النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ١٠ / ح ٢٣١١
كتاب الوكالة
فِيلٍ، فلمَّا انتهى إلى الباب دَخَلَ من خَلَل الباب في غير صورته، فدَنا من التمر، فجعل
يَلَقِمُهُ، فَشَدَدتُ علىَّ ثيابي، فتوسَّطتُه، وفي رواية الرُّوياني: فأخذته فالتَّفَّتْ يدي على
وَسَطه، فقلت: يا عدوَّ الله، وَثَبْتَ إلى تمر الصَّدَقة فأخذتَه وكانوا أحقَّ به منك، لَأَرفَعَنَّكَ
إلى رسول الله وَل﴿ فَيَفْضَحُك، وفي رواية الرُّوياني: ما أدخَلَك بيتي تأكُلُ التمر؟ قال: أنا
شيخ كبير فقير ذو عيال، وما أتيتُك إلَّا من نصيبين، ولو أصَبتُ شيئاً دونَه ما أتيتُك، ولقد
كنَّا فِي مَدينَتَكُم هذه حتَّى بُعِثَ صاحبكُم، فلمَّا نزلت عليه آيتان نَفَرْنا(١) منها، فإن خَلَّيتَ
سبيلي عَلَّمْتُكَهما، قلت: نعم، قال: آية الكرسي وآخر سورة البقرة من قوله: ﴿ءَامَنَ
الرَّسُولُ ﴾ إلى آخرها.
قوله: ((لن يزال عليك)) في رواية الكُشْمِيهني: ((لم يَزَلْ))، ووقع عكسُ ذلك في فضائل
القرآن، والأوَّل هو الذي وقع في ((صفة إبليس))، وهو رواية النَّسائي، والإسماعيلي.
قوله: ((من الله حافظ)) أي: من عند الله أو من جهة أمر الله، أو من بأس الله ونقمته.
٤٨٩/٤
قوله: ((ولا يَقربُك)) بفتح الراء وضمّ الموحّدة.
قوله: ((وكانوا)) أي: الصحابة ((أحرَصَ شيء على الخير)) فيه الْتِفات، إذ السِّياق يقتضي
أن يقول: وكنّا أحرَصَ شيءٍ على الخير، ويُتَملُ أن يكون هذا الكلام مُدَرَجاً من كلام
بعض رواته، وعلى كلّ حال فهو مَسُوق للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرّة الثالثة، حرصاً
على تعلُّم ما يَنفَع.
قوله: ((صَدَقَك وهو كذوب)) في حديث معاذ بن جَبَل: ((صَدَقَ الخبيث وهو كذوب))،
وفي رواية أبي المتوكّل: ((أوَما عَلِمتَ أنَّه كذلك؟».
قوله: ((مُذْ ثلاثٍ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((منذُ ثلاث)).
(١) كذا في (ع)، ولم تظهر الكلمة في (أ) لطمس الورقة، وفي (س): تفرقنا، وعند الطبراني: أنفرتنا، ووقع في
المصادر التي خرجت حديث معاذ مما أشرنا إليه قريباً غير الرُّوياني والطبراني: أُخْرِجنا، بصيغة المبني
للمجهول، فالله أعلم.

٤٠٢
باب ١٠ / ح ٢٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ذاكَ شيطان)) كذا للجميع، أي: شيطان من الشَّياطين، ووقع في فضائل القرآن
(٥٠١٠): ((ذاكَ الشَّيطان))(١)، واللَّام فيه للعهد الذُّهْنِيِّ.
وقد وقع أيضاً لأُبيِّ بن كعب عند النَّسائي (ك ١٠٧٣٠) وأبي أيوب الأنصاري عند
التِّرمِذي (٢٨٨٠)، وأبي أُسَيدِ الأنصاري(٢) عند الطبراني (٥٨٥/١٩)، وزيد بن ثابت
عند بن أبي الدُّنيا(٣)، قَصَصّ في ذلك، إلَّا أنَّه ليس فيها ما يُشبِه قصَّة أبي هريرة إلَّا قصَّة
معاذ بن جَبَل التي ذكرتها، وهو محمول على التعدُّد.
ففي حديث أُبيِّ بن كعب: أنَّه كان له جُرْنٌ فيه تمر، وأنَّه كان يَتَعاهَده، فَوَجَدَه يَنقُص،
فإذا هو بدابّةٍ شِبه الغُلام المحتَلِم، فقلت له: أجِنّي أم إِنسي؟ قال: بل جِنّي، وفيه أنَّه قال
له: بَلَغَنا أَنَّك تُحِبّ الصَّدَقة، وأحببنا أن نُصيب من طعامك، قال: فما الذي يُجيرُنا منكم؟
قال: هذه الآية آية الكرسي، فذكر ذلك للنبي وَّ فقال: ((صَدَقَ الخبيث)).
وفي حديث أبي أيوب: أنَّه كانت له سَهْوة - أي: بفتح المهمَلة وسكون الهاء، وهي
الصُّفَّة - فيها تمر، وكانت الغُول تجيء، فتأخُذ منه، فشكى ذلك إلى النبيِ وَّه فقال: ((إذا
رأيتَها، فقُل: باسم الله أجيبي رسول الله)) فأخذها فحَلَفَت أن لا تَعود، فذكر ذلك
ثلاثاً، فقالت: إنّ ذاكرة لك شيئاً آية الكرسي، اقرأها في بيتك، فلا يَقْرَبك شيطان ولا
غیره، الحدیث.
وفي حديث أبي أُسَيدِ الساعدي: أنَّه لمَّا قَطَعَ تمر حائطه، جعلها في غُرفة، وكانت
الغُولُ تُخالفُه، فَتَسِرِقُ تمرهُ وتُفسِده عليه، فذكر نحو حديث أبي أيوب سواء، وقال في
آخره: وأدُلّك على آية تقرؤُها في بيتك، فلا نُخالِفُ إلى أهلك، وتقرؤُها على إنائك، فلا
يُكشَفُ غِطاؤُه، وهي آية الكرسي، ثمَّ حَلَّت اسْتَها تَضْرُطُ، الحديث.
(١) كذا أطلق الحافظ هنا أن الرواية في فضائل القرآن باللام، وسيذكر هناك أن رواية الأكثرين بالتنكير، كما
في هذه الرواية، مشيراً إلى ما قاله هنا من الإطلاق، فكان عُدولاً عنه.
(٢) هو السَّاعِدي مالك بن ربيعة.
(٣) في ((الهواتف)) (١٦٤)، وفي ((مكايد الشيطان)) (١٥).

