النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
باب ٦١ / ح ٢١٤٣
كتاب البيوع
مُستَمِّرّاً تَبَعاً كالحمل مع الحاملِ: جاز لقِلّة الغَرَر، ولعلَّ هذا هو الذي أراده ابن سِيرِين،
لكن مَنَعَ من ذلك ما رواه ابن المنذر عنه، أنَّه قال: لا بأسَ ببيع العبد الآبق إذا كان عِلْمهما
فيه واحداً. فهذا يدلُّ على أنَّه يرى بيع الغَرَر إن سَلِمَ في المآل، والله أعلم.
قوله: ((وكان) أي: بيع حَبَل الحَبَلة ((بيعاً يتبايعُه أهل الجاهلية ... )) إلى آخره، كذا وقع
هذا التفسير في ((الموطَّأ)) (٦٥٣/٢ -٦٥٤) مُتَّصِلاً بالحديث، قال الإسماعيلي: وهو مُدرَجٌ
يعني أنَّ التفسيرَ من كلام نافع، وكذا ذكر الخَطيب في ((المدرَجِ)) (٤٣) وسيأتي في آخر السَّلَمِ
(٢٢٥٦) عن موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي عن جُوَيرية التصريحُ بأنَّ نافعاً هو الذي فسَّرَه،
لكن لا يَلْزَمُ من كون نافعٍ فَسَرَّه لٌوَيرية أن لا يكونَ ذلك التفسيرُ ممّا خَله عن مولاه ابن
عمر، فسيأتي في أيام الجاهلية (٣٨٣٤) من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر
قال: كان أهل الجاهلية يتبايعونَ لحم الجَزُور إلى حَبَل الحَبَلة، وحَبَل الحَبَلة: أن تُنْتَجَ الناقةٌ
ما في بطنها ثمَّ تَحمِلُ التي نَتَجَت، فنَهاهم رسول الله وَّه عن ذلك، فظاهر هذا السِّياق أنَّ
هذا التفسيرَ من كلام ابن عمر، ولهذا جَزَمَ ابن عبد البَرِّ بأنَّه من تفسير ابن عمر، وقد
أخرجه مسلم (٥/١٥١٤) من رواية الليث، والتِّرمِذي (١٢٢٩) والنَّسائي (٦١٧٤) من
رواية أيوبَ، كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد (٤٥٨٢)، والنَّسائي (٤٦٢٣)
وابن ماجَهْ (٢١٩٧)، من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عمر بدون التفسير أيضاً.
قوله: ((الجَزُور)) بفتح الجيمِ وضمِّ الزاي: هو البعيرُ ذكراً كان أو أُنثى، إِلَّا أنَّ لفظَه
مؤنَّثٌ، تقولُ: هذه الجزور، وإن أردتَ ذكراً، فيحتملُ أن يكونَ ذكرُه في الحديث قَيداً فيما
كان أهل الجاهلية يفعلونَه، فلا يتبايعونَ هذا البيع إلَّا في الجزور أو لحم الجزور، ويحتملُ
أن يكونَ ذُكِرَ على سبيل المثال، وأمَّا في الحكم فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك.
قوله: ((إلى أن تُنْتَجَ)) بضمٍّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: تَلِدَ ولداً، والناقةُ فاعل، وهذا الفعل ٣٥٨/٤
وَقَع في لغة العربِ على صيغة الفعل المسنَد إلى المفعول، وهو حرفٌ نادرٌ.
وقوله ((ثمَّ تُنْتَجُ التي في بطنها)) أي: ثمَّ تعيشُ المولودةُ حتَّى تَكبُرَ ثمَّ تَلِد، وهذا القَدْر

١٤٢
باب ٦١ / ح ٢١٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
زائد على رواية عُبيد الله بن عمر، فإنَّه اقتَصَرَ على قوله: ثمَّ تَحمِلُ التي في بطنها، ورواية
جُوَيرية أخصرُ منهما، ولفظُه: أن تُنْتَجَ الناقة ما في بطنها، وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن
المسيّب فيما رواه عنه مالك (٦٥٤/٢)، وقال به مالك والشافعي وجماعة: وهو أن يبيعَ
بثمنٍ إلى أن يَلِدَ ولدُ الناقة. وقال بعضهم: أن يبيعَ بثمنٍ إلى أن تَحمِلَ الدّابَةُ وتَلِدَ ويَحِمِلَ
ولدها، وبه جَزَمَ أبو إسحاق في ((التنبيه))، فلم يشترِط وضعَ حَمْل الولد كرواية مالك، ولم أرَ
من صَرَّحَ بما اقتضَته رواية جُوَيرية وهو الوضعُ فقط، وهو في الحكمِ مثلُ الذي قبله، والمنع
في الصّوَر الثلاث للجَهالة في الأجَلِ، ومن حقِّه على هذا التفسير أن يُذكَرَ في السَّلَم.
وقال أبو عُبيدة وأبو عُبيد وأحمد وإسحاق وابن حَبيب المالكي وأكثر أهل اللُّغة، وبه
جَزَمَ التِّرمِذي: هو بيعُ ولد نِتاج الدابّة. والمنعُ في هذا من جهة أنَّه بيعُ معدومٍ ومجهولٍ
وغيرِ مقدورٍ على تسليمِهِ، فَيَدخُلُ في بيوع الغَرَر، ولذلك صَدَّرَ البخاري بذكر الغَرَر في
الترجمة، لكنَّه أشار إلى التفسير الأوَّل بإيراد الحديث في كتاب السَّلم أيضاً (٢٢٥٦)،
وَرَجَّحَ الأوَّل لكونه موافقاً للحديث وإن کان کلام أهل اللّغة موافقاً للثاني. لكن قد روی
الإمامُ أحمد (٦٣٠٧) من طريق ابن إسحاق عن نافعٍ عن ابن عمر ما يوافقُ الثاني، ولفظه:
نهى رسول الله وَّ عن بيع الغَرَر. قال: إنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يتبايعونَ ذلك البيع، يَبتاعُ
الرجلُ بالشارفِ حَبَل الحَبَلة، فنُهوا عن ذلك.
وقال ابن التِّينِ: مُحصَّل الخلاف: هل المرادُ البيع إلى أجَلٍ أو بيع الجنين؟ وعلى الأوَّل هل
المرادُ بالأجَل ولادة الأُمّ أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المرادُ بيع الجنين الأوَّل أو بيع
جَنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوالٍ. انتهى، وحكى صاحب ((المحكم)) قولاً آخرَ: أنَّه بيع ما
في بُطون الأنعام، وهو أيضاً من بيوع الغَرَر، لكن هذا إنَّما فسَّر به سعيد بن المسيّب- كما رواه
مالك في الموطَّأَ (٦٥٤/٢) - بيعَ المضامين(١)، وفسَّر به غيرُه بيعَ الملاقيح (٢)، واتَّفَقَت هذه
(١) هو بيع ما في أصلاب الفُحُول.
(٢) هو بيع ما في بطن الناقة.

١٤٣
باب ٦٢-٦٣ / ح ٢١٤٤-٢١٤٧
كتاب البيوع
الأقوال - على اختلافها - على أنَّ المراد بالحَبَلة جمع حابلِ أو حابلةٍ من الحيوان، إلَّا ما حكاه
صاحب ((المحكَم)) وغيره عن ابن كَيْسانَ، أنَّ المراد بالحبلة: الكَرْمة، وأنَّ النَّهيَ عن بيعِ
حَبَلها، أي: حَمْلها قبلَ أن تَبلُغَ، كما نُهُيَ عن بيعٍ ثَمَر النَّخلة قبلَ أن تُزهي، وعلى هذا فالحبلة
بإسكان الموحّدة، وهو خلافُ ما ثبتت به الروايات، لكن حُكي في الكَرْمة فتحُ الباء، واذَّعى
السُّهَيلي تفرُّد ابن كَيْسانَ به، وليس كذلك، فقد حكاه ابن السّكّيت في كتاب ((الألفاظ)»،
ونقله القُرطُبي في (المفهم)) عن أبي العبّاس المبرّد، والهاء على هذا للمُبالَغة وجهاً واحداً.
٦٢ - باب بيع الملامسة
قال أنس: نهى النبيُّ أَلټ عنه.
٢١٤٤ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ،
قال: أخبرني عامِرُ بنُ سعدٍ، أنَّ أبا سعيدٍ ﴾ أخبره: أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّ نهى عن المنابَذةِ: وهي
طَرَحُ الرجلِ ثوبَه بالبيعِ إلى الرجلِ قبلَ أن يُقلِّبَه أو يَنظُرَّ إليه، ونهى عن الملامسةِ. والملامسةُ:
لمسُ الَّوبِ لا يَنظُرُّ إليه.
٢١٤٥- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا أيوبُ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ◌َُه
قال: ثُِّيَ عن لِبِسَتَينِ: أن يَحَتَبِيَ الرجلُ في الثَّوبِ الواحدِ، ثمَّ يَرفَعَه على مَنكِهِ، وعن بَيعَنَينِ:
اللِّماس والنِّاذ.
٦٣ - باب بيع المنابَذة
٣٥٩/٤
وقال أنسُ: نهى النبيُّ ◌َّ عنه.
٢١٤٦ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن محمَّد بنِ يحيى بنِ حَبّانَ. وعن أبي الزِّنادِ،
عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ه: أنَّ رسولَ اللهِوَّ نهى عن الملامَسةِ والمنابَذة.
۔
٢١٤٧ - حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلَى، حدَّثْنَا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ
ابنِ يزيدَ، عن أبي سعيدٍ ◌ّ، قال: نهى النبيُّ وَلَه عن لِيسَتَينٍ، وعن بيعتَينِ: الملامسةِ والمنابَذة.

