النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ باب ٥ / ح ٢٠٢٣ كتاب صلاة التراويح تنبيه: وَقَعَت هنا في نسخة الصَّغاني زيادة سأذكرها في آخر الباب الذي يلي هذا(١) بعد باب آخر إن شاء الله تعالى. ٥ - بابُ رفع معرفة ليلة القَدْر لتلاحي الناس ٢٠٢٣ - حدَّثْني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثني خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا مُميدٌ، حدّثنا أنس، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: خَرَجَ النبيُّ ◌َله ليُخبِرَنا بليلةِ القَدرِ، فتَلاحَى رجلانٍ من المسلمينَ فقال: ((خرجتُ لأخبِرَكم بليلةِ القَدرِ، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ، فُرُفِعَت، وعسى أن يكونَ خيراً لكم، فالتَمِسوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسةِ)). قوله: ((باب رفع مَعرِفة ليلة القَدر لتَلاحِي الناس)) أي: بسبب تلاحي الناس، وقَيَّدَ الرفعَ بمعرفةٍ إشارةً إلى أنَّها لم تُرفَع أصلاً ورأساً. قال الزَّين بن المنيِرِ: يُستَفادُ هذا التقييدُ من قوله: ((التَمِسوها)) بعد إخبارهم بأنَّها ٢٦٨/٤ رُفعت، ومن کون أنَّ وقوع التلاحي في تلك الليلة لا يستلزم وقوعَه فيما بعد ذلك، ومن قوله: ((فعسى أن يكون خيراً)) فإنَّ وجهَ الخيرية من جهة أنَّ خَفاءَها يستدعي قيامَ كلّ الشهر أو العشر بخلاف ما لو بقيت معرفةُ تعيينها. قوله: ((عن أنسٍ عن عُبادةَ بن الصامت)) كذا رواه أكثرُ أصحاب حميدٍ عن أنس، ورواه مالكٌ (٣٢٠/١) فقال: عن حميدٍ عن أنس قال: خرج علينا، ولم يَقُل: ((عن عُبادةَ))، قال ابن عبد البَرِّ: والصوابُ إثباتُ عُبادةَ، وأنَّ الحديثَ من مسنده. قوله: ((فَتَلاحَى)) بالمهمَلة، أي: وَقَعَت بينهما مُلاحاةٌ، وهي المخاصَمةُ والمنازَعةُ والمشائَة، والاسم: اللِّحاء بالكسر والمدّ، وفي رواية أبي نَضْرةَ عن أبي سعيد عند مسلم (١١٦٧/ ٢١٧): ((فجاء رجلان يختصِمان معهما الشيطان))، ونحوه في حديث الفَلَتانِ عند ابن إسحاق(٢)، وزاد أنَّه لقيهما عند سُدّة المسجد فحَجَزَ بينهما، فاتَّفَقَت هذه الأحاديث على سبب النِّسیان. (١) آخر باب رقم (٥): العمل في العشر الأواخر. (٢) وأخرجه محمد بن نصر المروزي في ((قيام رمضان)) (٣٤)، والطبراني في ((الكبير)) ١٨/ (٨٥٧)، وسنده قوي. ٥٨٢ باب ٥ / ح ٢٠٢٣ فتح الباري بشرح البخاري وروى مسلمٌ (١١٦٦) أيضاً من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((أُرِيت ليلةَ القدر، ثمَّ أيقَظَني بعضُ أهلي فنسيتها))، وهذا سببٌ آخر، فإمّا أن يُحمَل على التعدُّد بأن تكون الزُّؤيا في حديث أبي هريرة مَناماً فيكون سببُ النِّسيان الإيقاظ، وأن تكون الرُّؤيةُ في حديث غيره في اليَقَظة فيكون سببُ النِّسيان ما ذُكِرَ من المخاصَمة، أو يُحمَل على اتّحاد القصّة ويكون النِّسيانُ وقع مرَّتين عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى: أيقَظَني بعضُ أهلي فسمعت تَلاحِي الرجلين، فقمت لأحجُزَ بينهما فنسيتها للاشتغال بهما، وقد روى عبد الرزاق (٧٦٨٧) من مُرسَل سعيد بن المسيّب أنَّه وَلِه قال: ((ألا أُخبِرُكم بليلة القَدرِ؟)) قالوا: بلى، فسَكَتَ ساعةً ثمّ قال: ((لقد قلت لكم وأنا أعلمُها ثمَّ أُنسيتها)»، فلم يَذْكُر سببَ النِّسيان، وهو ممّاً يُقوِّي الحملَ على التعدُّد. قوله: ((رجلان)) قيل: هما عبد الله بن أبي حَدَرَد وكعب بن مالكِ، ذكره ابن دِحْيةَ ولم يَذْكُر له مُستنَداً. قوله: («لأُخبِرَكم بليلة القَدْر)) أي: بتعيينٍ ليلة القدر. قوله: ((فُرُفِعَت)) أي: من قلبي، فنسيتُ تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين، وقيل: المعنى فُرُفِعَتِ بَرَكَتُها في تلك السَّنة، وقيل: التاءُ في ((رُفِعَت)) للملائكة لا لليلة. وقال الطّيبي: قال بعضهم: ((رُفِعَت)) أي: معرفتُها، والحامل له على ذلك أنَّ رفعَها مسبوقٌ بوقوعها، فإذا وَقَعَت لم يكن لرفعها معنّى، قال: ويُمكِنُ أن يقال: المرادُ برفعها أنَّهَا شُرِعَت أن تَفَع، فلمَّا تَخَاصَها رُفِعَت بعدُ، فنُزِّلَ الشُّروعُ منزلةَ الوقوع، وإذا تقرَّرَ أنَّ الذي ارتَفَعَ عِلمُ تعيينها تلك السَّنةَ، فهل أُعِلِمَ النبي ◌َِّ بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمالٌ، وقد تقدَّم قول ابن عُيَينةَ في أوَّل الكلام على ليلة القدر أنَّه أُعلِم، وروى محمد بن نصر من طريق واهب المعافري: أنَّه سأل زينب بنت أُمَ سَلَمة: هل كان رسول الله ﴿ يعلم ليلة القَدْر؟ فقالت: لا، لو عَلِمَها لمَا قامَ الناسُ غيرَها (١). انتهى، وهذا قالته احتمالاً (١) أخرجه ابن نصر في ((قيام الليل)) (٢٨- مختصره)، وفي سنده ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ. ٥٨٣ باب ٦ / ح ٢٠٢٤ كتاب صلاة التراويح وليس بلازم، لاحتمال أن يكون التعبُّدُ وقع بذلك أيضاً ليَحصُلَ الاجتهادُ في جميع العشر كما تقدَّم. واستنَبَطَ السُّبكي الكبير في ((الحلبيات)) من هذه القصّة استحباب كِتْمان ليلة القدر لمن رآها، قال: ووجه الدلالة أنَّ الله قَدَّرَ لنبيه أنَّه لم يُخْبَرَ بها، والخير كلّه فيما قُدِّرَ له فيُستَحَبّ اتّباعُه في ذلك. وذكر في ((شرح المنهاج)) ذلك عن ((الحاوي)) قال: والحِكْمة فيه أنَّها كرامة، والكرامةُ ينبغي كِتمائُها بلا خلافٍ بين أهل الطريق من جهة رؤية النَّفْسِ فلا يأمن السَّلْب، ومن جهة أن لا