النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب ٩٨ / ح ٢٢١٥
كتاب البيوع
ما لم يُقْسَم، وقال عبدُ الرزاق عن مَعمَرِ: كلِّ مالٍ، وكذا قال عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ عن
الزّهْري، وطريقُ هشام وَصَلها المؤلِّفُ في ترك الِحِيَل (٦٩٧٦) وطريقُ عبد الرزاق وَصَلها
في الباب الذي قبله (٢٢١٣)، وطريقُ عبد الرحمن بن إسحاقَ وَصَلها مُسدَّدٌ في ((مُسنَده))
عن بشر بن المفَضَّل عنه.
ووقع عند السَّرَخسي في رواية عبد الرزاق، وفي رواية عبد الواحد في الموضعَينِ: كلِّ
مالٍ، وللباقين: كلِّ ما، في رواية عبد الواحد، وكلِّ مالٍ، في رواية عبد الرزاق، وقد رواه
إسحاقُ عن عبد الرزاق، بلفظ: قضى بالشُّفعة في الأموال ما لم تُقْسَم، وهو يُرجِّحُ روايةً
غير السَّرَخسي، والله أعلم.
قال الكِرْماني: الفرقُ بين هذه الثلاث، يعني: قوله: ((تابعه))، و((قال))، و((رواه)) أنَّ
المتابعةَ أن يروي الراوي الآخرُ الحديثَ بعَينِهِ، والروايةُ إنَّما تُستَعمَلُ عند المذاكرة،
والقولُ أعَمّ.
وما ادَّعاه من الاتّحاد في المتابعة مردودٌ، فإنّها أعمُّ من أن تكون باللَّفظِ أو بالمعنى،
وحَصْرُه الروايةَ في المذاكرة مردودٌ أيضاً، فإنَّ في هذا الكتاب ما عَبَّرَ عنه بقوله: رواه
فلانٌ، ثمَّ أسنَدَه هو في موضعٍ آخرَ بصيغة: حدَّثنا.
وأمَّا الذي هنا بخصوصِه، فعبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ ليس على شرطِهِ، ولذلك حَذَفَه،
مع كونِه أخرج الحديثَ عن مُسدَّدٍ الذي وَصَله عن عبد الرحمن.
٩٨ - بابٌ إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنه فرضي
٢٢١٥- حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبو عاصِمٍ، أخبرنا ابنُ جُرَیج، قال: أخبرني
موسى بنُ عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّم قال: «خَرَجَ ثلاثةُ نَفَرِ
يَمشونَ، فأصابَهم المطَرُ، فدخلوا في غارٍ في جَبَلٍ، فانخَطَّت عليهم صَخرةٌ، قال: فقال بعضُهم
لبعضٍ: ادعوا اللهَ بأفضَلِ عملٍ عَمِلتُموه، فقال أحدُهمُ: اللّهمَّ إنّي كان لي أبَوانِ شیخانِ
كَبِيران، فكنتُ أخرُجُ فأرعَى، ثمَّ أَجِيءُ فأحلُبُ فَأَجِيءُ بالْحِلَابِ، فآتي به أبَوَيَّ فِيَشرَبان، / ثمَّ ٤٠٩/٤

٢٤٢
باب ٩٨ / ح ٢٢١٥
فتح الباري بشرح البخاري
أسقي الصِّبيةَ وأهلي وامرَأتي، فاحتبَسْتُ ليلةً فجئتُ فإذا هما نائمان، قال: فَكَرِهتُ أن أوقِظَهما
والصِّبيّةُ يَتَضاغَونَ عندَ رِجْلِيَّ، فلم يَزَّل ذلك دَأَبي ودَأْبَهما حتَّى طَلَعَ الفَجرُ، اللهمَّ إن كنتَ
تَعلَمُ أَنَّ فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهكَ، فافرُجْ عَنّا فُرجةً نَرَى منها السَّماءَ، قال: فَقُرِجَ عنهم.
وقال الآخَرُ: اللهمَّ إن كنتَ تَعلَمُ أَنّ كنتُ أُحِبُّ امرأةً من بَنات عَمّي كَأَشَدِّ ما يُحِبُّ
الرجلُ النِّساءَ، فقالت: لا تَنالُ ذلك منها حتَّى تُعطِيَها مئةَ دِينارٍ، فسَعَيتُ فيها حتَّى ◌َمَعتُها،
فلمَّا قَعَدتُ بينَ رِ جَلَيها، قالت: أَّقِ اللهَ ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلا بحَقِّه، فقُمتُ وتَرَكتُها، فإن كنتَ
تَعلَمُ أَنّي فعَلتُ ذلك ابتغاءَ وجهِكَ، فافرُجْ عَنّا فُرجةٌ، قال: ففَرَجَ عنهم الثُّلفَينِ.
وقال الآخَرُ: اللهمَّ إن كنتَ تَعلَمُ أنّي استأجرتُ أجِيراً بفَرَقٍ من ذُرةٍ، فأعطَيْتُهُ فأبَى ذاك
أن يأخُذَ، فعَمَدْتُ إلى ذلك الفَرَقِ فَزَرَعتُهُ، حتَّى اشتریتُ منه بقراً وراعيها، ثمّ جاء فقال: يا
عبدَ الله، أعطِنِي حَقِّي، فقلتُ: انطَلِقْ إلى تلكَ البقرِ وراعيها، فإنَّها لكَ، فقال: أتستَهزِئُّ بي؟
قال: فقلتُ: ما أستَهْزِئُ بكَ ولكنَّها لكَ، اللهمَّ إن كنتَ تَعلَمُ أَنَّ فعَلتُ ذلك ابتِغَاءَ وجهكَ،
فافرج عنَّاً، فگُشِفَ عنهم)).
[أطرافه في: ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤]
قوله: ((بابٌ إذا اشترى شيئاً لغيره بغير إذنِهِ فَرَضي)» هذه الترجمةُ معقودةٌ لبيعِ الفُضولي،
وقد مالَ البخاري فيها إلى الجواز، وأورَدَ فيه حديثَ ابن عمرَ في قصَّة الثلاثة الذين
انحَطَّت عليهم الصَّخرةُ في الغار، وسيأتي شرحُه في أواخر أحاديث الأنبياءِ (٣٤٦٥)،
وموضعُ الترجمة منه قولُ أحدِهم: ((إنّ استأجرتُ أجيراً بفَرَقِ من ذُرةٍ، فأعطَيته فأبى،
فعَمَدتُ إلى الفَرَقِ فَزَرَعته، حتَّى اشتريت منه بقراً وراعيها)» فإنَّ فيه تصرُّفَ الرجل في مال
الأجير بغير إذنِهِ، ولكنَّه لمَّا ثَمَّرَه له ونَّاه وأعطاه، أخذَه ورضي.
وطريقُ الاستدلال به يَنْبني على أنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا، والجمهورُ على خلافه(١)،
لكن يَتَقرَّرُ بأنَّ النبيِ لِّ ساقه سياقَ المدح والثَّنَاءِ على فاعِلِه، وأقرَّه على ذلك، ولو كان لا
يجوزُ لَبِيَّنْه. فِهذا الطَّريق يَصِحُّ الاستدلالُ به، لا بمُجرَّد كونِهِ شرعَ مَن قبلَنا.
(١) زاد في (س) بعد هذا: والخلاف فيه شهیر.

