّل الهجرة
(٣٩٣٢)، وهو شاهد للجوازِ لأجل الحاجة، ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن عمر في تحريق
نخل بني النَّضير، وهو شاهد للجوازِ لأجل نِكاية العدوّ، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّ في
كتاب المغازي (٤٠٣١ و٤٠٣٢) بين بدرٍ وأُحُد، وفي كتاب تفسير سورة الحشر (٤٨٨٤).
و ((البُوَيرة)) بضمِّ الموخَّدة مُصغَّر: موضع معروف، و((سَراة)) بفتح المهمَلة، و(مُستَطِير))
أي: مُنتَشِر. وأورَدَ القابِسِيُّ البيت المذكور مخروماً(١) بحذف الواو من أوَّله.
٧- بابٌ
٢٣٢٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن حَنْظَلَةَ بنِ
قيسٍ الأنصاريِّ، سمعَ رافعَ بنَ خديجٍ قال: كنَّا أكثرَ أهلِ المدينةِ مُزْدَرَعاً، كنَّا نُكْرِي الأَرضَ
بالّاحيةِ منها مُسمَّى لِسيِّدِ الأرضِ، قال: فممَّا يُصابُ ذلك، وتَسْلَمُ الأرضُ، وممّاً يُصابُ
الأرضُ، ويَسْلَمُ ذلك، فنُهِينا، وأمَّ الذَّهبُ والوَرِقُ فلم يكن يومئذٍ.
قوله: ((بابٌ) كذا للجميعِ بغير ترجمة، وهو بمَنزِلة الفصل من الباب الذي قبله.
وأورَدَ فيه حديث رافع بن خَدِيج: كنَّا نُكري الأرضَ بالناحية منها، وسيأتي الكلام
عليه مُستَوقّى بعد أربعة أبواب (٢٣٣٢).
وقد استَنكَرَ ابن بطَّل دخوله في هذا الباب، قال: وسألتُ المهلَّب عنه، فقال: يُمكِّن أن
يُؤْخَذ من جِهَة أنَّه مَن أُكرِيَ(٢) أرضاً ليزرَع فيها ويَغرِس، فانقَضَت المدَّة، فقال له صاحب
الأرض: اقلَع شَجَرك عن أرضي، كان له ذلك، فيَدخُل بهذه الطَّريق في إباحة قطع الشجر.
(١) تحرف في الأصلين عندنا إلى: مجزوماً.
(٢) في (س): اكترى.

٤٢٧
باب ٨
كتاب المزارعة
وقال ابن المنيِّر: الذي يَظهَر أنَّ غَرَضه الإشارة به إلى أنَّ القطع الجائز هو المسبَّب ١٠/٥
للمَصلَحة، كَنِكاية الكفَّار أو الانتفاع بالخَشَبِ أو نحوه، والمُنكَر هو الذي عن العَبَث
والإفساد، ووجه أخذه من حديث رافع بن خَدِيج أنَّ الشّارع نهى عن المخاطرة في كِراء
الأرض إبقاءً على منفعتها من الضَّيَاع مجاناً في عواقب المخاطَرة، فإذا كان ينهى عن تضييع
منفعَتها وهي غير مُحُقَّقة ولا مُشخَّصَة، فلأن ينهى عن تضييع عَيْنِها بقطع أشجارها عَبَاً
أجدر وأولى.
قوله: ((نُكْري)) بضمِّ أوَّله من الرُّباعي.
وقوله: ((لِسَيِّدِ الأرض» أي: مالكها.
وقوله: ((بالنّاحيةِ منها مُسَمَّى)) ذكره على إرادة البعض أو باعتبار الَّرع.
وقوله: ((فمَّا يُصاب ذلك وتَسلَم الأرض، وبما يُصاب الأرض ويَسْلم ذلك)) وقع في
رواية الكُشْمِيهني: فمَهْما، في الموضعَينِ، والأوَّل أَولى، ومعناه: فكثيراً ما يُصاب، وقد تقدَّم
توجيهه في الكلام على قوله: وكان ممّا يُحرِّك شَفَتَيْهِ، في بَدْء الوحي (٥) من كلام ابن مالك.
وزاد الكِرْماني هنا: يحتمل أن تكون ((مَا)) بمعنى ربَّما، لأنَّ حُروف الجرِّ تَتَنَاوَب ولا
سيما (مِن)) التَّعيضية تُناسب ((رُبَّ)) التَّقْليليةَ، وعلى هذا لا يُحتاج أن يقال: إنَّ لفظ ((ذلك))
من باب وضع المُظهَر موضعَ المضمَر.
قوله: ((فَأَمَّ الذَّهب والوَرِق)» في رواية الكُشْمِيهني: والفِضَّة، بدل: الوَرِق.
وقوله: ((فلم يكن يومئذٍ)) أي: يُكرى بهما، ولم يُرِد نفي وُجودهما (١). ولم يَتَعرَّضْ في هذه
الرِّواية لحُكمِ المسألة، وسيأتي بيانه بعد عشرة أبواب (٢٣٤٦ و٢٣٤٧) إن شاء الله تعالى.
٨ - باب المزارعة بالشطر ونحوه
وقال قيسُ بنُ مُسلِمٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ما بالمدينةِ أهلُ بيتِ هِجْرةٍ إلا يَزْرَعونَ على
الثُّلْثِ والرُّبُعِ.
(١) في (س): يتخذه.

٤٢٨
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
وزارَعَ عليٌّ وسعدُ بنُ مالكٍ وعبدُ الله بنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والقاسمُ وعُرْوةُ،
وألُ أبي بكرٍ وآلُّ عُمرَ والُّ عليٍّ وابنُ سيرينَ.
وقال عبدُ الرحمن بنُ الأسوَدِ: كنتُ أُشاركُ عبد الرحمنِ بنَ يزيدَ في الزَّرْعِ.