يأمَنَ الرِّياء، ومن جهة الأدب فلا يَتَشاغَل عن الشُّكر لله بالنَّظَر إليها وذكرها للناس، ومن جهة أنّه لا يأمنُ الحَسَدَ فيُوقِع غيره في المحذور، ويُستأنسُ له بقول يعقوبَ عليه السلام: ﴿يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُءُ بَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ﴾ الآيةَ [يوسف: ٥]. قوله: ((فالتَمِسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)) يحتمل أن يريد بالتاسعة: تاسع ليلة من العشر الأخير فتكون ليلةَ تسع وعشرين، ويحتمل أن يريد بها: تاسع ليلةٍ تبقى من الشهر فتكون ليلةَ إحدى/ أو اثنتين بحَسَبِ تمام الشهر ونُقصانه، ويُرجِّحُ الأوَّلَ قوله في ٢٦٩/٤ رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان (٤٩) بلفظ: ((التَمِسوها في التِّسع والسَّبع والخمس)) أي: في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين، وفي روايةٍ لأحمد (٢٢٧٢١): «في تاسعةٍ تبقى))، والله أعلم. ٦ - باب العمل في العشر الأواخر من رمضان ٢٠٢٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبد الله، حدَّثنا ابنُ عُبينَةَ، عن أبي يَعفُورِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ وٍَّ إذا دخل العشرُ شَدَّ مِنْزَرَه وأحيا ليلَه، وأيقَظَ أهلَه. قوله: ((باب العمل في العشر الأواخر من رمضانَ))، وفي رواية المُستَمْلي: في رمضانَ. قوله: ((عن أبي يَعفُور)) بفتح التحتانية وسكونِ المهمَلة وضمِّ الفاء، ولأحمد (٢٤١٣١) عن سفيان عن ابنِ عُبيد بن نِسْطاس، وهو أبو يعفور المذكور واسمه عبد الرحمن، وهو ٥٨٤ باب ٦ / ح ٢٠٢٤ فتح الباري بشرح البخاري كوفي تابعي صغيرٌ، ولهم أبو يعفور آخرُ تابعي كبيرٌ اسمه وَقْدان. قوله: ((إذا دخل العشر)) أي: الأخير، وصَرَّحَ به في حديث عليّ عند ابن أبي شَيْبةَ(١) والبيهقي (٣١٤/٤) من طريق عاصم بن ضَمْرةً عنه. قوله: ((شَدَّ مِئْزَرَه) أي: اعتَزَلَ النِّساء، وبذلك جَزَمَ عبد الرزاق عن الثَّوري، واسْتَشْهَدَ بقول الشاعر: قومٌ إذا حاربوا شَدّوا مَآزِرَهم عن النِّساءِ ولو باتَتْ بأطهارِ وذكر ابن أبي شَيْبةَ (٧٧/٣) عن أبي بكر بن عيَّاشٍ نحوَه، وقال الخطَّابي: يحتمل أن يريد به الجِدَّ في العبادة كما يقال: شَدَدتُ لهذا الأمر مِئَزَري، أي: تَشَمَّرتُ له، ويحتمل أن يُرادَ التشمير والاعتزال معاً، ويحتمل أن يُراد الحقيقةُ والمجازُ، كمن يقول: طويلُ النِّجاد، لطويل القامة، وهو طويل النِّجاد حقيقةً، فيكون المراد: شَدَّ مِثْزَرَه حقيقة فلم يَحُلَّه واعتَزَلَ النِّساء وشَمَّرَ للعبادة. قلت: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة: شَدَّ مِثْزَرَه واعتَزَلَ النِّساءَ، فَعَطَفَه بالواو، فيتقوَّى الاحتمالُ الأوَّل. قوله: ((وأحيا ليلَه)) أي: سَهِرَه فأحياه بالطاعة وأحيا نفسَه بسَهَره فيه، لأنَّ النَّوم أخو الموت، وأضافَه إلى الليل اتِّساعاً، لأنَّ القائمَ إذا حَبِيَ باليَقَظة أحيا ليله بحياته، وهو نحو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم قُبوراً) (٢)، أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات، فتكون بیوتکم کالقُبور. قوله: ((وأيقَظَ أهله)) أي: للصلاة، وروى التِّرمِذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أُمّ سَلَمة: لم يكن النبي ◌ِّهِ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يَدَعُ أحداً من أهله يُطِيق القيام إلَّا أقامَه(٣). (١) رواية ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣/ ٧٧ هي من طريق هُبيرة عن علي. (٢) سلف عند البخاري برقم (٤٣٢). (٣) في نسبة هذا الحديث إلى الترمذي وهمٍّ من الحافظ رحمه الله، فإنه ليس عنده، ولم يخرجه سوی محمد بن نصر في ((قيام الليل)) (٢٨)، وفي إسناده ابنُ لهيعة وهو سيئ الحفظ. أما الذي عند الترمذي فهو حديث = ٥٨٥ باب ٦ / ح ٢٠٢٤ كتاب صلاة التراويح قال القُرطُبي: ذهب بعضُهم إلى أنَّ اعتزاله النِّساءَ كان بالاعتكاف، وفيه نظرٌّ لقوله فيه: ((وأيقَظَ أهله)) فإنَّه يُشعِر بأنّه كان معهم في البيت، فلو كان مُعتكِفاً لكان في المسجد ولم يكن معه أحدٌ، وفيه نظرٌ، فقد تقدَّم (٣١٠) حديثُ: ((اعتكَفَتْ مع النبي ◌َّ امرأةٌ من أزواجه))؛ وعلى تقدير أنَّه لم يَعتكِفِ أحدٌ منهنَّ فيحتمل أن يُوقِظَهنَّ من موضعِه وأن يُوقِظَهنَّ عندما يدخلُ البيتَ لحاجته. تنبيه: وقع في نسخة الصَّغَاني قبلَ هذا الباب في آخر ((باب تَحرِّي ليلة القَدر)) ما نَصُّه: قال أبو عبد الله: قال أبو نُعيم: كان هُبَيرةٌ مع المختار ◌ُحِيز(١) على القتلى، قال أبو عبد الله: فلم أُخرج حديثَ هُبِيرةَ عن عليّ لهذا، ولم أُخرج حديثَ الحسن بن عُبيد الله لأنَّ عامّة حديثه مُضطرِبٌ. انتهى. وأراد بحديث هُبَيرةَ ما أخرجه أحمد (٧٦٢) والتِّرمِذي (٧٩٥) من طريق أبي إسحاق السَّبيعي، عن هُبَيرة بن يَرِيمَ - وهو بفتح الياء المثنَّة من تحت بوزنٍ عَظِيم - عن عليّ: أنَّ النبي وَل﴿ كان يُوقِظ أهله في العشر الأخير من رمضان، وأخرجه أحمد (٧٦٢) وابن أبي شَيْبة (٥١٣/٢) وأبو يعلى (٣٧٢) من طرق متعدِّدة عن أبي إسحاق، وقال التِّرمِذي: حسن صحيح. وأراد بحديث الحسن بن عُبيد الله ما أخرجه مسلم (١١٧٥) والتِّرمِذي أيضاً (٧٩٦)، ٢٧٠/٤ والنَّسائي (ك٣٣٧٦)، وابن ماجَهْ (١٧٦٧) من رواية عبد الواحد بن زياد عنه، عن إبراهيم