النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ باب ٦٤ / ح ٢١٤٨ كتاب البيوع سادسها: أنَّه ◌ُخالفٌ لقاعدة الرِّبا فيما إذا اشترى شاةً بصاع، فإذا استَرَدَّ معها صاعاً فقد استَرجَعَ الصاع الذي هو الثَّمَنُ، فيكون قد باع شاةً وصاعاً بصاع. والجواب: أنَّ الرِّبا إِنَّما يُعتَبرُ في العقود لا الفُسوخ، بدليل أنَّهما لو تبايَعا ذهباً يفضّةٍ لم يَجُزْ أن يَتفرَّقا قبلَ القبض، فلو تَقايَلا في هذا العقد بعَينِهِ جاز التفرّقُ قبلَ القبض. سابعها: أنَّه يَلزَمُ منه ضمانُ الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللَّبَن موجوداً، والأعيان لا تُضمَنُ بالبَدَل إلَّا مع فواتها کالمغصوب. والجوابُ: أَنَّ اللَّبَنَ وإن كان موجوداً لكنَّه تَعذَّرَ رَدُّه، لاختلاطه باللَّبَن الحادثِ بعد العقد وتَعذَّرَ تمييزُه، فأشبَهَ الآبِقَ بعد الغَصبِ، فإنَّه يَضمَنُ قيمتَه مع بقاءِ عَينِهِ لتَعذُّر الردّ. ثامنها: أنَّه يَلزَمُ منه إثبات الردِّ بغير عيبٍ ولا شرط، أمَّا الشَّرطُ فلم يُوجَد، وأمَّا العيبُ فنُقُصان اللَّبَن لو كان عيباً لثبتَ به الردُّ من غير تصریةٍ. والجوابُ: أنَّ الخيار يَثْبُتُّ بالتدليسِ كمن باع رَحَى دائرةً بماءٍ(١) جمعه لها بغير علم المشتري، فإذا الطَّلَعَ عليه المشتري كان له الردّ، وأيضاً فالمشتري لمَّا رأى ضَرعاً مملوءاً لبناً ظنَّ أنَّه عادةٌ لها، فكأنَّ البائعَ شَرَطَ له ذلك، فتَبَيَّن الأمر بخلافه فثبت له الردُّ لفَقْد الشَّرط المعنوي، لأنَّ البائعَ يُظهِرُ صفة المبيع تارةً بقوله، وتارةً بفعلِهِ، فإذا أظهَرَ المشتري على صفةٍ فبانَ الأمرُ بخلافها، كان قد دَلَّسَ عليه فشُرِعَ له الخيارُ، وهذا هو مَحَضُ القياس ومُقْتَضى العَدل، فإنَّ المشتري إنَّما بَذَلَ ماله بناءً على الصِّفة التي أظهَرَها له البائع، وقد أثبَتَ الشارع الخيار للرُّكبان إذا تُلُقّوا واشتُري منهم قبلَ أن يَهِطوا إلى السُّوق ويعلموا السِّعرَ، وليس هناك عيبٌ ولا خُلْفٌ في شرط، ولكن لما فيه من الغِِّ والتدليس. ومنهم من قال: الحديثُ صحيح لا اضطرابَ فيه ولا عِلّةَ ولا نَسخَ، وإنَّما هو محمولٌ على صورةٍ مخصوصةٍ، وهو ما إذا اشترى شاةً بشرط أنَّها تَحلُب مثلاً خمسة أرطالٍ وشَرَطَ فيها الخيار، فالشَّرط فاسد، فإن اتَّفقا على إسقاطه في مُدّة الخيار صَحَّ العقدُ، وإن لم يَتَّفِقا (١) تحرف في (س) إلى: بما. ١٦٢ باب ٦٤ / ح ٢١٤٨ فتح الباري بشرح البخاري بَطَلَ العقد ووَجَبَ رَدّ الصاع من التمر لأنه كان قيمةَ اللَّبَن يومئذٍ. وتُعُقِّبَ بأنَّ الحديثَ ظاهرٌ في تعليق الحكم بالتصرية، وما ذكره هذا القائلُ يقتضي تعليقه بفساد الشَّرط، سواء وُجِدَت التصرية أم لا، فهو تأويلٌ مُتعسِّفٌ، وأيضاً فلفظ الحديث لفظ عموم، وما ادَّعَوه على تقدير تسليمه فردٌ من أفراد ذلك العموم، فيحتاجُ من ادَّعى قَصْرَ العموم عليه الدَّليلَ على ذلك، ولا وجود له. قال ابن عبد البَرِّ: هذا الحديثُ أصل في النَّهي عن الغِشْ، وأصلٌ في ثُبُوثِ الخيار لمن دُلِّسَ عليه بعيب، وأصلٌ في أنَّه لا يُفسِدُ أصلَ البيع، وأصلٌ في أن أَمَد الخيار ثلاثة أيام، وأصلٌ في تحريم التصرية وثبوتِ الخيار بها. وقد روى أحمد (٤١٢٥) وابن ماجَهْ (٢٢٤١) عن ابن مسعود مرفوعاً: ((بيع المحفَّلات خِلَابةٌ، ولا تَحِلُّ الخلابة لمسلم))، وفي إسناده ضعفٌ، وقد رواه ابن أبي شَيْبة (٦/ ٢١٤) وعبد الرزاق (١٤٨٦٥) موقوفاً بإسناد صحيح، وروى ابن أبي شَيْبة (٢١٥/٦) من طريق قيس بن أبي حازم قال: كان يقال: التصريةٌ خلابة. وإسناده صحيح. واختلفَ القائلونَ به في أشياءَ: ٣٦٨/٤ منها: لو كان عالماً بالتصرية هل يَثْبُتُ له الخيار؟ فيه وجه للشافعية، ويُرجِّعُ أنَّه لا يَثْبُتُ روايةٌ عِكرمةَ عن أبي هريرة في هذا الحديث عند الطَّحاوي (١٨/٤) فإنَّ لفظَه: ((من اشترى مُصرّاةً ولم يعلم أنَّهَا مُصرّاةٌ)) الحديثَ. ولو صار لبن المصرّاة عادةً واستَمَرَّ على كَثْرته هل له الردّ؟ فيه وجه لهم أيضاً، خلافاً للحنابلة في المسألتين. ومنها: لو تَحَفَّلَت بنفسها أو صَرَّها المالكُ لنفسِهِ، ثمَّ بَدا له فباعها، فهل يَثْبُتُ ذلك الحكم؟ فيه خلاف: فمن نظرَ إلى المعنى أثبتَه، لأنَّ العيبَ مُثبِتٌ للخيار ولا يُشتَرَطُ فيه تدليسُ البائع، ومن نظرَ إلى أنَّ حُكْمَ التصرية خارج عن القياس خَصَّه بمَورِدِه وهو حالةٌ العَمْد، فإنَّ النَّهيَ إنَّما تناولها فقط. ومنها: لو كان الضَّرْع مملوءاً لحماً فظنَّه المشتري لبناً فاشتراها على ذلك، ثمَّ ظَهَرَ له أنَّه لحم، هل يَثْبُتُّ له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما بعض المالكية. ١٦٣ باب ٦٤ / ح ٢١٤٩ - ٢١٥٠ كتاب البيوع ومنها: لو اشترى غيرَ مُصرَّاةٍ ثمَّ اطَّلَعَ على عيبٍ بها بعد حَلبها، فقد نَصَّ الشافعي على جواز الردِّ مَجَاناً، لأنه قليلٌ غيرُ مُعتَنَّى بجمعِه، وقيل: يَرُدُّ بدلَ اللَّبَن كالمصرّاة، وقال البَغَوي: یَرُد صاعاً من تمر. ٢١٤٩ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ أبي يقول: حدّثنا أبو عثمانَ، عن عبد الله ابنِ مسعودٍ ﴾ قال: مَنِ اشْتَرَى شاةً مُحُفَّةً فَرَدَّها، فليَرُدَّ معها صاعاً من تمٍ. ونهى النبيُّ بَ﴿ أَن تُلقَّى البيوعُ. [طرفه في: ٢١٦٤] ٢١٥٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لا تَلَقَّوا الرُّكبانَ، ولا يَبِيعُ بعضُكُم على بيعِ بعضٍ، ولا تَنَاجَشوا، ولا يَبِيعُ حاضرٌ لبادٍ، ولا