٢٤٣
باب ٩٨ / ح ٢٢١٥
كتاب البيوع
وفي اقتصار البخاري على الاستنباط لهذا الحكم بهذه الطَّريق دلالةٌ على أنَّ الذي
أخرجه في فضل الخيل (٣٦٤٢) من حديث عُرْوةَ البارقي في قصَّة بيعِه الشاةَ، لم يَقصِد به
الاستدلالَ لهذا الحكم.
وقد أُجيبَ عن حديث الباب: بأنَّه يحتملُ أنَّه استأجَرَه بِفَرَقٍ في الدِّمّة، ولمَّا عَرضَ
عليه الفَرَقَ فلم يَقبِضه، استَمَرَّ في ذِمّة المستأجِر، لأنَّ الذي في الدِّمّة لا يَتعَّنُ إلَّا بالقبض،
فلمَّا تَصَرَّفَ فيه المالكُ صَحَّ تصرُّفُه سواءٌ اعتَقَدَه لنفسِه أو لأجيره، ثمَّ إنَّه تَبَرَّعَ بما اجتمع
منه على الأجير برِضّى منه، والله أعلم.
قال ابن بطَّالٍ: وفيه دليلٌ على صِحّة قول ابن القاسم: إذا أودَعَ رجلٌ رجلاً طعاماً،
فباعه المودَعُ بثمنٍ فرضي المودِعُ، فله الخيارُ، إن شاءَ أخذَ الثَّمَنَ الذي باعه به، وإن شاءَ
أخذَ مثلَ طعامه. ومَنَعَ أشهَبُ، قال: لأنه طعامٌ بطعامٍ فيه خِيارٌ.
واستدِلَّ به لأبي ثَوْرٍ في قوله: إنَّ من غَصَبَ قَمحاً، فَزَرَعَه، أنَّ كلَّ ما أخرجت الأرضُ
من القمحِ، فهو لصاحبِ الحِنطة.
وسيأتي بقيةُ الكلام على هذا الفَرعِ وما يَتعلَّقُ به مع الكلام على بقية فوائد حديث أهل
الغار في أواخر أحاديث الأنبياء (٣٤٦٥).
وقوله في هذه الطَّريق: ((أخبرنا ابن جُرَيج، أخبرني موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع)) فيه إدخالُ
الواسطة بين ابن جُرَيج ونافعٍ، وابن جُرَيج قد سمع الكثيرَ من نافع. ففيه دلالةٌ على قِلّة
تدليسِ ابن جُرَيج، وروايتُه عن موسى من نوع رواية الأقران. / وفي الإسناد ثلاثةٌ من ٤١٠/٤
التابعين في نَسَقٍ.
وقوله في المتنِ: ((الحِلاب)) بكسر المهمَلة وتخفيفِ اللَّام آخرُه مُوحَّدةٌ: الإناءُ الذي يُحلَبُ
فيه، والمرادُ(١) اللَّبَن.
وقوله: (يَتَضاغَوْنَ)) بمُعجَمْتَينِ، أي: يَتَبَاكَونَ، من الضُّغاءِ وهو: البُكاءُ بصوتٍ.
(١) في (س): أو المراد.

٢٤٤
باب ٩٩ / ح ٢٢١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((فُرْجةٌ)) بضمِّ الفاء ويجوزُ الفتح، و(الفَرَق)) تقدَّم في الزكاة(١)، و((الذُّرَةِ)) بضمِّ
المعجَمة وتخفيفِ الراءِ، معروفٌ.
٩٩ - باب الشّراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب
٢٢١٦- حدَّثنا أبو التُّعمان، حدَّثْنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي عثمانَ، عن
عبد الرحمن بنِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قال: كَّا معَ النبيِّ وَِّ، ثمَّ جاء رجلٌ مُشرِكٌ مُشْعانٌ
طويلٌ بغَنَمِ يَسوقُها، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((أَبيعاً أم عَطِيَّةً - أو قال: أم هبةً ـ؟)) فقال: لا، بل بيعٌ،
فاشتری منه شاً.
[طرفاه في: ٢٦١٨، ٥٣٨٢]
قوله: ((بابُ الشِّراءِ والبيعِ مع المشركين وأهلِ الحربِ)) قال ابن بطَّالٍ: مُعامَلةُ الكُفَّار
جائزةٌ، إلَّا بِيعَ ما يَسْتَعِينُ به أهلُ الحربِ على المسلمين.
واختلفَ العلماءُ في مُبَايَعة من غالِبُ ماله الحرام، وحُجّةٌ من رَخَّصَ فيه قولِهِ وَه
للمُشِرِكِ: ((أبيعاً أم هبةً؟».
وفيه جوازُ بيعِ الكافر، وإثباتُ مِلكِهِ على ما في يدِه، وجوازُ قَبُول الهديَّة منه، وسيأتي
حُكمُ هدية المشركين في كتاب الهبة(٢).
قلتُ: وأورَدَ المصنِّفُ فيه حديثَ الباب (٢٦١٨) بإسناده هذا أتمَّ سياقاً منه، ويأتي
الكلامُ علیه هناك إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((مُشْعانٌ)) بضمِّ الميم وسكون المعجَمة بعدَها مُهمَلٌ، وآخرُه نونٌ ثقيلةٌ، أي:
طَويلٌ شَعِتُ الشَّعر، وسيأتي تفسيرُه للمصنِّ في الهبة.
وقوله: ((أبيعاً أم عطيّة؟)) منصوبٌ بفعلِ مُضمَرٍ، أي: أتجعلُه، ونحوُ ذلك، ويجوز الرفعُ،
أي: أهذا، وقد تقدَّم قريباً في ((باب بيعِ السِّلاح في الفتنة)(٣) ما يَتعلَّقُ بمُبَايَعة أهل الشِّرك.
(١) بل في الحج عند شرح الحديث (١٨١٥).
(٢) الباب رقم (٢٨).
(٣) باب رقم (٣٧).

٢٤٥
باب ١٠٠
كتاب البيوع
١٠٠ - باب شراء المملوك من الحربيّ وهبته وعتقه
وقال النبيُّ نَّه لسلمانَ: ((كاتِبْ))، وكان حُرّاً فظلموه وباعوه. وسُبِيَ عمَّارٌ وصُهَيبٌ وبلالٌ.
وقال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِ الرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآِى رِزْقِهِمْ
عَلَى مَا مَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
قوله: ((بابُ شِراءِ المملوكِ من الحَرْبِي وهِبَته وعِثْقِه)) قال ابن بطَّالٍ: غرضُ البخاري بهذه ٤١١/٤
الترجمة إثباتُ مِلْكِ الحَرْبي، وجوازٍ تصرُّفِه في مِلكِه بالبيع والهبة والعِتق وغيرها، إذ أقرّ
النبيِ وَ لّ سلمانَ عند مالكِهِ من الكفَّار، وأمَرَه أن يُكاتب، وقَبِلَ الخليلُ هدية الجبَّار، وغيرُ
ذلك ممّا تَضمَّنَه حديثُ الباب.
قوله: ((وقال النبي وَّ لسلمانَ)) أي: الفارسي ((كاتِب. وكان حُرّاً فظلموه، وباعوه)) هذا
طرفٌ من حديثٍ وَصَله أحمد (٢٣٧٣٧) والطبراني (٦٠٦٥) من طريق ابن إسحاقَ عن
عاصمٍ بن عمرَ عن محمود بن لَبيدٍ [عن ابن عباس] عن سلمانَ قال: كنت رجلاً فارسیّاً،
فذكر الحديثَ بطوله وفيه: ثمَّ مَرَّ بي نَفَرٌ من کَلْبٍ تجّارٌ فحَمَلوني معهم، حتَّى إذا قَدِموا بي
وادي القُرى، ظلموني فباعوني من رجلٍ يهودي، الحديثَ وفيه: / فقال رسولُ اللهِ وَالَت: ٤١٢/٤
((كاتِبْ يا سلمان)) قال: فكاتَبتُ صاحبي على ثلاثٍ مئة وَدِيَّةٍ، وأخرجه ابن حِبَّان(١)
والحاكمُ (٥٩٩/٤-٦٠٤) في ((صحيحيهما)) من وجهٍ آخرَ، عن زيد بن صُوْحانَ عن سلمانَ
نحوَه، وأخرجه أحمد (٢٢٩٩٧) وأبو يعلى (٢) والحاكمُ (١٦/٢) من حديث بُرَيدة بمعناه.
تنبيه: قوله: ((وكان حُرّاً فظلموه وباعوه)) من كلام البخاري لَخَّصَه من قِصَّته في
الحديث الذي عَلَّقَه، وظنَّ الکِرْماني أنَّه من كلام النبي ێ بعد قوله لسلمان: ((کاتبْ یا
(١) رواية ابن حبان (٧١٢٤) من طريق أبي قرة سلمة بن معاوية الكندي عن سلمان، وليس فيها قصة
المكاتبة، ولم نقف عليه في ((صحيحه)) من طريق زيد بن صوحان عن سلمان، ولم يذكر الحافظ هذه
الطريق من عند ابن حبان في («إتحاف المهرة)) (٥٩٥٥)، واقتصر على تخريجها من الحاكم، وكذلك فعل
صاحب ((نصب الراية)).
(٢) لم نقف عليه في ((مسنده)) المطبوع، وهو في ((مسنده الكبير))، فقد عَزَاه له أيضاً البُوصيري في («إتحاف
الخيرة» (٢٩٢٣)، وقال: رواه أبو بكر بن أبي شيبة وعنه أبو يعلى بسند صحيح.

