النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
باب ١٧ / ح ٢٢٧٧
كتاب الإجارة
وفيه أنَّ الرِّزق المقسومَ لا يستطيعُ من هو في يَده منعَه مَمَّن قُسِمَ له، لأَنَّ أولئكَ مَنَعوا
الضّيافة، وكان الله قَسَمَ للصحابة في مالهم نصيباً فمَنَعوهم، فسَبَّبَ لهم لَدِغَ العَقرَب، حتَّى
سيقَ لهم ما قُسِمَ لهم.
وفيه الحكمة البالغة حيثُ اختُصَّ بالعِقاب من كان رأساً في المنع، لأنَّ من عادة الناس
الائتِمارَ بأمر كبيرهم، فلمَّا كان رأسَهم في المنع، اختُصَّ بالعقوبة دونهم جزاءً وِفاقاً،/ وكأنَّ ٤٥٨/٤
الحِكمة فيه أيضاً إرادةُ الإجابة إلى ما يَلْتَمِسُه المطلوبُ منه الشِّفاءُ ولو كَثُر، لأنَّ الملدوغَ لو
كان من آحاد الناس لعلَّه لم يكن يَقدِر على القَدْر المطلوب منهم.
١٧ - باب ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء
٢٢٧٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
حُ، قال: حَجَمَ أبو طَيْبَةَ النبيَّ نَّهِ، فَأَمَرَ له بصاعٍ - أو صاعَينٍ - من طعامٍ، وكَلَّمَ مَواليَه
فخَفَّفَ عن غَلَّتِهِ أو ضَرِيبَتِه.
قوله: ((باب ضَريبة العبد، وتَعاهُد ضرائب الإماء)) الضَّريبة، بفتح المعجَمة، فَعِيلةٍ بمعنى
مفعولة: ما يُقرِّرُه السَّيِّد على عبده في كلّ يوم، وضَرائب جمعُها، ويقال لها: خَراج، وغَّة،
بالغين المعجمة، وأَجْر، وقد وقع جميع ذلك في الحديث.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّ فيه حديث أنس: أنَّ أبا طَيْبة حَجَمَ النبيِِّ، وكَلَّمَ مَواليه فخَفَّفوا
عنه من ضَرِيبَته، ودلالته على الترجمة ظاهرة، فإنَّ المراد بها بيان حُكم ذلك، وفي تقرير
النبي ◌َّ له دلالة على الجواز، وسأذكر كم كان قَدْرُ الضَّريبة بعدَ باب.
وأمَّا ضَرائب الإماء، فتُؤخَذ منه بطريق الإلحاق واختصاصها بالتعاهد لكونها مَظِنّة
تَطَرُّق الفساد في الأغلب، وإلَّا فكما يُشى من اكتساب الأمة بفَرْجها يُحِشى من اكتساب
العبد بالسَّرِقة مثلاً، ولعلَّه أشار بالترجمة إلى ما أخرجه هو في ((تاريخه)) (٣٠٨/٧) من
طريق أبي داود الأحمري قال: خَطَبَنَا حُذَيفة حين قَدِمَ المدائن، فقال: تَعاهَدُوا ضرائب

٣٤٢
باب ١٨ / ح ٢٢٧٨ - ٢٢٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
إمائكُم(١)، وهو عند أبي نُعيم في ((الحِلية)) (٢٨١/١) بلفظ: ضَرائب غلمانكُم، واسم
الأَحمري هذا: مالك. وأورَدَه سعيد بن منصور في ((السُّنن))(٢) مُطوَّلاً من طريق شِداد أبي
الفُرات قال: حدَّثنا أبو داود، شيخٌ من أهل المدائن، قال: كنت تَحت مِنبَر حُذَيفة وهو
يَخْطُب، ولأبي داود (٣٤٢٧) من حديث رافع بن خديج مرفوعاً: نَهى عن كسب الأمة
حتَّى يُعلم مِن أين هو؟، وقد تقدَّم ذكر ذلك في أواخر البيوع.
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): كأنَّه أراد بالتعاهد: التفَقُّد ◌ِقدار ضَريبة الأَمة لاحتمال أن
تكون ثقيلةً، فتحتاج إلى التكسُّب بالفُجور، ودلالته من الحديث أمره عليه الصلاة والسلام
بتخفيفِ ضَريبة الحجّام، فلُزوم ذلك في حَقّ الأمة أقعَدُ وأولى لأجل الغائلة الخاصّةِ بها.
١٨ - باب خَرَاج الحجّام
٢٢٧٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: احتَجَمَ النبيُّنَّه، وأعطَى الحجّامَ أجرَه.
٢٢٧٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: احتَجَمَ النبيُّوَّةِ، وأعطَى الحجّامَ أجرَه، ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطِهِ.
٢٢٨٠- حدَّثنا أبو نُعَيمِ، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن عَمرِو بنِ عامِرٍ، قال: سمعتُ أنساً
يقول: كان النبيُّنَّه يَحْتَجِمُ، ولم يكن يَظلِمُ أحداً أجرَه.
قوله: ((باب خَرَاج الحجّام)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس: احتَجَمَ النبيِ بََّ، وأعطى
٤٥٩/٤ الحجّام أجرَه، وزاد من وجه آخر (٢٢٧٩): / ولو عَلِمَ كراهيةً لم يُعطِهِ، وهو ظاهر في
(١) كذا قال الحافظ: أن الرواية عند البخاري في ((تاريخه)): إمائكم، والظاهر أنه تحرَّف في النسخة التي
اعتمدها الحافظ من ((التاريخ الكبير)) عن: أرقّائكم، لأن الذي في مطبوع ((التاريخ)): أرقائكم، وكذا جاء
الأثر في ((تاريخ بغداد)) في طبعتَي الخانجي ودار الغرب، بلفظ: أرقّائكم.
(٢) في التفسير منه (٨١٢). وتحرف قوله: ((شداد أبي الفرات)) في (ع) و(س) إلى: شداد بن الفرات، ولم تَرِدْ
رواية سعيد بن منصور هذه في (أ)، وشداد هذا هو ابن أبي العالية وكنيته أبو الفرات، كما في مصادر ترجمته.