٤٠٣
باب ١١ / ح ٢٣١٢
كتاب الوكالة
وفي حديث زيد بن ثابت: أنَّه خرج إلى حائطه، فسمع جَلَبةً، فقال: ما هذا؟ قال:
رجل من الجِنّ، أصابَتْنا السَّنة، فأردت أن أُصيب من ثماركم، قال له: فما الذي يُعیذُنا
منکم؟ قال: آية الكُرسِّ.
قوله: ((وهو كذوب)) من التَّتَمِيم البليغ الغاية في الحُسن، لأنه أثبتَ له الصِّدقَ، فأوهَمَ
له صفة المدح، ثمَّ استَدرَكَ ذلك بصفة المبالَغة في الذَّمّ بقوله: ((وهو كذوب))
وفي الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: أنَّ الشَّيطان قد يعلم ما يَنتَفِع به المؤمن، وأنَّ
الحِكمة قد يَتَلَقّاها الفاجر، فلا يَنتَفِع بها وتُؤْخَذ عنه، فيُنْتَفَعُ بها، وأنَّ الشَّخص قد يعلم
الشيء ولا يعمل به، وأنَّ الكافر قد يُصدِّق ببعضٍ ما يُصدّق به المؤمن، ولا يكون بذلك
مُؤْمِناً، وبأنَّ الكذّاب قد يَصدُق، وبأنَّ الشَّيطان من شأنه أن يكذب، وأنَّه قد يَتَصَوَّر
ببعضِ الصّوَر، فتُمكِنُ رُؤَته، وأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾
[الأعراف: ٢٧] مخصوص بما إذا كان على صورته التي خُلِقَ عليها، وأنَّ من أُقيم في حِفظ
شيءٍ سُمّي وكيلاً، وأنَّ الجنَّ يأكلونَ من طعام الإنس، وأَّهم يَظهَرونَ للإنسِ لكن بالشَّرط
المذكور، وأَّهم يَتكلَّمونَ بكلام الإنس، وأَّهم يَسِرِقونَ ويَخْدَعون، وفيه فضل آية الكرسي،
وفضل آخر سورة البقرة، وأنَّ الجنَّ يصيبونَ من الطَّعام الذي لا يُذكَر اسمُ الله علیه.
وفيه أنَّ السارق لا يُقطَع في المجاعة، ويحتمل أن يكون القَدْر المسروقُ لم يَبلُغِ النِّصابَ،
ولذلك جازَ للصحابي العفوُ عنه قبل تبليغه إلى الشارع. وفيه قَبُول العُذر والسَّتر على من
يُظَنّ به الصِّدق. وفيه اطّلاع النبي ◌َُّ على المغَيَّبَات، ووقع في حديث معاذ بن جَبَل(١): أنَّ
جبريل عليه السلام جاء إلى النبي وَّةِ، فأعلمه بذلك. وفيه جواز جمع زكاة الفِطْر قبل ليلة
الفِطْرِ، وتوكيل البعض بحِفْظها وتَفْرِقَتها.
٤٩٠/٤
١١ - باب إذا باع الو کیل شيئاً فاسداً فبيعه مردود
٢٣١٢ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثْنا معاويةُ - هو ابنُ سَلَّام - عن
(١) في رواية ابن أبي الدنيا والحاكم والبيهقي، وقد سلف تخريج رواياتهم أولَ شرح الحديث.

٤٠٤
باب ١١ / ح ٢٣١٢
فتح الباري بشرح البخاري
يحيى، قال: سمعتُ عُقبةَ بنَ عبد الغافِرِ، أنَّه سمعَ أبا سعيدِ الخُدْرِيَّ ﴾ قال: جاء بلالٌ إلى
النبيِّ وَّ بِتمرِ بَرْنِيٌّ، فقال له النبيُّ ◌َّ: ((مِن أينَ هذا؟)) قال بلالٌ: كان عندنا تمرٌ رديءٌ، فبِعتُ
منه صاعَينِ بصاعٍ، لنُطْعِمَ النبيَّ بِ ◌ّهِ، فقال النبيُّ نَّهِ عندَ ذلك: ((أوَّهْ أَوَّهْ، عَينُ الرِّبا، عَينُ
الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولكن إذا أردتَ أن تَشَّرِيَ، فبعِ الَّمَرَ ببيعٍ آخَرَ، ثمَّ اشترِ بِهِ».
قوله: «باب إذا باع الو کیل شیئاً فاسداً فبیعُه مردود» أورد فيه حديث أبي سعيد: جاء
بلال إلى النبي ◌َّهِ بتمرٍ بَرْنيِّ، الحديث، وليس فيه تصريح بالردِّ، بل فيه إشعار به، ولعلَّه
أشار بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه: فعند مسلم (١٥٩٤ / ٩٧) من طريق أبي نَضْرة، عن
أبي سعيد في نحو هذه القصّة فقال: ((هذا الرِّبا، فُرُدَوهُ))، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في
((باب من أراد شِراء تمر بتمرٍ خيرٍ منه)) من كتاب البيوع (٢٢٠١)، وفيه قول ابن عبد البَرِّ:
إِنَّ القصّة وقَعَت مَرَّتين، مرَّة لم يقع فيها الأمر بالردِّ، وكان ذلك قبل العلم بتحريم الرِّبا،
ومرَّة وقع فيها الأمر بالردِّ، وذلك بعد تحريم الرِّبا والعلم به. ويدلّ على التعدُّد أنَّ الذي
تولَّى ذلك في إحدى القِصَّتَين، سَوَاد بن غَزِيَّة عامل خيبر، وفي الأُخرى بلال.
وعند الطَّبري(١) من طريق سعيد بن المسيّب عن بلال، قال: كان عندي تمرٌ دُونٌ،
فابتَعت منه تمراً أجوَد منه، الحديث، وفيه: فقال النبي ◌َّ: «هذا الرِّبا بعَينِهِ، انطَلِقِ فُرُدَّه
على صاحبه، وخُذ تمرَك وبِعْه بحِنطةٍ أو شعير، ثمَّ اشترِ به من هذا التمر، ثمَّ جِئْني به)).
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعيم، وجَزَمَ أبو عليّ الجَيَّاني بأنَّه
ابن منصور، واحتَجَّ بأنَّ مسلماً أخرج هذا الحديث (٩٦/١٥٩٤) بعَينِه عن إسحاق بن
منصور عن يحيى بن صالح بهذا الإسناد، ولكن ليس ذلك بلازم، ويُؤيِّد کونَه ابنَ راهويه
تَغايُرِ السِّياقَين متناً وإسناداً، فهنا قال إسحاق: أخبرنا يحيى بن صالح، وعند مسلم: حدَّثنا
(١) كذا في الأصلين و(س): الطبري، ولم نقف عليه في شيء مما طُبع من كتب الطبري، وهو عند الطبراني في
(الكبير)) (١٠١٨) من هذا الطريق. وأخرجه أيضاً إسحاق بن راهوية كما في ((المطالب العالية))
(١٣٧٥)، والترمذي في ((العلل الكبير)) ٤٩٢/١، والبزار في («مسنده)) (١٣٦٢)، وأبو يعلى في ((مسنده
الکبیر)» كما في ((المطالب العالية) بإثر (١٣٧٥)، والرویاني في «مسنده)) (٧٥٥).