١٤٤
باب ٦٢-٦٣ / ح ٢١٤٤ -٢١٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب بيع الملامَسَة، قال أنس: نهى النبي ◌ُّل عنه)) ثُمَّ قال ((باب بيع المنابَذَة)) وعَلَّقَ عن
أنسٍ مثله، وأورَدَ في البابين حديث أبي سعيد من وجهَينٍ، وحديث أبي هريرة من وجهَين.
فأمَّا حديثُ أنس فسيأتي موصولاً بعد ثلاثين باباً في («باب بيع المخاضَرة)) (٢٢٠٧).
قوله في حديث أبي سعيد: (نهى عن المنابَذة)) وهي طَرحُ الرجل ثوبه بالبيعِ إلى رجلٍ قبلَ
أن يُقلِّبَه أو يَنظُرَّ إليه، ونهى عن الملامسة. والملامَسةُ: لمس الثَّوبِ لا يُنظَرُ إليه. وسيأتي في
اللَّاس (٥٨٢٠) من طريق يونس عن الزُّهْري بلفظ: والملامسة: لمسُ الرجل ثوبَ الآخر
بيدِه باللَّيل أو بالنَّهار ولا يُقلِّبُه إلَّ بذلك، والمنابَذةُ: أن يَنِذَ الرجل إلى الرجل بثوبه ويَنِذُ
الآخر بثوبِه، ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراضٍ. ولأبي عَوَانة (٤٨٦٧) من طريقٍ
أُخرى عن يونسَ: وذلك أن يتبايعَ القومُ السِّلَع لا يَنظُرُونَ إليها ولا يُخْبِرِونَ عنها، أو
يَتَنَابَذَ القوم السِّلَع كذلك، فهذا من أبواب القمار. وفي رواية ابن ماجَهْ (٢١٧٠) من طريق
سفيان عن الزُّهْري: والمنابذة: أن يقولَ: ألقٍ إليَّ ما معك وأُلقي إليك ما معي. وللنَّسائي
(٤٥١٧) من حديث أبي هريرة: الملامسة: أن يقولَ الرجل للرجلِ: أبيعُك ثوبي بثوبِك،
ولا يَنظُرُ واحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يَلِمِسُه لمساً، والمنابَذةُ: أن يقولَ: أنِذُ ما معي
وتَنِذُ ما معك، يشتري كلُّ واحد منهما من الآخر، ولا يدري كلُّ واحدٍ منهما كَم مع
الآخر ونحوُ ذلك. ولم يُذكَر التفسيرُ في طريق أبي سعيد الثانية هنا ولا في طريق أبي هريرة.
وقد وقع التفسيرُ أيضاً عند أحمد (١١٩٠٤) من طريق مَعمَر هذه، أخرجه عن
عبد الرزاق عنه، وفي آخره: والمنابَذة: أن يقول: إذا نَبَذتُ هذا الثَّوب فقد وَجَبَ البيع،
والملامَةُ: أن يَلمِسَ بِيدِه ولا يَنشُرَه ولا يُقلِّبَه(١)، إذا مَسَّه وَجَبَ البيع. ولمسلمٍ
(٢/١٥١١) من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: أمَّا الملامسةُ: فأن يَلمِسَ كلُّ واحدٍ
منهما ثوبَ صاحبِه بغير تأمُّلِ، والمنابَذةُ: أن يَنِذَ كلُّ واحدٍ منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد
منهما إلى ثوبٍ صاحبِه، وقد تقدَّم في الصيام (١٩٩٣) من هذا الوجه وليس فيه التفسير.
(١) نص رواية ((المسند)): أن يَمسَّه بيده، ولا يلبَسُه، ولا يقُلِّبه.

١٤٥
باب ٦٢-٦٣ / ح ٢١٤٤-٢١٤٧
كتاب البيوع
وهذا التفسيرُ الذي في حديث أبي هريرة أقعَدُ بلفظ الملامسة والمنابَذة، لأنها مُفاعَةٌ،
فتستدعي وجود الفعل من الجانبين.
واختلفَ العلماء في تفسير الملامَسة على ثلاث صورٍ، وهي أوجُهٌ للشافعية:
أصخُّها: أن يأتي بثوبٍ مَطويٍّ أو في ظُلمةٍ، فيَلِمِسَه المستام، فيقولَ له صاحب الثَّوبِ:
بِعتُكَه بكذا بشرط أن يقومَ لمسُك مقامَ نظرك، ولا خيار لك إذا رأيتَه، وهذا هو موافقٌ
للتفسيرَين اللذَين في الحديث.
الثاني: أن يجعلا نفسَ اللَّمسِ بيعاً بغير صيغةٍ زائدةٍ.
الثالث: أن يجعلا اللَّمسَ شرطاً في قطع خيار المجلس وغيره.
والبيعُ على التأويلات كلِّها باطل، ومأخذ الأوَّل: عَدَم شرط رُؤية المبيع، واشتراط
نفي الخيار.
ومأخذ الثاني: اشتراط نفي الصيغة في عقد البيع، فيُؤَخَذُ منه بُطْلان بيع المعاطاة
مُطلَقاً، لكن من أجازَ المعاطاة قَيَّدَها بالمحقَّرات أو بما جَرَت فيه العادة بالمعاطاة،/ وأمَّا ٣٦٠/٤
الملامسةُ والمنابَذةُ عند من يستعملُهما فلا يَخْصُّهما بذلك، فعلى هذا يجتمعُ بيع المعاطاة مع
الملامسة والمنابَذة في بعضِ صور المعاطاة، فلِمَن يجيزُ بيع المعاطاة أن يَخْصَّ النَّهي في بعض
صور الملامَسة والمنابَذة عمَّا جَرَت العادةُ فيه بالمعاطاة، وعلى هذا يُحِمَلُ قول الرافعي: إنّ
الأئمََّ أجرَوا في بيع الملامسة والمنابَذة الخلافَ الذي في المعاطاة، والله أعلم.
ومأخذ الثالث: شرط نفي خيار المجلس.
وهذه الأقوال هي التي اقتَصَرَ عليها الفقهاء، ونُخرِجُ ممَّا ذكرناه من طرق الحديث زيادةً
على ذلك.
وأمَّا المنابذةُ فاختلفوا فيها أيضاً على ثلاثة أقوال، وهي ثلاثةُ أوجُهٍ للشافعية:
أصحّها: أن يجعلا نفسَ النَّبذِ بيعاً كما تقدَّم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث
المذكور.