تُصَرّوا الغنمَ، ومَنِ ابتاعَها فهو بخيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أن يَحِلُبَها، إن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصاعاً من تمٍ)). قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد، حدَّثْنا مُعتَمِر)) سيأتي في ((باب النَّهي عن تَلقِّي الرُّكبان)) بعد سبعة أبوابٍ (٢١٦٤) عن مُسدَّدٍ عن يزيد بن زُرَيع، وكأنَّ الحديثَ عند مُسدَّد عن شيخَينِ، فذكره المصنّف عنه في موضعَين، وسياقُه عن مُعتَمِرٍ أتمُّ. قوله: ((سمعتُ أبي)) هو سليمان التَّيمي، وأبو عثمان: هو النَّهْدي، ورجال الإسناد بصريون سوی الصحابي. قوله: «قال: من اشترى شاةً مُحقَّلَةَ فَرَدَّها، فليَرُدَّ معها صاعاً من تمر، ونهى النبي ◌َِّ أَن تُلقَّى البيوعُ)) هكذا رواه الأكثر عن مُعتَمِر بن سليمان موقوفاً، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عُبيد الله بن معاذ عن مُعتَمِر مرفوعاً، وذكر أنَّ رَفْعَه غَلَطٌ، ورواه أكثرُ أصحاب سليمانَ عنه كما هنا: حديثُ المحفَّلة موقوفٌ من كلام ابن مسعود، وحديث النَّهي عن التلقِّي مرفوع. وخالَفَهم أبو خالد الأحمرُ عن سليمان التيمي، فرواه بهذا الإسناد مرفوعاً، أخرجه الإسماعيلي وأشار إلى وَهْمِه أيضاً. ١٦٤ باب ٦٥ / ح ٢١٥١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَرَدَّها)) أي: أراد رَدَّها، بقرينة قوله: «فليَرُدَّ معها)» عملاً بحقيقة المعية، أو تُحمَل المعية على البَعْدِيَّة فلا يحتاجُ الردُّ إلى تأويل، وقد وَرَدَت ((مع)) بمعنى الْبَعْدية، كقوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٤]. قوله في رواية مالك: ((لا تَلَقَّوا الرُّكْبان)) يأتي الكلامُ عليه بعد أبوابٍ(١) وعلى بيع الحاضر للبادي قريباً(٢)، ومضى الكلامُ على البيع (٢١٣٩)، وعلى النَّجشِ (٢١٤٢)، ومضى الكلامُ على التصرية بما يُغْني عن إعادته. ٦٥ - بابٌ إن شاء ردَّ المصرَّاة وفي حَلْبتها صاعٌ من تمر ٢١٥١ - حدَّثْنا محمّدُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا المكِيُّ، أخبرنا ابنُ جُرَيجِ، قال: أخبرني زِيادٌ: أنَّ ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيدٍ أخبَرَه، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ ﴾ يقول: قال رسولُ الله ◌َّ: ((مَنِ اشتَرَى غنماً مُصرّاةً فاحتَلَبَها، فإن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها ففي حَلْبَتِها صاعٌ من تمٍ)). قوله: ((باب إن شاءَ رَدَّ المصرّاة وفي حَلْبتها)) بِسكون اللَّام على أنَّه اسمُ الفعلِ، ويجوزُ الفتحُ على إرادة المحلوب، وظاهره أنَّ التمر مقابل الحَلْبة، وزَعَمَ ابن حَزْمِ أنَّ التمرَ في مُقابلة الحَلْب لا في مُقابلة اللَّبَن، لأنَّ الحَلْبةَ حقيقة في الحلبِ مَجَازٌ في اللَّبَنِ، والحمْلُ على الحقيقة أولى، فلذلك قال: يجبُ رَدُّ التمر واللَّبَن معاً، وشَذَّ بذلك عن الجمهور. قوله: ((حدَّثنا محمد بن عَمْرو)) كذا للأكثر غير منسوب، ووقع في رواية عبد الرحمن الهَمْداني عن المُستَمْلي: محمد بن عَمْرو بن جبلة، و کذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفِرَبْري، وفي رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبري: حدَّثنا محمد بن عَمْرو، يعني: ابن جَبَلة، وأهمَله الباقون، وجَزَمَ الدَّارَقُطني بأنَّه محمد بن عَمْرو أبو غسَّان الرازي المعروفُ بُزُنَيج، وجَزَمَ الحاكمُ والكَلَاباذيّ بأنَّه محمد بن عَمْرو السَّوّاقُ البَلْخِي، والأوَّل أَولِى، والله أعلم. قوله: ((حدّثنا المكي)» هو ابن إبراهيم، وهو من مشايخ البخاري، وستأتي روايته عنه بلا واسطةٍ في («باب لا يشتري حاضرٌ لبادٍ)) (٢١٦٠). (١) في باب رقم (٧١). (٢) في باب رقم (٦٨) و(٦٩). ١٦٥ باب ٦٦ / ح ٢١٥٢ - ٢١٥٤ كتاب البيوع قوله: «أخبرني زياد)» هو ابن سعد الخُّراساني. قوله: (أنَّ ثابتاً) هو ابن عياض، وعبد الرحمن بن زيد مولاه من فوق، أي: ابن الخطّاب. قوله: ((من اشترى غنماً مُصرّاً فاحتَلَبَها)) ظاهره أنَّ صاع التمر مُتَوَقِّف على الحَلْب كما تقدَّم. قوله: ((ففي حَلْبَتها صاع من تمرٍ)) ظاهره أنَّ صاع التمر في مُقابَلَة المصرّاة سواءٌ كانت واحدةً أو أكثر، لقوله: ((من اشترى غنماً))/ ثمّ قال: ((ففي حَلْبتها صاع من تمر))، ونقله ابن ٣٦٩/٤ عبد البَرِّ عَمَّن استَعمَلَ الحديث، وابن بطَّال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة، وعن أكثر المالكية: يَرُدُّ عن كلِّ واحدة صاعاً، حتَّى قال المازَرِيّ: من المستَبَشَعِ أن يَغْرَمَ مُتِلِف لبن ألفِ شاةٍ كما يَغرَمُ مُتلِف لبن شاةٍ واحدةٍ. وأُجيبَ بأنَّ ذلك مُغتَفَر بالنّسبة إلى ما تقدَّم من أنَّ الِحِكمةَ في اعتبار الصاع قطعُ النِّزاع، فجُعِلَ حَدّاً يُرجَعُ إليه عند التخاصُمِ فاستوى القليلُ والكثير، ومن المعلوم أنَّ لبنَ الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلفُ اختلافاً مُتبايناً، ومع ذلك فالمعتبَرُ الصاعُ، سواء قَلَّ اللَّبنُ أم كَثُر، فكذلك هو مُعتبَرٌ سواء قلَّت المصرّاة أو كَثُرَت، والله أعلم. ٦٦ - باب بيع العبد الزّاني وقال شُرَيحُ: إن شاءَ رَدَّمِن الزِّنی. ٢١٥٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ عَه، أنَّه سمعَه يقول: قال النبيُّنَّهِ: ((إذا زَنَتِ الأَمَةُ فَبِيَّنَ زِناها، فليَجلِدْها ولا يُثِرِّبْ، ثمَّ إِن زَنَت فليَجلِدْها ولا يُثْرِّب، ثمَّ إِن زَنَتِ الثالثة، فليَيِعْها ولو بحَبْلٍ من شَعرٍ)). [أطرافه في: ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٧٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩] ٢١٥٣، ٢١٥٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبد الله، عن أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهَوَّرَ سُئِلَ عن الأَمَّةِ إذا زَنَت ولم تُحصَن؟ قال: ((إن زَنَت فاجلِدوها، ثمَّ إن زَنَت فاجلِدوها، ثمَّ إِن زَنَت فِیعُوها ولو بضَفِيرٍ)». ١٦٦ باب ٦٧ / ح ٢١٥٥ - ٢١٥٦ فتح الباري بشرح البخاري قال ابنُ شِهابٍ: لا أدري بعدَ الثالثةِ أو الرابعةِ. [أطرافه في: ٢٢٣٢، ٢٥٥٦، ٦٨٣٨] قوله: (باب بيعِ العبد الزاني)) أي: جوازه مع بيان عَيْبِهِ. قوله: ((وقال شُرَيح: إن شاءَ رَدَّ من الزِّنى)) وَصَلَه سعيد بن منصور من طريق ابن سِيرِين: أنَّ رجلاً اشترى من رجلٍ جاريةً كانت فَجَرَت ولم يعلم بذلك المشتري، فخاصَمَه إلى شُرَيح، فقال: إن شاءَ رَدَّ من الزِّنى، وإسنادُه صحيح. ثمَّ أورَدَ المصنِّفُ في الباب حديث: ((إذا زَنَتِ الأَمةُ فليَجلِدها)) الحديث، أورَدَه من وجهَين، وشاهد الترجمة منه قوله في آخره: («فليَيِعْها ولو بحَبْلِ من شعر)» فإنَّه يدلُّ على جواز بيع الزاني، ويُشعِرُ بأنّ الزِّنى عيب في المبيعِ، لقوله: ((ولو بحبلٍ من شعر))، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفَى في كتاب الحدود (٦٨٣٧ - ٦٨٣٩) إن شاء الله تعالی. قال ابن بطَّل: فائدة الأمر ببيع الأمة الزانية المبالَغةُ في تقبيح فعلها، والإعلامُ بأنَّ الأمةَ الزانيةَ لا جزاءً لها إلَّا البيع أبداً، وأنَّها لا تَبقى عند سَيِّدٍ زَجراً لها عن معاودة الزّنى. ولعلَّ ذلك يكون سبباً لإعفافها، إمّا بأن يُزُوِّجَها المشتري، أو يُعِفَّها بنفسه، أو يَصُونَها ہہیتِه. ٦٧ - باب الشِّراءِ والبيع مع النساء ٢١٥٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: قالت عائشةُ رضي الله عنها: دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ◌َّهِ فَذَكَرَتُ له، فقال رسولُ الله وَّة: ((اشتري ٣٧٠/٤ وأعتِقي، فإنما الولاءُ لمَن أعتَقَ))،/ ثمَّ قامَ النبيُّ نَّهِ مِن العَشِّ، فأثنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: ((ما بالُ النّاس يشترطونَ شروطاً ليس في كتابِ الله؟ مَنِ اشترَطَ شرطاً ليس في كتابٍ الله، فهو باطلٌ، وإنِ اشترَطَ مئةَ شرطٍ، شرطُ الله أحقُّ وأوثَقُ)). ٢١٥٦ - حدّثنا حسَّانُ بنُ أبي عبَّادٍ، حدَّثنا همَّامٌ، قال: سمعتُ نافعاً يُحدِّثُ، عن عبدِ الله ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها ساوَمَت بَرِيرةَ، فخَرَجَ إلى الصَّلاةِ، فلمَّا جاءَ ١٦٧ باب ٦٨ كتاب البيوع قالت: إنَّهم أبَوْا أن يَبِيعوها إلا أن يشترِطوا الوَلاءَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إنََّا الوَلاءُ لمَنْ أَعْتَقَ)). قلتُ لنافع: حُرّاً كان زوجُها أو عبداً؟ فقال: ما يُدرِيني. [أطرافه في: ٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩] قوله: ((باب الشِّراء والبيع مع النِّساءِ)» أورَدَ فيه حديثَ عائشة وابن عمر في قصَّة شِراء بَرِيرة، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفّى في الشُّروط (٢٧١٧) إن شاء الله تعالى. وشاهدُ الترجمة منه قوله: ((ما بالُ رجالٍ يشترِطونَ شروطاً ليست(١) في كتاب الله)) الإشعاره بأنَّ قصَّةَ المبايعة كانت مع رجال، وكان الكلام في ذلك مع عائشة زوج النبي ◌َّ. وقوله في آخر حديث ابن عمر: ((قلت لنافع ... )) إلى آخره، هو قولُ هَّامِ الراوي عنه، وسيأتي ذكر الاختلاف في زوجٍ بَرِيرة هل كان حُرّاً أو عبداً في كتاب النكاح (٥٠٩٧) إن شاء الله تعالى. وحسَّان أوَّل السَّنَد وقع عند المُستَمْلي: ابن أبي عبَّاد، وعند غيره: حسَّان بن حسَّان، وهما واحد. ٦٨ - بابٌ هل يبيع حاضرٌ لبادٍ بغير أجرٍ؟ وهل يُعِينه أو ينصحه؟ وقال النبيُّ ◌َلّ: ((إذا استنصَحَ أحدُكُم أخاه فليَنصَحْ له)). ورَخَّصَ فیه عطاءٌ. قوله: ((بابٌ هل يبيعُ حاضرٌ لبادٍ بغير أجر؟ وهل يُعينُهُ أو يَنصَحُه؟)) قال ابن المنيِّر وغيره: حَمَلَ المصنِّ النَّهي عن بيع الحاضر للبادي على معنَى خاصٍّ: وهو البيعُ بأجر أخذاً من تفسير ابن عبّاس، وقَوّى ذلك بعموم أحاديث: ((الدّين النَّصيحة)» (٢)، لأنَّ الذي (١) كذا في الأصلين و(س)، مع أن روايات البخاري لم تختلف أن نص العبارة هنا: ليس في كتاب الله، کما في اليونينية والقسطلّاني، قال القسطلاني: بالتذكير باعتبار الجنس أو باعتبار المذكور. قلنا: وإن كانت قد جاءت بالتأنيث في بعض مواضع الحديث في ((الصحيح)) كالحديث (٢١٦٨). (٢) سلف معلقاً في كتاب الإيمان: ٤٢- باب قول النبي ◌َسير: ((الدين النصيحة)). ١٦٨ باب ٦٨ فتح الباري بشرح البخاري يبيعُ بالأجرة لا يكون غرضَه نُصحُ البائع غالباً، وإنَّما غرضُه تحصيل الأجرة، فاقتضى ذلك إجازة بيع الحاضر للبادي بغير أُجرةٍ من باب النَّصيحة. ٣٧١/٤ قلت: ويُؤيِّدُه ما سيأتي في بعضِ طرق الحديث المعلَّق أوَّلَ أحاديث الباب، وكذلك ما أخرجه أبو داود (٣٤٤١) من طريق سالم المكّي: أنَّ أعرابيا حدَّثَه: أنَّه قَدِمَ بحَلُوبةٍ له على طلحة بن عُبيد الله، فقال له: إنَّ النبي ◌َّ نهى أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، ولكن اذهَب إلى السوق فانظُرْ من يُبابِعُك، فشاوِرْني حتَّى آمُرَكَ وأنهاكَ. قوله: ((وقال النبي ◌َّ: إذا استَنَصَحَ أحدُكُم أخاه فليَنصَحْ له)) هو طرفٌ من حديثٍ وَصَلَه أحمد (١٥٤٥٥) من حديث عطاء بن السائبِ عن حَكيم بن أبى يزيد عن أبيه حدَّثني أبي قال: قال رسول الله وَله: ((دَعُوا الناسَ يَرْزُقِ الله بعضهم من بعض، فإذا استَنَصَحَ الرَّجلُ الرَّجلَ (١) فلينصحْه))، ورواه البيهقي (٣٤٧/٥) من طريق عبد الملك بن عُمَير عن أبي الزُّبَير عن جابر مرفوعاً مثله، وقد أخرجه مسلم (١٥٢٢) من طريق أبي خَيثَمة عن أبي الزُّبَيرِ بلفظ: ((لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا الناسَ يَرزُقِ الله بعضهم من بعض)). قوله: ((ورَخَّصَ فيه عطاء)) أي: في بيع الحاضر للبادي، وَصَله عبد الرزاق (١٤٨٧٧) عن الثَّوْري عن عبد الله بن عثمان - أي: ابن خُثَيمٍ - عن عطاء بن أبي رَبَاح قال: سألتُه عن أعرابي: أبِيعُ له: فَرَخَّصَ لي. وأمَّا ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهدٍ قال: إنَّما نهى رسولُ الله وَ لَّ أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، لأنه أراد أن يُصيبَ المسلمون غِرَّتَهم، فأمَّا اليومَ فلا بأسَ. فقال عطاء: لا يَصلُحُ اليومَ. فقال مجاهد: ما أرى أبا محمد إلَّا لو أتاه ظِئْرٌ له من أهل البادية إلَّا سیبیعُ له. فالجمع بين الروايَتَين عن عطاءِ أن يُحمَلَ قوله هذا على كراهة التنزيه، ولهذا نَسَبَ إليه مجاهد ما نَسَبَ، وأخذَ بقول مجاهدٍ في ذلك أبو حنيفة، وتَمَسَّكوا بعموم قوله وَّ: ((الدِّين النَّصيحة))، وزَعَموا أنَّه ناسخٌ لحديث النَّهي، وَمَلَ الجمهورُ حديثَ: ((الدِّين النَّصيحة)» (١) لفظه عند أحمد: ((إذا استنصحَ أحدُكم أخاه))، وأما اللفظ الذي ذكره الحافظ فهو عند عبد بن حميد (٤٣٨)، والطبراني ٢٢/ (٨٨٩). ١٦٩ باب ٦٨ / ح ٢١٥٧ - ٢١٥٨ كتاب البيوع على عمومه إلَّا في بيع الحاضر للبادي فهو خاصٌّ فيقضي على العامّ، والنَّسُ لا يَثْبُتُ بالاحتمال، وجمع البخاري بينهما بتخصيص النَّهي بمن يبيعُ له بالأجرة كالسِّمسار، وأمَّا من يَنصَحُه فيُعلِمُه بأنَّ السِّعرَ كذا مثلاً، فلا يَدخُلُ في النَّهي عنده، والله أعلم. ٢١٥٧ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، سمعتُ جَرِيراً ﴾ يقول: بايعتُ رسولَ اللهِ وَّرِ على شهادة أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والسَّمعِ والطّاعةِ، والنُّصحِ لكُلِّ مُسلِمٍ. ٢١٥٨- حدَّثنا الصَّلتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثْنا مَعمَرٌ، عن عبد الله بنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا تَلَقَّوا الرُّكبانَ، ولا يَبِيعُ حاضرٌ لبادٍ». قال: فقلتُ لابنِ عبَّاسٍ: ما قولُهُ: ((لا يَبِيعُ حاضرٌ لبادٍ؟)) قال: لا يكونُ له سِمساراً. [طرفاه في: ٢١٦٣، ٢٢٧٤] ثم أورد المصنف في الباب حدیثین: أحدهما: حديث جَرِير في النُّصح لكلّ مسلم، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في آخر كتاب الإيمان (٥٧). والثاني: حدیث ابن عبّاس. قوله: «حدّثنا عبد الواحد)» هو ابن زياد. قوله: ((لا تَلَقَّوا الرُّكْبان)) زاد الكُشْمِيهني في روايته: ((للبيع)). وسيأتي الكلامُ عليه قريباً (٢١٦٣). قوله: ((لا يكون له سِمساراً) بمُهمَلتَينِ: هو في الأصل القيِّمُ بالأمر والحافظُ له، ثمَّ استُعمِلَ في مُتَوَلّ البيع والشِّراء لغيره. وفي هذا التفسير تَعقَّبٌ على من فسَّر الحاضرَ بالبادي بأنَّ المراد: نَهيُ الحاضر أن يبيعَ للبادي في زَمَن الغَلاءِ شيئاً يحتاجُ إليه أهلُ البلد، فهذا مذكور في كتب الحنفيَّة. ١٧٠ باب ٦٨ / ح ٢١٥٧ - ٢١٥٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيرهم: صورتُه أن يَجِيءَ البلد غريبٌ بسلعته يريدُ بيعَها بسِعْر الوقت في الحال، فيأتيه بلديٌّ فيقول له: ضَعْه عندي لأبيعَه لك على التدريج بأغلى من هذا السِّعر، فجعلوا الحكمَ مَنُوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه. قال: وإنَّما ذُكِرَ البادي في الحديث لكونِه الغالبَ، فأُلِقَ به من يُشاركُه في عَدَمِ معرفة السِّعر الحاضر وإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بأن لا يُبادر بالبيع، وهذا تفسير الشافعية والحنابلة، وجعل المالكيةُ البداوةَ قَيداً، وعن مالكٍ: لا يَلْتَحِقُ بالبَدَوي في ذلك إلَّا مَن كان يُشبِهِه. قال: فأمَّا أهلُ القُرى الذين يَعِرِفونَ أثمانَ السِّلَع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. قال ابن المنذر: اختلفوا في هذا النَّهي، فالجمهور أنَّه على التحريمِ بشرط العلمِ بالنَّهي، وأن يكونَ المتاعُ المجلوبُ مَّا يُحتاجُ إليه، وأن يَعرِضَ الحَضَري ذلك على البَدَوي، فلو عَرَضَه البَدَوي على الحَضَري لم يُمنَع. وزاد بعضُ الشافعية عموم الحاجة وأن يَظهَرَ ببيعِ ذلك المتاع السَّعَةُ في تلك البلد. قال ابن دَقِيق العيد: أكثرُ هذه الشُّروط تَدورُ بين اتِّباع المعنى أو اللَّفظ، والذي ينبغي ٣٧٢/٤ أن يُنظَرَ في المعنى إلى الظَّهور والخفاء، فحيثُ يَظهَرُ يُخْصَّصُ النصّ أو يُعمَّم،/ وحيثُ يخفى فاتِباعِ اللَّفْظِ أَولى، فأمَّ اشتراطُ أن يَلْتَمِسَ البلديُّ ذلك فلا يقوى لعَدَم دلالة اللَّفْظِ عليه وعَدَمِ ظهور المعنى فيه، فإنَّ الضَّرَرَ الذي عُلِّل به النَّهي لا يَفتَرِقُ الحالُ فيه بين سُؤال البلدي وعَدَمه، وأمَّا اشتراطُ أن يكونَ الطَّعامُ مَّا تَدعو الحاجةُ إليه فمُتوسِّط بين الظُّهور وعَدَمه، وأمَّا اشتراطُ ظهور السَّعَة في البلدِ (١)، فكذلك أيضاً، لاحتمال أن يكونَ المقصودُ مُجرَّدَ تَفويتِ(٢) الرِّبحِ والرِّزق على أهل البلد، وأمَّا اشتراطُ العلمِ بالنَّهي فلا إشكالَ فيه. وقال السُّبكي: شرطُ حاجة الناس إليه مُعتبَر، ولم يَذكُر جماعةٌ عمومَها وإنَّما ذكره الرافعي تَبَعاً للبَغَوي ويحتاجُ إلی دلیل. (١) قوله: في البلد، سقط من (س). (٢) تحرف في الأصلين إلى: تقريب، والمثبت على الصواب من (س) موافقاً لما في ((الإحكام)) لابن دقيق العيد ص٣٤٩. ١٧١ باب ٦٩ / ح ٢١٥٩ كتاب البيوع واختلفوا أيضاً فيما إذا وقع البيع مع وجود الشُّروط المذكورة، هل يَصِحُّ مع التحريمِ أو لا يَصِحُّ؟ على القاعدة المشهورة. ٦٩ - باب من کرہ أن یبیع حاضر لبادٍ بأجرٍ وبه قال ابنُ عبَّاسٍ. ٢١٥٩ - حدَّثني عبدُ الله بنُ صَبّاح، حدَّثنا أبو عليٍّ الحَنَفيُّ، عن عبد الرحمن بنِ عبد الله بنِ دِينارٍ، قال: حدَّثني أَبي، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: نهى رسولُ اللهَ وَّ أَن يَبِيعَ حاضر لبادٍ. قوله: ((باب من كَرِهَ أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ بأجرٍ)) وبِه قال ابن عبّاس، أي: حيثُ فسَّر ذلك بالسِّمسار كما في الحديث الذي قبله. قوله: ((نهى رسولُ الله ◌َل﴿ أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ» كذا أورَدَه من حديث ابن عمر، ليس فيه التقییدُ بالأجر کما في الترجمة. قال ابن بطَّل: أراد المصنِّفُ أنَّ بيعَ الحاضر للبادي لا يجوزُ بأجرٍ ويجوزُ بغير أجر، واستَدَلَّ على ذلك بقول ابن عبّاس، وكأنَّه قَيَّدَ به مُطلَق حديث ابن عمر، قال: وقد أجازَ الأوزاعي أن يشيرَ الحاضرُ على البادي، وقال: ليست الإشارة بيعاً. وعن الليث وأبي حنيفة: لا يشيرُ عليه، لأنه إذا أشار عليه فقد باعه. وعند الشافعية في ذلك وجهان، والراجح منهما: الجواز، لأنه إنَّما نهى عن البيع له، وليست الإشارة بيعاً، وقد وَرَدَ الأمرُ بنُصحِه، فدَلَّ على جواز الإشارة. تنبيه: حديث ابن عمر فردٌ غريبٌ لم أرَه إلَّا من رواية أبي عليّ الحَنَفي عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار، وقد ضاقَ تَخَرَجُه على الإسماعيلي وعلى أبي نُعيم فلم يُخرِّجاه إلَّا من طريق البخاري، وله أصلٌ من حديث ابن عمر أخرجه الشافعي (٣/ ٩٢) عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، وليس هو في ((الموطَّأ)). قال البيهقي: عَدُّوه في أفراد الشافعي، وقد تابعه القَعْنبي عن مالكٍ، ثمَّ ساقه (٣٤٧/٥) بإسنادين إلى القَعْنبي. ١٧٢ باب ٧٠ / ح ٢١٦٠ - ٢١٦١ فتح الباري بشرح البخاري ٧٠ - بابٌ لا يشتري حاضرٌ لبادٍ بالسّمسرة وكَرِهَه ابنُ سِيرِينَ وإبراهيمُ للبائعِ والمُشتَري. وقال إبراهيمُ: إنَّ العربَ تقولُ: بعْ لي ثوباً، وهي تعني الشِّراءَ. ٢١٦٠ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرني ابنُ جُرَيجٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيّبِ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ عُه يقول: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يَبتاعُ المرءُ على بيع أخيه، ولا تناجشوا، ولا یَبعْ حاضرٌ لبادٍ». ٢١٦١ - حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا معاذٌ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمَّدٍ، قال أنسُ بنُ مالكٍ ﴾. ◌ُِینا أن يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ. ٣٧٣/٤ قوله: ((بابٌ لا يشتري حاضرٌ لبادٍ بالسَّمسَرةِ)) أي: قياساً على البيع له، أو استعمالاً للفظ البيع في البيعِ والشّراء، قال ابن حَبيب المالكي: الشِّراءُ للبادي مثل البيع، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يبيعُ بعضكم على بعض)) فإنَّ معناه الشِّراء، وعن مالكٍ في ذلك روايتان. قوله: ((وكَرِهَه ابن سِيرِين وإبراهيمُ للبائعِ والمشتري)) أمَّا قول ابن سِيرِين فَوَصَله أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤٩٤٦) من طريق سَلَمة بن عَلقَمة عن ابن سِيرِين قال: لَقيتُ أنس ابن مالك فقلت: لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، أنهيتُم أن تبيعوا أو تَبتاعوا لهم؟ قال: نعم. قال محمد: وصَدَقَ إنَّها كلمةٌ جامعةٌ، وقد أخرجه أبو داود (٣٤٤٠°م) من طريق أبي هلال عن ابن سِيرِين عن أنس بلفظ: كان يقال: لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، وهي كلمةٌ جامعةٌ، لا يبيعُ له شيئاً ولا يَبتاعُ له شيئاً. وأمَّا إبراهيمُ - وهو النَّخَعي - فلم أَقِفْ عنه كذلك صريحاً. قوله: ((وقال إبراهيم: إنَّ العربَ تقولُ: بِعْ لي ثوباً وهي تعني الشِّراءَ)) هذا قاله إبراهيمُ استدلالاً لما ذهب إليه من التسوية بين البيع والشِّراءِ في الكراهة. ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب حدیثین: أحدهما: حديث أبي هريرة. ١٧٣ باب ٧١ كتاب البيوع قوله: ((عن ابن شِهاب)) في رواية الإسماعيلي من طريق أبي عاصم عن ابن جُرَيج: أخبرني ابن شهاب. قوله: ((لا يَبْتَع المرء)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَني: ((لا يَبتاعُ)) وهو خبرٌ بمعنى النَّهي(١)، وقد تقدَّم البحثُ فيه قبلُ بأبوابٍ (٢١٤٠)، وكذا على قوله: ((لا تَنَاجَشوا)) (٢١٤٢). ثانيهما: حديث أنس. قوله: (عن محمدٍ)) هو ابن سِیرینَ. قوله: (نُّهِينا أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ)) زاد مسلم (٢١/١٥٢٣) والنَّسائي (٤٤٩٣) من طريق يونس بن عُبيد عن محمد بن سِيرِين عن أنسٍ: وإن كان أخاه أو أباه، ورواه أبو داود (٣٤٤٠) والنَّسائي (٤٤٩٢) من وجهٍ آخرَ عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس: أن النبيَّ وَّةِ، فذكره. وعُرِفَ بهذه الرواية أن الناهيَ المبهَمَ في الرواية الأولى هو النبيِ وَّ، وهو يقوّي المذهبَ الصحيح: أن لقول الصحابيِّ: تُّهِينا عن كذا، حكمَ الرفع، وأنه في قوة قوله: قال النبي ێ. ٧١- باب النهي عن تلقِّي الرُّكبان وأن بيعه مردودٌ لأنّ صاحبه عاصٍ آثمٌ إذا كان به عالماً، وهو خِداعٌ في البيع، والخداع لا يجوز قوله: ((باب النَّهي عن تَلَقّي الزُّكبان، وأنَّ بيعَه مردود لأنَّ صاحبَه عاصٍ آثمٌ إذا كان به ٣٧٤/٤ عالماً، وهو خِداعٌ في البيعِ، والخِداعُ لا يجوز)) جَزَمَ المصنِّفُ بأنَّ البيعَ مردود بناءً على أنَّ النَّهيَ يقتضي الفساد، لكن مَحَلُّ ذلك عند المحقّقين فيما يَرجِعُ إلى ذات المنهي عنه لا ما إذا كان يَرجِعُ إلى أمرٍ خارجٍ عنه، فيَصِحُّ البيعُ ويَثْبُتُّ الخيار بشرطِهِ الآتي ذكرُه، وأمَّا كونُ صاحبه عاصياً آثماً والاستدلالُ عليه بكونِهِ خِداعاً فصحيح، ولكن لا يَلزَمُ من ذلك أن يكونَ البيع مردوداً، لأنَّ النَّهيَ لا يَرجِعُ إلى نفسِ العقد ولا يُخِلَّ بشيءٍ من أركانه (١) كذا قال الحافظ، وكذلك الحال عند العَيني، وهو مخالف لما في نسخ اليونينية وفروعها، حيث جاء فيها رواية الأكثر: ((لا يبتاعُ» بالرفع على الخبر، ورواية الكُشْميهني: ((لا يَبْتَعْ)) بالجزم على النهي. ١٧٤ باب ٧١ فتح الباري بشرح البخاري وشَرائطِهِ، وإنَّما هو لدفعِ الإضرار بالُّكبان. والقولُ بُبُطْلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة، ويُمكِنُ أن يُحمَلَ قول البخاري: أنَّ البيعَ مردود على ما إذا اختار البائعُ رَدَّه فلا يُخالفُ الراجح. وقد تعقّبه الإسماعيلي وألزَمَه التناقُضَ ببيع المصرّاة، فإنَّ فيه خِداعاً ومع ذلك لم يَبطُل البيع، وبكونِهِ فصَلَ في بيع الحاضر للبادي بين أن يبيعَ له بأجرٍ أو بغير أجر، واستَدَلَّ عليه أيضاً بحديث حكيم بن حِزَام الماضي في بيعِ الخيار (٢١١٤) ففيه: ((فإن كذَبا وكَتَما مُحِقَت بَرَكة بيعِهما))، قال: فلم يَبطُل بيعُهما بالكذبِ والكِتِمان للعيب، وقد وَرَدَ بإسناد صحيحٍ: أنَّ صاحبَ السِّلعة إذا باعها لمن تَلقّاه يصيرُ بالخيار إذا دَخَلَ السُّوقَ، ثمَّ ساقه من حديث أبي هريرة(١). قال ابن المنذر: أجازَ أبو حنيفة التلقّي وكَرِهَه الجمهور. قلت: الذي في كتب الحنفيَّة: يُكرَه التلقّي في حالتَينِ: أن يَضُرَّ بأهل البلد، وأن يَلتَبِسَ السِّعر على الوارِدينَ. ثمَّ اختلفوا، فقال الشافعي: من تَلَقّاه فقد أساءَ وصاحب السِّلعة بالخيار، وحُجَّتُه حديث أيوبَ عن ابن سِيرِين عن أبي هريرة: أنَّ النبيِ وََّ نهى عن تَلَقّي الجَلَب، فإن تَلقّاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوقَ. قلت: وهو حديثٌ أخرجه أبو داود (٣٤٣٧) والتِّرمِذي (١٢٢١)، وصَحَّحَه ابن خُزيمة من طريق أيوب، وأخرجه مسلم (١٥١٩/ ١٧) من طريق هشام عن ابن سِيرِين بلفظ: ((لا تَلَقَّوا الْجَلَب، فمن تَلَقّاه فاشترى منه، فإذا أتى سَيِّدُه السوقَ فهو بالخيار))، وقوله: ((فهو بالخيار)) أي إذا قَدِمَ السوقَ وعَلِمَ السِّعر، وهل يَثْبُتُّ له مُطلَقاً أو بشرط أن يقعَ له في البيعِ غَبْنٌ؟ وجهان، أصحُهما الأوَّل، وبه قال الحنابلة، وظاهرُه أيضاً أنَّ النَّهيَ لأجل منفعة البائعِ وإزالة الضَّرَر عنه وصيانته مَمَّن يَخَدَعُه. قال ابن المنذر: وحَله مالك على نَفْعِ أهل السُّوق لا على نفعِ رَبِّ السِّلعة، وإلى ذلك جَنَحَ الكوفيون والأوزاعي، قال: والحديثُ حُجّة للشافعي لأنه أثبتَ الخيار للبائعِ لا (١) سيخرّجه الحافظ قريباً. ١٧٥ باب ٧١ / ح ٢١٦٢ - ٢١٦٣ كتاب البيوع لأهل السوق. انتهى، واحتَجَّ مالك بحديث ابن عمر المذكور في آخر الباب (٢١٦٥)، وسيأتي الكلام على ذلك. وقد ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: أولها: حديث أبي هريرة. ٢١٦٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا عبيد الله العُمري، عن سعيد ابنِ أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: نهى النبيُّونَ﴿ عن التَّقِّي، وأن يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ. قوله: ((حدَّثنا عبد الوهَّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفي. قوله: ((عن سعيد بن أبي سعيد)) هو المقبري. قوله: ((عن التَّلقِّي)) ظاهره منعُ التلقّي مُطلَقاً سواء كان قريباً أم بعيداً، سواء كان لأجل الشِّراءِ منهم أم لا، وسيأتي البحث فيه. ثانیھا: حديث ابن عبّاس. ٢١٦٣ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلَى، حدَّثنا مَعمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه قال: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ما معنى قوله: ((لا يَبِيعنَّ حاضرٌ لبادٍ؟)) فقال: لا یکونُ له سِمساراً. قوله: ((حدّثنا عبد الأعلى)) هو ابن عبد الأعلى. قوله: ((سألت ابن عبّاس)) كذا رواه مُختصَراً، وليس فيه للتَّلقّي ذِكْر، وكأنَّه أشار على عادته إلى أصل الحديث، فقد سَبَقَ قبلَ بابين (٢١٥٨) من وجهٍ آخرَ عن مَعمَرٍ وفي أوَّله: ((لا تَلقَّوا الرُّكبان))، وكذا أخرجه مسلم (١٥٢١) من وجهٍ آخرَ عن مَعمَر، والقول في حديث ابن عبّاس كالقول في حديث أبي هريرة. وقوله: ((لا تَلَقَّوُا الرُّكبان)) خرج تَرَج الغالبِ في أنَّ من يَجِلِبُ الطَّعامَ يكونونَ عَدَداً رُكباناً، ولا مفهومَ له، بل لو كان الجالب عَدَداً مُشاة أو واحداً راكباً أو ماشياً لم يختلفِ الحكم. ١٧٦ باب ٧١ / ح ٢١٦٤ -٢١٦٥ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: (للبيع)) يَشمَلُ البيع لهم والبيع منهم، ويُفْهَمُ منه اشتراط قصد ذلك بالتلقّي، فلو تَلَقّى الرُّكبانَ أحدٌ للسلام أو الفُرْجة أو خرج لحاجةٍ له، فوَجَدَهم فبايَعَهم، هل يتناولُه النَّهي؟ فيه احتمال، فمن نظرَ إلى المعنى لم يَفتَرِق عنده الحكمُ بذلك، وهو الأصحُّ عند ٣٧٥/٤ الشافعية، وشَرَطَ بعض الشافعية في النَّهي أن يَبتَدِىَ المتلقِّي فيَطلُبَ من الجالبِ البیعَ،/ فلو ابْتَدَأ الجالبُ بطلبِ البيعِ فاشترى منه المتلقّي لم يَدخُل فِي النَّهي. وذكر إمام الحرمين في صورة التلقّي المحرَّم: أن يكذبَ في ◌ِعْر البلد ويشتري منهم بأقلّ من ثمن المثل، وذكر المتولِّ فيها: أن يُخْبِرَهم بكَثْرة المؤنة عليهم في الدُّخول، وذكر أبو إسحاق الشِّيرازي: أن يُخْبِرَهم بكَسَاد ما معهم ليَغِنَهم. وقد يُؤخَذُ من هذه التقييدات إثباتُ الخِيار لمن وَقَعَت له ولو لم يكن هناك تَلَقٌّ، لكن صَرَّحَ الشافعية أنَّ كون إخباره كذباً ليس شرطاً لثبوتِ الخيار، وإنَّما يَثْبُتُ له الخيارُ إذا ظَهَرَ الغَبْن، فهو المعتبَرُ وجوداً وعَدَماً. ٢١٦٤- حدَّثنا مسَدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثني التَّيْمِيُّ، عن أبي عثمانَ، عن عبد الله ، قال: مَنِ اشْتَرَى مُحُفَّلةً، فليَرُدَّ معها صاعاً، قال: ونهى النبيُّ وَّه عن تَلَقِّي البيوع. ٢١٦٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّه قال: ((لا يَبِيعُ بعضُكُم على بيعِ بعضٍ، ولا تَلَقَّوا السَّلَعَ حتَّى يُهْبَطَ بها إلى السُّوقِ)). ثالثها: حديث ابن مسعود، وقد مضى الكلامُ عليه في المصرّاة (٢١٤٩)، والغرض منه هنا قوله: ((ونهى عن تَلقّي البيوع)»، فإنَّه يقتضي تقييد النَّهي المطلَق في التلقّي بما إذا كان لأجل المبايعة. رابعها: حديث ابن عمر، وسيأتي الكلامُ عليه في الباب الذي بعدَه. ودَلَّت الطَّريق الثالثة - وهي في الباب الذي يليه من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافع - أنَّ الوصولَ إلى أوَّل السوق لا يَكفي حتَّى يَدخُلَ السوقَ، وإلى هذا ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم، ١٧٧ باب ٧٢ / ح ٢١٦٦ -٢١٦٧ كتاب البيوع وصَرَّحَ جماعة من الشافعية بأنَّ مُنتَهى النَّهي عن التلقّي دخولُ البلد، سواء وَصَلَ إلى السوق أم لا، وعند المالكية في ذلك اختلاف كثير في حَدِّ التلقّي. قوله: ((ولا تَلَقَّوُا السِّلَعَ)) بفتح أوَّله واللَّام وتشديد القاف المفتوحة وضمِّ الواو، أي: تَتَلقَّوا فحُذِفَت إحدى التاءَين. ثُمَّ إِنَّ مُطلَق النَّهي عن التلقّي يتناولُ طولَ المسافة وقِصَرها، وهو ظاهرُ إطلاق الشافعية، وقَيََّ المالكية مَحَلّ النَّهي بحَدِّ مخصوصٍ، ثمَّ اختلفوا فيه، فقيل: ميلٌ، وقيل: فَرسَخان، وقيل: يومان، وقيل: مسافة القَصْر، وهو قول الثَّوري، وأمَّا ابتداؤُها فسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده. ٧٢- باب منتهى التلقِّي ٢١٦٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافع، عن عبدِ الله ◌َ﴾، قال: كنَّا تَتَلَقَى الرُّكْبانَ، فنشتري منهم الطَّعامَ، فنهانا النبيُّ ◌َّ أَن نبيعَه حتَّى يُبلَغَ به سوقُ الطَّعام. قال أبو عبدِ الله: هذا في أعلَى السّوقِ، ويُبيِّنُه حديثُ عُبيدِ الله. ٢١٦٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله . قال: كانوا يَبتاعُونَ الطَّعامَ في أعلَى السّوقِ، فَيَبِيعونَه في مكانِهِ، فتَهاهم رسولُ الله ◌َ أن يَبِيعُوه في مكانه حتَّى يَنقُلوه. قوله: ((باب مُنتَهى التَّلقّي)) أي: وابتِدائه، وقد ذكرنا أنَّ الظّاهرَ أنَّه لا حدَّ لانتهائه من جهة الجالب، وأمَّا من جهة المتلقّي، فقد أشار المصنِّف بهذه الترجمة إلى أنَّ ابتِداءَه الخروجُ من السوق أخذاً من قول الصحابي: إنَهم كانوا يتبايعونَ بالطَّعام في أعلى السوقِ، فيبيعونَه في مكانه، فنَهاهم النبي ◌َّله أن يبيعوه في مكانه حتَّى يَنقُلوه. ولم يَنْهَهم عن التبايُعِ في أعلى السوقِ، فدَلَّ على أنَّ التلقّيَ إلى أعلى السوق جائز، فإن خرج عن السوق ولم يخرُجْ من البلد، فقد صَرَّحَ الشافعية: بأنَّه لا يَدخُلُ في النَّهي، وحَدّ ابتداء التلقّي عندهم الخروج من البلد، والمعنى فيه: أنَّهم إذا قَدِموا البلد أمكَنَهم معرفة السِّعر، وطلبُ الخَظّ لأنفُسِهم، فإن لم يفعلوا ١٧٨ باب ٧٣ / ح ٢١٦٨ - ٢١٦٩ فتح الباري بشرح البخاري ذلك، فهو من تَقصيرهم، وأمَّا إمكانُ معرفتهم ذلك قبلَ دخول البلد فنادر، والمعروفُ عند المالكية اعتبار السوق مُطلَقاً كما هو ظاهرُ الحديث، وهو قولُ أحمد وإسحاق، وعن الليث: كراهةَ التلقّي، ولو في الطَّريق، ولو على باب البيت حتَّى تَدخُلَ السِّلعةُ السوقَ. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف. ٣٧٦/٤ قوله: ((هذا في أعلى السّوقِ)) أي: حديث جُوَيرية عن نافع بلفظ: كنَّا نَتَلَقَّى الرُّكبان، فنشتري منهم الطَّعامَ، الحديث، قال البخاري: وبيَّنه حديث عبيد الله بن عمر، يعني: عن نافع، أي: حيثُ قال: كانوا يتبايعونَ الطَّعام في أعلى السوق، الحديث مثله. وأراد البخاري بذلك الردّ على من استَدَلَّ به على جواز تَلَقّ الرُّكبان لإطلاق قول ابن عمر: كنَّا نَتلقَّى الرُّكْبان، ولا دلالةَ فيه، لأنَّ معناه: أنَّهم كانوا يَتَلَقَّونَهم في أعلى السوقِ، كما في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع، وقد صَرَّحَ مالك في روايته عن نافعٍ (٢١٦٥) بقوله: ((ولا تَلقَّوا السِّلَعَ حتَّى يُهْبَطَ بها السوقَ)) فدَلَّ على أنَّ التلقّي الذي لم يُنْهَ عنه إنَّما هو ما بَلَغَ السوق، والحديث يُفسِّرُ بعضُه بعضاً. وادَّعى الطَّحاوي التعارُضَ في هاتَين الروايَتَينِ، وجمع بينهما بوقوع الضَّرَر لأصحاب السّلَعِ وعَدَمِه، قال: فيُحمَلُ حديثُ النَّهي على ما إذا حَصَلَ الضَّرَر، وحديثُ الإباحة على ما إذا لم يَحَصُل، ولا يخفى رُجْحان الجمعِ الذي جمع به البخاري، والله أعلم. تنبيه: وَقَع قول البخاري: ((هذا في أعلى السوق)) عَقِبَ رواية عُبيد الله بن عمر في رواية أبي ذرِّ، ووقع في رواية غيره عَقِب حديث جُوَيرية، وهو الصواب. ٧٣ - بابٌ إذا اشترط في البيعِ شروطاً لا تحلُّ ٢١٦٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: جاءتني بَرِيرةُ، فقالت: كاتَبتُ أهلي على تِسعِ أواقٍ، في كلُّ عامٍ أُوْقِيَّةٌ، فأعِينِيني، فقلتُ: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُذَّها لهم، ويكونَ ولاؤُكِ لي فعَلتُ، فذهبَت ١٧٩ باب ٧٣-٧٥ / ح ٢١٦٨-٢١٧١ كتاب البيوع بَرِيرةُ إلى أهلِها، فقالت لهم، فأبَوْا عليها، فجاءت من عندِهم ورسولُ الله ◌َِّ جالسٌ، فقالت: إنّي عَرّضتُ ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكونَ الولاءُ لهم. فسمعَ النبيُّ وَّهِ، فأخبَرَت عائشةُ النبيَّ ◌َّهِ، فقال: ((خُذِيها واشترِطي لهم الولاءَ، فإنّما الوَلاءُ لمَن أَعْتَقَ)) ففَعَلَتْ عائشةُ، ثُمَّ قامَ رسولُ الله ◌ِّهِفِي النّاس، فحَمِدَ اللهَ وأثنَی علیه، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، ما بالُ رِ جالٍ یشتِطون شروطاً ليست في کتاب الله؟! ما كان من شرطٍ ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ، وإن كان مئةَ شرطٍ، قَضاءُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثَقُ، وإِنََّا الوَلاءُ لمَن أعتَقَ». ٢١٦٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ عائشةَ أُمَّ المؤمنينَ أرادَت أن تَشتَرِيَ جاريةً فتُعْتِقَها، فقال أهلُها: نبيعُكِها على أنَّ ولاءَها لَنا، فَذَكَرَت ذلك لرسولِ اللهِوَ ◌ِّ، فقال: ((لا يَمنَعُكِ ذلك، فإنَّما الولاءُ لمَن أَعتَقَ)). قوله: ((بابٌ إذا اشترَطَ في البيعِ شروطاً لا تَحِلّ)) أي: هل يَفسُدُ البيعُ بذلك أم لا؟ أورَدَ فيه حديثَي عائشة وابن عمر في قصَّة بَرِيرة، وكأنَّ غرضَه بذلك أنَّ النَّهيَ يقتضي الفساد، فيَصِحُّ ما ذهب إليه من أنَّ النَّهيَ عن تَلَقّي الزُّكبان يُرَدُّ به البيع، وسيأتي الكلامُ عليه في كتاب الشُّروط (٢٧١٧) إن شاء الله تعالى. ٧٤- باب بيع التَّمْر بالتَّمْر ٣٧٧/٤ ٢١٧٠ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثْنا لَيثٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مالكِ بنِ أَوسٍ، سمعَ عمر رضي الله عنهما، عن النبيِّ نَّه قال: ((الْبُرُّ بالبُرِّ رباً إِلَّ هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ، والتَّمرُ بالتَّمرِ رباً إلا هاءَ وهاءَ)). قوله: ((باب بيع الَّمر بالتَّمرِ)) أورَدَ فيه حديثَ عمرَ مُختصَراً. وسيأتي الكلامُ عليه بعد بابٍ (٢١٧٤). ٧٥ - باب بيع الزَّبيب بالزَّبيب والطعام بالطعام ٢١٧١ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: ١٨٠ باب ٧٥ -٧٦/ ح ٢١٧٢ -٢١٧٤ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ رسولَ الله وَّ نهى عن المزابنة. والمزابَتُةُ: بِيعُ الثَّمَرِ بالتَّمِرِ كَيْلاً، وبيعُ الزَّبِيبِ بالكَرْمِ کَیلاً. [أطرافه في: ٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥] ٢١٧٢ - حدَّثنا أبو النُّعمان، حدَّثْنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َِِّ نهى عن المزابنة. قال: والمزابَنَةُ: أن يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيلٍ: إن زادَ فلي، وإن نَقَصَ فعليّ. ٢١٧٣ - قال: وحدَّثني زيدُ بنُّ ثابتٍ: أنَّ النبيَّ وَلَهَ رَ خَّصَ في العَرَايا بخَرْصِها. [أطرافه في: ٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠] قوله: ((باب بيع الزَّبيبِ بالَّبيبِ، والطَّعام بالطَّعام)) ذكر فيه حديث ابن عمر في النَّهي عن المزابنة من طريقَين، وسيأتي الكلامُ عليه بعد خمسة أبواب (٢١٨٥). وفي الطَّريق الثانية حديث ابن عمر عن زيد بن ثابت في العَرايا، وسيأتي الكلامُ عليه بعد سبعة أبواب (٢١٨٤). وذكر في الترجمة الطَّعام بالطَّعام وليس في الحديث الذي ذكره للطَّعام ذِكرٌ، وكذلك ذكر فيها الَّبيب بالَّبيبِ والذي في الحديث الَّبيب بالكَرْم، قال الإسماعيلي: لعلَّه أخذَ ذلك من جهة المعنى، قال: ولو ترجمَ للحديث ببيعِ التمر في رؤوسِ الشَّجَر بمثلِه من چِنسِه يابساً، لكان أولى، انتهى. ولم يُحِلَّ البخاري بذلك كما سيأتي بعد ستّة أبوابٍ(١)، وأمَّا هنا، فكأنَّه أشار إلى ما وقع في بعضِ طرقه من ذكر الطَّعام، وهو في رواية الليث عن نافع كما سيأتي (٢٢٠٥) إن شاء الله تعالى، وروى مسلم (١٥٩٢) من حديث مَعمَر بن عبد الله مرفوعاً: ((الطَّعام بالطَّعام مِثْلاً بِمِثلٍ». ٧٦ - باب بيع الشَّعير بالشَّعير ٢١٧٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مالكِ بنِ أُوسٍ (١) باب (٨٢): بيع المزابنة.