النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ باب ٥ / ح ٢٠٥٧ كتاب البيوع مَيسَرةُ مولّى، ونابتٌ(١) عربيّ، وسالم بن أبي حفصة من طبقةٍ أعلى من طبقة الاثنين. قوله: ((لا وُضوءَ ... )) إلى آخره، وَصَلَ أحمد (١٦٤٤٢) أثر ابن أبي حفصة المذكور من طرق(٢)، ووقع لنا بعُلوٍّ في ((مُسنَد أبي العبّاس السَّراج))، ولفظُه: عن الزُّهْري عن عبَّاد بن تميمٍ عن عَمّه، مرفوعاً، باللَّفظِ المعلَّق، ومَشى بعض الشُّاح على ظاهر قول البخاري عن الزّهْري: ((لا وُضوءَ .. )) إلى آخره، فجَزَمَ بأنَّ هذا المتنَ من كلام الزُّهْري، وليس كما ظنَّ لما ذكرته عن «مُسنَدَي)» أحمد والسَّاج، وقد جَرَت عادةُ البخاري بهذا الاختصار كثيراً، والتقدير: عن الزُّهْري بهذا السَّنَد إلى النبي ◌َِّ قال: ((لا وُضوء)) الحديث. وأقرب أمثلة ذلك ما مضى في الصوم في (باب إذا أفطَرَ في رمضانَ ثمَّ طَلَعَت الشمس)) فإنَّه أورَدَ حديثَ الباب (١٩٥٩) من رواية أبي أسامة عن هشام بن عُرْوة عن فاطمة عن أسماء قالت: أفطَرنا على عهد النبيِ نَّهِ ثُمَّ طَلَعَت الشمس. قيل لهشام: أُمِروا بالقضاءِ؟ قال: وبُدٌّ من قضاءٍ. قال البخاري: وقال مَعمَر: سمعت هشاماً يقول: لا أدري أَقَضَوا أم لا. فهذا أيضاً فيه حذفٌ تقديرُه: سمعت هشاماً(٣) بالسَّنَد والمتن، وقال في آخره: فقال إنسان لهشامٍ: أَقَضَوْا أم لا؟ قال: لا أدري. وقد أخرجه عبد الرزاق عن مَعمَر كذلك، وأورَدُه من «مُسنَد عبد بن حُميدٍ)) (١٥٧٤) عالياً عن عبد الرزاق عن مَعمَر: سمعت هشاماً عن فاطمة عن أسماء، فذكرتِ الحديث، قال: فقال إنسان هشام: أقَضَوا أم لا؟ قال: لا أدري. تنبيه: اختَصَرَ ابن أبي حفصة هذا المتن اختصاراً مُحِفاً، فإنَّ لفظَه يَعُمُّ ما إذا وقع الشقُ ٢٩٦/٤ داخلَ الصلاة وخارجها، ورواية غيره من أثبات أصحاب الزُّهْري تقتضي تخصيصَ ذلك بمن كان داخلَ الصلاة، ووجهه أنَّ خروجَ الرِّيح من المصلِي هو الذي يقع له غالباً بخلاف غيره (١) وقع في (س): ميسرة مولى نابت عربي، بإسقاط حرف الواو، وهو خطأ. (٢) ليس له في ((المسند)) غير طريق رَوْح بن عُبادة عن محمد بن أبي حفصة، ولم يذكر غيرها أيضاً في ((تغليق التعليق» ٢١٢/٣. (٣) وقع في (أ) و(س): سمعت هشاماً عن معمر عن هشام بالسند والمتن، وهو خطأ واضح، وسقطت العبارة برُمّتها من (ع). ٢٢ باب ٦ -٧ / ح ٢٠٥٧ - ٢٠٥٩ فتح الباري بشرح البخاري من النَّواقضِ، فإِنَّه لا يَهْجُمُ عليه إلَّ نادراً، وليس المراد حَصرَ نَقضِ الوُضوءِ بوجود الرّيح. ٢٠٥٧ - حدَّثَنَا أحمدُ بنُ المِقِدام العِجْلِيُّ، حدَّنا محمَّدُ بنُ عبد الرحمن الطَّفَاوِيُّ، حدَّثنا هشامُ ابنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ قوماً قالوا: يا رسولَ الله، إنَّ قوماً يأتونَنا باللَّحمِ، لا نَذْري أذكروا اسمَ الله عليه أم لا؟ فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((سَمُّوا الهَ عليه وُلُوه)). [طرفاه في: ٥٥٠٧، ٧٣٩٨] الثاني: حديث عائشة في التسمية على الذَّبيحة، وقد استُدِلَّ به على أنَّ التسمية ليست شرطاً لصِحّة الذَّبح، وقد استُدِلَّ به على أنَّ التسميةَ ليست شرطاً في جواز الأكل من الذَّبيحة، وسيأتي تقريرُه والجوابُ عَّا أُورِدَ عليه وسائرُ مباحثِه في كتاب الذَّبائح (٥٥٠٧) مُستوفَّى إن شاء الله تعالى، وهو أصلٌ في تحسين الظَّنِّ بالمسلم، وأنَّ أُموره محمولةٌ على الكمال ولا سيما أهل ذلك العصر. ٦ - باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّ أَنْفَضُوْاْ إِلَيْهَا ﴾ [الجمعة: ١١] ٢٠٥٨- حدَّنَا طَلْقُ بنُ غَنّام، حذَّثنا زائدةُ، عن خُصَينٍ، عن سالمٍ، قال: حدَّثني جابرٌ ﴿ُه قال: بينما نحنُ نُصَلّي مَعَ النبيِّ وَّهِ إِذا أقبَلَت مِن الشَّامِ عِيرٌ تَحمِلُ طعاماً، فالتَّفَتوا إليها حَتَّى ما بَقِيَ معَ النبيِّوَ ◌َّ إلا اثنا عَشَرَ رجلاً فنزلت: ﴿ وَ إِذَا رَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾. قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَ إِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أُنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾)) كأنَّه أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ التِّجارة وإن كانت ممدوحة باعتبار كونها من المكاسبِ الحلال، فإنَّها قد تُذَمُ إذا قُدِّمَت على ما يجبُ تقديمُه عليها. وقد أورَدَ في الباب حديثَ جابر في قصَّة انفِضاض الناس عن النبي ◌ُِّ وهو يَخْطُب، ومضى الكلام عليه مبسوطاً في كتاب الجمعة (٩٣٦)، ويأتي بعضُه في تفسير سورة الجمعة (٤٨٩٩) إن شاء الله تعالى. ٧- باب من لم يُبال من حیث کسب المال ٢٠٥٩- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئبٍ، حدَّثنا سعيدٌ المقبُريُّ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن ٢٣ باب ٨ / ح ٢٠٦٠ - ٢٠٦١ كتاب البيوع النبيِّ وَّ قال: ((يأتي على النّاس زمانٌ لا يُبالي المرءُ ما أخذَ منه أمِنَ الحلال أم مِن الحرامِ». [طرفه في: ٢٠٨٣] قوله: ((باب من لم يُبال من حيثُ كَسَبَ المال)) في هذه الترجمة إشارةٌ إلى ذمِّ تركِ التحرّي في المكاسب. قوله: ((يأتي على الناس زمانٌ)) في رواية أحمد (٩٨٣٨) عن يزيد عن ابن أبي ذِئبٍ بسنده: (لَيأتيَنَّ على الناس زمانٌ))، وللنَّسائي من وجهٍ آخر: «يأتي على الناس زمان ما يُبالي الرجلُ من أين أصابَ المال من حِلٍّ أو حرامٍ))، وهذا أورَدَه النَّسائي (٥٩٩٨) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن الشَّعْبي، عن أبي هريرة. ووَهِمَ الِزّي في ((الأطراف)) فظنَّ أنَّ محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ذِئب، فترجمَ به للنَّسائي مع طريق البخاري هذه عن ابن أبي ذِئب، وليس كما ظنَّ، فإنّي لم أقِفْ عليه في جميع النُّسَخ التي وقَفْت عليها من النَّسائي إلَّا عن الشَّعْبي لا عن سعيد، ومحمد بن عبد الرحمن المذكور عنه أظنُّه ابنَ أبي ليلى لا ابنَ أبي ذِئبٍ، لأنّ لا أعرِفُ لابن أبي ذئبٍ روايةً عن الشَّعْبي. وقال ابن التِّين: أخبر النبي ◌َّه بهذا تحذيراً من فتنة المال، وهو من بعض دلائل نُبُوَّته لإخباره بالأُمور التي لم تكن في زَمَتِه. ووجه الذَّمِّ من جهة التسوية بين الأمرين، وإلَّا فأخذُ المال من الحلال ليس مذموماً من حيثُ هو، والله أعلم. ٨ - باب التّجارة في البَزِّ وغيره ٢٩٧/٤ وقولِه عزَّ وجلّ: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] وقال قَتَادةُ: كان القومُ يتبايعونَ ويَتَّجِرونَ، ولكنَّهم إذا نابهم حَقٌّ من حُقوقِ الله لم تُلِهِهم تِجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ الله، حتَّى يُؤَدُّوه إلى الله. ٢٠٦٠، ٢٠٦١ - حدَّثنا أبو عاصِمٍ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني عَمْرو بنُ دِينارٍ، عن أبي ٢٤ باب ٨ / ح ٢٠٦٠ - ٢٠٦١ فتح الباري بشرح البخاري المِنْهال قال: كنتُ أَنَِّرُ في الصَّرْفِ، فسألتُ زيدَ بنَ أرقَمَ ﴾ فقال: قال النبيُّ وَّل. وحذَّثني الفضلُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا الحجّاجُ بنُ محمَّدٍ، قال ابنُ جُرَيج: أخبرني عَمْرو بنُ دِينارٍ وعامِرُ بنُ مُصعَبٍ، أنَّهما سمعا أبا المِنْهال يقول: سألتُ البَراءَ بنَ عازبٍ وزيدَ بنَ أرقَمَ عن الصَّرْفِ، فقالا: كنَّا تاجِرَينِ على عهدِ رسولِ اللهَِّ، فسألْنا رسولَ اللهَِّ عن الصَّرفِ، فقال: ((إن كان يداً بيدٍ فلا بأسَ، وإن كان نَسِيئاً فلا یَصلُحُ)). [أطرافه في: ٢١٨٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩] [أطرافه في: ٢١٨١، ٢٤٩٨، ٣٩٤٠] قوله: «باب التِّجارة في البَزِّ وغيره)» لم يقع في رواية الأكثر قوله: وغيره، وثبتت عند الإسماعيلي وكَرِيمة (١). واختُلِفَ في ضَبْطِ البَزِّ فالأكثر على أنَّه بالزاي، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه بخصوصِه بل بطريق عموم المكاسبِ المباحة، وصَوَّبَ ابن عساكر أنَّه بالراءِ، وهو أليَقُ بُمُؤاخاة الترجمة التي بعد هذه ببابٍ وهو: ((التِّجارةُ في البحر))(٢)، وكذا ضَبَطَها الدِّمياطي، وقرأت بخَطِّ القُطْب الحَلَبي ما يدلّ على أنَّها مضبوطةٌ عند ابن بطَّال وغيره بضمِّ الموحّدة وبالراء، قال: وليس في الباب ما يقتضي تعيينَه من بين أنواع التِّجارة. انتهى، وقد أخطَاً من زَعَمَ أنَّه بالراءِ تصحيفٌ إذ ليس في الآية ولا في الحديث ولا الأثر اللَّاتي أورَدَها في الباب ما يُرجِّحُ أحد اللَّفْظَين. قوله: «وقوله عزَّ وجلّ: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: وتفسير ذلك، وقد روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنَّ المعنى: لا تُلهِيهم عن الصلاة المكتوبة(٣). وتَسَّكَ به قومٌ فِي مَدْحِ تركِ التِّجارات وليس بواضحٍ. (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٧٤/١١: على تقدير وجود هذه اللفظة الأصوب أن البزَّ، بالزاي، ويكون المعنى: وغير البز من أنواع الأمتعة. (٢) باب رقم (١٠). (٣) هو في ((تفسير ابن جرير الطبري)) ١٨ / ١٤٧. ٢٥ باب ٩ / ح ٢٠٦٢ كتاب البيوع قوله: ((وقال قَتَادةُ: كان القوم يتبايعونَ ... )) إلى آخره، لم أقِفْ عليه موصولاً عنه(١)، وقد وقع لي من كلام ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق (٢) عنه: أنَّه كان في السُّوق فأُقيمت الصلاةُ، فأغلَقوا حَوانيتَهم ودخلوا المسجدَ، فقال ابن عمر: فيهم نزلت، فذكر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوَه. وفي ((الحِلية)) (٧/ ١٥) عن سفيان الثَّوري: كانوا يتبايعونَ ولا يَدَعونَ الصَّلَوات المكتوبات في الجماعة. ثُمَّ أورَدَ المصنِّفُ حديثَ زيد بن أرقَمَ والبَراءِ بن عازبٍ في الصَّرف، وسيأتي الكلام عليه (٢١٨٠) في ((باب بيع الوَرِق بالذَّهبِ نَسِيئةً)) بعد نيِّفٍ وستّين باباً، وموضعُ الترجمة منه قوله فيه: وكانا تاجرَين على عهد رسول الله وَ له. وقد خَفي ذلك على القُطبِ فقرأت بخَطِّهِ: لم يَذكُر أحد من الشُّرّاحِ مُناسَبةَ الترجمة لهذا الحديث، فيُنظَر. تنبيه: أبو المِنْهال المذكور في هذا الإسناد غيرُ أبي المِنْهال صاحبٍ أبي بَرْزةَ الأسلمي في حديث ٢٩٨/٤ المواقيت(٣)، واسم هذا عبد الرحمن بن مُطعِمٍ، واسم صاحب أبي بَرْزة سَيّارُ بن سلامةَ. وأخرج البخاري الطَّريقَ الثانية بنزول رجل لأجل زيادة عامر بن مُصعَبٍ مع عَمْرو ابن دینار في روایة ابن جُرَیج عنهما عن أبي المنھال المذکور، وعامر بن مُصعبٍ لیس له في البخاري سوى هذا الموضع الواحد. قوله: ((نَسيئاً)) بكسر المهمَلة وسكون التحتانية بعدَها همزةٌ، وللكُشْمِيهَني: ((نَساءً)) بفتح النُّون والمهمَلة ومَدّة. ٩ - باب الخروج في التّجارة وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿فَانْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] (١) نقل الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٣/ ٢١٣ عن الإمام أحمد قوله في كتابه «الزهد»: حدثنا يحي بن سعيد، عن عوف، حدثنا سعيد بن أبي الحسن، قال: قال فلان، سماه ونسيه عوف، ولعله قتادة، وقال: ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الَّهِ﴾ قال: هم رجال في سوقهم وتجاراتهم لا تلهيهم بيوعهم وتجاراتهم عن ذكر الله. (٢) في («تفسيره)) ٢/ ٦١. (٣) تقدم برقم (٥٤٧). ٢٦ باب ٩ / ح ٢٠٦٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٦٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا تَخَلَدُ بنُ يزيدَ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني عطاءٌ، عن عُبيد بنِ عُمَيٍ: أنَّ أبا موسى الأشعَرِيَّ استأذَنَ على عمرَ بنِ الخطّاب ﴾، فلم يُؤْذَنْ له، و کأنّه كان مشغولاً، فرجعَ أبو موسی. فَفَرَغَ عمرُ فقال: ألم أسمَعْ صوتَ عبد الله بنٍ قيسٍ؟ ائذَنُوا له، قيلَ: قد رَجَعَ، فَدَعَاه، فقال: كنَّا نُؤْمَرُ بذلك، فقال: تأتيني على ذلك بالبيِّئَةِ، فانطَلَقَ إلى مجالسِ الأنصارِ فسألهم، فقالوا: لا يَشهَدُ لكَ على هذا إلا أصغرُنا؛ أبو سعيدِ الخُذْريُّ. فذهبَ بأبي سعيدِ الخُذريِّ، فقال عمرُ: أَخَفِيَ عليَّ هذا من أمر رسولِ الله ◌َِ؟ ألْهاني الصَّفْقُ بالأسواقِ. يعني: الخروجَ إلى تجارةٍ. [طرفاه في: ٦٢٤٥، ٧٣٥٣] قوله: ((باب الخروج في التِّجارة. وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿فَأَنتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾)) قال ابن بطَّل: هو إباحةٌ بعد حَظْر كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): غرضُ البخاري إجازةُ الحَرَكات في التِّجارة ولو كانت بعيدةً، خلافاً لمن يَتَنَطَّعُ ولا يَحِضُرُ السُّوقَ كما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالی. قوله: ((أنَّ أبا موسى استأذَنَ على عمر فلم يُؤذَن له)) زاد بُشْر بن سعيد عن أبي سعيد كما سيأتي في الاستئذان (٦٢٤٥): أنَّه استأذَنَ ثلاثاً. قوله: ((فقال: كنَّا نُؤمَرُ بذلك)) في الرواية المذكورة أنَّه قال: قال رسول الله وَّه: «إذا استأذَنَ أحدُكُم ثلاثاًفلم يُؤذَن له، فلیرجِعْ)). قوله: ((فذهبَ بأبي سعيدٍ)) في الرواية المذكورة: فأخبرتُ عمر عن النبيِ رَّ بذلك. وفيه الدّلالة على أنَّ قولَ الصحابي: كنَّا نُؤْمَرُ بكذا، محمولٌ على الرفع، ويقوى ذلك إذا ساقه مساق الاستدلال. وفيه أنَّ الصحابي الكبيرَ القَدْرِ، الشَّديدَ اللَّزوم لرسول الله وََّ، قد يخفى عليه بعضُ أمره، ويسمعُه مَن هو دونه. ٢٧ باب ١٠ / ح ٢٠٦٣ كتاب البيوع وادَّعى بعضهم أنَّه يُستَفادُ منه أنَّ عمر كان لا يقبلُ الخبرَ من شخص واحدٍ، ولیس كذلك، لأنَّ في بعض طرقه أنَّ عمرَ قال: إنّى أحبَبت أن أتثَبَّتَ. وستأتي فوائدُه مُستوفاةً في كتاب الاستئذان (٦٢٤٥) إن شاء الله تعالى. وقد قَبِلَ عمرُ خبر الضَّحّاك بن سفيانَ وحدَه في الدِّيَة(١)، وغير ذلك(٢). قوله: ((فقال عمر: أخَفِي عليَّ هذا من أمر رسولِ الله وَِّّهِ؟ ألْهاني الصَّفْقُ بالأسواقِ، يعني: ٢٩٩/٤ الخروج إلى التِّجارة)) كذا في الأصل، وأطلقَ عمر على الاشتغال بالتِّجارة لهواً لأنها ألهتْه عن طول مُلازَمة النبيّ ◌َُّ حتَّى سمع غيرُه منه ما لم يسمعه، ولم يَقصِد عمرُ تركَ أصل الملازَمة، وهي أمر نِسبيّ، وكان احتياج عمر إلى الخروج للسّوق من أجل الكسبِ لعياله والتعقُّفِ عن الناس، وأمَّا أبو هريرة فكان وحدَه، فلذلك أكثرَ مُلازَمَتَه، ومُلازَمةُ عمر للنبي وَلِّ لا تَخفى كما سيأتي في ترجمته في المناقب (٣٦٨٥). واللهوُ مُطلَقاً: ما يُلهِي سواءٌ كان حراماً أو حلالاً، وفي الشَّرعِ: ما يَجِرُمُ فقط. ١٠ - باب التّجارة في البحر وقال مَطَرٌّ: لا بأسَ به، وما ذَكَرَه الله في القُرآنِ إلا بحَقٌّ، ثمَّ ثَلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]: الفُلْكُ: السُّفنُ، الواحدُ والجمعُ سَواءٌ. وقال مجاهدٌ: تَخَرُ السُّفْنُ الرِّيحَ، ولا تَمَخَرُ الرِّيحَ مِن السُّفنِ إِلَّ الفُلْكُ العِظام. ٢٠٦٣ - وقال اللَّيثُ، حدَّثني جعفرُ بنُّ رَبِيعةَ، عن عبد الرحمن بنِ هُرمُزَ، عن أبي هريرةَ ◌َّ، عن رسولِ الله وَلّ: أنَّهَ ذَكَرَ رجلاً من بني إسرائيلَ خَرَجَ في البحرِ فقَضَى حاجَتَه ... وساقَ الحدیثَ. (١) أخرجه أحمد (١٥٧٤٥) و(١٥٧٤٦)، وأبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (١٤١٥)، وابن ماجه (٢٦٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٢٩). وخبر الدية يعني توريث المرأة من دية زوجها. (٢) كحديث عبد الرحمن بن عوف: أن النبي يوليو أخذ الجزية من مجوس هجر، وسيأتي عند البخاري برقم (٣١٥٦). ٢٨ باب ١٠ / ح ٢٠٦٣ فتح الباري بشرح البخاري حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حذَّثني اللَّثُ، به. قوله: ((باب التِّجارة في البحرِ)) أي: إباحة رُكوب البحر للتِّجارة، وفي بعض النُّسَخ: وغيره، فإن ثبت قَوّى قولَ من قرأ ((البَرّ)) فيما سَبَقَ ببابٍ بضمٍّ أوَّله أو بالزاي. قوله: ((وقال مَطَرٌّ ... )) إلى آخره، هو مَطَرُّ الوَرّاقُ البصري، مشهورٌ في التابعين، ووقع في رواية الحَقُّوِيّ وحده: وقال مُطرِّف، وهو تصحيفٌ، وبأنَّه الوَرّاقُ وَصَفَه المِزّي والقُطْب وآخرون، وقال الكِرْماني: الظّاهر أنَّه ابن الفضل المروزي شيخُ البخاري. وكأنَّ ظهورَ ذلك له من حيثُ إنَّ الذین أفردُوا رجالَ البخاري کالگلاباذي لم یذکُروا فيهم الوَرّاقَ المذكور لأنهم لم يَستوعِبوا من عَلَّقَ لهم، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله ابن شَوْذَبٍ عن مَطَرِ الوَرّاق: أنَّه كان لا يرى برُكوب البحر بأساً، ويقول: ما ذكره الله تعالى في القرآن إلَّا بحَقِّ، ووجه حَمْل مَطَرِ ذلك على الإباحة أنَّهَا سِيقَت في مقام الامتِنان، وتَضمَّنَ ذلك الردَّ على مَن مَنَعَ رُكوبَ البحر، وسيأتي بَسطُ ذلك في كتاب الجهاد (٢٨٩٤) إن شاء الله تعالى. قوله: ((الفُلْكُ: السُّفنُ، الواحدُ والجمعُ سواءٌ)) هو قول أكثر أهل اللُّغة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿فِ اُلْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، وقوله: ﴿حَتَّ إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]، فذكره في الإفراد والجمعِ بلفظٍ واحدٍ. وقيل: إنَّ الفُلكَ بالضمِّ والإسكان: جمعُ فَلَكِ بفتحتَين مثلُ أُسْدٍ وأسدٍ، وقال صاحب ((المحكَم): السَّفينة فَعِيلةٌ بمعنى فاعلةٍ، سُمّيَت سفينةً لأنها تَسِفِنُ وجهَ الماءِ، أي: تَقْشِره(١)، والجمعُ: سُفُنٌ وسَفائنُ وسَفِينٌ. قوله: ((وقال مجاهد .. )) إلى آخره، وَصَله الفِرْيابي في ((تفسيره))، وكذلك عبدُ بنُ حُميدٍ من وجهٍ آخر (٢)، قال عياضٌ: ضَبَطَه الأكثرُ بنَصْب السُّفن، وعَكَسَه الأَصِيلي، والصواب الأوَّلُ عند بعضهم بناءً على أنَّ الرِّيحَ الفاعلُ، وهي التي تَصِرِف السَّفينة في الإقبال والإدبار، (١) تصحفت في (س) إلى: تفسره، ولم يتضح نَقْطُها في (أ)، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لما في كتب اللغة. (٢) وهو في ((تفسیر مجاهد)) ٣٤٦/١. ٢٩ باب ١١ / ح ٢٠٦٤ كتاب البيوع وضَبْطِ الأَصِيلي صوابٌ، وهو ظاهرُ القرآن إذ جعل الفعلَ للسَّفينة فقال: ﴿مَوَاخِرَفِيهِ﴾. وقوله (تَخَر)) بفتح المعجَمة، أي: تَشُقُّ، يقال: مَخَرَت السَّفينةُ: إذا شَقَّتِ الماءَ بصوتٍ، وقيل: المَخْرُ الصَّوتُ نفسُه، وكأنَّ مجاهداً أراد: أنَّ شَقَّ السَّفينة للبحر بصوتٍ إنَّما هو بواسطة الرِّيح، ومعنى قوله: ((ولا تَخَّرُ ... )) إلى آخره: أنَّ الصَّوتَ لا يَحَصُلُ إلَّا من كِبار السُّفن، أو لا يَحصُلُ من الصِّغار غالباً. قوله: ((وقال الليثُ ... )) إلى آخره، هو طرفٌ من حديثٍ ساقه بتمامه في كتاب الكفالة كما ٣٠٠/٤ سيأتي (٢٢٩١)، وسنذكر الكلامَ عليه ثَمَّ. ووَجْهُ تَعلَّقِه بالترجمة ظاهرٌ من جهة أنَّ شَرْعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا إذا لم يَرِدْ في شرعِنا ما يَنْسَخُه، ولا سيَّما إذا ذكره ◌َِّ مُقرِّراً له أو في سياق الثَّنَاءِ على فاعلِه أو ما أشبه ذلك. ويحتمل أن يكون مرادُ المصنّف بإيراد هذا أنَّ رُكوب البحر لم يَزَل مُتَعارَفاً مألوفاً من قديم الزّمان، فيُحمَلُ على أصل الإباحة حتَّى يَرِدَ دليلٌ على المنع. قوله في آخره: ((حدَّثني عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، به)) فيه التصريح بوَصْل المعلَّق المذكور، ولم يقع ذلك في أكثر الروايات في ((الصحيح))، ولا ذكره أبو ذرِّ إلَّا في هذا الموضع، وكذا وقع في رواية أبي الوَقْت. ١١ - بابٌ ﴿ وَ إِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُّوْاْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] وقولُه جَلَّ ذكرُه: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] وقال قَتَادةُ: كان القومُ يَتَّحِرونَ، ولكنَّهم كانوا إذا نابهم حَقٌّ من حُقوقِ الله لم تُلِهِهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكرِ الله حتَّى يُؤَدُّوه إلى الله. ٢٠٦٤ - حدَّثني محمَّدٌ، قال: حدَّثني محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن حُصَينٍ، عن سالم بنِ أبي الَجَعْدِ، عن جابرِ عُ، قال: أقبَلَت عِيرٌ ونحنُ نُصَلّي مَعَ النبيِّ وَّرِ الجمعةَ، فانفَضَّ النّاسُ إلا اثنَي عَشَرَ رجلاً فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَإِذَا رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَهَوَا أَنْفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَكَ قَيِمًا﴾. قوله: ((باب: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنْفَضُوْ إِلَيْهَا﴾، وقوله: ﴿رِجَالٌ لَّا ◌ُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا ٣٠ باب ١٢ / ح ٢٠٦٥ - ٢٠٦٦ فتح الباري بشرح البخاري بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال قَتَادةُ: كان القومُ يَتَّجِرونَ .. )) إلى آخره، كذا وقع جميعُ ذلك مُعاداً في رواية المُستَمْلِي، وسَقَطَ لغيره إلَّ النَّسَفي فإنَّه ذكرها هاهنا وحَذَفَها مَّا مضى، وكذا وقع مُكَرَّراً في نُسخة الصَّغاني، وهذا يُؤْيِّدُ ما تقدَّم من النَّقَل عن أبي ذرِّ الْهَرَوي أنَّ أصل البخاري كان عند الفِرَبْري، وكانت فيه إلحاقاتٌ في الهوامشِ وغيرها، وكان من يَنْسَخُ الكتابَ يَضعُ الملحَقَ في الموضع الذي يظنُّه لائقاً به. فمِن ثَمَّ وقع الاختلافُ في التقديمِ والتأخير، ويُزادُ هنا أنَّ بعضهم احتاطَ فَكَتَبَ الملحَق في الموضعَين فنَشَأ عنه التكرار، وقد تكلَّفَ بعض الشُّراح في توجيهِه بأن قال: ذكر الآيةَ هنا لمنطوقها وهو الذَّمَ، وذكرها هناك لمفهومها وهو تخصيصُ وقتها بحالة غير المتلبِّسِ بالصلاة وسماع الخُطبة، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك مُستوفَّى(١). ١٢ - باب قول الله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ٢٠٦٥- حدّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إذا أنْفَقَتِ المرأةُ من طعامِ بيتها غيرَ مُفسِدةٍ، كان لها أجرُها بما أنفَقَت، ولِزوجِها بما كَسَبَ، وللخازِنِ مِثْلُ ذلك، لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعضٍ شيئاً)). ٣٠١/٤ ٢٠٦٦ - حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هنَّامٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «إذا أنفَقَتِ المرأةُ من كَسْبِ زوجِها عن غيرِ أمرِهِ، فلَها نِصفُ أجرِهِ». [أطرافه في: ٥١٩٢، ٥١٩٥، ٥٣٦٠] قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾)) أي: تفسيره. وحكى ابن بطَّال أنَّه وقع في الأصل: كُلوا، بدلَ ((أَنفِقوا)) وقال: إنَّه غَلَطُ. انتهى، وكذا رأيته في رواية النَّسَفي، وقد ساق