وعاملَ عمرُ النّاسَ على: إن جاء عمرُ بالبَذْرِ من عندِهِ فَلَه الشَّطْرُ، وإن جاؤوا بالبَذْرِ
فلهم کذا.
وقال الحسنُ: لا بَأْسَ أن تكون الأرضُ لأحدِهما، فيُنفِقان جميعاً، فما خَرَجَ فهو بينهما.
ورأى ذلك الزُّهريُّ.
وقال الحسنُ: لا بَأسَ أن يُجْتَنَى القُطْنُ على النِّصْفِ.
وقال إبراهيمُ وابنُ سِيرينَ وعطاءٌ والحَكَمُ والزّهْرِيُّ وقَتَادةُ: لا بَأْسَ أن يُعطِيَ الثَّوبَ
بالثُّلثِ أو الرُّبعِ ونحوِه.
وقال مَعمَرٌ: لا بأسَ أن تُكرى الماشيةُ على الثُّثِ والرُّبُع إلى أجَل مُسمَّى.
قوله: ((باب المزارعة بالشَّطِرِ ونحوه)» راعى المصنّف لفظ الشَّطر لوُرودِه في الحديث،
وألحقَ غيره لتَساويهما في المعنى، ولولا مراعاة لفظ الحديث لكان قوله: المزارَعة بالجزءِ،
أخصر وأبین.
١١/٥
قوله: ((وقال قيس بن مسلم)) هو الكوفي، ((عن أبي جعفر)) هو محمد بن عليّ بن الحسين الباقر.
قوله: ((ما بالمدينةِ أهلُ بيتٍ هِجْرةٍ إلَّا يَزْرَعونَ على الثُّلث والرُّبْع)) الواو عاطفة على الفعل
لا على المجرور، أي: يزرعون على الثُّلث ويزرعون على الرُّبع، أو الواو بمعنى: أو، وهذا
الأثر وَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٤٤٧٦) قال: حدثنا الثَّوري، قال: أخبرنا قيس بن مسلم، به.
وحكى ابن التِّين أنَّ القابِسي أنكَرَ هذا، وقال: كيف يروي قيس بن مسلم هذا عن أبي
جعفر، وقيس كوفي وأبو جعفر مَدَني، ولا يرويه عن أبي جعفر أحد من المدنيينَ؟! وهو
تَعجُّب من غير عَجَبٍ، وكم من ثقةٍ تفرَّد بما لم يُشاركه فيه ثقةٌ آخر، وإذا كان الثِّقة حافظاً لم
يَضُرَّه الانفراد، والواقع أنَّ قيساً لم يَنفَرِد به، فقد وافقَه غيره في بعض معناه كما سيأتي قريباً.

٤٢٩
باب ٨
كتاب المزارعة
ثمَّ حكى ابن التِّين عن القابسي أغرَبَ من ذلك، فقال: إنَّما ذكر البخاريّ هذه الآثار
في هذا الباب ليُعلم أنَّه لم يَصِحَّ في المزارَعة على الجزء حديثٌ مسند، وكأنَّه غَفَلَ عن آخر
حديث في الباب، وهو حديث ابن عمر في ذلك، وهو مُعتمَد مَن قال بالجواز، والحقّ أنَّ
البخاري إنَّما أراد بسياق هذه الآثار الإشارة إلى أنَّ الصحابة لم يُنقَل عنهم خِلاف في
الجواز، خصوصاً أهلَ المدينة، فيلزَم مَن يُقدِّم عملَهم على الأخبار المرفوعة أن يقولوا
بالجوازِ على قاعِدَتهم.
قوله: ((وزارَعَ عليّ وابن مسعود وسعد بن مالك وعُمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد
وعُرْوَة وآل أبي بكر وآل عُمر وآل عليّ وابن سِيرِينَ)) أمَّا أثر عليّ فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة
(٣٣٩/٦) من طريق عَمْرو بن صُلَيعِ عنه: أنَّه لم يَرَ بَأساً بالمزارَعة على النِّصف.
وأمَّا أثر ابن مسعود وسعد بن مالك - وهو سعد بن أبي وقَّاص - فوَصَلَهما ابن أبي
شَيْبة (٦/ ٣٣٧) أيضاً من طريق موسى بن طلحة، قال: كان سعد بن مالك وابن مسعود
يُزارعان بالثُّلثِ والرُّبع. ووَصَلَه سعيد بن منصور (١) من هذا الوجه، بلفظ: أنَّ عثمان بن
عَفّان أقطَع خمسة من الصحابة: الزُّبَير وسعداً وابن مسعود وخَبَّاباً وأُسامة بن زيد، قال:
فرأيتُ جارَيَّ ابن مسعود وسعداً يُعطِيان أرضَيهما بالثُّلك.
وأمَّا أثر عمر بن عبد العزيز فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٤١/٦) من طريق خالد الحَذّاء:
أنَّ عمر بن عبد العزيز كَتَبَ إلى عَديّ بن أرطاةَ أن يُزارع بالثَّلثِ والرُّبع. ورُوِّينا في
((الخَراج)) ليحيى بن آدم (١٩٥) بإسناده إلى عمر بن عبد العزيز: أنَّ كَتَبَ إلى عامله: انظُر
ما قِبَلكم من أرضٍ فأعطوها بالمزارَعة على النّصف، وإلَّ فعلى الثُّلث حتَّى تَبلُغ العُشر،
فإن لم يزرعها أحدٌ فامنَحها، وإلَّا فَأَنفِق عليها من مال المسلمين، ولا تُبِيرَنَّ(٢) قِبَلَك أرضاً.
(١) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٦/ ٣٣٧، لكنه لم يذكر الزبير ولا أسامة بن زيد، وقال: فكلا جاريَّ قد رأيتُه
يعطي أرضه بالثلث والربع: عبد الله وسعداً.
(٢) تصحفت في ((الخراج)) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله إلى: تَبْتَزَّنَّ.