٤٠٥
باب ١١ / ح ٢٣١٢
كتاب الوكالة
يحيى، ومن عادة إسحاق بن راهويه التعبير عن مشايخه بالإخبار لا التحديث، ووقع هنا:
عن يحيى، وعند مسلم: أخبرنا يحيى وهو ابن أبي كثير، وكذلك وَقَعَت المغايرة في سياق
المتن في عِدّة أماكن، ويحتمل أن يكون أحدُهما ذكره عن إسحاق بن منصور بالمعنى.
قوله: ((جاء بلال إلى النبي ◌َّل بتمر بَرْنيٍّ)) بفتح الموحّدة وسكون الراء بعدها نون ثمّ
تحتانية مُشدَّدة: ضَرْبَ من التمر معروف، قيل له ذلك لأنَّ كلّ تمرة تُشبِهِ البَرْنَيَّة(١)، وقد
وقع عند أحمد (١٥٥٥٩) مرفوعاً: ((خير تمراتكُم البَرْنيُّ، يُذهِب الدّاء ولا داءَ فيه))(٢).
قوله: «کان عندي» في رواية الگُشْمِیھني: عندنا.
قوله: «رديء)» بالهمز، وزن عظیم.
قوله: ((لِنُطْعِم النبي ◌َّ)) بالنّون المضمومة، ولغير أبي ذرِّ بالتحتانية المفتوحة والعين
مفتوحة أيضاً، وفي رواية مسلم: لِمَطْعَمِ النبي ◌َّ، بالميم.
قوله: ((أوَّهْ أوَّهْ، عَيْنِ الرِّبا، عَين الرِّبا)) كذا فيه بالتكرار مرَّتين، ووقع في مسلم مرَّة
واحدة، ومُراده بعَيْن الرِّبا نفسه، وقوله: ((أوَّه)) كلمة تُقال عند التوجُّع، وهي مُشدَّدة الواو
مفتوحة وقد تُكسَر، والهاء ساكنة، وربَّما حَذَفوها، ويقال: بسكون الواو وكسر الهاء،
وحكى بعضهم مَدَّ الهمزة بدل التشديد. قال ابن التِّين: إنَّما تأوَّهَ ليكونَ أبلَغ في الَّجر،
وقاله إمَّ للثُّم من هذا الفعل، وإمَّا من سوء الفَهْم.
قوله: ((فبع التَّمر ببيعٍ آخر ثمَّ اشتر به)) في رواية مسلم: ((ولكن إذا أردت أن تَشتَري ٤٩١/٤
(١) قال الفيّومي في ((المصباح المنير)): البَرنيّة، بفتح الأول: إناءٌ معروف، والبَرْنيّ نوع من أجود التمر، ونقل
السهيلي أنه أعجمي، ومعناه: حَمْل مبارك، قال: بر: حَمْل، ونِي: جيد، وأدخلته العرب في كلامها،
وتکلمت به.
(٢) لفظه في (المسند)): ((أما إنه خير تمركم وأنفعه لكم))، وأما اللفظ الذي ساقه الحافظ فهو لفظ أحاديث
عدد من الصحابة منهم أبو سعيد الخدري عند الطبراني في ((الأوسط)) (٧٤٠٦)، والحاكم ٢٠٤/٤،
وهو لفظ حديث أنس بن مالك أيضاً عند العقيلي ٢٠٦/٣، والحاكم ٢٠٤/٤، وبريدة عند الرُّوياني
(٢٤٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٨٧٦)، وغير هؤلاء من الصحابة، وفي أسانيدهم جميعاً مقال. انظر
((اللآلئ المصنوعة)) للسيوطي ٢/ ٢٠٣ -٢٠٦.

٤٠٦
باب ١٢ / ح ٢٣١٣
فتح الباري بشرح البخاري
التمر، فبِعه ببيع آخر ثمَّ اشتره))، وبينهما مُغايرة، لأنَّ التمر في رواية الباب المراد به التمر
الرَّديء، والضَّمير في ((به)) يعود إلى التمر، أي: بالتمر الرَّديء والمفعول محذوف، أي: اشتر
به تمراً جيّداً، وأمَّا رواية مسلم، فالمراد: بالتمر الجيِّد، والضَّمير في قوله: ((ثمَّ اشتره)) للجیِّد.
وفي الحديث البحث عمّا يَستَريب به الشَّخص حتَّى يَنكَشِف حاله. وفيه النصُّ على
تحريم رِبا الفضل. واهتمام الإمام بأمر الدِّين وتعليمه لمن لا يعلمه، وإرشاده إلى التوصُّل
إلى المباحات وغيرها. واهتمام التابع بأمر متبوعه، وانتقاء الجيّد له من أنواع المطعومات
وغيرها. وفيه أنَّ صَفْقة الرِّبا لا تَصِحّ، وقد تقدَّم ذلك مبسوطاً في موضعه (٢١٧٧).
١٢ - باب الوكالة في الوقف ونفقته، وأن يُطعم صديقاً له،
ویأکل بالمعروف
٢٣١٣ - حدّثنا قُتَیةُ بنُ سعیدٍ، حدّثنا سفيانُ، عن عمرو، قال في صدقةٍ عمر څ﴾: لیس
على الوَلِيِّ جُناحٌ أن يأكلَ، ويُؤكِلَ صديقاً له غيرَ مُتَأْثُّلٍ مالاً. فكان ابنُ عمرَ هو يلي صدقةً
عمرَ، يُهدي لِناسٍ من أهلِ مَكّةَ كان يَنزِلُ عليهم.
[أطرافه في: ٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٢٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧]
قوله: ((باب الوكالة في الوقف ونفقته، وأن يُطعِم صديقاً له، ويأكل بالمعروفِ)) ذكر فيه
قصَّة عمر في وَقْفُه مُختصَرةً غيرَ موصولة.
قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن دينار المكّي.
قوله: ((في صدقة عمر)) أي: في روايته لها عن ابن عمر، كما جَزَمَ بذلك المِزّي في
(الأطراف))، ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عَمْرو بن
دینار عن ابن عمر.
قوله: ((غير مُتأثِّل)) بِمُثَنَّةٍ ثمَّ مُثلَّثة، أي: غير جامع، وإنَّما كان ابن عمر يُهدي منه أخذاً
بالشَّرْط المذكور، وهو أن يُطعِم صديقه، ويحتمل أن يكون إنَّما يُطعِمهم من نصيبه الذي
جُعل له أن يأكل منه بالمعروفِ، فکان يوفّره لُهدِي لأصحابه منه.

٤٠٧
باب ١٣ / ح ٢٣١٤ -٢٣١٦
كتاب الوكالة
قوله: ((فكان ابن عمر)) هو موصول بالإسناد المذكور كما هو بيِّن في رواية الإسماعيلي.
قال الكِرْماني: قوله: في صدقة عمر: ((صدقة)) بالتنوينِ، و((عمر)) فاعل، قال: وهو
بصورة الإرسال، لأنه يعني - عَمْرو بن دينار - لم يُدرك عمر، قال: وفي بعض الروايات
بالإضافة، أي: قال عَمْرو بن دينار في وقْفِ عُمر ذلك، قال: وفي بعض الروايات:
عَمْرو، بالواو.
قلت: هذه الأخيرة غَلَط، وقوله: ((صدقة)) بالتنوين غَلَط ◌َحَضٌّ، و((صدقةِ عمر))
بالإضافة هي التي عند جميع رواة هذا الحديث في البخاري، ومعنى هذا الكلام: أنَّ سفيان
ابن عُيَينةَ روى عن عَمْرو بن دينار أنَّه حكى عن صدقة عمر ما ذكره، واستَنَدَ في ذلك إلى
صنيع ابن عمر، فكأنَّه حَلَ ما ذكره ممّا فَهمَه من فعل ابن عمر، فيكون الخبر موصولاً بهذا
التقرير، وبهذا ترجمَ المِزي في مُسنَد ابن عمر: عَمْرو بنُ دينار، عن ابن عمر، ثمَّ ساق هذا
الحديث، بهذا السَّنَد.
قوله: ((لِناسٍ)) بَيَّن الإسماعيلي أنَّهم آل عبد الله بن خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص.
قال المهلَّب: أخذَ عمر شرط وقْفِه من كتاب الله، حيثُ قال في وليِّ اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ
فَقِيرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] والمعروف: ما يَتَعارفه الناس بينهم.
١٣ - باب الوكالة في الحدود
٢٣١٤، ٢٣١٥ - حدَّثنا أبو الوليدِ، أخبرنا اللَيثُ، عن ابنِ شِهاب، عن عُبیدِ الله، عن زيد
ابن خالدٍ / وأبي هريرةَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّرَ قال: ((واغدُ يا أَنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ ٤٩٢/٤
اعترَفَت فارُمْها)).
[ح ٢٣١٤- أطرافه في: ٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠،
٧٢٥٩،٧١٩٤]
[ح ٢٣١٥ - أطرافه في: ٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣،
٧٢٥٨، ٧٢٧٨،٧٢٦٠]

