النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ باب ١٦ / ح ٢٠٧٥ -٢٠٧٦ كتاب البيوع مولى عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ عَلُه، يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أحدُكُمْ حُزْمةً على ظَهرِه، خيرٌ من أن يَسألَ أحداً، فيُعطِيَه أو يَمنَعَه)). ٢٠٧٥ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا وكيعٌ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن الزُّبَيرِ ابنِ العَوّامِ ظُه، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((لَأَنْ يأْخُذَ أحدُكُمْ أحبُلَه ... )). قوله: ((لَأَن يَحْتَطِبَ أحدُكم)) تقدَّم الكلام عليه (١٤٧٠) في ((باب الاستعفاف عن المسألة))، وأخرجه هناك من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وبعد أبوابٍ (١٤٨٠) من طريق أبي صالحِ عنه، وهنا من طريق أبي عُبيدٍ مولى عبد الرحمن بن عَوْفٍ - وهو مولى ابن أزهَرَ - وقد تقدَّم الكلامُ على ترجمته في أواخر الصيام (١٩٩٠). وحديث الزُّبَير بن العَوّام في ذلك أورَدَه هنا مُختصَراً وساقه في ((باب الاستعفاف من الزكاة) بتمامه وتقدَّم الكلامُ عليه هناك (١٤٧١). وقوله: ((أَحْبُلَه) بفتح أوَّله وضمِّ الموخَّدة: جمع حَبْل، مثل: فَلْس وأفلُسَ. ١٦ - باب السُّهولة والسَّماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقّاً فليطلبه في عفاف ٢٠٧٦ - حدَّثنا عليُّ بِنُ عيَّاشِ، حدَّثنا أبو غسَّانَ محمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ المنكَدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: «رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً، إذا باعَ وإذا اشتَرَى وإذا اقتَضَى)». قوله: ((باب السُّهولة والسَّماحة في الشِّراءِ والبيع)) يحتمل أن يكون من باب اللَّفِّ ٣٠٧/٤ والنَّشْرِ، مُرتَّباً أو غيرَ مُرتَّبٍ، ويُحتملُ كلٌّ منهما لكلٍّ منهما، إذ الشُّهولةُ والسَّماحةُ مُتَقاربان في المعنى، فعطفُ أحدِهما على الآخر من التأكيد اللَّفظي، وهو ظاهرُ حديث الباب، والمراد بالسَّماحة: تركُ المضاجَرة ونحوها لا المواكَسة (١) في ذلك. (١) المثبت من (أ)، وفي (ع): الماكَسة، وكلاهما بمعنى المناقصة من الثمن، وفي (س): المكايَسة، وهي المحاكَرة والمضايقة في المساومة في البيع. ٤٢ باب ١٦ / ح ٢٠٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ومن طَلَب حَقّاً فليَطلُبْه في عَفافٍ)) أي: عمَّا لا يَحِلُّ، أشار بهذا القَدْر إلى ما أخرجه الثِّرمِذي(١) وابن ماجه (٢٤٢١) وابن حِبّان (٥٠٨٠) من حديث نافع عن ابن عمر وعائشة مرفوعاً: ((من طلب حَقّاً فليَطلُبْه في عَفافٍ وافٍ أو غیر وافٍ)). قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عيَّاشٍ)) بالتحتانية والمعجَمة. قوله: (رَحِمَ الله رجلاً)) يحتمل الدُّعاء، ويحتمل الخبر، وبالأوَّل جَزَمَ ابن حَبِيب المالكي وابن بطَّال، ورَجَّحَه الدَّاوودي، ويُؤيِّد الثاني ما رواه الترمذي (١٣٢٠) من طريق زید بن عطاء بن السائب عن ابن المنكَدِر في هذا الحديث بلفظ: ((غَفَرَ الله لرجلٍ كان قبلكم کان سهلاً إذا باع)) الحديث، وهذا يُشعِرُ بأنَّه قَصَدَ رجلاً بعينه في حديث الباب. قال الكِرْماني: ظاهرُه الإخبارُ لكنَّ قرينةَ الاستقبال المستفاد من ((إذا)) تجعله دُعاءً، وتقديرُه: رَحِمَ الله رجلاً يكون كذلك، وقد يُستَفادُ العمومُ من تقييده بالشَّرط. قوله: ((سَمْحاً) بِسكون الميم وبالمهملتَينِ، أي: سهلاً، وهي صفة مُشبَّهةٌ تدُّ على الُبوت، فلذلك كَرَّرَ أحوالَ البيعِ والشّراءِ والتقاضي، والسَّمْحُ: الجواد، يقال: سَمْح بكذا: إذا جادَ، والمرادُ هنا: المساهَلة. قوله: ((وإذا اقتَضى)) أي: طلبَ قضاءَ حقُّه بسهولةٍ وعَدَمِ إلحافٍ، في روايةٍ حكاها ابن التِّينِ: ((وإذا قضى)) أي: أعطى الذي عليه بسُهولةٍ بغير مَطْلٍ. وللتِّمِذي (١٣١٩) والحاكم (٥٦/٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إنَّ الله يُحِبُّ سَمِحَ البيعِ سَمِحَ الشِّراءِ سَمحَ القضاء)»، وللنَّسائي (٤٦٩٦) من حديث عثمانَ رَفَعَه: ((أدخَلَ الله الجنَّةَ رجلاً كان سَهْلاً مُشتَرياً وبائعاً وقاضياً ومُقتَضياً))، ولأحمد (٦٩٦٣) من حديث عبد الله بن عَمْرو نحوه. وفيه الحضُّ على السَّماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق وترك المُشاحَحَة، والحضُّ على ترك التضييق على الناس في المطالبة وأخذ العفوِ منهم. (١) لم نقف عليه عند الترمذي، ولم يعزه إليه صاحب ((التحفة)). ٤٣ باب ١٧ / ح ٢٠٧٧ كتاب البيوع ١٧ - باب من أنظر مُوسِراً ٢٠٧٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا منصورٌ، أَنَّ رِبْعِيَّ بنَ حِرَاشِ حدَّثه، أنَّ حُذَيفَ ◌ّ حدَّثه قال: قال النبيُّ ◌َّ: «تَلَقَّتِ الملائكةُ رُوحَ رجلٍ ثَمَّن كان قبلَكم، فقالوا: أعَمِلْتَ مِن الخيرِ شيئاً؟ قال: كنتُ آمرُ فِتْياني أن يُنظِروا ويَتَجاوَزوا عن الموسِرِ، قال: فَتَجاوَزوا عنه)). وقال أبو مالكِ، عن رِبْعي: كنتُ أُيسّرُ على الموسِرِ، وأَنْظِرُ المعسِرَ. وتابَعَه شُعْبةُ، عن عبد الملِكِ، عن رِبِيِّ. وقال أبو عَوَانَةَ: عن عبد الملِكِ، عن رِبِيٍّ: ((أُنْظِرُ الموسِرَ، وأتجاوَزُ عن المعسِر)). وقال أبو عَوَانةَ: عن عبدِ الملكِ، عن رِبْعِيٍّ: ((فَأَقبَلُ مِن الموسِرِ، وأَتجاوَزُ عنِ المُعسِر)). وقال نُعَيمُ بنُ أبي هِندٍ، عن رِبِعِيٍّ: ((فأقبَلُ مِن الموسِرِ، وأتجاوَزُ عن المعسِر)). [طرفاه في: ٣٤٥١،٢٣٩١] قوله: ((باب من أنظَرَ مُوسِراً)) أي: فضلُ مَن فعَلَ ذلك أو حُكمُه. وقد اختلف العلماء في حَدِّ الموسِر، فقيل: مَن عنده مُؤنَتُه ومُؤنةُ من تَلزَمُه نفقتُه، وقال الثَّوْري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من عنده خمسونَ درهماً أو قيمتُها من الذَّهبِ فهو مُوسِرٌ،/ وقال الشافعي: قد يكون الشَّخصُ بالدِّرهَمِ غَنيّاً مع كَسْبِه، وقد يكون بالألْفِ ٣٠٨/٤ فقيراً مع ضعفِه في نفسِه وكَثْرة عياله. وقيل: الموسِر والمعسِرُ يَرجِعان إلى العُرْف، فمن كان حالُه بالنّسبة إلى مثلِهِ يُعَدُّ يَساراً، فهو مُوسِرٌ، وعكسُه، وهذا هو المعتمَدُ، وما قبله إنَّما هو في حَدِّ من تجوزُ له المسألةُ والأخذُ من الصَّدَقة. قوله: ((منصور)) هو ابن المعتمر. قوله: ((أنَّ حُذَيفة حدَّثَه)) زاد مسلم (١٥٦٠/ ٢٧) في روايته من طريق نُعيم بن أبي هِندٍ، عن رِبعي: اجتَمع حُذَيفةٌ وأبو مسعود، فقال حُذَيفة: ((رجلٌ لقيَ رَبَّه)) فذكر الحديثَ، وفي آخره: فقال أبو مسعودٍ: هكذا سمعتُ رسول الله وَّهِ، ومثلُه روايةُ أبي عَوَانة عن عبد الملكِ عن ربعي کما سيأتي في هذا الباب. ٤٤ باب ١٧ / ح ٢٠٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((تَلَقَّت الملائكة)) أي: استَقبَلَت روحَه عند الموت، وفي رواية عبد الملك بن عُمَيرِ عن رِبعي في ((ذكر بني إسرائيل)) (٣٤٥١): ((أنَّ رجلاً كان فيمن كان قبلكم أتاه الملَكُ لیقبِضَ رُوحَە)). قوله: ((أَعَمِلْتَ من الخير شيئاً؟)) وفي روايةٍ بحذفِ همزة الاستفهام وهي مُقدَّرةٌ، زاد في رواية عبد الملك المذكورة: ((فقال: ما أعلم، قيل: انظُرْ، قال: ما أعلم شيئاً غير أنِي)) فذكره، ولمسلمٍ (١٥٦١) من طريق شَقيقٍ عن أبي مسعود رَفَعَه: ((حُوسِبَ رجل ثمّن كان قبلكم، فلم يُوجَد له من الخير شيء إلّا أنَّه كان يُخالط الناس وكان موسِراً»، وفي رواية أبي مالك المعلّقة هنا ووصلها عند مسلم (٢٩/١٥٦٠): ((أُتيَ الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ما عَمِلت في الدُّنيا؟ - قال: ولا يَكْتُمونَ اللهَ حديثاً - قال: يا رَبِّ آتيتني مالَك فكنت أُبَايِعُ الناسَ، وكان خُلُقي الجَوَاز)) الحديث، وفي رواية ابن أبي عمر في هذا الحديث: ((فيقول: يا رَبِّ، ما عَمِلت لك شيئاً أرجو به كثيراً، إلَّا أنَّك كنت أعطيتني فضلاً من مالٍ)) فذكره. قوله: ((فِتْياني)) بكسر أوَّله جمعُ فَتَّى: وهو الخادم حُرّاً كان أو مملوكاً. قوله: ((أن يُنظِرِوا ويَتَجاوَزوا عن الموسِرِ)) كذا وقع في رواية أبي ذرِّ والنَّسَفي وهو لا يُخالفُ الترجمة، وللباقين: ((أن يُنظِروا المعسِرَ ويَتَجاوَزوا عن الموسِر))، وكذا أخرجه مسلمٌ (٢٦/١٥٦٠) عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه، وظاهرُه غير مُطابقٍ للتَّرجمة، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إيراد التعاليق الآتية، لأنَّ فيها ما يطابق الترجمة. قوله: ((وقال أبو مالكٍ عن رِبعيٍّ: كنت أُيسِّرُ على الموسِر وأُنظِرُ المعسِرَ)) وهذه الطَّريق عن حُذَيفة في هذا الحديث وَصَلها مسلمٌ (٢٩/١٥٦٠) من طريق أبي خالدٍ الأحمر عن أبي مالك كما تقدَّم أوَّلاً، وقال في آخره: فقال أبو مسعود الأنصاري وعُقْبة بن عامر الجُهَني: هکذا سمعناه من في رسول الله ێ. قوله: «وتابَعَه شُعْبةُ عن عبد الملك)) يعني: ابن عُمَير ((عن رِبْعي)) أي: عن حُذَیفةَ، يعني: في قوله: ((وأُنْظِرِ المعسِر))، وقد وَصَله ابن ماجَهْ (٢٤٢٠) من طريق أبي عامر عن شُعْبة بهذا ٤٥ باب ١٨ / ح ٢٠٧٨ كتاب البيوع اللَّفظ، ووَصَله المؤلِّفُ في الاستقراض (٢٣٩١) عن مسلمٍ بن إبراهيم عن شُعْبة بلفظ: ((فأتجوَّزُ عن الموسِر وأُخفِّفُ عن المعسِر))، وفي آخره قولُ أبي مسعودٍ: هكذا سمعت. قوله: ((وقال أبو عَوَانَةَ عن عبد الملكِ ... )) إلى آخره، وَصَله المؤلِّف (٣٤٥١) في ذكر بني إسرائيل مُطوَّلاً، وهو كما قال: (أُنْظِرُ الموسِرَ وأتجاوَزُ عن المعسِر))، وفي آخره قول أبي مسعودٍ: هکذا سمعت. قوله: ((وقال نُعَيم بن أبي هِندٍ ... )) إلى آخره، وَصَله مسلم (٢٧/١٥٦٠) من طريق مغيرة ابن مِقِسَمٍ عنه، وقد تقدَّم لفظُه، وفيه قول أبي مسعود أيضاً. قال ابن التِّين: رواية من روى: ((وأُنظِر الموسِر)) أَولى من رواية من روى: ((وأُنْظِرُ المعسِرَ))، لأنَّ إنظار المعسِر واجبٌ. قلت: ولا يَلزَم من كونه واجباً أنَّ لا يُؤجَرَ صاحبُه عليه أو يُكَفَّر عنه بذلك من سيِّئاته، وسأذكر الاختلافَ في الوجوب في الباب الذي يليه. ١٨ - باب من أنظر معسراً ٢٠٧٨ - حدَّثنا هشامُ بنُ عَّارِ، حذَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، حدَّثنا الزُّبَيدِيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله: أنَّه سمعَ أبا هريرةَ عَُّه، عن النبيِّ وََّ قال: ((كان تاجِرٌ يُدايِنُ النّاسَ، فإذا رأى مُعسِراً قال لِفِتْيانه: تَجَاوَزوا عنه لَعَلَّ اللهَ أن يَتَجاوَزَ عنَّاً، فَتَجاوَزَ اللهُ عنه)). [طرفه في: ٣٤٨٠] قوله: ((باب من أنظَرَ مُعسراً) روى مسلم (٣٠٠٦) من حديث أبي اليَسَر - بفتح ٣٠٩/٤ التحتانية والمهمَلة ثمَّ الراء - رَفَعَه: ((من أنظَرَ مُعسِراً أو وضعَ له، أظَلَّه الله في ظِلّ عَرْشِه)»، وله (١٥٦٣) من حديث أبي قَتَادةَ مرفوعاً: ((من سَرَّه أن يُنجيَه الله من كُرَبٍ يوم القيامة فليُنَفِّس عن مُعسِرٍ أو يَضع عنه))، ولأحمد (٣٠١٥) عن ابن عبّاس نحوه، وقال: ((وقاه الله ! .. من فَيَحِ جَهَنَّم))(١). واختلفَ السَّلَف في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَقٍ﴾ [البقرة: (١) وإسناده ضعيف