٣٤٣
باب ١٨ / ح ٢٢٧٨ - ٢٢٨٠
كتاب الإجارة
الجواز، وتقدَّم في البيوع (٢١٠٣) بلفظ: ((ولو كان حراماً لم يُعطِه)) وعُرِفَ به أنَّ المراد
بالكراهة هنا كراهة التحريم، وكأنَّ ابن عبّاس أشار بذلك إلى الردّ على من قال: إنَّ كسب
الحجّام حرام.
واختلفَ العلماء بعد ذلك في هذه المسألة:
فذهب الجمهور إلى أنَّه حلال، واحتَجّوا بهذا الحديث، وقالوا: هو كسبٌ فيه دَناءة،
وليس بمُحرَّمٍ، فحَمَلوا الزَّجر عنه على التنزيه.
ومنهم من ادَّعى النَّسخ، وأنَّه كان حراماً ثمَّ أُبِيحَ، وجَنَحَ إلى ذلك الطَّحاوي، والنَّسخ
لا یثبت بالاحتمال.
وذهب أحمدُ وجماعة إلى الفَرْق بين الحُرّ والعبد، فكَرهوا للحُرِّ الاحترافَ بالحِجامة،
ويَحَرُم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرَّقيق والدَّوابّ منها،
وأباحُوها للعبد مُطلَقاً، وعُمدَتهم حديث مُحيِّصةَ: أنَّه سأل النبي وَّر عن كسب الحجام،
فنَهاه، فذكر له الحاجة، فقال: ((اعلِفه نَواضحَك)) أخرجه مالك(١) وأحمد (٢٣٦٩٠)
وأصحاب ((السُّنن'(٢) ورجاله ثقات.
وذكر ابن الجَوْزي أنَّ أجر الحجام إنَّما كُرِهَ لأنه من الأشياء التي تجب للمسلمِ على
المسلم، إعانةً له عند الاحتياج له، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجراً.
وجمع ابن العربي بين قوله وَّه: ((كسبُ الحجَّام خبيث))(٣)، وبين إعطائه الحجام أُجرَته:
بأنَّ مَحَلّ الجواز ما إذا كانت الأُجرة على عملِ معلوم، ومحلَّ الَّجرِ على ما إذا كان على
عملٍ مجهول.
(١) وقع في رواية يحيى الليثي في ((الموطأ)) ٢/ ٩٧٤: عن ابن محيصة، لم يُجاوزه، أنه سأل ... قال ابن عبد البر
في «التمهيد)» ١١/ ٧٧: تابع يحيى ابنُ القاسم، وذلك من الغلط الذي لا إشكالَ فيه على أحد من أهل
العلم. قلنا: قد جاء على الصواب في رواية أبي مصعب الزهري من ((الموطأ)) برقم (٢٠٥٣).
(٢) أبو داود (٣٤٢٢)، وابن ماجه (٢١٦٦)، والترمذي (١٢٧٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٦٨) (٤١) من حديث رافع بن خديج.

٣٤٤
باب ١٩ / ح ٢٢٨١
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث إباحة الحِجامة، ويَلتَحِقِ به ما يُتَداوى من إخراج الدَّم وغيره، وسيأتي
مَزيد لذلك في كتاب الطِّبّ (٥٧٠٠).
وفيه الأُجرة على المعالجة بالطِّبّ. والشَّفاعة إلى أصحاب الحقوق أن يُحُفِّقوا منها.
وجواز مُخارجةِ السَّيِّد لعبده، كأن يقول له: أذِنْتُ لك أن تَكتَسِب على أن تُعطيني كلّ يوم
کذا، وما زاد فهو لك.
وفيه استعمال العبد بغير إذن سَيِّده الخاصّ، إذا كان قد تَضمَّنَ تَمكينُه من العمل
إذنَه العامّ.
قوله: ((عن عَمْرو بن عامر)) هو الأنصاري، وليست له رواية في البخاري إلَّا عن أنس،
وقد تقدَّم له حديث في الطَّهارة (٢١٤) وآخر في الصلاة (٦٢٥) وهذا، وهو جميع ما له
عنده.
قوله: ((كان النبي وَّ يَجِتَجِم)) فيه إشعار بالمواظَبة، بخلاف الأوَّل.
وقوله: ((ولم يكن يَظلِمِ أحداً أجرَه)) فيه إثبات إعطائه أُجرةَ الحجام بطريق الاستنباط،
بخلاف الرواية التي قبلها، ففيها الجزم بذلك على طريق التنصيص.
١٩ - باب من كلَّم موالي العبد أن يخفّفوا عنه من خراجه
٢٢٨١ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنا شُعْبةُ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ تُه، قال: دَعا
النبيُّ ◌َِّ غُلَاماً، فحَجَمَه، وأمَرَ له بصاعٍ - أو صاعَينٍ، أو مُدٍّ، أو مُدَّينٍ - وكَلَّمَ فيه، فخُفِّفَ
من ضَرِیبَتِه.
قوله: ((باب من كَلَّمَ مَوالِيَ العبد أن يُخفِّفوا عنه من خَراجِه)) أي: على سبيل التفَضُّل منهم
لا على سبيل الإلزام لهم، ويحتمل أن يكونَ على الإلزام، إذا كان لا يُطيق ذلك.
قوله: ((عن مُميدٍ الطّويل، عن أنس)) في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه: عن حُميدٍ،
سمعت أنساً.
قوله: ((دَعا النبي ◌َّ غُلاماً)) هو أبو طَيْبة، كما تقدَّم قبل باب (٢٢٧٧)، واسم أبي طَيِّبة

٣٤٥
باب ١٩ / ح ٢٢٨١
كتاب الإجارة
نافع على الصحيح، فقد روى أحمد (٢٣٦٨٩) وابن السَّكَن والطبراني (٢٠/ ٧٤٢) من
حديث مُحيِّصةَ بن مسعود: أنَّه كان له غلام حجّام، يقال له: نافع أبو طَيْبة، فانطَلَقَ إلى
النبي وَل يَسأله عن خَراجه، الحديث.
وحكى ابن عبد البَرِّ في اسم أبي طَيبة أنَّه دينار، ووَهُموه في ذلك، لأنَّ ديناراً الحجامَ
تابعيٌّ روى عن أبي طَيبة لا أنَّه اسم أبي طَيبة، أخرج حديثه ابن مَندَهْ من طريق بَسّام
الحجام عن دينار الحجام عن أبي طَيبة الحجام، قال: حَجَمت النبيَّ ◌َّ، الحديث، وبذلك
جَزَمَ أبو أحمد الحاكم في ((الكُنى)) أنَّ ديناراً الحجام يروي عن أبي طَيبة، لا أنَّه أبو طَيْبة
نفسه، وذكر البَغَوي في / ((الصحابة)) بإسناد ضعيف أنَّ اسم أبي طَيبة مَيسَرة، وأمَّا ٤٦٠/٤
العَسكري فقال: الصحيح أنَّه لا يُعرَف اسمه، وذكر ابن الحَذّاء في رجال ((الموطَّأ)): أنَّه
عاشَ مئة وثلاثاً وأربعين سنة.
قوله: ((بصاع أو صاعينٍ، أو مُدٍّ أو مُدَّينٍ(١)) شَكّ من شُعْبة، وقد تقدَّم (٢٢٧٧) في
رواية سفيان: صاعاً أو صاعينٍ، على الشكّ أيضاً، ولم يتعرَّض لذكر الُدّ، وقد تقدَّم في
البيوع (٢١٠٢) من رواية مالك عن حُميدٍ: فأمَرَ له بصاع من تمرٍ، ولم يَشُكّ، وأفاد تعيين
ما في الصاع.
وأخرج التِّرمِذي(٢) وابن ماجَهْ (٢١٦٣) من حديث عليّ، قال: أمَرَني النبيَ بَّ،
فأعطَيت الحجَّام أجرَه. فأفاد تعيينَ من باشَرَ العطيّة.
ولابن أبي شَيْبة (٢٦٧/٦) من هذا الوجه: أنَّه وَ لَّ قال للحجام: ((كَم خَراجك؟» قال:
صاعان، قال: فوَضعَ عنه صاعاً. وكأنَّ هذا هو السبب في الشكّ الماضي. وهذه الرواية
تجمع الخلاف.
وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شَيْبة (٦/ ٢٦٦): أنَّ خَراجه كان ثلاثةَ آصُع، وكذا
(١) وقع في الأصلين: صاعاً أو صاعين أو مُداً أو مُدَّين، والمثبت من (س)، موافقاً لعامة روايات البخاري،
إذ ليس في اليونينية ولا في القسطلاني حكايةُ خلافٍ في ذلك.
(٢) في ((الشمائل)) (٣٥٤).