٤٠٨
باب ١٣ / ح ٢٣١٤-٢٣١٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣١٦ - حدَّثنا ابنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الوهَّاب الثَّقَفيُّ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً،
عن عُقبةَ بنِ الحارثِ، قال: جِيءَ بالتُّعَيمان - أو ابنِ التُّعَيمان - شارباً، فأمرَ رسولُ الله ◌ِّهِ مَن
كان في البيتِ أن يَضرِبوه، قال: فكنتُ أنا فيمَن ضَرَبَه، فضَرَبناه بالنِّعال والَجَرِيد.
[طرفاه في: ٦٧٧٤، ٦٧٧٥]
قوله: ((باب الوكالة في الحدود)» أورَدَ فيه طرفاً من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في
قصَّة العَسيف، مُقتصِراً منها على قوله: ((واغدُ يا أُنْيسُ إلى امرأة هذا، فإنِ اعْتَرَفَت
فارجُها))، وهذا القَدْر هو المحتاج إليه في هذه الترجمة، وسيأتي هذا الحديث بتمامه والكلام
عليه في كتاب الحدود (٦٨٢٧) إن شاء الله تعالى.
قوله: «جيءَ بالنُّعَیمان)) بالتصغير.
قوله: ((أو ابن النُّعَيمان)) هو شَكٌّ من الراوي، ووقع عند الإسماعيلي في رواية: جيءَ
بنُعمان أو نُعيمانَ، فشَكَّ هل هو بالتكبير أو التصغير، ويأتي مثلها للكُشْمِیھَني في كتاب
الحدود (٦٧٧٤).
وفي رواية للإسماعيلي: جئت بالنُّعَيمان، بغير شَكّ، ويُستَفاد منه تسمية الذي أحضَرَ
النُّعَيمَانَ، وأَنَّه النُّعَيمانُ بغير شَكّ، وقد وقع عند الزُّبَير بن بَكّارٍ في ((النَّسَب))(١) من طريق
أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حَزْم عن أبيه قال: كان بالمدينة رجل يقال له: النُّعَيمانُ
يُصیب الشَّراب، فذكر الحدیث نحوه، وروى ابن منده(٢) من حدیث مروان بن قیس
السُّلَمي من صحابة رسول الله وَِّ: أنَّ النبي ◌َ ◌َّ مَرَّ برجلٍ سكران يقال له: نُعيمانُ فأمَرَ
به فضُرِبَ، الحديث، وهو النُّعَيمانُ بن عَمْرو بن رِفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن
غَنْم بن مالك بن النَّجّار الأنصاري، ممّن شَهِدَ بدراً وكان مَزّاحاً.
(١) كذا قال الحافظ هنا، وقال في ((الإصابة)) ٤٦٤/٦: ذكره الزبير بن بكار في كتاب ((الفكاهة والمزاح)).
قلنا: وأخرجه من طريق الزبير بن بكار ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) في ترجمة النعيمان بن عمرو برقم
(٢٦٤٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق)) ١٤٥/٦٢-١٤٦.
(٢) ومن طريقه أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٤٥/٦٢.

٤٠٩
باب ١٤-١٥ / ح ٢٣١٧ -٢٣١٨
كتاب الوكالة
قوله: ((شارباً)) سيأتي في الحدود (٦٧٧٥) من وجه آخر: وهو سكران، وزاد فيه: فشَقَّ
علیه، وسيأتي بقية الكلام علیه هناك.
وشاهد الترجمة منه قوله فيه: فأمَرَ رسول الله وَ لَه مَن كان في البيت أن يَضرِبوه. فإنَّ
الإمام لمَّا لم يَتَوَلَّ إقامة الحدّ بنفسِه وولَّاه غيرَه، كان ذلك بمَنزِلة توكيله لهم في إقامته.
ويُؤخَذ منه أنَّ حَدّ الخمر لا يُستأنى به الإفاقةُ، كحَدِّ الحامل لتضعَ الحَمْل.
١٤ - باب الوكالة في البُدْن وتعاهدها
٢٣١٧ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبد الله بنِ أبي بكرِ بنِ حَزْمِ،
عن عَمْرة بنتِ عبد الرحمن أنَّها أخبَرَته قالت عائشةُ: أنا فَتَلتُ قَلائدَ هَذْي رسولِ اللهِ وَل
بَيَدَيَّ، ثمَّ قَلَّدَها رسولُ اللهِ وَّهِ بَيَدَيه، ثمَّ بَعَثَ بها معَ أبي، فلم يَحُرُم على رسولِ الله ◌ِّ شيءٌ
أحَلَّه الله له حتَّى نُحِرَ الهَديُ.
قوله: ((باب الوَكَالة في البُدْن وتَعاهدها)) أورَدَ فيه حديث عائشة في فتلها القَلائدَ وتقليدِ
النبي ◌َّ﴿ لها بيدَيه/ وبَعْثِه إياها مع أبي بكر، وهو ظاهر فيما تَرجمَ له من الوكالة في البُدْن، ٤٩٣/٤
وأمَّا تَعاهدها فلعلَّه يشير به إلى ما تَضمَّنَه الحديث من مُباشَرة النبي ◌ِّ إياها بنفسِه حتَّى
قلَّدَها بيدَيه، فمِن شأن أبي بكر أن يَعتَني بما اعتَنَى به، وقد سَبَقَ الكلام عليه في الحج
(١٦٩٦ - ١٧٠٥).
١٥ - باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله،
وقال الوكيل: قد سمعت ما قلت
٢٣١٨ - حدَّثني يحيى بنُ يحبى، قال: قرأتُ على مالكِ: عن إسحاقَ بنِ عبد الله، أنَّه سمعَ
أنسَ بنَ مالكٍ ◌ُ يقول: كان أبو طلحةَ أكثرَ أنْصاريٍّ بالمدينةِ مالاً، وكان أحَبَّ أمواله إليه
بَيَرَحاء، وكانت مُستَقبِلةَ المسجدِ، وكان رسولُ اللهَوَلَ يَدخُلُها ويَشَرَبُ من ماءٍ فيها طَيِّبٍ، فلمَّا
نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طلحةً إلى رسولِ الله
وَه، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ تعالى يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ

