النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ باب ٤ / ح ٢٠١٧ كتاب صلاة التراويح وحمله الجمهورُ على الأثر الخفيفِ لکن يُعگُِّ عليه قوله في بعض طرقِه: ((ووجهه ممتلئ طيناً وماءً))، وأجاب النَّووي / بأنَّ الامتلاءَ المذكور لا يَستَلِمُ سَتْر جميع الجبهة. ٢٥٩/٤ وفيه جواز السُّجود في الطِّين، وقد تقدَّم أكثرُ ذلك في أبواب الصلاة. وفيه الأمرُ بطلب الأَولى والإرشادُ إلى تحصيل الأفضل، وأنَّ النِّسيانَ جائزٌ على النبي وَل﴿ ولا نقصَ عليه في ذلك لا سِيّما فيما لم يُؤذَن له في تَبليغِه، وقد يكون في ذلك مَصلَحةٌ تتعلَّقُ بالتشريع كما في السَّهوِ في الصلاة، أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصّة، لأنَّ ليلةَ القَدْر لو عُيِّنت في ليلةٍ بعينها حَصَلَ الاقتصارُ عليها ففاتَت العبادةُ في غيرها، وكان هذا هو المراد بقوله: ((عسى أن يكونَ خيراً لكم)) كما سيأتي في حديث عُبادةَ (٢٠٢٣). وفيه استعمال رمضان بدون شهر، واستحبابُ الاعتكاف فيه، وترجيحُ اعتكاف العشر الأخير، وأنَّ من الزُّؤيا ما يقعُ تعبيرُه مطابقاً، وتَرَتُّبُ الأحكام على رُؤيا الأنبياء. وفي أوَّل قصَّة أبي سَلَمة مع أبي سعيد المشيُّ في طلب العلم، وإتيانُ(١) المواضع الخالية للسُّؤال، وإجابةُ السائل لذلك واجتناب المشقّة في الاستفادة، وابتداءُ الطالب بالسُّؤال، وتقديمُ الخُطبة على التعليم وتقريب البعيد في الطاعة وتسهيل المشقّة فيها بحُسنٍ التلطُّف والتدريج إليها، قيل: ويُستَنَبَطُ منه جوازُ تغيير مادّة البناء من الأوقاف بما هو أقوى منها وأنفَع. ٤ - باب تحرِّي ليلة القَدْر في الوتر من العشر الأواخر فيه عُبادة. ٢٠١٧ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا أبو سُهَيلٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ الله وَِّهِ قال: ((فَحَرَّوا ليلةَ القَدرِ في الوثْرِ من العشرِ الأواخِرِ (١) تحرَّفت في (س) إلى: وإيثار، والمثبت من (أ) و(ع) وهو الأظهر. وهذه الفوائد الثلاثة الأولى المستفادة من قصة أبي سلمة مع أبي سعيد ليست ظاهرة في هذا الموضع من ((الصحيح))، وإنما هي فيه فيما سلف برقم (٨١٣). ٥٦٢ باب ٤ / ح ٢٠١٧ -٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري من رمضانَ)). [طرفاه في: ٢٠٢٠،٢٠١٩] ٢٠١٨ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي حازمِ والدَّرَاوَردِيُّ، عن یزیدَ، عن محمَّد بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ ﴾: كان رسولُ اللهِ وَ يُجَاوِرُ في رمضانَ العشرَ الَّتي في وَسَطِ الشهرِ، فإذا كان حينَ يُمسي من عشرينَ ليلةً يَمِضِينَ ويَستَقِلُ إحدى وعشرينَ رَجَعَ إلى مَسكَنِهِ، وَرَجَعَ مَن كان يُجَاوِرُ معه، وأنَّه أقامَ في شهرٍ جاوَرَ فيه الليلةَ الَّتي كان يَرجِعُ فيها، فخَطَبَ الناسَ فأمَرَهم ما شاءَ اللهُ، ثمَّ قال: ((كنتُ أُجَاوِرُ هذه العشرَ، ثمَّ قد بَدَا لي أن أُجاوِرَ هذه العشرَ الأواخِرَ، فمَن كان اعتكَفَ معي فليَتْبُت في مُعتكَفِه، وقد أُرِيتُ هذه الليلةَ، ثُمَّ أُنسِيتُها، فابتَغُوها في العشرِ الأواخِرِ، وابتَغُوها في كلِّ وِترٍ، وقد رَأيْتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ))، فاستَهَلَّتِ السماءُ في تلكَ الليلةِ، فأمطَرَت فَوَكَفَ المسجدُ في مُصلَّى النبيِّ وَ ليلَةَ إحدَى وعشرينَ، فبَصُرَتْ عيني رسولَ الله ◌َّهُ ونَظَرَتُ إليه انصَرَفَ من الصُّبْحِ ووَجهُه ◌ُمْتَلِىُّ طِيناً وماءً. ٢٠١٩- حذَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً رضي الله عنها، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((التَمِسوها ... )). ٢٠٢٠ - وحدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ◌َّهِ يُجَاوِرُ في العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ ويقول: ((َحرَّوْا ليلةَ القَدرِ في العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ)). ٢٠٢١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثْنا أيُوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: «التَمِسوها في العشرِ الأواخِرِ من رمضانَ ليلةَ القَدرِ في تاسعةٍ تَبقَى، في سابعةٍ تَبقَى، في خامسةٍ تَبقَى)). [طرفه في: ٢٠٢٢] ٢٠٢٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا عاصمٌ، عن أبي مِجَزٍ ٥٦٣ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح وعِكْرمةَ قالا: قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((هي في العشرِ، هي في تسعِ يَمِضِينَ، أو في سَبِعٍ يَبقَين)). تابَعه عبدُ الوهّاب عن أيوبَ. وعن خالدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ((التَمِسوا في أربعٍ وعشرينَ))، يعني ليلةَ القَدْر. قوله: ((باب تَحرِّي ليلة القَدْر في الوتر من العشر الأواخر» في هذه الترجمة إشارة إلى ٢٦٠/٤ رُجْحان كون ليلة القدر مُنحَصِرةً في رمضان، ثمَّ في العشر الأخير منه، ثمَّ في أوتاره لا في ليلةٍ منه بعينها، وهذا هو الذي يدلُّ عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقد وَرَدَ لليلة القَدْر علاماتٌ أكثرُها لا تَظهَرُ إلَّا بعد أن تمضي، منها في ((صحيح مسلم)) (١١٦٩ /٢٢٠) عن أبيّ بن كعبٍ: أنَّ الشمس تَطلُع في صَبِيحتها لا شُعاعَ لها، وفي روايةٍ لأحمد (٢١٢٠٩) من حديثه: مثل الطَّسْت، ونحوه لأحمد (٣٨٥٧) من طريق أبي عَقْرب عن ابن مسعود وزاد: ((صافية))، ومن حديث ابن عبّاس نحوه(١)، ولابن خُزيمة (٢١٩٢) من حديثه مرفوعاً: ((ليلة القدر طَلْقَةٌ لا حارّةٌ ولا باردةٌ، تُصبِح الشمسُ يومَها حمراءَ ضعيفةً))، ولأحمد (٢٢٧٦٥) من حديث عُبادة بن الصامت مرفوعاً: ((إنَّها صافيةٌ بَلْجَةٌ كأنَّ فيها فَمَراً ساطعاً، ساكنةٌ صاحيةٌ لا حَرَّ فيها ولا برد، ولا يَحِلُّ لكَوكَبٍ أن يُرمى به فيها، ومن أماراتها أنَّ الشمسَ في صَبِيحتها تَخْرُجُ مُستويةً ليس لها شعاعٌ مثل القمر ليلةَ البدر، ولا يَحِلُّ للشيطان أن يخرُج معها يومئذٍ)). ولابن أبي شَيْبةَ (٥١٣/٢) من حديث ابن مسعود أيضاً: أنَّ الشمس تَطلُع كلَّ يوم بين قَرنَي شيطان، إلَّا صبيحةَ ليلة القَدر، وله من حديث جابر بن سَمُرةَ مرفوعاً: ((ليلة القَدْر ليلة مَطَر وريح))(٢). (١) أثر ابن عباس هذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢/ ٥١٢، وليس هو في ((مسند أحمد)) كما هو ظاهر سیاق کلام الحافظ رحمه الله. (٢) هو بهذا الإسناد عند أحمد في «مسنده)) (٢٠٩٣٠) وأوله: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ... )) إلخ، وعليه اقتصر ابن أبي شيبة (٥١٣/٢)، دون ذكر المطر والريح. وإسناده عند أحمد ضعيف. ٥٦٤ باب ٤ / ح ٢٠١٧ -٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ولابن خُزيمة (٢١٩٠) من حديث جابر مرفوعاً في ليلة القدر: ((وهي ليلةٌ طَلْقَةٌ بَلْجةٌ لا حارّةٌ ولا باردةٌ، تَتَّضِحُ كَواكبُها ولا يَخْرُجُ شيطانُها حتَّى يُضيءَ فجرُها)»، ومن طريق قَتَادةَ عن أبي ميمونة عن أبي هريرة مرفوعاً (٢١٩٤): ((وإنَّ الملائكةَ تلك الليلة أكثرُ في الأرض من عَدَد الحصى». وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهدٍ: لا يُرسَل فيها شيطان، ولا تَحَدُثُ فيها داءٌ، ومن طريق الضَّحّاك: يقبل الله التوبة فيها من كلّ تائب، وتُفتَحُ فيها أبواب السماء، وهي من غروب الشمس إلى طلوعها. وذكر الطَِّرِىّ عن قومٍ: أنَّ الأشجار في تلك الليلة تَسقُط إلى الأرض ثمَّ تعودُ إلى مَنابِتِها، وأنَّ كلّ شيءٍ يَسجُدُ فيها. وروى البيهقي في ((فضائل الأوقات)) (١٠٦) من طريق الأوزاعي عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ أنَّه سمعه يقول: إنَّ المياه المالحةَ تَعذُّبُ تلك الليلة، وروى ابن عبد البَرِّ (١) من طريق زُهْرةَ بن معبد نحوَه. قوله: ((فيه عُبادة)) أي: يدخلُ في هذا الباب حديثُ عُبادةَ بن الصامت، وأشار إلى ما أخرجه في الباب الذي يليه (٢٠٢٣) من حديثه بلفظ: ((التَمِسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)). ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب ثلاثةَ أحاديثَ: الأول: حديث عائشة: أوردَه من وجهين وفَصَلَ بينهما بحديث أبي سعيدٍ، فالوجه الأوَّلُ: قوله: «أبو سُهیل عن أبيه)» هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وليس لأبيه في الصحيح عن عائشةً غير هذا الحديث. والوجه الثاني: قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القطّان ((عن هشام)» هو ابن عُرْوة، ووقع في ٢٦١/٤ (١) في «التمهيد)) ٢١٦/٢١. ٥٦٥ باب ٤ / ح ٢٠١٧- ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح رواية يوسف القاضي في كتاب ((الصيام)): حدَّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي، حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا هشام، أخرجه أبو نُعيم من طريقه ومن طريق ((مُسنَد أحمد)) عن يحيى أيضاً(١)، وأخرجه الإسماعيلي من طريق ابن زَنْجويه عن أحمد، فأدخَلَ بين يحيى وهشام شُعْبةَ وهو غريب، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجهين عن يحيى عن هشام بغير واسطة مُصڑّحاً فیه بالتحدیث بينهما. الحديث الثاني: حديث أبي سعيد، وقد سبق الكلامُ عليه في الباب الذي قبله. قوله: ((کان ◌ُجاوِر» أي: يَعتکِف. وقوله: ((العشر التي في وسَط الشهر)) حُذِفَ الظَّرفُ في رواية الكُشْمِيهني. وقوله: ((يَمِضِينَ)) في رواية الكُشمِهِيني: ((تمضي)) بالمثنَّة وحذفِ النّون. قوله: ((فليثبُت)) كذا للأكثر من الثَّبات، وفي رواية: ((فليَلبَث)) من اللُّبث، ومعناهما مُتقاربٌ. قوله: ((فابتَغُوها)» بالغين المعجمة وتقديم الموحّدة. قوله: (فَبَصُرَت)) بفتح الموخَّدة وضمِّ المهمَلة، وذِكرُ العين بعد البصر تأكيدٌ، كقوله: أخذتُ بيدي، وإنَّما يقال ذلك في أمر مُستَغرَبٍ إظهاراً للتَّعَجِّب من حصوله. الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس أورده من أو جُهٍ. قوله: ((التَمِسوا)) كذا اقتَصَرَ على هذه اللَّفظة من الخبر وكأنَّه أحالَ ببقيته على الطريق التي بعدَها، وهي طريقُ عبدة عن هشام ولفظه: ((تَحَرَّوا ليلة القَدْر في العشر الأواخر من رمضان))، وهو مُشعِرٌ بأنَّهما مُتَّفِقان إلَّا في هذه اللَّفظة فقال يحيى: ((التَمِسوا))، وقال عبدة: (تَحَرَّوا))، وعلى ذلك اعتمد المِزّي وغيرُه من أصحاب الأطراف فترجموا لرواية يحيى كذلك، ولكنَّ لفظ يحيى عند أحمد وسائر من ذكرتُ قبلُ: «كان رسول الله ټپڼ يعتکِفُ في (١) هو في ((مسند أحمد) برقم (٢٤٢٣٣). ٥٦٦ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري العشر الأواخر ويقول: التَمِسوها في العشر الأواخر)) يعني: ليلة القدر، وبين اللَّفظَينِ من التغاير ما لا يخفى. قوله: ((حدَّثني محمد، أخبرنا عَبْدة)) محمد: هو ابن سَلَام كما جَزَمَ به أبو نُعيم في ((المستخرَج))، ويحتمل أن يكون هو محمد بن المثنى، فيكون الحديثُ عنده عن يحيى وعبدة معاً، فساقه البخاري