١٤٦
باب ٦٢ -٦٣ / ح ٢١٤٤ -٢١٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
والثاني: أن يجعلا النَّبْذَ بيعاً بغير صيغة.
والثالث: أن يجعلا النَّبْذَ قاطعاً للخيار.
واختلفوا في تفسير النَّبْد: فقيل: هو طَرْح الثَّوب كما وقع تفسيرُه في الحديث المذكور،
وقيل: هو نَبْذ الحَصَاة، والصحيح أنَّه غيرُه. وقد روى مسلم (١٥١٣) النَّهي عن بيعِ
الحصاة من حديث أبي هريرة.
واختُلِفَ في تفسير بيع الحصاة: فقيل: هو أن يقولَ: بعتُك من هذه الأثواب ما وَقَعَت
عليه هذه الحصاةُ، ويرمي حَصاةً، أو مِن هذه الأرض ما انتَهَت إليه في الَّمي، وقيل: هو
أن يشترِطَ الخيار إلى أن يرمي الحصاة، والثالث: أن يجعلا نفس الرَّمي بيعاً.
وقوله في الحديث: ((لمسُ الثَّوبِ لا يَنظُرُ إليه)) استُدِلَّ به على بُطْلان بيعِ الغائبِ، وهو
قولُ الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة: يَصِحُ مُطلَقاً، ويَثْبُتُ الخيار إذا رآه، وحُكي عن
مالك والشافعي أيضاً، وعن مالكٍ: يَصِحُّ إن وصَفَه وإلَّا فلا، وهو قولُ الشافعي في
القديمِ وأحمد وإسحاق وأبي ثَوْر وأهل الظّاهر، واختاره البَغَوي والرُّوياني من الشافعية
وإن اختلفوا في تفاصيله، ويُؤيِّدُه قوله في رواية أبي عَوَانة (٤٨٦٧) التي قدَّمتُها: لا يَنظُرُونَ
إليها ولا يُحْبَرونَ عنها، وفي الاستدلال لذلك وِفاقاً وخلافاً طولٌ.
واستُدِلَّ به على بُطْلان بيع الأعمى مُطلَقاً، وهو قولُ مُعظَمِ الشافعية، حتَّى من أجازَ
منهم بيعَ الغائبِ لكون الأعمى لا يَراه بعد ذلك، فيكون كبيع الغائبِ مع اشتراط نفي
الخيار، وقيل: يَصِحُّ إذا وصَفَه له غيرُه، وبه قال مالك وأحمد، وعن أبي حنيفة: يَصِحُ
مُطلَقاً على تفاصيلَ عندهم أيضاً.
تنبيهات:
الأوَّل: وقع عند ابن ماجَهْ (٢١٧٠): أنَّ التفسيرَ من قول سفيان بن عُيَينة، وهو خطأٌ
من قائلِهِ، بل الظاهر أنَّه قولُ الصحابي کما سأُبيِّنه بعد.
الثاني: حديث أبي سعيد، اختُلِفَ فيه على الزُّهْري: فرواه مَعمَر وسفيان وابن أبي

١٤٧
باب ٦٢-٦٣ / ح ٢١٤٤-٢١٤٧
كتاب البيوع
حفصة وعبد الله بن بُدَيلِ وغيرُهم، عنه عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد(١). ورواه عُقيل
ويونس وصالح بن كَيْسانَ وابن جُرَيج، عن الزُّهْري عن عامر بن سعد عن أبي سعيد(٢).
وروى ابن جُرَيج بعضَه عن الزُّهْري عن عُبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد(٣)، وهو
محمولٌ عند البخاري على أنَّها كلَّها عند الزُّهْري، واقتَصَرَ مسلم (١٥١٢) على طريق عامر
ابن سعد وحدَه وأعرَضَ عَّا سواها.
وقد خالَفَهم كلَّهم الزُّبَيديُّ، فرواه عن الزُّهْري عن سعيدٍ عن أبي هريرة، وخالَفَهم
أيضاً جعفر بن بُرْقان، فرواه عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه، وزاد في آخره: وهي بيوعٌ
كانوا يتبايعونَ بها في الجاهلية، أخرجهما النَّسائي(٤)، وخَطَّأ روايةَ جعفر.
الثالث: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري عنه من طرق، ثالثها: طريق حفص بن
عاصم عنه، وهو في مواقيت الصلاة (٥٨٤) ولم يَذكُر في شيءٍ من طرقه عنه تفسير المنابذة
والملامَسة، وقد وقع تفسيرُهما في كتاب مسلم والنَّسائي كما تقدَّم.
وظاهر الطُّرِق كلّها أنَّ التفسيرَ من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النَّسائي
(٤٥١٧) ما يُشعِرُ بأنَّه من كلام مَن دون النبي ◌َّهِ ولفظُه: وزَعَمَ أنَّ الملامَسةَ أن يقولَ ... ،
(١) رواية معمر هي رواية الباب، وانظر تتمة تخريجها في ((المسند)) (١١٠٢٤)، ورواية سفيان - وهو ابن
عيينة - ستأتي عند البخاري برقم (٦٢٨٤)، وانظر تتمة تخريجها في المسند (١١٠٢٢)، وروايتا ابن أبي
حفصة وعبد الله بن بُديل علَّقهما البخاري بإثر الحديث (٦٢٨٤)، وقد خرّجهما الحافظ هناك.
(٢) روایة عُقیل - وهو ابن خالد- هي رواية الباب أيضاً، أخرجها النسائي كذلك (٤٥١٠)، ورواية یونس
- وهو ابن يزيد الأيلي - ستأتي عند البخاري برقم (٥٨٢٠)، وأخرجها مسلم (١٥١٢)، وأبو داود
(٣٣٧٩)، والنسائي (٤٥١١)، ورواية صالح بن كيسان أخرجها أحمد (١١٩٠٢)، ومسلم (١٥١٢)،
والنسائي (٤٥١٤)، ورواية ابن جريج أخرجها أحمد (١١٨٩٩)، وهي في ((المصنف)) لعبد الرزاق
(١٤٩٩٠).
(٣) رواية ابن جريج ستأتي عند البخاري برقم (٥٨٢٢)، وأخرجها أيضاً أحمد (١١٠٢٤).
(٤) في ((الكبرى)) (٦٠٥٩) و(٦٠٦٢)، لكن جعفراً لم يروه عن الزهري مباشرة كما يوهم صنيع الحافظ،
وإنما قال: بلغني عن الزهري، وقد أورده المزي في ((التحفة)) (٧٠١٨) بعنوان: من بلَّغ جعفرَ بن بُرقان
عن الزهري.

١٤٨
باب ٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
إلى آخره، فالأقرَب أن يكونَ ذلك من كلام الصحابي، لبُعد أن يُعبِّرَ الصحابي عن النبي
وَّ بلفظ: زَعَم، ولوقوعِ التفسير في حديث أبي سعيد الخُذْري من قوله أيضاً كما تقدَّم.
الرابع: وقع في حديث أبي هريرة في الطَّريق الأولى هنا: نهى عن لِبِسَتَين، واقتَصَرَ على
٣٦١/٤ لبسةٍ / واحدةٍ ولم يذكره في موضع آخر، وقد وقع بيان الثانية عند أحمد (١٠٣٧٠) من طريق
هشام عن محمد بن سِيرِين ولفظه: أن يَحَتَبَيَ الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ ليس على فَرجِه منه
شيء، وأن يرتديَ في ثوبٍ يَرفَعُ طرفَيه على عاتقَيه.
٦٤ - باب النهي للبائع أن لا يحفِّل الإبل والبقر والغنم وكلَّ مُحُفَّلة
والمصرّاةُ: الَّتِي صُرِّيَ لبنُها، وحُقِنَ فيه وُجُمعَ، فلم يُحلَب أياماً، وأصلُ النَّصِرِيةِ: حَبسُ
الماء، يقال منه: صَرَّيتُ الماءَ: إذا حَبَسْتَه
قوله: ((باب النَّهي للبائع أن لا يُحقِّلَ الإبل والبقر والغنم)) كذا في مُعظَم الروايات، و((لا))
زائدةٌ، وقد ذكره أبو نُعيم بدونِ ((لا))، ويحتملُ أن تكون ((أن)) مُفسِّرةً، و((لا يُحُفِّلَ)) بياناً
للَّهي، وفي رواية النَّسَفي: نهى البائعَ أن يُحقِّلَ الإبل والغنم. وقَيَّدَ النَّهي بالبائعِ إشارة إلى أنَّ
المالكَ لو حَفَّلَ فجمع اللَّبَنَ للولد أو لعياله أو لضَيفِه لم يحرُم، وهذا هو الراجحُ كما سيأتي.
وذِكْرُ البقر في الترجمة وإن لم يُذكَر في الحديث إشارةٌ إلى أنَّها في معنى الإبل والغنمِ في
الحكم خلافاً لداود، وإنَّما اقتَصَرَ عليهما لغَلَبَتهما عندهم، والتحفيل بالمهمَلة والفاء:
التجميع، قال أبو عُبيد: سُمّيت بذلك لأنَّ اللََّنَ يَكثُرُ فِي ضَرْعها، وكلّ شيءٍ كَثَّرَتَه فقد
حَفَّلْتَه، تقول: ضَرْعٌ حافلٌ، أي: عظيمٍ، واحتَفَلَ القومُ: إذا كَثُرَ جمعُهم، ومنه سُمّي
المَحفِل.
قوله: ((وكلَّ مُحُفَّلة)) بالنَّصبِ عطفاً على المفعول، وهو من عطف العامّ على الخاصِّ، إشارة
إلى أنَّ إلحاق غير النَّعَمِ من مأكول اللَّحمِ بالنَّعَمِ للجامعِ بينهما، وهو تغريرُ المشتري، وقال
الحنابلةُ وبعضُ الشافعية: يختصُّ ذلك بالنَّعَم، واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية،
فالأصحُّ: لا يَرُدُّ للبن عِوَضاً، وبه قال الحنابلة في الأتان دونَ الجارية.

