النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
باب ٤٨ / ح ٢١١٧
كتاب البيوع
وعبد الأعلى عنه: ((ثمَّ أنتَ بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتَعتها ثلاثَ لَيَالٍ، فإن رَضيتَ فأمسِك
وإن سَخِطتَ فاردُه)) فبقيَ حتَّى أدرَكَ زمان عثمانَ وهو ابن مئةٍ وثلاثين سنةً، فكَثُرَ الناسُ
في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئاً فقيل له: إنَّك غُبِنت فيه رَجَعَ به، فيَشهَدُ له الرجلُ
من الصحابة بأنَّ النبي ◌َّه قد جعله بالخيار ثلاثاً فيَرُدُّله دراهمَه.
قال العلماء: لَقَّنَه النبيِ وَ﴿ هذا القولَ ليتَلَفَّظَ به عند البيع، فيَطّلعُ به صاحبُه على أنَّه
ليس من ذَوِي البصائر في معرفة السِّلَع ومقادير القيمة، فيرى له كما يرى لنفسِه، لمَا تَقَرَّرَ
من حَضِّ المتبابِعَين على أداءِ النَّصيحة كما تقدَّم (٢١١٤) في قوله {َّ في حديث حَكيم بن
حِزَامٍ: «فإن صَدَقا وبيَّنَا بُورِكَ لهما في بيعِهما)) الحديثَ.
واستُدِلَّ بهذا الحديث لأحمد وأحد قولي مالك: أنَّه يُرَدُّ بالغَبْن الفاحش لمن لم يَعرِف
قيمةَ السِّلعة. وتُعُقِّبَ بأنَّهِ وَ إِنَّمَا جعل له الخيار لضعفٍ عقْلِه، ولو كان الغَبْنُ يُملَكُ به
الفسخُ لَما احتاجَ إلى شرط الخيار.
وقال ابن العربي: يحتمل أنَّ الخديعةَ في قصَّة هذا الرجل كانت في العيبِ أو في الكذب/ ٣٣٨/٤
أو في الثَّمَن أو في الغَبْنِ، فلا يُحْتَجُّ بها في مسألة الغَبْن بخصوصها، وليست قصَّةً عامّةً وإنَّما
هي خاصّةٌ في واقعة عَينٍ، فيُحتَجُّ بها في حَقّ من كان بصفة الرجل. قال: وأمَّا ما روي عن
عمر أنَّ كُلِّمَ في البيوع، فقال: ما أجِدُ لكم شيئاً أوسَعَ مَمَّا جعل رسولُ اللهِوَّه ◌ِحَبّنَ بن
مُنِقِذ ثلاثة أيام، فمَدارُه على ابن لَهِيعة وهو ضعيفٌ. انتهى، وهو كما قال أخرجه الطبراني
والدَّارَ قُطني وغيرهما من طريقه(١)، لكنَّ الاحتمالات التي ذكرها قد تَعيَّنَت بالرواية التي
صَرَّحَ بها بأنَّه كان يُغْبَنُ في البيوع.
واستُدِلَّ به على أنَّ أمَدَ الخيار المشتَرَطَ ثلاثةُ أيام من غير زيادة، لأنه حُكمٌ وَرَدَ على
خلاف الأصل فيُقتصَرُ به على أقصى ما وَرَدَ فيه، ويُؤيِّدُه جَعلُ الخيار في المصرّاة ثلاثةً
(١) هو في ((المعجم الأوسط)) للطبراني كما عزاه إليه أيضاً الزيلعي في ((نصب الراية)) ٨/٤ وذكر إسناده، لكنه
سقط من مطبوع ((المعجم الأوسط))، وأخرجه الدار قطني (٣٠٧)، والبيهقي ٢٧٤/٥.
١٠٢
باب ٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
أيام(١)، واعتبارُ الثلاث في غير موضع، وأغرَبَ بعضُ المالكية فقال: إنَّما قَصَرَه على
ثلاثٍ لأنَّ مُعظَمَ بيعِه كان في الرَّقيق. وهذا يحتاجُ إلى دليلٍ ولا يَكفي فيه مُجرَّدُ الاحتمال.
واستُلِلَّ به على أنَّ من قال عند العقد: لا خِلابةَ، أَنَّه يصيرُ في تلك الصَّفقة بالخيار سواءٌ
وَجَدَ فيه عيباً أو غَبْناً أم لا، وبالَغَ ابن حَزْم في مُودِه، فقال: لو قال: لا خديعةَ، أو لا غِشَ
أو ما أشبهَ ذلك لم يكن له الخيارُ حتَّى يقولَ: لا خلابةَ. ومن أسهَلَ ما يُرَدُّ به عليه أنَّه ثبت
في ((صحيح مسلم)) (١٥٣٣) أنَّه كان يقول: ((لا خيابةَ)) بالتحتانية بدلَ اللَّام، وبالذّال
المعجَمة بدلَ اللَّام أيضاً(٣)، وكأنَّه كان لا يُفصِحُ باللَّام للَثغة لسانه، ومع ذلك لم يَتغيَّر
الحكمُ في حقِّه عند أحدٍ من الصحابة الذين كانوا يَشهَدونَ له بأنَّ النبي ێ جعله بالخيار،
فدَلَّ على أنَّهم اكتَفَوا في ذلك بالمعنى.
واستُدِلَّ به على أنَّ الكبيرَ لا يُحِجَرُ عليه ولو تَبَيَّن سَفَهُه لمَا في بعضٍ طرق (٣) حديث
أنس: أنَّ أهله أتوا النبيَّ وَّر فقالوا: يا رسول الله، احجُر عليه، فدعاه فنَهاه عن البيعِ
فقال: لا أصبِرُ عنه، فقال: ((إذا بايعت فقُل: لا خلابة))، وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان الحَجْرُ على
الكبير لا يَصِحُّ لَأنكَرَ عليهم، وأمَّا كونُه لم يَحجُر عليه فلا يدلَّ على منع الحَجر على السَّفيه.
واستُدِلَّ به على جواز البيع بشرط الخيار، وعلى جواز شرط الخيار للمُشتَري وحدَه.
وفيه ما كان أهلُ ذلك العصر عليه من الرُّجوع إلى الحقِّ، وقَبُول خبر الواحد في
الحُقوق وغيرها.
٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق
وقال عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ: لمَّا قَدِمنا المدينةَ قلتُ: هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟ فقال:
سوقُ قَيْنُقَاعٍ.
(١) سيأتي برقم (٢١٤٨).
(٢) أي: ((خذابة)) ولم يقع هذا الحرف عند مسلم كما يُشعِرِ به كلام الحافظ، وإنما هو عند أبي عوانة (٤٩٣٤)،
والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٤٨٥٨)، والدار قطني (٣٠٠٨)، والحاكم ٢٦/٢، والبيهقي ٢٧٣/٥.
(٣) عند أحمد (١٣٢٧٦)، وأبي داود (٣٥٠١)، وابن ماجه (٢٣٥٤)، والترمذي (١٢٥٠)، والنسائي (٤٤٨٥).
١٠٣
باب ٤٩ / ح ٢١١٨
كتاب البيوع
وقال أنسُّ: قال عبدُ الرحمن بن عَوْفٍ: دُلّوني على السّوقِ. وقال عمرُ: أَلْهَاني الصَّفْقُ
بالأسواق.
قوله: (باب ما ذُكِرَ في الأسواقِ)) قال ابن بطَّال: أراد بذكر الأسواق إباحةَ المتاجر ٣٣٩/٤
ودخول الأسواق للأشراف والفُضلاء، وكأنَّه أشار إلى ما لم يَتْبُتْ على شرطِهِ من أنَّهَا شَرُّ
البِقاع، وهو حديثٌ أخرجه أحمد (١٦٧٤٤) والبَزَّار (٣٤٣٠) وصَحَّحَه الحاكم (٨٩/١-
٩٠) من حديث جُبَير بن مُطعِمِ أنَّ النبي ◌َّه قال: «أحَبُّ البِقاع إلى الله المساجد، وأبغَضُ
البِقاع إلى الله الأسواق))، وإسناده حسنٌ، وأخرجه ابن حِبَّان (١٥٩٩) والحاكم (٩٠/١)
أيضاً من حديث ابن عمرَ نحوَه(١). قال ابن بطَّال: وهذا خرج على الغالب، وإلَّ فرُبَّ
سوقٍ يُذكَر فيها اللهُ أكثرَ من كثير من المساجد.