٣٤٦
باب ٢٠ / ح ٢٢٨٢ - ٢٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
لأبي يعلى (١٧٧٧) عن جابر. فإن صَحَّ، جُمعَ بينهما: بأنَّه كان صاعين وزيادة، فمن قال:
صاعَينٍ، أَلْغَى الكسر، ومن قال: ثلاثة، جَبَرَه.
قوله: ((وكَلَّمَ فيه)) لم يَذكُر المفعول، وقد ذكره قبلُ ببابٍ (٢٢٧٧) من وجه آخر عن
◌ُميدٍ، فقال: كَلَّمَ مَوالِيه، ومَواليه: هم بنو حارثة على الصحيح، ومولاه منهم مُيِّصةٌ بن
مسعود كما تَراه هنا، وإنَّما جمع المواليَ مجازاً، كما يقال: بَنو فلان قَتَلوا رجلاً، ويكون القاتل
منهم واحداً، وأمَّا ما وقع في حديث جابر: أنَّه مولى بني بَياضةً، فهو وهمٌ(١)، فإنَّ مولى بني
بیاضةً آخر، يقال له: أبو هِند.
٢٠ - باب كسب البَغِيّ والإماء
وكَرِهَ إِبراهيمُ أجرَ النّائحةِ والمغنَِّةِ.
وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَمُّنَا لََِّغُواْ عَرَضَ اَلْحَوَةِ الدُّنْيَاْ وَمَنْ
يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
وقال مجاهدٌ: ﴿﴿فَتِكُمْ﴾: إماءَكُم.
٢٢٨٢ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن
ابن الحارثِ بنِ هشام، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﴾: أنَّ رسولَ الله وَّ نهى عن ثمنِ الكلبِ،
ومَهِ البَغِيِّ، وحُلْوان الكاهنِ.
٢٢٨٣ - حدَّثْنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّد بنِ جُحَادةَ، عن أبي حازمٍ، عن
أبي هريرةَ ◌َُ، قال: نهى النبيُّ وَّه عن كَسْبِ الإماءِ.
[طرفه في: ٥٣٤٨]
قوله: ((باب كَسْب البَغيِّ والإماء)) بين البَغِيِّ والإماء خصوصٌ وعموم وَجْهيّ، فقد
(١) هذا وهمٌ من الحافظ رحمه الله، لأن جابراً قال في حديثه الذي أخرجه الدارمي (٦٨)، والطبري في
(تهذيب الآثار)) في مسند ابن عباس ٥٢٩/١: أبو هند مولى بني بياضة، وكذلك قالت عائشة فيما
أخرجه عنها الطبراني في «الأوسط)) (٦٥٤٤)، والدار قطني (٣٧٩٣) وغيرهما بسند حسن. ولم يقولا:
إن أبا طيبة مولى بني بياضة، لكن وقع ذلك في رواية الحميدي (١٢١٧) لحديث أنس.

٣٤٧
باب ٢٠ / ح ٢٢٨٢ - ٢٢٨٣
كتاب الإجارة
تكون البَغيُّ أمةً وقد تكون حُرّةً، والبَغِيُّ، بفتح الموخَّدة وكسر المعجَمة وتشديد الياء،
بوزنٍ فعيل، بمعنى فاعلةٍ أو مفعولةٍ: وهي الزانيةُ، ولم يُصرِّحِ المصنّف بالحكمِ، كأنَّه نَّه
على أنَّ الممنوع كسبُ الأمة بالفُجور، لا بالصَّنائعِ الجائزة.
قوله: ((وكَرِهَ إبراهيم)) أي: النَّخَعي ((أجر النائحةِ والمغَنّية)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٧/ ٩)
من طريق أبي هاشم عنه، وزاد: والكاهن، وكأنَّ البخاري أشار بهذا الأثر إلى أنَّ النَّهي في
حديث أبي هريرة محمول على ما كانت الحِرْفة فيه تَمنوعةً، أو تَجُرّ إلى أمر تَمنوعٍ شرعاً لجامعِ
ما بينهما من ارتكاب المعصية.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ / إلى آخر الآية قال مجاهد: ٤٦١/٤
﴿فَتِكُمْ﴾: إماءَكم)) وقع هذا في رواية المُستَمْلي، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق عليّ
ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قال في قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قال: لا تُكرهوا
إماءَكُم على الزّنى، وأخرجه هو وعبدُ بن حُميدٍ والطَّبري (١٣٣/١٨) من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد، قال في قوله: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ﴾ قال: إماءَكُم على الزِّنى،
وزاد: أنَّ عبد الله بن أبيِّ أمَرَ أمة له بالزِّنى، فَزَنَت، فجاءت بُردٍ، فقال: ارجِعي، فازني على
آخرَ، فقالت: والله ما أنا براجعةٍ، فنزلت، وهذا أخرجه مسلم (٣٠٢٩) من طريق أبي
سفيان عن جابر مرفوعاً، وسمّها الزُّهْري عن عُمر (١) بن ثابت: مُعاذةَ، وكذا أخرجه
عبد الرزاق(٢) عن مَعمَر عن الزّهْري مُرسلاً في قصَّة طَويلة، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم
من طريق عِكرمة مُرسلاً(٣)، واتَّفَقوا على تَسميتها معاذة(٤).
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: عمرو. وعمر بن ثابت: هو ابن الحارث الأنصاري، قال الحافظ في ((التقريب)):
ثقة، أخطأ من عدَّه في الصحابة. قلنا: فهو على ذلك مرسَلٌ، وأوهم كلامُ الحافظ هنا أنه موصول! وقد
أخرج هذا المرسلَ عمر بن شبة في («أخبار المدينة)) ١/ ٣٦٧. وثبت ذكرها أيضاً باسم معاذة في مرسل
الشعبي عند عمر بن شبة ١/ ٣٦٧-٣٦٨، قال الحافظ في ((الإصابة)) ١١٩/٨: سنده صحيح إلى الشعبي.
(٢) في («تفسيره)) ٢/ ٥٩.
(٣) عند تفسير الآية (٣٣) من سورة النور، وفي الإسناد إلى عكرمة حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.
(٤) ولهذا صحَّح أبو عمر بن عبد البر ذلك في اسمها في ((الاستيعاب)) (٣٤٦٨).

