النص المفهرس

صفحات 1-20

فتح النَّى
بشرّع صِيُّح البُخَارِيّ
تأليفٌ
الِحَّامِ الْحَافِظِ شِئَّابِ الِّينِ أُحَ مِنْ عَلَيّ بْنِ حَرِ العَسِّقَلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاجَعه
شُعَيْبٌ الأهتُوُوَطَ عَادكٌ مِّشْد
شارك في تخريج نصوصه
حقّق هَذّا الجزُوِ وضّجَهُ وعَلَّ عَلَيْ
◌ْيُ التحية
محمّ كَائِل قره بلكيّ
الجزءُالسَّائع
الرسالة العالمية

....... .... .

فَبُ النََّرِي
بشرّع صِحِيُّح البُخَارِيّ
٧

جميع الحقوق محفوظَة لِلنَّاخِرْ
الطبعَة الأولىُ
١٤٣٤ ھـ -٢٠١٣م
دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@rosalabonline.com
http://www.resalsbonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460

٥
كتاب البيوع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب البيوع
٢٨٧/٤
وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقوله: ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتابُ البيوع. وقولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
اُلَِّوْ﴾، وقولِه: ﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ))) كذا للأكثر، ولم یذكُر
النَّسَّفي ولا أبو ذرِّ الآيتين. والبيوعُ: جمعُ بيعٍ، وجُمِعَ لاختلاف أنواعه، والبيعُ: نَقُلُ مِلكٍ
إلى الغير بثمنٍ، والشِّراءُ قَبُولُه، ويُطلَقُ كلٍّ منهما على الآخر.
وأجمع المسلمونَ على جواز البيع والحِكمةُ تقتضيه، لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد
صاحبه غالباً وصاحبُه قد لا يَبذُلُه له، ففي تشريع البيعِ وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حَرَج.
والآية الأُولى أصل في جواز البيع، وللعلماءِ فيها أقوال أصحّها: أنَّه عامٌّ مخصوص، فإنَّ
اللَّفظ لفظ عموم يتناول كلَّ بيع فيقتضي إباحةَ الجميع، لكن قد مَنَعَ الشارع بیوعاً أُخرى
وحَرَّمَها، فهو عامٌّ في الإباحة مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعِه، وقيل: عامّ أُرِيدَ به
الخصوص، وقيل: مُجُمَلٌ بَيَّتْهِ السُّنّة، وكلُّ هذه الأقوال تقتضي أنَّ المفرَد المحَلَّ بالألفِ
واللَّامِ يَعُمّ، والقول الرابع: أنَّ اللَّام في البيع للعهد، وأنَّهَا نزلت بعد أن أباحَ الشَّرعُ بيوعاً
وحَرَّمَ بيوعاً، فأُريدَ بقوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾ أي: الذي أحَلَّه الشَّرعُ من قبلُ، ومباحث
الشافعي وغيره تدلُّ على أنَّ البيوع الفاسدة تُسمَّى بيعاً وإن كانت لا يقعُ بها الحِنثُ لبناءِ
الأيمان على العُرفِ.
والآية الأُخرى تدلُّ على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وأوَّلها في البيوع المؤجّلة.

٦
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
١ - باب ما جاء في قولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ
فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة
وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ
مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
قوله: ((باب ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ
٢٨٨/٤
وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ إلى آخر السورة [الجمعة: ١٠-١١])) كذا لأبي ذر، وللنَّسَفي: ((الآيتين)»،
أي: إلى آخر الآيتين، وساق في رواية كَرِيمة الآيتين بتمامهما.
قوله: ((وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً عَن
تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾)) والآية الأولى يُؤْخَذ منها مشروعيَّة البيع من طريق عموم ابتغاءِ الفضل،
لأنه يَشمَلُ التجارة وأنواعَ التكسب.
واختلف في الأمر المذكور، فالأكثر على أنَّه للإباحة، ونُكتتُها مخالفةُ أهل الكتاب في
٢٨٩/٤ منع ذلك يومَ السبت، فلم يُظَر ذلك على المسلمين. / وقال الدَّاووديُّ الشارح: هو على
الإباحة لمن له كَفافٌ ولمن لا يُطِيق التكسُّب، وعلى الوجوب للقادر الذي لا شيءَ عنده
لئلّا يحتاج إلى السؤال، وهو محرَّمٌ عليه مع القُدْرة على التكسب. وسيأتي بقيَّة تفسير الآيتين
في تفسیر الجمعة (٤٨٩٩).
وأغرَبَ بعضُ الشراح فقال: إنَّ الآيات المذكورة ظاهرةٌ في إباحة التجارة إلا الأخيرة،
فهي إلى النَّهى عنها أقرب، يعني قوله: ﴿ وَ إِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّ ﴾ إلى آخره، ثمَّ أجاب بأنَّ
التجارة المذكورة مقيّدة بالصِّفة المذكورة، فمن ثَمَّ أُشيرَ إلى ذَمّها، فلو خَلَت عن المُعارِض
لم تُذَمَّ. والذي يظهر أن مرادَ البخاري بهذه الترجمة قوله: ﴿ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، وأمَّا
ذكرُ التجارة فيها فقد أفردَه بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب(١)، والآية الثانية فيها تقييدُ التجارة
المباحة بالتراضي.
(١) في ((باب الخروج في التجارة)).