قوله: ((وقال عبد الرحمن بن عَوْف ... )) إلى آخره، تقدَّم موصولاً في أوائل البيوع (٢٠٤٨)، ٣٤٠/٤
والغرضُ منه هنا ذكرُ السوق فقط، وكونُه كان موجوداً في عهد النبيِ نَِّ، وكان يَتَعاهَدُه
الفُضلاءُ من الصحابة لتحصيل المعاش للكَفاف وللتَّعقُّفِ عن الناس.
قوله: ((وقال أنسِّ: قال عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ)) تقدَّم أيضاً موصولاً هناك (٢٠٤٩).
قوله: ((وقال عمر: ألْهاني الصَّفْقُ بالأسواقِ)) تقدَّم موصولاً أيضاً هناك في أثناءِ حديث
أبي موسى الأشعري (٢٠٦٢).
ثمَّ أورد المصنِّفُ في الباب خمسة أحاديث:
الأول: حديث عائشة.
٢١١٨ - حذَّثني محمَّدُ بنُ الصَّح، حدّثنا إسماعيلُ بنُ زكريًّا، عن محمَّد بنِ سُوقَةَ، عن نافعِ
ابنِ مُبَيٍ، قال: حدَّثتني عائشةُ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ◌َّ: ((يَغْزُو جيشٌ الكعبةَ،
فإذا كانوا ببَيداءَ مِن الأرضِ يُخْسَفُ بأوَّلهم وآخرِهم)) قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، كيفَ يُحْسَفُ
(١) غَفَلَ الحافظ رحمه الله عن ذكر حديث أبي هريرة الذي في ((صحيح مسلم)) (٦٧١) بلفظ: «أحب البلاد
إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)).
١٠٤
باب ٤٩ / ح ٢١١٨
فتح الباري بشرح البخاري
بأوَّلهم وآخرِهم، وفيهم أسواقُهم ومَن ليس منهم؟ قال: ((يُسَفُ بأوَّلهم وآخرِهم، ثمَّ يُعَثُونَ
علی نِیّاتهم)).
قوله: ((عن محمد بن سُوقَةَ)) بضمِّ المهمَلة وسكون الواو بعدَها قافٌ، كوفي ثقةٌ عابدٌ،
يُكْنى أبا بكرٍ من صِغار التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدَّم في
العیدین (٩٦٦).
قوله: ((عن نافع بن جُبَير)) أي: ابن مُطعِمِ النَّوفَلي، وليس له في البخاري عن عائشة
سوى هذا الحديث، ووقع في رواية محمد بن بكّار عن إسماعيل بن زكريا عن محمد بن
سُوقَة: سمعت نافعَ بن جُبَير. أخرجه الإسماعيلي(١).
قوله: ((حدَّثَتني عائشة)) هكذا قال إسماعيل بن زكريا عن محمد بن سوقة، وخالَفَه
سفيان بن عُيَينةَ فقال: عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جُبير، عن أُمّ سَلَمة. أخرجه
التِّرمِذي (٢١٧١)، ويحتمل أن يكون نافع بن جُبَير سمعه منهما، فإنَّ روايتَه عن عائشة أتمُّ
من روايته عن أُمّ سَلَمة، وقد أخرجه مسلم (٢٨٨٤) من وجه آخر عن عائشة، وروى
(٢٨٨٣) من حديث حفصة شيئاً منه، وروى التِّرمِذي (٢١٨٤) من حديث صَفيَّةَ نحوَه.
قوله: ((يَغزُو جيشٌ الكعبةَ)) في رواية مسلمٍ (٢٨٨٤): عَبَثَ النبيُّ ◌َّ في منامه، فقلنا له:
صَنَعت شيئاً لم تكن تَفعَلُه، قال: ((العَجَبُ أَنَّ ناساً من أُمَّتِي يَؤُمّونَ هذا البيتَ لرجلٍ(٢)
من قُرَيشٍ))، وزاد في روايةٍ أُخرى (٢٨٨٢/ ٤): أنَّ أُمّ سَلَمة قالت ذلك زمنَ ابن الزُّبَيرِ،
وفي أُخرى (٢٨٨٣): أنَّ عبد الله بن صفوان أحدَ رواة الحديث عن أُمّ سَلَمة قال: والله ما
هو هذا الجيش.
قوله: ((ببَيداءَ من الأرضِ)) في رواية مسلم: ((بالبَيداء)»، وفي حديث صَفيَّة على الشكّ،
وفي رواية لمسلمٍ (٤/٢٨٨٢) عن أبي جعفر الباقر، قال: هي بَيداءُ المدينة. انتهى، والبيداءُ:
(١) وهو أيضاً عند ابن حبان (٦٧٥٥) من هذا الطريق.
(٢) الذي في المطبوع من ((صحيح مسلم): ((برجلٍ))، وما عند الحافظ هنا موافق لرواية مسلم التي عند الحميدي
في «الجمع بين الصححین)) (٣٣١٨).
١٠٥
باب ٤٩ / ح ٢١١٨
كتاب البيوع
مكانٌ معروفٌ بين مكّة والمدينة، تقدَّم شرحُه في كتاب الحجّ (١٥٤١).
قوله: (يُحْسَفُ بأوَّلهم وآخرهم)) زاد التِّرمِذي في حديث صَفيَّة (٢١٨٤): ((ولم يَنْجُ
أوسَطُهم))، وزاد مسلمٌ في حديث حفصة: ((فلا يبقى إلَّا الشَّريد الذي يُخْبِرُ عنهم))، واستُغني
بهذا عن تكلّفِ الجواب عن حُكمِ الأوسَط، وأنَّ العُرفَ يقضي بدخوله فيمن هَلَكَ أو
الكونِه آخِراً بالنّسبة للأوَّل، وأوَّلاً بالنّسبة للآخر فيَدخُل.
قوله: ((وفيهم أسواقُهم)) كذا عند البخاري بالمهمَلة والقاف جمعُ سُوقٍ، وعليه ترجم،
والمعنى: أهل أسواقهم أو السُّوقةُ منهم.
وقوله: ((ومن ليس منهم)) أي: من رافَقَهم ولم يَقصِدْ موافقتَهم، ولأبي نُعيم من طريق
سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا: ((وفيهم أشرافُهم)) بالمعجَمة والراء والفاء، وفي
رواية محمد بن بكّار عند الإسماعيلي: ((وفيهم سواهم))، وقال: وقع في رواية البخاري:
((أسواقُهم)) وأَظنُّه تصحيفاً، فإنَّ الكلام في الخَشْف بالناس لا بالأسواق. قلت: بل لفظ:
((سواهم)) تصحيفٌ، فإنَّه بمعنى قوله: ((ومن ليس منهم)) فيلزَمُ منه التكرار، بخلاف رواية
البخاري، نعم أقرَبُ الروايات إلى الصواب رواية أبي نُعيم، وليس في لفظ: ((أسواقهم)) ما
يَمنَعُ أن يكون الخسفُ بالناس، فالمراد بالأسواق أهلُها، أي: يُحِسَفُ بالمقاتلة منهم ومن
ليس من أهل القتال كالباعة، وفي رواية مسلم (٢٨٨٤): فقلنا: إنَّ الطَّريقَ يجمعُ الناس،
قال: ((نعم فيهم المستَبِصِر - أي: المُستَبِينُ لذلك القاصدُ للمُقاتلة -، والمجبورُ - بالجيمِ
والموخَّدة، أي: المكرَه - وابنُ السَّبيل)) أي: سالِك الطَّريق معهم وليس منهم، والغرضُ كلَّه
أنَّهَا استَشكَلَت وقوعَ العذاب على من لا إرادةَ له في القتال الذي هو سببُ العقوبة، فوقع
الجوابُ بأنَّ العذابَ يقع عاماً لحضور آجالهم ويُبعَثونَ بعد ذلك على نياتهم، وفي رواية
مسلم (٢٨٨٤): ((يَهلكونَ مَهلكاً واحداً، ويَصدُرونَ مصادرَ شَتَّى))، وفي حديث أُمّ سَلَمة
عند مسلم (٤/٢٨٨٢): فقلت: يا رسولَ الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: ((يُحْسَفُ به،
ولكن يُبْعَثُ يوم القيامة على نَيَّتِه)) أي: يُخْسَفُ بالجميعِ لشُؤْمِ الأشرار، ثمَّ يُعامَلُ كلُّ أحد
عند الحِساب بحَسَبِ قصدِه.