١٤٩
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
قوله: ((والمصَرَّاة)) بفتح المهمَلة وتشديد الراءِ ((التي صُرّي لبنُها وحُقِنَ فيه)) أي: في الثَّدي ٣٦٢/٤
((وُجُمِعَ فلم يُحلَب)) وعطفُ الحَقْن على التصرية عطفٌ تفسيريّ لأنه بمعناه.
قوله: ((وأصل التَّصرية: حَبْس الماءِ، يقال منه: صَرَّيتُ الماءَ: إذا حَبَستَه)) وهذا التفسير قول
أبي عُبيد وأكثر أهل اللُّغة، وقال الشافعي: هو رَبْط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حَلْبها حتَّى
يجتمعَ لبنُها فيَكثُرَ، فيظنُّ المشتري أنَّ ذلك عادتُها، فيزيدُ في ثمنها لما يرى من كَثْرة لبنها.
٢١٤٨ - حدَّثنا ابنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن جعفرِ بنِ رَبِيعةَ، عن الأعرج، قال أبو هريرةَ
◌َّ عن النبيِّ ◌َّ: ((لا تُصَرُّوا الإبلَ والغنمَ، فمَنِ ابتاعَها بعدُ، فإنَّه بخيرِ النَّظَرَينِ: إِنْ يَحَتَلِبْها،
إن شاءَ أمسَكَ، وإن شاءَ رَدَّها وصاعَ تمٍ)).
ويُذكَر عن أبي صالحٍ ومجاهدٍ والوليد بنِ رَباحٍ وموسى بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ ◌َّ: ((صاعَ تمرٍ)).
وقال بعضُهم عن ابنِ سِيرِينَ: ((صاعاً من طعام، وهو بالخِيار ثلاثاً).
وقال بعضُهم: عن ابنِ سِيرِينَ: ((صاعاً من تمٍ)) ولم يَذْكُر ثلاثاً، والتَّمرُ أكثر.
قوله: ((لا تُصَرُّوا)) بضمٍّ أوَّله وفتح ثانيه، بوزن تُزَكّوا، يقال: صَرّى يُصرّي تصریة،
كَزَكّى يُزَكّي تَزكية. و ((الإبلَ)» بالنَّصبِ على المفعولية، وقَيَّدَه بعضهم بفتح أوَّله وضمِّ ثانيه،
والأوَّل أصحّ لأنه من: صَرَّيتُ اللَّبَن في الضَّرع: إذا جمعتَه، وليس من: صَرَرتُ الشيءَ: إذا
رَبَطْتَه، إذ لو كان منه لَقيل: مصرورة أو مُصرَّرة، ولم يُقَل: مُصرّاة، على أنَّه قد سُمِعَ
الأمران في كلام العرب، قال الأغلَب:
رأت غُلاماً قد صَرَى في فِقرَتهِ ماءَ الشَّبابِ عُنفُوانَ شِرَّتِهِ (١)
وقال مالك بن نويرة:
فقلت لقومي هذه صَدَقاتكم مُصرَّرةً أخلاقُها لم تُحَرَّدِ
(١) تحرف في (ع) إلى: معرته، وفي (س) إلى: سيرته، والمثبت من (أ) وهو الموافق لرواية البيت عند أبي عبيد
في ((غريب الحديث))، والزمخشري في ((الفائق)) وغيرهما.

١٥٠
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
وضَبَطَه بعضهم بضمٍّ أوَّله وفتحِ ثانيه لكن بغير واوٍ على البناءِ للمجهول، والمشهور الأوَّل.
قوله: ((الإبل والغنم)) لم يَذكُر البقر، وقد تقدَّم بيان ذلك في الترجمة، وظاهر النَّهي تحريم
التَّصرية سواء قُصِدَ التدليس أم لا، وسيأتي في الشُّروط (٢٧٢٧) من طريق أبي حازم عن
أبي هريرة: نهى عن التَّصرية، وبهذا جَزَمَ بعض الشافعية، وعَلَّه بما فيه من إيذاءِ الحيوان،
لكن أخرج النَّسائي حديث الباب من طريق سفيان عن أبي الزِّناد عن الأعرَجِ بلفظ: ((لا
تُصَرّوا الإبل والغنم للبيع))(١)، وله (٤٤٨٦) من طريق أبي كثير السُّحَيمي عن أبي هريرة:
((إذا باع أحدُكُم الشاةَ أو اللِّقحةَ فلا يُحُفِّلها))، وهذا هو الراجحُ، وعليه يدلُّ تعليل الأكثر
بالتدليس، ويُجابُ عن التعليل بالإيذاءِ بأنَّه ضَرَر يسير لا يَستمِرُّ فيُغْتَفَرُ لتحصيل المنفَعة.
قوله: «فمن ابتاعها بعد)) أي: من اشتراها بعد التحفیل، زاد عُبيد الله بن عمر عن أبي
الزناد: ((فهو بالخيار ثلاثة أيام)) أخرجه الطَّحاوي (١٨/٤)، وسيأتي ذكر من وافقه على
ذلك، وابتداء هذه المدّة من وقتٍ بيان التصرية، وهو قولُ الحنابلة، وعند الشافعية: أنَّها من
حين العقد، وقيل: من التفرُّق، ويَلَزَمُ عليه أن يكونَ الغَرَرُ أوسَعَ من الثلاث في بعضِ
الصُّوَر، وهو ما إذا تأخّرَ ظهور التصريَة إلى آخر الثلاث، ويَلزَمُ عليه أيضاً أن تُحسَبَ المَدَّة
قبلَ التمكُّن من الفسخ، وذلك يُفُوِّتُ مقصود التوسُّعِ بالمدّة.
قوله: ((بخير النَّظَرَينِ)) أي: الرَّأيين.
قوله: ((إنْ يَحتلِيْها)) كذا في الأصل وهو بكسر ((إنْ)) على أنَّها شرطية وجَزْمِ ((يَحَتَلِيْها))(٢)،
ولابن خُزيمة والإسماعيلي من طريق أَسَد(٣) بن موسى عن الليث: ((بعد أن يَحتَلِبَها)) بفتح
((أن)) ونصب ((يَحَتَلِبَها)).
(١) كذا قال الحافظ، مع أن لفظ النسائي في ((المجتبى)) (٤٤٨٧)، وفي ((الكبرى)) (٦٠٣٥): ((لا تلقوا الرُّكبان
للبيع، ولا تُصَرّوا الإبل والغنم، من ابتاع من ذلك شيئاً فهو بخير النظرين ... )) إلخ، لكن أخرجه باللفظ
الذي أشار إليه الحافظ: الشافعيُّ في («السنن المأثورة)) (٢٦٣)، وأحمد (٧٣٠٥) وغير هما عن سفيان.
(٢) هذا بناء على رواية أبي ذر الهروي عن الحقُّوِي، ولغيره: ((بين أن يحتلبَها)) بزيادة لفظ ((بين)) ويفتح همزة ((أن))
ونصب ((يحتلبها))، وفي هامش اليونينية مكتوب: صوابه: بعد أن يحتلبها. وانظر ((إرشاد الساري)) ٦٦/٤.
(٣) تحرف في (س) إلى: أسيد.

١٥١
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
وظاهر الحديث أنَّ الخيار لا يَتْبُتُّ إلَّا بعد الحَلْب، والجمهور على أنَّه إذا عَلِمَ بالتصرية
ثبت له الخيارُ ولو لم يَحِلُب، لكن لمَّا كانت التصرية لا تُعرَفُ غالباً إِلَّا بعد الحَلْب ذكر قَيداً
في ثبوتِ الخيار، فلو ظَهَرَتِ التصريةُ بغير(١) الحَلْب فالخيار ثابت.
قوله: ((إن شاءَ أمسَكَ)) في رواية مالك عن أبي الزِّناد في آخر الباب: ((إن رضيَها أمسَكَها)
أي: أبقاها على مِلكِهِ، وهو يقتضي صِحّة بيع المصرّاة وإثبات الخيار للمُشتَري، فلو اطَّلَعَ على
عيبٍ بعد الرِّضا بالتصرية فرَدَّها، هل يَلزَمُ الصاع؟ فيه خلاف، والأصحُّ عند الشافعية
وجوب الردّ، ونقلوا نَصَّ الشافعي على أن لا يَرُدَّ، وعند المالكية قولان.
قوله: ((وإن شاءَ رَدَّها)) في رواية مالك: ((وإن سَخِطَها رَدَّها))، وظاهرُه اشتراط الفَوْر
وقياساً على سائر العيوب، لكنَّ الروايةَ التي فيها: أنَّ له الخيار ثلاثةَ أيام، مُقدَّمةٌ على هذا
الإطلاق،/ ونقل أبو حامد والرُّوياني فيه نَصّ الشافعي، وهو قول الأكثر، وأجاب من ٣٦٣/٤
صَحَّحَ الأوَّل بأنَّ هذه الروايةَ محمولةٌ على ما إذا لم يعلم أنَّها مُصرّاة إلَّا في الثلاث، لكون
الغالب أنَّها لا تُعلَمُ فيما دونَ ذلك.
قال ابن دَقِيق العيد: والثاني أرجَحُ، لأنَّ حُكم التصرية قد خالَفَ القياسَ في أصل الحكم
لأجل النصِّ، فَيَطَّرِدُ ذلك ويُتَبَعُ في جميعِ مَواردِهِ. قلت: ويُؤَيِّدُه أنَّ في بعضٍ روايات أحمد
(٧٥٢٣) والطَّحاوي (١٧/٤) من طريق ابن سِيرِين عن أبي هريرة: «فهو بأحد النَّظَرَينِ:
بالخيار إلى أن يجُوزَها أو يَرُدَّها) وسيأتي.
قوله: ((وصاعَ تمٍ)) في رواية مالك: ((وصاعاً من تمر))، والواو عاطفة للصاع على
الضَّمير في ((رَدَّها))، ويجوزُ أن تكون الواو بمعنى ((مع))، ويُستَفادُ منه فورية الصاع مع
الردّ، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً معه. ويُعكِّرُ عليه قولُ مُمهور النُّحاة: إنَّ شرطَ المفعول
معه أن يكونَ فاعلاً.
فإن قيل: التعبير بالردِّ في المصرّاة واضح، فما معنى التعبير بالردِّ في الصاع؟ فالجوابُ أنَّه
(١) تحرَّفت في الأصلين إلى: بعد، وأثبتناه على الصواب من (س)، وهو الموافق لسياق الكلام.

١٥٢
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
مثلُ قول الشاعر(١):
عَلَفتُها تِبناً وماءً بارداً
أي: عَلَفتها تِبناً وسَقَيتها ماءً بارداً، أو (٢) يُجِعَلُ ((عَلَفْتُها)) مَجازاً عن فعلٍ شاملٍ للأمرَينِ،
أي: ناوَلتُها، فيُحمَلُ الردُّ في الحديث على نحو هذا التأويل، واستُلِلَّ به على وجوب رَدّ
الصاع مع الشاة إذا اختار فسخَ البيع، فلو كان اللَّبَن باقياً ولم يَتغيَّر، فأراد رَدَّه هل يَلزَمُ
البائعَ قَبُولُه؟ فيه وجهان: أصحّهما: لا، لذهاب طَراوَته ولاختلاطه بما تَجَدَّدَ عند المبتاع،
والتنصيصُ على التمر یقتضي تعیینه كما سيأتي.
قوله: ((ويُذكَر عن أبي صالح ومجاهد والوليد بن رَبَاح وموسى بن يَسار ... )) إلى آخره،
يعني أنَّ أبا صالح ومن بعده وقع في رواياتهم تعیین التمر.
فأمَّا روايةُ أبي صالح فوَصَلها أحمد (٩٣٩٧) ومسلم (٢٤/١٥٢٤) من طريق سُهَيل
ابن أبي صالح، عن أبيه بلفظ: ((من ابتاع شاةً مُصرّاً فهو فيها بالخيار ثلاثةَ أيام، فإن شاءَ
أمسَكَها، وإن شاءَ رَدَّها ورَدَّ معها صاعاً من تمر)).
وأمَّا روايةُ مجاهدٍ فوَصَلها البَزَّار، قال مُغَلْطاي: لم أرَها إلَّا عنده. قلت: قد وَصَلها أيضاً
الطبراني في «الأوسَط)) (٧٤١١) من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي نَجِيح،
والدَّارَ قُطني (٣٠٧٢) من طريق ليث بن أبي سُليم، كلاهما عن مجاهد، وأوَّل رواية ليث: ((لا
تبيعوا المصرّاة من الإبل والغنم)) الحديث، وليثٌ ضعيف، وفي محمد بن مسلم أيضاً لِينٌ.
وأمَّا روايةُ الوليد بن رَباح، وهو بفتح الراءِ وبالموخَّدة، فَوَصَلها أحمد بن مَنِيع في
((مُسنَدَه)(٣) بلفظ: ((من اشترى مُصرّاة فليَرُدَّ معها صاعاً من تمٍ)).
(١) قال عبد القادر البغدادي في ((خزانة الأدب)) ١٤٠/٣: لا يُعرف قائله، ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من
((الصحاح)) أنه لذي الرُّمّة، ففتشت في ((ديوانه)) فلم أجده فيه. قلنا: وقد أُلحق بديوانه المطبوع ٣/ ١٨٦٢.
(٢) في (س): و، وهو خطأ.
(٣) وهي أيضاً عند أحمد في ((المسند)) (٩١٢٠) بلفظ: ((أيما امرئ ابتاع شاة فوجدها مُصرَّاة فليردَّها وليردَّ
معها صاعاً من تمر)).

١٥٣
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
وأمَّا روايةُ موسى بن يَسَار - وهو بالتحتانية والمهمَلة - فَوَصَلها مسلم (٢٣/١٥٢٤)
بلفظ: ((من اشترى شاةً مُصرّاةً فليَنقَلِبْ بها فليَحلُبها، فإن رضيَ بها(١) أمسَكَها، وإلَّا رَدَّها
ومعها صائحٌ من تمر))، وسياقُه يقتضى الفَوْرية.
قوله: ((وقال بعضهم عن ابن سيرين: صاعاً من طعام وهو بالخيار ثلاثاً، وقال بعضهم عن
ابن سِيرِين: صاعاً من تمر ولم يَذكُر ثلاثاً))، أمَّا رواية من رواه بلفظ الطَّعام والثلاث فوَصَلها
مسلم (١٥٢٤/ ٢٥) والتِّرمِذي (١٢٥٢) من طريق قُرّة بن خالد عنه بلفظ: ((من اشترى
مُصرّاة فهو بالخيار ثلاثة أيامٍ، فإن رَدَّها رَدَّ معها صاعاً من طعام لا سَمراءَ))، وأخرجه أبو
داود (٣٤٤٤) من طريق حمّاد بن سَلَمة، عن هشام وحبيب وأيوب، عن ابن سِيرِين نحوَه.
وأمَّا رواية من رواه بلفظ التمر دونَ ذكر الثلاث فوَصَلها أحمد (٧٦٩٨) من طريق
مَعمَر، عن أيوبَ، عن ابن سِيرِين، بلفظ: ((من اشترى شاةً مُصرّاً فإنَّه يَحِلُبُها، فإن رضيها
أخذها، وإلَّا رَدَّها ورَدَّ معها صاعاً من تمر))، وقد رواه سفيان عن أيوبَ، فذكر الثلاث،
أخرجه مسلم (٢٦/١٥٢٤) من طريقه بلفظ: ((من اشترى شاةً مُصرّاً فهو بخير النَّظَرَين
ثلاثة أيامٍ(٢)، إن شاءَ أمسَكَها، وإن شاءَ رَدَّها وصاعاً من تمرٍ لا سَمراءَ))، ورواه بعضهم عن
ابن سِيرِين بذكر الطَّعام ولم يقل: ((ثلاثاً))، أخرجه أحمد (٧٥٢٣) والطَّحاوي (١٧/٤) من
طريق عَوْف، عن ابن سِيرِين وخِلَاس بن عَمْرو، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: ((من اشترى
لِقْحة مُصرّاةً أو شاةً مُصرّاة فحَلَبَها، فهو بأحد النَّظَرَين: بالخيار إلى أن يَجُوزَها، أو يَرُدَّها
وإناءً من طعام)). فحَصَّلنا عن ابن سِيرِين على أربع روايات: ذكر التمر والثلاث، وذكر
التمر بدون الثلاث،/ والطَّعام بدل التمر كذلك، والذي يَظهَرُ في الجمع بينها أنَّ من زاد ٣٦٤/٤
(١) كذا في الأصلين و(س): رضي بها، والذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): رضي حِلابها، بكسر الحاء، وكذلك
هو عند سائر من خرج الحديث من طريق موسى بن يسار، والحِلاب: هو اللبن الذي يحلبه.
(٢) لم يَرِدْ ذكر الثلاثة الأيام في مطبوع ((صحيح مسلم))، ولا فيما وقفنا عليه من أصوله الخطية، ولعله سَبْق
نظر من الحافظ رحمه الله إلى الطريقين اللذين وَرَدَا قبله في ((صحيح مسلم)) فإنَّ فيهما ذكر الثلاث. وقد
ذكر المزي هذا الحديث في «التحفة)) (١٤٤٣٥) من هذا الطريق فلم يذكر الثلاثة الأيام كذلك.