عنه على لفظ أحدهما. ولم يقع في شيء من طرق هشام في هذا الحديث التقييدُ بالوتر، وكأنَّ البخاري أشار بإدخاله في الترجمة إلى أنَّ مُطلَقَه يُحمَلُ على المقيّد في رواية أبي سُهَيل. قوله: ((التَمِسوها)) كذا فيه بإضمار المفعول والمراد به ليلةُ القَدْر، وهو مُفسَّرٌ بما بعدَه، وسيأتي أنَّه تقدَّم قبلَ ذلك كلامٌ يَحسُنُ معه عَوْدُ الضمير، وإنَّما وقع في هذه الرواية اختصارٌ. قوله: ((ليلةَ القَدْر)) بالنَّصب على البَدَل من الضمير في قوله: ((التَمِسوها)»، ويجوز الرفع. قوله في الطريق الثانية: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وعاصم: هو الأحوَل. قوله: ((عن أبي مِجِلَز وعِكْرمة قالا: قال ابن عبّاس: قال رسول الله وَليّ)) كذا أخرجه مُختصَراً، وقد أخرجه أحمد (٢٥٤٣) عن عَفّان، والإسماعيلي من طريق محمد بن عُقْبة، كلاهما عن عبد الواحد، فزاد في أوَّله قصَّةَ وهي: قال عمر: من يعلم ليلةَ القَدرِ؟ فقال ابن عبَّاس: قال رسول الله وَّةٍ ... فذكره، وبهذا يَظْهَرُ عَوْدُ الضمير المبهم في رواية الباب. وقد توقَّف الإسماعيلي في اتّصال هذا الحديث لأنَّ عِكْرمة وأبا مِجلَز ما أدرَكا عمرَ فما حَضَرا القصَّةَ المذكورة. والجواب: أنَّ الغرضَ منه أَّهما أخَذا ذلك عن ابن عبّاس، فقد رواه مَعمَر عن عاصم عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، وسياقُه أبسَطُ من هذا كما سنذكره، وإن كان موصولاً عن ابن عبَّاس فهو المقصود بالأصالة فلا يَضُرُّ الإرسالُ في قصَّة عمر، فإنَّها مذكورةٌ على طريق التّبَعِ إِنْ لو سَلَّمنا أنّها مُرسَلةٌ. ٥٦٧ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح قوله: ((في تسعِ يَمِضِين أو في سبع يَبقَينَ)) كذا للأكثر بتقديم السِّين في الثاني وتأخيرها في الأوَّل، وبلفظ المضيِّ في الأوَّل والبقاء في الثاني، وللكُشْمِيهنيّ بلفظ المضيِّ فيهما، وفي رواية الإسماعيلي بتقديم السّينِ في الموضعين. وقد اعتُرِضَ على تخريجِه هذا الحديثَ من وجه آخر، فإنَّ المرفوع منه قد رواه عبد الرزاق (٧٦٧٩) موقوفاً،/ فروى عن مَعمَر عن قَتَادةَ وعاصم أنَّهما سمعا عِكْرمة ٢٦٢/٤ يقول: قال ابن عبّاس: دَعَا عمرُ أصحابَ رسول الله وَ له فسألهم عن ليلة القَدْر، فأجمعوا على أنَّهَا العشر الأواخر، قال ابن عبّاس: فقلت لعمر: إنِّي لَأعلمُ - أو أظنُّ - أيُّ ليلةٍ هي، قال عمر: أيُّ ليلةٍ هي؟ فقلت: سابعةٌ تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال: من أين عَلِمتَ ذلك؟ قلت: خَلَقَ الله سبع سماواتٍ وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدَّهر يدور في سبع، والإنسان خُلِقَ من سبع، ويأكل من سبع، ويَسجُدُ على سبع، والطَّواف والجِمار، وأشياءُ ذكرها، فقال عمر: لقد فَطِنِتَ لأمرٍ ما فَطِنّا له؛ فعلى هذا فقد اختُلِفَ في رفع هذه الجملة ووَقْفها، فَرَجَحَ عند البخاري المرفوعُ، فأخرجه وأعرَضَ عن الموقوف. وللموقوفِ عن عمر طريق أُخرى أخرجها إسحاق بن راهويه في ((مسنده))، والحاكم (٠٤٣٧/١-٤٣٨) من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ وأوَّلُه: أنَّ عمرَ كان إذا دَعَا الأشياخَ من الصحابة قال لابن عبَّاس: لا تَتَكلَّم حتَّى يَتكلَّموا، فقال ذاتَ يومٍ: إنَّ رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((التَمِسوا ليلةَ القدر في العشر الأواخر وتراً)) أيُّ الوتْر هي؟ فقال رجلٌ برأيه: تاسعةٌ، سابعةٌ، خامسةٌ، ثالثةٌ، فقال لي: ما لك لا تَتكلَّم يا ابن عبّاس؟ قلت: أتكلّم برأيي؟ قال: عن رأيك أسألُك. قلت: فذكر نحوه وفي آخره: فقال عمر: أعجَزتُم أن تكونوا مثلَ هذا الغلام الذي ما استوَت شُؤونُ رأسِه. ورواه محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من هذا الوجه وزاد فيه: وأنَّ الله جعل النسبَ في سبعٍ، والصِّهرَ في سبعٍ، ثمَّ تَلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وفي رواية الحاكم: إنِّي لَأرى القولَ كما قلتَ. قوله: ((تابَعَه عبد الوهّاب عن أيوبَ)) هكذا وَقَعَت هذه المتابعةُ عند الأكثر من رواية ٥٦٨ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري الفِرَبْري هنا، وعند النَّسَفي عَقِبَ طريق وُهَيب عن أيوب، وهو الصواب وأصلَحَها ابن عساكرَ في نُسخَته كذلك، وقد وَصَله أحمد (٣٤٥٦) وابن أبي عمر في ((مُسنَديهما)) عن عبد الوهّاب - وهو ابن عبد المجيدَ الثَّقفي - عن أيوبَ متابعاً لؤُهَيب في إسناده ولفظه، وأخرجه محمد بن نصر في ((قيام الليل)) عن إسحاق بن راهويه عن عبد الوهّاب مثله، وزاد في آخره: أو آخر ليلة. قوله: ((وعن خالد، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: التَمِسوا في أربع وعشرين)) ظاهره أنَّه من رواية عبد الوهّاب عن خالد أيضاً، لكن جَزَمَ الِزّي بأنَّ طريق خالد هذه مُعلّقة، والذي أظنُّ أنَّها موصولة بالإسناد الأوَّل، وإنَّما حَذَفَها أصحاب المسنَدات لكونها موقوفةً، وقد روى أحمد (٢٣٠٢) من طريق سماك بن حَرْب عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس قال: أُتيت وأنا نائم فقيل لي: الليلة ليلة القَدْر، فقمتُ وأنا ناعس، فَتَعَلَّقت ببعضِ أطناب [فُسْطاط] رسول الله وَ ﴿ فإذا هو يُصلِّ، قال: فَنَظَرتُ في تلك الليلة فإذا هي ليلة أربع(١) وعشرين. وقد استُشکِلَ هذا مع قوله في الطريق الأُخرى: إنّها في وتر. وأُجيبَ بأنَّ الجمع(٢) بين الروايتَينِ أن يُحمَلَ ما وَرَدَ ممّا ظاهره الشَّفعُ أن يكون باعتبار الابتداء بالعَدَد من آخر الشهر، فتكون ليلة الرابع والعشرين هي السابعة، ويحتمل أن يكون مراد ابن عبّاس بقوله: ((في أربع وعشرين)) أي: أوَّل ما يُرجَى من السَّبع البواقي، فيوافق ما تقدَّم من التماسها في السَّبع البواقي. وزَعَمَ بعض الشُّرَاحِ أنَّ قوله: ((تاسعة تَبقَى)) يَلزَم منه أن تكون ليلة اثنين وعشرين إن كان الشهر ثلاثين، ولا تكون ليلة إحدى وعشرين إلَّا إن كان ذلك الشهر تسعاً وعشرين، وما ادَّعاه من الخَصْر مردود لأنه ينبني على المراد بقوله: ((تَبقَى)) هل هو شيءٌ يبقى بالليلة المذكورة أو خارجاً عنها، فبناه على الأوَّل، ويجوز بناؤُه على الثاني فيكون على عكسٍ ما (١) هو بهذا اللفظ عند الطيالسي (٢٧٩٠) من رواية سلّام - وهو أبو الأحوص - عن سماك، وأمّا الذي عند أحمد (٢٣٠٢) و(٢٥٤٧) من الطريق نفسها فهو بلفظ: ليلة ثلاث وعشرين. (٢) في (س): بأن الجمع ممكن. ٥٦٩ باب ٤ / ح ٢٠١٧- ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح ذُكِر، والذي يَظهَر أنَّ في التعبير بذلك الإشارةَ إلى الاحتمالَين، فإن كان الشهر مثلاً ثلاثين فالتِّسْعُ معناها غير الليلة، وإن كان تسعاً وعشرين فالتِّسع بانضِمامها، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في ليلة القَدر اختلافاً كثيراً، وتَحَصَّلَ لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتَرَكتا في إخفاء كلٍّ منهما ليقعَ الجِدُّ في طلبهما: القول الأوَّل: أنَّهَا رُفِعَت أصلاً ورأساً، حكاه المتولِّ في ((التتمَّة)) عن الرَّوافض، ٢٦٣/٤ والفاكهاني في ((شرح العمدة)) عن الحنفيَّة وكأنَّه خطأ منه، والذي حكاه السُّروجي أنَّه قول الشِّيعة، وقد روى عبد الرزاق (٧٧٠٧) من طريق داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن يُحِنِّس: قلت