٢٤٦
باب ١٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
سلمان)) فقال: قوله: وكان حُرّاً، حالٌ من قال النبي، لا من قوله: ((كاتِب))، ثمَّ قال: كيف
أمَرَه بالكتابة وهو حُرٌّ؟ وأُجيبَ: بأنَّه أراد بالكتابة صورتَها لا حقيقتَها، وكأنَّه أراد اقْدٍ
نفسَك وتَخَلَّص من الظُّلم، كذا قال. وعلى تسليم أنَّ قوله: وكان حُرّاً، من كلام النبي ◌ِّ،
لا يَتعيَّنُ منه حَملُ الكتابة على المجاز، لاحتمال أن يكونَ أراد بقوله: وكان حُرّاً، أي: قبلَ أن
يَخْرُجَ من بلدِه فيقعَ في أسر الذين ظلموه وباعوه.
ويُستَفادُ من هذا كلِّه تقريرُ أحكام المشركين على ما كانوا عليه قبلَ الإسلام، وقد قال
الطَّبري: إنَّما أقرَّ اليهوديَّ على تصرُّفِه في سلمانَ بالبيعِ ونحوِه لأنه لمَّا مَلَكَه لم يكن سلمانُ
على هذه الشَّريعة، وإنَّما كان قد تَنَصَر، وحُكمُ هذه الشَّريعة أنَّ من غَلَبَ من الكفَّار على
نفسٍ غيره أو ماله، ولم يكن المغلوبُ فيمن دَخَلَ في الإسلام، أنَّه يَدخُلُ في مِلْكِ الغالب.
قوله: ((وُبِيَ عَّارٌ وصُهَيبٌ وبلالٌ)) أمَّا قصَّةُ سبي عمَّارٍ، فما ظَهَرَ لي المرادُ منها، لأنَّ
عَّاراً كان عربياً عَنْسيّاً، بالنّون والمهمَلة، ما وقع عليه سبيٌّ، وإنَّما سَكَنَ أبوه ياسرٌ مكّةَ،
وحالَفَ بني تَخَزومٍ، فَزَوَّجوه سُميَّةَ، وهي من مَواليهم، فوَلَدَت له عمَّراً، فيُحتَمَلُ أن
يكونَ المشركونَ عامَلُوا عَّاراً مُعامَةَ السَّبي، لكون أُمِّه من مَواليهم فأدخَلوه في مَوَاليهم
لأن أمّه من موالیھم.
وأمَّا صُهَيبٌ، فذكر ابن سعدٍ: أنَّ أباه من النَّمِر بن قاسطٍ، وكان عاملاً لكِسرى،
فسَبَتِ الرّومُ صُهَيْباً لمَّا غَزَتْ أهلَ فارس، فابتاعه منهم عبدُ الله بنُ جُدعان، وقيل: بل
هَرَبَ من الرّومِ إلى مكّةَ، فحالَفَ ابن جُدعان، وستأتي الإشارةُ إلى قِصَّته في الكلام على
الحديث الثالث.
وأمَّا بلالٌ، فقال مُسدَّدٌ في («مُستَده)): حدَّثنا مُعتَمِرٌ عن أبيه عن نُعيمٍ بن أبي هِندٍ، قال:
کان بلاٌ لأيتام أبي جهل، فعَذَّبَه، فبَعَثَ أبو بكرٍ رجلاً، فقال: اشتر لي بلالاً، فأعتَقَه، وروى
عبدُ الرزاق (٢٠٤١٢) من طريق سعيد بن المسيّبِ، قال: قال أبو بكرٍ للعبَّاس: اشتر لي
بلالاً، فاشتراه، فأعتَقَه أبو بكرٍ، وفي ((المغازي)) لابن إسحاق: حدَّثني هشامُ بنُ عُرْوةً عن

٢٤٧
باب ١٠٠ / ح ٢٢١٧
كتاب البيوع
أبيه، قال: مَرَّ أبو بكرٍ بِأُميَّةَ بن خَلَفٍ وهو يُعذِّبُ بلالاً، فقال: ألا تَتَّقي الله في هذا
المسكينِ؟ قال: أنقِذْه أنتَ مَّا تَرى، فأعطاه أبو بكرٍ غُلاماً أجلَدَ منه، وأخذَ بلالاً فأعتَقَه.
ويُجمعُ بين القِصَّتَينِ: بأنَّ كلَّا من أُميَّةَ وأبي جهل كان يُعذِّبُ بلالاً، ولهما شَوبٌ فيه.
قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُتْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِّزْقِ ﴾ الآية)) موضعُ الترجمة
منه قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] فأثبَتَ لهم مِلكَ اليمين مع كون
مِلكِهِم غالباً كان على غير الأوضاع الشَّرعية.
وقال ابن المنيِر: مقصودُه صِحّةُ مِلكِ الحَرْبي ومِلكِ المسلمِ عنه، والمخاطَبُ في الآية
المشركون، والتوبيخُ الذي وقع لهم بالنِّسبة إلى ما عامَلوا به أصنامَهم من التعظيمِ، ولم
يُعاملوا رَبَّهم بذلك، وليس هذا من غرضٍ هذا الباب.
٢٢١٧ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((هاجَرَ إبراهيمُ عليه السلام بسارةَ، فَدَخَلَ بها قريةً فيها مَلِكٌ مِن
الملوكِ - أو جبَّارٌ مِن الجبابرةِ - فقيلَ: دَخَلَ إبراهيمُ بامرأةٍ هي من أحسنِ النِّساءِ، فأرسَلَ إليه:
أن يا إبراهيمُ مَن هذه الَّتي معكَ؟ قال: أُختي، ثمَّ رَجَعَ إليها، فقال: لا تُكذِّبي حديثي، فإنّي
أخبَرَتُهُم أنَّكِ أُختي، والله إنْ على الأرضِ مُؤمِنٌ غيري وغيرُكِ، فأرسَلَ بها إليه، فقامَ إليها،
فقامت تَوضَّأُ وتُصلِّى، فقالتِ: اللهمَّ إن كنتُ آمَنتُ بكَ وِرسولِكَ، وأحصَنتُ فَرجي إلا على
زوجي، فلا تُسلِّط عليَّ الكافرَ، فغُطَّ حتَّى رَكَضَ بِجْلِه)).
قال الأعرَجُ: قال أبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمن: إنَّ أبا هريرةَ قال: قالت: اللهمَّ إن يَمُت
يقال: هي قَتَلَته، فأُرسِلَ ثمَّ قامَ إليها، فقامت تَوضَّأُ وتُصلِّى، وتقولُ: اللهمَّ إن كنتُ آمَنتُ
بكَ وبِرسولِكَ، وأحصَنتُ فرجي إلا على زوجي، فلا تُسلِّط عليَّ هذا الكافرَ، فغُطَّ حتَّى
رَکَضَ برِجله.
قال عبدُ الرحمن: قال أبو سَلَمةَ: قال أبو هريرةَ: فقالت: اللهمَّ إن يَمُت فيقال: هي
فَتَلَتِهِ، فَأُرسِلَ في الثانيةِ - أو في الثالثةِ - فقال: والله ما أرسَلتُم إليَّ إلا شيطاناً ارجِعُوها إلى