١٥٤
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
الثلاث معه زيادة عِلم وهو حافظ، ويُحِمَلُ الأمر فيمن لم يَذكُرها على أنَّه لم يَحِفَظها أو
اختَصَرَها، وتُحمَل الرواية التي فيها الطَّعام على التمر.
وقد روى الطَّحاوي من طريق أيوبَ عن ابن سِيرِين أنَّ المراد بالسَّمراءِ الحِنطةُ الشاميةُ،
وروى ابن أبي شَيْبة وأبو عَوَانة (٤٩٦٢) من طريق هشام بن حسَّان عن ابن سِيرِين: ((لا
سَمراءَ)) يعني: الخِنطة. وروى ابن المنذر من طريق ابن عَوْنٍ عن ابن سِيرِين أنَّه سمع أبا
هريرة يقول: لا سَمراء، تمر ليس بيُرِّ. فهذه الروايات تُبَيِّنُ أنَّ المراد بالطَّعام التمر، ولمَّا كان
المتبادر إلى الذِّهن أنَّ المراد بالطَّعام القمح نَفَاه بقوله: ((لا سَمراءَ))، لكن يُعِّرُ على هذا
الجمع ما رواه البَزَّار (١) من طريق أشعَثَ بن عبد الملك عن ابن سِيرِين بلفظ: ((إن رَدَّها
رَدَّها ومعها صاعٌ من بُرِّ، لا سَمراءَ))، وهذا يقتضي أنَّ المنفيَّ في قوله: ((لا سَمراءَ)) حِنطة
مخصوصة وهي الحنطةُ الشاميةُ، فيكون المثبت لقوله: ((من طعام)) أي: من قمح، ويحتملُ أن
يكونَ راويه رواه بالمعنى الذي ظنَّ مُساوياً، وذلك أنَّ المتبادَرَ من الطَّعام البُرُّ، فظنَّ الراوي
أَنَّه البُرُّ فَعَبَّرَ به، وإنَّما أطلقَ لفظ الطَّعام على التمر لأنه كان غالبَ قُوتِ أهل المدينة، فهذا
طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سیرین في ذلك.
لكن يُعكِّرُ على هذا ما رواه أحمد (١٨٨٢١) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن رجلٍ من الصحابة نحو حديث الباب، وفيه: «فإن رَدَّها رَدَّ معها صاعاً من طعامٍ أو
صاعاً من تمر))، فإنَّ ظاهرَه يقتضى التخيير بين التمر والطَّعام، وأنَّ الطَّعامَ غيرُ التمر،
ويحتملُ أن تكون ((أو)) شَكّاً من الراوي لا تخييراً(٢)، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم
يَصِحَّ الاستدلال بشيءٍ منها، فيُرجَعُ إلى الروايات التي لم يُخْتَلَف فيها، وهي التمرُ فهي
الراجحةُ كما أشار إليه البخاري، وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٣٤٤٦) من حديث ابن عمر
(١) ومن طريق البزار أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) ٩/ ٦٩، لكنه قال في روايته: ((صاعٌ من تمر)) بدل: ((صاعٌ
من بُرِّ»، فلا يكون عندئذٍ ما يعكّر على الجمع الذي قاله.
(٢) قلنا: ويؤيد هذا الاحتمال أن الإمام أحمد قد روى هذا الحديث بالإسناد نفسه برقم (١٨٨١٩)، وفي
آخره: قال الحكم: أو صاعاً من تمر.

١٥٥
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
بلفظ: ((إن رَدَّها رَدَّ معها مثلَ أو مثلَي لبنها قمحاً)) ففي إسناده ضعف، وقد قال ابن قدامة:
إِنَّه متروكُ الظّاهر بالاتّفاق.
قوله: ((والتَّمر أكثر)) أي: إنَّ الروايات الناصّةَ على التمر أكثر عَدَداً من الروايات التي
لم تَنْصَّ عليه أو أبدَلَته بذكر الطَّعام، فقد رواه بذكر التمر - غير من تقدَّم ذكرُه - ثابتُ بنُ
عياض كما يأتي في الباب الذي يليه، وهمَّام بن مُنبِّه عند مسلم (٢٨/١٥٢٤)، وعكرمة وأبو
إسحاق عند الطَّحاوي (١٨/٤)، ومحمد بن زياد عند التِّرمِذي (١٢٥١)، والشَّعْبي عند
أحمد(١) وابنٍ خُزيمة، كلهم عن أبي هريرة.
وأمَّا رواية من رواه بذكر الإناءِ، فيُفْسِّرُها رواية من رواه بذكر الصاع، وقد تقدَّم ضبطُه
في الزكاة.
وقد أخذَ بظاهر هذا الحديث ◌ُهورُ أهل العلمِ، وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا
مُخُالفَ لهم من الصحابة، وقال به من التابعين ومَن بعدَهم مَن لا يُحصى عددُه، ولم يُفرِّقوا
بين أن يكونَ اللَّبَن الذي احتُلِبَ قليلاً أو كثيراً، ولا بين أن يكونَ التمر قُوتَ تلك البلد أم
لا، وخالَفَ في أصل المسألة أكثرُ الحنفيَّة، وفي فروعها آخرون.
أمَّا الحنفيَّةُ فقالوا: لا يُرَدُّ بعيب التصرية ولا يجبُ رَدُّ صاع من التمر، وخالَفَهم زُفَر
فقال بقول الجمهور، إلّا أنَّه قال: يتخيَّرُ بین صاع تمٍ أو نصف صاع ◌ُرِّ، و کذا قال ابن أبي
ليلى وأبو يوسف في روايةٍ، إلَّا أَهما قالا: لا يَتعيَّنُ صاع التمر بل قيمته، وفي روايةٍ عن مالك
وبعضِ الشافعية كذلك، لكن قالوا: يَتعيَّنُ قوتُ البلد قياساً على زكاة الفِطْر، وحكى
البَغَوي أن لا خلافَ في المذهبِ: أنَّهما لو تَراضَيا بغير التمر من قوتٍ أو غيره كفى، وأثبَتَ
ابن کَجِّ الخلاف في ذلك.
وحكى الماوَرْدي وجهَين فيما إذا عَجَزَ عن التمر هل تَلْزَمُه قيمتُهُ ببلدِه أو بأقرَبِ البلاد
(١) الذي في رواية أحمد (٩٩٢٧) من طريق الشعبي: ((وليردَّ معها صاعاً من طعام)) ليس فيها ذكر التمر، وأما
الرواية التي فيها ذكر التمر فهي عنده (٩٩٦٠) من طريق موسى بن يسارِ السالف بيانها.
وأما ابن خزيمة فقد سبق أن ذكرنا أن له كتاباً في البيوع أشار إليه في ((صحيحه)) في عدة مواضع.