١٠٦
باب ٤٩ / ح ٢١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤١/٤
قال المهلَّب: في هذا الحديث أنَّ من كَثَّرَ سوادَ قوم في المعصية مختاراً أنَّ العقوبةَ تَلزَمُه
معهم. قال: واستَنبَطَ منه مالكٌ عقوبةَ من يجالسُ شَرَبةَ الخمر وإن لم يشرب. وتعقَّبه ابن
المنيِّر بأنَّ العقوبةَ التي في الحديث هي الهَجْمَةُ السَّماويةُ، فلا يُقاسُ عليها العقوباتُ الشَّرعية،
ويُؤْيِّدُه آخِرُ الحديث حيثُ قال: ((ويُبعَثُونَ على نياتهم)).
وفي هذا الحديث أنَّ الأعمال تُعتبَرُ بنية العامل، والتحذيرُ من مُصاحَبة أهل الظَّلم
وُجُالَستهم وتكثير سوادهم إلَّا لمن اضطُرَّ إلى ذلك، ويتردّدُ النَّظرُ في مُصاحَبة التاجر لأهل
الفتنة، هل هي إعانةٌ لهم على ظُلمِهم، أو هي من ضَرُورة البَشَرية؟ ثمَّ يُعتبَرُ عملُ كلِّ أحد
بنّيَّتَه. وعلى الثاني يدلُّ ظاهرُ الحديث.
وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون هذا الجيشُ الذي يُحْسَف بهم، هم الذين يَهدِمونَ
الكعبة فيُنْتَقَمُ منهم فيخسَفَ بهم. وتُعُقِّبَ بأنَّ في بعض طرقه عند مسلم (٢٨٨٤): ((إنّ
ناساً من أُمَّتي))، والذين يَهدِمونَها من كفَّر الحَبَشة. وأيضاً فمُقتَضى كلامه أنَّهم يُحْسَف بهم
بعد أن يَهدِموها ويَرجِعوا، وظاهرُ الخبر أنَّه يُحْسَفُ بهم قبلَ أن يَصِلوا إليها.
٢١١٩ - حدّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةً ﴾،
قال: قال رسولُ اللهِ وَيّةِ: ((صَلاةُ أحدِكُم في جماعةٍ تَزِيدُ على صَلاته في سُوقِه وبيتِهِ بضعاً
وعِشِرِينَ درجةً، وذلك بأنَّه إذا تَوضَّأ فأحسنَ الوُضوءَ، ثمَّ أتى المسجدَ، لا يُرِيدُ إلا الصَّلاةَ
لا يُنْهِزُهُ إلا الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خَطْوةً إلا رُفِعَ بها درجةً، أو حُطَّت عنه بها خَطِيئَةٌ، والملائكةُ
تُصلِّي على أحدِكُم ما دامَ في مُصَلَّاه الَّذِي يُصَلّي فيه: اللّهِمَّ صَلِّ عليه، اللّهمَّ ارحَمْه، ما لم
◌ُحدِثْ فیه، ما لم يُؤْذِ فیهِ)).
وقال: ((أحدُكُم في صلاةٍ ما كانتِ الصَّلاةُ تَحِسُه)).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم مُستوقَى في أبواب الجماعة (٦٤٧). والغرض
منه ذکر السوق وجواز الصلاة فيه.
وقوله: ((لا يُنِهِزُه)) بضمٍّ أوَّله وسكون النّون وكسر الهاء بعدها زائيٌ: يُنِهِضُه وزناً
١٠٧
باب ٤٩ / ح ٢١٢٠- ٢١٢٢
كتاب البيوع
ومعنّى(١)، والمراد: لا يُزِعِجُه، والجملة بيان للجُملة التي قبلها، وهي: ((لا يريد إلَّا
الصلاة».
وقوله: ((اللهمَّ صَلِّ عليه)) بيانٌ لقوله: ((يُصَلّي عليه)) أي: يقول: اللهمَّ صَلِّ عليه.
وقوله: ((ما لم يُؤذِ فيه))، أي: يَحصُل منه أذّى للملائكة أو للمُسلم بالفعل أو بالقول.
٢١٢٠ - حدّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُميدِ الطَّوِيلِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ «،
قال: كان النبيُّ نَّه في السّوقِ، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم؟ فالْتَفَتَ إليه النبيُّ ◌ََّ، فقال: إنَّما
دَعَوتُ هذا، فقال النبيُّ ◌َّ: (تَسَمَّوْا باسمي ولا تَكَنَّوْا بُنيتِي)).
[طرفاه في: ٢١٢١، ٣٥٣٧]
٢١٢١ - حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا زهيرٌ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ : دَعَا رجلٌ بالبَقِيعِ:
يا أبا القاسمِ؟ فالتَّفَتَ إليه النبيُّ ◌َّه، فقال: لم أعنِكَ قال: ((سَمُّوا باسمي ولا تَكَّوا بكُنْيتي).
الحديث الثالث: حديث أنسٍ في سبب قوله وَّ: ((تَسَمَّوا باسمي ولا تَكَنَّوا بكُنيتي))
أورَدَه من طريقَين عن حُميدٍ عنه، وسيأتي في كتاب الاستئذان(٢).
والغرضُ منه هنا قوله في أوَّل الطَّريق الأولى: كان النبي ◌َّه في السوق. وفائدة إيراده
الطَّريقَ الثانية قوله فيها: إنَّه كان بالبقيع، فأشار إلى أنَّ المراد بالسوق في الرواية الأولى
السوق الذي كان بالبَقِيع، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة.
٢١٢٢ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، عن نافعِ بنِ جُبَيِ
ابنِ مُطعِمٍ، عن أبي هريرةَ الدَّوْسِّ ﴾، قال: خَرَجَ النبيُّ وَّرَ في طائفةِ النَّهار لا يُكلِّمُني ولا
أُكلِّمُه، حتَّى أتى سوقَ بني قَينُقاع، فجَلَسَ بفِناءِ بيتٍ فاطمةَ، فقال: ((أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟))
(١) جعله الحافظ من الرباعي، وهي رواية أبي ذر الهروي، ورواية الباقين: يَنْهَزُه، من الثلاثي.
(٢) بل في كتاب المناقب (٣٥٣٧).
١٠٨
باب ٤٩ / ح ٢١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
فحَبَسَتْه شيئاً، فظنَنتُ أنَّها تُلبِسُه سِخَاباً، أو تَغْسِلُه، فجاء يَشتَدُّ حَتَّى عانَقَه وقَبَّلَه، وقال:
(اللّهِمَّ أَحِبَّهُ وأحِبَّ مَن ◌ُحِبُّه).
٢١٢٢°م- قال(١): سفيانُ قال: عُبيد الله أخبرني: أنَّه رأى نافعَ بنَ جُبَير أوتَرَ بَرَكْعةٍ.
[طرفه في: ٥٨٨٤]
قوله: ((عن عُبيد الله)) بالتصغير، في رواية مسلم (٥٦/٢٤٢١) عن أحمد بن حَنْبَلٍ عن
سفيان: حدَّثني عُبيد الله، ولكنَّه أورَدَه مُختصَراً جدّاً.
