النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ باب ٢٨ / ح ٢٠٨٩ - ٢٠٩٠ كتاب البيوع ابنُ حسينٍ، أنَّ حسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما أخبَرَه، أنَّ عليّاً عليه السلام قال: كانت لي شارفٌ من نَصِيبِي مِن المغنَمِ، وكان النبيُّ ◌َ ◌َّ أعطاني شارِفاً مِن الخُمسِ، فلمَّا أَرَدتُ أن أبتَنَيَ بفاطمةَ عليها السلام بنتِ رسولِ اللهِ وَّه واعَدتُ رجلاً صَوّاغاً من بني قَيْنُقَاعَ أن يَرَحِلَ معي، فنأتيَ بإذخِرٍ أَرَدتُ أن أبِيعَه مِن الصَّوّاغِينَ، وأستَعِينَ به في وَلِيمَةِ عُرُسِي. [أطرافه في: ٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣] ٢٠٩٠ - حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبد الله، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ٣١٧/٤ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكّةَ ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا لأحدٍ بعدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعةً من نهارٍ، لا يُخْتَلَى خَلَاها، ولا يُعضَدُ شَجَرُها، ولا يُتَفَّرُ صيدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلا لمُعرِّفٍ)) وقال عبَّاسُ بنُ عبد المطَّلِبِ: إلا الإذخِرَ، لصاغَتِنا ولِسُقُفِ بيوتِنا، فقال: «إلا الإذخر». فقال عِكْرمةُ: هل تدري ما يُنَفَّرُ صيدُها؟ هو أن تُنِّيَه مِن الظُّلِّ وَتَنزِلَ مكانَه. قال عبدُ الوهّاب، عن خالدٍ: لصاغَتِنا وقُبُورِنا. قوله: ((باب ما قيل في الصَّوّاغ)) بفتح أوَّله على الإفراد وبضمِّه على الجمع، يقال: صائغٌ وصَوّاٌ وصَيّاغ بالتحتانية، وأصلُ عملِه الصياغة. قال ابن المنيِّر: فائدةُ الترجمة لهذه الصياغة وما بعدَها: التنبيه على أنَّ ذلك كان في زَمَنِهِ بِّهِ وأقرَّه مع العلمِ به فيكون كالنصِّ على جوازه وما عداه يُؤخَذُ بالقياس. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك، ويونس: هو ابن يزيد، ورواية ابن شهاب بالإسناد المذکور ممّا قیل فیه: إنَّه أصُ الأسانيد. قوله: ((كانت لي شارفٌ)) بمُعجَمةٍ وآخرُه فاءٌ وزن فاعلِ: الناقةُ المسِنّة. قوله: ((أبتَتِي بفاطمةَ)) أي: أدخُل بها، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في فرضِ الخُمس (٣٠٩١)، والغرضُ منه قوله: واعدتُ رجلاً صَوّاغاً من بني قَيْنُقاع، وقد قَدَّمنا أنَّهم رَهطٌ من اليهود، فيُؤْخَذ منه جوازُ مُعامَلة الصائغِ ولو كان غيرَ مسلم، ويُؤْخَذُ منه أنَّه لا يَلَزَمُ من ٦٢ باب ٢٩ / ح ٢٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري دخول الفساد في صَنعةٍ أن تُتْرَكَ مُعامَلةُ صاحبها ولو تَعاطاها أراذِلُ الناس مثلاً، ولعلَّ المصنِّفُ أشار إلى حديث: ((أكذَبُ الناس الصَّاغونَ والصَّاغونَ))، وهو حديثٌ مُضطِبُ الإسناد أخرجه أحمد وغيره(١). قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن شاهين، وخالدٌ: هو الطَّحّان، وشيخه خالد: هو الحَذّاء. وقوله في أوَّل الباب: ((وقال طاووس)) وقوله في آخره: ((وقال عبد الوهّاب ... )) إلى آخره، تقدَّم وصلُ هذين التعليقَين في كتاب الحج (١٨٣٣ و١٨٣٤)، وكذلك شرحُ الحديث المذكور، وغرضُ الترجمة منه ذكرُ الصياغة وتقريرُ النبي ◌َّ على ذلك. ٢٩ - باب ذكر القَيْن والحدّاد ٢٠٩١ - حدَّثَنِي محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن خبّابِ، قال: كنتُ قَبْناً في الجاهليَّةِ، وکان لي على العاصِ بنِ وائلٍ دَينٌّ، فأتيتُه أتقاضاه، قال: لا أُعطِيكَ حتَّى تَكْفُرَ بمحمَّدٍ وَّهِ، فقلتُ: لا أكفُرُ حتَّى يُمِيتَكَ الله ثُمَّ تُبُعَثَ، قال: دَعْني حتَّى أموتَ وأُبعَثَ فسأُوتَى مالاً ووَلَداً، فأقضِيَكَ، فنزلت: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا ) أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ -٧٨]. [أطرافه في: ٢٢٧٥، ٢٤٢٥، ٤٧٣٢، ٤٧٣٣، ٤٧٣٤، ٤٧٣٥] ٣١٨/٤ قوله: ((باب ذكر القَينِ)) بفتح القاف ((والحَدّادِ)) قال ابن دُرَيدِ: أصل القَيْن الحدّادُ، ثمَّ صار كلُّ صائغٍ عند العربِ قَيناً. وقال الزَّجَاجُ: القَينُ الذي يُصلِحُ الأَسِنّة، والقَينُ أيضاً الحدّاد. وكأنَّ البخاري اعتمَدَ القول الصائر إلى التغاير بينهما. وليس في الحديث الذي أورَدَه في الباب إلَّا ذكرُ القَين، وكأنَّه الْحَقَ الحدّاد به في الترجمة لاشتراكهما في الحكم، وسيأتي الكلام على الحديث في تفسير سورة مريم (٤٧٣٢) إن شاء الله تعالى. (١) أخرجه أحمد (٧٩٢٠)، وابن ماجه (٢١٥٢)، وغيرهما. ٦٣ باب ٣٠-٣١ / ح ٢٠٩٢ -٢٠٩٣ كتاب البيوع وأمَّا قول أُمِّ أيمَنَ(١): ((أنا قَيَّنت عائشة)) فمعناه: زَيَّنْتُها، قال الخليل: التقيينُ: التزيين، ومنه سُمّيت المغنّةُ قَينةً، لأنَّ من شأنها الزِّينَةَ. ٣٠- باب الخيّاط ٢٠٩٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبد الله، أنَّه سمعَ أنسَ ابنَ مالكٍ ﴾ يقول: إنَّ خَيّاطاً دَعا رسولَ الله وَلَ لطعام صَنَعَه، قال أنسُ بنُ مالكٍ: فذهبتُ معَ رسولِ اللهِ وَّةٍ إلى ذلك الطَّعام، فقَرَّبَ إلى رسولِ الله وَّهِ خُبزاً ومَرَقاً فيه دُبّاءٌ وقَدِيدٌ، فرأيتُ النبيَّ ◌َلَّهَ يَتَتَبَّعُ الدُّاءَ من حَوالَيِ القَصعةِ، قال: فلم أزَلْ أُحِبُّ الُّاءَ من يومئذٍ. [أطرافه في: ٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩] قوله: ((باب الخيّاط)) بالمعجَمة والتحتانية. قال الخطَّابي: في أحاديث هذه الأبواب دلالة على جواز الإجارة (٢)، وفي الخياطة معنَى زائدٌ، لأنَّ الغالب أن يكونَ الخيطُ من عند الخيّاط فيجتمع فيها إلى الصَّنعة الآلةُ، وكان القياس أنَّه لا تَصِحُّ إذ لا تَتَميَّزُ إحداهما عن الأُخرى غالباً، لكنَّ الشارعَ أقرَّه لما فيه من الإرفاق واستقرَّ عملُ الناس عليه، وسيأتي الكلامُ على حديث الباب في كتاب الأطعمة (٥٣٧٩) إن شاء الله تعالى. وفيه دلالة على أنَّ الخياطةَ لا تُنافي المروءةَ. ٣١- باب النَّسّاج ٢٠٩٣- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حذَّثنا يعقوبُ بنُ عبد الرَّحمن، عن أبي حازمِ، قال: سمعتُ سهلَ بنَ سعدٍ ﴾ قال: جاءتِ امرأةٌ بُردةٍ - قال: أتدرونَ ما البُردة؟ فقيلَ له: نعم، هي الشَّمْلةُ منسوجٌ في حاشيِها - قالت: يا رسولَ الله، إنّ نَسَجْتُ هذه بيدي أكسُوكَها؟ (١) قوله: ((أم أيمن)) خطأ، يغلب على ظننا أن الحافظ تبع فيه ابنَ بطّال، فقد أخطأ فيه في ((شرحه)) ٦/ ٢٢٤، وتابعهما على الخطأ أيضاً العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠٨/١١، والصواب: أسماء بنت يزيد، والحديث أخرجه أحمد (٢٧٥٩١)، وانظر تتمة تخريجه فيه. (٢) تصحفت في (س) إلى: الإجازة، بالزاي. ٦٤ باب ٣٢ / ح ٢٠٩٤ -٢٠٩٥ فتح الباري بشرح البخاري فأخذها النبيُّ وَّ مُحتاجُ إليها، فخَرَجَ إلينا وإنَّهَا إزارُه، فقال رجلٌ مِن القوم: يا رسولَ الله، اكسُنِيها! فقال: ((نعم))، فَجَلَسَ النبيُّ وََّ في المجلسِ، ثمَّ رَجَعَ فَطَوَاها، ثمَّ أرسَلَ بها إليه، فقال له القومُ: ما أحسنتَ! سألتَها إيّاه لقد عَلِمتَ أنَّه لا يَرُدُّ سائلاً؟ فقال الرجلُ: والله ما سألتُها إلا لتكونَ كَفَني يومَ أموتُ. قال سهلٌ: فكانت كَفَنَه. قوله: ((باب النَّسّاج)) بالنُّون والمهمَلة وآخرُه جيمٌ، أورَدَ فيه حديث سهل في البُردة وقد تقدَّم الكلام عليه مستوفَّى (١٢٧٧) في ((باب من استَعدَّ الكَفَنَ)) في كتاب الجنائز. وقوله: ((فأخذها النبي ◌َّ مُحتاجٌ إليها)) أي: وهو مُحْتَاجٌ إليها، فحَذَفَ المبتَدَأ، وللكُشْمِيهَني: ((مُحتاجاً إليها)) بالنَّصبِ على الحال. ٣١٩/٤ ٣٢- باب النَّجّار ٢٠٩٤ - حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أبي حازمٍ، قال: أتى رِجالٌ سهلَ ابنَ سعدٍ يَسألونَه عن المِنِيرِ، فقال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَلَهِ إلى فُلانةَ - امرأةٍ قد سَّها سهلٌ -: ((أن مُري غُلامَكِ النَّجّارَ يعملْ لي أعواداً أجلِسْ عليهنَّ إذا كُلَّمتُ النّاسَ)) فأمَرَتْه يعملُها من طَرْفاءِ الغابةِ، ثمَّ جاء بها، فأرسَلَت إلى رسولِ الله ◌ِّ بها، فأمَرَ بها فوُضِعَت فجَلَسَ عليه. ٢٠٩٥- حدَّثنا خَلَّاد بنُ يحيى، حدَّثنا عبدُ الواحد بنُ أيمَنَ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت لرسولِ الله وَّ: يا رسولَ الله، ألا أجعَلُ لكَ شيئاً تَقْعُدُ عليه فإنَّ لي غُلاماً نَجّاراً؟ قال: ((إن شئتِ))، فعَمِلَت له المِبَرَ، فلمَّا كان يومَ الجُمُعةِ فَعَدَ النبيُّ وَِّ على المِيرِ الَّذِي صُنِعَ، فصاحتِ النَّخِلةُ الَّتي كان يَخْطُبُ عندَها حتَّى كادت أن تَنشَقَّ، فنزلَ النبيُّ وَِّ حَتَّى أخذها فضَمَّها إليه، فجعلَت تَئِنُّ أَنِينَ الصبيِّ الَّذي يُسَكَّتُ حتَّى استَقَرَّت. قال: ((بَكَت على ما كانت تَسمَعُ مِن الذِّكر)). قوله: ((باب النَّجّار)» بالنّون والجيم، وللكُشْمِيهَني بكسر النّون وتخفيف الجيم وزيادة هاءٍ في آخره، وبه ترجمَ أبو نُعيم في ((المستخرَجِ))، والأوَّل أشبه بسياق بقية التراجم، وأورَدَ ٦٥ باب ٣٣ / ح ٢٠٩٦ كتاب البيوع فيه حديثَ سهل أيضاً في قصَّة المِنِبَرَ، وحديث جابر في ذكر المِنْبَرَ وحَنِين الجِذْع، وقد تقدَّم الكلام على فوائدِهما في كتاب الجمعة (٩١٧ و ٩١٨). وقوله في آخر الحديث: ((الذي يُسكَّت)) بضمِّ أوَّله وتشديد الكاف. وقوله: ((قال: بَكَت على ما كانت تَسمعُ من الذِّكر)) يحتمل أن يكون فاعل ((قال)) راوي الحديث، لكن صَرَّحَ وكيعٌ في روايته عن عبد الواحد بن أيمن بأنَّه النبيُّ وَِّ، أخرجه أحمد (١٤٢٠٦) وابن أبي شيبة (١١ /٤٨٥-٤٨٦) عنه. ٣٣ - باب شراء الإمام الحوائجَ بنفسه وقال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: اشترَى النبيُّ ◌َّرَ جملاً من عمرَ، واشترى ابنُ عُمرَ بنَفْسِه. وقال عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ رضي الله عنهما: جاء مُشِرِكٌ بغَنَمِ، فاشترَى النبيُّ وَِّ منه شاةً. واشترَى من جابرٍ بعیراً. ٢٠٩٦ - حدَّثنا يوسفُ بنُ عيسى، حدَّثنا أبو معاويةَ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: اشترَى رسولُ الله ◌ِ لّهِ من يهوديٍّ طعاماً نَسِيئَةً ورَهَنَه دِرعَه. قوله: ((باب شِراء الإمام الحوائجَ بنفسِه)) كذا لأبي ذرِّ عن غير الكُشْمِيهني، وسَقَطَت الترجمةُ للباقين، ولبعضِهم: ((شِراء الحوائجِ بنفسِه)) أي: الرجل. وفائدةُ الترجمة رفع توُّم من يَتوهَّمُ أنَّ تَعاطيَ ذلك يَقدَحُ في المروءة. قوله: ((وقال ابن عمر: اشترى النبي (وَلّ جملاً من عمرَ)) هو طرفٌ من حديثٍ سيأتي ٣٢٠/٤ موصولاً في كتاب الهبة (٢٦١٠). قوله: (واشتری ابن عمر بنفسِه)) هذا التعلیقُ ثبت في روایة الگُشْمِیھنی وحده، وسيأتي موصولاً بعد بابٍ (٢٠٩٩). . ٦٦ باب ٣٤ / ح ٢٠٩٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال عبد الرحمن بن أبي بكر)) أي: الصِّدّيق ((جاء مُشرِكٌ بغَنَمِ)) الحديثَ، هو طرفٌ من حديث يأتي موصولاً في آخر البيوع (٢٢١٦) في ((باب الشِّراء والبيع مع المشركين)). قوله: ((واشترى)) أي: النبي وَلّ ((من جابر بعيراً)) هو طرفٌ من حديث موصول في الباب الذي يليه (٢٠٩٧). وفي هذه الأحاديث مُباشَرةُ الكبير والشَّريف شِراءَ الحوائج، وإن كان له من يَكفيه إذا فَعَلَ ذلك على سبيل التواضُع، والاقتداءِ بالنبي ◌ََّ، فلا يَشُكُّ أحدٌ أنَّه كان له مَن يَكفيه ما يريد من ذلك، ولكنَّه كان يفعلُه تعليماً وتشريعاً. ثمَّ أورَدَ حديثَ عائشة في شِراء الطَّعام من اليهودي، وسيأتي شرحُه في أوَّل الرَّهن (٢٥٠٩) إن شاء الله تعالى. ٣٤- باب شِراء الدَّوابِّ والحمير وإذا اشترَى دابّةً أو جملاً وهو عليه، هل يكونُ ذلك قَبضاً قبلَ أن يَنِزِلَ؟ وقال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: قال النبيُّ وَّ لِعُمرَ: (بِعْنِيه)) يعني: جملاً صَعْباً. ٢٠٩٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا عُبيد الله، عن وهبِ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: كنتُ معَ النبيِّ ◌ََّ فِي غَزاةٍ، فأبطَأْ بي جملي وأَعيا، فأتى عليَّ النبيُّ ◌َّه فقال: ((جابرٌ؟)) فقلتُ: نعم، قال: ((ما شَأْتُكَ؟)) قلتُ: أبطاً عليَّ جملي وأَعيا، فتَخَلَّفْتُ فنزلَ تَحِجُنُهُ بِمِحِجَنِهِ، ثمَّ قال: ((اركَبْ)) فَرَكِيتُ، فلقد رأيتُه أكُفُّه عن رسولِ اللهِ وَّ قال: ((تَزَوَّجتَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((أبِكْراً أم ثَيِّاً؟» قلتُ: بل ثَيِّاً، قال: ((أَفَلا جاريةٌ تُلاعبُها وتُلاعبُكَ)) قلتُ: إنَّ لي أخَواتٍ، فأحبَبتُ أن أتزَوَّجَ امرأةً تَجمَعُهُنَّ وَتَشُطُهُنَّ وتقومُ عليهنَّ، قال: ((أمَا إِنَّكَ قادِمٌ، فإذا قَدِمتَ فالكَيْسَ الكَيْسَ)). ثمَّ قال: ((أنبِيعُ جمَلَكَ؟)) قلتُ: نعم، فاشتراه منّي بأُوقِيَّةٍ، ثمَّ قَدِمَ رسولُ الله ◌َّار قبلي وقَدِمتُ بالغَدَاةِ، فجِئْنا إلى المسجدِ فَوَجَدتُه على باب المسجد، قال: ((آلآنَ قَدِمتَ؟)) قلتُ: نعم، ٦٧ باب ٣٥-٣٦ / ح ٢٠٩٨ -٢٠٩٩ كتاب البيوع قال: ((فدَعْ جَمَلَكَ، فادخُلْ فصَلِّ رَكَعَتَيْنٍ)) فدَخَلتُ فصَلَّيْتُ، فأمُرَ بلالاً أن يَزِنَ له أُوقِيَّةً فَوَزَنَ لي بلالٌ، فأرجَحَ في الميزان، فانطَلَقتُ حتَّى وَلَّيْتُ، فقال: ((ادعُ لي جابراً) قلتُ: الآنَ يَرُدُّ عليَّ الجملَ، ولم يكن شيءٌ أبغَضَ إليَّ منه، قال: ((خُذْ جَمَلَكَ ولكَ ثمنُه). قوله: ((باب شراء الدَّوابِّ والحميرِ)) في رواية أبي ذرٍّ: ((الحُمُر)) بضمَّتَين، وليس في حديثَي الباب ذكرٌ للحُمُر، وكأنَّه أشار إلى إلحاقها في الحكم بالإبلِ، لأنَّ حديثَي الباب إنَّما فيهما ذكرُ بعيرٍ وجملٍ، ولا اختصاصَ في الحكمِ المذكور بدايّةٍ دونَ دابّةٍ، فهذا وجه الترجمة. قوله: «وإذا اشترى دابَّةً أو جملاً وهو)) أي: البائع ((عليه هل يكون ذلك قَبضاً؟»/ يعني: أو ٣٢١/٤ يُشْتَرَط في القَبْضِ قَدْرٌ زائدٌ على مُجرَّد التخلية؟ وهي مسألةٌ خلافيةٌ سيأتي شرحها قريباً في ((باب إذا اشترى شيئاً فوَهَبَ من ساعته))(١). قوله: «قال النبي پۇ لعمرَ: بِعْنیه، يعني: جملاً صعباً)) هذا طرفٌ من حديثٍ سيأتي في الباب (٤٧) المذكور. ثمَّ أورَدَ حديثَ جابر في قصَّة بيعِ جمِلِه، وسيأتي الكلامُ عليه مستوفَى في كتاب الشُّروط (٢٧١٨) إن شاء الله تعالى. ويقال: إنَّ الغزوةَ التي كان فيها هي غزوة ذات الرِّقاع. وقوله فيه: ((يَحِجُنُهُ)) بفتح أوَّله وسكون المهمَلة وضمِّ الجيم، أي: يَطعُنُه. وقوله: ((أبِكراً أُمَ ثَيِّا)) بالنَّصبِ فيهما بتقدير: أتَزَوَّجتَ، ويجوزُ الرفعُ بتقدير: أهي. ٣٥- باب الأسواق التي كانت في الجاهليَّة فتبايَعَ بها النّاسُ في الإسلام ٢٠٩٨- حدَّثنا عليُّ بنُ عبد الله، حدثنا سفيانُ، عن عمرو، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كانت عُكَاظٌ ومَجَنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهليّةِ، فلمَّا كان الإسلامُ تأَثَّموا مِن التِّجارةِ فيها، فأنزلَ الله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مَواسمِ الحجّ. قرأ ابنُ عبَّاسٍ كذا. قوله: ((باب الأسواق التي كانت في الجاهلية، فتبايَعَ بها الناسُ في الإسلام)) قال ابن بطَّال: فِقْهُ هذه الترجمة: أنَّ مواضعَ المعاصي وأفعال الجاهلية لا تَمنَعُ من فعل الطاعة فيها. (١) باب رقم (٤٧). ٦٨ باب ٣٦ / ح ٢٠٩٩ فتح الباري بشرح البخاري ثُمَّ أورَدَ المصنِّف فيه حديثَ ابن عبّاسٍ، وقد تقدَّم التنبيه عليه في أوَّل البيوع (٢٠٥٠)، وأنَّ شرحَه مضى في كتاب الحجِّ (١٧٧٠). ٣٦- باب شراء الإبل الهِيم أو الأجرب الهائمُ: المخالفُ للقصد في كلِّ شيءٍ. ٢٠٩٩- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال عَمرٌو: كان هاهنا رجلٌ اسمُه نَوّاسٌ، وكانت عندَه إبلٌ هِيمٌ، فذهبَ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما فاشترَى تلكَ الإبلَ من شَرِيكِ له، فجاء إليه شَرِيكُه، فقال: بِعْنا تلكَ الإبلَ، فقال: ممَّن بعتَها؟ قال: من شيخ كذا وكذا، فقال: ويحَكَ، ذاكَ والله ابنُ عمَرَ، فجاءه فقال: إنَّ شَرِيكي باعَكَ إبلاَّ هِيْماً، ولم يَعرِفْكَ، قال: فاستَقْها، قال: فلمَّا ذهبَ يَستاقُها فقال: دَعْها، رَضِينا بقَضاءِ رسولِ الله ێ، لا عَدوَى. سمعَ سفيانُ عَمْراً. [أطرافه في: ٢٨٥٨، ٥٠٩٣، ٥٠٩٤، ٥٧٥٣، ٥٧٧٢] قوله: ((باب شِراء الإبلِ الهِيمِ)) بكسر الهاءِ جمعِ أهيَمَ للمُذكَّر، ويقال للأُنثى: هَيماء. قوله: ((أو الأجرَب)) في رواية النَّسَفي: والأجرَب، وهو من عطفِ المفرَد على الجمعِ في الصِّفة، لأنَّ الموصوفَ هنا هو الإبلُ، وهو اسمُ جِنسٍ صالحٌ للجمع والمفرَد، فكأنَّه قال: شِراءُ الإبل الهِيمِ وشِراءُ الإبل الجُرْب. قوله: ((الهائم: المخالفُ للقَصْدِ في كلِّ شيءٍ)) قال ابن التِّين: ليس الهائمُ واحدُ الهيم، وما أدري لمَ ذكر البخاري الهائمَ هنا. انتهى، وقد أثبَتَ غيرُه ما نَفاه، قال الطَّبري في ((تفسيره)) (٢٧/ ١٩٥): الهيمُ جمعُ أهيَم، ومن العربِ من يقول: هائمٌ ثمَّ يجمعونَه على هِيمِ، كما قالوا: عائطٌ وعِيط(١)، قال: والإبلُ الهِيمُ: التي أصابَهَا اهُيَام؛ بضمِّ الهاء وبكسرها: داءٌ تصير منه عَطْشی تَشرَبُ فلا تَروَى. وقيل: الإبلُ الهِيمُ: المطليّةُ بالقَطِران من الجَرَبِ، فتصيرُ عَطشَى من حرارة الجَرَب، (١) العائط، يقال: عاطت الناقةُ والمرأةُ: لم تحمل منذ سنين من غير عُقم. ٦٩ باب ٣٦ / ح ٢٠٩٩ كتاب البيوع وقيل: هو داءٌ يَنشَأُ عنه الجَرَب. ثُمَّ أسنَدَ من طريق عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عبّاسٍ في قوله: ﴿فَشَرِبُونَ شُرّبَ اَلْهِمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] قال: الإبل العِطاش. ومن طريق عِكرمة: هي الإبلُ يأخُذُها العُطاشُ فَتَشْرَبُ حتَّى تَلِكَ. قوله: ((قال عَمْرو)) هو ابن دينارٍ، وقول البخاري في آخر الحديث: سمع سفيانُ عَمراً، ٣٢٢/٤ هو مَقُولُ شيخه عليّ بن عبد الله، وقد رواه الحميدي في «مُسنَده)) (٧٠٥) عن سفيانَ، قال: حدَّثنا عَمَرٌو، به. قوله: ((كان هاهنا)) أي: بمكّة، وفي رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند الإسماعيلي: من أهل مكّةَ. قوله: ((اسمُه نَوّاسُ)) بفتح النّون والتشديد للأكثر، وللقابسي بالكسر والتخفيف، وللكُشْمِيهَني كالأوَّل لكن بزيادة ياءِ النَّسَب. قوله: ((من شَريكٍ له)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((إِلاَّ هِيماً)) في رواية ابن أبي عمرَ: هِياماً، بكسر أوَّله. قوله: ((ولم يَعْرِفك)) بِسكون العين من المعرفة للأكثر، وللمُستَمْلِي بضمٍّ أوَّله وفتحِ العين والتشديد من التعريف. قوله: ((فاستَقْها)) بالمهمَلة فعلُ أمرٍ من الاستياق، والقائلُ ابن عمر، والمقولُ له نَّاسُ، وفي رواية ابن أبي عمر: قال: فاستَقْها إذاً، أي: إن كان الأمرُ كما تقولُ فارتَجِعْها. قوله: ((فقال: دَعْها)) القائل هو ابن عمر، وكأنَّ نَوّاساً أراد أن يَرَّجِعَها، فاستَدرَكَ ابنُ عمَرَ فقال: دَعْها. قوله: ((رَضِينا (١) بقضاءِ رسولِ الله وَ ل﴾)) أي: رضيتُ بحُكمِه حيثُ حَكَمَ أن: لا عَدوى (١) الذي في الأصلين: رضيتُ، بالإفراد، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في اليونينية والقسطلّاني، فلم يذكرا اختلافاً في روايات البخاري في هذا الحرف. ٧٠ باب ٣٦ / ح ٢٠٩٩ فتح الباري بشرح البخاري ولا طِيَرة، وعلى التأويل الذي اختاره ابن التِّين يصير الحديث موقوفاً من كلام ابن عمر، وعلى الذي اختَرتُه جرى الحميدي في ((جمْعِه))، فأورَدَ هذه الطَّرِيقَ عَقِبَ حديث الزُّهْري عن سالمٍ وحمزة ابنَي عبد الله بن عمر، عن أبيهما مرفوعاً: ((لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ) كأنَّه اعتمَدَ على أنَّه حديثٌ واحدٌ. وفي الحديث جوازُ بيعِ الشيءِ المعيبِ إذا بيَّنَه البائعُ ورضي به المشتري، سواءٌ بَّنْه البائعُ قبلَ العقد أو بعدَه، لكن إذا أخّرَ بيانَه عن العقد ثبت الخيارُ للمُشتَري. وفيه: اشتراءُ الكبير حاجته بنفسِه، وتَوَقّي ظُلمِ الرجل الصالح، وذكر الحميدي في آخر الحديث قصَّةً قال: وكان نَوّاسُ يجالسُ ابنَ عمر وكان يُضحِكُه، فقال يوماً: وَدِدتُ أنَّ لي أبا قُبَيس ذهباً، فقال له ابنَ عمر: ما تَصنَعُ به؟ قال: أموتُ عليه. قوله: ((لا عَدْوى)) قال الخطَّبي: لا أعرِفُ للعَدْوى هنا معنَى، إلّا أن يكون الهيامُ داءً من شأنه أنَّ من وقع به إذا رعى مع الإبل حَصَلَ لها مثلُه. وقال غيره: لها معنّى ظاهرٌ، أي: رَضيت بهذا البيعِ على ما فيه من العيبٍ ولا أُعْدِي على البائع حاكماً. واختار هذا التأويلَ ابنُ التِّين ومن تَبِعَه. وقال الدَّاوودي: معنى قوله: ((لا عَدْوى)): النَّهي عن الاعتداءِ والظُّلم. وقال أبو عليّ الهَجَري في ((النَّوادر)): الهيام داءٌ من أدواءِ الإبل يَحدُث عن شُرْبِ الماءِ النَّجْلِ(١) إذا كَثُرَ طُحلُبُه، ومن علامة حُدوثِهِ إقبالُ البعير على الشمسِ حيثُ دارت، واستمرارُه على أكلِه وشُربِهِ، وبَدَنُه يَنقُصُ كالذّائب، فإذا أراد صاحبه استبانةَ أمره استَبَانَ له فإن وَجَدَ ريحَه مثلَ ربحِ الْخَميرة فهو أهيم، فمن شَمَّ من بَوله أو بعره أصابَه الهيام. انتهى، وبهذا يَنَّضِحُ المعنى الذي خَفي على الخطَّابي وأبداه احتمالاً، وبه يَتَّضِحُ صِحّةُ عِطفِ البخاري الأجرَبَ على الهِيم، لاشتراكهما في دعوى العَدْوى، ومما يُقوِّيه أنَّ الحديثَ على هذا التأويل يصيرُ في حُكمِ المرفوع، ويكون قول ابن عمر: لا عدوى، تفسيراً للقضاءِ الذي تَضمَّنَه. (١) النّجْل: هو الماء يظهر من الأرض. ٧١ باب ٣٧ / ح ٢١٠٠ كتاب البيوع ٣٧ - باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها وكَرِهَ عِمرانُ بنُ حُصَينٍ بيعَه في الفِتْنة. ٢١٠٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسَلَمَةَ، عن مالكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُمرَ بنِ كَثِيرٍ، عن أبي محمَّدٍ مولى أبي قَتَادة، عن أبي قَتَادةَ عَ ه، قال: خَرَجْنا معَ رسولِ الله وََّ عامَ مُنَينٍ، فِعتُ الدِّرعَ فابتَعتُ به ◌َخْرَفاً في بني سَلِمَةَ، فإِنَّه لأوَّلُ مالٍ تَأَثَّلْتُه في الإسلام. [أطرافه في: ٣١٤٢، ٤٣٢١، ٤٣٢٢، ٧١٧٠] ٣٢٣/٤ قوله: (باب بيع السِّلاح في الفتْنة وغيرها)) أي: هل يُمنَعُ أم لا؟ قوله: ((وكَرِهَ عِمرانُ بن حُصَينٍ بيعَه في الفتنةِ)) أي: في أيام الفتنة، وهذا وَصَله ابن عدي في ((الكامل)) (٢٢٦٩/٦) من طريق أبي الأشهَبِ عن أبي رجاء عن عمران، ورواه الطبراني في ((الكبير)» (٢٨٦/١٨) من وجهٍ آخرَ عن أبي رَجاء عن عمرانَ مرفوعاً، وإسنادُه ضعيفٌ، وكأنَّ المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين، لأنَّ في بيعِه إذ ذاكَ إعانةً لمن اشتراه، وهذا مَحَلُّه إذا اشتبَهَ الحالُ، فأمَّا إذا تَحَقَّقَ الباغي فالبيعُ للطّائفة التي في جانبها الحقُّ لا بأس به. قال ابن بطَّالٍ: إِنَّمَا كُرِهَ بيعُ السِّلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم، ومن ثَمَّ كَرهَ مالٌ والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العِنَب ممّن يَتَّخِذُه خمراً، وذهب مالكٌ إلى فسخ البيع، وكأنَّ المصنِّف أشار إلى خلاف الثَّوري في ذلك حيثُ قال: بع حلالَك ◌َمَّن شئت. قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وعُمر بن كثير: هو ابن أفلَحَ، وقع في رواية يحيى بن يحيى الأندَلُسي (١): عَمْرو، بفتح العين، وهو تصحيفٌ. والإسنادُ كلُّه مدنيُّون، (١) الذي في المطبوع من ((الموطأ)) برواية يحيى بن يحيى، طبعة محمد فؤاد عبد الباقي ٢/ ٤٥٤: عُمر، وهو خطأ، استدركناه من نسخةٍ خطية متقنةٍ عندنا للموطأ برواية يحيى، توافق ما قاله الحافظ هنا، وهو الموافق أيضاً لما قاله ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٤٣/٢٣: هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: عن یحیی بن سعيد، عن عمرو بن كثير، وتابعه قوم، وقال الأكثر: عمر بن كثير بن أفلح ... والصواب فيه عن مالك: عُمر بن کثیر. ٧٢ باب ٣٧ / ح ٢١٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيه ثلاثةٌ من التابعين في نَسَقٍ أوَّلهُم يحيى. قوله: ((خرجنا مع رسول الله وَ لَه عام حُنَينٍ فِبِعت الدِّرْعَ)) كذا وقع مُختصَراً، فقال الخطَّابي: سَقَطَ شيءٌ من الحديث لا يَتِمُّ الكلامُ إلَّا به، وهو أنَّه قَتَلَ رجلاً من الكفَّار، فأعطاه النبي وَ سَلَبَه، وكان الدِّرْعُ من سَلَبِهِ. وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّه تَعسُّفٌ في الردِّ على البخاري، لأنه إنَّما أراد جوازَ بيعِ الدِّرعِ فذكر موضعَه من الحديث وحَذَفَ سائرَه، وكذا يفعل كثيراً. قلت: وهو كما قال، وليس ما قاله الخطّابي بمدفوع، وسيأتي الحديثُ مُستوفَّى مع الكلام عليه في غزوة حُنَينٍ من كتاب المغازي (٤٣٢١ و٤٣٢٢)، وقد استُشكِلَ مُطابقَتُه للتَّرجمة. قال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث من ترجمة الباب شيءٌ، وأُجيبَ بأنَّ الترجمة مُشْتَمِلةٌ على بيع السِّلاح في الفتنة وغيرها، فحديث أبي قَتَادةَ مُنَزَّلٌ على الشِّقِّ الثاني وهو بيعُه في غير الفتنة. وقرأتُ بخَطِّ القُطب في ((شرحِهِ)): يحتمل أن يكون الرجل لمَّا قال: فأَرْضِه منه، فأراد أن يأخذ الدِّرع ويُعوِّضَه عنه النبيُّ وَّه وكأنَّه بمَنزِلة البيعِ، وكان ذلك وقتَ الفتنة. انتهى، ولا يخفى تَعسُّفُ هذا التأويل، والحقّ أنَّ الاستدلال بالبيع إنَّما هو في بيع أبي قَتَادةَ الدِّرِعَ بعد ذلك، لأنه باع الدِّرعَ فاشترى بثمنِه البستان، وكان ذلك في غیر زَمَن الفتنة، ويحتمل أنَّ المراد بإيراد هذا الحديث جواز بيع السِّلاح في الفتنة لمن لا يُخشى منه الضَّرَر، لأنَّ أبا قَتَادَ باع دِرعَه في الوقت الذي كان القتال فيه قائماً بين المسلمين والمشركين وأقرّه النبي ◌َّ على ذلك، والظّنّ به أنَّه لم يَبِعْه ممّن يُعينُ على قتال المسلمين، فيُستفاد منه جوازُ بیعِه في زَمَن القتال لمن لا تُخشى منه. قوله: ((تَرَفاً)) بالمعجَمة الساكنة والفاء مفتوحُ الأوَّل: هو البُستان، وبكسر الميمِ: الوِعاءُ الذي يُجمَعُ فيه الفِّار. قوله: ((بني سَلِمة)) بكسر اللَّام. قوله: ((تأثَّلْتُه)) بالمثلَّة قبلَ اللَّام، أي: جمعتُه، قاله ابن فارس، وقال القَزّازُ: أي: جعلتُه أصل مالي، وأَثْلةُ كلِّ شيءٍ: أصلُه. ٧٣ باب ٣٨ / ح ٢١٠١ كتاب البيوع ٣٨ - باب في العطّار(١) وبيع المسك ٢١٠١- حدَّثني موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدّثنا أبو بُرْدةَ بنُ عبد الله، قال: سمعتُ أبا بُردةَ بنَ أبي موسى، عن أبيه عظُه، قال: قال رسولُ الله وَّ: ((مَثَلُ الجليسِ الصالحِ والجليسِ السَّوءِ كمَثَلِ صاحبِ المِسِكِ وكِيرِ الحَدّادِ، لا يَعدَمُكَ من صاحبِ المِسكِ، إِمَّا تَشتَرِيه أو تَجِدُ رِيحَه، وكِيرُ الحَدّاد ◌ُجِرِقُ بِينَكَ أو ثوبَكَ، أو تَجِدُ منه رِيحاً خبيثةً)). [طرفه في: ٥٥٣٤] قوله: ((باب في العَطّار وبيع المسك)) ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنَّه الحَقَ ٣٢٤/٤ العَطّار به لاشتراكهما في الرائحة الطيِّية. قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد، وأبو بُرْدةَ بن عبد الله: هو بُرَيد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى. قوله: ((كمَثَلِ صاحب المِسك)) في رواية أبي أُسامة عن بُرَيد كما سيأتي في الذَّبائح (٥٥٣٤): ((كحامل المسك))، وهو أعمُّ من أن یکون صاحبه أو لا. قوله: ((وكِير الحَدّاد)) کِیر: بكسر الكاف بعدها تحتانية ساكنة معروفٌ، وفي رواية أبي أسامة: ((كحامل المسك ونافخ الكير))، وحقيقتُه: البناءُ الذي يُرَّبُ عليه الزّقُّ، والزّقُّ: هو الذي يُنفَعُ فيه، فأطلَقَ على الزِّقِّ اسم الكير مَجازاً لمُجاوَرَته له، وقيل: الكيرُ هو الزِّقّ نفسُه، وأمّا البناءُ فاسمُه الگُور. قوله: ((لا يَعدَمُك)) بفتح أوَّله وكذلك الدّال من العَدَم، أي: لا يَعدَمك إحدى الخَصْلتَينِ، أي: لا يَعدُوك، تقول: ليس يَعدَمني هذا الأمر، أي: ليس يَعْدوني، وفي رواية أبي ذرٍّ بضمِّ أوله وكسر الدّال من الإعدام، أي: لا يُعدِمُك صاحبُ المِسك إحدى الخصلتين. قوله: ((إمَّا تَشتَريه أو تَجِدُ ريحَه)) في رواية أبي أُسامة: ((إِمَّا أن يُحذيَك وإمَّا أن تَبتاع منه))، وروايةُ عبد الواحد أرجَحُ لأنَّ الإحذاء - وهو الإعطاء - لا يَتعيَّن، بخلاف الرائحة فإنّها (١) في (س) إلى: العصّار. ولعلها من العَصرة التي تكون من فَوْح الطِّيب وهيجه. ٧٤ باب ٣٩/ ح ٢١٠٢ - ٢١٠٣ فتح الباري بشرح البخاري لازمةٌ، سواءٌ وُجِدَ البيعُ أو لم يُوجَد. قوله: ((وكير الحَدّاد ◌ُحرِقُ بيتَك أو ثوبك)) في رواية أبي أُسامة: ((ونافخُ الكير إمَّا أن يُحِقَ ثيابَك))، ولم يتعرَّض لذكر البيت، وهو أوضحُ. وفي الحديث النَّهيُ عن مجالَسة من يُتأذَّى بمُجالَسته في الدِّين والُّنيا، والترغيب في مُجالَسة من ◌ُنتَفَع بمُجالَسته فيهما. وفيه جوازُ بيع المِسْك والحكمُ بطهارته لأنه وَِّ مَدَحَه ورَغَّبَ فيه، ففيه الردُّ على من كَرِهَه، وهو منقولٌ عن الحسن البصري وعطاءٍ وغيرهما، ثمَّ انقَرَضَ هذا الخلافُ واستقرَّ الإجماع على طهارة المِسكِ وجواز بيعه، وسيأتي لذلك مزيدُ بيانٍ في كتاب الذَّبائح (٥٥٣٤)، ولم يُترجِم المصنِّف للحدَّاد لأنه تقدَّم ذكرُه(١)، وفيه ضربُ المَثَلِ، والعمل في الحكم بالأشباه والنّظائر. ٣٩- باب ذِكْر الحجّام ٢١٠٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن مُميدٍ، عن أنس بن مالكٍ ﴾ قال: حَجَمَ أبو طَيْبةَ رسولَ الله ◌َّةِ، فأمَرَ له بصاعٍ من تمرٍ، وأمَرَ أهلَه أن يُفِّفوا من خَراجِه. [أطرافه في: ٢٢١٠، ٢٢٧٧، ٢٢٨٠، ٢٢٨١، ٥٦٩٦] ٢١٠٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدٌ - هو ابنُ عبد الله - حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: احتَجَمَ النبيُّ نَّهِ وأعطَى الَّذِي حَجَمَه، ولو كان حراماً لم يُعطِهِ. قوله: ((باب ذِكْر الحجام)) قال ابن المنيِّر: ليست هذه الترجمة تصويباً لصَنْعة الحِجَامة، فإِنَّه قد وَرَدَ فيها حديثٌ يَخِصُّها، وإن كان الحجام لا يُظْلَمُ أجرَه، فالنَّهي للصانع لا على المستَعمِل، والفرق بينهما ضَرُورة المحتَجِم إلى الحجامة وعَدَم ضَرُورة الحجَّام لكَثْرة الصَّنائعِ سواها. قلت: إن أراد بالتصويب التحسين والنَّدبَ إليها فهو كما قال، وإن أراد التجويزَ فلا، (١) باب (٢٩): ذكر القَيْن والحداد. ٧٥ باب ٤٠ / ح ٢١٠٤ -٢١٠٥ كتاب البيوع فإنَّه يَسوغُ للمُستَعمِل تعاطيها للضَّرورة، ومنْ لازِمِ تَعاطِيها للمُستَعمِل تعاطي الصانع لها فلا فرق إلَّا بما أشرت إليه، إذ لا يَلزَم من كونها من المكاسب الدَّنيئة أن لا تُشْرَع، فالكَسّاحُ(١) أسوأ حالاً من الحجَّام، ولو تَواطَأَ الناس على تركِهِ لَأضاَّ ذلك بهم، وسيأتي الكلام على كسب الحجام في كتاب الإجارة، ويأتي الكلام هناك عن حديثَي الباب عن أنسٍ (٢٢٧٧ و٢٢٧٩) وابن عبّاس (٢٢٧٨) إن شاء الله تعالى. ٤٠ - باب التِّجارة فيما يُكرَه لُبْسه للرجال والنساء ٣٢٥/٤ ٢١٠٤ - حدَّثنا آدمُ، حذَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو بكرِ بنُ حفصٍ، عن سالمٍ بنِ عبد الله بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: أرسَلَ النبيُّ ◌َّهِ إلى عمرَ هُ بِحُلَّةِ حريرٍ أو سِيَراءَ، فرآها عليه، فقال: ((إِّي لم أُرسِلْ بها إليكَ لتَلْبَسَها، إِنَّا يَلْبَسُها مَن لا خَلاقَ له، إنَّما بَعَنتُ إليكَ لتَستَمْتِعَ بها)) يعني: تَبِيعَها. ٢١٠٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ أُمّ المؤمنينَ رضي الله عنها، أنَّها أخبَرَتْه: أنَّها اشتَرَت نُمْرُقةً فيها تصاويرُ، فلمَّا رآها رسولُ الله ◌َِّ قامَ على البابِ، فلم يَدخُلْ، فعَرَفتُ في وجهه الكراهةَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتوبُ إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنَبتُ؟ فقال رسولُ اللهِلَّ: ((ما بالُ هذه النُّمرُقِةِ؟» قلتُ: اشتريتُها لكَ لتَقعُدَ عليها وتَوسَّدَها، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يومَ القيامةِ يُعذّبونَ، فيقال لهم: أَحْيُوا ما خَلَقْتُمْ)) وقال: ((إنَّ البيتَ الَّذي فيه الصُّوَرُ لا تَدخُلُهُ الملائكةُ)). [أطرافه في: ٣٢٢٤، ٥١٨١، ٥٩٥٧، ٥٩٦١، ٧٥٥٧] قوله: ((باب التِّجارة فيما يُكرَه لُبسُه للرجال والنِّساء)) أي: إذا كان ممّا يَنْتَفِعُ به غيرُ من كُرِهَ له ◌ُبسُه، أمَّا ما لا منفعةَ فيه شرعيَّة فلا يجوز بيعُه أصلاً على الراجح من أقوال العلماء. وذکر فیه حدیثین: (١) الكسّاح بفتح الكاف وتشديد السين، مِن كَسَحَ البيتَ: إذا كَنَسَه، فهو كسَّاح، أي: كنَّاس، أو كَسَحَ المرحاض: إذا نَزَحه وأخرج ما فيه. ٧٦ باب ٤١ / ح ٢١٠٦ فتح الباري بشرح البخاري أحدهما: حديث ابن عمر في قصَّة عمر في حُلَّة عُطاردٍ، وفيه قوله ◌ِّ: ((إِنَّمَا بَعَنْتُ بها إليك لتَستَمتِعَ بها)) يعني تبيعها، وسيأتي في اللِّباس (٥٨٤١) من وجه آخر بلفظ: ((إنّما بَعَثت بها إليك لِتبيعَها أو لِتكسوَها))، وهو واضحٌ فيما ترجمَ له هنا من جواز بيع ما يُكرَه لُبسُه للرجال، والتِّجارة وإن كانت أخَصَّ من البيع لكنَّها جُزؤُه المستَلزِمةُ له، وأمَّا ما يُكرَه لُبسُه للنّساءِ فبالقياس عليه، أو المراد بالكراهة في الترجمة ما