جداً. ٤٦ باب ١٩ / ح ٢٠٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٠]، فروى الطَّبري وغيرُه من طريق إبراهيم النَّخَعي ومجاهدٍ وغيرهما: أنَّ الآية نزلت في دَين الرِّبا خاصّةً، وعن عطاء: أنَّها عامّةٌ في دَين الرِّبا وغيره، واختار الطَّبري(١) أنَّها نزلت نَصّاً في دَين الرِّبا ويَلتَحِقُ به سائر الدُّيون لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أَعْسَرَ المديونُ وَجَبَ إنظارُه، ولا سبيل إلى ضَرْبِهِ ولا إلى حَبْسِه. قوله: ((حدَّثنا الزُّبَيدي)» بالضمِّ. قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله)) أي: ابن عُتْبةَ بن مسعود، في رواية يونس عند مسلم (١٥٦٢) عن الزُّهْري: أنَّ عُبيد الله بنَ عبد الله حدَّثَه. قوله: ((كان تاجرٌ يُدايِنُ الناسَ)) في رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند النَّسائي (٤٦٩٤): ((إنَّ رجلاً لم يعمل خيراً قَطُّ وكان يُدايِنُ الناسَ)). قوله: ((َجَاوَزوا عنه)) زاد النَّسائي: «فيقول لرسوله: خُذْ ما يَسْرَ واترك ما عَسُرَ وتَجَاوَزْ))، ويَدخُل في لفظ التجاوز الإنظار والوَضِيعة وحُسنُ التقاضي. وفي حديث الباب والذي قبله: أنَّ اليسيرَ من الحسنات إذا كان خالصاً لله كَفَّرَ كثيراً من السَّيِّئات. وفيه: أنَّ الأجرَ يَحصُلُ لمن يأمرُ به وإن لم يَتَوَلَّ ذلك بنفسِه، وهذا كلّه بعد تقرير أنَّ شرعَ مَن قبلَنا إذا جاء في شَرْعِنا في سياق المدح كان حسناً عندنا. ١٩ - بابٌ إذا بيَّن البيِّعان ولم يكتُما ونصحا ويُذكَر عن العَدّاءِ بنِ خالدٍ قال: كَتَبَ ليَ النبيُّ ◌َّ: «هذا ما اشترَى محمَّدٌ رسولُ الله مِن العَدّاءِ بنِ خالدٍ، بيعَ المسلمِ المسلمَ لا داءَ ولا خِبْئَةَ ولا غائلةَ)). قال قَتَادةُ: الغائلةُ: الزِّنى والسَّرِقَةُ والإباقُ. وقيلَ لإبراهيمَ: إِنَّ بعضَ النَّخّاسينَ يُسَمِّ آرِيَّ: خُراسانَ وسِجِستانَ، فيقول: جاء أمسِ من خُراسانَ، وجاء اليومَ من سِجِستانَ، فکرِهَه كراهةً شديدةً. (١) انظر ((تفسير ابن جرير الطبري)) ٣/ ١١٠ و١١١. ٤٧ باب ١٩ / ح ٢٠٧٩ كتاب البيوع وقال عُقبةُ بنُ عامِرٍ: لا يَحِلُّ لامِرِئٍ يَبِيعُ سلعةً يعلمُ أنَّ بها داءً إلا أخبَرَه. ٢٠٧٩ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن صالحِ أبي الخليلِ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ رَفَعَه إلى حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ ضَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌ِلّهِ: ((البيِّعان بالخيار ما لم يَتفرَّقا - أو قال: حتَّى يَتَفَرَّقا - فإن صَدَقا وبيَّنَا، بُورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كَتَما وكَذَبا، مُحِقَت بَرَ کُ بیعِهما)». [أطرافه في: ٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤] ٣١٠/٤ قوله: ((بابٌ إذا بَّن البيِّعان)) بفتح الموحّدة وتشديد التحتانية، أي: البائعُ والمشتري. قوله: ((ولم يَكُما)» أي: ما فيه من عيبٍ. وقوله: ((ونَصَحا)) من العامِّ بعد الخاصّ، وحُذِفَ جوابُ الشَّرْط للعلمِ به وتقديره: بُورِكَ لهما في بيعِهما كما في حديث الباب، وقال ابن بطَّال: أصلُ هذا الباب أنَّ نصيحةَ المسلمِ واجبةٌ. قوله: ((ويُذكَر عن العَدّاءِ)) بالتثقيل وآخرُه همزةٌ بوزن الفَعّال، ابن خالد بن هَوذةَ بنِ رَبيعةَ بن عَمْرو بن عامر بن صَعصَعة(١)، صحابي قليلُ الحديث، أسلَمَ بعد ◌ُنَينٍ. قوله: «هذا ما اشترى محمدٌ رسولُ الله من العَدّاءِ بن خالدٍ» هكذا وقع هذا التعليق، وقد وصَلَ الحديثَ التِّرمِذي (١٢١٦) والنَّسائي(٢) وابن ماجَهْ (٢٢٥١) وابن الجارود (١٠٢٨) وابن مَندَهْ كلهم من طريق عبد المجيد بن أبي يزيد عن العَدّاء بن خالد، فانَّفَقوا على أنَّ البائعَ النبيُّ وَّهِ والمشتري العَدّاءُ عكس ما هنا، فقيل: إنَّ الذي وقع هنا مقلوبٌ، وقيل: هو صوابٌ، وهو من الرواية بالمعنى لأنَّ اشترى وباع بمعنّى واحدٍ، ولَزِمَ من ذلك تقديم اسم رسول الله ◌َّ على اسم العَدّاء. (١) الذي في كتب الأنساب: ربيعة بن عَمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فلعل الحافظ اختصره هنا فحذف ربيعة بن عامر. (٢) ليس في المطبوع، وهو في ((تحفة الأشراف)) (٩٨٤٨). ٤٨ باب ١٩ / ح ٢٠٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وشَرَحَه ابن العربي على ما وقع في التِّرمِذي فقال فيه: البِداءةُ باسم المفضول في الشُّروط إذا كان هو المشتري، قال: وفي كَتْب رسولِ الله وَّ له ذلك وهو مَمَّن لا يجوزُ عليه نَقضُ عهدِه لتعليمِ الخَلْق، قال: ثمَّ إنَّ ذلك على سبيل الاستحباب لأنه قد يَتَعاطى صَفقاتٍ كثيرةً بغير عُهدةٍ، وفيه كتابةُ الاسمِ واسم الأب والجدِّ في العُهدة إلَّا إذا كان مشهوراً بصفةٍ تَخُصُّه، ولذلك قال: ((محمد رسول الله)) فاستَغْنى بصِفَته عن نَسَبِهِ، ونَسَبَ العَدّاء بن خالد، قال: وفي قوله: ((هذا ما اشترى)) ثمَّ قال: ((بيعَ المسلمِ المسلمَ))، إشارة إلى أن لا فرق بين الشِّراءِ والبيع. قوله: ((بيعَ المسلمِ المسلمَ)) فيه أنَّه ليس من شأن المسلم الخديعة، وأنَّ تصدير الوثائق بقول الكاتب هذا ما اشترى أو أصدَقَ لا بأس به، ولا عِبرة بوَسوَسة من مَنَعَ من ذلك وَزَعَمَ أنَّهَا تَلتَبِس بـ(ما)) النافية. قوله: ((لا داءَ)) أي: لا عيب، والمراد به الباطن سواء ظَهَرَ منه شيءٌ أم لا، كَوَجَعِ الكَبِد والسُّعال، قاله المطرِّزي. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): قوله: ((لا داءً)) أي: يَكتُّمُه البائع، وإلا فلو كان بالعبْد داءٌ وبيَّنْه البائعُ لكان من بيعِ المسلمِ للمسلم، ومُحصَّلُه أنَّه لم يُرِد بقوله: ((لا داءَ) نفيَ الدّاءِ مُطلَقاً بل نفيَ داءٍ مخصوصٍ، وهو ما لم يطَّلع عليه. قوله: ((ولا خِبْئَةَ)) بكسر المعجَمة وبضمّها وسكون الموخَّدة بعدها مُثلَّثٌ، أي: مَسْبيّاً من قوم لهم عهد، قاله المطرِّزي. وقيل: المرادُ الأخلاقُ الخبيثةُ كالإباق، وقال صاحبُ ((العين)): الرِّيبة، وقيل: المرادُ الحرام، كما عَبَّرَ عن الحلال بالطيِّب، وقال ابن العربي: الدّاءُ ما كان في الخَلْق بالفتح، والخِبثةُ: ما كان في الخُلُق بالضمّ، والغائلةُ: سكوتُ البائع على ما يَعلَمُ من مکروه في المَبِيع. قوله: ((ولا غائلةَ)) بالمعجَمة، أي: ولا فُجور، وقيل: المرادُ الإباق، وقال ابن بطَّال: هو من قولهم: اغتالني فلانٌ: إذا احتالَ بحيلةٍ يُتِلِفُ بها مالي. قوله: ((قال قَتَادةُ ... )) إلى آخره، وَصَله ابن مَندَهْ من طريق الأصمعي عن سعيد بن أبي ٤٩ باب ١٩ / ح ٢٠٧٩ كتاب البيوع عَرُوبةَ عنه، قال ابن قُرقول: الظّاهرُ أنَّ تفسيرَ قَتَادةَ يَرجِع إلى الخِبْثة والغائلة معاً. قوله: ((وقيل لإبراهيم)) أي: النَّخَعي ((إنَّ بعضَ النَّخَاسينَ)) بالنّون والخاءِ المعجَمة، أي: الدَّلَّلينَ. قوله: ((يُسمِّي آريَّ)) بفتح الهمزة الممدودة وكسر الراءِ وتشديد التحتانية: هو مَرْبَط الدابَّة، وقيل: مَعْلَفُها، ورَدَّه ابن الأنباري، وقيل: هو حبلٌ يُدفَنُ في الأرضِ ويُبْرَزُ طرفُه تُشَدُّ به الدابّةُ، أصلُه من الحَبْسِ والإقامة، من قولهم: تأرَّى الرجلُ بالمكان، أي: أقامَ به، والمعنى: أنَّ النَّخّاسين كانوا يُسَمُّونَ مَرابطَ دَوابِهم بأسماءِ البلاد، ليدلِّسوا على المشتري بقولهم ذلك ليوهموا أنَّه مجلوبٌ من خُراسانَ وسِجِستان، فيَحرِصُ عليها المشتري ويظنُّ أنَّها قريبةُ العهد بالجَلْب. قال عياضٌ: وأظنّ أنَّ سَقَطَ من الأصل لفظةُ: ((دَوابّهم))، قلت: أو سَقَطَت الألف واللَّام التي للجِنسِ كأنَّه كان فيه: يُسمِّي الآريَّ، أي: الإصطَبل، أو سَقَطَ الضَّمير كأنَّه كان فيه: يُسمِّي آريَّه، وقد صُحِّفَت هذه الكلمة في رواية أبي زيد المروَزي/ فذكرها: ٣١١/٤ ((أَرَى)) بفتحتَين بغير مَدِّ وقَصْرِ آخره، وزن: دَعَا، وفي رواية أبي ذرِّ الهَرَوي مثلُه لكن بضمِ الهمزة، أي: أظنّ. واضطَرَبَ فيها غيرهما، فحكى ابن التِّين أنَّها رويت بفتح الهمزة وسكون الراء، قال: وفي رواية ابن نَظيفٍ ((قُرى)) بضمِّ القاف وفتح الراء. والأوَّل هو المعتمَد، قال الراعي: فقد فَخَروا بخَيلِهِمُ علينا لنا آرِيُّهُنَّ على مَعَدِّ(١) وقد بيَّن الصوابَ في ذلك ما رواه ابن أبي شَيْبة (٧/ ٣٣٣ -٣٣٤) عن هُشَيم عن مغيرة (١) كذا ساق الحافظ هذا البيت بهذا اللفظ وهذا الترتيب، والذي في ((ديوان الراعي)): همُ فَخَروا بخَيلِهِمُ فقلنا بغير الخيلِ تَغْلِبُ أَوعِدينا لنا آثارُهُنّ على مَعَدِّ وخير فوارسٍ للخير فينا فقد جعل الحافظُ شطر البيت الثاني عَجُزاً للبيت الأول، وقال: آريُّهن، والذي في ((الديوان)): آثارهن! ٥٠ باب ١٩ / ح ٢٠٧٩ فتح الباري بشرح البخاري عن إبراهيم قال: قيل له: إنَّ ناساً من النَّخّاسين وأصحاب الدَّوابُ يُسَمّي أحدُهم إصطَبلَ دَوابِّه خُراسانَ وسِجِستان، ثمَّ يأتي السوقَ فيقول: جاءت من خُراسانَ وسِجِستان، قال: فكَرهَ ذلك إبراهيم. ورواه سعيد بن منصور عن هُشَيم ولفظُه: إنَّ بعض النَّخّاسين يُسمِّي آريَّه خُراسانَ ... )) إلى آخره، والسبب في كراهة إبراهيم ذلك ما يَتَضمَّنُه من الغِشِّ والخِداع والتدليس. قوله: «وقال عُقبةُ بن عامر: لا يَحِلُّ لامرِئٍ يبيعُ سلعةً يعلم أنَّ بها داءً إلَّا أخبره)» في رواية الگُشْمِیهني: أخبر به. وهذا الحديث وَصَله أحمد (١٧٤٥١) وابن ماجَهْ (٢٢٤٦)، والحاكم (٨/٢) من طريق عبد الرحمن بن شِمَاسَة - بكسر المعجَمة وتخفيف الميم، وبعد الألف مُهمَلةٌ - عن عُقْبة مرفوعاً بلفظ: ((المسلمُ أخو المسلم، ولا يَحِلَّ لمسلمٍ باع من أخيه بيعاً فيه غِشُّ إِلَّ بيَّنه له))، وفي رواية أحمد: ((يعلم فيه عيباً)(١)، وإسنادُه حسنٌ. قوله: ((عن صالح أبي الخليل)) في الرواية التي بعد بابين: سمعتُ أبا الخليل. قوله: ((رَفَعَه إلى حَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ)) في الرواية المذكورة: عن حَكِيمٍ، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفَّى في ((باب كَم يجوزُ الخيار)) بعد عشرين حديثاً (٢١٠٨)، والغرضُ منه قوله: (فإنْ صَدَقا وبيَّنَا بُورِكَ لهما في بيعِهما ... )) إلى آخره. وقوله: ((صَدَقا)) أي: من جانبِ البائعِ في السَّومِ، ومن جانبِ المشتري في الوَفاء. وقوله: ((وبيَّنَا)) أي: لمَا في الثَّمن والمُثْمَن من عيبٍ، فهو من جانبَيهما، وكذا نقيضُه. وفي الحديث حصول البَرَكة لهما إن حَصَلَ منهما الشَّرْط وهو الصِّدق والتبيين، ومَحَقُها إن وُجِدَ ضِدُّهما وهو الكذب والكَتْم، وهل تَحصُلُ البَرَكَةُ لأحدِهما إذا وُجِدَ منه المشروط دون الآخرِ؟ ظاهرُ الحديث يقتضيه، ويحتمل أن يعود شُؤم أحدِهما على الآخر بأن تُنزَعَ (١) لفظ رواية أحمد (١٧٤٥١): ((لا يحل لامرئ مسلم أن يغيِّب ما بسلعته عن أخيه إن علم بها تركها)). ٥١ باب ٢٠-٢١ / ح ٢٠٨٠ - ٢٠٨١ كتاب البيوع البَرَكةُ من المبيع إذا وُجِدَ الكذب أو الكَتْمُ من كلِّ واحدٍ منهما، وإن كان الأجر ثابتاً للصادق المبیِّن، والوزرُ حاصلٌ للكاذب الکاتم. وفي الحديث أنَّ الدُّنيا لا يَتِمُّ حصولها إلَّا بالعمل الصالح، وأنَّ شُؤْمَ المعاصي يذهَبُ بخير الدُّنيا والآخرة. ٢٠ - باب بيع الخِلْط من التمر ٢٠٨٠ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا شَيبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي سعيدٍ ﴾، قال: كَّا نُرزَقُ تِمَرَ الجَمْعِ، وهو الخِلطُ مِن الثَّمرِ، وكنّا نبيعُ صاعَينِ بصاعٍ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((لا صاعینِ بصاع، ولا درهمینٍ بدرهم». قوله: ((باب بيع الخِلْط من التَّمرِ)) الخِلْط بكسر المعجَمة: التمر المجمَّعُ من أنواعٍ مُتَفرِّقةٍ. وقوله في الحديث: ((كنّا نُرزَق)) بضمِّ النّون أوَّله، أي: نُعطاه، وكان هذا العطاء ممَّا كان ٹۋ یقسِمه فیھم مَّا أفاء الله علیهم من خيبر. و(تمر الجمع)) بفتح الجيم وسكون الميم: فُسِّرَ بالخِلْط، وقيل: هو كلّ لون من النَّخيل لا يُعرَفُ اسمُه، والغالب في مثل ذلك أن يكون رَديتُهُ أكثرَ من جیِّدِه. وفائدة هذه الترجمة: رفعُ توهُّمٍ من يَتوهَّمُ أنَّ مثل هذا لا يجوزُ بيعُه لاختلاط جيِّدِه بَرَديئِه،/ لأنَّ هذا الخَلْط لا يَقدَحُ في البيع، لأنه مُتميّزٌ ظاهرٌ فلا يُعَدُّ ذلك عيباً، بخلاف ما ٣١٢/٤ لو خُلِطَ في أوعيةِ موجَّهِ يُرى جيِّدُها ويخفى رَديتُها. وفي الحديث: النَّهيُّ عن بيع التمر بالتمر مُتَفاضلاً، وكذا الدَّراهم. وسيأتي الكلام على ذلك مُستوفَّى (٢٢٠١) في ((باب إذا أراد بيعَ تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه)) في أواخر البيوعِ إن شاء الله تعالى. ٢١ - باب ما قيل في اللَّحّام والجزَّار ٢٠٨١ - حدّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثْنِي شَقِيقٌ، عن أبي ٥٢ باب ٢٢ / ح ٢٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري مسعودٍ، قال: جاء رجلٌ مِن الأنصار يُكنَى أبا شعيبٍ، فقال لفُلام له قَصّابٍ: اجعَلْ لي طعاماً يَكْفي خمسةً، فإنِّ أُرِيدُ أن أدعوَ النبيَّ نَّهَ خامسَ خمسةٍ، فإنّي قد عَرَفتُ في وجهه الجوعَ، فَدَعَاهم، فجاء معهم رجلٌ، فقال النبيُّ ◌َ ◌ّ: ((إنَّ هذا قد تَبِعَنا، فإنْ شئتَ أنْ تأذَنَ له فأْذَنْ له، وإن شئتَ أن يَرجِعَ رَجَعَ» فقال: لا، بل قد أَذِنتُ له. [أطرافه في: ٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١] قوله: ((باب اللَّحّام والجزّار (١))) كذا وَقَعَت هذه الترجمةُ هنا، وفي رواية ابن السَّكَن بعد خمسة أبوابٍ، وهو أليَقُ لتَتوالى تَراجمُ الصِّناعات. قوله: ((فقال لغُلام له قَصّابٍ)) بفتح القاف وتشديد المهمَلة وآخرُه موخَّدةٌ: وهو الجَزّار، وسيأتي في المظالم (٢٤٥٦) من وجه آخر عن الأعمَش بلفظ: كان له غُلام لخّام، واتَّفَقَت الطُّرق على أنَّه من مُسنَد أبي مسعود إلَّا ما رواه أحمد (١٧٠٨٥) عن ابن نُمَير عن الأعمَش بسنده فقال فيه: عن رجلٍ من الأنصار يُكنَى أبا شعيبٍ، قال: أتيت رسولَ الله وَلِّ فِعَرَفت في وجهه الجوع، فأتيت غُلاماً لي، فذكر الحديث، وكذا رُوِّيناه في الجزءِ التاسعِ من ((أمالي المحاملي)) (٤٩٢) من طريق ابن نُمَير، زاد مسلم (٢٠٣٦) في بعض طرقه: وعن الأعمَش عن أبي سفيان عن جابر، وسيأتي الكلام على فوائد هذا الحديث مُستوفّ في كتاب الأطعمة (٥٤٣٤) إن شاء الله تعالى. ٢٢ - باب ما يمحقُ الكذبُ والكتمانُ في البيع ٢٠٨٢ - حدَّثَنَا بَدَلُ بنُ المحَتَرِ، حَدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ، قال: سمعتُ أبا الخليلِ يُحدِّثُ، عن عبد الله بنِ الحارثِ، عن حَكِيمٍ بِنِ حِزَامِ ◌َُّ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((البيِّعانِ بالخِيار ما لم يَتفرَّقا - أو قال: حتَّى يَتَفرَّقا - فإن صَدَقا وبيَّنَا بُورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كَتَما وَكَذَبا مُحِقَت بَرَكةُ بيعِهما)». قوله: ((باب ما يَمْحَقُ الكذبُ والكِتمان)) أي: من البَرَكة ((في البيع)) ذكر فيه حديث (١) كذا وقع للحافظ هنا، مع أن روايات البخاري لم تختلف في أن نص الترجمة: باب ما قيل في اللحام والجزار، كما في اليونينية والقسطلاني. ٥٣ باب ٢٣ / ح ٢٠٨٣ كتاب البيوع حَكِيم بن حِزَامِ المذكور قبلَ بابين (٢٠٧٩)، وهو واضحٌ فيما ترجمَ له. ٢٣ - باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْ أَضْعَفًا ◌ُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ٢٠٨٣ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، حدَّثنا سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ٣١٣/٤ وَلّ قال: (لَيَأْتيَنَّ على النّاس زمانٌ لا يُبالي المرءُ بما أخذَ المالَ، أمِنَ الحلالِ أم مِن حرامِ)). قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةً﴾)) هكذا للنَّسَفي ليس في الباب سوى الآية. وساق غيره فيه حديثَ أبي هريرة الماضي (٢٠٥٩) في ((باب من لم يُبالِ من حيثُ كَسَبَ المالَ)) بإسناده ومَتْنِهِ، وهو بعيدٌ من عادة البخاري ولا سيما مع قُربِ العهد، ولعلَّه أشار بالترجمة إلى ما أخرجه النَّسائي (٤٤٥٥)(١) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يأتي على الناس زمانٌ يأكلونَ الرِّبا، فمن لم يأكله أصابَه من غُباره)). وروى مالك (٦٧٢/٢ -٦٧٣) عن زيد بن أسلمَ في تفسير الآية قال: كان الرِّبا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حَقٌّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ قال: أتقضي أم تُرْبي؟ فإن قضاه أخذَ وإلَّا زاده في حقِّه وزاده الآخرُ في الأجل. ورواه الطَّبري (٣/ ١٠١) من طريق عطاء ومن طريق مجاهدٍ نحوَه، ومِن طريق قَتَادةَ: إنَّ رِبا أهل الجاهلية يبيعُ الرجل البيع إلى أجَل مُسمّى، فإذا حَلَّ الأجَل ولم يكن عند صاحبه قضاءٌ زاد وأَخَّرَ عنه. والرِّبا مقصورٌ، وحُكيَ مَدُّه، وهو شاذٌّ، وهو من: رَبَا يَربُو، فيُكتَبُ بالألف، ولكن قد وقع في خطِّ المصحَف بالواو. وأصل الرِّبا: الزّيادةُ إمَّا في نفس الشيء كقوله تعالى: ﴿أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، وإمَّا في مُقَابَلةٍ كدرهم بدر همين، فقيل: هو حقيقةٌ فيهما، وقيل: حقيقةٌ في الأوَّل مَجَازٌ في الثاني، زاد ابن سُرَيج: إنَّه في الثاني حقيقةٌ شرعيَّةٌ، ويُطلَق الرِّبا على كلٍّ بيعٍ مُحرَّمٍ. (١) فات الحافظ رحمه الله أن يعزوه أيضاً لأبي داود (٣٣٣١)، وابن ماجه (٢٢٧٨)، وإسناده ضعيف. ٥٤ باب ٢٤ / ح ٢٠٨٤ -٢٠٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٤ - باب آکل الرِّبا وشاهده و کاتبه وقولِ الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [البقرة: ٢٧٥]. ٢٠٨٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّار، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لمَّ نزلت آخرُ البقرةِ قرأهُنَّ النبيُّ وَّ عليهم في المسجدِ، ثمَّ حَرَّمَ التِّجارةَ في الخمر. ٢٠٨٥- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، عن سَمُرةَ ابن جُندُبٍ ﴾، قال: قال النبيُّ وَّهِ: (رأيت اللَّيلةَ رجلَينِ أتياني فأخرَ جاني إلى أرضٍ مُقدَّسةٍ، فانطَلَقنا حتَّى أتينا على نَهَرٍ من دَم، فيه رجلٌ قائمٌ، وعلى وسَطِ النَّهَرِ رجلٌ بينَ یدیه حِجارةٌ، فأقبَلَ الرجلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فإذا أرادَ الرجلُ أن يَخْرُجَ رَمَى الرجلُ بحجرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّه حيثُ كان، فجعلَ كلَّما جاء ليَخرُجَ رَمَى في فِيه بحجرٍ، فَرَجِعُ كما كان، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: الَّذِي رأيتَه في النَّهرِ آكلُ الرِّبا». قوله: ((باب آكلِ الرِّبا وشاهدِه وکاتِه» أي: بيان حُكمهم، والتقدير: باب إثم أو ذمّ. في رواية الإسماعيلي: وشاهدَیه، بالتثنية. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ﴾ إلى آخر الآية)) وهو قوله: ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ روى الطَّبري (١٠٢/٣) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبَّاسٍ في ٣١٤/٤ قوله: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾/ قال: ذاكَ حين يُبعَثُ من قبره. ومن طريق سعيدٍ عن قَتَادةَ قال: تلك علامةُ أهل الرِّبا يوم القيامة، بُعِثوا وبهم خَبٌَّ. وأخرجه الطَّبري(١) من حديث أنسٍ نحوه مرفوعاً. وقيل: معناه أنَّ الناس يَخْرُجونَ (١) كذا وقع في الأصلين و(س): الطبري، ولم نقف عليه عند الطبري لا في ((تفسيره)) ولا في ((تهذيب الآثار))، وجاء في المطبوع من ((الترغيب والترهيب)) للمنذري عزؤُه للطبراني والأصبهاني، فلعله تحرف الطبري عن الطبراني، والله أعلم. وقد أورد العيني هذا الحديث في ((عمدته)) ٢٠٠/١١ ونسبه إلى ابن الفضل الجُوزي (وتحرفت في المطبوع كلمة (ابن)) إلى: أبي) وهو الأصبهاني نفسه صاحب ((الترغيب = ٥٥ باب ٢٤ / ح ٢٠٨٤ -٢٠٨٥ كتاب البيوع من الأجداث سِراعاً، لكن آكلَ الرِّبا يَربُو الرِّبا في بطنِهِ فيريدُ الإسراعَ فيَسقُطُ فيصيرُ بمَنزِلة المتخبِّط من الجنون. وذكر الطَّبري في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ اَلِبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]: أنَّهم لمَّا قيل لهم: هذا رباً لا يَحِلُّ، قالوا: لا فرقَ إن زِدْنا الثَّمَنَ في أوَّل البيع أو عند مَحَلِّه، فأكذَبَهم الله تعالى. قال الطَّبري: إنَّما خُصَّ الآكلُ بالذِّكر لأنَّ الذين نزلت فيهم الآياتُ المذكورةُ كانت طُعمَتُهم من الرِّبا، وإلَّا فالوعيد حاصل لكلِّ من عَمِلَ به سواءٌ أَكَلَ منه أم لا. ثمَّ ساق البخاري في الباب حدیثین: أحدهما: حديث عائشة: لما نزلت آخرُ البقرة قرأهنَّ النبيِ وَِّ ثمَّ حَرَّمَ التِّجارة في الخمر، وقد تقدَّم الكلام عليه (٤٥٩) في أبواب المساجد من كتاب الصلاة، ويأتي الكلام على تحريم التِّجارة في الخمر في أواخر البيوع (٢٢٢٦). ثانيهما: حديث سَمُرة في المنام الطّويل، وقد تقدَّم بطوله في كتاب الجنائز (١٣٨٦)، واقتَصَرَ منه هنا على قصَّة آكل الرِّبا. وقال ابن المنيِر (١): ليس في حديثَي الباب ذكرٌ لكاتبِ الرِّبا وشاهدِه، وأُجيبَ بأنَّه ذكرهما على سبيل الإلحاق لإعانَتهما للآكل على ذلك، وهذا إنَّما يقعُ على من واطَأَ صاحبَ الرِّبا عليه، فأمَّا من كَتَبه أو شَهِدَ القصَّة ليشهدَ بها على ما هي عليه ليعمَلَ فيها بالحقِّ فهذا جميلُ القصد لا يَدخُلُ في الوعيد المذكور، وإنَّما يَدخُل فيه من أعانَ صاحبَ الرِّبا بكتابَته وشهادته فيُنَزَّلُ مَنزِلَةَ من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ اُلِبَواْ﴾. وأيضاً فقد تَضمَّنَ حديثُ عائشةَ نزولَ آخر البقرة، ومن جُملة ما فيه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ اُلْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَواْ﴾ وفيه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ = والترهيب)»، والجُوزي: هو الطير الصغير بلسان أهل أصبهان، وهو بضم الجيم وإسكان الواو، واسمه إسماعيل بن محمد بن الفضل أبو القاسم الأصبهاني. (١) في نسخة على هامش (أ): ابن التين، بدل: ابن المنير. ٥٦ باب ٢٥ / ح ٢٠٨٦ فتح الباري بشرح البخاري [البقرة: ٢٨٢]، وفيه: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فأمَرَ بالكتابة