٣٤٨
باب ٢١ / ح ٢٢٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
وروى أبو داود (٢٣١١) والنَّسائي (ك١١٣٠١) من طريق أبي الزُّبَير أنَّه سمع جابراً
قال: جاءت مُسَيكةُ أَمَةٌ لبعضِ الأنصار، فقالت: إنَّ سَيِّدِي يُكرهني على البغاء فنزلت(١).
فالظّاهر أنَّها نزلت فيهما، وزَعَمَ مُقاتل: أنَهما معاً كانتا أمَتَين لعبد الله بن أبيِّ، وزاد معهنَّ
غيرهنّ، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدِّنَ تَحَصُّنَا﴾ لا مفهوم له، بل خرج ◌َخَرَج الغالب، ويحتمل أن
يقال: لا يُتصوَّر الإكراه إذا لم يُرِدنَ التعفُّف، لأنهنَّ حينئذٍ في مقام الاختيار.
وقوله: ((وقال مجاهد: ﴿فَتِكُمْ﴾: إماءَكُم))، وقع هذا في رواية المُستَمْلي، وذكرَه النَّسَفي
لكن لم يَنْسُبه لمجاهدٍ، ولفظه: ((قال: ﴿فَتِكُمْ﴾ الإماءَ))، وهو في ((تفسير الفِريابي))(٢) عن
وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ﴾ يقول:
إماءَكُمْ ﴿عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ على الزّنى.
ثُمَّ أورَدَ المصنّف حديث أبي مسعود في النَّهي عن مَهر البَغيّ وغيره، وحديث أبي
هريرة في النَّهي عن كسب الإماء، وقد تقدَّم في أواخر البيوع (٢٢٣٧)، وفي الباب الذي
قبله من شرحهما ما فيه كفاية، والله أعلم.
٢١ - باب عَسْب الفحل
٢٢٨٤ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ وإسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن عليٍّ بنِ الحكَمِ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: نهى النبيُّ وَّهِ عِن عَسْبِ الفَحْل.
قوله: ((باب عَسْب الفَحْل)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر في النَّهي عنه، والعَسْبُ: بفتح
العين وإسكان السّين المهملتَينِ وفي آخره موخَّدة، ويقال له: العَسِيب أيضاً، والفَحْل:
(١) وكذلك جاء في ((صحيح مسلم)) (٣٠٢٩) (٢٧) من طريق أبي سفيان، عن جابر، إلا أنه قال في روايته:
أن جارية لعبد الله بن أُبيِّ ابن سَلُولَ يقال لها: مُسيكة، وأخرى يقال لها: أُميمة، فكان يُكرِمُهما على
الزنى .. وعليه فما قاله مقاتل قد نُصَّ عليه في هذه الرواية.
(٢) هو أيضاً في ((تفسير مجاهد)) ٢ / ٤٤٢ برواية أبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الهمَّذاني، عن
إبراهيم بن الحسين الهمذاني، عن آدم بن أبي إياس، عن وَرْقاء، به.

٣٤٩
باب ٢١ / ح ٢٢٨٤
كتاب الإجارة
الذَّكَر من كلّ حيوان فرساً كان أو جملاً أو تيساً، أو غير ذلك، وقد روى النَّسائي
(ك٤٦٨٠) من حديث أبي هريرة: نهى عن عَسْب التَّيْس.
واختُلِفَ فيه فقيل: هو ثمن ماءِ الفَحل، وقيل: أُجرة الجماع، وعلى الأخير جرى
المصنّف. ويُؤيِّد الأوَّل: حديث جابر عند مسلم (٣٥/١٥٦٥): نهى عن بيع ضِراب
الجمل، وليس بصريح في عَدَم الحمل على الإجارة، لأنَّ الإجارة بيعُ منفعةٍ، ويُؤَيِّد الحمل
على الإجارة لا الثَّمن: ما تقدَّم عن قَتَادةَ قبل أربعة أبواب (١): أنَّهم كانوا يَكرَهونَ أجر
ضِراب الجمل، وقال صاحب: ((الأفعال)): أَعْسَبَ الرجل عَسْباً(٢): اكتَرَى منه فحلاً يُنزِیه.
وعلى كلِّ تقدير فبيعُه وإجارتُه حرام، لأنه غير مُتقوَّم ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه.
وفي وجه للشافعية والحنابلة: تجوز الإجارة مُدّةً معلومةً، وهو قول الحسن وابن
سِيرِين، ورواية عن مالك، قوَّاها الأبهري وغيره، وحَمَلَ النَّهيَ على ما إذا وقع لأمَدٍ
مجهول، وأمَّا إذا استأجَرَه مُدّةً معلومةً فلا بأس(٣)، كما يجوز الاستئجار لتلقيحِ النَّخل.
وتُعُقِّبَ بالفرق لأنَّ المقصود هنا ماءُ الفَحل، وصاحبُه عاجز عن تسليمه، بخلاف
التلقيح، ثمَّ النَّهي عن الشِّراء والكِراءِ إِنَّمَا صَدَرَ لمَا فيه من الغَرَر.
وأمَّا عاريَّة ذلك فلا خلاف في جوازه.
فإن أُهدِي للمُعير هديّةٌ من المستعير بغير شرط جازَ، وللِّرمِذي (١٢٧٤) من حديث ٤٦٢/٤
أنس: أنَّ رجلاً من كِلابٍ سأل النبي وَُّ عن عَسْبِ الفَحل فنَهاه، فقال: يا رسول الله، إنّا
نُطرِقُ الفَحْلِ فَنُكرَم، فَرَخَّصَ له في الكرامة، ولابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٤٦٧٩) من
حديث أبي كبشةَ مرفوعاً: ((من أطرَقَ فرساً فأعقَبَ كان له كأجْر سبعين فرساً)(٤).
(١) عند الكلام على الباب رقم (١٦) باب ما يُعطى في الرقية.
(٢) تحرف في (س) إلى: عسيباً.
(٣) من قوله: ((قواها الأبهري)) إلى هنا، لم يرد في الأصلين، وهو ثابت في (س).
(٤) تمام الحديث: ((كأجر سبعين فرساً حُمل عليها في سبيل الله، وإن لم تُعقِب كان له كأجر فرس حمل عليها في
سبيل الله)). والحديث في ((مسند أحمد)) برقم (١٨٠٣٢) دون قوله: ((وإن لم تُعقب ... )) إلى آخره.

٣٥٠
باب ٢٢ / ح ٢٢٨٥ - ٢٢٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن عليّ بن الحكم)) هو البُناني، بضمِّ الموحّدة بعدها نون خفيفة، بصري ثقة عند
الجميع، وليَّنَه أبو الفتح الأزدي بلا مُستَنَد، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. وقد
أخرج الحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٤٢) هذا الحديث عن مُسدَّد شيخ البخاري فيه، وقال:
عليّ بن الحكم ثقة من أعَزّ البصريين حديثاً. انتهى، وقد وَهِمَ في استدراكه، وهو في البخاري
كما تَرى، وكأنَّه لمَّا لم يَرَه في كتاب البيوع توهَّمَ أنَّ البخاري لم يُخرجه.
٢٢ - بابٌ إذا استأجر أرضاً فمات أحدهما
وقال ابنُ سِيرِينَ: ليس لأهلِهِ أن يُرِ جوه إلى تَامِ الأَجَل.
وقال الحكَمُ والحسنُ وإياسُ بنُ معاويةَ: تمضي الإجارةُ إلى أجَلِها.
وقال ابنُ عمرَ: أعطَى النبيُّ وَّهُ خيبرَ بالشَّطْرِ، فكان ذلك على عهد النبيِّ نَّ وأبي بكرٍ
وصذراً من خلافةِ عُمر، ولم يُذكَر أنَّ أبا بكرٍ جَدَّد الإجارةَ بعدَما قُبِضَ النبيُّ ◌ِه.
٢٢٨٥ - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيِرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافع، عن عبد الله ﴿﴿ُ،
قال: أعطَى رسولُ اللهِ وَِّ خيبرَ اليهودَ أن يعملوها ويَزرَعوها، ولهم شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها.
وأنَّ ابنَ عمرَ حدَّثه: أنَّ المزارعَ كانت تُكرَى على شيءٍ، سَّه نافعٌ لا أحفَظُه.
[أطرافه في: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨]
٢٢٨٦ - وأنَّ رافعَ بنَ خَدِيج حدَّث: أنَّ النبيَّ وَّ نهى عن كِراءِ المزارع.
[أطرافه في: ٢٣٢٧، ٢٣٣٢، ٢٣٤٤، ٢٧٢٢]
وقال عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: حتَّى أجْلاهم عُمر.
قوله: ((باب إذا استأجَرَ أرضاً فمات أحدهما)) أي: هل تُفسَخُ الإجارةُ، أم لا؟ والجمهور
على عَدَم الفسخ، وذهب الكوفيون والليث إلى الفسخ، واحتَجْوا: بأنَّ الوارث مَلَكَ
الرَّقَبَة، والمنفَعةُ تَبَعٌ لها، فارتَفَعَت يد المستأجر عنها بموتِ الذي آجَرَه، وتُعُقِّبَ بأنَّ المنفَعة
قد تَنفَكّ عن الرَّقَبة، كما يجوز بيع مسلوب المنفَعة، فحينئذٍ فمِلْك المنفَعة باقٍ للمُستأجر
بمُقتَضى العقد. وقد اتَّفَقوا على أنَّ الإجارة لا تَنفسِخ بموتِ ناظِرِ الوقف فكذلك هنا.