الآيَةَ في كتاب الزكاة على الصواب (٢)، وقد تقدَّم النَّقْلُ عن مجاهدٍ أنَّه قال (١) في باب رقم (٨). (٢) في باب (٢٩): صدقة الكسب والتجارة. ٣١ باب ١٣ / ح ٢٠٦٧ كتاب البيوع في تفسيرها: إنَّ المراد بها التِّجارة. ثمَّ ذكر البخاري حديثَ عائشة مرفوعاً: ((إذا أنفَقَت المرأةُ من طعام بيتها)) الحديثَ، وقد تقدَّم الكلامُ علیه مُستوفَی في كتاب الزكاة (١٤٢٥). ثمَّ أورَدَ حديث أبي هريرة في ذلك بلفظ: ((إذا أنفَقَت المرأةُ من كَسْب زوجها عن غیر أمره، فلها نصف أجره))، وفيه رَدٌّ على من عيَّنه فيما أذِنَ لها في ذلك، والأَولى أن يُحمَلَ على ما إذا أنفَقَت من الذي يَخْصُّها به إذا تَصَدَّقَت به بغير استئذانه، فإنَّه يَصدُقُّ كونُه من كَسْبِهِ فيُؤجَرُ عليه، وكونُه بغير أمره يحتملُ أن يكون أذِنَ لها بطريق الإجمال، لكنَّ المنفي ما كان بطريق التفصيلٍ، ولا بُدَّ من الحَمْل على أحد هذين المعنيَينِ، وإلَّا فحيثُ كان من ماله بغير إذنِهِ لا إجمالاً ولا تفصيلاً فهي مأزورةٌ بذلك لا مأجورةٌ، وقد وَرَدَ فیه حدیثٌ عن ابن عمر عند الطَّيالسي وغيره(١). وأمَّا قوله في حديث أبي هريرة: ((فلها نصفُ أجره)) فهو محمولٌ على ما إذا لم يكن هناك من يُعينُها على تنفيذِ الصَّدَقة، بخلاف حديث عائشةَ ففيه أنَّ للخادم مثلَ ذلك، أو المعنى بالنِّصْف في حديث أبي هريرة: أنَّ أجرَه وأجرَها إذا جُمِعا كان لها النِّصف من ذلك، فللكلُّ منهما أجرٌ كاملٌ، وهما اثنان فكأنهما نصفان. ١٣ - باب من أحبَّ البسط في الرِّزق ٢٠٦٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي يعقوبَ الكِرمانيُّ، حدَّثْنَا حسَّانُ، حدَّثنا يونسُ، قال محمَّدٌ - هو الزُّهْريُّ -: عن أنسٍ بنِ مالكٍ عُ، قال: سمعتُ رسولَ اللهَوَّ يقول: (مَن سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه أو يُنسَأَ له في أثَرِه فليَصِلْ رَحِمَه)». (١) أخرجه الطيالسي في («مسنده)) (٢٠٦٣)، وعبد بن حميد في ((مسنده)) (٨١٣)، بإسناد ضعيف، ولفظه: ((ولا تعطي من بيته شيئاً إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر وعليها الوِزْر)). ويغني عنه ما رواه أبو هريرة قال: لا تَصَدَّق المرأة إلا من قُوتها، فأما من مال زوجها فلا يحلُّ لها إلا بإذنه، ويكون الأجر بينهما. فهذا قول راوي الحديث وهو أعلم بما رواه. وإسناده صحيح، وهو عند عبد الرزاق (٧٢٧٣)، وابن أبي شيبة ٦/ ٥٨٣. ٣٢ باب ١٣ / ح ٢٠٦٧ فتح الباري بشرح البخاري [طرفه في: ٥٩٨٦] قوله: ((باب من أحَبَّ البَسْطَ)) أي: التوسُّعَ ((في الرِّزْقِ)» وجوابُ ((مَنْ)) محذوفٌ تقديرُه ما في الحديث، وهو: ((فليَصِلِ رَحِمَه)). ويُستَفادُ منه جوازُ هذه المحَبّة خلافاً لمن كَرِهَها مُطلَقاً. قوله: ((حدَّثنا محمد بن أبي يعقوب)) اسم أبيه إسحاق بن منصور، وقيل: إنَّ منصوراً اسم أبيه، وقيل: إنَّ أبا يعقوب جَدُّه، الكِرْماني بكسر الكاف، وذكر الكِرْماني الشارحُ أنَّ النَّووي ضَبَطَها بفتح الكاف وتعقَّبَه، وسَلَفُ النَّووي في ذلك أبو سعيد بن السَّمْعاني، وهو أعلمُ الناس بذلك، فلعلَّ الصوابَ فيها في الأصل الفتح(١)، ثمَّ كَثُرَ استعمالها بالكسر تغييراً من العامّة، وقد نزلَ محمدٌ المذكورُ البصرة، ووَثَّقَه ابن معين وغيره، ولم يَعرِف أبو حاتم الرازي حالَه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخرَ في تفسير المائدة (٤٦٢٤)، وآخرَ في أوائل الأحكام (٧١٦٠)، والثلاثة إسنادُها واحدٌ إلى الزّهْري، وشيخه ٣٠٢/٤ حسّان: هو ابن إبراهیمَ الکرماني، ویونس: هو ابن یزید. قوله: ((قال محمد - هو الزُّهْري)) كذا في الأصل، وفي رواية أبي نُعيم من وجهٍ آخرَ عن حسّان عن يونس بن يزيد عن الزُّهْري. قوله: ((عن أنسٍ)) يأتي في الأدَبِ (٥٩٨٦) من وجهٍ آخرَ عن الزُّهْري: أخبرني أنسٌ. قوله: ((ويُنسَأ)) بضمِّ أوَّله وسكون النّون بعدَها مُهمَلٌ ثمَّ همزة، أي: يُؤَخَّر له، والأثر هنا: بقيةُ العُمُر، قال زهيرٌ: والمرءُ ما عاشَ ممدودٌ له أمَلٌ لا يَنتَهِي العَيْشُ(٢) حَتَّى يَنْتَهي الأثرُ وسيأتي الكلامُ عليه هناك إن شاء الله تعالى. قال العلماءُ: معنى البَسْط في الرِّزق: البَرَكة فيه، وفي العُمُر: حصولُ القوّة في الجسد، (١) عبارة السمعاني في ((الأنساب)): بكسر الكاف، وقيل: بفتحها، ثم قال: بفتح الكاف وهو الصحيح، غير أنه اشتهر بکسر الکاف. (٢) المثبت من الأصلين، وفي (س) وهامش (أ): ((الطَّرْف))، ويُروى: العُمْر، كما في ((لسان العرب)) مادة (أثر)، ويُروى ((تنتهي العين)) كما في ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة. وبعضهم نسب البيت لكعب بن زهير. ٣٣ باب ١٤ / ح ٢٠٦٨ - ٢٠٦٩ كتاب البيوع لأنَّ صِلةَ أقاربِه صدقةٌ والصَّدَقَةُ تُرَبِّ المالَ وتزيدُ فيه فيَنمُو بها ويَزكُو، لأنَّ رِزْق الإنسان يُكتَبُ وهو في بطن أُمِّه، فلذلك احتيجَ إلى هذا التأويل، أو المعنى: أنَّه يُكتَبُ مُقيَّداً بشرطٍ، كأن يقال: إن وَصَلَ رحمَه، فله كذا، وإلَّ فكذا، أو المعنى: بقاءُ ذِكْره الجميل بعد الموت. وأغرَبَ الْحَكيمُ التِّرمِذي فقال: المرادُ بذلك: قِلّهُ البقاءِ في البَرْزَخِ. وقال ابن قُتَيبة: يحتمل أن يَكتُبَ أجَلَ العبد مئةَ سنةٍ وتَزكيتَه عشرين، فإن وصَلَ رحمه زادَه التزكيةَ. وقال غيرُه: المكتوبُ عند الملَكِ المؤكَّل به غيرُ المعلومِ عند الله عزَّ وجلَّ، فالأوَّلُ يَدخُلُ فيه التغيير. وتوجيهُه: أنَّ المعاملات على الظَّواهر والمعلوم الباطن خَفيٌّ لا يُعلَّقُ عليه الحكم، فذلك الظّاهرُ الذي الطَّلَعَ عليه الملَكُ هو الذي يَدخُلُهُ الزّيادةُ والنَّقْصُ والمحوُ والإثبات، والحِكمةُ فيه إبلاغ ذلك