قوله: ((عن نافع بن جُبَير)) هو المذكور في الحديث الأوَّل، وليس له أيضاً عن أبي هريرة
في البخاري سوی هذا الحديث.
قوله: ((في طائفةٍ من النَّهار)) أي: في قطعةٍ منه، وحكى الكِرْماني أنَّ في بعضِ الروايات:
صائفة، بالصاد المهمَلة بدلَ: طائفة، أي: في حَرِّ النَّهار، يقال: يومٌ صائفٌ، أي: حارٌّ.
قوله: ((لا يُكلِّمني ولا أُكلِّمه)) أمَّا من جانب النبي ◌َّ فلعلَّه كان مشغول الفِكْر
بوَخْيٍ أو غيره، وأمَّا من جانب أبي هريرة فللتَّوقير، وكان ذلك من شأن الصحابة إذا لم
يروا منه نشاطاً.
قوله: ((حتَّى أتى سوقَ بني قَيُقَاع، فجَلَسَ بفِناءِ بيت فاطمةَ فقال)» هكذا في نُسَخ البخاري،
قال الدَّاوودي: سَقَطَ بعض الحديث عن الناقل، أو أدخَلَ حديثاً في حديثٍ، لأنَّ بيت فاطمة
ليس في سوق بني قَينُقاع. انتهى، وما ذكره أوَّلاً احتمالاً هو الواقع، ولم يَدخُل للراوي حديثٌ
في حديثٍ، وقد أخرجه مسلمٌ (٥٧/٢٤٢١) عن ابن أبي عمرَ عن سفيان فأثبَتَ ما سَقَطَ منه،
ولفظُه: حتَّى جاء سوقَ بني قَينُقَاعِ، ثمَّ انصَرَفَ حتَّى أتى فِناءَ(٢) فاطمةَ، وكذلك أخرجه
الإسماعيلي من طرقٍ عن سفيان، وأخرجه الحميدي في «مُسنَده)) (١٠٤٣) عن سفيان فقال
فيه: حتَّى أتى فِناء عائشة فجَلَسَ فيه، والأوَّل أرجَح، والفِناء بكسر الفاء بعدها نونٌ ممدودةٌ،
(١) القائل هو علي بن عبد الله بن المَدِيني شيخ البخاري.
(٢) وقع في الأصلين و(س): فناء، بالفاء والنون، ومثله عند العيني في ((عمدة القاري)) ٢٤٠/١١، والذي
في ((مسلم)) وشروحه وأصوله الخطية التي بين أيدينا: ((خباء)) بالخاء والباء.
١٠٩
باب ٤٩ / ح ٢١٢٢
كتاب البيوع
أي: الموضعُ المَّسِعُ أمامَ البيت.
قوله: ((أَثَّمَّ لُكَعُ)) بهمزة الاستفهام بعدها مُثلَّةٌ مفتوحة، ولُكَعُ بضمِّ اللَّام وفتحِ
الكاف، قال الخطَّابي: اللَّكَعُ على معنيَينٍ، أحدُهما: الصغيرُ، والآخر: اللَّئيم، والمراد هنا
الأوَّل، والمراد بالثاني ما وَرَدَ في حديث أبي هريرة أيضاً: ((يكون أسعَدَ الناس بالدُّنيا لُكَعُ بنُ
لُكَع))(١). وقال ابن القِّين: / زاد ابن فارس: أنَّ العبدَ أيضاً يقال له: لُكَع. انتهى، ولعلَّ من ٣٤٢/٤
أطلقَه على العبد أراد أحد الأمرَين المذكورين. وقال بلال بن جَرِيرِ التميمي: اللَّكَعُ في
لُغَتنا: الصغير، وأصلُه في المُهْر ونحوِه. وعن الأصمعي: اللَّكَعُ الذي لا يَهَتَدِي لَنطِقٍ ولا
غيره، مأخوذٌ من الملاكيع وهي التي تخرج مع السَّلَى (٢). قال الأزهري: وهذا القول أرجَح
الأقوال هنا، لأنه أراد أنَّ الحسن صغيرٌ لا يَهتَدي لمنطِقٍ، ولم يُرِدْ أنَّه لئيمٌ ولا عبدٌ.
قوله: ((فَبَسَتْه شيئاً)) أي: مَنَعتْه من المبادرة إلى الخروج إليه قليلاً، والفاعلُ فاطمة.
قوله: ((فظََنتُ أنَّها تُلِسُه سِخاباً)) بكسر المهمَلة بعدها مُعجَمةٌ خفيفةٌ وبموحّدة، قال
الخطّابي: هي قِلادةٌ تُتَّخَذ من طِيب ليس فيها ذهبٌ ولا فِضّةٌ، وقال الدَّاوودي: من قُرُنفُل،
وقال الهَرَوي: هو خَيطٌ من خَرَزٍ يَلْبَسُه الصِّبيانُ والجواري. وروى الإسماعيلي عن ابن أبي
عمرَ - أحد رواة هذا الحديث - قال: السِّخابُ شيءٌ يُعمَلُ من الخَنظَل كالقَمِيص والوِشَاحِ.
قوله: ((أو تَغسِلُه)) في رواية الحميدي: ((وتَغسِلُه)) بالواو.
قوله: ((فجاء يَشتَدّ)) أي: يُسرِعُ في المشي، في رواية عمرَ بن موسى عند الإسماعيلي: فجاء
الحسن، وفي رواية ابن أبي عمر عند الإسماعيلي: فجاء الحسنُ أو الحسين، وقد أخرجه
مسلمٌ (٥٧/٢٤٢١) عن ابن أبي عمرَ فقال في روايته: ((أَثَمَّ لُكَع؟)) يعني: حَسَناً، وكذا قال
الحُميدي في («مُسنَده)) (١٠٤٣)، وسيأتي في اللَّباس (٥٨٨٤) من طريق وَرْقاءَ عن عُبيد الله
(١) اللفظ المذكور هو لفظ حديث حذيفة بن اليمان الذي أخرجه الترمذي (٢٢٠٩)، وأحمد (٢٣٣٠٣). وأما
حديث أبي هريرة فلفظه: ((لا تذهب الدنيا حتى تصير للكع ابن لكع)) أخرجه أحمد (٨٣٢٠م).
(٢) غشاء رقيق يحيط بالجنين ويخرج معه.
١١٠
باب ٤٩- ٥٠ / ح ٢١٢٣ -٢١٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أبي يزيدَ بلفظ: فقال: ((أين لُكَع؟ ادعُ الحسنَ بن علي)) فقامَ الحسنُ بنُ عليّ يمشي.
قوله: ((فجاء يَشتَدُّ حتَّى عانَقَه وقَبَّله)) في رواية وَرْقاءَ: فقال النبي ◌َّ بيدِه هكذا، أي:
مَدَّها، فقال الحسنُ بيدِه هكذا، فالْتَزَمَه.
قوله: ((فقال: اللهمَّ أحِبَّه)) بفتح أوَّله بلفظ الدُّعاء، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((أحسِبه))
بفَكِّ الإدغام، زاد مسلمٌ عن ابن أبي عمر: فقال: «اللهمَّ إنِّي أُحِبُّه فأحِبَّه)».
وفي الحديث بيانُ ما كان الصحابةُ عليه من توقير النبي ◌َّهِ والمشي معه، وما كان
عليه من التواضُع من الدُّخول في السوق والجلوس بفِناءِ الدّار، ورحمة الصغير والمزاح
معه ومعانَقَتُه وتقبيلُه، ومَنقَبَةٌ للحسن بن علي، وسيأتي الكلام عليها في مناقبه (٣٧٤٧)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال سفيان)) هو ابن عُيَينة، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور.
قوله: ((عُبيد الله أخبرني)) فيه تقديمُ اسمِ الراوي على الصيغة، وهو جائزٌ، وعُبيد الله: هو
شیخ سفیان في الحديث المذكور.