٤١٠
باب ١٥ / ح ٢٣١٨
فتح الباري بشرح البخاري
[آل عمران: ٩٢]، وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بَيرَحاء، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو بِرَّها وذُخرَها عندَ الله،
فضَعها يا رسولَ الله حيثُ شئتَ، فقال: ((بَخ، ذلك مالٌ رائحٌ، ذلك مالٌ رائحٌ، قد سمعتُ ما
قلتَ فيها، وأرَى أن تجعلَها في الأقرَبِينَ)) قال: أفعَلُ يا رسولَ الله، فقَسَمَها أبو طلحةَ في
أقاربِهِ وبني عَمِّه.
تابَعَه إسماعيلُ، عن مالكٍ.
وقال روحٌ، عن مالكٍ: رابحٌ.
قوله: ((باب إذا قال الرجل لو كيلِه ضعه حيثُ أراك الله، وقال الوكيل قد سمعت ما
قلت)) أي: فوَضعَه حیثُ أراد جازَ.
فيه حديث أنس في قصَّة صدقة أبي طلحة عند نزول قوله تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى
تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ وشاهد الترجمة منه قول أبي طلحة للنبي وَّ: إنَّها صدقة لله أرجو
برّها وذُخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيثُ شئت. فإنَّ النبي ◌َّ لم يُنكِرِ عليه ذلك،
وإن كان ما وضعَها بنفسِه بل أمَرَه أن يَضعها في الأقربين، لكن الحُجّة فيه تقريره ◌َێ على
ذلك. ويُؤخَذ منه أنَّ الوكالة لا تَتِمّ إلَّ بالقَبُول، لأنَّ أبا طلحة قال: ضعها حيثُ أراك
الله، فَرَدَّ عليه ذلك، وقال: ((أرى أن تجعلها في الأقربين)).
قوله: ((أفعَلُ يا رسول الله)) مضبوط في الطُّرق كلِّها بهمزة قطع على أنَّه فعل مُستَقْبَل،
وحكى الدَّاوودي فيه صيغة الأمر، أي: افعَلْ ذلك أنت يا رسول الله، وتعقّبه ابن الِّين
بأنَّه لم تَنْبُت به الرواية وأنَّ السِّياق يأباه.
قوله: «تابَعَه إسماعيل عن مالك)» يأتي موصولاً في تفسير آل عمران (٤٥٥٤).
قوله: ((وقال روح عن مالك: رابح)) يعني أنَّ رَوْح بن عُبادةَ وافق في الرواية عن مالك في
الإسناد والمتن، إلَّا في هذه اللَّفظة. وروايته المذكورة أخرجها الإمام أحمد (١٢٤٣٨) عنه،
وقد تقدَّم بيان الاختلاف في هذه اللَّفظة (١٤٦١) في ((باب الزكاة على الأقارب)) من كتاب
الزكاة، وتقدَّم هناك ضبط بَيرَحاء، ويأتي شرح الحديث في كتاب الوقف(١) إن شاء الله تعالى.
(١) بل في كتاب الوصايا (٢٧٥٢).

٤١١
باب ١٦ / ح ٢٣١٩
كتاب الوكالة
١٦ - باب وكالة الأمين في الخِزانة ونحوها
٢٣١٩ - حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيد بنِ عبد الله، عن أبي بُردةَ،
عن أبي موسى ﴾، عن النبيِّ وَّل قال: ((الخازنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنفِقُ - وربَّما قال: الَّذِي يُعطي -
ما أُمِرَ به كامِلاً موفَّراً طَيِّباً نَفْسُه إلى الَّذِي أُمِرَ به، أحدُ المتصَدِّقَينٍ)).
قوله: ((باب وكالة الأمين في الخِزانة ونحوها)) أورَدَ فيه حديث أبي موسى في الخازن ٤٩٤/٤
الأمين، وقد سَبَقَ مبسوطاً في كتاب الزكاة (١٤٣٨)، وذكر له طريقاً أُخرى في أوَّل الإجارة
كما تقدَّم (٢٢٦٠).
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الوكالة على ستّة وعشرين حديثاً، المعلَّق منها ستّة، والبقية موصولة،
المكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنا عشرَ حديثاً، والبقية خالصة.
وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عبد الرحمن بن عَوْف في قتل أُميَّة بن خَلَف،
وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طریقیه، وحديث أبي
هريرة في حِفظ زكاة رمضان، وحديث عُقْبة بن الحارث في قصّة النُّعَيمان.
وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستّة آثار، والله أعلم.

٤١٣
باب ١ / ح ٢٣٢٠
كتاب المزارعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب المُزارَعَة
٣/٥
١ - باب فضل الزَّرْع والغَرْس إذا أُكل منه
٦٣
ءَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ{ أَمْ فَحْنُ الَّرِعُونَ ن لَوْ نَشَآءُ
وقولِ الله تعالى: ﴿أَفَهَيْتُمُ مَّا تَخُنَ
لَجَعَلْنَهُ خُطَمًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥].
٢٣٢٠- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ (ح) وحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ المبارَك،
حدّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادةَ، عن أنس بن مالك ﴾، قال: قال النَّبِيُّ ◌َّ: ((ما من مُسلِمٍ يَغْرِسُ
غَرْساً أو يَزْرَجُ زَرْعاً، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقةٌ)).
وقال مُسلِمٌ: حدَّثنا أبانُ، حدَّثنا قَتَادةُ، حدَّثنا أنس، عن النبيِّ ◌َلّ.
[طرفه في: ٦٠١٢]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب المزارَعة. باب فضل الزَّرْعِ والغَرْس إذا أُكِلَ منه،
وقولِ الله تعالى: ﴿ أَفََّيْثُمُ مَّا تَخُونَ﴾ الآية) كذا للنَّسَفي والكُشْمِيهني، إلَّا أَنَّمَا أَخّرا البسملة،
وزاد النَّسَفي: ((باب ما جاء في الحَرث والمزارَعة وفضل الَّرع ... )) إلى آخره، وعليه شرح
ابن بطَّال، ومِثله للأَصِيلي وكَرِيمة إلَّا أَّهما حَذَفا لفظ: كتاب المزارعة، وللمُستَمْلي: كتاب
الحَرْث، وقَدَّمَ الحَمُّويّ البسملة، وقال: في الحرث، بدل: كتاب الحرث. ولا شكَّ أنَّ
الآية تدلُّ على إباحة الزَّرع من جِهَة الامتِنان به، والحديث يدلُّ على فضله بالقَيد الذي
ذكره المصنّف.
وقال ابن المنيِر: أشار البخاري إلى إباحة الزَّرع، وأنَّ مَن نهى عنه كما وَرَدَ عن عمر فمَحَلّه
ما إذا شَغَلَ الحَرثُ عن الحَرب ونحوه من الأُمور المطلوبة، وعلى ذلك يُحمَل حديث أبي أمامةً
المذكور في الباب الذي بعده. والمزارَعة مُفاعلة من الَّرع، وسيأتي القول فيها بعد أبواب(١).
(١) الباب رقم (٨).