إلى المكلّفِ ليعلَمَ فضلَ البِرِّ وشُؤْمَ القطيعة، وسيأتي ذكرُ هذه المسألة مبسوطةً في كتاب القَدَر (٦٥٩٤)، ويأتي الكلامُ على إيثار الغِنى على الفقر في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٧) إن شاء الله تعالى. ١٤ - باب شراء النبي وَله بالنَّسيئة ٢٠٦٨- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسدٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثْنا الأعمَشُ، قال: ذَكَرنا عندَ إبراهيمَ الزَّهنَ في السَّلَمِ، فقال: حدَّثني الأسوَدُ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ بَهـ اشترَى طعاماً من يهوديِّ إلى أجَلٍ، ورَهَنَه ◌ِرْعاً من حدیدٍ. [أطرافه في: ٢٠٩٦، ٢٢٠٠، ٢٢٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٥١٢، ٢٩١٦، ٤٤٦٧] ٢٠٦٩ - حدَّثنا مُسلِمٌ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا فَتَادُ، عن أنسٍ (ح) وحدَّثني محمَّدُ بنُ عبد الله بنِ حَوشَبٍ، حدَّثنا أسباطٌ أبو اليَسَعِ البَصْرِيُّ، حدَّثنا هشامٌ الَّستُوائيُّ، عن فَتَادةَ، عن أنسٍ : أَنَّه مَشَى إلى النبيِّ وَّهِ بِخُبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ، ولقد رَهَنَ النبيُّ ◌َّ دِرعاً له بالمدينةِ عندَ يهوديٍّ، وأخذَ منه شعيراً لأهلِه، ولقد سمعتُه يقول: ((ما أمسى عندَ آلٍ محمَّدٍ صاعُ بُرِّ ولا صاعُ حَبٍّ))، وإنَّ عندَه لَتِسعَ نِسوةٍ. [طرفه في: ٢٥٠٨] ٣٤ باب ١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (باب شِراء النبي ◌ِّهِ بالنَّسيئةِ)) بكسر المهمَلة والمدِّ، أي: بالأجَل. قال ابن بطَّل: الشِّراءُ بالنَّسيئة جائز بالإجماع. قلت: لعلَّ المصنّف تَخَيَّلَ أنَّ أحداً يَتَخِيَّل أنَّه وَلِّ لا يشتري بالنَّسيئة لأنها دَينٌ فأراد دفعَ ذلك التخيُّل، وأورَدَ المصنِّف فيه حديثَي عائشةَ وأنسٍ في أنَّه وَلَّ اشترى شعيراً إلى أجَلِ ورَهَنَ عليه دِرعَه، وسيأتي الكلامُ عليهما مُستوفَّى في أوَّل الرَّهْن (٢٥٠٨ و٢٥٠٩) إن شاء الله تعالى. قوله في طريق عائشة: ((ذكرنا عند إبراهيم)) هو النَّخَعي. ٣٠٣/٤ وقوله: ((الزَّهن في السَّلَمِ)) أي: السَّلَفِ، ولم يُرِدْ به السَّلمَ العُرفيَّ(١). وقولُه في حديث أنسٍ: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم. وقوله في الطَّريق الثانية: ((أسباط)) هو بفتح الهمزة وسكون المهمَلة بعدَها موحّدةٌ. وقوله: ((أبو اليَسَعِ)) بفتح التحتانية والمهمَلة، وهو بصري، وكذا بقيةُ رجال الإسناد، وليس لأسباطٍ في البخاري سوى هذا الموضع، وقد قيل: إنَّ اسمَ أبيه عبدُ الواحد، وقد ساقه المصنّف هنا على لفظ أبي اليَسَع، وساقه في الرَّهن (٢٥٠٨) على لفظ مسلم بن إبراهيم، والنُّكتَةُ في جمعِهما هنا مع أنَّ طريق مسلمٍ أعلى، مُراعاةً للغالبِ من عادته أن لا يَذْكُرَ الحديثَ الواحدَ في موضعَين بإسنادٍ واحدٍ، ولأنَّ أبا اليَسَع المذكور فيه مَقالٌ، فاحتاج أن يَقرُنَه بمن يَعضُدُه. وقوله فيه: ((ولقد سمعته يقول)) هو كلامُ أنسٍ، والضَّمير في ((سمعته)) للنبي ◌ََّ، أي: قال ذلك لمَّا رَهَنَ الدِّرعَ عند اليهودي مُظهِراً للسببِ في شرائه إلى أجَلٍ، وَهَلَ من زَعَمَ أَنَّه كلام قَتَادَةَ وجعل الضَّميرَ في ((سمعته)) لأنسٍ، لأنه إخراجٌ للسِّياق عن ظاهره بغير دليلٍ، والله أعلم. ١٥ - باب کسب الرجل وعمله بیده قوله: ((باب كسب الرجلِ وعمله بيدِه)) عطفُ العملِ باليد على الكسب من عطف ٣٠٤/٤ (١) سيذكر الحافظ مفهومه في كتاب السلم قبل الحديث (٢٢٣٩). ٣٥ باب ١٥ / ح ٢٠٧٠ كتاب البيوع الخاصِّ على العامّ، لأنَّ الكسب أعمُّ من أن يكون عملاً باليد أو بغيرها. وقد اختلف العلماءُ في أفضل المكاسب. قال الماوَرْدي: أُصول المكاسب الزِّراعة والتِّجارة والصَّنْعة، والأشبه بمذهب الشافعي أنَّ أطيَبَها التِّجارة، قال: والأرجَحُ عندي أنَّ أطيبَها الزّراعةُ، لأنها أقرَبُ إلى التوُّل. وتعقّبه النَّووي بحديث المِقِدام الذي في هذا الباب، وأنَّ الصوابَ أنَّ أَطيَبَ الكسبِ ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زَرّاعاً فهو أطيَبُ المكاسب لمَا يَشْتَمِلُ عليه من كونه عملَ اليد، ولمَا فيه من التوكُّل، ولمَا فيه من النَّفْعِ العامّ للآدمي وللدَّوابّ، ولأنَّه لا بُدَّ فيه في العادة أن يُؤْكَلَ منه بغير عِوَضٍ. قلت: وفوق ذلك من عمل اليد ما يُكتَسَبُ من أموال الكفّار بالجهاد، وهو مَكسَبُ النبيِ وَّهِ وأصحابه، وهو أشرَفُ المكاسبِ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وخِذْلان كلمة أعدائه والنَّفع الأخروي. قال: ومن لم يعمل بيدِه فالزّراعةُ في حقِّه أفضلُ لمَا ذكرنا. قلت: وهو مَبنيٌّ على ما بَحَثَ فيه من النَّفْعِ المتعَدّي، ولم ينحصر النَّفَعُ المتعَدّي في الزِّراعة، بل كلُّ ما يُعمَلُ باليد فنَفْعُه مُتَعدٍّ لمَا فيه من تَهيئة أسباب ما يحتاجُ الناسُ إليه. والحقّ أنَّ ذلك مُخْتَلِفُ المراتب، وقد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والعلم عند الله تعالى. قال ابن المنذر: إنَّما يَفضُلُ عملُ اليد سائرَ المكاسبِ إذا نَصَحَ العاملُ، كما جاء مُصرَّحاً به في حديث أبي هريرة (١). قلت: ومن شَرْطِهِ أن لا يَعتَقِدَ أنَّ الرِّزق من الكَسْب، بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومن فضل العمل باليد الشُّغْلُ بالأمر المباح عن البِطَالة واللهوِ، وكسرُ النَّفسِ بذلك، والتعقُّفُ عن ذِلّة السُّؤال والحاجة إلى الغير. ثُمَّ أورَدَ المصنِّف في الباب أحاديثَ، أوَّلها: في التِّجارة، والثاني: في الزّراعة، والثالث وما بعده: في الصَّنعة. (١) أخرجه أحمد (٨٤١٢)، ولفظه: ((خير الكسب كسبُ يد العامل إذا نصح))، وإسناده صحيح. ٣٦ باب ١٥ / ح ٢٠٧٠ فتح الباري بشرح البخاري الحديثُ الأوَّل: ٢٠٧٠ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الله، حدَّثني عليٌّ بنُ وهبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرَني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: لمَّ استُخلِفَ أبو بكرِ الصِّدِّيقُ قال: لقد عَلِمَ قومي أنَّ حِرْفَتي لم تكن تَعجِزُ عن مُؤْنَة أهلي، وشُغِلتُ بأمر المسلمينَ، فسيأكلُ أَلُّ أبي بكرٍ من هذا المال، وأَحتَرِفُ للمسلمينَ فيه. قوله: ((حدَّثني إسماعيلُ بن عبد الله)) هو ابن أبي أُوَيسٍ. قوله: ((لقد عَلِمَ قومي)) أي: قُرَيْشٌ والمسلمون. قوله: ((حِرِفَتي)) بكسر المهمَلة وسكون الراء بعدها فاءٌ، أي: جهة اكتسابي، والحِرفةُ جهة الاكتساب والتصرُّف في المعاش، وأشار بذلك إلى أنَّه كان كَسُوباً لمُؤنِتِهِ ومُؤنة عياله بالتِّجارة من غير عَجْز، تمهيداً على سبيل الاعتذار عمَّا يأخُذُه من مال المسلمين إذا احتاجَ إليه. قوله: ((وشُغِلتُ)) جُملةٌ حاليةٌ، أي: إنَّ القيام بأُمور الخلافة شَغَله عن الاحتراف، وقد روى ابن سعد (١٩٢/٣) وابن المنذر بإسناد صحيح عن مسروق عن عائشة قالت: لمَّا مَرِضَ أبو بكرٍ مَرَضَه الذي مات فيه، قال: انظُرُوا ما زادَ في مالي منذُ دَخَلْت الإمارةَ فابعَثُوا به إلى الخليفة بعدي. قالت: فلمَّا مات نظرنا، فإذا عبدٌ نُوبِيّ كان يَحمِل صِبيانه، وناضحٌ كان يَسقي بُستاناً له، فبَعَثنا بهما إلى عمر، فقال: رحمهُ الله على أبي بكرٍ، لقد أتعَبَ من بعده. وأخرج ابن سعد (١٩٢/٣) من طريق القاسم بن محمد عن عائشة نحوَه، وزاد: إنَّ الخادمَ كان صَيقَلاً يعملُ سُيوفَ المسلمين ويَخْدُمُ آلَ أبي بكرٍ، ومِن طريق ثابت عن أنس نحوه (١٩٢/٣-١٩٣)، وفيه: قد كنت حريصاً على أن أوَفَِّ مالَ المسلمين، وقد كنت أصَبت من اللَّحمِ واللَّبَنِ، وفيه: وما كان عنده دينارٌ ولا درهمٌ، ما كان إلَّا خادمٌ ولِقْحة ومِحْلَبٌ. قوله: ((آل أبي بكر)) أي: هو نفسه ومن تَلزَمُه نفقته. وقيل: أراد نفسه بدليل قوله: ٣٠٥/٤ أحتَرِف، حكاه الطِّيبي. / قال: ويدلُّ عليه نَسَقُ الكلام، لأنه أسنَدَ الاحترافَ إلى ضمير المتكلِّم عاطفاً له على: فسيأكل، فلو كان المرادُ الأهلَ لتَنَافَرَ، انتهى. ٣٧ باب ١٥ / ح ٢٠٧٠ كتاب البيوع وجَزَمَ البيضاوي بأنَّ قوله: آل أبي بكر، عُدولٌ عن المتكلِّم إلى الغَيْبة على طريق الالتفات، قال: وقيل: أراد نفسه، والأوَّل مُقحَمٌ لقوله: وأحتَرِف، وليس بشيءٍ، بل المعنى: إنّي كنت أكتَسِبُ لهم ما يأكلونَه، والآنَ أكْتَسِبُ للمسلمين، قال الطِّيي: فائدةُ الالتِفات أنَّه جَرَّدَ من نفسه شخصاً كَسوباً لمُؤنة الأهل بالتِّجارة، فامتَنَعَ لشُغْلِه بأمر المسلمين عن الاكتساب، وفيه إشعارٌ بالعِلّة وأنَّ من اتَّصَفَ بالشُّغْلِ المذكور حقيقٌ أن يأكل هو وعياله من بيت المال، وخَصَّ الأكل من بين الاحتياجات لكونِه أهمّها ومُعظَمَها. قال ابن التِّين: وفيه دليل على أنَّ للعامل أن يأخُذ من عَرَضِ المال الذي يعمل فيه قَدْر حاجته إذا لم يكن فوقه إمام يَقطَع له أُجرةً معلومةً. وسَبَقَه إلى ذلك الخطّابي، قلت: لكن في قصَّة أبي بكر أنَّ القَدْر الذي کان یتناوله فُرِضَ له باتفاقٍ من الصحابة، فروی ابن سعد (٣/ ١٨٤) بإسناد مُرسَلٍ رجاله ثقاتٌ، قال: لمَّ استُخلِفَ أبو بكر أصبَحَ غادياً إلى السُّوق على رأسه أثوابٌ يَنَّجِرُ بها، فَلَقِيَه عمر بن الخطّاب وأبو عبيدةَ بن الجرّاح فقالا: كيف تَصنَعُ هذا وقد وُلّيتَ أمرَ المسلمين؟! قال: فمِن أين أُطعِمُ عيالي؟ قالا: نَفْرِض لك، فَفَرَضوا له كلَّ يومٍ شطرَ شاةٍ. قوله: ((وأحتَرِف)) في رواية الكُتْمِيهني: ويَحَتَرِف. قال ابن الأثير: أراد باحترافه للمسلمين نظره في أُمورهم وتمييز مكاسبهم وأرزاقهم، وكذا قال البيضاوي: المعنى أكتَسِبُ للمسلمين في أموالهم بالسَّعي في مَصالحِهم ونَظْمِ أحوالهم. وقال غيرُه: يقال: احتَرَفَ الرجلُ: إذا جازى على خيرٍ أو شَرِّ. وقال المهلَّب: قوله: أحتَرِف لهم، أي: أنَِّر لهم في مالهم حتَّى يعودَ عليهم من رِبِحِه بقَدْر ما آكُلُ أو أكثر، وليس بواجبٍ على الإمام أن يَتَّجِر في مال المسلمين بقَدر مُؤنَته، إلّا أن يَطَّوَّعَ بذلك كما تَطَوَّعَ أبو بكر. قلت: والتوجيه الذي ذكره ابن الأثير أوجَهُ، لأنَّ أبا بكر بيَّن السبب في ترك الاحتراف وهو الاشتِغال بالإمارة، فمتى يَتفرَُّ للاحتراف لغيره؟ إذ لو كان يُمكِنُه الاحترافُ لاحتَرَفَ لنفسِه كما كان، إلَّا أن يُحِمَلَ على أنَّه كان يُعطي المالَ لمن يَتَّجِر فيه ويجعلُ رِبحَه للمسلمين، وقد روى الإسماعيلي في حديث الباب من طريق مَعمَر عن الزُّهْري: فلمَّا ٣٨ باب ١٥ / ح ٢٠٧١ فتح الباري بشرح البخاري استُخلِفَ عمرُ أكَلَ هو وأهلُه من المال - أي مال المسلمين - واحتَرَفَ في مال نفسِه. تنبيه: حديث أبي بكر هذا، وإن كان ظاهرُه الوَقْفَ، لكنَّه بما اقتضاه من أنَّه قبلَ أن يُستَخلَف كان يَحَتَرِف لتحصيل مُؤنة أهلِه يصير مرفوعاً، لأنه يصير كقول الصحابي: كنّا تفعلُ كذا على عهد النبي ◌َّ، وقد روى ابن ماجَهْ (٣٧١٩) وغيرُه من حديث أُمّ سَلَمة: أنَّ أبا بكر خرج تاجراً إلى بُصرى في عهد النبي ◌َِّ، وتقدَّم في حديث أبي هريرة في أوَّل البيوع (٢٠٤٧): إنَّ إخواني من المهاجرين كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، ويأتي حديثُ عائشة (٢٠٧١): أنَّ الصحابة كانوا عُمَالَ أَنفُسِهم، وهذا هو السِّرُّ في إيراد البخاري له عَقِبَ حديثها عن أبي بكر. الحديث الثاني: ٢٠٧١ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثني أبو الأسوَدِ، عن عُروةَ، قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان أصحابُ رسول الله وَّهِ عُمَالَ أَنْفُسِهم، فكانَ يكونُ لهم أرواحٌ، فِقِيلَ لهم: لوِ اغتَسَلتُم. رواه هَّامٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةً. قوله: ((حدَّثنا محمد، حذَّثنا عبد الله بن يزيد)) كذا ثبتَ في جميع الروايات إلَّا رواية أبي عليّ بن شَبّويه عن الفِرَبْري عن البخاري: حدَّثنا عبد الله بن يزيد، فمحمدٌ على هذا: هو المصنّف، وعبد الله بن يزيد: هو المُقرئُ، وقد أكثر عنه البخاري، وربَّما روى عنه بواسطةٍ، وسعيدٌ: هو ابن أبي أيوب، وأبو الأسوَد: هو النَّوفَلي المعروف بيتيمٍ عُرْوة، وجَزَمَ الحاكمُ بأنَّ محمداً هنا: هو الذُّهْلي. قوله: ((رواه هَّامٌ)) يعني: ابن يحيى ((عن هشام)) يعني: ابن عُرْوة. وهذا التعليق وَصَله أبو نُعيم في ((المستخرَجِ)) من طريق هُدْبةَ عنه بلفظ: كان القوم خُدّامَ أَنفُسِهم، وكانوا يروحونَ إلى الجمعة فأُمروا أن يَغتَسِلوا، وبهذا اللَّفظ رواه قُرَيشُ ابن أنس عن هشام عند ابن خُزَيمة (١٧٥٣) والبَزَّار، وقد تقدَّم هذا الحديث من وجه آخَرَ عن عُرْوة (٩٠٢)، ومن وجهٍ آخرَ عن عَمْرة (٩٠٣)، وتقدَّم شرحُه مُستوفَّى، والغرض منه هنا ٣٩ باب ١٥ / ح ٢٠٧٢ - ٢٠٧٣ كتاب البيوع قوله: كانوا عُمَالَ أَنفُسِهم. وقوله: ((يكون لهم أرواحٌ)) جمع ريحٍ، لأنَّ أصل ريح رَوٌْ بفتح الراءِ وسكون الواو، ٣٠٦/٤ ويقال في جمعِه أيضاً: أرباح، بقِلّةٍ. الحديث الثالث والرابع: ٢٠٧٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا عيسى بنُ يونسَ، عن ثَورٍ، عن خالد بنِ مَعْدانَ، عن الِقِدامِ ◌َُّه، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((ما أكَلَ أحدٌ طعاماً قَطُّ، خيراً من أن يأكلَ من عملِ يدِهِ، وإِنَّ نبيَّ الله داودَ عليه السلام كان يأكلُ من عملٍ يدِه)). ٢٠٧٣ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرنا مَعمٌَ، عن همَّامِ بنِ مُنِّهِ، حدَّثنا أبو هريرةَ، عن رسولِ الله ◌َّ: «أنَّ داود عليه السلام كان لا يأكلُ إلا من عملِ يدِه)). [طرفاه في: ٣٤١٧، ٤٧١٣] قوله: ((عن ثَورٍ)) هو ابن يزيدَ الشامي لا ابن زيدِ المدني. قوله: (عن المقدام)) هو ابن مَعْدي گَرِبَ الکِنْدي من صِغار الصحابة، مات سنة بضع وثمانين بحمص، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرَ في الأطعمة (٢١٢٨). قوله: ((ما أكَلَ أحدٌ)) زاد الإسماعيلي: ((من بني آدمَ)). قوله: ((طعاماً قَطُّ خيراً من أن يأكل من عملٍ يدِه)) في رواية الإسماعيلي: ((خيرٌ)) بالرفع وهو جائزٌ، وفي روايةٍ له: ((من كَدِّ يَدَيه))، والمراد بالخيرية: ما يَستَلِزِمُ العملَ باليد من الغِنى عن الناس. ولابن ماجَهْ من طريق بَحِير بن سعد عن خالد بن مَعْدانَ عنه: ((ما من کَسْب الرجلِ أطيَبُ(١) من عمل يَدَيه))، ولابن المنذر من هذا الوجه: ((ما أكَلَ رجلٌ طعاماً قَطُّ أحَلَّ من عمل يَدَيه))، وفي ((فوائد هشام بن عمّار)) عن بَقيَّة: حدَّثني بَحِير(٢) بن سعد بهذا (١) في (س): ((ما كسَبَ الرجلُ أطيبَ ... )) وهو الموافق لما جاء في ((سنن ابن ماجه)) بتحقيقنا (٢١٣٨)، والمثبت من الأصلين، موافقاً لما جاء في ((تحفة الأشراف)) (١١٥٦١)، و((نصب الراية)) ٤٨٣/٣ حيث ذکرا نصَ ابن ماجه كما ذكره الحافظ. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمر. ٤٠ باب ١٥ / ح ٢٠٧٤ فتح الباري بشرح البخاري الإسناد، مثل حديث الباب، وزاد: ((من باتَ كالَّا من عملِه، باتَ مغفوراً له))، وللنَّسائي (٤٤٤٩ و٤٤٥١) من حديث عائشة: ((إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرجل من كَسْبِهِ))، وفي الباب من حديث سعيد بن عُمَير عن عمِّه عند الحاكمِ (٢/ ١٠)، ومن حديث رافع بن خديج عند أحمد (١٧٢٦٥)، ومن حديث عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه عند أبي داود (٣٥٣٠)(١). قوله: ((وإنَّ داود ... )) إلى آخره، في رواية الإسماعيلي بحذف الواو، وفي روايته: ((من کسب یدِە». قوله: «لا يأكل إلّا من عملٍ يدِه)» هو صريحٌ في الحَضْر بخلاف الذي قبله، وحديث أبي هريرة هذا طرفٌ من حديثٍ سيأتي في ترجمة داود من أحاديث الأنبياءِ (٣٤١٧)، ووقع في ((المستدرك)) (٥٩٦/٢) عن ابن عبّاس بسندٍ واهٍ: «كان داودُ زَرّاداً، وكان آدمُ حَرّاثاً، وكان نوحٌ نَجّاراً، وكان إدريسُ خَيّاطاً، وكان موسى راعيا)). وفي الحديث فضل العمل باليد، وتقديم ما يُباشره الشّخص بنفسِه على ما يُباشره بغيره، والحِكمةُ في تخصيصٍ داود بالذِّكر أنَّ اقتصاره في أكلِه على ما يعملُه بيدِه لم يكن من الحاجة، لأنه كان خليفةً في الأرضِ كما قال الله تعالى(٢)، وإنَّما ابتغى الأكلَ من طريق الأفضل، ولهذا أورَدَ النبي ◌َِّ قِصَّتَه في مقام الاحتجاج بها على ما قَدَّمَه من أنَّ خيرَ الكسبِ عملُ اليد، وهذا بعد تقرير أنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا، ولا سيَّما إذا وَرَدَ في شَرْعِنا مَدحُه وتحسينُه مع عموم قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَ ثُهُمْ أَقْتَدِهُ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وفي الحديث أنَّ التكسُّب لا يَقدَح في التوكُّل، وأنَّ ذِكرَ الشيء بدليلِه أوقَعُ في نفسِ سامعِه. الحديث الخامس والسادس: ٢٠٧٤- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيِثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي ◌ُبيدٍ (١) وهو أيضاً عند أحمد (٦٦٧٨)، وابن ماجه (٢٢٩٢). (٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].