والإشهاد في البيع الذي أحَلَّه، فأفهَمَ النَّهيَ عن الكتابة والإشهاد في الرِّبا الذي حَرَّمَه. ولعلَّ البخاري أشار إلى ما وَرَدَ في الكاتب والشاهد صريحاً، فعند مسلم وغيره من حديث جابر: لَعَنَ رسول الله وََّ آكل الرِّبا ومُوكِلَه وكاتبَه وشاهدَيه وقال: ((هم في الإثمِ سواءٌ))(١)، ولأصحاب ((السُّنن))(٢)، وصَحَّحَه ابن خُزيمة(٣) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: لَعَنَ رسولُ اللهِ وَّهِ آكل الرِّبا ومُوكِلَه وشاهدَه وكاتبَه، وفي رواية التِّرمِذي بالتثنية(٤)، وفي رواية النَّسائي (٥١٠٢) من وجهٍ آخرَ عن ابن مسعودٍ: آكل الرِّبا ومُوكِلَه وشاهداه وكاتبُه، ملعونونَ على لسان محمد ◌َلّ. ٢٥ - باب مُوکِل الرِّبا لقول الله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَِّوْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١]. قال ابنُ عبَّاسِ: هذه آخرُ آيةٍ نزلت على النبيِّ وَّهَ. ٢٠٨٦ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثْنا شُعْبةُ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفةَ، قال: رأيتُ أبي اشترَى عبداً حَجّاماً، فسألتُه، فقال: نهى النبيُّ نَّهَ عن ثمنِ الكلبِ، وثمنِ الدَّمِ، ونهى عن الواشمةِ والموشومةِ، وآكلِ الرِّبا وموكِلِهِ، ولَعْن المصوِّرَ. [أطرافه في: ٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٣] قوله: ((باب مُوكِل الرِّبا)) أي: مُطعِمُه، والتقديرُ فيه کالذي قبله. (١) الحديث أخرجه مسلم برقم (١٥٩٨) دون قوله: ((في الإثم))، فليست في المطبوع منه، ولم نجدها أيضاً فيما بين أيدينا من النسخ الخطية لـ(صحيح مسلم))، ولم يذكرها الحافظ في ((بلوغ المرام)) أيضاً، فالظاهر أنها أُدرجت هنا في الخبر بقصد التفسير. وقد وردت في بعض الكتب المسندة المتأخرة، كالأربعين الكيلانية، والظاهر أنها مدرجة في الحديث، والله أعلم. (٢) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣٧٢٥)، وأبو داود (٣٣٣٣)، وابن ماجه (٢٢٧٧)، والترمذي (١٢٠٦). (٣) الذي في المطبوع منه (٢٢٥٠) من طريق مسروق عن عبد الله بنحو لفظ النسائي الذي ساقه الحافظ. (٤) وكذلك هو عند ابن ماجه (٢٢٧٧) بلفظ التثنية في ((شاهدیه)). ٥٧ باب ٢٥ / ح ٢٠٨٦ كتاب البيوع قوله: ((لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ﴾ إلى ٣١٥/٤ قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾)) هكذا في جميع الروايات، ووقع عند الدَّاوودي: إلى قوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، وفسَّرَه، أي: لا تَظْلِمونَ بأخذِ الزّيادة ولا تُظلَمونَ بأن تُحبَس عنکم رؤوسُ أموالکم. ثمَّ اعتَرضَ بما سيأتي. قوله: ((وقال ابن عبّاس: هذه آخر آيةٍ نزلت)) وَصَله المصنّف في التفسير (٤٥٤٤) من طريق الشَّعْبي عنه، واعتَرَضَه الدَّاوودي فقال: هذا إمّا أن يكون وهماً وإمَّا أن يكون اختلافاً عن ابن عبّاس، لأنَّ الذي أخرجه المصنِّف في التفسير عنه فيه التنصيصُ على أنَّ آخرَ آيَةٍ نزلت قوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨١]، قال: فلعلَّ الناقلَ وَهِمَ لقُربها منها. انتهى، وتعقَبه ابن التِّين بأنَّه هو الواهم، لأنَّ من ◌ُملة الآيات التي أشار إليها البخاري في الترجمة قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْيَوْمًا تُرَجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، وهي آخر آيةٍ ذكرها لقوله إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وإليها أشار بقوله: هذه آخرُ آيَةٍ أنزلت. انتهى، وكأنَّ البخاري أراد بذكر هذا الأثر عن ابن عبّاسٍ تفسير قول عائشة: لمَّا نزلت الآياتُ من آخر سورة البقرة(١). قوله: ((عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفةَ)» في رواية آدم عن شُعْبةَ: حدَّثَنَا عَوْنٌ، وسيأتي في أواخر أبواب الطَّلاق (٥٣٤٧). قوله: ((رأيت أَبي اشترى عبداً حجّاماً فسألتُه)) كذا وقع هنا، وظاهرُه أنَّ السُّؤال وقع عن سبب مُشتَراه، وذلك لا يُناسبُ جوابَه بحديث النَّهي، ولكن وقع في هذا السِّیاق اختصارٌ بَّنه ما أخرجه المصنِّف بعد هذا في آخر البيوع (٢٢٣٨) من وجه آخر عن شُعْبة بلفظ: اشترى حجّاماً فأمَرَ بمَحاجِهِ فَكُسِرَت، فسألته على ذلك، ففيه البيانُ بأنَّ السُّؤال إنَّما وقع عن كسر المحاجم، وهو المناسبُ للجواب. وفي كسر أبي جُحَيفةَ المحاجمَ ما يُشعِرُ بأنَّه فَهمَ أنَّ النَّهيَ عن ذلك على سبيل التحريم فأراد حَسمَ المادّة، وكأنَّه فَهمَ منه أنَّه لا يُطيعُ النَّهيَ ولا يَتْرُكُ التكسُّبَ بذلك فلذلك كَسَرَ مَحَاجِمَه، وسيأتي الكلامُ على كَسْبِ الحجَّام بعد (١) يعني حديثها السالف برقم (٢٠٨٤). ٥٨ باب ٢٦ / ح ٢٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري أبواب(١)، ونذكر هناك بقية فوائده إن شاء الله تعالى. قوله: ((ونهى عن الواشمة والموشومةٍ)) أي: نهى عن فعلِهما، لأنَّ الواشم والموشوم لا یُنھی عنھما، وإنّما يُنھی عن فعلهما. قوله: ((وآكل الرِّبا ومُوكِله)) هكذا وقع في هذه الرواية معطوفاً على النَّهي عن الواشِمةِ، والجواب عنه كالذي قبله، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه وقع في هذه الرواية تغيير فأُبدِلَ اللَّعنُ بالنَّهي، فسيأتي في أواخر البيوع (٢٢٣٨) وفي أواخر الطَّلاق (٥٣٤٧) بلفظ: ولَعَنَ الواشمةَ والمستوشِمةَ وآكل الرِّبا وموكِلَه، والله أعلم. ٢٦ - بابٌ ﴿ يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرّبَوْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِيمٍ﴾ ٢٠٨٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال ابنُ المسيّبِ: إنَّ أبا هريرةَ ◌َ﴾، قال: سمعتُ رسولَ اللهِّهِ يقول: ((الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقةٌ للبَرَكَةِ)». قوله: ((باب ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوَأْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَئِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦])) روى ابن أبي حاتم من طريق الحسن قال: ذاكَ يومُ القيامة يَمحَقُّ الله الرِّبا يومئذٍ وأهله. وقال غيره: المعنى: أنَّ أمرَه يَؤُولُ إلى قِلّة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مُقاتل بن حيَّانَ قال: ما كان من رِباً وإن زاد حتَّى يُغْبَط صاحبُه، فإنَّ الله يَمحَقُه، وأصلُه من حديث ابن مسعود عند ابن ماجَهْ (٢٢٧٩) وأحمد (٣٧٥٤) بإسناد حسنٍ مرفوعاً: ((إنَّ الرِّبا وإن كَثُرَ، عاقبَتُه إلى قُلِّ))، وروى عبد الرزاق (١٥٣٥٣) عن مَعمَر قال: سمعتُ أنَّه لا يأتي على صاحب الرِّبا أربعونَ سنةً حتَّى يُمحَقَ. قوله: (عن یونس)) هو ابن یزیدَ. قوله: ((الحَلِف)) بفتح المهمَلة وكسر اللَّام، أي: اليمين الكاذبة. قوله: ((مَنفَقة)) بفتح الميم والفاء بينهما نون ساكنةٌ، مَفعَلة من النَّفاق بفتح النُّون: وهو ٣١٦/٤ الرَّواجُ ضِدُّ الكَساد، والسِّلعة بكسر السّين: المتاع. (١) الباب رقم (٣٩). ٥٩ باب ٢٦ / ح ٢٠٨٧ كتاب البيوع وقوله: ((تَمَحَقة)) بالمهمَلة والقاف وزن الأوَّل، وحكى عياضٌ ضمَّ أوَّله وكسر الحاء، والمحقُّ: النَّقْصُ والإبطال. وقال القُرطُبي: المحدِّثونَ يُشدِّدونهما، والأوَّل أصوَبُ، والهاءُ للمُبالَغة، ولذلك صَحَّ خبراً عن ((الخَلِفِ))، وفي مسلم ((اليمينُ))(١)، ولأحمد (٧٢٠٧): ((اليمين الكاذبة))، وهي أوضح، وهما في الأصل مصدران مَزيدان محدودان بمعنى النَّفاق والمحق. قوله: ((للبرَ کةِ)) تابعه عنبسة بن خالد عن یونس عند أبي داود (٣٣٣٥)، وفي رواية ابن وَهْب وأبي صفوان عند مسلم (١٦٠٦): ((للرِّبح))، وتابعهما أنس بن عياض عند الإسماعيلي، ورواه الليث عند الإسماعيلي بلفظ: ((َمحَقة للكسب))، وتابعه ابن وَهْب عند النَّسائي (٤٤٦١)، ومال الإسماعيلي إلى ترجيح هذه الرواية، وأنَّ مَن رواهُ بلفظ ((البَكةِ)) أوردَه بالمعنى، لأنَّ الكسبَ إذا مُحِقَ مُحُقتِ البركةُ(٢)، وقد اختُلِفَ في هذه اللَّفظة على الليث كما اختُلِفَ على يونس. ووقع للمِزّي في ((الأطراف)) في نسبة هذه اللَّفظة لمن خَرَّجَها وَهمٌ يُعرَفُ ممّا حَرَّرتُه. قال ابن المنيِّرِ: مُناسَبة حديث الباب للتَّرجمة أنَّه كالتفسير للآية لأنَّ الرِّبا: الزّيادة، والمحق: النَّقْص، فيُقال(٣): كيف ◌َجَتَمِع الزيادة والنَّقْص؟ فأوضحَ الحديث أنَّ الحَلِفَ الكاذبَ وإن زاد في المال فإنَّه يَمحَقُ البَرَكَةَ، فذلك قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ﴾، أي: يَمحَقِ البَرَكةَ من البيع الذي فيه الرِّبا وإن كان العَدَدُ زائداً، لكنَّ مَحْقَ البَرَكة يُفضي إلى اضمِحْلال العَدَد في الدُّنيا كما مَرَّ في حديث ابن مسعود(٤)، وإلى اضمِحْلال الأجر في الآخرة على التأويل الثاني. (١) الذي في مطبوع ((صحيح مسلم)) (١٦٠٦): ((الحلف))، ولم نقف عليه بلفظ ((اليمين)) فيما بين أيدينا من نسخ ((الصحيح)). (٢) من قوله: ((وأنَّ من رواه)) إلى هنا، سقط من (س)، استدركناه من (أ) و(ع). (٣) تصحفت في (س) إلى: فقال. (٤) ولفظه: ((إن الرُّبا وإن كَثُر عاقبته إلى قُلِّ)) وقد سلف تخريجه قريباً. ٦٠ باب ٢٧ -٢٨ / ح ٢٠٨٨ - ٢٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢٧ - باب ما يكره من الحلف في البيع ٢٠٨٨ - حدَّثنا عَمْرو بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هُشَيمٌ، أخبرنا العَوّامُ، عن إبراهيمَ بنِ عبد الرحمن، عن عبد الله بنِ أبي أَوَى عُ: أنَّ رجلاً أقامَ سِلعةً وهو في السُّوقِ، فحَلَفَ بالله لقد أُعْطِيَ بها ما لم يُعطَ ليُوقِعَ فيها رجلاً مِن المسلمينَ، فَنَزَلَت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ الآية [آل عمران:٧٧]. [طرفاه في: ٢٦٧٥، ٤٥٥١] قوله: ((باب ما يُكرَه من الحلِفِ في البيع)) أي: مُطلَقاً، فإن كان كذباً فهي كراهةُ تحریم، وإن كان صِدقاً فَتَنزيهٌ. وفي ((السُّنن))(١) من حديث قيس بن أبي غَرَزةَ - بفتح المعجَمة والراء والزاي - مرفوعاً: ((يا معشَرَ الثُّجّار، إنَّ البيعَ يَضُرُه اللَّغْوُ والحَلِفُ، فشُوبُوه بالصَّدَقة)). قوله: ((عن عبد الله بن أبي أَوفى)) في رواية يزيد(٢) عن العَوّام: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، وسيأتي في التفسير (٤٥٥١) مع بقية الكلام عليه. وقد تُعُقِّبَ بأنَّ السبب المذكور في الحديث خاصٌّ والترجمة عامّةٌ، لكنَّ العمومَ مُستَفادٌ من قوله في الآية ﴿وَأَيْمَنِهِمْ﴾، وسيأتي في الشَّهادات (٢٦٦٦) في سبب نزولها من حديث ابن مسعود ما يُقوِّي حَمْله على العموم. ٢٨ - باب ما قيل في الصَّوّاغ وقال طاووسِ: عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال النبيُّ وَّهِ: ((لا يُخْتَلَى خَلَاها)»، وقال العبَّاسُ: إلا الإذخِرَ، فإنَّه لِقَيْنِهِم، فقال: ((إلا الإذخِرَ)). ٢٠٨٩- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عليٌّ (١) عند أبي داود (٣٣٢٦) و(٣٣٢٧)، وابن ماجه (٢١٤٥)، والترمذي (١٢٠٨)، والنسائي (٣٧٩٧ - ٣٨٠٠)، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (١٦١٣٥). (٢) ستأتي عند المصنف برقم (٢٦٧٥).