٧
باب ١ / ح ٢٠٤٧
كتاب البيوع
وقوله: ﴿أَمْوَلَكُمْ﴾ أي: مال كلِّ إنسان لا يَصِرِفُه في محرَّم، أو المعنى: لا يأخذ بعضُكم
مالَ بعض.
وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ﴾ الاستثناءُ منقطع اتفاقاً، والتقدير: لا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل، لكن إن حَصَلت بینکم تجارةٌ وتراضیتم بها فليس بباطلٍ، وروى أبو داود(١) من
حديث أبي سعيدٍ مرفوعاً: ((إنَّما البيعُ عن تَراضٍ»، وهو طرفٌ من حديث طويل، وروى
الطَّبري (٣٤/٥) من مُرسَل أبي قلابة: أن النبيَّ وَّه قال: ((لا يتفرقَنّ بيِّعان إلَّا عن رِضاً»،
ورجاله ثقات، ومن طريق أبي زُرعة بن عمرو: أنه کان إذا بایعَ رجلاً يقول له: خيِّرني، ثم
يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله وَلّ: ((لا يَفترِق اثنان - يعني في البيع - إلَّا عن رِضاً))،
وأخرجه أبو داود أيضاً (٣٤٥٨)، وسيأتي الكلامُ في الخيار قريباً (٢١١٠) إن شاء الله تعالى،
ومن طريق سعيدٍ عن قَتَادة (٣٢/٥): أنَّه تلا هذه الآيةَ فقال: التِّجارةُ رِزقٌ من رِزق الله
لمن طلبها بصِدْقها.
ثم ذكر البخاريُّ في الباب أربعةَ أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة.
٢٠٤٧- حدَّثْنا أبو اليَمَان، قال: حدَّثنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ
المسيّبٍ وأبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: إِنَّكُم تقولونَ: إِنَّ أبا هريرةَ يُكثِرُ
الحديثَ عن رسولِ الله وَّهِ، وتقولونَ: ما بالُ المهاجِرِينَ والأنصارِ لا يُحدِّثونَ عن رسولِ الله
وَّ بِمِثْل حديثٍ أبي هريرةَ؟ وإنَّ إخوَني مِن المهاجِرِينَ كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ،
وكنتُ ألزَمُ رسولَ اللهِوَّهِ على مِلءٍ بَطْنِي، فَأشهَدُ إذا غابوا، وأحفَظُ إذا نَسوا، وكان يَشغَلُ
إخوَتي مِن الأنصار عملُ أموالهم، وكنتُ امرَأَ مِسكِيناً من مساكِينِ الصُّفّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَونَ،
وقد قال رسولُ اللهِ وَّه في حديثٍ يُحدِّثُه: ((إنَّه لن يَبْسُطَ أحدٌ ثوبَه حتَّى أقضِيَ مَقَالتي هذه، ثمَّ
يَجِمَعَ إليه ثوبَه إلا وَعَى ما أقول))، فَبَسَطتُّ نَمِرةً عليَّ حتَّى إذا قَضَى رسولُ اللهِِّ مِقالتَه
جَمَعتُها إلى صدري، فما نَسِيتُ من مقالةِ رسولِ الله وَّ تلكَ من شيءٍ.
(١) بل هو عند ابن ماجه (٢١٨٥)، وانظر (تحفة الأشراف)) (٤٠٧٦).

٨
باب ١ / ح ٢٠٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو سَلَمة)) كذا في رواية شعيب، وقد تقدَّم في أواخر
كتاب العلم (١١٨) من طريق مالك عن الزُّهْري فقال: عن الأعرج، وهو صحيح عن
الزّهْري عن كلّ منهم، وطريقه عن الأعرَج مُختصَرة، وسيأتي في الاعتصام (٧٣٥٤) من
طريق سفيان عن الزّهْري أتمَّ منه، وقد تقدَّمت مباحث الحديث هناك.
والمقصود منه قول أبي هريرة: إنَّ إخوتي من المهاجرين كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق،
والصَّفق بفتح المهمَلة، ووقع في رواية القابسي بالسّين، وسكون الفاء بعدها قافٌ، والمراد
به: التبائع، وسُمّيت البيعةُ صَفقةً لأنهم اعتادوا عند لُزوم البيع ضربَ كَفِّ أحدهما بكَفِّ
الآخر، إشارةً إلى أنَّ الأملاكَ تُضاف إلى الأيدي، فكأنَّ يَدَ كلّ واحد استقرَّت على ما صار
له. ووجه الدلالة منه وقوع ذلك في زمن النبي ◌َّلّ واطلاعه علیه وتقريره له.
قوله: ((على مِلءِ بطني)) أي: مُقتَيِعاً بالقوتِ، أي: فلم تكن له غَيبةٌ عنه.
قوله: (نَمِرة)) بفتح النّون وكسر الميم، أي: كِساء مُلَوَّناً. وقال ثَعلبٌّ: هي ثوبٌ مُخَطَّطٌ،
وقال القَزّاز: دُرّاعة تُلبَسُ فيها سوادٌ وبَياضٌ. وقد تقدَّمت بقية مباحثه في أواخر كتاب
العلم، لأنه ساق هذا الكلام الأخير هناك من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة، ويأتي شيءٌ من
ذلك في كتاب الاعتصام.
٢٠٤٨ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ عبد الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال:
قال عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ ﴾: لمَّا قَدِمنا المدينةَ آخَى رسولُ اللهِ وَلَ بيني وبينَ سعد بنِ
الرَّبِيعِ، فقال سعدُ بنُّ الرَّبِيعِ: إنّ أكثرُ الأنصار مالاً، فأقسِمُ لكَ نِصفَ ماليٍ وانظُر أيَّ زوجتَيَّ
هَوِيتَ نزلتُ لكَ عنها، فإذا حَلَّت تَزَوَّجتَها، قال: فقال له عبدُ الرحمن: لا حاجةَ لي في ذلك،
هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟ قال: سوقُ قَينُقاع، قال: فَغَدا إليه عبدُ الرحمن فأتى بأقِطِ وسَمنٍ،
قال: ثمَّ تابَعَ الغُدوَّ، فما لَبِثَ أن جاء عبدُ الرحمن عليه أثرُ صُفرةٍ، فقال رسولُ الله ◌ِّه:
(تَزَوَّجتَ؟)) قال: نعم قال: ((ومَن؟)) قال: امرأةً مِن الأنصار، قال: ((كَم سُقتَ؟)) قال: زِنةَ
نَواةٍ من ذهبٍ - أو نَواةً من ذهبٍ - فقال له النبيُّ ◌َّ: ((أَوْلِمْ ولو بشاةٍ)).
[طرفه في: ٣٧٨٠]