٤٣٠
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا أثر القاسم بن محمد فوَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٤٤٧٤) قال: سمعت هشاماً يُحدِّث أنَّ
ابن ◌ِيرِينَ أرسَلَه إلى القاسم بن محمد ليسألَه عن رجل قال لآخر: اعمَل في حائطي هذا
ولَك الثُّلث أو الرُّبع، قال: لا بأسَ، قال: فَرَجَعتُ إلى ابن سِيرِينَ، فأخبَرَتُه، فقال: هذا
أحسن ما يُصنَع في الأرض. وروى النَّسائي (٣٩٢٨) من طريق ابن عَوْن قال: كان محمد
- يعني: ابن ◌ِيرِينَ - يقول: الأرض عندي مِثل المال المضارَب، فما صَلَحَ في المال
المضارَب صَلَحَ في الأرض، وما لم يَصلُح في المال المضارَب لم يَصلُح في الأرض. قال:
وكان لا يرى بأساً أن يَدفَع أرضه إلى الأكّار على أن يعمل فيها بنفسِه ووَلَده وأعوانه
وبقره، ولا يُنفِقِ شيئاً، وتكون النَّفَقة كلّها من رَبّ الأرض.
وأمَّا أثر عُروة، وهو ابن الزُّبَيرِ، فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة أيضاً (٣٤١/٦).
وأمَّا أَلُ(١) أبي بكر ومَن ذُكِرَ معهم، فروى ابن أبي شَيْبة (٣٣٨/٦)، وعبد الرَّزّاق
(١٤٤٧٧) من طريق أُخرى إلى أبي جعفر الباقر: أنَّه سُئِلَ عن المزارَعة بالثُّلثِ والرُّبع،
فقال: إنّ إن نظرْتُ في آل أبي بكر وآل عمر وآل عليّ وجدتهم يفعلون ذلك.
وأمَّا أثر ابن سیرِینَ فتقدَّم مع القاسم بن محمد. وروی سعید بن منصور من وجه آخر
عنه: أنَّه كان لا يرى بأساً أن يجعل الرجل للرجل طائفةً من زرعه أو حَرثه على أن يَكفيه
مُؤنَتها والقيامَ عليها.
١٢/٥
قوله: ((وقال عبد الرحمن بن الأسوَد: كنت أُشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزَّرْع)) وَصَلَه
ابن أبي شَيْبة (٦/ ٣٤٠) وزاد فيه: وأحمله إلى عَلقَمة والأسوَد، فلو رأيا به بأساً لَنَهَياني عنه.
وروى النَّسائي (٣٩٣٢) من طريق أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسوَد قال: كان عَّايَ
يُزارعان بالثُّلثِ والرُّبع وأنا شَريكهما، وعَلقَمة والأسوَد يعلمان فلا يُغَيِّران.
قوله: ((وعاملَ عُمر النّاس على إن جاء عُمر بالبَذْرِ من عنده فلَه الشَّطر، وإن جاؤوا بالبَذْرِ
فلهم كذا)) وصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٤/ ٥٥٠) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد: أنَّ
(١) تحرف في (س) إلى: أثر.

٤٣١
باب ٨
كتاب المزارعة
عمر أجلى أهل نَجران واليهود والنَّصارى، واشترى بَياض أرضهم وكُرومهم، فعاملَ
عمر النّاس إن هم جاؤوا بالبقرِ والحديد من عندهم، فلهم الثُّلثان ولِعُمر الثُّلث، وإن جاء
عمر بالبَذرِ من عنده فلَه الشَّطر، وعاملهم في النَّخل على أنَّ لهم الخُمس وله الباقي،
وعاملهم في الكَرم على أنَّ لهم الثُّلث وله الثُّلثان. وهذا مُرسَل.
وأخرجه البيهقي (٦/ ١٣٥) من طريق إسماعيل بن أبي حَكيم، عن عمر بن عبد العزيز،
قال: لمَّا استُخلِفَ عمر أجلى أهل نَجْران وأهل فَدَك وتيماء وأهل خيبر، واشترى عَقارهم
وأموالهم، واستعمل يَعْلى بن مُنْيَةَ، فأعطى البياض - يعني بياض الأرض - على إن كان
البَذر والبقر والحديد من عمر، فلهم الثُّلث ولِعُمر الثُّلثان، وإن كان منهم، فلهم الشَّطر
وله الشَّطر، وأعطى النَّخل والعنب على أنَّ لعُمر الثُّلثَين ولهم الثُّلث. وهذا مُرسَل أيضاً
فَيَتَقَوّى أحدهما بالآخر. وقد أخرجه الطَّحاوي (١١٤/٤) من هذا الوجه بلفظ: أنَّ عمر
ابن الخطّاب بَعَثَ يَعْلى بن مُنية إلى اليمن فأمَرَه أن يُعطيهم الأرض البيضاء، فذكر مثله
سواء، وكأنَّ المصنِّف أبهَمَ المِقدار بقوله: فلهم كذا، لهذا الاختلاف، لأنَّ غَرَضه منه أنَّ
عمر أجازَ المعاملة بالجزء.
وقد استُشكِلَ هذا الصَّنيع بأنَّه يقتضي جواز بيعَتَين في بيعة، لأنَّ ظاهره وقوع العقد
على إحدى الصورتين من غير تعيين، ويحتمل أن يُراد بذلك التنويع والتَّخيير قبل العقد،
ثُمَّ يقع العقد على أحدِ الأمرَين، أو أنَّه كان يرى ذلك جِعالة فلا يَضُرّه.