٤١٤
باب ١ / ح ٢٣٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا قُتَيبة ... )) إلى آخره، أخرج هذا الحديث عن شيخين، حدَّثه به كلٌّ منهما
عن أبي عَوَانة، ولم أرَ في سياقهما اختلافاً، وكأنَّه قَصَدَ أنَّه سمِعَه من كلٌّ منهما وحده،
فلذلك لم يجمعهما.
قوله: ((ما من مسلم)) أخرج الكافرَ، لأنَّه رَتَّبَ على ذلك كَونَ ما أُكِلَ منه يكون له
صدقة، والمراد بالصَّدَقة الثَّواب في الآخرة، وذلك يختصّ بالمسلم، نعم ما أُكِلَ من زرع
الكافر يُئاب عليه في الدنيا كما ثبت من حديث أنس عند مسلم (٢٨٠٨) (١)، وأمَّا مَن قال:
إنَّه يُحِفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج إلى دليل، ولا يَبعُد أن يقع ذلك لمن لم
يُرزَق في الدنيا وفَقَدَ العافية.
قوله: ((أو يَزْرَع)) ((أو)) للتنويع، لأنَّ الَّرع غير الغَرس.
قوله: ((وقال مسلم) كذا للنَّسَفي وجماعة، ولأبي ذرٍّ والأَصِيلي وكَرِيمة: وقال لنا مسلم،
وهو ابن إبراهيم، وأبانُ: هو ابن يزيد العَطّار، والبخاري لا يُخْرِّج له إلَّا استشهاداً، ولم أرَ
له في كتابه شيئاً موصولاً إلَّا هذا، ونَظِيره عنده حمَّد بن سَلَمَةَ، فإنَّه لا يُخرِّج له إلَّا
استشهاداً، ووقع عنده في الرِّقاق (٦٤٤٠): قال لنا أبو الوليد: حدَّثنا حَمَّد بن سَلَمَةَ. وهذه
الصِّيغة وهي: قال لنا يستعملها البخاري - على ما استُقْرِئَ من كتابه - في الاستشهادات
غالباً، وربَّما استعملها في الموقوفات.
ثمَّ إِنَّه ذكر هنا إسناد أبان ولم يَسُق متنه، لأنَّ غَرَضه منه التصريح بالتحديث من قَتَادةَ عن
أنس، وقد أخرجه مسلم (١٣/١٥٥٣) عن عبد بن حُميدٍ عن مسلم بن إبراهيم المذكور
٤/٥ بلفظ: / أنَّ نبي الله رأى نخلاً لأُمّ مُبشّر امرأةٍ من الأنصار، فقال: ((مَن غَرَسَ هذا النَّخل،
أمسلم أم كافر؟)) فقالوا: مسلم، قال: بنحوِ حديثهم. كذا عند مسلم، فأحالَ به على ما قبله(٢)،
(١) ولفظه: ((إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يُعطى بها في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعَم
بحسناتِ ما عَملَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم یکن له حسنة مجزی بها)» وهو في «مسند
أحمد)) (١٢٢٣٧).
(٢) تحرف في (س) إلى: قاله.

٤١٥
باب ١ / ح ٢٣٢٠
كتاب المزارعة
وقد بيَّنْه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من وجه آخر عن مسلم بن إبراهيم وباقِيهِ: فقال: ((لا يَغْرِسُ
مسلم غَرساً فيأكل منه إنسان أو طير أو دابَّة إلَّا كان له صدقةً))، وأخرج مسلم (١٥٥٢)
هذا الحديث عن جابر من طرق منها بلفظ: ((سَبُع)) بدل: ((بهيمة))، وفيها: ((إلَّا كان له
صدقة فيها أجر)(١)، وفيها: أُمّ مُبِّر أو أُمّ مَعبَد، على الشكّ، وفي أُخرى: أُمّ مَعبَد، بغير
شكّ، وفي أُخرى(٢): امرأة زيد بن حارثة، وهي واحدة لها كُنيتان، وقيل: اسمها خُلَيدة،
وفي أُخرى: عن جابر عن أُمّ مُبشِّر. جعلَه من مسندها.
وفي الحديث فضل الغَرْس والزّرع والحضّ على عِمارة الأرض. ويُستنبَط منه المّخاذ
الضَّيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول مَن أنكَرَ ذلك من المتزهِّدة. وُلَ ما وَرَدَ من التَّنغير
عن ذلك على ما إذا شَغَلَ عن أمر الدِّين، فمنه حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((لا تَتَّخِذوا
الضَّيعة فتَرغَبوا في الدنيا» الحديث(٣)، قال القُرطُبي: يُجمَع بينه وبين حديث الباب بحَمْلِهِ
على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدّين، وحُلَ حديث الباب على اتّخاذها للگفاف أو
لنفع المسلمین بها، وتحصیل ثوابها.
وفي رواية لمسلمٍ (١٥٥٢ / ١٠): ((إلّا كان له صدقة إلى يوم القيامة)) ومُقتَضاه أنَّ أجر
ذلك يَستَمِرّ ما دام الغَرس أو الَّرعِ مأكولاً منه ولو ماتَ زارعه أو غارسه، ولو انتَقَلَ
مِلْكه إلى غيره، وظاهر الحديث أنَّ الأجر يَحصُل لمُتَعاطي الَّرع أو الغَرس ولو كان مِلكه
لغيره، لأنَّه أضافَه إلى أُمّ مُبِشِّر ثمّ سألها عَمَّن غَرسه.
قال الطِّبِي: نَكَّرَ مسلماً، فأوقَعَه في سياق النَّفي، وزاد ((من)) الاستغراقية، وعَمَّ
(١) لم نقف عليه في ((صحيح مسلم)) المطبوع بهذا اللفظ، ولعل الحافظ قصد أن في بعض روايات جابر: ((كان
له صدقة))، وفي بعضها: ((كان له أجر))، والله أعلم.
(٢) لم نقف عليه في ((صحيح مسلم)) المطبوع بهذا اللفظ، لكن أخرجه أحمد (٢٧٣٦١) فقال: أم مبشر امرأة
زيد بن حارثة. ولما ذكر ابن الأثير الحديث في ((جامع الأصول)» (٧٣٣٨) وبيَّن روايات مسلم، قال:
ومن الرواة من قال: عن امرأة زيد بن حارثة؛ فلم يعزها إلى مسلم.
(٣) أخرجه أحمد (٣٥٧٩)، والترمذي (٢٣٢٨)، وابن حبان (٧١٠)، وإسناده ضعيف، فلا داعي بعد
ضعفه أن يجمع بينه وبين حديث الباب كما فعل القرطبي.