٢٤٨
باب ١٠٠ / ح ٢٢١٨
فتح الباري بشرح البخاري
إبراهيمَ، وأعطوها آجَرَ، فَرَجَعَت إلى إبراهيم عليه السلام، فقالت: أَشَعَرتَ أنَّ اللهَ كَبَتَ
الكافرَ وأخدَمَ وَلِیدةً.
[أطرافه في: ٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠]
ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:
أحدها: حديثُ أبي هريرة في قصَّة إبراهيم عليه السلام وسارةً مع الجبّار، وفيه أنَّه
أعطاها هاجَر، ووقع هنا: ((آجَر ) بهمزةٍ بدلَ الهاء.
وقوله: ((كَبَتَ)) بفتح الكاف والموخَّدة، بعدَها مُثنَّةٌ، أي: أخزاه، وقيل: رَدَّه خائباً،
وقيل: أحزَنَه، وقيل: صَرَعَه، وقيل: صَرَفَه، وقيل: أذلَّه، حكاها كلَّها ابن التِّينِ، وقال: إنَّها
مُتقاربةٌ، وقيل: أصلُ كَبَتَ: كَبَدَ، أي: بَلَغَ الهَمُّ كَبِدَه، فأُبدِلَت الدّالُ مُثَّةً.
وقوله: «أخدمَ) أي: مَكَّنَ من الخدمة.
وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفَّى في أحاديث الأنبياءِ (٣٣٥٨)، وموضعُ الترجمة منه قولُ
الكافر: أعطوها هاجَرَ، وقَبُولُ سارةَ منه، وإمضاءُ إبراهيمَ عليه السلام ذلك، ففيه صِحّةٌ
هبة الكافر.
٢٢١٨ - حدَّثنَا قُتَيِيةُ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، أنَّها قالت: اختَصَمَ سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ وعبدُ بنُ زَمْعةَ في غُلامِ، فقال سعدٌ: هذا يا
رسولَ الله ابنُ أخي عُثْبَةَ بنِ أبي وَقّاصٍ، عَهِدَ إليَّ أَنَّه ابنُه، انظُرُ إِلَى شَبَهِه، وقال عبدُ بنُ زَمْعةً:
هذا أخي يا رسولَ الله وُلِدَ على فِرَاش أبي من وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رسولُ اللهِ وَ إلى شَبَهِه، فرأَى
شَبَهاً بيِّناً بعُنْبةَ، فقال: ((هو لكَ يا عبدُ، الولدُ للفِراشِ وللعاهرِ الحجَرُ، واحتَجِبي منه يا سَوْدةٌ
بنتَ زَمْعةً)» فلم تَرَهِ سَوْدةُ قَطُ.
٤١٣/٤ ثانيها: حديثُ عائشةَ في قصَّة ابن وليدة زَمْعة،/ وقد تقدَّم قريباً (٢٠٥٣)، ويأتي
الكلامُ عليه في الباب المحال عليه ثَمّ، وموضعُ الترجمة منه: تقريرُ النبيِ نَّهِمِلكَ زَمْعَةً
للوليدة، وإجراءُ أحكام الرِّقُّ عليها.

٢٤٩
باب ١٠٠ / ح ٢٢١٩
كتاب البيوع
٢٢١٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدٍ، عن أبيه، قال
عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ ◌ّ لصُهَيبٍ: اتَّقِ الله، ولا تَدَّعِ إلى غيرِ أبِيكَ، فقال صُهَيبٌ: ما يَسُرُّني أنَّ
لي كذا وكذا وإنّ قلتُ ذلك، ولكنّي سُرِقتُ وأنا صبيٌّ.
ثالثها: حدیث صهيب.
قوله: ((عن سعدٍ)) أي: ابن إبراهيمَ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ.
قوله: ((قال عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ لصُهَيبٍ: اتَّقِ الله، ولا تَدَّع إلى غير أبيك)) كان صُهَيبٌ
يقول: إنَّه ابن سِنان بن مالكِ بن عبدِ عَمرِو بن عَقيلٍ، ويَسوقُ نَسَباً يَنْتَهي إلى النَّمِر بن
قاسطٍ، وأنَّ أُمَّه من بني تميمٍ، وكان لسانُه أعجميّاً لأنه رُبِ بين الرُّومِ، فغَلَبَ عليه لسائُهم.
وقد روى الحاكمُ (٣٩٨/٣) من طريق محمد بن عمرو بن عَلقَمةً عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطبٍ عن أبيه قال: قال عمرُ لصُهَيبٍ: ما وجدت عليك في الإسلام
إلَّا ثلاثةَ أشياء: اكتَنَيْتَ أبا يحيى، وأَنَّك لا تُسِكُ شيئاً، وتَدَّعِي إلى النَّمِر بن قاسطٍ.
فقال: أمَّ الكُنيةُ فإنَّ رسولَ الله ◌َّهَ كَنّاني، وأمَّا النَّفَقةُ، فإنَّ الله يقول: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن
شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وأمَّا النَّسَبُ، فلو كنت من رَوْثَةٍ لانتَسَبت إليها، ولكن
كان العربُ يَسْبي بعضُهم بعضاً، فسَبَاني ناسٌٌ بعد أن عَرَفْتُ مولدي وأهلي، فباعوني
فأخذتُ بلسانهم يعني: لسانَ الرُّوم.
ورواه الحاكمُ (٢٧٨/٤) أيضاً وأحمد (٢٣٩٢٦) وأبو يعلى (١) وابن سعدٍ (٢٢٦/٣ -
٢٢٧) والطبراني (٧٣١٠) من طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيلٍ عن حمزةَ بن صُهَيبٍ عن
أبيه: أنَّه كان يُكَنّى أبا يحيى، ويقول: إنَّه من العرب، ويُطعِمُ الكثير، فقال له عمر، فقال:
إِنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ كَنّاني، وإنّ رجلٌ من النَّمِر بن قاسطٍ من أهل الموصِلِ، ولكن سَبَتْني
الرّومُ غُلاماً صغيراً بعد أن عَقَلْتُ قومي وعَرَفتُ نَسَبي، وأمَّا الطَّعامُ فإنَّ رسولَ الله وَه
قال: ((خِيارُكم من أطعَمَ الطَّعامَ)).
(١) في ((مسنده الكبير)) كما في («إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٤٨٠٣).

٢٥٠
باب ١٠٠-١٠١ / ح ٢٢٢٠ -٢٢٢١
فتح الباري بشرح البخاري
ورواه الطبراني (٧٢٩٧) من طريق زيد بن أسلمَ عن أبيه، قال: خرجت مع عمرَ حتَّى
دَخَلْنا على صُهَيبٍ، فلمَّا رآه صُهَيبٌ، قال: يا ناسُ يا ناسُ، فقال عمرُ: ما له يدعو الناسَ؟
فقيل: إنَّما يَدعو غُلامَه يُحِنِّسَ، فقال: يا صُهَيبُ، ما فيك شيءٌ أَعيِبُهُ إلَّا ثلاث خصالٍ، فذكر
نحوَه، وقال فيه: وأما انتِسابي إلى العربِ، فإنَّ الرُّومَ سَبَتْني وأنا صغيرٌ، وإنّ لَأذكُ (١) أهلَ
بيتي، ولو أنّ انفَلَقتُ عن رَوْثةٍ لانتَسَبت إليها.
فهذه طرقٌ يَقْوى بعضُها ببعضٍ، فلعلَّ اتَّفَقَت له هذه المراجَعةُ بينه وبين عمرَ مرَّةً،
وبينه وبين عبد الرحمن بن عَوْفٍ أُخرى، ويدلُّ عليه اختلافُ السِّياق.
٢٢٢٠ - حذَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ
حَكِيمَ بنَ حِزَامِ أخبَرَه، أنَّه قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ أُموراً كنتُ أتحنَّثُ - أو أتحنَّتُ - بها في
الجاهليَّةِ من صِلةٍ وعَتاقةٍ وصدقةٍ، هل لي فيها أجرٌ؟ قال حَكِيمٌ ﴾: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ:
((أسلَمتَ على ما سَلَفَ من خيرٍ)).
رابعها: حديثُ حَكِيمٍ بن حِزَامٍ: أنَّه قال: يا رسولَ الله، أرأيت أُموراً كنت أتحنَّثُ بها،
الحديث، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في الزكاة (١٤٣٦)، وموضعُ الترجمة منه: ما تَضمَّنَه
الحديثُ من وقوع الصَّدَقة والعَتاقة من المشرك، فإنَّه يَتَضمَّنُ صِحّةَ مِلكِ المشرك، إذ صِحّةُ
العِتق مُتَوَقِّفةٌ على صِحّة المِلك، وسيأتي الكلامُ على قوله: أتحنَّث، هل هو بالمثلََّة أو المثنَّة
في كتاب الأدَبِ (٥٩٩٢)، وذكر الكِرْماني: أنَّه رُويَ هنا: أحبَّبُ، بمُوخَّدتَينِ، وكان الأولى
أن يَنسُبَها لقائلها.
١٠١ - باب جلود الميتة قبل أن تُدبَغ
٢٢٢١ - حدَّثنا زهيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالح، قال:
حذَّثني ابنُ شِهابٍ، أنَّ ◌ُبيد الله بنَ عبد الله أخبَرَه، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما
(١) تحرفت في مطبوع الطبراني إلى: لا أذكر، بالنفي.