٣٥١
باب ٢٢ / ح ٢٢٨٥ -٢٢٨٦
كتاب الإجارة
قوله: ((وقال ابن سيرين: ليس لأهلِه)) أي: أهل المِيِّتِ ((أن يُخرِ جوه)) أي: يُرِجوا المستأجر
((إلى تَمَام الأجَل))، وقال الحسن والحكَم وإياس بن معاوية: تمضي الإجارة إلى أجَلها)) وَصَلَه
ابن أبي شَيْبة (٢٧٦/٧-٢٧٧) من طريق حُميدٍ عن الحسن(١) وإياس بن معاوية، ومن طريق
أیوب عن ابن سِیرین، نحوه.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث ابن عمر: أعطى النبيِ وَلَهَ خيبرَ اليهودَ على أن يعملوها،
وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في المزارعة (٢٣٢٨)، وكذلك الطَّريق المعلّقة آخر الباب،
وهي قوله: وقال عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: حتَّى أجلاهم عمر؛/ يريد: أنَّ ٤٦٣/٤
عُبيد الله حدَّثَ بهذا الحديث عن نافع، كما حدَّثَ به جُوَيريةُ عن نافع، وزاد في آخره: حتَّى
أجلاهم عمر.
قال الكِرْماني: القائل: وقال عُبيد الله، هو موسى بن إسماعيل الراوي عن جُوَيريةَ،
وهو من تتمَّة حديثه، وبه تَحصُل الترجمة.
فأمَّا قوله: إنَّه موسى، فغَلَط واضح، لأنَّ موسى لا رواية له عن عُبيد الله بن عمر
أصلاً، والقائل: وقال عُبيد الله، هو البخاري، وهو تعليق سيأتي بيانه، وقد وَصَله مسلم
(١٥٥١) من طرق عن نافع، وقال في آخرها: حتَّى أجْلاهم إلى تَيماءَ وأريحاءَ. وأمَّا قوله:
وهو من تتمَّة حديثه إن كان أراد به أنَّه حدَّثَ به، فقد ثبت (٢) أنَّه غَلَط، وإن أراد أنَّه من
تَتِمَّته، لكن من رواية غيره، فصحيح، وكذا قوله: وبه تَحصُل الترجمة.
والغرض منه هنا: الاستدلال على عَدَم فسخ الإجارة بموتِ أحد المتآجِرَين، وهو
ظاهر في ذلك، وقد أشار إليه بقوله: ولم يُذكَر أنَّ أبا بكر جَدَّدَ الإجارة بعد النبيِ وَلَّ.
(١) الذي في النسخ المطبوعة من ((مصنف ابن أبي شيبة)) من طريق حميد إنما هو عن الحكم ومكحول وإياس
ابن معاوية، فأما الحكم ومكحول ففيه: أنهما قضيا ببطلان الإجارة، وأن إياس بن معاوية أمضاها، ولم
يخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن، وبيَّض له الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣/ ٢٨٧، فما وقع هنا سبقُ قلم لا
محالةَ، ولم نقف عليه عن الحكم: أنه أمضى الإجارة، كما قال البخاري، فالله تعالى أعلم.
(٢) في (س): بينتُ.

٣٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر فيه حديث ابن عمر في كِراء المزارع، وحديث رافع بن خديج في النَّهي عنه،
وسيأتي شرحهما في المزارعة (٢٣٢٨ و٢٣٢٧) أيضاً إن شاء الله تعالى.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الإجارة من الأحاديث المرفوعة على ثلاثين حديثاً، المعلَّق منها
خمسة والبقية موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ستّةَ عشرَ حديثاً والبقية خالصة.
وافقه مسلم على تخريجها، سوى حديث أبي هريرة في رَغْي الغنم، وحديث: ((المسلمونَ
عند شروطهم))، وحديث ابن عبّاس: ((أحقّ ما أخذتُم عليه أجراً كتابُ الله))، وحديث ابن
عمر في النَّهي عن عَسْبِ الفَحْل.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ثمانية عشرَ أثراً. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٣٥٣
باب ١ / ح ٢٢٨٧
كتاب الحوالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحَوَالة
٤٦٤/٤
١ - بابٌ في الحَوَالة، وهل يرجع في الحَوَالة؟
وقال الحسنُ وقَتَادةُ: إذا كان يومَ أحالَ علیه مَلِّاً جازَ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: يَتَخارَجُ الشَّرِيكان وأهلُ المِيراثِ، فيأخُذُ هذا عَيناً وهذا دَيناً، فإن نَوِيَ
لأحدِهما لم يرجع على صاحبِهِ.
٢٢٨٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ ◌َُ، أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ قال: ((مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ، فإذا أُتْبِعَ أحدُكُم على مَلِيءٍ فَلْيَتَبَعْ)).
[أطرافه في: ٢٢٨٨، ٢٤٠٠]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. باب في الحَوَالة)) كذا للأكثر، وزاد النَّسَفي والمُستَمْلِي
بعد البسملة: ((كتاب الحوالة)). والحَوَالة، بفتح الحاء وقد تُكسَر: مُشتَقّة من التحويل، أو
من الحُؤُول، تقول: حال عن العهد: إذا انتَقَلَ عنه، حُؤُولاً. وهي عند الفقهاء: نقلُ دَينٍ
من ذِمّة إلى ذِمّة.
واختلفوا هل هي بيع دَين بدَينِ رُخِّصَ فيه، فاستُثني من النَّهي عن بيع الدَّين بالدَّين،
أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عَقدُ إرفاق مُستقلّ.
ويُشتَرَط في صحتها: رِضا المُحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند
بعضٍ مَنْ (١) شَذَّ. ويُشتَرَط أيضاً تَمَاثُل الحقَّين في الصِّفات، وأن يكون في شيءٍ معلوم.
ومنهم من خَصَّها بالنَّقْدَينِ، ومَنَعَها في الطَّعام، لأنه بيعُ طعام قبل أن يُستَوفى.
قوله: ((وهل يَرجِع في الحوالة؟» هذا إشارة إلى خلاف فيها، هل هي عَقدٌ لازمٌ أو جائزٌ؟
(١) لفظة ((من)) سقطت من (س).