النَّخَعي، عن الأسوَد بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّ يَجْتَهِد في العشر الأواخر ما لا يَجتَهِد في غيرها. قال التِّرمِذي بعد تخريجه: حسن غريب(٢). = علي بن أبي طالب برقم (٧٩٥): أنَّ النبي ◌َّ كان يوقظ أهلَه في العشر الأواخر من رمضان. وسنده حسن، وهو بمعناه. (١) في (س): يجهز، والمثبت من الأصلين، وكلاهما صحيح ومعناهما واحد: وهو أن يُكمِل القتل. (٢) كذا قال، والذي في نسخ الترمذي التي بين أيدينا المخطوط منها والمطبوع: حسن صحيح غريب، وكذلك هو في نسخ المزي كما في ((تحفة الأشراف)) (١٥٩٢٤). ٦ ٥٨٦ باب ٦ / ح ٢٠٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قول أبي نُعيم في هُبَيرة فمعناه أنَّه كان ممَّن أعانَ المختار - وهو ابن أبي عبيد الثَّقفي - لمَّا غَلَبَ على الكوفة في خلافة عبد الله بن الزُّبَيرِ ودَعا إلى الطََّب بدم الحسينِ بن عليّ، فأطاعه أهلُ الكوفة ثمّن كان يوالي أهلَ البيت، فقتلَ المختار في الحرب وغيرها ممَّن أنّهِم بقتل الحسين خلائقَ كثيرةً، وكأنَّ من وَثَّقَ هبيرةَ لم يُؤْثِّر ذلك فيه عنده قَدحاً لأنه كان مُتأوّلاً، ولذلك صَحَّحَ التِّرمِذي حديثَه، ومَمَّن وَثَّقَ هُبِيرةٍ(١)، ومعنى قوله: ((ثُجِیز))(٢)، وهو بضمٍّ أوَّله وجيم وزايٍ: يُكمِلُ القتلَ. وأمَّا الحسنُ بن عُبيد الله، فهو كوفي نَخَعي قَدَّمَ يحيى القطّانُ عليه الحسنَ بن عَمْرو، وقال ابن مَعينٍ: ثقةٌ صالحٌ، ووَتَّقَه أبو حاتم والنَّسائي وغيرهما، وقال الدّار قطني: ليس بقوي ولا يُقَاسُ بالأعمَش. انتهى، وقد تفرَّد بهذا الحديث عن إبراهيمَ وتفرَّد به عبد الواحد بن زياد عن الحسن، ولذلك استَغرَبَه التِّرمِذي، وأمَّا مسلمٌ فصَحَّحَ حديثه لشواهدِه على عادته، وَجَنَّبَ حديثَ عليٍّ للمعنى الذي ذكره البخاري أو لغيره، واستغنى البخاري عن الحديثين بما أخرجه في هذا الباب من طريق مسروقٍ عن عائشة، وعلى هذا فمَحَلُّ الكلام المذكور أن يكون عَقِبَ حديث مسروق في هذا الباب لا قبله، وكأنَّ ذلك من بعض النُّسّاخِ، والله أعلم. وفي الحديث: الحِرْص على مُداوَمة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحثّ على تجويد الخاتمة، خَتَمَ الله لنا بخيرٍ، آمينَ. (١) هکذا في الأصول الخطية لم یتمَّ الكلام فيها، وقد وثقه العجلي وابن حبان، وقال فیه الإمام أحمد: لا بأس بحديثه، وبنحوه قال النسائي في رواية، وتكلّم فيه آخرون، وانظر ترجمته في ((التهذيب» وفروعه. (٢) في (س): يجهز، بالهاء بدل الياء، وكلاهما بمعنىّ. ٥٨٧ باب ١ أبواب الاعتكاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أبواب الاعتكاف قوله: ((أبواب الاعتكاف)) كذا للمُستَمْلي، وسقط لغيره إلا النَّسَفيَّ، فإنه قال: ((كتاب)) ٢٧١/٤ وثبتت له البسملة مُقدَّمةً، وللمُسْتَملي مُؤخّرةً. والاعتكافُ لغةً: لزومُ الشيء وحبسُ النفس عليه، وشرعاً: المُقَام في المسجد من شخص مخصوص على صفةٍ مخصوصة، وليس بواجبٍ إجماعاً إلا على مَن نَذَره، وكذا مَن شَرَعَ فیه فقطعه عامداً عند قوم. واختُلِفَ في اشتراط الصوم له كما سيأتي في باب مفرَد، وانفرد سُوَيد بن غَفَلةَ باشتراط الطهارة له. ١ - باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلِّها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِّ تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قوله: «باب الاعتكاف في العشر الأواخرِ، والاعتكاف في المساجد كلُّها» أي: مشروطية المسجد له من غير تخصيصٍ بمسجدٍ دونَ مسجدٍ. قوله: ((لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٨٧]» ٢٧٢/٤ ووَجْهُ/ الدلالة من الآية أنَّه لو صَحَّ في غير المسجد لم يختصَّ تحريم المباشرة به، لأنَّ الجِماع مُنَاقٍ للاعتكاف بالإجماع، فعُلِمَ من ذكر المساجد أنَّ المراد أنَّ الاعتكافَ لا يكون إلَّا فيها. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية الجماع، وروى الطَّبري(١) وغيره من طريق قَتَادةَ في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكَفُوا فخرج رجلٌ لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاءَ؛ فنزلت. (١) في «تفسيره» ١٨٠/٢. ٥٨٨ باب ١ / ح ٢٠٢٥ فتح الباري بشرح البخاري واتَّفَقَ العلماءُ على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلَّا محمد بن عمر بن لُبابةَ المالكي فأجازه في كلّ مكانٍ، وأجاز الحنفيَّةُ للمرأة أن تَعتكِفَ في مسجد بيتها وهو المكان المعَدُّ للصلاة فيه، وفيه قولٌ للشافعي قديمٌ، وفي وجهٍ لأصحابه وللمالكية: يجوز للرجال والنِّساء، لأنَّ التطوُّعَ في البيوتِ أفضل. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تُقام فيها الصَّلَوات، وخَصَّه أبو يوسف بالواجبٍ منه، وأمَّا النَّفْل ففي كلّ مسجد، وقال الجمهورُ بعمومه في كلّ مسجد إلَّا لمن تَلَزَمه الجمعةُ، فاستَحَبَّ له الشافعي في الجامع، وشَرَطَه مالكٌ لأَنَّ الاعتكافَ عندهما يَنقَطِعُ بالجمعة، ويجبُ بالشُّروع عند مالك، وخَصَّه طائفةٌ من السَّلَف كالزُّهْري بالجامع مُطلَقاً، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخَصَّه حُذَيفةُ بن اليَمَان بالمساجد الثلاثة، وعطاءٌ بمسجدَي مكَّةَ والمدينة، وابن المسيّب بمسجد المدينة. واتَّفَقوا على أنَّه لا حدَّ لأكثره، واختَلَفوا في أقلِّه، فمن شَرَطَ فيه الصيامَ قال: أقلُّه يومٌ، ومنهم من قال: يَصِحُّ مع شرط الصيام في دون اليوم، حكاه ابن قُدامة. وعن مالك: يُشْتَرَط عشرة أيام، وعنه: يومٌ أو یومان. ومن لم يَشتَرِط الصومَ قالوا: أقلُّه ما يُطلَقُ عليه اسم لُبثٍ ولا يُشتَرَط القُعود، وقيل: يكفي المرورُ مع النِّية كوقوف عَرَفة، وروى عبد الرزاق (٨٠٠٦) عن يعلى بن أُمّية الصحابي: إنِّي لَأَمكُثُ في المسجد الساعةَ وما أمكُثُ إلَّ لأعتكِفَ. واتَّفَقوا على فساده بالجِماع حتَّى قال الحسن والزُّهْري: من جامع فيه لَزِمَته الكفَّارة، وعن مجاهدٍ: يتصدَّق بدينارين. واختَلَفوا في غير الجماع: ففي المباشرة أقوالٌ، ثالثُها: إن أنزل بَطَلَ، وإلَّا فلا. ثُمَّ أوردَ المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث: ٢٠٢٥- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، أنَّ نافعاً أخبَرَه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ اللهِوَلِّ يَعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ من رمضانَ. ٥٨٩ باب ١ / ح ٢٠٢٥ - ٢٠٢٧ أبواب الاعتكاف ٢٠٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ ابنِ الزُّبَير، عن عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّبَّهِ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ كان يَعتكِفُ العشرَ الأواخِرَ من رمضانَ حتَّى تَوَفّاه اللهُ تعالى، ثمَّ اعتكَفَ أزواجُه من بعدِه. ٢٠٢٧ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادٍ، عن محمّد بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ الثَّيميِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وٍَّ كان يَعتكِفُ في العشرِ الأوسطِ من رمضانَ، فاعتكَفَ عاماً حتَّى إذا كان ليلةً إحدَى وعشرينَ - وهي الليلةُ الَّتي يَخْرُجُ من صَبِحَتِها مِن اعتكافِهِ - قال: ((مَن كان اعتگَفَ معي فليَعتكِفِ العشرَ الأواخِرَ، فقد أُرِيتُ هذه الليلةَ ثمَّ أُنسِيتُها، وقد رَأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ من صَبِيْحَتِها، فالتَمِسوها في العشرِ الأواخِرِ، والتَمِسوها في كلٍّ وِتِرٍ)) فمَطَرَتِ السماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المسجدُ، فبَصُرَت عينايَ رسولَ الله وَلِّ على جَبهَتِه أثرُ الماءِ والطَّينِ من صُبحِ إحدى وعشرينَ. أحدها: حديث ابن عمر: قوله: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَعتكِفُ العشرَ الأواخر من رمضان)» وقد أخرجه مسلمٌ (١١٧١) من هذا الوجه وزاد: قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله وَل﴿ يَعتكِفِ فيه من المسجد، وزاد ابن ماجَهْ (١٧٧٤) من وجه آخر عن نافع: أنَّ ابن عمر كان إذا اعتكَفَ طُرِحَ له فِراشُه وراءَ أُسطوانة التوبة. ثانيها: حديث عائشة مِثْل حديث ابن عمر وزاد: حتَّى توفّاه الله، ثمّ اعتگفَ أزواجُه من بعده. فيُؤخَذ من الأوَّل اشتراطُ المسجد له، ومن الثاني: أنَّه لم يُنسَخ وليس من الخصائص. وأمَّا قولُ ابن نافع عن مالك: فَكَّرت في الاعتكاف وتَركِ الصحابة له مع شِدّة اتِّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنَّه كالوِصَال، وأراهم تَرَكوه لشِدَّته ولم يَبلُغني عن أحد من السَّلَف أنَّه اعتكَفَ إلَّا عن أبي بكر بن عبد الرحمن. انتهى، وكأنَّه أراد صفةً مخصوصةً، وإلَّا فقد حَكَيناه عن غير واحدٍ من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعضُ أصحابه أنَّ الاعتكاف ٥٩٠ باب ٢ / ح ٢٠٢٨ فتح الباري بشرح البخاري جائزٌ، وأنكَرَ ذلك عليهم ابن العربي وقال: إنَّه سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وكذا قال ابن بَطَّل: في مُواظَبة النبيِ نَّهِ ما يدلُّ على تأكيدِه، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلمُ عن أحد من العلماءِ خلافاً أنَّه مسنونٌ. قوله: ((عن ابن شِهاب)) زاد مَعمَر فيه: عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة(١)، وخالَفَه الليثُ عن الزُّهْري فقال: عن عُرْوة عن عائشة موصولاً، وعن سعيد مُرسلاً(٢). ثالثُها: حديث أبي سعيد، قد تقدَّمت مباحثُه في الباب الذي قبله(٣). ٢ - باب الحائض تُرجِّل رأس المعتكف ٢٠٢٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً ٢٧٣/٤ رضي الله عنها قالت:/ كان النبيُّ وَلِ﴿ يُصْغي إليَّ رأسَه وهو مُجَاوِرٌ في المسجدِ، فأُرَجّلُه وأنا حائضٌ. قوله: ((باب الحائض تُرَجُّلُ رأسَ المعتكِف)) أي: تَشُطُه وتَدهنُه. قوله: ((يُصْغي إليَّ)) بضمٌّ أوَّلِه، أي: يُمِيل. قوله: ((وهو مُجاوِرٌ)) في رواية أحمد (٢٤٥٦٤) والنَّسائي (ك٣٣٦٨): كان يأتيني وهو مُعتكِفٌ في المسجد، فيَتَّكِئُ على باب حُجرَتِي فأغسِل رأسه وسائرُه في المسجد. وقد تقدَّمت فوائدُه في كتاب الحيض (٢٩٥)، ويُؤْخَذُ منه أنَّ المجاورةَ والاعتكافَ واحدٌ، (١) رواية معمر أخرجها عبد الرزاق (٧٦٨٢)، ومن طريقه أحمد (٧٧٨٤)، والترمذي (٧٩٠)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٢١). (٢) الرواية الموصولة للَّيث - وهو ابن سعد - لم يروها عن الزهري مباشرةً، بل عن عُقيل بن خالد عن الزهري، أخرجها أحمد (٢٤٦١٣)، والبخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢) (٥)، وأبو داود (٢٤٦٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٢٤)، وأما روايته المرسلة عن