٢٥١
باب ١٠٢ / ح ٢٢٢٢
كتاب البيوع
أخبره: أنَّ رسولَ اللهَ وَلِّ مَرَّ بشاةٍ مِيِّئَةٍ، فقال: ((هلَّ استَمتَعْتُم بإهابها؟)) قالوا: إنَّها ميِّئَةٌ؟ قال:
((إنَّما حُرِّمَ أكلُها)).
قوله: ((بابُ جلود المَيتةِ قبلَ أن تُدبَغَ)) أي: هل يَصِحُّ بيعُها أم لا؟ أورَدَ فیه حدیثَ ابن
عبَّاسٍ في شاة ميمونة، وكأنَّه أخذَ جوازَ البيع من جواز الاستمتاع، لأنَّ كلَّ ما يُنتَفَعُ به
يَصِحُّ بيعُهُ، وما لا فلا. وبهذا يُجابُ عن اعتراض الإسماعيلي: بأنَّه ليس في الخبر الذي أورَدَه
تَعرُّضُ للبيع، والانتفاع بجلود الميتة مُطلَقاً قبلَ الدِّباغ وبعدَه مشهورٌ من مذهبِ الزُّهْري،
وكأنَّه اختيارُ البخاري، وحُجَّتُه: مفهومُ قوله ◌ِهِ: ((إنَّما حَرُمَ أكلُها)) فإنَّه يدلُّ على أنَّ كلَّ ما
عَدَا أكلها مُباحٌ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفَى في كتاب الذَّبائح (٥٥٣١) إن شاء الله تعالى.
٤١٤/٤
١٠٢ - باب قتل الخنزير
وقال جابر: حَرَّمَ النبيُّ ٹّ بِعَ الخنزِیر.
٢٢٢٢- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، أنَّه
سمعَ أبا هريرةَ ◌ُّ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِه، لَيُوشِكَنَّ أَن يَنْزِلَ فيكُمُ
ابنُ مريمَ حَكَاً مُقسِطاً، فيَكِرَ الصَّلِيِبَ، ويَقتُلَ الْخِزِيرَ، ويَضَعَ الجِزِيةَ، ويَفِيضُ المالُ حتَّى
لا يقبله أحدٌ».
[أطرافه في: ٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩]
قوله: ((بابُ قتلِ الخِنزيِ)) أي: هل يُشرَعُ كما شُرِعَ تحریمُ أكلِه؟ ووجه دخوله في أبواب
البيع: الإشارةُ إلى أنَّ ما أُمِرَ بقتله لا يجوزُ بيعُه، قال ابن التِّينِ: شَذَّ بعضُ الشافعية، فقال:
لا يُقْتَلُ الخنزيرُ إذا لم يكن فيه ضَراوةٌ. قال: والجمهورُ على جواز قتله مُطلَقاً.
والخِنزيرُ: بوزن غِربيبٍ، ونونُه أصليةٌ، وقيل: زائدةٌ، وهو مُختارُ الجَوهَري.
قوله: ((وقال جابرٌ: حَرَّمَ النبي ◌َِّبِيعَ الِخِنزيرِ)) هذا طرفٌ من حديثٍ وَصَله المؤلِّفُ كما
سيأتي بعد تسعة أبوابٍ (٢٢٣٦)، ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب حديث أبي هريرة في نزول
عيسى ابن مريمَ، فيَكسِرُ الصَّلِيبَ ويَقتُلُ الخنزير، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفّى في أحاديث
الأنبياءِ (٣٤٤٨).

٢٥٢
باب ١٠٣ / ح ٢٢٢٣ -٢٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
وموضعُ الترجمة منه قوله: ((ويَقتُلُ الْخِزِيرَ)) أي: يأمرُ بإعدامه مُبالَغةً في تحريمِ أكلِهِ.
وفيه توبيخٌ عظيمٌ للنَّصارى الذين يَدَّعونَ أنَّهم على طريقة عيسى، ثمَّ يَستَحِلّونَ أكلَ
الخنزير، ويبالغونَ في محبَّته.
١٠٣ - بابٌ لا يُذاب شحم الميتة ولا يباع ودَکه
رواه جابرٌ ﴾ عن النبيِّ أَێّ.
٢٢٢٣ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِینارٍ، قال: أخبرني طاووسِ،
أنَّه سمعَ ابنَ عبّاسٍ رضي الله عنهما يقول: بَلَغَ عُمرَ بنَ الخطابِ أنَّ فلاناً باعَ خمراً، فقال: قاتَلَ
اللهُ فلاناً، ألم يعلمْ أنَّ رسولَ الله وَّم قال: «قاتَلَ اللهُ اليهودَ، خُرِّمَت عليهم الشُّحومُ، فجَمَلُوها
فباعُوها).
[طرفه في: ٣٤٦٠]
٢٢٢٤ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، سمعتُ سعيدَ بنَ
المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ◌َُه، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((قاتَلَ الله يهوداً، حُرِّمَت عليهم الشُّحومُ،
فباعُوها وأكَلُوا أثمانَها)).
[طرفه في: ٣٤٦٠]
قوله: («بابٌ لا يُذابُ شَحمُ الميتة، ولا يُباعُ وَدَكُه. رواه جابرٌ عن النبي ◌َّ)) أي: روى معناه.
وسيأتي شرحُ ذلك في ((باب بيعِ الميتة والأصنام)) (٢٢٣٦).
قوله: (بَلَغَ عمرَ بنَ الخطّابِ أنَّ فلاناً باع خمراً» في رواية مسلم (١٥٨٢) وابن ماجَهْ
(٣٣٨٣) عن أبي بكر بن أبي شَيْبةً عن سفيانَ بن عُيَينَةَ، بهذا الإسناد: أنَّ سَمُرَ باع خمراً
فقال: قاتَلَ الله سَمُرةَ، زاد البيهقي (٦/ ١٢) من طريق الَّعفَراني عن سفيانَ: عن سَمُرةَ
ابن جُندُب(١) .
(١) أراد أن سمرة الذي وقع تعيينه في رواية الزعفراني: هو ابن جُندب الصحابي، حتى لا يذهب الوهمُ
إلى غيره.

٢٥٣
باب ١٠٣ / ح ٢٢٢٣ -٢٢٢٤
كتاب البيوع
قال ابن الجَوْزي والقُرطُبي وغيرُهما (١): اختُلِفَ في كيفية بيع سَمُرةً للخمر على ثلاثة
أقوالٍ:
أحدُها: أنَّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجِزية، فباعها منهم مُعتَقِداً جوازَ ذلك، ٤١٥/٤
وهذا حكاه ابن الجَوْزي عن ابن ناصرٍ، وَرَجَّحَه(٢)، وقال: كان ينبغي له أن يوَلِيهم بيعَها،
فلا يَدخُلَ في مَحَظورٍ، وإن أخذَ أثمانَها منهم بعد ذلك، لأنه لم يَتَعاطَ مُحرَّماً، ويكون شَبيهاً
بقصَّة بَرِيرةَ، حيثُ قال: ((هو عليها صدقةٌ، ولنا هَدِيَّة))(٣).
والثاني: أن يكونَ(٤) باع العَصِيرَ مَمَّن يَتَّخِذُه خمراً، والعَصيرُ يُسمَّى خمراً كما قد يُسمَّى
العنبُ به، لأنه يؤول إليه. قاله الخطَّابي، قال: ولا يُظَنُّ بسَمُرةَ أنَّه باع عَين الخمر بعد أن
شاع تحريمُها، وإنَّما باع العَصير.
والثالثُ: أن يكونَ خَلَّلَ الخمرَ وباعها، وكان عمرُ يَعْتَقِدُ أنَّ ذلك لا يُحِلُّها (٥) كما هو
قولُ أكثر العلماء، واعتَقَدَ سَمُرةُ الجوازَ كما تأوَّله غيرُه: أنَّه يَحِلُّ التخليل، ولا ينحصرُ الحِلُّ
في تخليلها بنفسها، قال القُرطُبي - تَبَعاً لابن الجَوْزي -: والأشبَه الأوَّل.
قلتُ: ولا يَتعيَّنُ على الوجه الأوَّل أخذها عن الجِزية، بل يحتملُ أن تكون حَصَلَت له
عن غَنيمةٍ أو غيرها، وقد أبدى الإسماعيلي في (المدخَل)) فيه احتمالاً آخر، وهو أنَّ سَمُرةَ
عَلِمَ تحريمَ الخمر، ولم يعلم تحريمَ بيعها، ولذلك اقتَصَرَ عمرُ على ذمِّه دونَ عقوبَته، وهذا
هو الظَّنُّ به، ولم أرَ في شيءٍ من الأخبار أنَّ سَمُرةَ كان والياً لعمرَ على شيءٍ من أعماله، إلَّا أنَّ
ابن الجَوْزي أطلقَ أنَّه كان والياً على البصرة لعمرَ بن الخطّاب، وهو وهمٌّ فإنَّمَا وَلِيَ سَمُرةَ
(١) وقع في الأصلين: قال القرطبي وغيره، بإسقاط ابن الجوزي، والمثبت على الصواب من (س)، لأن
المنقول موافق لما قاله ابن الجوزي في ((كشف المشكل من حديث الصحیحین)).
(٢) ونقله أبو عوانة أيضاً عن جعفر بن محمد الفريابي بإثر الحديث (٥٣٥٨) من ((مسنده).
(٣) تقدم برقم (١٤٩٥).
(٤) زاد في (س): قال الخطابي: يجوز أن يكون ... ، ولا داعي لذكرها، لأنه سيذكر الخطابي بعد قليل.
(٥) لما رواه ابن أبي شيبة ١٤/٨ وغيره عن أسلم مولى عمر، قال: قال عمر: لا بأس بخلِّ وجدتَه مع أهل
الكتاب، ما لم تعلم أنهم تعمّدوا فسادَها بعدما صارت خمراً.