٣٥٤
باب ١ / ح ٢٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال الحسن وقَتَادةُ: إذا كان)) أي: المحال عليهِ ((يوم أَحال عليه مَلِيّاً جازَ)) أي:
بلا رُجوع، ومفهومه أنَّه إذا كان مُفلِساً فله أن يَرجِع.
وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شَيْبة (٦/ ١٩٠)(١) والأثرم - واللَّفظ له - من طريق سعيد
ابن أبي عَروبة عن قَتَادَةَ والحسن: أنَّهما سُئِلا عن رجل احتالَ على رجل فأفلَس، قالا: إن
کان ملیا یوم احتالَ علیه، فليس له أن يرجع.
وقَيَّدَه أحمد بما إذا لم يَعلَم المحتالُ بإفلاس المُحَال عليه.
وعن الحكم: لا يَرجِع إلَّا إذا مات المحال عليه. وعن الثَّوري: يَرجِع بالموتِ، وأمَّا
بالفَلَسِ فلا يَرجِع إلَّا بمَحْضَرِ المُحيل والمحال عليه.
وقال أبو حنيفة: يَرجِعُ بالفَلَسِ مُطلَقاً سواء عاشَ أو مات، ولا يَرجِع بغيرِ الفَلَس.
وقال مالك: لا يَرجِعُ إلَّا إن غَرَّهُ، كأن عَلِمَ فَلَس المحال عليه ولم يُعلِمْه بذلك.
وقال الحسن وشُرَيحٌ وزُفَر: الحوالة كالكفالة، فَيَرجِعُ على أيّهما شاء، وبه يُشعِر إدخال
البخاري أبواب الكفالة في كتاب الحوالة.
وذهب الجمهور إلى عَدَم الرُّجوع مُطلَقاً، واحتَجَّ الشافعي بأنَّ معنى قول الرجل:
أحَلْتُه وأبْر أني: حَوَّلْتُ حَقّه عَنّي، وأثبتُّه على غيري. وذَكر أنَّ محمد بن الحسن احتَجَّ لقوله
بحديث عثمان: أنَّه قال في الحوالة أو الكفالة: يَرجِع صاحبها، لا تَوَى - أي: لا هلاكَ -
على [مال](٢) مسلم. قال: فسألتُه عن إسناده، فذكره عن رجلٍ مجهول، عن آخر معروفٍ،
لكنَّه مُنقَطِع بينه وبين عثمان، فبَطَلَ الاحتجاج به من أوجُهٍ، قال البيهقي (٧١/٦): أشار
الشافعي بذلك إلى ما رواه شُعْبة عن خُلَيد بن جعفر عن معاوية بن قُرّة عن عثمان،
(١) الذي في النسخ المطبوعة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن،
وليس عن قتادة والحسن!
(٢) كلمة ((مال)) سقطت من (ع) و(س)، ولم تظهر في (أ) لطمس الورقة، وأثبتناها من ((الأم)) للشافعي
٢٣٣/٣، ومن ((طرح التثريب)) للعراقي ٦/ ١٦٧.

٣٥٥
باب ١ / ح ٢٢٨٧
كتاب الحوالة
فالمجهول خُلَيد(١)، والانقطاع بين معاوية بن قُرّة وعثمان(٢)، وليس الحديث مع ذلك
مرفوعاً، وقد شَكَّ راويه هل هو في الحوالة أو الكَفالة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: يَتَخارج الشَّريكان ... )) إلى آخره، وَصَله ابن أبي شَيْبة ٤٦٥/٤
(٦/ ٢٠٧) (٣) بمعناه، قال ابن التِّين: مَحَلّه ما إذا وقع ذلك بالتراضي مع استواء الدَّين.
وقوله: ((تَوِيَ)) بفتح المثنَّة وكسر الواو، أي: هَلَك، والمراد: أن يُفلِسَ مَن عليه الدَّين،
أو يَموتَ أو يَجَحَد، فيَحلِفَ حيثُ لا بيِّنّة، ففي كلّ ذلك لا رُجوع لمن رضي بالدَّين(٤).
قال ابن المنيِّرِ: ووجهه أنَّ من رضي بذلك فهَلَكَ فهو في ضمانه، كما لو اشترى عَيناً
فتَلِفَت في يده، وألحَقَ البخاري الحوالة بذلك.
وقال أبو عُبید: إذا كان بین وَرَثة أو شُرَکاءَ مالٌ، وهو في ید بعضهم دون بعض، فلا
بأس أن یتبایعوه بینھم.
قوله: ((عن الأعرج عن أبي هريرة)) قد رواه همَّام عن أبي هريرة(٥)، ورواه ابن عمر(٦)
وجابر (٧) مع أبي هريرة.
قوله: ((مَطْل الغنيِّ ظُلم)) في رواية ابن عُيَينةَ عن أبي الزناد عند النَّسائي (٤٦٨٨) وابن
(١) بل ليس خليد بن جعفر بمجهول، فقد وثقه يحيى بن معين، وقال عنه شعبة: كان من أصدق الناس
وأشدهم اتقاءً، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يحيى بن سعيد: بلغني أنه لا بأس به.
(٢) دعوى الانقطاع هذه غير مسلَّمة، كما حقق القولَ فيها ابنُ التركماني في «الجوهر النقي)) ٦/ ٧١.
(٣) وكذلك وصله عبد الرزاق (١٥٢٥١)، لكنهما اقتصرا على قوله: يتخارج الشريكان، زاد عبد الرزاق في
إحدى روايتيه (١٥٢٥١): لا بأس أن يتخارج القوم في الشركة تكون بينهم، فيأخذ بعضهم من الذهب
الذي بينهم، يأخذ هذا عشرة نقداً، ويأخذ هذا عشرين ديناراً. وأما قول ابن عباس في تخارج أهل
الميراث فوصله عبد الرزاق (١٥٢٥٣).
(٤) هذه الفقرة سقطت من (ع)، ولم تظهر في (أ) لطمس في الورقة، وأثبتناها من (س).
(٥) سيأتي برقم (٢٤٠٠).
(٦) أخرجه أحمد (٥٣٩٥)، وابن ماجه (٢٤٠٤)، والترمذي (١٣٠٩).
(٧) عند البزار (١٢٩٨ - كشف الأستار)، والحارث بن أبي أسامة (٤٤٦- بغية الباحث).