١٥٦
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قال الحنابلة، واعتَذَرَ الحنفيَّة عن الأخذِ بحديث المصّاة
بأعذارٍ شَتَّی:
فمنهم من طَعَنَ في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ولم یکن کابن مسعود وغيره من
فقهاءِ الصحابة، فلا يُؤْخَذُ بما رواه مخالفاً للقياس الجَليِّ، وهو كلامٌ آذى قائلُه به نفسَه، وفي
٣٦٥/٤ حكايته غِنَّى عن تكلُّفِ الردِّ عليه، وقد تَرَكَ أبو حنيفة القياسَ / الجَليَّ لرواية أبي هريرة
وأمثاله كما في الوضوءِ بنبيذِ التمر، ومن القَهقَهة في الصلاة وغير ذلك، وأظنُّ أنَّ لهذه
التُّكتة أورَدَ البخاري حديث ابن مسعود عَقِب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أنَّ ابن
مسعود قد أفتى بوَفْق حديث أبي هريرة، فلولا أنَّ خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لمَا خالَفَ
ابن مسعود القياسَ الجَلَّ في ذلك.
وقال ابن السَّمْعاني في ((الاصطِلام)): التعرُّضُ إلى جانب الصحابة علامة على خِذْلان
فاعلِه بل هو بدعة وضلالة، وقد اختَصَّ أبو هريرة بمَزِيد الحِفظ لدُعاءِ رسول الله وَ لّ له
- يعني المتقدِّمَ في كتاب العلمِ (١١٨) وفي أوَّل البيوعِ أيضاً (٢٠٤٧) - وفيه قوله: إنَّ إخواني
من المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْق بالأسواق، وكنت ألزَمُ رسولَ الله وَّةِ، فَأَشهَدُ إذا غابوا،
وأحفَظُ إذا نَسُوا، الحديث. ثمَّ مع ذلك لم يَنفَرِد أبو هريرة برواية هذا الأصل، فقد أخرجه
أبو داود من حديث ابن عمر (٣٤٤٦)، وأخرجه الطبراني (١٣٥٤٥) من وجه آخرَ عنه،
وأبو يعلى (٢٧٦٧) من حديث أنس، وأخرجه البيهقي في ((الخلافيات))، من حديث عَمْرو
ابن عَوْف المُزَني، وأخرجه أحمد (١٨٨١٩) من رواية رجلٍ من الصحابة لم يُسَمّ.
وقال ابن عبد البَرِّ: هذا الحديثُ مُجمَع على صِحَّته وثبوته من جهة النَّقْلِ، واعتَلَّ من لم
يأخُذ به بأشياءَ لا حقيقةً لها، ومنهم من قال: هو حديث مُضطرِب لذكر التمر فيه تارة،
والقمح أُخرى، واللَّبَن أُخرى، واعتباره بالصاع تارة، وبالمثل أو المِثْلَين تارةً، وبالإناءِ أُخرى.
والجوابُ أنَّ الطُّرقَ الصحيحةَ لا اختلافَ فيها كما تقدَّم، والضَّعيف لا يُعلَّ به الصحيح.
ومنهم من قال: هو معترضٌ لعموم القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا

١٥٧
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
عُوقِبْتُم بِهِ،﴾ [النحل: ١٢٦]. وأُجيبَ بأنَّه من ضمان المتلَفات لا العقوبات، والمتلَفاتُ تُضمَنُ
بالمِثْل وبغير المثل.
ومنهم من قال: هو منسوخ. وتُعُقِّبَ بأنَّ النَّسْخَ لا يَثبُتُ بالاحتمال، ولا دلالةَ على
النَّسخِ مع مُدَّعيه لأنهم اختلفوا في الناسخِ، فقيل: حديث النَّهي عن بيع الدَّين بالدَّين،
وهو حديثٌ أخرجه ابن ماجه(١) وغيره من حديث ابن عمر، ووجه الدّلالة منه أنَّ لبن
المصرّة يصيرُ دَيناً في ذِمّة المشتري، فإذا أُلزِمَ بصاع من تمر نَسيئة صار دَيناً بدَينٍ، وهذا
جواب الطَّحاوي. وتُعُقِّبَ بأنَّ الحديثَ ضعيف، باتِّفاق المحدِّثين، وعلى التنزّل فالتمر إِنَّما
شُرِعَ في مُقابل الخَلْب سواء كان اللَّبَن موجوداً أو غيرَ موجودٍ، فلم يَتعيَّن في كونِه من
الدَّين بالدَّين.
وقيل: ناسخه حديث: ((الخَرَاجِ بالضَّمان))، وهو حديثٌ أخرجه أصحابُ السُّننِ عن
عائشة(٢)، ووجه الدّلالة منه أنَّ اللَّبَنَ فضلة من فضلات الشاة ولو ھَلَكَت لكان من ضمان
المشتري، فكذلك فضلاتها تكونُ له، فكيف يَغرَمُ بَدَلها للبائع؟ حكاه الطَّحاوي أيضاً.
وتُعُقِّبَ بأنَّ حديث المصرّاة أصحّ منه باتِّفاقٍ، فكيف يُقدَّمُ المرجوح على الراجحِ؟ ودَعوى
كونه بعدَه لا دليلَ عليها، وعلى التَُّّل فالمشتري لم يُؤمَر بغرامة ما حَدَثَ في مِلكِهِ بل بغرامة
اللَّبَن الذي وَرَدَ عليه العقدُ ولم يَدخُل في العقد، فليس بين الحديثين على هذا تَعارُضُ.
وقيل: ناسخُه الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعةً قبلَ ذلك
كما في حديث بَهْز بن حَكِيم عن أبيه عن جَدِّه في مانع الزكاة: «فإنّا آخِذوها وشَطْرَ ماله)»(٣)،
(١) كذا قال، ولم نقف عليه في ((سننه))، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٤٤٠)، والطحاوي ٢١/٤، والدار قطني
(٣٠٦١)، والحاكم ٥٧/٢، وغيرهم، ونقل ابن الملقِّن في ((البدر المنير)) ٦/ ٥٦٩ عن الإمام أحمد قوله:
ليس في هذا حديث يصح، إنما إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع الدَّين بالدّين.
(٢) أبو داود (٣٥٠٨)، وابن ماجه (٢٢٤٢)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وهو حديث حسن.
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٠١٦)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي (٢٤٤٤) و(٢٤٤٩)، وابن خزيمة (٢٢٦٦)،
وغیرهم، وعند بعضهم: «وشطر إبله)»، وإسناده حسن.

١٥٨
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
وحديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه في الذي يسرقُ من الْجَرِينِ يَغْرَمُ مثلَيه(١)،
وكلاهما في السُّنن، وهذا جواب عيسى بن أبان، فحديث المصرّاة من هذا القَبِيلِ، وهي كلِّها
منسوخة. وتعقّبه الطَّحاوي بأنَّ التصريةَ إنَّما وُجِدَت من البائع، فلو كان من ذلك الباب
لَلَزِمَه التغريم، والفَرضُ أنَّ حديث المصرّاة يقتضي تغريمَ المشتري فافتَرَقا.
ومنهم من قال: ناسخُه حديث: ((البيِّعان بالخيار ما لم يَتفرَّقا))(٢)، وهذا جواب محمد بن
شُجاع، ووجه الدّلالة منه أنَّ الفُرقةَ تَقطَعُ الخيار، فثبت أن لا خيار بعدَها إلَّا لمن استثناه
الشارعُ بقوله: ((إلَّا بيع الخيار)). وتعقَّبه الطَّحاوي بأنَّ الخيار الذي في المصرّاة من خيار الردِّ
بالعيب، وخيار الردِّ بالعيبِ لا تَقطَعُه الفُرقة. ومن الغريبِ أنَّهم لا يقولونَ بخيار المجلسِ
ثمَّ يَحَتَجّونَ به فیما لم یرِد فيه.
٣٦٦ ومنهم من قال: هو خبرٌ واحدٌ لا يفيدُ إلَّ الظَّنّ، وهو مُخالفٌ لقياس الأُصول المقطوع
به، فلا يَلزَمُ العمل به. وتُعُقِّبَ بأنَّ التَوَقُّفَ في خبر الواحد إنَّما هو في مُخالَفة الأُصول لا في
◌ُالَفة قياس الأُصول، وهذا الخبر إنَّما خالَفَ قياسَ الأُصول، بدليل أنَّ الأُصولَ الكتابُ
والسُّنّةُ والإجماع والقياس، والكتاب والسُّنّة في الحقيقة هما الأصل والآخران مردودان
إليهما، فالسُّنّة أصل والقياس فرع، فكيف يُرَدُّ الأصلُ بالفَرعِ؟ بل الحديث الصحيح
أصل بنفسِه، فكيف يقال: إنَّ الأصلَ يُخالفُ نفسه؟! وعلى تقدير التسليم يكون قياس
الأُصول يفيدُ القطعَ وخبر الواحد لا يفيدُ إلَّ الظَّنّ، فتَناوُلُ الأصل لمحلِّ(٣) هذا الخبر
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٩٠)، والنسائي (٤٩٥٨) و(٤٩٥٩)، لكن جاء تقييده في الرواية بما إذا سرق دون
ثمن الِجِنِّ، فإذا بلغ ثمن المجنّ ففيه القطعُ، وإسناده حسن.
(٢) تقدم برقم (٢١٠٧).
(٣) نصُّ العبارة في (أ) و(س): فتناوُل الأصلِ لا يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به، ونصها في (ع):
فتناول الأصلِ لما يخالف هذا الخبر الواحد غير مقطوع به، والمثبت هو نص ابن دقيق العيد في
((الإحكام))، وبه يتضح المعنى، لأنه قصد أن تناول الأصل العام لمحلِّ - أي: موضوع - الحديث الذي
هو ذكرُ المصّاة، غير مقطوع به. ولعل ما وقع في الأصلين و(س) من لفظة: ((لا يخالف))، تحريف عن
لفظة: لمحلّ، والله أعلم.