نعم في إيراد المصنِّف هذا الأثر وغيره في هذه التَّرجمة ما يقتضي أنَّه يرى أنَّ المزارَعة
والمخابرة بمعنَّى واحد، وهو وجه للشافعية، والوجه الآخر أنَّهما مُخْتَلِفا المعنى، فالمزارَعة:
العمل في الأرض ببعضِ ما يَخْرُج منها والبَذْر من المالك، والمخابَرة مِثلُها لكن البَذْر
من العامل، وقد أجازَهما أحمد في رواية، ومن الشافعيّة ابنُ خُزَيمة وابن المنذر والخطَّابي،
وقال ابن سُرَيج بجوازِ المزارَعة وسَكَتَ عن المخابرة، وعَكَسَه الجُوري من الشافعية، وهو
المشهور عن أحمد، وقال الباقون: لا يجوز واحد منهما، وحَمَلوا الآثار الواردة في ذلك على
المساقاة، وسيأتي.

٤٣٢
باب ٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدِهما فيُنفِقان جميعاً، فما خَرَجَ فهو
بينهما، ورأى ذلك الزّهْري، وقال الحسن: لا بأس أن يُجتَنَى القُطْن على النِّصْف)). أمَّا قول
الحسن فوَصَلَه سعيد بن منصور بنحوِه. وأمَّا قول الزُّهْري فَوَصَلَه عبد الرَّزّاق (١٤٤٧٣
و١٤٤٨٠) وابن أبي شَيْبة (٤٢٦/٦) بنحوِه.
قال ابن التِّين: قول الحسن في القُطن يوافق قول مالك، وأجازَ أيضاً أن يقول: ما
جَنَيَتَ فلَك نصفه، ومَنَعَه بعض أصحابه. ويُمكِن أن يكون الحسنُ أراد أنَّه جِعالة.
قوله: ((وقال إبراهيم وابن سِيرِينَ وعطاء والحكَم والزُّهْري وقَتَادةُ: لا بأس أن يُعطِيَ
الثَّوب بالثُّلثِ أو الرُّبع ونحوه)) أي: لا بأس أن يُعطي للنَّسّاجِ الغَزْلَ يَنسِجُهُ، ويكون ثُلُث
المنسوج له، والباقي لمالك الغَزْل، وإطلاق الثَّوبِ عليه بطريق المجاز.
وأمَّا قول إبراهيم فوَصَلَه أبو بكر الأثرم من طريق الحكم أنَّه سألَ إبراهيم عن الحوّاكِ
يُعطَى الثَّوبَ على الثُّلث والرُّبع، فقال: لا بأس بذلك.
وأمَّا قول ابن سِيرِينَ فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٢٦/٦) من طريق ابن عَوْن: سألَت
محمداً - هو ابن سِيرِينَ - عن الرجل يَدِفَع إلى النَّسّاجِ الثَّوب بالثّلثِ أو الرُّبع أو بما تَراضَيا
عليه، فقال: لا أعلم به بأساً.
وأمَّا قول عطاء والحَكم فوَصَلَهما ابن أبي شَيْبة (١٠٦/٦).
١٣/٥
وأمَّا قول الزّهْري فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٦/ ٤٢٧) عن عبد الأعلى عن مَعمَر عنه، قال:
لا بأس أن يَدفعه إلیه بالقُّلك.
وأمَّا قول قَتَادَةَ فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤٢٧/٦) بلفظ: أنَّه كان لا يرى بأساً أن يَدفَع
الثَّوب إلى النَّسّاجِ بالثُّلث(١).
قوله: ((وقال مَعمَر: لا بأس أن تُكْرى الماشية على الثُّلث والرُّبْع إلى أجَل مُسَمَّى)) وَصَلَه
عبد الرَّزّاق (١٤٩٣٩) عنه بهذا.
(١) في النسخ المطبوعة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): بالثلث والربع، وهو كذلك في ((تغليق التعليق)) ٣٠٦/٣،
لكن تحرف قوله فيه: والربع، إلى: الرابع.

٤٣٣
باب ٨ / ح ٢٣٢٨
كتاب المزارعة
٢٣٢٨ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عياضٍ، عن عُبيد الله، عن نافع، أنَّ
عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما أخبَرَه: أنّ النبيَّ وََّ عامَلَ خيبرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ
أو زَرْعٍ، فكان يُعْطي أزواجَه مئةَ وَسْقٍ: ثمانونَ وَسْقَ تمٍ، وعِشْرونَ وَسْقَ شعبٍ، وقَسَمَ عمرُ
خيبرَ، فَخَيَّرَ أزواجَ النبيِّ وَِّ أن يُقْطِعَ لهنَّ مِن الماءِ والأرض، أو يُمْضِيَ لهنَّ؟ فمنهُنَّ مَنِ اختارَ
الأرضَ، ومنهُنَّ مَنِ اختارَ الوَسْقَ، وكانت عائشةُ اختارَتِ الأرضَ.
قوله: ((عن مُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري.
قوله: ((بشَطْرِ ما يَخرُج منها)) هذا الحديث هو عُمدة مَن أجازَ المزارَعة والمخابرة
لتقرير النبي وسي لذلك، واستمراره على عهد أبي بكر إلى أن أجلاهم عمر كما سيأتي بعد
أبواب (٢٣٣٨).
واستُدِلَّ به على جواز المساقاة في النَّخل والكَرْم وجميع الشجر الذي من شَأْنه أن يُثُمِرَ
بجزءٍ معلوم يُجِعَل للعامل من الثَّمَرة، وبه قال الجمهور. وخَصَّه الشافعي في الجَديد
بالنَّخل والكرم، وألحقَ المُقْل(١) بالنَّخل لشَبَهِه به. وخَصَّه داود بالنَّخل، وقال أبو حنيفة
وزُفَر: لا يجوز بحالٍ، لأنَّهَا إجارة بَثَمَرةٍ معدومة أو مجهولة، وأجاب مَن جَوَّزَه بأنَّه عَقْد
على عمل في المال ببعضٍ نَمائه فهو كالمضاربة، لأنَّ المضارِب يعمل في المال بجزءٍ من نَمائه
وهو معدوم ومجهول، وقد صَحَّ عَقد الإجارة مع أنَّ المنافع معدومة فكذلك هنا. وأيضاً
فالقیاس في إبطال نَصّ أو إجماع مردود.
وأجاب بعضهم عن قِصَّة خيبر بأنَّهَا فُتِحَت صُلحاً، وأُقِرّوا على أنَّ الأرض مِلكهم
بشرطِ أن يُعطُوا نصف الثَّمَرة، فكان ذلك يُؤخَذ بحَقِّ الجِزية فلا يدلُّ على جواز المساقاة.
وتُعُقِّبَ بأنَّ مُعظَم خيبر فُتِحَ عَنْوةً كما سيأتي في المغازي (٤١٩٥-٤٢٤٣)، وبأنَّ كثيراً
منها قُسِمَ بين الغانمينَ كما سيأتي (٤٢٢٨)، وبأنَّ عمر أجلاهم منها (٢٣٣٨)، فلو كانت
الأرض مِلكهم ما أجلاهم عنها.
(١) هو ثمر شجر الدَّوم.

٤٣٤
باب ٩ / ح ٢٣٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
واسْتَدَلَّ مَن أجازَه في جميع الثَّمَر بأنَّ في بعض طرق حديث الباب: بشَطِ ما يَخْرُج
منها من نخل وشَجَر(١) وفي رواية حَمَّاد بن سَلَمةَ عن عُبيد الله بن عمر في حديث الباب:
على أنَّ لهم الشَّطر من كلّ زرع ونخل وشَجَر، وهو عند البيهقي (١١٤/٦) من هذا
الوجه، واستُدِلَّ بقوله: على شَطر ما يَخْرُج منها، لجوازِ المساقاة بجزءٍ معلوم لا مجهول.
واستدِلَّ به على جواز إخراج البَذر من العامل أو المالك لعَدَمِ تقييده في الحديث بشيءٍ
من ذلك، واحتَجَّ مَن مَنَعَ بأنَّ العامل حينئذٍ كأنَّه باع البَذْر من صاحب الأرض بمجهولٍ
من الطَّعام نَسيئةً وهو لا يجوز، وأجاب مَن أجازَه بأنَّه مُستَئنَّى من النَّهي عن بيع الطَّعام
بالطَّعام نَسيئةً جمعاً بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما.
قوله: ((فكان يُعْطي أزواجه مئة وَسْق: ثمانونَ وَسْقَ تمرٍ وعِشْرونَ وَسْقَ شعير)) كذا للأکثرِ
بالرفعِ على القطع، والتَّقدير: منها ثمانون ومنها عشرونَ، وللكُشْمِيهَني: ثمانينَ وعشرينَ،
على البدل، وإنَّما كان عمر يُعطِيهِنَّ ذلك لأنَّه وَلَ قال: «ما تَرَكتُ بعد نَفَقة نِسائي فهو
صدقة))، وسيأتي في بابه(٢).
قوله: ((وَسَمَ عُمر)) أي: خيبر، صَرَّحَ بذلك أحمد في روايته (٤٧٣٢) عن ابن نُمَير عن
عُبيد الله بن عمر، وسيأتي بعد أبواب (٢٣٣٨) من طريق موسى بن عُقْبة عن نافع عن ابن
عمر: أنَّ عمر أجلى اليهود والنَّصارى من أرض الحجاز، وسيأتي ذكر السَّبَب في ذلك في
كتاب الشُّروط (٢٧٣٠) إن شاء الله تعالی.
٩ - بابٌ إذا لم يشترط السنين في المزارعة
٢٣٢٩ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيد الله، حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: عاملَ النبيُّ وَلَهَ خيبرَ بَشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ.
قوله: ((باب إذا لم يشترط السِّنينَ في المزارعة)) ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور في الباب
١٤/٥
(١) هذه الرواية عند الدار قطني (٢٩٤٧).
(٢) سيأتي الكلام على ذلك عند شرح الأحاديث (٣٠٩٢) و(٦٧٢٩) و (٦٧٣٠).

٤٣٥
باب ١٠ / ح ٢٣٣٠
كتاب المزارعة
قبله من طريق يحيى بن سعيدٍ عن عُبيد الله مختصراً، وقد سبَقَ ما فيه(١).
قال ابن التِّين: قوله: إذا لم يشترِط السِّنينَ، ليس بواضح من الخبر الذي ساقه. كذا
قال، ووجه ما تَرجَمَ به الإشارة إلى أنَّه لم يقع في شيءٍ من طرق هذا الحديث مُقِيَّداً بسِنِينَ
معلومة، وقد تَرجَمَ له بعد أبواب (٢٣٣٨): إذا قال رَبُّ الأرض: أُقِرّك ما أقرَّك الله، ولم
يَذْكُر أجَلاً معلوماً فهما على تَراضيهما، وساق الحديث، وفيه قوله وَّ: «نُقِرّكُم ما شِئنا)» هو
ظاهر فيما تَرجَمَ له، وفيه دليل على جواز دفع النَّخل مُساقاً والأرض مُزارَعةً من غير ذكر
◌ِنينَ معلومة، فيكون للمالكِ أن يُخرج العامل متى شاءً، وقد أجازَ ذلك مَن أجازَ المخابرة
والمزارَعة، وقال أبو ثَور: إذا أُطلِقا ◌ُلَ على سنة واحدة، وعن مالكِ: إذا قال: ساقَيتُك
كلّ سنة بكذا، جازَ ولو لم يَذْكُرُ أَمَداً، وحَلَ قِصَّة خيبر على ذلك، واتَّفَقوا على أنَّ الكِراء لا
يجوز إلَّا بأجَلِ معلوم وهو من العقود اللَّازمة.
١٠ - بابٌ
٢٣٣٠ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: قلتُ لِطاؤُوسِ: لو تَرَكْتَ
المخابَرَةَ، فإنَّهم يَزْعُمونَ أنَّ النبيَّ ◌ََّ نهى عنه، قال: أي عَمرو، فإنّ أُعْطيهم وأُعينُهم، وإِنَّ
أعلَمَهم أخبرني؛ يعني ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يَنْهَ عنه، ولكن قال: ((أن
يَمْنَحَ أحدُكُم أخاه، خيرٌ له من أن يأخُذَ عليه خَرْجاً معلوماً)).