الزهري عن سعيد بن المسيب، فأخرجها النسائي (٣٣٢٣). (٣) ليس في الباب الذي قبله، بل قبل ذلك بعدة أبواب برقم (٢٠١٦). ٥٩١ باب ٣ / ح ٢٠٢٩ أبواب الاعتكاف وفَرَّقَ بينهما مالكٌ. وفي الحديث: جواز التنظَّفِ والتطيُّبِ والغَسْل والحلقِ والتزيُّن إلحاقاً بالترجُل، والجمهور على أنَّه لا يُكرَه فيه إلَّا ما يُكرَه في المسجد، وعن مالك: تُكرَه فيه الصَّنائعُ والحِرَفُ حتَّى طلبُ العلم. وفي الحديث: استخدام الرجل امرأته برِضَاها، وفي إخراجه رأسَه دلالةٌ على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أنَّ من أخرج بعضَ بَدَنِه من مكان حَلَفَ أن لا يَخْرُجَ منه، لم يَحِنَثْ حَتَّى يُخْرِجَ رِ جَلَيه ويَعْتَمِدَ عليهما. ٣- باب لا يدخلُ البيتَ إلَّا لحاجة ٢٠٢٩ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا ليثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ وعَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمن: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وَّه قالت: وإنْ كان رسولُ الله ◌َّ لَيُدخِلُ رأسَه وهو في المسجدِ فَأُرَجّلُه، وكان لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجةٍ إذا كان مُعتكِفاً. [أطرافه في: ٢٠٣٣، ٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥] قوله: ((باب لا يدخل)) أي: المعتكِفُ ((البيتَ إلَّا لحاجةٍ)) كأنَّه أطلق على وَفْقِ الحديث. قوله: ((عن عُزْوة» أي: ابن الزُّبیر (وعَمْرة)) کذا في روایة اللیث جمع بينهما، ورواه یونس والأوزاعي(١) عن الزّهْري عن عُرْوة وحدَه، ورواه مالك (٣١٢/١) عنه عن عُرْوة عن عَمْرة، قال أبو داود وغيره: لم يتابَع عليه، وذكر البخاري أنَّ عُبيد الله بن عمر تابع مالكاً(٢)، وذكر الدّار قُطني أنَّ أبا أُوَيسٍ رواه كذلك عن الزُّهْري، وانَّفَقوا على أنَّ الصواب قول الليث، وأنَّ الباقين اختَصَروا منه ذِكرَ عَمْرة، وأنَّ ذِكرَ عَمْرة في رواية مالك من المزيد (١) في (أ) و(س): يونس عن الأوزاعي، وهو خطأ والتصويب من (ع)، ورواية يونس - ابن يزيد الأيلي - عن الزهري عند أحمد (٢٦١٠٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٣٥٦) و(٣٣٦٧)، ورواية الأوزاعي عن الزهري عند أحمد أيضاً (٢٤٥٦٤)، والنسائي (٣٣٦٨). (٢) نقله عن البخاريِّ الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) ٧٩/١٢. ٥٩٢ باب ٤ / ح ٢٠٣٠ فتح الباري بشرح البخاري في مُتَّصِل الأسانيد. وقد رواه بعضُهم عن مالك فوافق الليثَ، أخرجه النَّسائي أيضاً (١)، وله أصلٌ من حديث ◌ُزْوة عن عائشةَ كما سيأتي (٥٩٢٥) من طريق هشام عن أبيه، وهو عند النَّسائي (ك٣٣٦٩) من طريق تميم بن سَلَمة عن عُرْوة. قوله: ((وكان لا يدخل البيتَ إلَّا لحاجَةٍ)) زاد مسلم (٦/٢٩٧): ((إلَّا لحاجة الإنسان))، وفسَّرَها الزُّهْري بالبول والغائط، وقد اتَّفَقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشُّرب، ولو خرج لهما فتوَضَّأ خارج المسجد لم يَبطُل. ويَلتَحق بهما القَيُ والفَصْدُ لمن احتاجَ إليه، ووقع عند أبي داود (٢٤٧٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة قالت: السُّنَّةُ على المعتكِفِ أن لا يعودَ مريضاً ولا يشهدَ جِنازةً، ولا يَمَسَّ امرأةً ولا يُباشرَها، ولا يَخْرُجَ لحاجةٍ إلَّا لمَا لا بدَّ منه؛ قال أبو داود: غيرُ عبد الرحمن لا يقول فيه: السُّنة. وجَزَمَ الدّار قُطني بأنَّ القَدْرَ الذي من حديث عائشة قولها: ((لا يَخْرُج إلَّا لحاجةٍ))، وما عَدَاه ممّن دونها. ورُوِّينا عن عليٍّ والنَّخَعي والحسن البصري: إن شَهِدَ المعتكِفُ جِنازةً أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بَطَلَ اعتكافُه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الثَّوري والشافعي وإسحاقُ: إن شَرَطَ شيئاً من ذلك في ابتداءِ اعتكافه لم يَبطُل اعتكافُه بفعله، وهو روايةٌ عن أحمد. ٤ - باب غسل المعتكف ٢٧٤/٤ ٢٠٣٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َ﴿ يُباشرُني وأنا حائضٌ. وكان يُخْرِجُ رأسَه من المسجدِ، وهو مُعتكِفٌ، فأغسِلُه وأنا حائضٌ. قوله: ((باب غُسل المعتكِف)) ذكر فيه حديث عائشةً أيضاً، وقد تقدَّمت مباحثُه في کتاب الحيض (٣٠٠). (١) ليس النسائي الذي أخرجه، وإنما الترمذي في ((جامعه)) برقم (٨٠٤) عن أبي مصعب المدني عن مالك. وانظر التعليق على هذه الرواية في طبعة الرسالة العالمية من ((جامع الترمذي)) ٣٢٣/٢. ٥٩٣ باب ٥ / ح ٢٠٣٢ أبواب الاعتكاف قوله: ((فأغسِلُه)) زاد النَّسائي (ك٣٣٧٢) من رواية حمَّدٍ عن إبراهيمَ: فأغسِلُه بخِطْميٍّ. ٥- باب الاعتكاف ليلاً ٢٠٣٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ عمرَ سألَ النبيَّ نَّةِ، قال: كنتُ نَذَرتُ في الجاهليَّةِ أن أعتكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرام، قال: ((أَوفٍ بِتَذْرِكَ)). [أطرافه في: ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧] قوله: «باب الاعتكاف ليلاً» أي: بغير نهارٍ. قوله: ((حدَّثنا مسَّد، حدَّثني يحيى بن سعيد)) هو القطّان، كذا رواه مسدَّد من مسند ابن عمر، ووافقه المقدَّمي وغيره عند مسلم (٢٧/١٦٥٦) وغيره، وخالفهم يعقوبُ بن إبراهيم عن يحيى، فقال: ((عن ابن عمر عن عمر))، أخرجه النَّسائي (ك٣٣٣٥)، وكذا أخرجه أبو داود (٣٣٢٥) عن أحمد، لكنه في «المسند» (٤٧٠٥) كما قال مسدَّد (١)، فالله أعلم، فاختُلِفَ فيه على عُبيد الله بن عمر عن نافع، وعلى أيوبَ عن نافع، وسيأتي لذلك مَزِيدُ بیانٍ في كتاب النَّذر وفي فرض الخُمس (٣٣٤١) وفي غزوة حُنين (٤٣٢٠). قوله: ((أن عمرَ سألَ)) لم يذكر مكان السؤال، وسيأتي في النَّذر(٢) من وجهٍ آخر: أن ذلك كان بالجِعْرانة لمّا رجعوا من حُنَين. ويستفاد منه الردُّ علی من زَعَمَ أنَّ اعتكاف عمر کان قبل المنع من الصيام في اللیل، لأنَّ غزوةَ حُنَين متأخّرة عن ذلك. قوله: «كنتُ نَذَرتُ في الجاهليّة)) زاد حفصُ بن غياث عن عُبيد الله عند مسلم (١٦٥٦): ((فلمَّا أسلمتُ سألتُ))، وفيه ردٌّ على من زَعَمَ أن المراد بالجاهليَّة ما قبلَ فتح (١) الذي في ((المسند)) (٤٧٠٥): عن عبد الله بن عمر، وقال يحيى بن سعيد مرة: عن عمر. (٢) كذا قال، ورواية النذر (٦٦٩٧) ليس فيها ذكر الجعرانة، وهي بإثر الرواية (٣١٤٤) التي في كتاب فرض الخمس. ٥٩٤ باب ٥ / ح ٢٠٣٢ فتح الباري بشرح البخاري مكَّة، وأنه إنما نَذَرَ في الإسلام، وأصرحُ من ذلك ما أخرجه الدّارَ قُطني (٢٣٦٥) من طريق سعيد بن بَشِير عن عُبيد الله بلفظ: نَذَر عمرُ أن يَعتكِفَ في الشِّرك. قوله: ((أن أعتكِفَ ليلةً)) استُدلَّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأنَّ الليل ليس ظَرفاً للصوم، فلو كان شرطاً لأمرَه النبيُّ ◌َلّ به. وتُعُقِّبَ بأنَّ في رواية شُعْبة عن عُبيد الله عند مسلم (١٦٥٦): ((يوماً) بدل: ليلة، فجمع ابنُ حِبّان وغيره بين الروايتين بأنه نَذَرَ اعتكافَ يوم وليلة، فمَن أطلقَ ((ليلة)) أراد بیومها، ومن أطلق ((یوماً)) أراد بلیلته. وقد ورد الأمرُ بالصوم في روایة عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحاً، لكنَّ إسنادها ضعيف، وقد زاد فيها: أن النبيَّ وَّ قال له: ((اعتكِف وصُمْ)) أخرجه أبو داود (٢٤٧٤) والنَّسائي (ك٣٣٤١) من طريق عبد الله بن بُدَيل، وهو ضعيف، وذكر ابن عَديٍّ والدّارَ قُطني(١) أنه تفرَّد بذلك عن عَمْرو بن دينار، ورواية مَن روى ((يوماً)) شاذّة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال الآتية (٢٠٤٢) بعد أبواب: ((فاعتكفَ ليلةً)) فدَلَّ على أنه لم يَزِدْ على نَذْرِه شيئاً، وأنَّ الاعتكاف لا صومَ فيه، وأنه لا يُشترَط له حدٌّ معَّن. ٢٧٥/٤ قوله: ((في المسجد الحرام)) زاد عَمْرو بن دينار في روايته: عند الكعبة، وقد ترجم البخاريُّ لهذا الحديث بعد أبواب: ((مَن لم يَرَ عليه إذا اعتكفَ صوماً)(٢)، وترجمة هذا الباب مُستلزِمةٌ للثانية، لأنَّ الاعتكاف إذا ساغَ ليلاً بغير نهارٍ استلزم صحتَه بغير صيام من غير عكس، وباشتراط الصيام قال ابنُ عمر وابنُ عبَّاس، أخرجه عبد الرزاق (٨٠٣٣) عنهما بإسناد صحيح، وعن عائشة (٨٠٣٧) نحوه، وبه قال مالكٌ والأوزاعيُّ والحنفيَّة، واختُلِفَ عن أحمد وإسحاق. واحتَجَّ عِياض بأنه وَّه لم يَعتكِف إلا بصوم، وفيه نظرٌ لمَا في الباب الذي بعده: أنه (١) الدار قطني في ((العلل)) ٢٦/٢- ٣٠، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء)) ٢١٣/٤ في ترجمة عبد الله بن بديل. (٢) باب رقم (١٥). ٥٩٥ باب ٦ / ح ٢٠٣٣ أبواب الاعتكاف اعتگفَ في شوّال کما سنذكره. واحتَجَّ بعضُ المالكية بأنَّ الله تعالى ذكر الاعتكافَ إثرَ الصوم فقال: ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ اْلِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتُعُقِّب بأنه ليس فيها ما يدلُّ على تَلازُمهما، وإلا لكان لا صومَ إلا باعتكافٍ، ولا قائلَ به، وسنذكر بقيّة فوائد حدیث عمر في كتاب النذور (٦٦٩٧) إن شاء الله تعالى. وفي الحديث أيضاً رَدٌّ على مَن قال: أقلّ الاعتكاف عشرةُ أيام، أو أكثر من يوم، وقد تقدَّم نقلُه في أول الاعتكاف، وتَظهَرُ فائدةُ الخلاف فيمَن نَذَرَ اعتكافاً مُبهَاً، والله أعلم. ٦ - باب اعتكاف النّساء ٢٠٣٣- حدّثنا أبو التُّعمانِ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا يحبى، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ ◌َّهِ يَعتكِفُ في العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ، فكنتُ أضرِبُ له خِباءً، فيُصلِّ الصُّبحَ ثُمَّ يدخلُه، فاستأذَنت حفصةُ عائشةَ أن تَضرِبَ خِباءً، فأذِنت لها فِضَرَبَت خِباءً، فلمَّا رَأته زينبُ بنتُ جَحْشٍ ضَرَبَت خِباءً آخَرَ، فلمَّا أصبَحَ النبيُّ ◌َّ رَأى الأخبِيةَ، فقال: ((ما هذا؟)) فأُخبِرَ، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((الْبِرَّ تُرَونَ بهنَّ؟)) فتَرَكَ الاعتكافَ ذلك الشهرَ، ثمَّ اعتكَفَ عشراً من شوَّالٍ. [أطرافه في: ٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥] قوله: ((باب اعتِكاف النِّساء)) أي: ما حُكمُه؟ وقد أطلقَ الشافعي كراهتَه لهنَّ في المسجد الذي تُصلَّى فيه الجماعة، واحتَجَّ بحديث الباب فإنَّه دالٌّ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلَّا في مسجد بيتها لأنها تَتَعرَّضُ لكَثْرة من يراها. وقال ابن عبد البَرِّ(١): لولا أنَّ ابن عُيَينةَ زاد في الحديث - أي: حديث الباب - أنََّنَّ استأذَنَّ النبيِ وَلَه في الاعتكاف، لَقَطَعتُ بأنَّ اعتكافَ المرأة في مسجد الجماعة غيرُ جائزٍ. انتهى. وشَرَطَ الحنفيَّةُ لصِحّة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي روايةٍ لهم: أنَّ لها (١) في ((التمهيد)) ١١/ ١٩٣. ٥٩٦ باب ٦ / ح ٢٠٣٣ فتح الباري بشرح البخاري الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد. قوله: «حدّثنا یحیی» هو ابن سعید الأنصاري، ونسبه خلف بن هشام في روايته عن حمّاد بن زيد عند الإسماعيلي. قوله: ((عن عَمْرةَ)) في رواية الأوزاعي الآتية في أواخر الاعتكاف (٢٠٤٥) عن يحيى بن سعید: حدَّثَتني عَمْرةُ بنت عبد الرحمن. قوله: ((عن عائشة)) في رواية أبي عَوَانة (٣٠٧٦) من طريق عَمْرو بن الحارث، عن يحيى ابن سعيد، عن عَمْرة: حدَّثَتني عائشة. قوله: ((كان النبي ◌َّ يَعتكِف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرِب له خِباءً» أي: بكسر المعجمة ثمَّ موحّدة. وقوله: ((فيُصلِّي الصُّبح ثمَّ يدخلُهُ))، وفي رواية ابن فُضَيلٍ عن يحيى بن سعيد الآتية (٢٠٤١) في ((باب الاعتكاف في شؤَّال)): كان يَعتكِفُ في كلّ رمضان، فإذا صلَّى الغَداةَ دخلَ. واستُدلَّ بهذا على أنَّ مَبدأ الاعتكاف من أوَّل النَّهار، وسيأتي نقلُ الخلاف فيه. ٢٧٦/٤ قوله: ((فاستأذَنت حفصةُ عائشةَ أن تَضرِبَ خِباءً)» في رواية الأوزاعي المذكورة: فاستأذنته عائشةُ فأذِنَ لها، وسألت حفصةُ عائشة أن تَستأذِن لها ففَعَلَت، وفي رواية ابن فُضَيلِ المذكورة: فاستأذَنتْ عائشة أن تَعتكِف، فأذِنَ لها فضَرَبَت قُبَّة، فسمعت بها حفصةٌ فضَرَبَت قُبَّة، زاد في رواية عَمْرو بن الحارث: ((لِتَعتكِفَ معه))، وهذا يُشعِر بأنَّها فعلت ذلك بغير إذنٍ، لكنَّ رواية ابن عُيَينةَ عند النَّسائي (ك٣٣٣٣): ثمَّ استأذنته حفصةُ فأذِنَ لها، وقد ظهر من رواية حَمَّدٍ (١) والأوزاعي أنَّ ذلك كان على لسان عائشةً. قوله: ((فلمَّا رأته زينب بنت جَحْش ضَرَبَت خِباء آخر)) وفي رواية ابن فُضَيلٍ: وسمعت بها زينب فضَرَبَت قُبَّة أُخرى، وفي رواية عَمْرو بن الحارث: فلمَّا رأته زينب ضَرَبَت معهنَّ وكانت امرأة غَيُوراً؛ ولم أقف في شيء من الطّرق أنَّ زينب استأذنت، وكأنَّ هذا هو أحد ما (١) هو حديث الباب. ٥٩٧ باب ٦ / ح ٢٠٣٣ أبواب الاعتكاف بَعَثَ على الإنكار الآتي. قوله: ((فلمَّا أَصْبَحَ النبيِ وَّ رأى الأخبيةَ)) في رواية مالك (٢٠٣٤) التي بعد هذه: فلمَّا انصَرَفَ إلى المكان الذي أراد أن يَعتكِف فيه إذا أخبيةٌ، وفي رواية ابن فُضَيلِ: فلمَّا انصَرَفَ من الغَدَاة أبصَرَ أربع قِبابٍ؛ يعني: قُبَّة له وثلاثاً للثلاثة، وفي رواية الأوزاعي: وكان رسول الله وَلّه إذا صلَّى انصَرَفَ إلى بنائه الذي بُنيَ له ليعتكِفَ فيه، ووقع في رواية أبي معاويةَ عند مسلم (٦/١١٧٣) وأبي داود (٢٤٦٤): فأمَرَت زينب بخِبائها فضُرِب، وأمَرَ غيرُها من أزواج النبي ◌َّهِ بِبائها فضُرِبَ؛ وهذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك، ولیس كذلك، وقد فُسِّرَت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة وحفصة وزينب فقط، وبيَّن ذلك قولُه في هذه الرواية: ((أربع قِباب))، وفي رواية ابن عُيَينةَ عند النَّسائي (ك٣٣٣٣): فلمَّا صلَّى الصُّبحَ إذا هو بأربعة أبنيةٍ، قال: لمن هذه؟ قالوا: لعائشةً وحفصة وزينبَ. قوله: ((آالبِرَّ)) بِهِمزة استفهام ممدودة وبغير مَدّ، ((والبِرَ)) بالنَّصب، وقوله: ((تُرونَ بهنَّ» بضمِّ أوَّله أي: تَظُنّون، وفي رواية مالك: ((البِرَّ تقولون بهنَّ» أي: تَظُنّون، والقول يُطلَق على الظنّ، قال الأعشى: أمّا الرَّحيلُ فدونَ بعد غَدٍ فمتى تقولُ الدّارَ تَجمعُنا أي: تَظُنّ، ووقع في رواية الأوزاعي: ((البِرَّ أردنَ بهذا؟))، وفي رواية ابن عُيَينة: ((آلِبِرَّ تقولون يُرِدنَ بهذا))، والخِطاب للحاضرين من الرجال وغيرهم، وفي رواية ابن نُضَيلِ (٢٠٤١): ((ما حملهنَّ على هذا، آلبِرُّ؟ انزِعوها فلا أراها، فتُزِعَت))، و((ما)) استفهاميةٌ، و((آلِّ)) في هذه الرواية مرفوع، وقوله: ((فلا أراها)» زَعَمَ ابن الِّين أنَّ الصواب حذفُ الألفِ من «أراها)) قال: لأنه مجزومٌ بالنَّھي، ولیس کما قال. قوله: ((فَتَرَكَ الاعتكاف)) في رواية أبي معاوية: ((فأمَرَ بخِبائه فقُوِّضَ))، وهو بضمِّ القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد مُعجَمة، أي: نُقِض، وكأنَّه وَلّ خشي أن يكون الحاملُ لهنَّ على ذلك المباهاةَ والتنافُسَ الناشئَ عن الغَيْرة حرصاً على القُرب منه خاصَّةً، فَيَخرُج ٥٩٨ باب ٦ / ح ٢٠٣٣ فتح الباري بشرح البخاري الاعتكاف عن موضوعه، أو لمَّا أذِنَ لعائشةَ وحفصة أوَّلاً كان ذلك خفيفاً بالنّسبة إلى ما يُفضي إليه الأمر من توارُد بقية النِّسوة على ذلك، فيَضِيقُ المسجد على المصلِّين، أو بالنّسبة إلى أنَّ اجتماع النِّسوة عنده يُصَيِّره كالجالسِ في بيته، وربَّمَا شَغَلنَه عن التخلِّ لمَا قَصَدَ من العبادة فيَفُوت مقصود الاعتكاف. قوله: ((فتَرَكَ الاعتكاف ذلك الشهر، ثمَّ اعتكَفَ عَشراً من شوَّال)) في رواية الأوزاعي: فَرَجَعَ فلمَّا أفطر اعتكَفَ، وفي رواية ابن فُضَيلِ: فلم يَعتكِفِ في رمضان حتَّى اعتكَفَ في آخر العشر من شوَّال، وفي رواية أبي معاويةً: فلم يَعتكِفِ في رمضان حتَّى اعتكَفَ في العشر الأول من شوَّال. ويُجمع بينه وبين رواية ابن فُضَيلِ بأنَّ المراد بقوله: ((آخر العشر من شوَّال)) انتهاء اعتكافه. قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم، لأنَّ أوَّل شوَّال هو يوم الفِطْر وصومه حرام. وقال غيره: في اعتكافه في شؤَّال دليلٌ على أنَّ النَّوافل