٩
باب ١ / ح ٢٠٤٩
كتاب البيوع
الحديث الثاني: حديث عبد الرَّحمن بن عوف.
قوله: ((عن جَدِّهِ)) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ.
قوله: ((قال: قال عبد الرحمن بن عَوْف)) في رواية أبي نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق
يحيى الحِمّاني عن إبراهيم بن سعد بسنده، عن عبد الرحمن بن عَوْف فهو من مُسنَد عبد
الرحمن، وقد أخرجه المصنِّفُ في فضائل الأنصار (٣٧٨٠) عن إسماعيل بن عبد الله - وهو
ابن أبي أُوَيسٍ - عن إبراهيم بن سعد فقال: عن أبيه عن جدِّه قال: لمَّا قَدِموا المدينة
آخى ... إلى آخره، فهو من هذه الطَّريق مُرسَل، وقد تَبيَّن بالطَّريق التي في هذا الباب أنَّه
موصول.
قوله: ((آخى)) تقدَّم في الصيام (١٩٦٨) بيان وقت المؤاخاة في قصَّة سلمان وأبي الدَّرداء.
قوله: ((سعد بن الرَّبيع)) سأذكر ترجمته في فضائل الأنصار (٣٧٨٠).
٢٩٠/٤
قوله: ((نزلتُ لك عنها) أي: طَلَّقتُها لأجلك، و((حَلَّت)) أي: انقَضَت عِدَّتُها. وسيأتي
الكلام على هذا الحديث مُستوقَ في الوليمة من كتاب النكاح (٥١٦٧) إن شاء الله تعالى.
قال ابن التِّين: كان هذا القولُ من سعدٍ قبلَ أن يَسأل النبيُّ نَِّ الأنصار أن يَكْفُوا
المهاجرين العملَ ويُعطوهم نصفَ الثَّمَرة.
قوله: ((قَينُقاع)) بفتح القاف وسكون التحتانية وضمِّ النّون بعدَها قافٌ: قبيلةٌ من
اليهود نُسِبَ السُّوق إليهم، وذكر ابن التِّين أنَّه ضُبِطَ (قَينِقاع)) بكسر النّون في أكثر نُسَخِ
القابسي، وهو صوابٌ أيضاً، وقد حُكيَ فتحُها أيضاً، ويجوز(١) صَرْفُ فَينقاع على إرادة
الحيّ، وتركُه على إرادة القبيلة.
قوله: ((تابَعَ الغُدوّ)) أي: داوَمَ الذَّهابَ إلى السوق للتِّجارة.
٢٠٤٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زهيرٌ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ ﴾، قال: قَدِمَ
عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ المدينةَ، فَآخَى النبيُّ ◌َّ بينَه وبينَ سعد بنِ الرَّبِيعِ الأنصاريِّ، وكان سعدٌ
(١) قوله: ((ويجوز)) سقط من (س).

١٠
باب ١ / ح ٢٠٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
ذا غِنَّى، فقال لعبد الرحمن: أُقاسمُكَ مالٍ نِصِفَينٍ، وأُزَوِّجُكَ، قال: بارَكَ الله لكَ في أهلِكَ
ومالِكَ، دُلّوني على السُّوقِ، فما رَجَعَ حتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطاً وسَمْناً، فأتى به أهلَ مَنزِلِه، فمَكَثنا
يَسِيراً أو ما شاءَ الله، فجاء وعليه وَضَرٌ من صُفرةٍ، فقال له النبيُّ ◌َِّ: ((مَهِيَمْ)) قال: يا
رسولَ الله، تَزَوَّجتُ امرأةً مِن الأنصار، قال: ((ما سُقتَ إليها؟)) قال: نَواةً من ذهبٍ - أو وزنَ
نَواةٍ من ذهبٍ - قال: «أولِمْ ولو بشاةٍ).
[أطرافه في: ٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦]
الحديث الثالث: حديث أنس في قصَّة عبد الرحمن بن عَوْف المذكورة. قد أورَدَه
المصنّفُ من طرق عن حُميدٍ وعن ثابت وعن عبد العزيز بن صُهَيبٍ، كلَّهم عن أنس،
وليس في شيء منها أنَّ أنساً حَمَله عن عبد الرحمن، إلَّا ما وقع في رواية لمسلم (١٤٢٧/ ٨٢)
وللنَّسائي (٣٣٥٢) عن طريق عبد العزيز عن أنسٍ فقال: عن(١) عبد الرحمن بن عَوْف قال:
رآني رسول الله ونَ﴾﴿ وعليَّ، فذكر الحديث. ووقع عند الدَّارَ قُطني(٢) من طريق مالك عن
مُميدٍ عن أنس عن عبد الرحمن بن عَوْف أيضاً، وذكر أنَّ روحَ بنَ عُبادةَ تفرَّد به عن مالك،
والمحفوظ عنه كما رواه الجماعة، وسيأتي الكلامُ على حديث أنس، وبيان فوائد طرقه
واختلافها في الوليمة (٥١٦٧) إن شاء الله تعالى.
والغرض من إيراد هذين الحديثين اشتِغالُ بعضِ الصحابة بالتِّجارة في زَمَن النبي ◌َّ
وتقريره على ذلك، وفيه أنَّ الكسبَ من التِّجارة ونحوها أولى من الكسب من الهبة ونحوها.
٢٠٥٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا سفيانُ، عن عَمٍو، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما، قال: كانت عُكاظٌ ونَجَنّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهليّةِ، فلمَّا كان الإسلامُ فكَأنَّهم
تأَثَّموا فيه فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة:
١٩٨] في مَواسمِ الحجّ. قرأَها ابنُ عبَّاسٍ.
الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في ذكر أسواق الجاهلية وتقريرها في الإسلام، وقد
(١) لفظه عندهما: سمعت أنساً يقول: قال عبد الرحمن ... إلى آخره، وليس كما ذكر.
(٢) لم نقف عليه عند الدار قطني، وهو عند البزار أيضاً برقم (١٠٠٤).

١١
باب ٢ / ح ٢٠٥١
كتاب البيوع
تقدَّم الكلامُ عليه في أثناء كتاب الحجِّ (١٧٧٠).
وقوله فيه: «فلمَّا كان(١) الإسلام)) أي: وجاء الإسلام، فـ((كان)) هنا تامّةٌ، و((تأَّموا)) أي:
طَرَحوا الإثم، والمعنى تَرَكوا التِّجارةَ في الحج حَذَراً من الإثم، وقراءة ابن عبّاس: ((في
مَواسمِ الحج)) معدودةٌ من الشاذِّ الذي صَحَّ إسنادُه، وهو حُجّةٌ، وليس بقرآنٍ.
٢ - بابٌ الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما مُشبَّهات
٢٠٥١ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن الشَّعْبِيّ، قال:
سمعتُ التُّعمانَ بِنَ بَشِيرٍ ﴾ يقول: سمعتُ النبيَّ ◌ِلِ﴾.
وحدَّثنا عليُّ بنُ عبد الله، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا أبو فَرْوةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: سمعتُ
النُّعمانَ بنَ بشيٍ، عنِ النبيِّ ◌َّ.
وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن أبي فَرْوةَ، قال: سمعتُ الشَّعْبِيَّ سمعتُ
التُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّهِ.
حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن أبي فَرْوةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن النَّعمان بنِ بَشِيرٍ ظـ
عَبْه
قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((الحلالُ بيِّنٌّ والحرامُ بيِّنٌ، وبينَهما أُمورٌ مُشتبِهَةٌ، فمَن تَرَكَ ما شُبِّهَ عليه مِن
الإثمِ كان لمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، ومَنِ اجتَرَأْ على ما يشكُّ فيه مِن الإثم أوشَكَ أن يواقِعَ مَا اسْتَبَانَ،
والمعاصي حِمَى الله، مَن يَرتَعْ حولَ الحِمَّى يُوشِكُ أن يُواقِعَه)).
قوله: ((باب الحلال بيِّنٌّ والحرامُ بيِّنٌ وبينهما مُشَبَّهات(٢)) ذکر فیه حديث التُّعمان بن بشير
بلفظ الترجمة وزيادة،/ فأورَدَه من طريقَين عن الشَّعْبي عنه، والثانية من طريقَين عن أبي ٢٩١/٤
فَرْوةَ عن الشَّعْبي. فأورَدَه أوّلاً من طريق عبد الله بن عَوْن عن الشَّعْبي، ثمَّ من طريق ابن
عُيَينَةَ عن أبي فَرْوة عن الشَّعْبي، صَرَّحَ تارةً بالتحديث لابن عُبَينَةَ عن أبي فَرْوة، وثانياً
(١) في (أ) و(ع) و(س): ((فلما وكان)) بالواو، ولا معنى لها.
(٢) وقع في الأصلين و(س): مشتبهات، والظاهر أنه تحريف من النُّسَّاخ، لأن هذه الترجمة هي نصُّ الحديث
السالف عند البخاري برقم (٥٢)، وذكر الحافظ هناك أن الرواية فيه عند غير الأصيلي: مشبّهات، بوزن
مفعَّلات، بتشديد العين المفتوحة، ويؤيد ذلك هنا اتفاقُ رواه البخاري في نص الترجمة على قوله:
مُشَبَّهات، حسب ما في اليونينية والقسطلاني.

١٢
باب ٢ / ح ٢٠٥١
فتح الباري بشرح البخاري
بالتصريحِ بسماع أبي فَرْوة من الشَّعْبي.
وقد أخرجه الحميدي في ((مسنده)) (٩١٨) عن ابن عُبينة، فصرَّح فيه بتحديث أبي فَرْوة
له، وبسماع أبي فَرْوة من الشعبي، وبسماع الشَّعْبي من النُّعمان على المِنْبَرَ، ويسماع النُّعمان من
رسول الله وَالچي
ثمَّ ساقه المصنِّف من طريق سفيان - وهو الثَّوري - عن أبي فَرْوة، وساقه على لفظه كما
صَرَّحَ بذلك أبو نُعيم في (المستخرَج))(١).
وأمَّا لفظ ابن عُبَينةَ فقد أخرجه ابن خُزَيمة في ((صحيحه))(٢)، والإسماعيلي من طريقه
ولفظه: ((حلالٌ بِيِّنٌّ وحرامٌ بَيِّنٌ، ومُشتَبهاتٌ بين ذلك)) فذكره وفي آخره: ((ولكلِّ مَلِكٍ حِى،
وحِمی الله في الأرض معاصیه)).
وأمَّا لفظ ابن عَوْن فأخرجه أبو داود (٣٣٢٩) والنَّسائي (٤٤٥٣) وغيرهما بلفظ: ((إنَّ
الحلال بيِّ وإنَّ الحرام بيِّن وبينهما أُمور مُشتَبهات - وأحياناً يقول: مُشتبِهةٌ - وسأضرِبُ
لكم في ذلك مثلاً: إنَّ الله ◌َى حِى، وإنَّ حِى الله ما حَرَّم، وإنَّه من يَرْعَ حولَ الحِمى
يُوشِكُ أن يُخْالطَه، وإنَّه من يُخالطُ الرِّيبةَ يُوشِكُ أن يَجِسُرَ )). وأبو فَرْوة المذكور هو الأكبر،
واسمه عُرْوة بن الحارث الهَمْداني الكوفي، ولهم أبو فَرْوة الأصغَر الجُهَني الكوفي، واسمه
مسلم بن سالمٍ، ما له في البخاري سوى حديثٍ واحدٍ في أحاديث الأنبياءِ (٣٣٧٠).
قوله: ((قال النبي ◌َّ)) في الرواية الأولى: سمعت النبي وَالَّ، وقد قدَّمت في الإيمان (٥٢)
الردّ على من نَفى سماعه من النبي ◌َّ.
قوله: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن ... )) إلى آخره، فيه تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو
صحيح، لأنَّ الشيء إمَّا أن يُنَصَّ على طلبِه مع الوعيد على تركِه، أو يُنصَّ على تركِه مع
(١) وكذلك رواه أحمد (١٨٤١٨) عن مؤمّل، عن سفيان الثوري، بهذا اللفظ.
(٢) لم نقف عليه في المطبوع منه، ولم ينسبه إليه الحافظ في ((الإتحاف)) (١٧٠٩٧)، فالله أعلم، وهو باللفظ
المذكور عن ابن عيينة عند أحمد في ((مسنده)) (١٨٣٨٤)، والحميدي (٩١٨)، وأبي عوانة (٥٤٦٦)،
وغيرهم، لكن جاء عندهم جميعاً: ((وشُبُهات بين ذلك)).