٤١٦
باب ٢ / ح ٢٣٢١
فتح الباري بشرح البخاري
الحيوانَ، ليُدُلّ على سبيل الكِناية على أنَّ أي مسلم كان حُرّاً أو عبداً، مُطيعاً أو عاصياً
يعمل أيَّ عمل من المباح، یَنتَفِع بما عَمِلَه أُّ حیوان کان، یرجِع نفعه إلیه ويُثاب عليه.
وفيه جواز نسبة الَّرْع إلى الآدميّ، وقد وَرَدَ في المنع منه حدیث غیر قويٌّ أخرجه ابن
أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يقل أحدكُم: زَرَعت، ولكن ليقُل: حَرَثت)) ألم
تَسمَع لقول الله تعالى: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمَّ تَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] ورجاله ثقات، إلَّا أنَّ
مسلم بن أبي مسلم الجَرمي قال فيه ابن حِبَّان: ربَّما أخطأ(١). وروى عبد بن حُميدٍ (٢) من
طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمي بمثله من قوله غير مرفوع.
واستَنَبَطَ منه المهلَّب أنَّ مَن زَرَعَ في أرض غيره كان الَّرع للزّارعِ، وعليه لِرَبِّ الأرض
أُجرة مثلها، وفي أخْذ هذا الحكم من هذا الحديث بُعد، وقد تقدَّم الكلام على أفضل
المكاسب في كتاب البيوع (٣)، والله الموفِّق.
٢- باب ما يُحذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع
أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به
٢٣٢١- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ سالم الحِمْصُّ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زیادٍ
الألْهانيُّ، عن أبي أمامةَ الباهليِّ، قال: ورأى ◌ِكّةً وشيئاً من آلةِ الحَرْثِ، فقال: سمعتُ
رسولَ الله ◌َ﴿ يقول: «لا يَدخُلُ هذا بيتَ قوم إلا أُدخِلَهُ الذُُّّ)).
قال أبو عبد الله: واسم أبي أمامة صُدَيُّ بن عجلان.
(١) أخرج الحديث ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٧٢٣)، وأبو يعلى في ((معجمه)) (٢٩٢)، والطبري في ((جامع
البيان)) ١٩٨/٢٧، والبزار (١٢٨٩ - كشف الأستار)، والطبراني في «الأوسط)) (٨٠٢٤)، والبيهقي
١٣٨/٦، وجاء عندهم جميعاً بيانُ أن الاستشهاد بالآية إنما هو من قول أبي هريرة. ومسلم هذا وثقه
الخطيب البغدادي، وسكت عن حديثه هذا عبدُ الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى))، وأقرَّه ابن
القطّان، فهو صحيح عندهما، والله أعلم.
(٢) وهو أيضاً في ((تفسير ابن أبي حاتم)) كما في ((تفسير ابن كثير)) ٨/ ١٧.
(٣) تحت ((باب كسب الرجل وعمله بيده))، بين يدي الحديث رقم (٢٠٧٠).

٤١٧
باب ٢ / ح ٢٣٢١
كتاب المزارعة
قوله: (باب ما يُحُذَر من عواقب الاشتغال بآلةِ الزَّرْع أو مُجاوزة الحدّ الذي أُمِرَ به)) هكذا
للأَصِيلي وكَرِيمة، ولابن شَبّويه: أو تَّجاوَزَ، وللنَّسَفي وأبي ذرٍّ: جاوَزَ، والمراد بالحدِّ: ما
شُرِعَ، أعمّ من أن يكون واجباً أو مندوباً.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن سالم)) هو الحمصي، يُكْنى أبا يوسف، وليس له ولا لشيخه في
هذا ((الصحيح)) غير هذا الحديث،/ والألهاني: بفتح الهمزة، ورجال الإسناد كلّهم ٥/٥
شاميّون وكلُّهم حمصيّون، إلَّا شيخ البخاري.
قوله: ((عن أبي أُمامةَ)) في رواية أبي نُعيم في ((المستخرَج): سمعتُ أبا أُمامةَ.
قوله: ((سِكَّة)) بكسر المهمَلة: هي الحديدة التي تُحرَث بها الأرض.
قوله: ((إلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ)) (١) في رواية الكُشْمِيهني: ((إلَّا دَخَلَه الذُّلُّ))، وفي رواية أبي نُعيم
المذكورة: ((إلَّا أدخَلوا على أنفُسهم ذُلًا لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة))، والمراد بذلك ما
يَلْزَمهم من حقوق الأرض التي تُطالبهم بها الوُلاة، وكان العمل في الأراضي أوَّلَ ما
افْتُتِحَت على أهل الذِّمَّة، فكان الصحابة يكرهون تعاطي ذلك.
قال ابن التِّين: هذا من إخباره وَّهِ بالمغيَّبَات، لأَنَّ المُشاهَد الآن أنَّ أكثر الظُّلم إنَّما هو
على أهل الحَرْث.
وقد أشار البخاري بالتَّرجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامةَ والحديث الماضي في فضل
الزَّرعِ والغَرس، وذلك بأحدِ أمرَينٍ: إمَّا أن يُحِمَل ما وَرَدَ من الذَّمّ على عاقبة ذلك، ومَحَلّه
ما إذا اشْتَغَلَ به فضَيَّعَ بسبِه ما أُمِرَ بحفظه، وإمَّا أن يُحمَل على ما إذا لم يُضيِّع إلَّا أنَّه جاوَزَ
الحدَّ فيه. والذي يَظهَر أنَّ كلام أبي أُمامةَ محمول على مَن يَتَعاطى ذلك بنفسِهِ، أمَّا مَن له
عُمَال يعملون له وأدخَلَ داره الآلة المذكورة لتُحفَظ لهم، فليس مُراداً. ويُمكِن الحملُ على
عُمومه، فإنَّ الذُّلَّ شامل لكُلِّ مَن أدخَلَ على نفسه ما يَستَلِزِم مُطالَبة آخرَ له، ولا سيّما إذا
كان المطالِب من الولاة.
(١) في (ع) و(س): أدخَلَه اللهُ الذُّلَّ، وهو صحيح أيضاً في رواية أبي ذرِّ عن المُستملي والحَمُّويّ، والمثبت
من (أ) موافقاً لما في اليونينية والقسطلاني.

٤١٨
باب ٣ / ح ٢٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
وعن الدَّاوُودي: هذا لمن يقرُب من العدوّ، فإنَّه إذا اشْتَغَلَ بالْحَرثِ لا يَشْتَغِل
بالفروسية، ويتأسَّدُ عليه العدوّ، فحَقَّهم أن يَشتَغِلوا بالفروسية وعلى غيرهم إمدادُهم بما
يحتاجون إليه.
قوله: ((قال أبو عبد الله: اسم أبي أمامةَ ... )) إلى آخره، كذا وقع للمُستَمْلي وحده. قلت:
وليس لأبي أُمامةَ في البخاري سوى هذا الحديث، وحديثٍ آخرَ في الأطعمة (٥٤٥٨
و٥٤٥٩)، وله حديث آخر في الجهاد (٢٩٠٩) من قوله يَدخُل في حُكم المرفوع، والله أعلم.
٣- باب اقتناء الکلب للحرث
٢٣٢٢- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن
أبي هريرةَ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «مَن أمسَكَ كلباً، فإنَّه يَنقُصُ كلَّ يومٍ من عملِه
قيراطٌ، إلا كلبَ حَرْثٍ أو ماشيةٍ)).
وقال ابنُ سِيرِينَ وأبو صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ: ((إلا كلبَ غَنَمِ أو خَرْثٍ
أو صیدٍ)).
وقال أبو حازِمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ: ((كلبَ مَاشِيَةٍ أَو صَيْدٍ)).
[طرفه في: ٣٣٢٤]
قوله: ((باب اقتناء الكلب للحَرْثِ)) الاقتناء بالقاف: افتِعال من القِنية بالكسر، وهي الاتِّخاذ.
٦/٥ قال ابن المنيِّر: أراد البخاري / إباحةَ الحَرْث بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهيِّ عن
اتّخاذها لأجل الحرث، فإذا رُخِّصَ من أجل الحرث في الممنوع من اتّخاذه، كان أقلّ
دَرَجاته أن يكون مُباحاً.
قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة)» في رواية مسلم (١٥٧٥/ ٥٩) من طريق الأوزاعي:
حدَّثني يحيى بن أبي كثير، حدَّثني أبو سَلَمةَ، حدَّثني أبو هريرة.
قوله: ((مَن أمسَكَ كلباً)) في رواية سفيان بن أبي زهير ثاني حديثَي الباب: ((مَن اقتَنى
كلباً)) وهو مطابق للترجمة، ومُفسِّر للإمساكِ الذي في هذه الرِّواية، ورواه أحمد (٧٦٢١)