٣٥٦
باب ١ / ح ٢٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
ماجَهْ (٢٤٠٣): ((الظلم مطلُ الغني))، والمعنى: أنَّه من الظُّلم، وأُطلِقَ ذلك للمُبالَغة في
التنفير عن المطل، وقد رواه الجَوْزَقي من طريق همَّام عن أبي هريرة، بلفظ: ((إنَّ من الظُّلم
مطلَ الغني))، وهو يُفسِّر الذي قبله.
وأصل المطل: المدّ، قال ابن فارس: مَطَلْتُ الحديدة أمطُلها مطْلاً: إذا مَدَدتَها لتَطُول،
وقال الأزهَري: المطل: المدافعة، والمراد هنا: تأخير ما استحقَّ أداؤُه بغير عُذر. والغنيُّ
مُخْتَلَف في تَفريعه، ولكن المراد به هنا: من قَدَرَ على الأداء، فأخَّرَه، ولو كان فقيراً، كما
سیأتي البحث فیه.
وهل يَتَّصِفُ بالمطل من ليس القَدْرُ الذي استحقَّ عليه حاضراً عنده، لكنَّه قادر على
تحصيله بالتكسُّبِ مثلاً؟ أطلقَ أكثر الشافعية عَدَم الوجوب، وصَرَّحَ بعضهم بالوجوب
مُطلَقَاً، وفَصَّلَ آخرونَ بين أن يكون أصلُ الدَّينِ وَجَبَ بسببٍ يُعصى به، فيجبُ، وإلَّا فلا.
وقوله: ((مطل الغنيّ)) هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنَّه يَحِرُم
على الغني القادر أن يَمطُلَ بالدَّين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز، وقيل: هو من إضافة
المصدَر للمفعول، والمعنى: أنَّه يجب وفاء الدَّين، ولو كان مُستَحِقُّه غَنياً، ولا يكون غِناه
سبباً لتأخير حَقِّه عنه، وإذا كان كذلك في حَقّ الغني، فهو في حَقّ الفقير أَولى، ولا يخفى
بُعد هذا التأويل.
قوله: ((فإذا أُتَبعَ أحدكُم على مَليءٍ فليتبع)) المشهور في الرواية واللّغة كما قال النَّوي:
إسكان المثنَّاة في ((أَتَبعَ))، وفي («فليَتْبع))، وهو على البناء للمجهول، مثل: إذا أُعِلِمَ فليَعْلَم،
تقول: تَبِعت الرجل بحَقّي أَتَبَعه تَباعةً، بالفتحِ: إذا طلبتَه.
وقال القُرطُبي: أمَّا (أَتْبِعَ)) فبضمِّ الهمزة وسكون التاء، مَبنَّاً لمَا لم يُسمَّ فاعله عند
الجميع، وأمَّا ((فليَتْبَع)) فالأكثر على التخفيف، وقَّدَه بعضهم بالتشديد، والأوَّل أجوَد. انتهى،
وما ادَّعاه من الاتِّفاق على ((أُتبعَ)) يَرُدّه قول الخطَّابي: إنَّ أكثر المحدِّثين يقولونه بتشديد
التاء، والصواب التخفيف.

٣٥٧
باب ١ / ح ٢٢٨٧
كتاب الحوالة
ومعنى قوله: ((أُتْبِعَ فليَتْبِعِ)) أي: أُحِيلَ فليَحْتَلْ، وقد رواه بهذا اللَّفظ أحمد (٩٩٧٣)
عن وكيع عن سفيان الثَّوري عن أبي الزِّناد، وأخرج البيهقي (٦/ ٧٠) مثله من طريق
مُعَّى(١) بن منصور عن ابن أبي الزّناد عن أبيه وأشار إلى تَفُّد مُعلَى(١) بذلك، ولم يَتَفَّد به
كما تَراه، ورواه ابن ماجَهْ (٢٤٠٤) من حديث ابن عمر بلفظ: ((فإذا أُحِلْت على مَليءٍ
فائَّبِعْه))، وهذا بتشديد التاء بلا خلاف.
والمليء، بالهمزِ: مأخوذ من المَلاَءِ، يقال: مَلُؤَ الرجل - بضمِّ اللَّام - أي: صار مَلِيئاً،
وقال الكِرْماني: المَلِيُّ كالغَنِيِّ لفظاً ومعنَى، فاقتضى أنَّه بغير همز، وليس كذلك، فقد قال
الخطَّبي: إنَّه في الأصل بالهمزِ، ومن رواه بتركها فقد سَهَّله.
والأمر في قوله: ((فليَتَبَع)) للاستحباب عند الجمهور، ووَهِمَ من نقل فيه الإجماع،
وقيل: هو أمر إباحةٍ وإرشادٍ، وهو شاذٌ، وَمَله أكثر الحنابلة وأبو ثَوْر وابن جَرِير وأهل
الظّاهر على ظاهره، وعِبارة الخِرَقي: ومن أُحيلَ بحَقِّه على مِليٍ، فواجب عليه أن يحتال.
تنبيه: اذَّعى الرافعي: أنَّ الأشهَر في الروايات: ((وإذا أُتْبِعَ))، وأَّهما جُلَتَان لا تَعلُّق
لإحداهما بالأُخرى، وزَعَمَ بعض المتأخّرين أنَّه لم يَرِدِ إلَّ بالواو، وغَفَلَ عَّا في ((صحيح
البخاري)) هنا، فإنَّه بالفاء في جميع الروايات،/ وهو كالتوطِئة والعِلّة لقَبُول الحوالة، أي: ٤٦٦/٤
إذا كان المطل ظُلماً، فليَقبَل من يُحتال بدَينِهِ عليه، فإنَّ المؤمن من شأنه أن يَحتَرِز عن الظُّلم
فلا يَمطُل. نعم رواه مسلم (١٥٦٤) بالواو، وكذا البخاري في الباب الذي بعده (٢٢٨٨)
لكن قال: ((ومن أُتْبِعَ)).
ومُناسَبة الجملة للَّتي قبلها أنَّه لمَّ دَلَّ على أنَّ مطل الغنيِّ ظلم، عَقَّبَه بأنَّه ينبغي قَبُول
الحَوَالة على المليءٍ، لمَا في قَبُولها من دفع الظُّلم الحاصل بالمَطْل، فإنَّه قد تكون مُطالَبةُ
المحالِ (٢) عليه سهلةً على المحتال دون المحيل، ففي قَبُول الحوالة إعانة على كَفّه عن الظُّلم.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: يعلى.
(٢) في الأصلين: قد تكون مطالبته بالمال، والظاهر أنه تحريف، والمثبت من (س)، وبه يستقيم الكلام.

٣٥٨
باب ١ / ح ٢٢٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الحديث الزَّجْر عن المطْل، واختُلِفَ هل يُعَدّ فعله عَمْداً كبيرةً أم لا؟ فالجمهور
على أنَّ فاعله يَفسُق، لكن هل يَثبُت فِسِقُه بمَطْلِهِ مرَّةً واحدة أم لا؟ قال النَّووي: مُقتَضى
مذهبنا اشتراط التكرار، ورَدَّه السُّبكي في ((شرح المنهاج)) بأنَّ مُقتَضى مذهبنا عَدَمُه،
واسْتَدَلَّ بأنَّ مَنْع الحقّ بعد طلبه، وانتفاء (١) العُذر عن أدائه كالغَصبِ، والغَصب كبيرة،
وتَسميته ظُلماً يُشعِر بكونِه كبيرةً، والكبيرة لا يُشتَرَط فيها التَّكُّرُ. نعم لا يُحكَم عليه
بذلك إلَّا بعد أن يَظهَر عَدَم عُذْره، انتهى.
واختلفوا هل يَفسُق بالتأخير مع القُدرة قبل الطََّب أم لا؟ فالذي يُشعِر به حديثُ
الباب التوقُّف على الطَّلب، لأنَّ المطلَ يُشعِرِ به.
ويَدخُل في المطل كلُّ من لَزِمَه حَقّ، كالزَّوج لزوجته، والسَّيِّد لعبده، والحاكم لرَعيته،
وبالعكس.
واستُدِلَّ به على أنَّ العاجز عن الأداء لا يَدخُل في الظُّلم، وهو بطريق المفهوم، لأنَّ
تعليقَ الحكم بصفةٍ من صِفات الذّات يدلّ على نفي الحكم عن الذّات عند انتفاء تلك
الصِّفة، ومن لم يقل بالمفهوم أجاب بأنَّ العاجز لا يُسمَّى ماطلاً، وعلى أنَّ الغني الذي ماله
غائب عنه لا يَدخُل في الظَّلم، وهل هو مخصوص من عموم الغَنِيِّ، أو ليس هو في الحكم
بغَنِيٌّ؟ الأظهَر الثاني، لأنه في تلك الحالة يجوز إعطاؤه من سهم الفُقَراء من الزكاة، فلو
كان في الحكم غَنياً، لم يَجُز ذلك.
واستنِطَ منه أنَّ المعسِر لا يُحِبَس، ولا يُطالَب حتَّى يُوسِر، قال الشافعي: لو جازَت
مُؤاخَذتُه لكان ظالماً، والفَرْض أنَّه ليس بظالم لعَجْزِه. وقال بعض العلماء: له أن يَحِسه.
وقال آخرون: له أن يُلازمه.
واستُلِلَّ به على أنَّ الحوالة إذا صَحَّت ثمّ تَعذَّرَ القبض بحُدوثِ حادثٍ، کموتٍ أو
فَلَسٍ، لم يكن للمُحتال الرُّجوعُ على المُحِيل، لأنه لو كان له الرُّجوع لم يكن لاشتراط
(١) تحرف في (س) إلى: وابتغاء.