[طرفاه في: ٢٣٤٢، ٢٦٣٤]
قوله: ((بابٌ)) كذا للجميعِ بغير ترجمة، وهو بمَنزِلة الفصل من الباب الذي قبله، وقد
أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس في جواز أخذ أُجرة الأرض. ووجهُ دخوله في الباب الذي قبله
أَنَّه لمَّا جازَت المزارعة على أنَّ للعامل جزءاً معلوماً، فجواز أخذِ الأُجرة المعَيَّنة عليها من
باب الأولى.
(١) في الباب الذي قبله.

٤٣٦
باب ١٠ / ح ٢٣٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «حدّثنا سُفْیان، قال عمرو» هو ابن دینار، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عثمان
ابن أبي شيبة وغيره عن سفيان: حدثنا عمرو بن دينار.
قوله: ((لو تَرَكْت المخابرة، فإنَّهم يَزْعُمونَ أنَّ النبي ◌ََّ نهى عنه)). أمَّا المخابرة فتقدَّم
تفسيرها قبلُ ببابٍ، وإدخال البخاري هذا الحديث في هذا الباب مُشعِر بأنَّه ممَّن يرى أنَّ
المزارَعة والمخابَرة بمعنَى، وقد رواه التِّرمِذي من وجه آخر عن عَمْرو بن دينار بلفظ: لو
تَرَكت المزارَعة(١)، ويُقوِّي ذلك قول ابن الأعرابي اللُّغَوي: إنَّ أصل المخابرة مُعامَلة أهل
خيبر، فاستُعمِلَ ذلك حتَّى صارَ إذا قيل: خابَرَهم، عُرِفَ أن معناهُ عاملهم نَظِير مُعاملة
أهل خيبر.
وأمَّا قول عَمْرو بن دينار لطاووسٍ: يَزْعُمونَ، فكأنَّه أشار بذلك إلى حدیث رافع بن
خَدِيج في ذلك، وقد روى مسلم (١٥٥٠/ ١٢٠) والنَّسائي (٣٨٧٣) من طريق حمّاد بن
زيد عن عَمْرو بن دينار، قال: كان طاووس يكره أن يُؤَجِّر أرضه بالذَّهبِ والفِضَّة، ولا
يرى بالثُّلثِ والرُّبع بأساً، فقال له مجاهد: اذهب إلى ابن رافع بن خَدِيج فاسمَع حديثه عن
أبيه، فقال: لو أعلم أنَّ رسول الله وَ ل نهى عنه لم أفعَله، ولكن حدَّثني مَن هو أعلم منه:
ابن عبّاس، فذكره. وللنَّسائي أيضاً (٣٨٦٧) من طريق عبد الكَريم عن مجاهد قال:
أخذت بيد طاووس فأدخَلته إلى ابن رافع بن خَدِيج، فحدَّثه عن أبيه: أنَّ النبي ◌َ ◌ّ نهى
عن كِراء الأرض، فأبى طاووسٌٌ، وقال: سمعت ابن عبّاس لا يرى بذلك بأساً.
وأمَّا قوله: لو تَرَكتَ المخابَرَةَ، فجوابُ (لو)) محذوف، أو هي للتَّمَنّي.
قوله: ((وأُعينهم)) كذا للأكثرِ بالعين المهمَلة المكسورة من الإعانة، وللكُشْمِيهَني:
وأُغنيهم، بالغَين المعجمة السَّاكِنة من الغِنى(٢)، والأوَّل هو الصَّواب، وكذا ثبت في رواية
(١) الحديث أخرجه الترمذي برقم (١٣٨٥) من طريق شعبة عن عمرو بن دينار، ولفظه: أن رسول الله وَ ل
لم يحرِّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض. فأراد الحافظ أن لفظ المزارعة استُعمل في هذه
الرواية مكان المخابرة.
(٢) كذا قال الحافظ والعيني في ((عمدة القاري)) ١٦٩/١٢ بأن رواية الكُشميهني بالغين المعجمة الساكنة =

٤٣٧
باب ١١ / خ ٢٣٣١
كتاب المزارعة
ابن ماجة (٢٤٦٢) وغيره من هذا الوجه.
قوله: ((وإنَّ أعلَمَهم أخبَرَني، يَعْني: ابن عبّاس)) سيأتي بعد أبواب (٢٣٤٢) من طريق ١٥/٥
سفيان - وهو الثَّوري - عن عمرو بن دينار عن طاووسٍ: قال: قال ابن عبّاسٍ، وكذلك
أخرجه أبو داود (٣٣٨٩) من هذا الوجه.
قوله: ((لم يَنْهَ عنه)) أي: عن إعطاء الأرض بجزءٍ ممّا يَخْرُج منها، ولم يُرِد ابنُ عبَّاس بذلك
نفْي الرِّواية الُثبِتَة للَّهي مُطلَقاً، وإنَّما أراد أنَّ النَّهي الوارد عنه ليس على حقيقته، وإنَّما هو
على الأولَوية، وقيل: المراد أنَّه لم يَنهَ عن العقد الصحيح، وإنَّما نهى عن الشَّرط الفاسد، لكن
قد وقع في رواية التِّرمِذي (١٣٨٥): أنَّ النبي ◌َّه لم يُحُرِّم المزارَعة، وهي تُقَوّي ما أوَّلتُه.
قوله: ((أن يَمنَحَ)) بفتح الهمزة والحاء، على أنَّها تعليليّة، وبكسر الهمزة وسكون الحاء
على أنَّها شرطية، والأوَّل أشھَر.