وأراد البخاري بإيراد هذه الزّيادة بيانَ لُقيٍّ عُبيد الله لنافع بن جُبَير، فلا تَضُرُّ العَنعَنةُ
في الطَّريق الموصولة، لأنَّ من ليس بمُدلِّسٍ إذا ثبت لقاؤه لمن حدَّثَ عنه ◌ُلَت عنعنتُه على
السَّماع اتّفاقاً، وإنَّما الخلافُ في المدلِّس أو فيمن لم يَتْبُت لُقُّه لمن روى عنه.
وأبعَدَ الكِرْماني فقال: إنَّما ذكر الوترَ هنا لأنه لمَّا روى الحديثَ الموصولَ عن نافعٍ بن
جُبَير، انتَهَزَ الفُرصةَ لبيان ما ثبت في الوتر ممَّا اختُلِفَ في جوازه، والله أعلم.
٢١٢٣ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقبةَ، عن نافع،
حدّثنا ابنُ عمَ: أنَّهم كانوا يشترونَ الطَّعامَ مِن الرُّكبان على عهد النبيِّ ◌َّةِ، فَيَبَعَثُ عليهم مَن
يَمنَعُهم أن يَبِيعُوه حيثُ اشتروه حتَّى يَنْقُلُوه حيثُ يُباعُ الطَّعام.
[أطرافه في: ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢]
١١١
باب ٥٠ / ح ٢١٢٥
كتاب البيوع
٢١٢٤ - قال: وحدَّثنا ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما، قال: نهى النبيُّ وَّهِ أن يُباعَ الطَّعامُ إذا
اشتراه حتَّى يَستَوفِیه.
[أطرافه في: ٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦]
الحديث الخامس: حديث ابن عمر في نَقْل الطَّعام من المكان الذي يُشتَرى منه إلى حيثُ
يُباع الطَّعام، وفيه حديثُه في النَّهي عن بيع الطَّعام حتَّى يَستوفيه، وسيأتي الكلام عليهما بعد
أربعة أبواب(١).
وقد استُشكِلَ إدخالُ هذا الحديث في باب الأسواق، وأُجيبَ بأنَّ السُّوق اسمٌ لكلِّ مكانٍ
وقع فيه التبايُعُ بين من يَتَعاطى البيع، فلا يختصُّ الحكمُ المذكور بالمكان المعروف بالسوقِ،
بل يَعُمُّ كلّ مكان يقع فيه التبايع، فالعموم في قوله في الحديث: ((حيثُ يُباع الطَّعام)).
٥٠- باب كراهية السَّخَب في السوق
٢١٢٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا فُلَبِحٌ، حدَّثنا هلالٌ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، قال: لَقِيتُ
عبد الله بنَ عَمٍو بنِ العاصِ رضي الله عنهما، قلتُ: أخبِرِني عن صِفَةِ رسولِ اللهِوَّهِ فِي التَّوراةِ،
قال: أجل،/ والله إنَّه لَموصوفٌ في التَّوراةِ ببعضٍ صِفَتِه في القُرآنِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ ٣٤٣/٤
شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرزاً للأُمَّيِّينَ أنتَ عبدي ورسولي سَمَّتُكَ المتوكّلَ،
ليس بفَظُّ ولا غَلِيظٍ ولا سَخّابٍ في الأسواقِ، ولا يَدِفَعُ بِالسَّيَِّةِ السَّيِّئَةَ، ولكن يَعِفُو ويَغْفِرُ،
ولن يَقِضَه اللهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلّةَ العَوْجاءَ، بأن يقولوا: لا إلهَ إلا الله، ويُفتَحُ بها أَعيُنٌّ عُمْيٌّ،
وآذانٌ صُمٌّ، وقلوبٌ غُلْفٌ.
تَابَعَه عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةً عن هلالٍ.
وقال سعيدٌ: عن هلالٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سَلامٍ.
[طرفه في: ٤٨٣٨]
قوله: ((باب كراهية السَّخَب في الأسواقِ)) بفتح المهمَلة والخاء المعجمة بعدها موحّدةٌ،
(١) في باب (٥٤): ما يذكر في بيع الطعام والحكرة.
١١٢
باب ٥٠ / ح ٢١٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
ويقال فيه: الصَّخَبُ بالصاد المهمَلة بدلَ السّين: وهو رفع الصَّوتِ بالخِصام، وقد تقدَّم
ذكُرُه في الكلام على حديث أبي سفيان في قصَّة هِرَقلَ في أوَّل الكتاب (٧). وأُخِذَت
الكراهةُ من نفي الصِّفة المذكورة عن النبي ◌َّ كما نُفيت عنه صفةُ الفَظاظة والغِلْظة.
وأورَدَ المصنّف فيه حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص في صفة النبي ◌ِّ، والغرض
منه قوله فيه: ((ولا سَخّاب في الأسواق))، وسيأتي الكلام على شرحه مُستوفَّى في تفسير
سورة الفتح (٤٨٣٨).
ويُستَفادُ منه أنَّ دخول الإمام الأعظم السوقَ لا يَحْطُّ من مَرْتَبَتِه، لأنَّ النَّفي إِنَّا وَرَدَ في
ذمِّ السَّخَب فيها لا عن أصل الدُّخول.
وهلالٌ المذكور في إسناده: هو ابن علي، ويقال له: هلال بن أبي هلال، وليس لشيخِه
عطاء بن يسار عن عبد الله بن عَمْرو في ((الصحيح)) غير هذا الحديث.
وقوله فيه: ((وحِرزاً)) بكسر المهمَلة، أي: حافظاً، وأصل الحِرز: الموضع الخَصِين، وهو
استعارٌ.
وقوله: ((حتَّى يُقيم به الِلَّةَ العَوْجاء)) أي: مِلّةَ العرب، ووَصَفَها بالعِوَجِ لمَا دَخَلَ فيها
من عبادة الأصنام، والمراد بإقامتها: أن يخرُجَ بها (١) من الكُفر إلى الإيمان.
وقوله: ((وقُلوب غُلْف))، وقع في رواية النَّسَفي والمُستَمْلي: قال أبو عبد الله، يعني:
المصنّف: الغُلْف: كلَّ شيء في غِلاف، يقال: سيف أغلَفُ، وقوسٌ غَلْفَاءُ، ورجلٌ أغلَفُ:
إذا لم يكن مختوناً. انتهى، وهو كلام أبي عبيدة في كتاب ((المجاز)).
قوله: ((تابَعَه عبد العزيز بن أبي سَلَمَةَ عن هلال)» ستأتي هذه المتابعةُ موصولةً في تفسير
سورة الفتح (٤٨٣٨).
قوله: «وقال سعید: عن هلال، عن عطاء، عن ابن سَلام» سعید: هو ابن أبي هلال،
وقد خالَفَ عبد العزيز وفُلَيحاً في تعيين الصحابي، وطريقه هذه وَصَلَها الدّارمي في
(١) في (س): يخرج أهلها.
١١٣
باب ٥١
كتاب البيوع
((مُسنَدَه)) (٦) ويعقوب بن سفيان في ((تاريخه))(١) والطبراني (١٤٩٨٠) جميعاً بإسناد واحدٍ
عنه، ولا مانعَ أن يكون عطاءُ بن يَسَار ◌َله عن كلٍّ منهما، فقد أخرجه ابن سعد
(٣٦٠/١-٣٦١) من طريق زيد بن أسلمَ قال: بَلَغَنا أنَّ عبد الله بن سَلَام كان يقول ...
فذكره. وأظنُّ المبلِّغَ لزيدٍ هو عطاء بن يسار فإنَّه معروفٌ بالرواية عنه، فيكون هذا شاهداً
الرواية سعيد بن أبي هلال، والله أعلم.
وسأذكر لرواية عبد الله بن سَلَامٍ مُتَابَعاتٍ في تفسير سورة الفتح. ومما جاء عنه في ذلك
مُجُمَلاً ما أخرجه التِّرمِذي (٣٦١٧) من طريق محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن
أبيه عن جدِّه قال: مكتوب في التوراة صفةٌ محمدٍ نَّهِ، وعيسى ابنُ مریمَ یُدفَنُ معه.