١٣
باب ٣
كتاب البيوع
الوعيد على فعلِه، أو لا يُنَصّ على واحدٍ منهما، فالأوَّل: الحلال البيِّن، والثاني: الحرام البيِّن.
فمعنى قوله: ((الحلال بيِّن) أي: لا يُحتاجُ إلى بيانه ويشتِك في معرفته كلُّ أحدٍ، والثالثُ
مُشتبِهٌ لخفائه فلا يُدرى هل هو حلال أو حرام؟ وما كان هذا سبيلَه ينبغي اجتنابُه لأنه إن
كان في نفسِ الأمر حراماً فقد بَرِئَ من تَبِعَتها، وإن كان حلالاً فقد أُجِرَ على تركها بهذا
القصد، لأنَّ الأصلَ في الأشياءِ مُخْتَلَفٌ فيه حَظْراً وإباحةً، والأوَّلان قد يَرِدان جميعاً، فإن
عُلِمَ المتأخِّرُ منهما وإلّا فهو من حَيِّزِ القِسْم الثالث، وسأذكر ما فُسِّرَت به الشُّبهة بعد هذا
الباب، والمراد أنَّهَا مُشتبِهٌ على بعض الناس بدليل قوله عليه السلام: ((لا يعلمُها كثيرٌ من
الناس))، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك وعلى هذا الحديث مُستوفَى (٥٢) في ((باب فضل من
استبرأ لِدِينِهِ وعِرْضِه)) من كتاب الإيمان، وقد توارَدَ أكثرُ الأئمّة المخرِّ جین له علی إیراده في
كتاب البيوع، لأنَّ الشُّبهةَ في المعاملات تَقَعُ فيها كثيراً، وله تَعلَّقُّ أيضاً بالنكاح وبالصَّيد
والذَّبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك ممّا لا يخفى، والله المستعان.
وفيه دليلٌ على جواز الْجَرْحِ والتعديلِ، قاله البَغَوي في ((شرح السُّنّة)). واستَنْبَطَ منه
بعضُهم مَنْعَ إطلاق الحلال والحرام على ما لا نَصَّ فيه، لأنه من ◌ُملة ما لم يَستَبِنْ، لكنَّ
قوله ◌َّ: ((لا يعلمُها كثيرٌ من الناس)» يُشعِرُ بأنَّ منهم من يعلمُها.
وقوله في هذه الطَّريق ((استَبَانَ)) أي: ظَهَرَ تحریمُه.
وقوله: ((أوشَكَ)) أي: قَرُبَ، لأنَّ مُتَعاطي الشُّبُهات قد يُصادفُ الحرام وإن لم يتعمَّدْه،
أو يقعُ فيه لاعتياده التساهلَ.
٣- باب تفسير المشبّهات
وقال حسَّانُ بنُ أبي ◌ِنانٍ: ما رأيتُ شيئاً أهوَنَ مِن الوَرَعِ، دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ.
قوله: ((باب تفسير المشبَّهات)) بتشديد الموحَّدة، وللنَّسَفي بضمَّتَين مُحُفَّفاً بغير ميم، ولابن ٢٩٢/٤
عساكرَ بضمِّ الميم وزيادة تاءٍ لمَا تقدَّم في حديث النُّعمان بن بشيرِ (٥٢): ((إنَّ الشُّبُهات لا
يعلمُها كثيرٌ من الناس)»، واقتضى ذلك أنَّ بعضَ العلماء يعلمُها.

١٤
باب ٣
فتح الباري بشرح البخاري
أراد المصنّف أن يُعرِّفَ الطَّريقَ إلى معرفتها لتُجتَنَبَ، فذكر أوَّلاً ما يَضِطُها، ثمَّ أورَدَ
أحاديثَ يُؤْخَذُ منها مراتبُ ما يجبُ اجتنابُه منها، ثمَّ ثنَّى ببابٍ فيه بيانُ ما يُستَحَبُّ منها،
ثمَّ ثَلَّثَ ببابٍ فيه بيان ما يُكرَه.
وشرحُ ذلك: أنَّ الشيء إمّا أن يكون أصلُه التحريمَ، أو الإباحةَ، أو يُشَكُّ فيه، فالأوَّل:
كالصَّيد، فإنَّه يَحِرُمُ أكلُه قبل ذَكاته، فإذا شَكَّ فيها لم يَزُل عن (١) التحريم إلَّا بيقينٍ، وإليه
الإشارةُ بحديث عدي بن حاتمٍ، والثاني: كالطَّهارة إذا حَصَلَت لا تُرفَعُ إلَّا بيقين الحَدَثِ،
وإليه الإشارةُ بحديث عبد الله بن زيد في الباب الثالث (٢٠٥٦)، ومن أمثلته من له زوجةٌ
وعبدٌ(٢) وشَكَّ هل طَلَّقَ أو أعتقَ فلا عِبرةَ بذلك وهما على مِلكِهِ، والثالثُ: ما لا يتحقَّقُ
أصلُه ويتردّدُ بين الحَظْرِ والإباحة، فالأَولى تركُه، وإليه الإشارةُ بحديث التمرة الساقطة في
الباب الثاني.
قوله: ((وقال حسّان بن أبي سِنانٍ» هو البصري أحد العُبّاد في زمن التابعين، وليس له في
البخاري سوى هذا الموضع، وقد وَصَله أحمد في ((الزُّهد)(٣)، وأبو نُعيم في ((الحِلْية)) (١١٦/٣)
عنه بلفظ: ((إذا شَكَكتَ في شيءٍ فاترُكْه)»، ولأبي نُعيم (١١٦/٣) من وجهٍ آخرَ: اجتمع
٢٩٣/٤ يونس بن عُبيد وحسَّان بن أبي سِنان فقال يونس: / ما عالجتُ شيئاً أشدَّ عليَّ من الوَرَع، فقال
حسّانُ: ما عالجت شيئاً أهوَنَ عليَّ منه، قال: كيف؟ قال حسَّان: تَرَكت ما يَرِيبُي إلى ما لا
يَرِيبُني فاستَرَحتُ. قال بعض العلماء: تكلَّمَ حسَّان على قَدْر مقامه، والتركُ الذي أشار إليه
أشدُّ على كثيرٍ من الناس من تحمُّل كثيرٍ من المشاقِّ الفعلية.
وقد وَرَدَ قوله: ((دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك)) مرفوعاً، أخرجه التِّرمِذي (٢٥١٨)،
(١) تحرف في الأصلين إلى: على، والتصويب من (س)، كما في ((شرح البخاري)) لابن بطال ١٩٦/٦ عند
شرح أحاديث هذا الباب.
(٢) تحرف في الأصلين إلى: أو عبد، والمثبت من (س) على الصواب، لأنه يريد اجتماع العبد والزوجة كليهما
عند الرجل، مع الشك في إعتاق هذا أو طلاق هذه، ويدل عليه قوله: وهما على ملكه.
(٣) لم نقف عليه في كتابه ((الزهد))، لكن رواها عنه أبو بكر المُّوذي في ((الورع)) (٢٢٤).