هو أعمُّ من التحريم والتنزيه، فيَدخُل فيه الرجال والنِّساء، فعُرِفَ بهذا جواب ما اعتَرَضَ به الإسماعيلي من أنَّ حديث ابن عمر لا يطابقُ الترجمة حيثُ ذُكِرَ فيها النِّساء. الثاني: حديث عائشة في قصَّة النُّمرُقة المصوّرة، وسيأتي الكلام عليه وعلى الذي قبله مُستوقَى في كتاب اللِّباس (٥٩٥٧) إن شاء الله تعالی. ووجه الدّلالة منه: أنَّه وَ له لم يَفسَخ البيع في النُّمرُقة، وسيأتي أنَّ في بعض طرق الحديث المذكور (٥٩٥٤): أنَّه ◌َ لِّ توكَّأ عليها بعد ذلك، والثَّوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجالُ والنِّساءُ، فهو مُطابقٌ للتَّرجمة من هذه الحيثية، بخلاف ما اعتَرَضَ به الإسماعيلي. وقال ابن المنيِر: في الترجمة إشعار بحَمْل قوله: ((إنَّما يَلبَس هذه من لا خَلَاقَ له)) على العموم حتَّى يشترِكَ في ذلك الرجال والنِّساء، لكنَّ الحقّ أنَّ ذلك خاصٌّ بالرجال، وإنَّما الذي يشترك فيه الرجال والنِّساء المنعُ من النُّمرُقة، وحاصله: أنَّ حديث ابن عمر يدلُّ على بعض الترجمة، وحديث عائشة على جميعها. ٤١ - بابٌ صاحب السِّلعة أحقُّ بالسَّوْم ٢١٠٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي التَّحِ، عن أنسٍ ◌َ ٣٢٦/٤ قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((يا بني النَّجّار ثامِنُوني بحائطِكُم)) وفيه خَرِبٌ ونَخلٌ. قوله: ((بابٌ صاحب السِّلعة أحقُّ بالسَّوْمِ)) بفتح المهمَلة وسكون الواو، أي: ذکر قَدرِ مُعيَّنٍ للثَّمَن. وقال ابن بطَّال: لا خلاف بين العلماء في هذه المسألة، وأنَّ مُتَوَلّي السِّلعة من مالك أو ٧٧ باب ٤٢ / ح ٢١٠٧ - ٢١٠٨ كتاب البيوع وكيل أولى بالسَّومِ من طالب شرائها. قلت: لكن ليس ذلك بواجبٍ، فسيأتي في قصَّة جمل جابر (٢٧١٨) أنَّه ◌َلِّ بَدَأَه بقوله: ((بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ)) الحديثَ. قوله: ((حدَّثْنا عبد الوارث)) هو ابن سعيد، والإسنادُ كلُّه بصريون. قوله: ((ثامنوني)) بمُثْلَّثة على وزن فاعلوني، وهو أمرٌ لهم بذكر الثَّمن مُعيَّناً باختيارهم على سبيل السَّوم ليذكُرَ هو لهم ثمناً مُعيَّناً يختاره، ثمَّ يقع التراضي بعد ذلك، وبهذا يطابق الترجمة. وقال المازَرِيّ: معنى قوله: ((ثامِنُوني)) أي: بايِعُوني بالثَّمَن، أي: ولا آخذه هبةً، قال: فليس فيه إلَّ أنَّ المشتري يَبدَأ بذكر الثَّمَن. وتعقّبه عياضٌ: بأنَّ الترجمة إنَّما هي لذكر الثَّمن مُعيَّناً، وأمَّا مُطلَقُ ذكر الثَّمن فلا فرقَ فيه في الأَولَوية بين البائع والمشتري. قلت: وقد سَبَقَ هذا الحديث في أبواب المساجد (٤٤٢)، ويأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في أوَّل الهجرة (٣٩٣٢) إن شاء الله تعالى. ٤٢- بابٌ كم يجوز الخيارُ ٢١٠٧ - حذَّثنا صدقةُ، أخبرنا عبدُ الوهَّاب، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: سمعتُ نافعاً، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ: ((إنَّ المتبابِعَينِ بالِخِيَار في بيعِهما ما لم يَتفرَّقا، أو يكونُ البیعُ خياراً». قال نافعٌ: وكان ابنُ عمرَ إذا اشترى شيئاً يُعجِبُهُ فارَقَ صاحبه. [أطرافه في: ٢١١١،٢١٠٩، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦] ٢١٠٨ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادةَ، عن أبي الخليلِ، عن عبد الله بنِ الحارثِ، عن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامِ ث، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((البيِّعان بالخِيَار ما لم يَفَرِقا)). وزادَ أحمدُ: حدَّثنا بَهْزٌ قال: قال همَّامٌ: فَذَكَرتُ ذلك لأبي التَّاحِ، فقال: كنتُ معَ أبي الخليلِ لمَّا حدَّثه عبدُ الله بنُ الحارثِ بهذا الحديث. قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((كَم يجوزُ الخيار)) والخيار بكسر الخاء: اسمٌ من الاختيار أو التخيير، وهو طلبُ خير الأمرَين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خياران: خيار المجلس ٧٨ باب ٤٢ / ح ٢١٠٧ - ٢١٠٨ فتح الباري بشرح البخاري وخيار الشَّرط، وزاد بعضهم: خيار النَّقيصة، وهو مُندَرِجٌ في الشَّرط فلا يُزاد. والكلامُ هنا على خيار الشَّرط والترجمة معقودةٌ لبيان مِقْداره، وليس في حديثَي الباب بيانٌ لذلك. قال ابن المنيِر: لعلَّه أخذَ من عَدَم تحديده في الحديث أنَّه لا يَتَقَيَّد، بل يُفوّضُ الأمرُ فيه إلى الحاجة لتَفاوُتِ السِّلَع في ذلك. قلت: وقد روى البيهقي (٢٧٤/٥) من طريق أبي عَلَقَمة الفَرْوي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((الخيار ثلاثة أيام))، وهذا كأنَّه مُتْصَرٌ من الحديث الذي أخرجه أصحاب السُّنن من طريق محمد بن إسحاق عن نافع، في قصَّة حَبّانَ ابن مُنقِذٍ، وسأذكره بعد خمسة أبواب(١)، وبه احتُجَّ للحَنفية والشافعية في أنَّ أمَدَ الخيار ثلاثة أيام، وأنكَرَ مالكٌ التوقيتَ في خيار الشَّرط ثلاثة أيام بغير زيادة، وإن كانت في ٣٢٧/٤ الغالب يُمكِنُ الاختيارُ فيها، لكن لكلِّ شيءٍ أمَدٌ بحَسَبِهِ يُتَخَّر فيه، / فللدّابّة مثلاً والثَّوب يوم أو يومان، وللجارية جمعةٌ، وللدّار شهرٌ، وقال الأوزاعي: يَمتَدُّ الخيار شهراً وأكثر بحَسَبِ الحاجة إليه، وقال الثَّوْري: يختصُّ الخيار بالمشتري ويَمتَدُّ له إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال: إنَّه انفَرَدَ بذلك، وقد صَحَّ القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره، وسيأتي شيء منه في أبواب الملازَمة(٢). ويحتمل أن يكون مُراد البخاري