٥١- باب الكيل على البائع والمعطي
وقولِ الله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوَ وَّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] يعني: كالُوا لهم ووَزَنوا
لهم، كقوله: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسمَعونَ لكم.
وقال النبيُّ وَّ: ((اكتالُوا حتَّى تَستَوفُوا)).
ويُذكَر عن عثمانَ ◌ّهِ: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال له: ((إذا بعتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعتَ فاكتَلْ)).
قوله: ((باب الكيل على البائع والمعطي)) أي: مُؤْنة الكَيل على المعطي بائعاً كان أو مُوفي ٣٤٤/٤
دَينٍ أو غير ذلك. ويَلتَحِق بالكَيل في ذلك الوزن فيما يوزَن من السِّلَع وهو قول فقهاء
الأمصار، وكذلك مُؤْنةُ وزن الثَّمَن على المشتري إلَّا نَقْد الثَّمن، فهو على البائع على الأصحِّ
عند الشافعية.
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا كَالْوُهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ يعني: كالُوا لهم أو وَزَنوا
لهم)) هو تفسيرُ أبي عُبيدةَ في ((المجاز))، وبه جَزَمَ الفَرّاء وغيره، وخالَفَهم عيسى بن عمر
فكان يَقِفُ على ((كالُوا)) وعلى ((وَزَنوا))، ثمَّ يقول: هم. وزَيَّفَه الطَّبري(٢)، والجمهورُ أعرَبُوه
(١) ومن طريق يعقوب بن سفيان أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣٧٦/١.
(٢) في ((تفسيره)) ٣٠/ ٩١.
١١٤
باب ٥١ / ح ٢١٢٦ -٢١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
على حذفِ الجارِّ ووَصْلِ الفعل. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على حذفِ المضاف وهو
المَكِيل مثلاً، أي: كالُوا مَكِيلَهم.
وقوله: ((كقوله: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾)) أي: يسمعونَ لكم. ومعنى الترجمة: أنَّ المرءَ يَكيلُ له
غیرُه إذا اشتری، ویکِیل هو إذا باع.
قوله: ((وقال النبي ◌َّ: اكتالُوا حتَّى تَستَوفوا)) هذا طرفٌ من حديث وَصَله النَّسائي(١)
وابن حِبَّان (٦٥٦٢) من حديث طارق بن عبد الله المُحَاربي قال: رأيت رسول الله وَله
مرَّتين، فذكر الحديث وفيه: فلمَّا أظهَرَ الله الإسلامَ خرجنا إلى المدينة، فبينا نحنُ قُعودٌ إذ
أتى رجلٌ عليه ثوبان ومعنا جملٌ أحمرُ، فقال: أتبيعونَ الجملَ؟ قلنا: نعم، فقال: بِكَم؟ قلنا:
بكذا وكذا صاعاً من تمرٍ، قال: قد أخذتُ، فأخذَ بخِطام الجمل ثمَّ ذهب حتَّى تَوارَى،
فلمَّا كان العِشاءُ أتانا رجلٌ، فقال: أنا رسولُ رسول الله وَلّهِ إليكُم، وهو يأمرُكُم أن تأكُلوا
من هذا التمر حتَّى تَشبَعوا، وتكتالوا حتَّى تستوفوا، ففَعَلْنا، ثمَّ قَدِمنا فإذا رسولُ الله وَه
قائمٌ يَخْطُب، فذكر الحديثَ. ومُطابَقتُه للتَّرجمة: أنَّ الاكتيال يُستَعمَل لمَا يأخذه المرء لنفسِه
كما يقال: اشتوى: إذا اتَّخِذَ الشِّواءَ، واكتَسَبَ: إذا حَصَّلَ الكَسْب، ويُفسِّرُ ذلك حديثُ
عثمانَ المذكورُ بعدَه.
قوله: ((ويُذكَر عن عثمان أنَّ النبي ◌َّ قال له: إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتَعت فاكتَل)) وَصَله
الدَّارَ قُطني (٢٨١٨) من طريق عُبيد الله بن المغيرة المصري، عن مُنقِذ مولى ابن سُراقة، عن
عثمان بهذا، ومُنقِذٌ مجهولُ الحال، لكن له طريقٌ أُخرى أخرجها أحمد (٤٤٤) وابن ماجَهْ
٣٤٥/٤ (٢٢٣٠) والبَزَّار (٣٧٩)/ من طريق موسى بن وَرْدانَ عن سعيد بن المسيّب عن عثمان،
به، وفيه ابن لَهِيعة ولكنَّه من قديمٍ حديثه، لأنَّ ابن عبد الحَكَمِ أورَدَه في ((فُتوح مِصر))(٢)
(١) حديث طارق المحاربي أخرج النسائي بعضه مفرَّقاً (٢٥٣٢) و(٤٨٣٩)، لكن ليس فيه القطعة التي
ذكرها الحافظ، والظاهر أنه أراد الإشارة إلى وَصْل أصل الحديث عند النسائي وحسب. وقد وردت
هذه القطعة في رواية ابن حبان.
(٢) أورده ابن عبد الحكم فيه ص ٢٣٥ إيراداً بقوله: وروى الليث ... إلخ، ولم يُسنده، لكن ذكر الحافظ في =
١١٥
باب ٥١ / ح ٢١٢٦ -٢١٢٧
كتاب البيوع
من طريق اللیث عنه.
وأشار ابن التِّين إلى أنَّه لا يطابقُ الترجمةَ، قال: لأنَّ معنى قوله: ((إذا بعت فكِل)) أي:
فأوفٍ ((وإذا ابتَعت فاكتَل)) أي: فاستوف، قال: والمعنى أنَّه إذا أعطى أو أخذَ لا يزيد ولا
يَنقُص، أي: لا لك ولا عليك. انتهى، لكن في طريق الليث زيادة تُساعد ما أشار إليه
البخاري، ولفظه: إن عثمان قال: كنت أشتري التمر من سوق بني قَينُفَاع ثمَّ أجلِبُه إلى
المدينة ثمَّ أُفرِغُه لهم وأُخبِرُهم بما فيه من المكيلة، فيُعطوني ما رَضيت به من الرِّيحِ ويأخُذونَه
بخبري(١)، فَبَلَغَ ذلك النبيَّ ◌َّهِ فقال، فَظَهَرَ أنَّ المراد بذلك تَعاطي الكَيل حقيقةً لا
خصوص طلب عَدَم الزّيادة والنُّقْصان. وله شاهدٌ مُرسَلٌ أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٦٣/٦)
من طريق الحَكَم قال: قَدِمَ لعثمانَ طعامٌ، فذكر نحوه بمعناه.
٢١٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهقال: ((مَنِ ابتاعَ طعاماً، فلا تَبِعْهُ حتَّى يَستَوفِیَه)).
٢١٢٧ - حدَّثْنَا عَبْدانٌ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جابرٍ حَ﴾، قال: تُوقِّيَ
عبدُ الله بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ وعليه دَينٌ، فاستَعَنتُ النبيَّ وَِّ على غُرَمائه أن يَضَعوا من دَينِهِ،
فَطَلَبَ النبيُّ ◌َّهِ إليهم، فلم يَفعَلوا، فقال ليَ النبيُّ ◌َّهِ: ((اذهَبْ فصَنِّف تمرَكَ أصنافاً، العَجْوةَ
على حِدَةٍ، وعِذْقَ زيدٍ على حِدَةٍ، ثُمَّ أرسِلْ إليَّ)) ففَعَلتُ، ثمَّ أرسَلتُ إلى النبيِّ وَّةِ، فَجَلَسَ على
أعلاه أو في وَسَطِهِ، ثمَّ قال: ((كِلْ للقومِ)) فكِلتُهم حتَّى أوفَيْتُهم الّذي لهم، وبَقِيَ تمري كأنَّه لم
يَنقُصْ منه شيءٌ.