٢٥٤
باب ١٠٣ / ح ٢٢٢٣ -٢٢٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
على البصرة لزيادٍ(١) وابنِهِ عُبيد الله بن زيادٍ بعد عمرَ بدَهرٍ، ووُلاةُ البصرة لعمرَ قد ضُبِطوا
وليس منهم سَمُرة، ويحتملُ أن يكونَ بعضُ أُمَرائها استَعمَلَ سَمُرةَ على قَبضِ الجِزية.
قوله: ((حُرِّمَت عليهم الشُّحوم)) أي: أكلُها، وإلَّا فلو حُرِّمَ عليهم بيعُها، لم يكن لهم
حِيلٌ فيما صَنَعوه من إذابتِها.
قوله: ((فَجَمَلوها)) بفتح الجيمِ والميمِ، أي: أذابوها، يقال: جمله إذا أذابَه، والجميلُ:
الشَّحمُ المذاب، ووجه تشبيه عمرَ بيعَ المسلمين الخمرَ ببيعِ اليهود المذابَ من الشَّحمِ:
الاشتراكُ في النَّهي عن تناول كلٍّ منهما، لكن ليس كلُّ ما حَرُم تَناوُلُهُ حَرُم بيعُه كالحُمُر
الأهلية وسِباع الطَّير، فالظّاهرُ أنَّ اشتراكَهما في كون كلٍّ منهما صار بالنَّهي عن تَناوُلِه
نَجساً، هكذا حكاه ابن بطَّالٍ عن الطَّبري، وأقرَّه. وليس بواضح، بل كلُّ ما حَرُم تَناؤُلُه
حَرُم بيعُه، وتَناوُلُ الْحُمُر والسِّباع وغيرهما ممّا حَرُم أكلُهُ إِنَّما يَتَآتَى بعد ذَبحِه، وهو بالذَّبح
يصيرُ مَيتَةً، لأنه لا ذَكاةَ له، وإذا صار مَيتَةً صار نَجساً، ولم يَجُز بيعُه. فالإيرادُ في الأصل
غيرُ واردٍ، هذا قولُ الجمهور، وإن خالَفَ في بعضِه بعضُ الناس.
وأمّا قولُ بعضِهم: الابن إذا ورِثَ جاريةَ أبيه، حَرُمَ عليه وطؤُها وجازَ له بيعُها وأكلُ
ثمنها، فأجاب عياضٌ عنه: بأنَّه تمويهٌ، لأنه لم يَحُرُم عليه الانتفاعُ بها مُطلَقاً، وإنَّمَا حَرُمَ عليه
الاستمتاعُ بها لأمرٍ خارجيٍّ، والانتفاعُ بها لغيره في الاستمتاع وغيرِهِ حلالٌ إذا مَلَكَها،
بخلاف الشُّحوم، فإنَّ المقصودَ منها - وهو الأكلُ - كان مُحرَّماً على اليهود في كلِّ حالٍ
وعلى كلِّ شخصٍ، فافتَرَقا.
وفي الحديث لَعنُ العاصي المعَيَّن، ولكن يُحْتَملُ أن يقال: إنَّ قولَ عمر: قاتَلَ الله سَمُرةَ،
لم يُرِد به ظاهرَه، بل هي كلمةٌ تقولها العربُ عند إرادة الزَّجْر، فقالها في حقِّه تَغليظاً عليه.
وفيه إقالةُ ذَوِي الهيئات زَلَّاتِهِم، لأَنَّ عمرَ اكتَفى بتلك الكلمة عن مَزِيد عقوبةٍ ونحوها.
وفيه إبطالُ الخِيَل والوسائل إلى المحرَّم.
-
(١) يعني: زياد بن أبي سفيان، المعروف بزياد ابن أبيه.

٢٥٥
باب ١٠٣ / ح ٢٢٢٣ -٢٢٢٤
كتاب البيوع
وفيه تحريمُ بيع الخمر، وقد نقل ابن المنذر وغيرُه في ذلك الإجماع، وشَذَّ من قال: يجوزُ
بيعُها، ويجوزُ بيعُ العُنقود المستحيل باطنُه خمراً، واختُلِفَ في ◌ِلّة ذلك، فقيل: لنَجاسَتها،
وقيل: لأنه ليس فيها منفعةٌ مُباحةٌ مقصودةٌ، وقيل: للمُبالَغة في التنفير عنها. وفيه أنَّ
الشيءَ إذا حَرُمَ عَيْنُهُ حَرُمَ ثمنُه. وفيه دليلٌ على أنَّ بيعَ المسلمِ الخمرَ من الذِّمّي لا يجوز،
وكذا توكيلُ المسلمِ الذِّمّي في بيع الخمر، وأمَّا تحريمُ بيعها على أهل الذِّمّة، فمَبني على
الخلاف في خطاب الكافر بالفروع. وفيه استعمالُ القياس في الأشباه والنَّظائر، واستُدِلَّ به
على تحريمٍ بيعِ جُثّة الكافر إذا قَتَلناه وأراد الكافرُ شِراءَه، وعلى منع بيع كلُّ مُحرَّمِ نَجسٍ ولو
كان فيه منفعةٌ كالسِّرْقِين، / وأجازَ ذلك الكوفيون، وذهب بعضُ المالكية إلى جواز ذلك ٤١٦/٤
للمُشتَري دون البائع لاحتیاج المشتري دونه، وسيأتي في ((باب بیع الميتة)) من حديث جابر
(٢٢٣٦) بيانُ الوقتِ الذي قال فيه النبيِ وَّ هذه المقالة، وفيه البحثُ في الانتفاع بشَحمِ
الميتة وإن حَرُمَ بيعُها، وما يُستَثنى من تحريمٍ بيع الميتة إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أخبرنا عبدُ الله)) هو ابن المبارك، ويونسُ: هو ابن يزيدَ.
قوله: ((قاتَلَ الله يهوداً)) كذا بالتنوين، على إرادة البَطْنِ، وفي روايةٍ بغير تنوينٍ، على
إرادة القبيلة.
وقد ذكر المصنِّفُ في رواية المُستَمْلي في آخر الباب أنَّ معناه: لَعَنَهم، واستَشهَدَ بأنَّ
قوله تعالى: ﴿قُئِلَ الْخَرَّصُونَ﴾ معناه: لُعِنَ، وهو تفسيرُ ابن عبّاسٍ في ﴿قُلَ﴾، وقوله:
(﴿اَلْخَصُونَ﴾: الكذّابونَ)) هو تفسيرُ مجاهدٍ، رواهما الطَّبري في «تفسيره)) (١٩٢/٢٦)
عنهما. وقال الهَرَوي: معنى قاتَلهم: قَتَلهم، قال: و((فاعَلَ)) أصلُها أن يقعَ الفعلُ بين اثنين،
وربَّما جاء من واحدٍ، كسافَرتُ وطارَقْتُ النَّعل، وقال غيرُه: معنى قاتَلهم: عاداهم، وقال
الدَّاوودي: من صار عدوّاً لله وَجَبَ قتلُه.
وقال البيضاوي: قاتَلَ، أي: عادى، أو قَتَل، وأُخرِجَ في صورة المبالَغة، أو عُبِّرَ عنه
بما هو مُسبَّبٌ عنهم، فإنَّهم بما اختَرَعوا من الحيلة، انتَصَبوا لمحاربة الله، ومن حاربَه
حُرِبَ ومن قاتَلَه قُتِلَ.