١٥
باب ٣ / ح ٢٠٥٢ - ٢٠٥٤
كتاب البيوع
والنَّسائي (٥٧١١)، وأحمد (١٧٢٣)، وابن حِبَّان (٧٢٢)، والحاكمُ (١٣/٢)، من حديث
الحسن بن علي. وفي الباب عن أنس عند أحمد (١٢٠٩٩)، ومن حديث ابن عمر عند
الطبراني في ((الصغير)) (٣٢ و٢٨٤)، ومن حديث أبي هريرة وواثلةَ بن الأسقَع(١)، ومن قول
ابن عمر(٢) أيضاً وابن مسعود (٣) وغيرهما.
قوله: ((يَرِيبُك)) بفتح أوَّله ويجوزُ الضمُّ، يقال: رابَهُ يَرِيبُهُ بالفتحِ، وأرابَهُ يُرِيبُه بالضمِّ
من الرِّيبة: وهي الشكُّ والتردُّد، والمعنى: إذا شَكَكتَ في شيء فدَعْه، وتركُ ما يُشَكُّ فيه
أصلٌ عظيمٌ في الوَرَع، وقد روى التِّرمِذي (٢٤٥١) من حديث عطيّة السَّعْدي مرفوعاً:
((لا يَبلُغُ العبدُ أن يكون من المتَّقين حتَّى يَدَعَ ما لا بأسَ به حَذَراً ممّا به البأسُ))، وقد
تقدَّمت الإشارةُ إليه في كتاب الإيمان (٤).
قال الخطَّابي: كلُّ ما شَكَكتَ فيه فالوَرَعُ اجتنابُه. ثمَّ هو على ثلاثة أقسام: واجبٌ
ومُستَحَبٌّ ومكروهٌ، فالواجب: اجتناب ما يستلزم(٥) ارتكابُ المحرَّم، والمندوبُ: اجتناب
مُعامَلة مَن أكثرُ ماله حرامٌ، والمكروه: اجتنابُ الرُّخَصِ المشروعة على سبيل التنطَّع.
٢٠٥٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، أخبرنا عبدُ الله بنُ عبد الرحمن بنِ أبي
حسينٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي مُلَيكةَ، عن عُقبةَ بنِ الحارثِ : أنَّ امرأةً سوداءَ جاءت،
فَزَعَمَت أنَّها أرضَعَتْهما، فَذَكَرَ للنبيِّ وَّهِ فَأعرَضَ عنه وتَبَسَّمَ النبيُّ نَّه قال: «كيفَ وقد
قيلَ؟)). وقد كانت تحته ابنةُ أبي إهَابِ التَّمِيميّ.
٢٠٥٣- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن
عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان عُتْبةُ بنُ أبي وَقّاصٍ عَهِدَ إلى أخيه سعد بنِ أبي وَّاصٍ، أنَّ ابنَ
(١) حديث واثلة عند الطبراني في ((الكبير)) ٢٢/ (١٩٣)، أما حديث أبي هريرة فلم نقف عليه في المصادر التي
بین أیدینا.
(٢) أخرجه من قول ابن عمر أحمدُ في ((الزهد)) ص ١٩٢.
(٣) أخرجه من قول ابن مسعود النسائىُّ (٥٣٩٧).
(٤) في شرح الباب الأول من كتاب الإيمان.
(٥) تحرف في (س) إلى: يستلزمه.

١٦
باب ٣ / ح ٢٠٥٢ - ٢٠٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
وَلِيدةِ زَمْعَةَ منّي فاقِضْهُ، قالت: فلمَّا كان عامَ الفتحِ أخذَه سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ وقال:
ابنُ أخي قد عَهِدَ إليَّ فيه، فقامَ عبدُ بنُ زَمْعةً فقال: أخي وابنُ وَليدةِ أبي، وُلِدَ على فراشِه،
فَتَساوَقَا إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، ابنُ أخي، كان قد عَهِدَ إليَّ فيه، فقال
عبدُ بنُ زَمْعةَ: أخي وابنُ وَلِيدَةٍ أَبِي، وُلِدَ على فراشِه، فقال النبيُّ ◌َّ: ((هو لكَ يا عبدَ بنَ
زَمْعَةَ))، ثمَّ قال النبيُّ وََّ: ((الولدُ للفراش، وللعاهِرِ الحجرُ))، ثمَّ قال لسَوْدةَ بنتِ زَمْعةَ زوجِ النبيِّ
وَّ: ((احتَجِبِي منه يا سَوْدةُ))، لمَا رأى من شَبَهِه بعُتْبةَ، فما رآها حتَّى لَقِيَ اللهَ.
[أطرافه في: ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٦٧٤٩،٤٣٠٣، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢]
٢٠٥٤- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ أبي السَّفَرِ، عن الشَّغْبِيِّ،
عن عَدِيٍّ بنِ حاتم ﴾ قال: سألتُ رسولَ الله عن المِعْراض؟ فقال: ((إذا أصابَ بحَدِّه فكُلْ،
وإذا أصابَ بعَرْضِه فقَتَلَ فلا تأكُلْ، فإنَّه وَقِيذٌ))، قلتُ: يا رسولَ الله، أُرسِلُ كلبي وأُسَمّي،
فأجِدُ معه على الصَّيد كلباً آخَرَ لم أُسَمِّ عليه، ولا أدري أَيُّهما أخذَ! قال: ((لا تأْكُلْ، إنَّما سَمَّيتَ
على كلِكَ، ولم تُسمِّ على الآخَرِ)).
الحديث الأوَّل: حديث عُقْبةَ بن الحارث في الرَّضاع، ووجه الدّلالة منه قوله: ((كيف
وقد قيل؟)) فإنَّه يُشعِرُ بأنَّ أمرَه فِراق امرأته إنَّما كان لأجل قول المرأة: إنَّها أرضعَتْهما،
فاحتملَ أن يكون صحيحاً فيَرَتَكِب الحرام، فأمَرَه بفراقها احتياطاً على قول الأكثر، وقيل:
بل قَبِلَ شهادةَ المرأة وحدَها على ذلك، وستأتي مباحثه في كتاب الشَّهادات (٢٦٤٠) إِن
شاء الله تعالى.
الحديث الثاني: حديث عائشة في قصَّة ابن وَلِيدة زَمْعة، وستأتي مباحثُه في كتاب
الفرائضِ (٦٧٤٩)، ووجه الدّلالةِ منه قوله ◌َّه: ((احتجبي منه يا سَوْدة) مع حُكمه بأنَّه
أخوها لأبيها، لكن لمَا رأى الشَّبَهَ البيِّنَ فيه من غيرِ زَمْعةً أمر سَوْدةَ بالاحتجاب منه
احتياطاً في قول الأكثر.
واعتَرَضَ الدَّاوودي فقال: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء، وأجاب ابن
التِّين بأن وجهَه أنَّ المشبَّهات ما أشبَهَت الحلالَ من وجهِ والحرامَ من وجهٍ، وبيانُه من هذه

١٧
باب ٤ / ح ٢٠٥٥
كتاب البيوع
القصَّة أنَّ إلحاقَه بزَمْعةَ يقتضى أن لا تحتجِبَ منه سَوْدةُ، والشَّبَه بعُتْبَةَ يقتضي أن تحتجِبَ.
وقال ابن القَصّار: إنَّمَا حَجَبَ سَوْدَةً منه؛ لأنَّ للزَّوجِ أن يَمنَعَ زوجته من أخيها وغيره
من أقاربها (١). وقال غيرُه: بل وَجَبَ ذلك لِغِلَظِ أمر الحجاب في حقِّ أزواج النبي وَّ، ولو
اَتَّفَقَ مثلُ ذلك لغيره، لم يجب الاحتجابُ، كما وقع في حقِّ الأعرابي الذي قال له: «لعلَّه
نَزَعَه عِرقٌ))(٢).
الحديث الثالث: حديثُ عَديٍّ بن حاتم في الصَّيد، ووجه الدّلالة منه قوله: ((إنَّمَا سَمَّيتَ
على كلِك ولم تُسمِّ على الآخر)) فبيَّن له وجه المنع وهو تركُ التسمية. وأبعَدَ من استَدَلَّ به
على سَدِّ الذَّرائع.
٤- باب ما يُتنزّه من الشُّبهات
٢٠٥٥- حدَّثنا قَبِيصةُ، حذَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن طلحةَ، عن أنسٍ ◌َُّه قال: مَرَّ
النبيُّ وَّه بتمرةٍ مسقوطةٍ، فقال: ((لولا أن تكونَ صدقةً لأكَاتُها)).
وقال هَمَّاٌ، عن أبي هريرةَ ◌َُه، عن النبيِّ وَّم قال: ((أجِدُ تمرةً ساقِطةً على فِراشي)».
[طرفه في: ٢٤٣١]
قوله: ((باب ما يُتنَزَّه)) بضمِّ أوَّله، أي: يُجْتَنَب ((من الشُّبُهات))، وللكُشْمِیھَني: يُكرَه، بدلَ:
يُتَنَّه.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو الثَّوري، ومنصورٌ: هو ابن المعتمر، وطلحةٌ: هو ابن مُصرِّف، ٢٩٤/٤
والإسناد كلُّه كوفيون إلَّ الصحابي فإنَّه سَكَنَ البصرةَ وقد دَخَلَ الكوفةَ مِراراً، وصَرَّحَ
(١) نقل ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٢٢٩١-٣٢٢٩٥) عن المزني صاحب الشافعي كلاماً يفيد أنه وليد
إنما أمر سودة بالاحتجاب منه لعدم البيِّنة وعدم إقرار سَوْدة بأنه أخوها، وأنه لو ثبت أنه أخوها ما
أمرها أن تحتجب منه، لأنه وَ لّ بُعِث بصلة الأرحام، وقد قال لعائشة في عمها من الرَّضاعة: «إنه عمك
فليَلِجْ عليك)) ويستحيل أن يأمر زوجته أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة ويأمر زوجة له أخرى أن
تحتجب من أخيها لأبيها. ثم عقّبه ابن عبد البر بقوله: قول المزني هذا أصح في النظر وأثبت في حكم
الأصول من قول سائر أصحاب الشافعي القائلين: إنه يجوز للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها.
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٥٣٠٥).

١٨
باب ٤ / ح ٢٠٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
يحيى القَطّان بالتحديث بين منصورٍ وسفيانَ كما سيأتي في اللُّقَطة (٢٤٣٢).
قوله: ((مسقوطة)) كذا للأكثر، وفي رواية كَرِيمة: مُسقَطةٌ، بضمٍّ أوَّله وفتح القاف، قال
ابن التَّيْمي: قوله: مسقوطة، كلمةٌ غريبةٌ، لأنَّ المشهورَ أنَّ((سَقَطَ)) لازمٌ والعربُ قد تَذكُر
الفاعل بلفظ المفعول، واستَشهَدَ له الخطَّابي بقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ, مَأْنِيًّا﴾ [مريم: ٦١] أي:
آتياً، وقال ابن التِّين: مسقوطة بمعنى: ساقطةٍ كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي:
ساتراً. وقال ابن مالكٍ في ((الشَّواهد))(١): قوله ((مسقوطة)) بمعنى: مُسقَطة، ولا فعل له،
ونظيرُه مرقوقٌ بمعنى مُرَّقٌّ، أي: مُستَرَقٌّ، عن ابن جِنّي، قال: وكما جاء مفعول ولا فعلَ
له، جاء فعلٌ ولا مفعولَ له كقراءة النَّخَعي: ((عُموا وصُمّوا)) بضمٍّ أوَّلهما، ولم يَجِئْ:
مصمومٌ، اكتفاءً بأصَمَّ.
قلت: وقد أخرجه الإسماعيلي(٢) من وجه آخر عن قبيصةَ شيخ البخاري فيه فقال:
مطروحة، وأخرجه أبو نُعيم من وجهَين آخرين عن قبيصةً شيخ البخاري فيه فقال:
بتمرةٍ، ولم يقل: مسقوطة ولا مُسقَطة.
قوله: ((وقال همَّامٌ ... )) إلى آخره، وَصَله في اللَّقَطة (٢٤٣٢) بتمامه ولفظه: ((إنّي لَأَنْقِلِبُ إلى
أهلي فأجِد التمرةَ ساقطةً على فراشي فأرفَعُها لآكُلَها، ثمَّ أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها».
قلت: ولم يستحضر الكِرْماني لفظَ رواية هَمَّامِ فقال: تمام الحديث غيرُ مذكورٍ، وهو: لولا أن
تكون صدقةً لَأكلتُها.
قلت: والنُّكتةُ في ذِكْرِه هنا ما فيه من تعيين المحَلِّ الذي رأى فيه التمرةَ، وهو فراشُه
وَيّ، ومع ذلك لم يأكلها وذلك أبلَغُ في الوَرَع.
قال المهلَّب: لعلَّه ◌َلِّ كان يَقسِمِ الصَّدَقة ثمَّ يَرجِع إلى أهله فيَعلَق بثوبِه من تمر الصَّدَقة
شيء فيقع في فراشه، وإلّا فما الفرقُ بين هذا وبين أكلِه من اللَّحم الذي تُصُدِّقَ به على
(١) ((شواهد التوضيح والتصحيح)) ص١٩٧.
(٢) وهو أيضاً عند ابن سعد في ((طبقاته)) ١/ ٣٩٠ عن قبيصة بن عقبة، بهذا اللفظ.