وقال فِراسٌ، عن الشَّعْبِيِّ: حدَّثني جابرٌ، عن النبيِّوَّةِ: فما زالَ يَكِيلُ لهم حتَّى أدَّى.
((التغليق)» ٢٣٩/٣ أن أبا بكر المروزي قد رواه في ((مسنده)) من حديث ابن وهب عن ابن لهيعة. ثم إن
=
ابن ماجه روايته من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن لهيعة، وكلاهما (ابن وهب والمقرئ) ممن
سمع من ابن لهيعة قديماً قبل أن يختلط.
(١) جاء في (س) قبل قوله: ((ويأخذونه بخبري)) زيادة لفظة: فيأخذونه، ولا معنى لها، وفي (ع): ويأخذونه
بخبر، وهو خطأ، وما أثبتناه من (أ) وهو الصواب.
١١٦
باب ٥١ / ح ٢١٢٦ -٢١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال هشامٌ: عن وَهْب، عن جابرٍ، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((جُذَّ له فَأَوْنٍ له)).
[أطرافه في: ٣٣٩٥، ٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠]
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث ابن عمر: ((من باع طعاماً فلا تَبِعه حتَّى يَستوفیه))، وسيأتي
الكلام عليه بعد أبواب (٢١٣٦).
وحديثَ جابر في قصَّة دَين أبيه، وسيأتي الكلام عليه وعلى ما اختلفَ من ألفاظِهِ
وطرقه في ((علامات النُّبوّة)) (٣٥٧١) إن شاء الله تعالى.
والغرض منه قوله فيه: ثمَّ قال: ((كِلْ للقوم))، فإنَّه مُطابقٌ لقوله في الترجمة: ((الكَيل على
المعطي)).
وقوله فيه: «فصنِّف تمرك أصنافاً» أي: اعزِل کلّ صنف منه وحده.
وقوله فيه: ((وعِذْق ابن(١) زيد)) العِذْقُ بفتح العين: النَّخلة، ويكسرها: العُرْجون،
والذّال فيهما مُعجَمة، وابن زيد: شخصٌ نُسِبَ إليه النَّوع المذكورُ من التمر. وأصناف تمر
المدينة كثيرةٌ جدّاً، فقد ذكر الشيخ أبو محمد الجُوَيني في ((الفروق)) أنَّه كان بالمدينة فبَلَغَه
أَهم عَدُّوا عند أميرها صُنوفَ التمر الأسود خاصّةً فزادت على السِّين، قال: والتمر
الأحمرُ أكثرُ من الأسوَد عندهم.
قوله: ((وقال فِراسٌ عن الشَّعْبي ... )) إلى آخره، هو طرفٌ من الحديث المذكور، وَصَله
المؤلِّفُ في آخر أبواب الوصايا (٢٧٨١) بتمامه، وفيه اللَّفظُ المذكور.
قوله: ((وقال هشامٌ عن وَهْب عن جابر: قال النبي ◌ِّرَ جُدَّ له فَأَوفٍ له)) وهذا أيضاً
طرفٌ من حديثه المذكور، وقد وَصَله المؤلِّف في الاستقراض (٢٣٩٦) بتمامه. وهشام
المذكور: هو ابن عُرْوة، ووَهْبٌ: هو ابن کَیْسانَ.
(١) كذا وقع للحافظ: عذق ابن زيد، وكذلك هو عند العيني في ((عمدة القاري)) ٢٤٥/١٢، وقال: وفي
((التوضيح)) بخط الدمياطي: عذق زيد. قلنا: يعني بإسقاط ((ابن))، وكذلك هي روايات البخاري من غير
اختلاف كما في اليونينية والقسطلّاني، ولكن المشهور أنه ((عذق ابن زيد)) كما عند الحافظ.
١١٧
باب ٥٢ / ح ٢١٢٨
كتاب البيوع
وقوله: ((جُلَّ) بلفظ الأمر من الجَذاذِ، بالجيمِ والذّال المعجَمة: وهو قَطْعُ العَراجين. وبيَّن
في هذه الطَّريق قَدْر الدَّين، وقَدْر الذي فَضَلَ بعد وفائه، وقد تَضمَّنَ قوله: ((فَأَوفِ له))
معنى قوله: ((كِلْ للقوم)».
٥٢- باب ما یستحبّ من الکیل
٢١٢٨- حذَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا الوليدُ، عن ثَورٍ، عن خالد بنِ مَعْدانَ، عن
الِقِدامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ عَثُ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((كِيلُوا طعامَكُمْ يُبارَكْ لكم)).
قوله: ((باب ما يُستَحَبُّ من الكَيلِ)) أي: في المَبِيعات.
قوله: ((الوليد)» هو ابن مسلمٍ.
قوله: ((عن ثَورٍ)) هو ابن يزيدَ الدِّمَشقي، في رواية الإسماعيلي من طريق دُخَيم عن
الوليد: حدَّثنا ثَورٌ.
قوله: «عن خالد بن مَعْدان عن المقدام بن معدِي کرِبَ» هکذا رواه الولید و تابعہ یحیی
ابن حمزة(١) عن ثَوْر، وهكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارَك عن ثَورٍ، أخرجه
أحمد عنه (١٧١٧٧)، وتابعه بَحِير (٢) بن سعد عن خالد بن معدان، وخالَفَهم أبو الرَّبيع
الزَّهْراني عن ابن المبارَك، فأدخَلَ بين خالد والمِقِدام جُبَيرَ بن نُفَير، أخرجه الإسماعيلي
أيضاً(٣)، وروايته من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد.
ووقع في رواية إسماعيل بن عيَّاشٍ عند الطبراني (٣٨٥٩)(٤)، وبَقيَّة عنده (٣٨٥٩) ٣٤٦/٤
وعند ابن ماجه (٢٢٣٢)، كلاهما عن بَحِير(٥) بن سعد عن خالد بن مَعْدان عن المقدام عن
(١) روايته عند أبي نعيم في ((الحلية)) ٢١٧/٥، والبيهقي ٣٢/٦.
(٢) تحرّف في الأصلين و(س) إلى: يحيى.
(٣) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٦/ ٣٢.
(٤) وهي كذلك في ((مسند أحمد)) (٢٣٥١٠).
(٥) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: يحيى.
١١٨
باب ٥١ / ح ٢١٢٦ -٢١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
أبي أيوبَ الأنصاري، زاد فيه أبا أيوب، وأشار الدَّارَ قُطني إلى رُجْحان هذه الزّيادة(١).
قوله: «یُبارك لكم)) کذا في جمیع روايات البخاري، ورواه أكثر من تقدَّم ذكرُه فزادوا في
آخره: «فیہ)».
قال ابن بطَّالٍ: الكَيلُ مندوبٌ إليه فيما يُنفِقُه المرء على عياله، ومعنى الحديث: أخرِجوا
بكَيلٍ معلومٍ يُبلِغْكُم إلى المدّة التي قَدَّرتُم، مع ما وضعَ الله من البَرَكة في مُدِّ أهل المدينة
بدعوته ◌َ﴾(٢). وقال ابن الجَوْزي: يُشبِه أن تكون هذه البَرَكةُ للتَّسمیة علیه عند الگیل.
وقال المهلَّب: ليس بين هذا الحديث وحديث عائشة: كان عندي شَطرُ شعيرٍ آكُلُ منه
حتَّى طالَ عليَّ فكِلتُه ففَنيَ - يعني: الحديث الآتي ذكرُه في الرِّقاق (٦٤٥١) - مُعارَضةٌ، لأنَّ
معنى حديث عائشة أنَّها كانت تُخرِجُ قُوتَها - وهو شيءٌ يسيرٌ - بغير كَيلٍ، فُبُورِكَ لها فيه مع
بَرَكة النبيِ وَلّهِ، فلمَّا كالَتْه عَلِمَت المدّةَ التي يَبلُغُ إليها عند انقِضائها. انتهى، وهو صَرفٌ
لمَا يَتَبَادِرُ إلى الذُّهن من معنى البَرَكة، وقد وقع في حديث عائشة المذكور عند ابن حِبَّان
(٦٤٥١): فما زلنا نأكلُ منه حتَّى كالَتْه الجاريةُ، فلم يَلْبَثْ أن فَنِيَ، ولو لم تَكِلْه لَرَجَوت أن
يبقى أكثرَ.