وقوله: (خَرْجاً)) أي: أَجرة، زاد ابن ماجَهْ (٢٤٦٢) والإسماعيلي من هذا الوجه عن
طاووس: وأنَّ معاذ بن جَبَل أخَذَ الناس عليها عندنا. يعني: باليمن، وكأنَّ البخاري حَذَفَ
هذه الجملة الأخيرة لما فيها من الانقطاع بين طاووس ومعاذ، وسيأتي بقية الكلام على
هذا الحديث بعد سبعة أبواب (٢٣٤٢) إن شاء الله تعالى.
١١ - باب المزارعة مع اليهود
٢٣٣١ - حدَّثنا محمدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وََّ أَعطَى خيبرَ اليهودَ على أن يَعْمَلوها ويَزرَعوها ولهم شَطْرُ
ما خرج منها.
قوله: ((باب المزارعة مع اليهود)) أورد فيه حديث ابن عمر المذكور قبلُ ببابٍ، وعبد الله
= من الغنى، والذي في اليونينية أن رواية الكُشْميهني: وأُعينهم، بالعين المهملة والياء، كرواية الأكثر،
والظاهر أنه تصحفت فيه، لأن القسطلاني حكى أن رواية الكشميهني: أُعنيهم، بضم الهمزة وسكون
العين المهملة وكسر النون بعدها تحتية ساكنة!

٤٣٨
باب ١٢-١٣ / ح ٢٣٣٢ - ٢٣٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
المذكور في الإسناد: هو ابن المبارك، وعُبيد الله، بالتَّصغير: هو ابن عمر العُمري، وقد تقدَّم
ما فيه (٢٣٢٨)، وأراد بهذا الإشارةَ إلى أنَّه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين
وأهل الذِّمَّة.
١٢ - باب ما يكره من الشروط في المزارعة
٢٣٣٢ - حدَّثنا صدقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَينةَ، عن يحيى، سمعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَفيَّ، عن
رافع ﴾، قال: كنَّا أَكْثَرَ أهلِ المدينةِ حَقْلاً، وكان أحدُنا يُكْري أرضَه، فيقول: هذه القِطْعَةُ لي،
وهذه لكَ، فربّما أخرَ جَت ذِه ولم تُخرِجْ ذِه، فتَهاهم النبيُّ ◌َّ.
قوله: ((باب ما يُكرَه من الشُّروط في المزارعة)) أورَدَ فيه حديث رافع بن خَدِيج، وسيأتي
البحث فيه بعد خمسة أبواب (٢٣٤٤)، وأشار بهذه التَّرجمة إلى حَل النَّھي في حديث رافع
على ما إذا تَضَمَّنَ العقدُ شرطاً فيه جَهالة أو يُؤَدّي إلى غَرَر.
وقوله فيه: ((حَقلاً)) هو بفتح المهمَلة وسكون القاف، وأصل الحَقْل: القَرَاح الطيِّب،
وقيل: الزَّرع إذا تَشَعَّبَ وَرَقه مِن قَبْل أن يَغْلُظْ سُوقه، ثمّ أُطلِقَ على الَّرع، واشتُقَّ منه
المحاقَلة، فأُطلِقَت على المزارَعة.
وقوله: ((ذِه)) بكسر المعجَمة وسكون الهاء، إشارة إلى القطعة.
١٣ - باب إذا زرع بمال قومٍ بغير إذنهم، وكان في ذلك صلاحٌ لهم
٢٣٣٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ بَّه، قال: ((بينما ثلاثةُ نَفَرِ يَمْشونَ أخذَهم
المطَّرُ، فَأَوَوْا إلى غارٍ في جَبَلٍ، فانخَطَّت على فمٍ غارهم صَخْرةٌ مِن الجبلِ، فانطَبَقَت عليهم،
فقال بعضُهم لِبعضِ: انظُرُوا أعمالاً عَمِلْتُموها صالحةً لله، فادْعُوا الله بها لَعَلَّه يَفْرُجُها عنكم،
قال أحدُهمُ: اللّهم إنَّه كان لي والدان شيخانِ كبيرانٍ، ولي صِبْيةٌ صِغارٌ، كنتُ أرعَى عليهم،
فإذا رُحْتُ عليهِم حَلَبتُ فبَدَأْتُ بوالدَيَّ أَسْقِيهما قَبْلَ بَنِيَّ، وإنّ استأخَرْتُ ذاتَ يومٍ، ولم آتِ
حتَّى أمسَيتُ فَوَجَدْتُهما ناما، فحَلَبتُ كما كنتُ أحلُبُ، فَقُمْتُ عندَ رؤوسِهما أكْرَه أن أوقِظَهما،

٤٣٩
باب ١٣ / ح ٢٣٣٣
كتاب المزارعة
وأكْرَه أن أسقيَ الصِّبْيَةَ، والصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عندَ قَدَميَّ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فإن كنتَ تَعْلَمُ أَنّي
فعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وجهِكَ فافرُج لنا فَرْجَةً نَرَى منها السَّماءَ، ففَرَجَ اللهُ، فَرَأوا السَّمَاءَ.
وقال الآخَرُ: اللّهمَّ إنَّها كانت لي بنْتُ عَمِّ أحبَبتُها كأشَدِّ ما يُحِبُّ الرِّجالُ النِّساءَ، فطَلَبتُ
منها فأَبَت، حتَّى آتِيَها بمئةِ دينارٍ، فَغَيتُ حتَّى ◌َمَعْتُها، فلمَّا وقَعْتُ بین رجْلَیها، قالت: يا
عبدَ الله، اتَّقِ اللهَ، ولا تَفْتَح الخاتَمَ إلا بحَقِّه، فقُمْتُ، فإن كنتَ تَعْلَمُ أنّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وجهِكَ
فافرُجْ عَّا فَرْجَةً، ففَرَجَ.