٢٥٦
باب ١٠٤ / ح ٢٢٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
١٠٤ - باب بيع التّصاوير التي ليس فيها روحٌ وما یکره من ذلك
٢٢٢٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبد الوهَّاب، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، أخبرنا عَوْفٌ، عن سعيد
ابن أبي الحسنِ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما إذ أتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبَّاسٍ، إنّي
إنسانٌ إِنَّا مَعِيشَتي من صَنعةِ يَدِي، وإنّ أصنَعُ هذه التَّصاوِيرَ، فقال ابنُ عبَّاسِ: لا أُحَدِّئُكَ إلا
ما سمعتُ من رسول الله وَّةِ، سمعتُهُ يقول: ((مَن صَوَّرَ صورةً، فإنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حتَّى يَنفُخَ فيها
الرّوحَ، وليس بنافخ فيها أبداً) فَرَبَا الرجلُ رُبْوةً شديدةً، واصفرَّ وجهُه، فقال: وَيُحَكَ إن أَبِيتَ
إلا أن تَصنَعَ، فعليك بهذا الشَّجَرِ كلِّ شيءٍ لیس فيه روحٌ.
قال أبو عبد الله: سمعَ سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ مِن النَّضرِ بنِ أنسٍ هذا الواحدَ.
[طرفاه في: ٥٩٦٣، ٧٠٤٢]
قوله: ((بابُ بيعِ التَّصاوير التي ليس فيها روحٌ، وما يُكرَه من ذلك)) أي: من الاتِّاذِ، أو
البيعِ أو الصَّنْعة، أو ما هو أعمُّ من ذلك، والمرادُ بالتصاوير: الأشياءُ التي تُصَوَّر.
ثمَّ ذكر المؤلِّفُ رحمه الله حديثَ ابن عبّاسٍ مرفوعاً: ((من صَوَّرَ صورةً، فإنَّ الله مُعَذِّبُه))
الحديث، ووجه الاستدلال به على كراهية البيع وغيره واضحٌ.
وسعيدُ بنُ أبي الحسن راويه عن ابن عبّاسٍ: هو أخو الحسن البصري، وهو أسَنُّ منه،
ومات قبله، وليس له في البخاري موصولاً سوى هذا الحديث، وسيأتي الكلامُ عليه
مُستوفّى في كتاب اللِّباس (٥٩٦٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فَرَبا الرجل)) بالراءِ والموخَّدة، أي: انتَفَخ، قال الخليلُ: رَبا الرجلُ: أصابَه نَفَسُ
في جَوفِهِ، وهو الرَّبْوُ والرّبْوةُ، وقيل: معناه: ذُعِرَ وامتَلَأ خوفاً.
وقوله: (رُبْوَةً)) بضمِّ الراءِ وبفتحها.
قوله: ((فعليك بهذا الشَّجَر كلِّ شيءٍ ليس فيه روحٌ)) كذا في الأصل بخَفضِ ((كلّ)) على أنَّه
بَدَلُ كلِّ من بعضٍ، وقد جَوَّزَه بعضُ النُّحاة. ويُحْتَمِلُ أن يكونَ على حذفِ مُضافٍ، أي:
عليك بمثل الشَّجَر، أو على حذفٍ واوِ العطفِ، أي: وكلِّ شيءٍ، ومثلُه: قولهم في:

٢٥٧
باب ١٠٥ / ح ٢٢٢٦
كتاب البيوع
((التحياتُ الصَّلَواتُ)) إذ المعنى: والصَّلَوات،/ وبهذا الأخير جَزَمَ الحُميدي في ((جمْعِه))، ٤١٧/٤
وكذا ثبت في رواية مسلم (٩٩/٢١١٠) والإسماعيلي بلفظ: فاصنَع الشَّجَرَ، وما لا نفْسَ
له، ولأبي نُعيم من طريق هَوْذةَ عن عَوْفٍ: فعليك بهذا الشَّجَر وكلِّ شيءٍ ليس فيه روحٌ،
بإثبات واو العطف.
وقال الطِّيبي: قوله: (كلِّ شيءٍ)) هو بيانٌ للشَّجَر، لأنه لمَّا مَنَعَه عن التصوير، وأرشَدَه
إلى الشَّجَر كان غيرَ وافٍ بمقصودِهِ، ولأنَّه قَصَدَ كلَّ ما لا رُوحَ فيه، ولم يَقصِد خصوصَ
الشَّجَر، وقوله: (كلِّ)) هو بالخفضِ، ويجوزُ النَّصب.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
قوله: ((سمع سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ من النَّضر بنِ أنسِ هذا الواحدَ)) أي: الحديث، سَقَطَت
هذه الزّيادةُ من رواية النَّسَفي هنا، وأشار بذلك إلى ما أخرجه في اللِّباس (٥٩٦٣) من
طريق عبد الأعلى عن سعيدٍ عن النَّضر عن ابن عبّاسٍ، بمعناه، وسأذكر ما بين الروايَتَين
من التغاير هناك إن شاء الله تعالى.
ثمَّ وجدت في نُسخة الصَّغاني قبلَ قوله: سمع سعيدٌ، ما نَصُّه: قال أبو عبد الله: وعن
محمدٍ عن عبدةَ عن سعيد بن أبي عروبةَ سمعت النَّضرَ بنَ أنسٍ قال: كنت عند ابن عبّاسٍ،
بهذا الحديث وبعدَه: قال أبو عبد الله: سمع سعيدٌ ... إلى آخره، فزالَ الإشكالُ بهذا. ولم
أجِد هذا في شيءٍ من نُسَخ البخاري إلَّا في نُسخة الصَّغاني، ومحمدٌ المذكورُ: هو ابن سلامِ،
وعبدةُ: هو ابن سليمانَ.
١٠٥ - باب تحريم التّجارة في الخمر
وقال جابرٌ رَّ: حَرَّمَ النبيُّ وَّ بيعَ الخمر.
٢٢٢٦ - حدَّثنا مُسلِمٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن
عائشةَ رضي الله عنها: لمَّا نزلت آياتُ سورةِ البقرةِ من آخرِها خَرَجَ النبيُّ ◌َِّ، فقال: ((حُرِّمَتِ
التِّجارةُ في الخمرِ)).