٤١٩
باب ٣ / ح ٢٣٢٢
كتاب المزارعة
ومسلم (١٥٧٥/ ٥٨) من طريق الزُّهْري عن أبي سَلَمةَ، بلفظ: ((مَن الَّخَذَ كلباً إِلَّ كلبَ
صيد أو زرع أو ماشيةٍ))، وأخرجه مسلم (١٥٧٥/ ٥٧) والنَّسائي (٤٢٩٠) من وجه آخر
عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، بلفظ: ((مَن اقتَنى كلباً ليس كلبَ صيد
ولا ماشية ولا أرض، فإنَّه يَنقُص من أجره كلَّ يوم قِيرَاطان)».
فأمَّا زيادة الَّرع فقد أنكرها ابن عمر، ففي مسلم (١٥٧١) من طريق عَمْرو بن دينار
عنه: أنَّ النبيِوَّهِ أَمَرَ بقتل الكلاب إلَّا كلبَ صيد أو كلب غَنَم، فقيل لابن عمر: إنَّ أبا
هريرة يقول: ((أو كلبَ زرع))! فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرْعاً. ويقال: إنَّ ابن عمر
أراد بذلك الإشارةَ إلى تثبيت رواية أبي هريرة(١)، وأنَّ سبب حِفْظه لهذه الزِّيادة دونَه أنَّه
کان صاحب زرع دونه، ومَن کان مُشتَغِلاً بشيءٍ احتاج إلى تعرُّف أحكامه، وقد روی
مسلم أيضاً (١٥٧٤/ ٥٤) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعاً: ((مَن اقتَنى
كلباً)) الحديث، قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: ((أو كلبَ حَرث)) وكان صاحبَ حرث،
وأصله للبخاري في الصَّيد (٥٤٨١) دون الزِّيادة.
وقد وافقَ أبا هريرة على ذكر الَّرع سفيان بن أبي زهير كما تراه في هذا الباب، وعبد الله
ابن مُغفَّل وهو عند مسلم (١٥٧٣) في حديثٍ أوَّلُه: أمَرَ بقتل الكلاب ورَخَّصَ في كلب
الغنم والصَّيد والنَّرع.
قوله: ((أو ماشیة)) ((أو)) للتنويع لا للتَّردید.
قوله: ((وقال ابن سِيرِينَ وأبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وّ: إلَّا كلب غَنَم أو
حَرْث أو صيد))، أمَّا رواية ابن سِيرِينَ فلم أقف عليها بعد التبُّع الطَّويل، وأمَّا رواية أبي
صالح فوَصَلها أبو الشَّيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني في ((كتاب التَّرغيب)) له، من طريق
الأعمش عن أبي صالح، ومن طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، بلفظ:
(١) وقد ذهب البيهقي في ((السنن الصغرى)) (١٩٨٤) إلى هذا المعنى، مبيّاً أنه روي عن ابن عمر من رواية
أبي الحكم عمران بن الحارث عنه بذكر الزرع أيضاً، قال في ((السنن الكبرى)» ٩/٦: كأنه أخذه عن
أبي هريرة عن النبي وَلّر.

٤٢٠
باب ٣ / ح ٢٣٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
((مَن اقتنى كلباً إلَّا كلب ماشية أو صيد أو حَرث، فإنَّه يَنقُص من عملِه كلَّ يوم قيراطاً))، لم
يقل سُهَيل: ((أو حرث)).
قوله: ((وقال أبو حازم عن أبي هريرة: كلبَ ماشية أو صيد)) وَصَلها أبو الشَّيخ أيضاً من
طريق زيد بن أبي أُنيسةَ عن عَدِي بن ثابت عن أبي حازم، بلفظ: ((أُّما أهلِ دارٍ رَبَطوا كلباً
ليس بكلبٍ صيد ولا ماشية نَقَصَ من أجرهم كلَّ يوم قيراط(١)).
قال ابن عبد البَرِّ: في هذا الحديث إباحةُ اتّخاذ الكلاب للصَّيد والماشية، وكذلك
الَّرع، لأنَّها زيادة حافظ، وكراهة اتّخاذها لغير ذلك، إلَّا أنَّه يَدخُل في معنى الصَّيد وغيره
ممّا ذُكِرَ اتّخاذُها لجَلْب المنافع ودفع المضارِّ قياساً، فتَمَخَّضَ كراهة اتّخاذها لغير حاجة لمَا
فيه من ترويع الناس، وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه.
وفي قوله: ((نَقَصَ من عمله)) - أي: من أجر عمله - ما يشير إلى أنَّ انَّخاذها ليس بمُحرَّم،
لأنَّ ما كان اتّخاذُه مُحرَّماً امتَنَعَ الَّخاذه على كلّ حال، سواءٌ نَقَصَ الأجر أو لم يَنقُص، فدَلَّ
ذلك على أنَّ اتّخاذها مكروه لا حرام.
قال: ووجه الحديث عندي: أنَّ المعاني المتعَبَّد بها في الكلاب من غَسل الإناء سبعاً، لا
يَكاد يَقوم بها المكلَّف ولا يَتَحفَّظ منها، فربّمَا دَخَلَ عليه باتَِّاذِها ما يَنقُصُ أجرَه من ذلك.
ويُروى أنَّ المنصور سألَ عَمْرو بن عُبيد عن سبب هذا الحديث فلم يَعرِفه، فقال المنصور:
لأَنَّه يَنبَح الضَّيف، ويُروِّع السّائل(٢)، انتهى.
وما ادَّعاه من عَدَم التحريم واستدل له (٣) بما ذكره ليس بلازم، بل يُحْتَملُ أن تكون
العقوبة تَفَع بعَدَمِ التَّوفيق للعمل بمقدار قيراط ممّا كان يعمله من الخير لو لم يَتَّخِذ الكلبَ،
٧/٥ ويُحْتَمِلُ أن يكون الاتّخاذ حراماً، والمراد بالنَّقْصِ أنَّ الإثم/ الحاصل باتِّخاذِهِ يوازي قَدْرَ
(١) تحرف في (س) إلى: ((قيراطان))، والمثبت على الصواب من الأصل الخطي موافقاً لما جاء في ((عمدة القاري))
للعيني ١٥٩/١٢.
(٢) رواه أبو بكر الدِّينوري في ((المجالسة)) (٢٥٠١).
(٣) في (ع): واستدلاله، وفي (س): واستند له، والمثبت من (أ).