وقال الثالثُ: اللهمَّ إنّي استأجَرْتُ أجيراً فَرَقِ أَرُزِّ، فلمَّا قَضَى عملَه قال: أعطِنِي حَقّي،
فَعَرَضْتُ عليه فَرَغِبَ عنه، فلم أزَل أزْرَعُه حتَّى ◌َمَعْتُ منه بقراً ورُعاتها، فجاءني فقال: أَّقِ الله،
فقلتُ: اذهَبْ إلى ذلك البقرِ ورُعاتها فخُذْ، فقال: اتَّقِ الله، ولا تَسْتَهْزِئ بي، فقلتُ: إنّ لا أستَهْزِئُّ
بكَ، فخُذ فأخذَه، فإن كنتَ تَعْلَمُ أنّ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ فافْرُجْ ما بَقِيَ، ففَرَجَ اللهُ).
وقال إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ، عن نافعٍ: ((فَسَعَيت)).
قوله: ((باب إذا زَرَعَ بمال قومٍ بغير إِذْنهم، وكان في ذلك صلاح لهم)) أي: لمن يكون الزَّرع؟
أورَدَ فيه حديث الثلاثة الذينَ انطَبَقَ عليهم الغار، وسيأتي القول في شرحه في أحاديث
الأنبياء (٣٤٦٥)، والمقصود منه هنا قول أحد الثلاثة: ((فعَرَضْتُ عليه - أي: على الأجير -
حَقّه فَرَغِبَ عنه، فلم أزل أزرَعه حتَّى جَمَعت منه بقراً ورُعاتها))، فإنَّ الظَّاهر أنَّه عيَّن له
أُجْرته، فلمَّا تَرَكَها بعد أن تَعيَّنَت له ثمَّ تَصَرَّفَ فيها المستأجر بعينها صارت من ضَمانه.
قال ابن المنيِّرِ: مُطابقة التَّرجمة أنَّه قد عيَّن له حَقّه ومَكَّنَه منه، فَرِئَت ذِمَّته بذلك، فلمَّا
تَرَكَه وضَعَ المستأجر يَده عليه وضعاً مُستأنَفاً، ثمَّ تَصَرَّفَ فيه بطريق الإصلاح لا بطريق
التَّضييع، فاغتُّفِرَ ذلك ولم يُعَدَّ تَعدّياً، ولذلك تَوسَّلَ به إلى الله عزَّ وجلَّ وجعلَه من أفضل
أعماله، وأُقِرَّ على ذلك ووقعت له الإجابة، ومَعَ ذلك فلو هلَكَ الفرَق لكان ضامناً له، إذ لم
يُؤذَن له في التَّصَرُّف فيه، فمقصود التَّرجمة إنَّما هو خلاص الزّارع من المعصية بهذا القصد،
ولا يَلزَم من ذلك رفعُ الضَّمان.

٤٤٠
باب ١٣ / ح ٢٣٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ويُحْتَمَلُ أن يقال: إنَّ تَوسُّلَه بذلك إِنَّما كان لكَونِه أعطى الحقّ الذي عليه مضاعفاً، لا
١٧/٥ بتصرُّفِه، كما أنَّ الجلوس بين رِجْلَي المرأة مَعصية،/ لكن التَّوسُّل لم يكن إلَّا بتركِ الزّنى
والمسامحة بالمال ونحوه، وقد تقدَّم شيء عن هذا في أواخر البيوع في ترجمة ((مَن اشترى شيئاً
لغيره بغير إذنه فرَضي)» (٢٢١٥).
وقوله في هذه الرِّواية: ((فَرَق أرُزّ)) تقدَّم في البيوع (٢٢١٥) بلفظ: ((فَرَق من ذُرة» فيُجمَع
بينهما بأنَّ الفرق كان من الصِّنفَينِ، أو (١) أنََّما لمَّا كانا حَبَّن مُتَقَارَبَينِ، أُطلِقَ أحدهما على
الآخر، والأوَّل أقربُ.
وقوله: ((فَأَبَتْ حَتَّى آتَيَها (٢) بمئة دينار)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فَأَبَت عليّ)».
قوله: ((فبَغَيْتُ)) بالموخَّدة ثمَّ المعجَمة، أي: طلبتُ، وأكثر ما يُستَعمَل في الشَّرّ.
وقوله: ((فوجَدْتُهما ناما)» في رواية الكُشْمِيهني: ((نائمَینِ».
وقوله: ((وَرُعاتها)) في رواية الكُشْمِيهني: ((وراعيها)) على الإفراد.
تنبيه: وقع في كلام الأوَّل: ((اللهمَّ إنَّه)) والثاني: ((اللهمَّ إنَّها)) والثالث: ((إنّ)) وهو من
التَّفَنُّن، والهاء في الأوَّل ضمير الشَّأن، وفي الثاني للقِصَّة، وناسَبَ ذلك أنَّ القِصَّة في امرأة.
قوله: ((وقال إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبة عن نافع: فسَعَيت)) يعني: أنَّ إسماعيل المذكور
رواه عن نافع كما رواه عَمّه موسى بن عُقْبة، إلَّا أنَّه خالَفَه في هذه اللَّفْظَة، وهي قوله:
((فَبَغَيت)) فقالها: ((فسَعَيت)) بالسّين والعين المهملتَينِ، وهذا التَّعليق عن إسماعيل هذا
وصَلَه المؤلِّف في كتاب الأدَب في ((باب إجابة دُعاء مَن بَرّ والدَيهِ)) (٥٩٧٤)، وفيه هذه
اللَّفظة.
قال الجَيَّاني: وقع في روايةٍ لأبي ذرٍّ: وقال إسماعيل عن ابن عُقْبة، وهو وهم، والصَّواب:
إسماعيل بن عُقْبة، وهو ابن إبراهيم بن عُقْبة ابن أخي موسى.
(١) تحرف في (س) إلى: وأنهما، بالواو.
(٢) في (أ): حتى أتيتُها. وهي صحيحة في رواية غير أبي ذرِّ الهرويّ، والمثبت من (ع) و(س).