١٩
باب ٥
كتاب البيوع
بَرِيرةً(١). قلت: ولم ينحصر وجودُ شيءٍ من تمر الصَّدَقة في غير بيته حتَّى يُحتاجَ إلى هذا
التأويل، بل يحتمل أن يكون ذلك التمر ◌ُلَ إلى بعض من يَسْتَحِقّ الصَّدَقة ثَمَّن هو في بيته،
وتأخَّرَ تسليم ذلك له، أو مُلَ إلى بيته فقَسَمَه فبقيت منه بقيةٌ.
وقد روى أحمد (٦٧٢٠) من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: تَضَوَّرَ
النبي ◌َّ﴿ ذاتَ ليلةٍ، فقيل له: ما أسهَرَك؟ قال: ((إنّي وجدتُ تمرةً ساقطةً فأكَلتُها، ثمَّ
ذكرتُ تمراً كان عندنا من تمر الصَّدَقة فما أدري أمِن ذلك كانت التمرةُ أو من تمر أهلي،
فذلك أسهَرَني))، وهو محمولٌ على التعدُّد، وأنَّه لمَّا اتَّفَقَ له أكلُ التمرة كما في هذا الحديث
وأقلَقَه ذلك صار بعد ذلك إذا وَجَدَ مثلها ممَّا يدخُلُه التردُّدُ تَرَكَه احتياطاً، ويحتمل أن
يكون في حالة أكْله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركِه كان في خاصّة نفسِه.
وقال المهلَّب: إنَّمَا تَرَكَها وَّهِ تورُّعاً وليس بواجبٍ، لأنَّ الأصلَ أنَّ كلَّ شيء في بيت
الإنسان على الإباحة حتَّى يقومَ دليلٌ على التحريم. وفيه تحريمُ قليل الصَّدَقة على النبي
وَه، ويُؤخَذُ منه تحريمُ كثيرها من باب أولى.
٥- باب من لم يَرَ الوساوس ونحوها من الشُّبُهات
قوله: ((باب من لم يَرَ الوَساوِسَ ونحوَها من الشُّبُهات)) في رواية الكُشْمِيهني: ((من ٢٩٥/٤
المشبَّهات)» بميمٍ وتثقيلٍ، وفي نُسخٍ بمُثَّةٍ بدلَ التثقيلِ، والكلَّ بمعنى مُشكِلاتٍ، وهذه
الترجمة معقودة لبيان ما يُكرَه من التنطّع في الوَرَعِ.
قال الغَزالي: الوَرَع أقسام، وَرَعُ الصِّدّيقين: وهو ترك ما لا يُتناول بغير نية القوّة على
العبادة، ووَرَع المثَّقين: وهو تركُ ما لا شُبهةَ فيه ولكن يُخشى أن يَجُرَّ إلى الحرام، ووَرَع
الصالحين، وهو ترك ما يَتَطَرَّقُ إليه احتمال التحريم بشرط أن يكونَ لذلك الاحتمال موقِعٌ،
فإن لم يكن فهو وَرَعُ المَوَسوِسين، قال: ووراء ذلك وَرَعُ الشُّهود: وهو تركُ ما يُسقِطُ
الشَّهادة، أي: أعمُّ من أن يكونَ ذلك المتروكُ حراماً أم لا. انتهى.
(١) حديث قصة بريرة سلف برقم (١٤٩٣).

٢٠
باب ٥ / ح ٢٠٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
وغرض المصنِّ هنا بيان وَرَع الموَسوسين كمن يَمتَنِعُ من أكل الصَّيد خَشْيَةَ أن يكون
الصَّيدُ كان لإنسانٍ ثمَّ أَفَتَ منه، وكمَن يَترُكُ شِراءَ ما يحتاج إليه من مجهولٍ لا يدري أمالُه
حلالٌ أم حرامٌ، وليست هناك علامةٌ تدلُّ على الثاني، وكمَن يَتْرُكُ تَنَاؤُلَ الشيء لخيرٍ وَرَدَ فيه
مُتَّفَقِ على ضعِفِه وعَدَمِ الاحتجاج به، ويكون دليل إباحته قويّاً وتأويلُه ◌ُمْتَنِعٌ أو مُستبعَدٌ.
ثمَّ ذکر فیه حدیثین.
٢٠٥٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبَّاد بنِ تميم، عن عَمِّه قال:
شُكِيَ إلى النبيِّ وََّ الرجلُ تَجِدُ في الصَّلاةِ شيئاً، أيقطَعُ الصَّلاةَ؟ قال: ((لا، حتَّى يَسمَعَ صوتاً،
أو تَجِدَ رِيحًاً)).
وقال ابنُ أبي حفصةَ، عن الزُّهْريِّ: ((لا وُضوءَ إلا فيما وجدتَ الرِّيحَ، أو سمعتَ الصَّوتَ)).
الأوَّل: قوله: ((عن الزُّهْري)) في رواية الحُميدي (٤١٣): عن سفيان، حدَّثنا الزُّهْري.
قوله: ((عن عبَّاد بنِ تميمٍ عن عَمّه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وفي رواية
الحُميدي المذكورة: أخبرني سعيد - هو ابن المسيّب - وعبَّاد بن تميم عن عبد الله بن زيد،
وقد تقدَّم في الطَّهارة عن أبي نُعيم عن سفيان(١)، وسياقُه يُشعِرُ بأنَّ طريقَ سعيدٍ مُرسَلةٌ
وطريقَ عبَّاد موصولةٌ، ولم يتعرَّض المِّي لتمييزِ ذلك في ((الأطراف)).
قوله: ((وقال ابن أبي حفصة)) هو محمد، وكُنيتُه أبو سَلَمة، واسم أبي حفصة(٢) مَيسَرةُ،
وهو بصري نزلَ الجزيرة، وظنَّ الكِرْماني أنَّ محمداً هذا وسالماً ابن أبي حفصة وعمارة بن
أبي حفصة إخوةٌ، فَجَزَمَ بذلك هنا فوَهِمَ فيه وهماً فاحشاً، فإنَّ والد سالم لا يُعرَفُ اسمُه
وهو كوفي، ووالد عُمارةَ اسمُه نابتٌ بالنّون ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُثَّة، وهو بصري أيضاً، لكن
(١) قوله: تقدم في الطهارة عن أبي نعيم، سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله، فقد تقدم الحديث في كتاب الوضوء
برقم (١٣٧) عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة.
(٢) وقع في الأصلين و(س): اسم والد أبي حفصة، بإقحام كلمة ((والد))، وهو خطأ، لأن أبا حفصة هو
ميسرة.