المعتادة إذا فاتت تُقضَى استحباباً. ٢٧٧/٤ واستدلَّ به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شَرَعَ فيه ثمَّ أبطَله، ولا دلالةَ فيه لما سيأتي. وقال ابن المنذر وغيرُه: في الحديث أنَّ المرأة لا تَعتكِف حتَّى تَستأذِنَ زوجها، وأنَّا إذا اعتكَفَت بغير إذنِه كان له أن يُخْرِجها، وإن كان بإذنِه فله أنَّ يَرجِعَ فيمنعَها. وعن أهل الرَّأي: إذا أذِنَ لها الَّوجُ ثمَّ مَنَعَها أَثِمَ بذلك وامتَنَعَت، وعن مالك: ليس له ذلك. وهذا الحديث حُجّةٌ علیھم. وفيه جواز ضَرْبِ الأخبية في المسجد، وأنَّ الأفضل للنِّساءِ أن لا يَعتكِفِنَ في المسجد، وفيه جوازُ الخروج من الاعتكاف بعد الدُّخول فيه، وأنَّه لا يَلزَمُ بالنِّية ولا بالشُّروع فيه، ويُستَنَبَط منه سائر التطوُّعات خلافاً لمن قال بالُّزوم. وفيه أنَّ أوَّل الوقت الذي يدخلُ فيه المعتكِفُ بعد صلاة الصُّبح، وهو قول الأوزاعي ٥٩٩ باب ٦ / ح ٢٠٣٣ أبواب الاعتكاف والليث والثَّوري، وقال الأئمّة الأربعة وطائفةٌ: يدخل قُبَيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنَّه دخل من أوَّل الليل، ولكن إنَّما تَخَلّى بنفسه في المكان الذي أعَدَّه لنفسِه بعد صلاة الصُّبح. وهذا الجواب يُشكِّلُ على من مَنَعَ الخروج من العبادة بعد الدُّخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنَّه وَّه لم يدخل المعتكَفَ ولا شَرَعَ في الاعتكاف، وإنَّمَا هَمَّ به ثمَّ عَرَضَ له المانعُ المذكورُ فتَرَكَه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرَينِ: إمّا أن يكون شَرَعَ في الاعتكاف فيَدُلُّ(١) على جواز الخروج منه، وإمّا أن لا يكون شَرَعَ فيدلُّ على أنَّ أوَّل وقته بعد صلاة الصُّبح. وفيه أنَّ المسجد شرطٌ للاعتكاف، لأنَّ النِّساء شُرِعَ لهنَّ الاحتجابُ في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذُكِرَ من الإذن والمنع، ولاكتُفَيَ لهنَّ بالاعتكاف في مساجد بيوتهنّ. وقال إبراهيم ابن عُلِيَّةِ: في قوله ((آلِبِرَّ تُرِدنَ؟)) دلالةٌ على أنَّه ليس لهنَّ الاعتكاف في المسجد؛ إذ مفهومه أنَّه ليس ببِرِّ لهنّ. وليس ما قاله بواضحٍ. وفيه شُؤْمِ الغَيْرة لأنها ناشئة عن الحَسَد المفضي إلى تَركِ الأفضل لأجله، وفيه تَركُ الأفضل إذا كان فيه مَصلَحةٌ، وأنَّ من خشي على عمله الرّياءَ جازَ له تَركُه وقطعُه. وفيه أنَّ الاعتكاف لا يجب بالنِّية، وأمَّا قضاؤه وَِّ له فعلى طريق الاستحباب، لأنه كان إذا عَمِلَ عملاً أثبَتَهَ(٢)؛ ولهذا لم يُنقَل أنَّ نساءَه اعتكَفنَ معه في شؤَّالٍ. وفيه أنَّ المرأة إذا اعتكَفَت في المسجد استُحِبَّ لها أن تجعل لها ما يَستُرُها، ويُشتَرَط أن تكون إقامتُها في موضع لا يضيقُ على المصلِّينَ. وفي الحديث بيانُ مَرتَبة عائشةَ في كونِ حفصةً لم تَستأذِن إلَّا بواسطتها، ويحتمل أن یکون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشةَ. (١) تحرَّف في (س) إلى: فیدخل. (٢) أخرجه مسلم (٧٤٦) (١٤١) من حديث عائشة. ٦٠٠ باب ٧-٨ / ح ٢٠٣٤ -٢٠٣٥ فتح الباري بشرح البخاري ٧ - باب الأخبية في المسجد ٢٠٣٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ بنتٍ عبد الرحمن، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَ﴿ أرادَ أن يَعتكِفَ، فلمَّا انصَرَفَ إلى المكانِ الَّذي أرادَ أن يَعتكِفَ إذا أخبِيةٌ: خِباءُ عائشةَ وخِياءُ حفصةَ وخِباءُ زينبَ، فقال: ((آلَبِرَّ تقولونَ بهنَّ؟)) ثمَّ انصَرَفَ، فلم يَعتكِفْ حتَّى اعتكَفَ عَشراً من شوَّالِ. قوله: ((باب الأخبية في المسجد)) ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مُتصَراً من طريق مالك عن يحيى بن سعيد، فوقع في أكثر الروايات عن عَمْرةَ عن عائشة، وسَقَطَ قوله: ((عن عائشة) في رواية النَّسَفي والكُشْمِيهني، وكذا هو في ((الموطَّآت)) كلّها. وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق عبد الله بن يوسف شيخ البخاري فيه ٢٧٨/٤ مُرسلاً أيضاً،/ وجَزَمَ بأنَّ البخاري أخرجه عن عبد الله بن يوسف موصولاً، قال التِّرمِذي: رواه مالكٌ وغيرُ واحدٍ عن يحيى مُرسلاً. وقال الدّار قطني: تابع مالكاً على إرساله عبدُ الوهّابِ الثَّقفي، ورواه إلياس عن يحيى موصولاً، وقال الإسماعيلي: تابع مالكاً أنسُ ابن عیاضٍ و حمّاد بن زید علی اختلافٍ عنه، انتھی. وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق عبد الله بن نافع عن مالك موصولاً، فحَصَلْنا على جماعة وَصَلوه، وقد تقدَّمت مباحثُه في الباب الذي قبله. ٨- باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ ٢٠٣٥- حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني عليُّ بنُ الحسینِ رضي الله عنهما: أنَّ صَفِيَّةَ زوجَ النبيِّ وََّ أخبَرَتَهُ: أنَّها جاءت إلى رسول الله ◌َّ تَزُورُه في اعتكافِهِ في المسجد في العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ، فَتَحدَّثَت عندَه ساعةً، ثمَّ قامَت تَنقَلِبُ، فقامَ النبيُّ وَّهِ معها يَقلِيُها حتَّى إذا بَلَغَت بابَ المسجدِ عندَ بابٍ أُمُّ سَلَمَةَ مَّ رجلانٍ من الأنصار، فسَلَّما على رسولِ اللهِ﴿، فقال لهما النبيُّ لِ ل﴾: ((على رِسْلِكما، إنَّما هي صَفِيَّةُ بنتُ حُبَيٍّ؟)) فقالا: سبحانَ الله يا رسولَ الله! وكَبُرَ عليهما، فقال النبيُّ وَّ: ((إنَّ الشيطانَ يَبلُغُ من