٢٥٨
باب ١٠٦ / ح ٢٢٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب تحريم التِّجارة في الخمرِ)) تقدَّم نظيرُ هذه الترجمة في أبواب المساجد، لكن
بقَيد المسجد، وهذه أعمُّ من تلك.
قوله: ((وقال جابرٌ: حَرَّمَ النبي ◌َّ بيع الخمرَ)) سيأتي موصولاً بعد ستّة أبوابٍ (٢٢٣٦)،
ونذكر تحريرَ المسألة هناك إن شاء الله تعالى.
ثمَّ أورَدَ حديثَ عائشةَ بلفظ: ((حُرِّمَت التِّجارةُ في الخمر))، وقد تقدَّم في ((باب أكل
الرِّبا)) (٢٠٨٤) من هذا الوجه أتمَّ سياقاً، ولأحمد (١٧٩٩٥) والطبراني (١٢٧٥) من
حديث تميمٍ الدّاري(١) مرفوعاً: ((إنَّ الخمرَ حرامٌ، شِراؤُها وثمنُها)).
١٠٦ - بابُ إثم من باع حرّاً
٢٢٢٧ - حذَّثنا بشرُ بنُ مَرْحوم، حدَّثنا يحيى بنُ سُلَيمٍ، عن إسماعيلَ بنِ أَميَّةَ، عن سعيد
ابنِ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ ◌َُ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «قال الله: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهم يومَ
القيامةِ: رجلٌ أعطَى بي ثمَّ غَدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرّاً فأكَلَ ثمنَه، ورجلٌ استأجَرَ أجِيراً فاستَوَى
منه ولم يُعْطِه أجره».
[طرفه في: ٢٢٧٠]
قوله: ((بابُ إثم من باعِ حُرّا)) أي: عالماً مُتَعَمِّداً، والحُرُّ: الظّاهرُ أنَّ المراد به من بني آدم،
ويحتملُ أن يكونَ أَعَمَّ من ذلك، فيَدخُلُ مثلُ الموقوف.
قوله: ((حدَّثنا بِشرُ بنُ مَرْحوم)) هو بشرُ بنُ(٢) عُبَيَسٍ - بمُهمَلة ثمَّ موخَّدةٍ مُصغَّراً - بنُ
مَرْحومِ بن عبد العزيزِ بن مِهِرانَ العَطّارُ، فنُسِبَ إلى جَدِّه، وهو شيخٌ بصري ما أخرج عنه
من السِّة إلَّا البخاري، وقد أخرج حديثَه هذا في الإجارة (٢٢٧٠) عن شيخٍ آخرَ وافق
بشراً في روايته له عن شیخهما.
(١) جاء هذا الحديث عند الطبراني من رواية عبد الرحمن بن غَنْم عن تميم الداري، وأما عند أحمد فمن
رواية عبد الرحمن بن غَنْم، لم يجاوزه، أن تميماً الداري ... وابن غَنْم مختلف في صحبته، والإسناد إليه
ضعيف على كل حال. ويغني عنه حديث الباب.
(٢) أُقحم هنا في الأصلين بين بشر وبين عُبيس رجل، رُسم في (أ): مصر، وفي (ع): نصر، وليس بشيء، فلم
یذكره أحدٌ ممن ترجم له.

٢٥٩
باب ١٠٦ / ح ٢٢٢٧
كتاب البيوع
قوله: ((حدَّثنا يحيى بنُ سُلَيم)) بالتصغير: هو الطائفي نَزِيلُ مكّةَ، مُتَلَفٌ في توثيقِه،
وليس له في البخاري موصولاً سوى هذا الحديث، وذكره في الإجارة (٢٢٧٠) من وجهٍ
آخرَ عنه، / والتحقيقُ أنَّ الكلامَ فيه إنَّما وقع في روايته عن عُبيد الله بن عمرَ خاصّةً، وهذا ٤١٨/٤
الحديثُ من غير روايته، واتَّفَقَ الرُّواةُ عن يحيى بن سُلَيمٍ على أنَّ الحديثَ من رواية سعيدٍ
المقبُري عن أبي هريرة، وخالَفَهم أبو جعفرِ النَّفَيلي، فقال: عن سعيدٍ عن أبيه عن أبي هريرة.
قاله البيهقي (١٤/٦)، والمحفوظُ قولُ الجماعة.
قوله: ((ثلاثةٌ أنا خَصمُهم)) زاد ابن خُزَيمة وابن حِبَّان (٧٣٣٩) والإسماعيلي(١) في هذا
الحديث: ((ومن كنتُ خَصمَه خَصَمْتُه)) قال ابن التِّينِ: هو سبحانه وتعالى خَصمٌ لجميعِ
الظّالمين، إلَّا أنَّه أراد التشديدَ على هؤلاءِ بالتصريح، والخَصمُ يُطلَقُ على الواحد، وعلى
الاثنين وعلى أكثرَ من ذلك، وقال الهَرَوي: الواحدُ بكسر أوَّله، وقال الفَرّاءُ: الأوَّلُ قولُ
الفُصَحاء، ويجوزُ في الاثنَين خَصمان، وفي الثلاثة خصومٌ.
قوله: ((أعطى بي ثمَّ غَدَرَ)) كذا للجميع على حذفِ المفعول والتقديرُ: أعطى يمينَه بي،
أي: عاهَدَ عهداً، وحَلَفَ عليه بالله، ثمَّ نَقَضَه.
قوله: ((باع حُرّاً فأكَلَ ثمنَه)) خَصَّ الأكلَ بالذِّكر، لأنه أعظَمُ مقصودٍ، ووقع عند أبي
داود (٥٩٣) من حديث عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعاً: («ثلاثةٌ لا تُقبَلُ منهم صلاةٌ)) فذكر
فيهم: ((ورجلٌ اعتَبَدَ مُحزَّراً))، وهذا أعمُّ من الأوَّل في الفعل وأخَصُّ منه في المفعول به، قال
الخطَّبي: اعتبادُ الحُرِّ يقعُ بأمرَينِ: أن يُعْتِقَه ثمَّ يَكثُمَ ذلك أو يَجِحَد، والثاني: أن يَستَخدِمَه
كَرْهاً بعد العِتق، والأوَّلُ أشدُّهما.
قلت: وحديثُ الباب أشدُّ، لأنَّ فيه مع كَثْم العِتق أو جَحدِه العمل بمقتضى ذلك من
البيعِ وأكل الثَّمَن، فمِن ثَمَّ كان الوعيدُ عليه أشدّ.
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد)) (٨٦٩٢)، و((سنن ابن ماجه)) (٢٤٤٢).
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمر. والحديث عند ابن ماجه أيضاً (٩٧٠).

٢٦٠
باب ١٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال المهلَّبُ: وإنَّما كان إثمُه شديداً، لأنَّ المسلمين أكْفَاءٌ في الحُرّية، فمن باع حُرّاً فقد
مَنَعَه التصرُّفَ فيما أباحَ الله له، وألزَمَه الذُّلَّ الذي أنقذَه الله منه.
وقال ابن الجَوْزي: الحُرُّ عبدُ الله، فمن جَنى عليه فخَصمُهُ سَيِّدُه.
وقال ابن المنذر: لم يختلفوا في أنَّ من باع حُرّاً أنَّه لا قطعَ عليه، يعني: إذا لم يَسِرِقه من
حِرِزِ مثله، إلَّا ما يُروى عن عليّ: تُقْطَعُ يَدُ من باع حُرّاً(١). قال: وكان في جواز بيعِ الحُرِّ
خلافٌ قديمٌ ثمَّ ارتَفَع، فُرُوي عن عليّ، قال: من أقرَّ على نفسِه بأنَّه عبدٌ فهو عبدٌ(٢).
قلتُ: يُحْتَملُ أن يكونَ مَحَلُّه فيمن لم تُعلَم حُرّيتُه، لكن روى ابن أبي شَيْبةَ(٣) من طريق
قَتَادَةَ: أَنَّ رجلاً باع نفسَه، فقضى عمرُ بأنَّه عبدٌ، وجعل ثمنَه في سبيل الله، ومن طريق
زُرارةَ بن أوفى أحدُ التابعين: أنَّه باع حُرّاً في دَينٍ(٤). ونقل ابن حَزْمٍ(٥): أنَّ الْحُرَّ كان يُباعُ
في الدَّين حتَّى نزلت: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ونُقِلَ عن
الشافعي مثلُ رواية زُرارة، ولا يُثِتُ ذلك أكثرُ الأصحاب، واستقرَّ الإجماعُ على المنع.
قوله: ((ورجلٌ استأجَرَ أجيراً، فاستوفى منه، ولم يُعطِهِ أجرَه)) هو في معنى من باع حُرّاً
وأكَلَ ثمنَه، لأنه استوفى منفعَتَه بغير ◌ِوَضٍ فكأنً أكَلها، ولأنَّه استَخدَمَه بغير أُجرةٍ
فكأنَّه استَعبَدَه.
١٠٧ - باب أمر النبيّ يَّ اليهود ببيع أَرَضِيهم حين أجلاهم
فيه المقبُريُّ، عن أبي هريرةَ.
(١) أخرج عبد الرزاق (١٨٧٩٦) عن معمر عن قتادة، قال: وقال عليٍّ: لا يكون عبداً ويُقطعُ البائع.
وإسناده منقطع، قتادة لم يدرك علياً.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٧/ ١٩٨، وإسناده ضعيف.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه)) لكن أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) ٩/ ١٧ من طريق همام وهشام
عن قتادة عن عبد الله بن بريدة: أن رجلاً باع نفسه ... ولا يُعرَف لقتادة سماع من عبد الله بن بريدة فيما
قاله البخاري.
(٤) أخرجه محمد بن خلف وكيع في ((أخبار القضاة)) ١/ ٢٩٤ عن أبي خلدة، قال: رأيت زرارة ...
(٥) في ((المحلى)) ١٨/٩.