بقوله: كَم يجوز الخيار، أي: كم يُيِّرُ أحدُ المتبابِعَين الآخر مرَّةً، وأشار إلى ما في الطَّريق الآتية بعد ثلاثة أبواب (٢١١٤) من زيادة همَّام: ((ويختار ثلاث مِرار))، لكن لمَّا لم تكن الزّيادة ثابتةً أبقى الترجمة على الاستفهام كعادته. قوله: ((حدَّثنا صدقة)) هو ابن الفضل المروزي، وعبد الوهّاب: هو الثّقفي، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري. قوله: ((إنَّ المتبابِعَينِ بالخيار)) كذا للأكثر، وحكى ابن التِّين في رواية القابِسي: ((إنَّ المتبايِعان)) قال: وهي لغةٌ، وفي رواية أيوبَ (٢١٠٩) عن نافع في الباب الذي يليه: ((البيِّعان)) (١) في باب (٤٨): ما يكره من الخداع في البيع، وسيأتي تخريجه هناك. (٢) في كتاب الخصومات: ١ - باب ما يذكر في الإشخاص والملازمة، وباب رقم (٩) الملازمة. ٧٩ باب ٤٢ / ح ٢١٠٧ - ٢١٠٨ كتاب البيوع بتشديد التحتانية، والبِّعُ بمعنى البائعِ كضَيٍِّ وضائقٍ، وصَيِّن وصائنٍ، ولیس کبَيِّنٍ وبائنِ فإنَّهِمَا مُتَغايران كَقَيِّمٍ وقائمٍ، واستعمال البيِّع في المشتري إمَّا على سبيل التغليب، أو لأنَّ كلَّا منھما بائعٌ. قوله: ((ما لم يَتفرَّقا)) في رواية النَّسائي (٤٤٧٣): ((يَفتَرِقا» بتقديم الفاء(١)، ونقل ثَعلَب عن المفضَّل(٢) بن سَلَمة: افتَرَقا بالكلام وتَفرَّقا بالأبدان، ورَدَّه ابن العربي بقوله تعالى: ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [البينة: ٤] فإنَّه ظاهرٌ في التفرّق بالكلام لا أنَّه بالاعتقاد، وأُجيبَ بأنَّه من لازمِه في الغالب، لأنَّ من خالَفَ آخرَ في عقيدَته كان مُستَدعياً لمُفارقَته إياه بَدَنِهِ، ولا يخفى ضعفُ هذا الجواب، والحقُّ حَملُ كلام المفضَّل على الاستعمال بالحقيقة، وإنَّما استُعمِلَ أحدهما في موضع الآخر اتِّساعاً. قوله: ((أو یکون البيئُ خياراً)) سيأتي شرحُه بعد بابٍ. قوله: ((قال نافع: وكان ابن عمر ... )) إلى آخره، هو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكره مسلمٌ أيضاً (١٥٣١/ ٤٥) من طريق ابن جُرَيج عن نافع، وهو ظاهرٌ في أنَّ ابن عمرَ كان يذهبُ إلى أنَّ التفُّقَ المذكور بالأبدان كما سيأتي. وفي الحديث ثبوتُ الخيار لكلٍّ من المتبايعين ما داما في المجلس، وسيأتي بعد بابٍ. قوله: ((عن أبي الخليل)) في رواية شُعْبة الآتية بعد باب (٢١١٠): عن قَتَادةَ، عن صالح (١) كذا ذكر الحافظ هنا أن رواية البخاري بتقديم التاء على الفاء، مع أن روايات البخاري لم تختلف حسب ما في اليونينية أن رواية البخاري بتقديم الفاء، على أن الحافظ قد ذكرها على الصواب عند شرح الحديث (٢١١٠). (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: الفضل. وقول الحافظ فيه: ابن سلمة، خطأ، لأن المفضل هذا هو ابن محمد الضّبِّي صاحب ((المفضَّليات))، وهو مترجم في ((تاريخ بغداد)) ١٢١/١٣، وقد أورد العراقي هذا النقل في ((طرح التثريب) ٦/ ١٤٨، فقال: وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضّل، ولم يسمِّه. وإنما يروي ابن الأعرابي عن المفضل بن محمد الضبي المذكور الذي كان زوجَ أُمِّه، وأما المفضل بن سلمة الضبي فيُعدُّ في تلامذة ابن الأعرابي، وهو مترجم في ((تاريخ بغداد)) ١٣ /١٢٤، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٦٢/١٤. ٨٠ باب ٤٣ / ح ٢١٠٩ فتح الباري بشرح البخاري أبي الخليل، وفي رواية أحمد (١٥٣٢٧) عن غُندَرٍ، عن شُعْبة، عن قَتَادة: سمعت أبا الخليل. قوله: ((عن عبد الله بن الحارث)) هو ابن(١) نَوفَل بن الحارث بن عبد المطَّلِّب، ولم يُنْسَب في شيءٍ من طرق حديثه في (الصحيحين))(٢)، لكن وقع لأحمد (١٥٣١٤) من طريق سعيد عن قَتَادَةَ: عبد الله بن الحارث الهاشمي، ورواه ابن خُزيمة(٣) والإسماعيلي عنه من وجه آخر عن شُعْبة فقال: عن قَتَادة، سمعت أبا الخليل يُحدِّث عن عبد الله بن الحارث بن نَوفَلٍ، وعبد الله هذا مذكورٌ في الصحابة لأنه وُلِدَ في عهد النبيِ نَّ فَأُتي به فحَنَّكَه، وهو معدودٌ من حيثُ الروايةُ في كِبار التابعين، وقَتَادةُ وشيخه تابعيان أيضاً، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثٍ آخرَ (٣٨٨٣) عن العبَّاس في قصَّة أبي طالب. قوله: ((وزاد أحمد: حدَّثْنا بَهْزٌ)) أي: ابن أسد، وهذه الطَّريق وَصَلها أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤) عن أبي جعفر الدّارمي - واسمه أحمد بن سعيد - عن بَهْزِ به، ولم أرَها في ((مُسنَد أحمد بن حَنبَل))، وزَعَمَ بعضهم أنَّه أحمد المذكور، وستأتي هذه الزّيادة من وجه آخر عن همَّام بعد ثلاثة أبواب (٢١١٤) بأوضحَ من سياقه. وفي صنيع همَّام فائدةُ طلبٍ عُلِّ الإسناد لأنَّ بينه وبين أبي الخليل في إسناده الأوَّل رجلَينٍ، وفي الثاني رجلاً واحداً. ٤٣ - بابٌ إذا لم يوقّت الخيارَ هل يجوز البيع ٢١٠٩- حدَّثنا أبو التُّعمان، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّةٍ: «البيِّعان بالخيار ما لم يَتفرَّقا، أو يقولُ أحدُهما لصاحبِهِ: اختَرْ)). وربَّما قال: «أو يكونُ بیعَ خِیارٍ)). (١) تحرف في (س) إلى: أبو. (٢) هو عند مسلم برقم (١٥٣٢). (٣) ذكر ابن خزيمة في غير موضع من ((صحيحه)) أن له كتاباً مفرداً في البيوع، فلعل الحافظ يخرِّج منه. (٤) الذي في مطبوع أبي عوانة (٤٩٢٩): عن أبي جعفر الدارمي عن حبان بن هلال عن همام، ولم نقف عليه فيه من طريق بهز عن همام، مع أن الحافظ قد ذكر أيضاً في ((تغليق التعليق)) ٢٢٧/٣ أن أبا عوانة أخرجه من طريق بهز. وكذلك نسبه العيني في ((عمدة القاري)) ٢٢٦/١١ إلى أبي عوانة من طريق بهز!