١٥٩
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
كتاب البيوع
الواحد غير مقطوع به، لجواز استثناء مَحَلِّه عن ذلك الأصل. قال ابن دقيق العيد: وهذا
أقوى مُتَمسَّكٍ به في الردِّ على هذا المقام.
وقال ابن السَّمْعاني: متى ثبت الخبرُ صار أصلاً من الأُصول، ولا يحتاجُ إلى عَرضِه
على أصلٍ آخرَ، لأنه إن وافقه فذاكَ، وإن خالَفَه لم يَجُزْ رَدّ أحدِهما، لأنه رَدُّ للخبر
بالقياس، وهو مردودٌ باتِّفاقٍ، فإنَّ السُّنّةَ مُقدَّمةٌ على القياس، بلا خلاف، إلى أن قال:
والأَولى عندي في هذه المسألة تسليم الأقيسة لكنَّها ليست لازمةً، لأنَّ السُّنّةَ الثابتةَ مُقدَّمة
عليها، والله تعالى أعلم.
وعلى تقدير التنزّل فلا نُسلِّمُ أنَّه ◌ُخالفٌ لقياس الأُصول، لأنَّ الذي اذَّعَوه عليه من
المخالفة بيَّنوها بأوجُه:
أحدها: أنَّ المعلومَ من الأُصول أنَّ ضمان المِثْلِيّات بالمثل والمتقوَّمات بالقيمة، وهاهنا
إن كان اللَّبَن مِثْلياً فليُضمَن باللَّبَنِ، وإن كان مُتقوَّماً فليُضمَن بأحد النّقدین، وقد وقع هنا
مضموناً بالتمر(١)، فخالَفَ الأصلَ.
والجوابُ: منعُ الحَصْرِ، فإنَّ الْحُرَّ يُضمَنُ في دِيَته بالإبل وليست مِثْلاً له ولا قيمةً.
وأيضاً فضمان المثل بالمثل ليس مُطَّرِداً، فقد يُضمَنُ المثُلُ بالقيمة إذا تَعذَّرَت المماثلة، كمن
أَتْلَفَ شاةَ لَبُوناً كان عليه قيمتُها، ولا يَجعلُ بإزاء لبنها لبناً آخرَ لتَعذُّر المماثلة.
ثانيها: أنَّ القواعد تقتضي أن يكونَ المضمونُ مُقدَّرَ الضَّمان بقَدْر التالف، وذلك مُخْتَلِفِ،
وقد قُدِّرَ هنا بمِقدارٍ واحدٍ وهو الصاعُ، فخرج عن القياس.
والجوابُ: منعُ التعميم في المضمونات كالمُوضِحة، فأَرْشُها مُقدَّر مع اختلافها بالکېر
والصِّغَر، والغُرّة مُقدَّرة في الجنين مع اختلافه، والحِكْمة في ذلك أنَّ كلَّ ما يقعُ فيه التنازعُ
فليُقدَّر بشيءٍ مُعيَّنٍ لقطع التشاجُر، وتُقَدَّمُ هذه المصلحةُ على تلك القاعدة، فإن اللَّبَنَ
(١) تحرف في الأصلين إلى: الثمن، والمثبت على الصواب من (س)، موافقاً لما في ((إحكام الأحكام)) لابن
دقیق العید ص٣٥٢.

١٦٠
باب ٦٤ / ح ٢١٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
الحادثَ بعد العقد اختَلَطَ باللَّبَن الموجود وقتَ العقد فلم يُعرَف مِقدارُه حتَّى يُوجَبَ
نظيره على المشتري، ولو عُرِفَ مِقداره، فؤُكِلَ إلى تقديرهما أو تقدير أحدِهما لأفضى إلى
النِّزاع والخِصام، فقطَعَ الشارعُ النِّزاعِ والخِصام وقَدَّرَه بحَدٍّ لا يَتَعدَّيانه فصلاً للخصومة،
وكان تقديرُه بالتمر أقرَبَ الأشياءِ إلى اللَّبَنِ، فإنَّه كان قُوتَهم إذ ذاكَ كاللَّبَن وهو مَكِيلٌ
كاللَّبَنِ ومُقتَاتٌ، فاشترَكا في كون كلِّ واحدٍ منهما مطعوماً مُقتاتاً مَكِيلاً، واشترَكا أيضاً في
أنَّ كلَّا منهما يُقتاتُ به بغير صَنْعة ولا علاج.
ثالثها: أنَّ اللَّبَنَ التالفَ إن كان موجوداً عند العقد، فقد ذهب جزءٌ من المعقود عليه
من أصل الخِلقة وذلك مانع من الردِّ، فقد حَدَثَ على مِلكِ المشتري فلا يَضمَنُه وإن كان
مُخْتَلِطاً، فما كان منه موجوداً عند العقد وما كان حادثاً لم يجب ضمانُه.
والجوابُ: أن يقال: إنَّما يَمْتَنِعُ الردُّبِالنَّقْصِ إذا لم يكن لاستعلام العيب وإلّا فلا يَمتَنِعُ،
وهنا كذلك.
رابعها: أنَّه خالَفَ الأُصولَ في جَعْل الخيار فيه ثلاثاً مع أنَّ خيار العيب لا يُقدَّرُ بالثلاث،
وكذا خيار المجلس عند من يقول به وخيار الرُّؤية عند من يُشِتُه.
والجواب: بأنَّ حُكم المصرّاة انفَرَدَ بأصلِه عن مُماثَلةٍ، فلا يُستَغرَبُ أن يَنفَرِدَ بوَصفٍ زائدٍ
على غيره، والحِكمة فيه أنَّ هذه المدّةَ هي التي يُتَبِيَّنُ بها لبن الخِلْقة(١) من اللَّبَن المجتَمِعِ
بالتدليسِ غالباً، فشُرِعَت لاستعلام العيب، بخلاف خيار الرُّؤية والعيبِ فلا يَتَوَقَّفُ على
مُدّة، وأمَّا خيارُ المجلسِ فليس لاستعلام العيب، فَظَهَرَ الفرقُ بين الخيار في المصرّاة وغيرها.
خامسها: أنَّه يَلزَمُ من الأخذِ به الجمعُ بين العِوَضِ والمعَوَّض فيما إذا كانت قيمة الشاة
صاعاً من تمرٍ، فإنَّهَا تَرجِعُ إليه مع (٢) الصاع الذي هو مِقدارُ ثمنها.
والجوابُ: أنَّ التمرَ عِوَضٌ عن اللَّبَن لا عن الشاة فلا يَلَزَمُ ما ذكروه.
٣٦٧/٤
(١) تحرف في الأصلين إلى: الحلبة، والمثبت على الصواب من (س)، موافقاً لما في ((إحكام الأحكام) لابن
دقیق العید ص٣٥٤.
(٢) تحرف في (س) إلى: من.