٣٥٩
باب ٢ / ح ٢٢٨٨ -٢٢٨٩
كتاب الحوالة
الغِنى فائدة، فلمَّا شُرِطَت عُلِمَ أنَّه انتَقَلَ انِتِقالاً لا رُجوع له، كما لو عَوَّضَه عن دينه
بعِوَضٍ ثمَّ تَلِفَ العِوَضُ في يد صاحب الدَّين فليس له رُجوعٌ. وقال الحنفيّة: يرجع عند
التعَذُّر، وشَبَّهوه بالضَّمان.
واستُدِلَّ به على مُلازمة الماطل، وإلزامه بدفعِ الدَّين، والتوصُّل إليه بكلِّ طريق،
وأخْذِه منه قَهراً. واستُدِلَّ به على اعتبار رِضا المُحِيل والمحتال دون المُحال عليه، لكونه لم
يُذكَر في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن الحنفيّة: يُشتَرَط أيضاً، وبه قال الإصطَخري
من الشافعية.
وفيه الإرشاد إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القُلوب، لأنه زَجَر عن الماطَلة، وهي
تُؤَدّي إلى ذلك.
٢ - بابٌ إن أحال دين الميّت على رجلٍ جاز، وإذا أحال على مَلِيٍّ فليس له ردٌّ
٢٢٨٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حذَّثنا سفيانُ، عن ابنِ ذَكوانَ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَّم قال: ((مَطلُ الغنيِّ ظُلمٌّ ومَن أُتْبِعَ على مَلِيٍّ فليَتَّبع)).
٢٢٨٩ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ ﴾،
قال: / كنَّا جلوساً عندَ النبيِّ وَّهِ إِذا أُتيَ بجِنازةٍ، فقالوا: صَلِّ عليها، فقال: ((هل عليه دَيرٌ؟)) ٤٦٧/٤
قالوا: لا، قال: ((فهل تَرَكَ شيئاً؟» قالوا: لا، فصَلَّی علیه، ثمّ أُتي بچِنازةٍ أُخرَى، فقالوا: يا
رسولَ الله، صَلِّ عليها، قال: ((هل عليه دَينٌ؟)) قيلَ: نعم، قال: «فهل تَرَكَ شيئاً؟» قالوا: ثلاثةَ
دنانيرَ، فصَلَّى عليها، ثمَّ أُتيَ بالثالثةِ، فقالوا: صَلِّ عليها، قال: ((هل تَرَكَ شيئاً؟)) قالوا: لا، قال:
((فهل عليه دَينٌّ؟)) قالوا: ثلاثةُ دنانيرَ، قال: ((صَلُّوا على صاحبِكُم)) قال أبو قَتَادةَ: صَلِّ علیه یا
رسولَ الله، وعليَّ دَينُهُ، فصَلَّى عليه.
[طرفه في: ٢٢٩٥]
قوله: ((باب إن أحالَ دَين الميّت على رجلٍ جازَ، وإذا أحالَ على مَلِيٍّ فليس له رَةٌّ)) كذا
ثبت عند أبي ذرّ، والترجمة الثانية مُقدَّمة عند غيره على الباب في بابٍ مُفرَد، وفيها حديث

٣٦٠
باب ٢ / ح ٢٢٨٨ -٢٢٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
أبي هريرة: ((مطل الغني ظُلم)) عن محمد بن يوسف عن سفيان - وهو الثَّوري - عن أبي
الزِّناد، ومُناسَبَته للتَّرجمة واضحة، وهو يُشعِر بأنَّه في ذلك موافق للجُمهور على عَدَم
الرُّجوع، وقد تقدَّمت مباحثُ ذلك في الذي قبله.
وقد ذكر أبو مسعود أنَّ هذه الطَّريق ثبتت في رواية النُّعَيمي(١) عن الفِرَبْري، وأنَّهَا لم
تَقَع عند الحَمُّوِيّ. قال: وقد رواها حَمَّاد بن شاكر عن البخاري.
قلت: وثبتت أيضاً عند أبي زيد المروَزي عن الفِرَبْري، ورواها أيضاً إبراهيم بنُ مَعِقِل
النَّسَفي عن البخاري.
ويُؤيِّد صنيع النَّسَفي ومن تَبِعَه أنَّه ترجمَ بعد أبواب لحديث سَلَمة (٢٢٩٥): ((باب
من تَكَفَّلَ عن ميِّتٍ دَيناً، فليس له أن يَرجِع)) فلو كان ما صَنَعَه أبو ذرِّ محفوظاً لكان قد كَرَّرَ
الترجمة حدیثٍ واحد.
تنبيهان:
الأوَّل: محمد بن یوسف لا قرابة بینه وبین عبد الله بن يوسف، فمحمد: هو بن يوسف
ابن واقد بن عثمان الفِريابي، صاحب سفيان الثَّوري، وعبد الله: هو ابن يوسف بن عبد الله
التِّنِّيسي صاحب مالك، ولم يَلَ الفِريابيُّ مالكاً، ولا التِّنِّيسي سفيانَ، والله أعلم.
الثاني: قال ابن بطَّال: إنَّما ترجمَ بالحوالة فقال: ((إن أحالَ دَين الميّت)) ثمَّ أدخَلَ حديث
سَلَمة، وهو في الضَّمان، لأنَّ الحوالة والضَّمان عند بعض العلماء مُتَقاربان، وإليه ذهب أبو
ثَور، لأنهما يَنْتَظِمان في كون كلٍّ منهما نقلَ ذِمّةِ رجل إلى ذِمّة رجلٍ آخرَ، والضَّمان في هذا
الحديث نَقْلُ ما في ذِمّة المَيِّت إلى ذِمّة الضّامن، فصار كالحوالة سواء.
قلت: وقد ترجمَ له بعد ذلك بالكفالة (٢٢٩٥) على ظاهر الخبر.
(١) هو أحمد بن عبد الله بن نُعيم النُّعيمي، تلقى عنه ((صحيح البخاري)) عبدُ الواحد بن أحمد المليحي، شيخ
الإمام أبي محمد البغوي، وعنه روى سائر رواياته لـ((صحيح البخاري)) في ((شرح السنة))، توفي سنة
(٣٨٦ هـ). انظر ترجمته في ((التقييد)) لابن نقطة الحنبلي الترجمة (١٦٤)، و((سير أعلام النبلاء)) ١٦ /٤٨٨.