وقال المحِبُّ الطَّبري: لمَّا أمَرَت عائشةُ بكَيل الطَّعام ناظِرةً إلى مُقتَضى العادة، غافلةً
عن طلبِ البَرَكة في تلك الحالة، رُدَّت إلى مُقتَضى العادة، انتهى.
والذي يَظهَرُ لي أنَّ حديثَ المِقِدام محمولٌ على الطَّعام الذي يُشتَرى، فالبَرَكة تَحصُلُ فيه
بالكَيل لامتثال أمر الشارع، وإذا لم يُمتَثَل الأمرُ فيه بالاكتيال نُزِعَت منه لشُؤمِ العصيان،
وحديث عائشة محمولٌ على أنَّها كالَتْه للاختبار فلذلك دَخَله النَّقْص، وهو شَبيهٌ بقول أبي
رافع لمَّ قال له النبي رَّ في الثالثة: ((ناوِلْني الذِّراع))، قال: وهل للشاة إلَّ ذِراعان؟!
فقال: ((لو لم تَقُل هذا لناوَلْتني ما دُمتُ أَطلُبُ منك))(٣)، فخرج من شُؤمِ المعارضة انتزاعُ
(١) بقوله: والقول قول بحير بن سعد لأنه زاد، انظر ((العلل)) له (١٠٢١).
(٢) كما سيأتي عند البخاري (٢١٢٩).
(٣) حديث أبي رافع أخرجه أحمد (٢٣٨٥٨)، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة عنده =
١١٩
باب ٥٣ / ح ٢١٢٩ - ٢١٣٠
كتاب البيوع
البَرَكة، ويَشْهَدُ لمَا قلته حديث: ((لا تُحصي فيُحصي اللهُ عليك)) الآتي (٢٥٩١).
والحاصل أنَّ الكَيلَ بمُجرَّدِهِ لا تَحَصُلُ به البَرَكة ما لم يَنضمَّ إليه أمرٌ آخرُ، وهو امتِثالُ
الأمر فيما يُشرَعُ فيه الكَيل، ولا تُنْزَعُ البَرَكةُ من المكيل بمُجرَّد الكَيل ما لم يَنضمَّ إليه أمرٌ
آخرُ كالمعارضة والاختبار، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((كِيلوا طعامَكُم)) أي: إذا اذَّخَرْ تُمُوه طالبين من الله البَرَكةَ
واثقين بالإجابة، فكان مَن كالَه بعد ذلك إنَّما يَكيلُه ليتَعرَّفَ مِقدارَه، فيكون ذلك شَكّاً في
الإجابة فيُعاقَبُ بسُرعة نَفادِهِ، قاله المحِبُّ الطَّبري. ويحتمل أن تكون البَرَكُ التي تَحصُلُ
بالكَيل بسببِ السلامة من سوءِ الظَّنِّ بالخادم، لأنه إذا أَخرج بغير حِسابٍ قد يُفرِغُ ما
يُخْرِجُه وهو لا يَشِعُرُ فيُنَّهم من يَتَوَلّى أمرَه بالأخذِ منه، وقد يكون بريئاً، وإذا کاله أمِنَ من
ذلك، والله أعلم.
وقد قيل: إنَّ في ((مُسنَدَ البَزَّار))(١): أنَّ المراد بكَيل الطَّعام تصغير الأرغِفة، ولم أتحقَّق ذلك
ولا خلافَه.
٥٣ - باب بركة صاع النبيِّ وَ لاه وهُّدِّه
فيه عائشةُ رضي الله عنها عن النبيِّ ێ.
٢١٢٩ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا عَمْرو بنُ يحيى، عن عبَّاد بنِ تميمِ الأنصاريِّ،
عن عبد الله بنِ زيدٍ ◌ّ، عن النبيِّ وََّ: ((إنَّ إِبراهيمَ حَرَّمَ مَكّةَ ودَعَا لها، وحَرَّمتُ المدينةَ كما
حَرَّمَ إِبراهيمُ مَكّةَ، ودَعَوتُ لها في مُدِّها وصاعِها مِثْلَ ما دَعَا إبراهيمُ عليه السلام لمكَّةَ)).
٢١٣٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ مَسَلَمَةَ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحةَ، عن ٣٤٧/٤
أنسِ بنِ مالكٍ ◌ّ، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ قال: «اللّهمَّ بارِكْ لهم في مِکْیالهم، وبارِكْ لهم في صاعِهم
= أيضاً برقم (١٠٧٠٦) وعند النسائي في ((الکبری)) (٦٦٥٩)، وصححه ابن حبان (٦٤٨٤)، وسنده جيد.
(١) برقم (٤١٠٤) من حديث أبي الدرداء رفعه: ((قُوتُوا طعامَكم يُبارَكْ لكم فيه)»، قال إبراهيم بن عبد الله:
سمعت بعض أهل العلم يفسره، قال: هو تصغير الأرغفة. وفي إسناده بقية بن الوليد وأبو بكر بن أبي
مریم، وهما ضعيفان.
١٢٠
باب ٥٤ / ح ٢١٣١ -٢١٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
ومُدِّهم))، يعني: أهلَ المدينة.
[طرفاه في: ٦٧١٤، ٧٣٣١]
قوله: ((باب بَرَكة صاع النبي ◌ََّ ومُّدِّه)) في رواية النَّسَفي: ومُدّهم، بصيغة الجمع، وكذا
لأبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهَني، وبه جَزَمَ الإسماعيلي وأبو نُعيم، والضَّمير يعودُ للمحذوفِ في
صاع النبي ◌َّ، أي: صاع أهل مَدينة النبي ◌ُِّ ومُدّهم. ويحتمل أن يكون الجمعُ الإرادة
التعظيم، وشرحُ ابن بطَّال على الأوَّل.
قوله: ((فيه عائشة عن النبي (وَليّ)) يشيرُ إلى ما أخرجه موصولاً من حديثها في آخر
الحجِّ (١٨٨٩) عنها، قالت: وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ ... الحديثَ، وفيه: ((اللهمَّ بارْ لنا في
صاعنا ومُدِّنا)).
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وقد تقدَّم الكلام على ما تَضمَّنَه حديث عبد الله
ابن زيد - وهو ابن عاصم - المذكور هنا في أواخر الحج، وكذا حديث أنسٍ (١)، وسَيُعادُ في
کتاب الاعتصام (٧٣٣١).
تنبيه: إيراد المصنِّف هذه الترجمةَ عَقِبَ التي قبلها يُشعِرُ بأنَّ البَرَكةَ المذكورةَ في حديث
المِقدام (٢١٢٨) مُقَيَّدةٌ بما إذا وقع الكيل بمُدِّ النبي ◌َِّ وصاعه، ويحتمل أن يَتَعدّى ذلك
إلى ما كان موافقاً لهما لا إلى ما يُخالفُهما، والله أعلم.
٥٤- باب ما يذكر في بيع الطعام والحُكْرة
٢١٣١- حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن الأوزاعيِّ، عن
الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيه ظُه، قال: رأيتُ الذينَ يشترونَ الطَّعامَ مُجازَفَةً يُضرَبونَ على عهدِ
رسولِ الله وَل﴿ أن يَبِيعوه، حتَّى يُؤْۇُوه إلی رِ حَالهم.
٢١٣٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
(١) لعل الحافظ قصد الكلام عن تحريم المدينة دون الكلام عن المدِّ، فقد تكلم عن تحريم المدينة عند شرح
الأحاديث (١٨٦٧) و(١٨٦٩) و (١٨٧٠).