لأبي هريرة: زَعَموا أنَّ ليلة القدر رُفِعَت، قال: كَذَبَ من قال ذلك، ومن طريق عبد الله بن شريك (٧٧٠١) قال: ذكر الحجّاج ليلة القدر فكأنَّه أنكرها، فأراد زِرُّ بن حُبَيَشٍ أن يَحِصِبَه فمَنَعَه قومُه. الثاني: أنَّها خاصَّة بسنةٍ واحدة وَقَعَت في زمن رسول الله وَلِّ، حكاه الفاكهاني أيضاً. الثالث: أنَّها خاصَّة بهذه الأُمّة ولم تكن في الأُمَم قبلهم، جَزَمَ به ابن حبيب وغيره من المالكية، ونقله عن الجمهور، وحكاه صاحب ((العمدة))(١) من الشافعية ورَجَّحَه، وهو مُعتَرَضٌ بحديث أبي ذرِّ عند النَّسائي (ك٣٤١٣) حيثُ قال فيه: قلت: يا رسول الله، أتكونُ مع الأنبياء فإِذا ماتوا رُفِعَت؟ قال: ((لا بل هي باقية))، وعُمدَتُهم قول مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٢١): بَلَغَنِي أَنَّ رسول الله وَله تَقَاصَرَ أعمارَ أُمَّته عن أعمار الأُمَم الماضية، فأعطاه الله ليلة القَدْر. وهذا يحتمل التأويل فلا يَدفَعُ التصريح في حديث أبي ذرٍّ. الرابع: أنَّهَا تُمكِنَةٌ في جميع السَّنة، وهو قول مشهور عن الحنفيَّة، حكاه قاضي خان وأبو بكر الرازي منهم، وروي مثلُه عن ابن مسعود وابن عبَّاس وعِكْرمة وغيرهم. (١) في (س): العدّة، وما أثبتناه من (أ) و(ع) ولعلَّ المراد به كتاب ((العمدة)) وهو في فروع الشافعية من تصنيف الإمام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة (٥٠٧هـ). ٥٧٠ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري وزَيَّفَ المهلَّبُ هذا القول وقال: لعلَّ صاحبه بناه على دَوَران الزّمان لنُقصان الأهِلّة، وهو فاسد، لأنَّ ذلك لم يُعتَبر في صيام رمضان فلا يُعتَبرُ في غيره حتَّى تَنْتِقِلَ ليلة القدر عن رمضان. انتھی. ومأخَذ ابن مسعود كما ثبت في ((صحيح مسلم)) (١١٦٩/ ٢٢٠) عن أبيّ بن كعب: أنَّه أراد أن لا يَتَّكِلَ الناسُ. الخامس: أنّها مُتَصّة برمضان ◌ُمكِنةٌ في جمیع لیالیه، وهو قول ابن عمر رواه ابن أبي شَيْبة (٣/ ٧٥) بإسناد صحيح عنه، وروي مرفوعاً عنه أخرجه أبو داود (١٣٨٧) (١)، وفي ((شرح الهِداية)) الجزمُ به عن أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمَحَاملي وبعض الشافعية، ورَجَّحَه السُّبكي في ((شرح المنهاج))، وحكاه ابن الحاجب روايةً. وقال السُّروجي في ((شرح الهِداية)): قول أبي حنيفة: إنَّا تَنتَقِل في جميع رمضان، وقول صاحبيه (٢): إنَّها في ليلةٍ مُعيَّنَةٍ منه مُبهَمةٍ، وكذا قال النَّسَفي في ((المنظومة)): وليلةُ القَدْر بكلِّ الشهرِ دائرةٌ وعَيَّنَاها فَادْرِ انتھی. وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم، وهو السادس. السابع: أنَّها أوَّل ليلة من رمضان، حُكىَ عن أبي رَزِين العُقَيلي الصحابي، وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: ليلة القدر أوَّل ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم: لا نعلمُ أحداً قال ذلك غيره. الثامن: أنَّها ليلة النِّصف من رمضان، حكاه شيخنا سِراج الدّين بن الملقِّن في ((شرح العُمدة))، والذي رأيته في ((المفهِم)) للقُرطُبي حكاية قول أنَّها ليلة النصف من شعبان، وكذا نقله السُّروجي عن صاحب ((الطِّراز))، فإن كانا محفوظَينِ فهو القول التاسع، ثمَّ رأيت في (١) والمحفوظ فيه رواية الوقف. (٢) في (س): وقال صاحباه، وما أثبتناه من (أ) و(ع). ٥٧١ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح (شرح السُّروجي)) عن ((المحيط)): أنّها في النِّصف الأخير. العاشر: أنَّها ليلة سبعَ عشرةَ من رمضان، روى ابن أبي شَيْبة (٧٦/٣) والطبراني (٥٠٧٩) من حديث زيد بن أرقَم قال: ما أشُكّ ولا أمتَري أنَّها ليلةُ سبعَ عشرةَ من رمضان ليلةٌ أُنزل القرآن(١)، وأخرجه أبو داود (١٣٨٤) عن ابن مسعود أيضاً. القول الحادي عشرَ: أنَّهَا مُبهَمة في العشر الأوسط، حكاه النَّووي، وعَزَاه الطَّبري لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية. القول الثاني عشر: أنَّها ليلة ثمانٍ عشرةَ، قرأتُه بخَطِّ القُطْب الحلبي في شرحه، وذكره ابن الجوزي في ((مُشکِله)). القول الثالثَ عشرَ: أنَّها ليلة تسعَ عشرةَ، رواه عبد الرزاق (٧٦٩٦) عن علي، وعَزَاه الطَّبري لزيد بن ثابت وابن مسعود، ووَصَله الطَّحاوي (٩٢/٣) عن ابن مسعود. القول الرابعَ عشرَ: أنَّها أوَّل ليلة من العشر الأخير، وإليه مالَ الشافعي، وجَزَمَ به جماعة من الشافعية، ولكن قال السُّبكي: إنَّه ليس مجزوماً به عندهم لاتِّفاقهم على عَدَم حِنْث من عَلَّقَ يوم العشرين عِتَقَ عبده في ليلة القدر: / أنَّه لا يُعِقُ تلك الليلة بل بانقِضاءِ الشهر على ٢٦٤/٤ الصحيح، بناء على أنَّها في العشر الأخير، وقيل: بانقِضاءِ السَّنة بناء على أنَّها لا تَخْتَصُّ بالعشر الأخير بل هي في رمضان. القول الخامسَ عشرَ: مثل الذي قبله، إلّا أنَّه إن كان الشهر تامّاً فهي ليلة العشرين، وإن كان ناقصاً فهي ليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع الشهر، وهو قول ابن حَزْم وزَعَمَ أنَّه يُجمَعُ بين الأخبار بذلك، ويدلّ له ما رواه أحمد (١٦٠٤٦) والطّحاوي (٨٥/٣- (١) وقع عند ابن أبي شيبة: ليلة تسع عشرة، وكذلك وقع عند البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٩١/٣ في ترجمة حَوْط، وهو الراوي عن زيد بن أرقم، قال البخاري: وهذا منكر لا يُتَابَع عليه. قلنا: أما حديث ابن مسعود عند أبي داود فهو مرفوعٌ، وقد روي عنه موقوفاً عليه عند عبد الرزاق (٧٦٩٧) وغيره، وهو الراجح، والله تعالى أعلم. ٥٧٢ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري ٨٦) من حديث عبد الله بن أنيسٍ قال: سمعت رسول الله وَلَّ يقول: ((التَمِسوها الليلةَ)) قال: وكانت تلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أُولی ثمانٍ بَقِین، قال: ((بل أُولى سبعٍ يَبقَينَ، فإنَّ هذا الشهر لا يَتِمّ)). القول السادسَ عشرَ: أنَّها ليلة اثنين وعشرين، وستأتي حکایته بعدُ. وروى أحمد(١) من حديث عبد الله بن أُنيسٍ: أنَّه سأل رسول الله وَ لَه عن ليلة القدر، وذلك صبيحةً إحدى وعشرين فقال: ((كم الليلة؟)) قلت: ليلة اثنين وعشرين، فقال: ((هي الليلة أو القابلة)). القول السابعَ عشرَ: أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم (١١٦٨) عن عبد الله بن أنيسِ مرفوعاً: ((أُريتُ ليلةَ القَدر ثمَّ أُنسِيتُها))، فذكر مثل حديث أبي سعيد(٢) لكنَّه قال فيه: ((ليلة ثلاث وعشرين)) بدلَ ((إحدى وعشرين))، وعنه قال: قلت: يا رسول الله، إن لي باديةً أكون فيها، فمُرني بليلةٍ(٣)، قال: ((انزِلْ ليلة ثلاث وعشرين))(٤). وروى ابن أبي شَيْبة (٧٦/٣) بإسناد صحيح عن معاوية قال: ليلة القَدْر ليلة ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق في («مسنده)) من طريق أبي حازم عن رجل من بني بَيَاضةً له صحبة مرفوعاً، وروى عبد الرزاق (٧٦٨٨) عن مَعمَرٍ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((من كان مُتَحرّيها فليَتَحرَّها لیلة سابعةٍ))، و کان أیوب یَغتَسِل ليلة ثلاث وعشرين ويَمَسّ الطِّيب، وعن ابن جُرَيج (٧٦٨٦) عن عُبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يُوقِظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وروى عبد الرزاق (٧٦٨٧) من طريق يونس بن سَيْف، (١) رواية أحمد (١٦٠٤٤) ليست بهذا اللفظ وإنما بنحوه، وهو عند أبي داود (١٣٧٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٨٧). (٢) يعني بحديث أبي سعيد المخرَّج عند البخاري في هذا الباب. (٣) في (س): بليلة القدر، وفي (أ) و(ع): بليلة، دون إضافة، وعند أبي داود وابن خزيمة: بليلة أنزلها إلى هذا المسجد. (٤) أخرجه أبو داود (١٣٨٠)، وابن خزيمة (٢٢٠٠). ٥٧٣ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح سمع سعيد بن المسيّب يقول: استَقَامَ قول القوم على أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، ومن طريق إبراهيم (٧٦٩٥) عن الأسوَد عن عائشة، ومن طريق مكحول (٧٦٩٣): أنَّه كان يراها لیلة ثلاث وعشرين. القول الثامنَ عشرَ: أَّها ليلة أربع وعشرين كما تقدَّم من حديث ابن عبّاس في هذا الباب، وروى الطَّيالسي (٢٢٨١) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد مرفوعاً: ((ليلة القدر ليلة أربع وعشرين))، وروي ذلك عن ابن مسعود والشَّعبي والحسن وقَتَادة. وحُجَّتُهم حديث وائلة: أنَّ القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان(١)، وروى أحمد (٢٣٨٩٠) من طريق ابن ◌َهِيعة عن يزيد بن أبي الخير عن الصُّنابحي عن بلال مرفوعاً: ((التَمِسوا ليلة القَدْر ليلة أربع وعشرين))، وقد أخطأ ابن لَهِيعة في رفعِه، فقد رواه عَمْرو بن الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفاً بغير لفظه كما سيأتي في أواخر المغازي (٤٤٧٠) بلفظ: ليلة القَدر أوَّل(٢) السَّبع من العشر الأواخر. القول التاسعَ عشرَ: أنَّها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في ((العارضة))، وعَزَاه ابن الجوزي في ((المشکِل)) لأبي بكرة. القول العشرونَ: أنَّها ليلة ستّ وعشرين، وهو قول لم أرَه صريحاً إلَّا أنَّ عياضاً قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير إلَّا وقد قيل: إنّها فيه. القول الحادي والعشرون: أنَّها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادّة من مذهب أحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وبه جَزَمَ أيُّ بن كعب وحَلَفَ عليه كما أخرجه مسلم (١١٦٩/ ٢٢٠). وروى مسلم أيضاً (١١٧٠) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: تَذاكَرْنا ليلة القدر فقال رسول الله وَله: ((أيُّكم يَذكُر حين طَلَعَ القمر كأنَّه شِقّ جَفْنة؟))، قال أبو الحسن الفارسي: أي: ليلة سبع وعشرين، فإنَّ القمر يَطلُع فيها بتلك الصِّفة. وروى الطبراني (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٦٩٨٤)، وهو ضعيف. (٢) بل لفظه: في السبع في العشر الأواخر. ٥٧٤ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري (١٠٢٨٩) من حديث ابن مسعود: سُئِلَ رسول الله وَ ل ◌َه عن ليلة القَدر فقال: ((أيُّكم يذكُر ليلة الصَّهباوات؟)) قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين(١)، ورواه ابن أبي شَيْبة (٢٥٠/٢) عن عمر وحُذَيفة وناس من الصحابة. وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم (١١٦٥/ ٢٠٧): رأى رجل ليلة القَدْر ليلةَ سبع ٢٦٥/٤ وعشرين، ولأحمد من حديثه مرفوعاً: ((ليلة القَدْر ليلة سبع وعشرين))(٢)، / ولابن المنذر: ((من كان مُتَحرّيَها فَلَيَتَحرَّها ليلةَ سبع وعشرين))، وعن جابر بن سَمُّرةَ نحوه، أخرجه الطبراني في «أوسطه))(٣)، وعن معاوية نحوه أخرجه أبو داود (١٣٨٦)، وحكاه صاحب (الحِلية)) من الشافعية عن أكثر العلماء، وقد تقدَّم استنباط ابن عبّاس عند عمر فيه وموافقته له، وزَعَمَ ابن قدامةَ أنَّ ابن عبّاس استَنْبَطَ ذلك من عَدَد كلمات السُّورة، وقد وافق أنَّ قوله فيها: ﴿هِىَ﴾ سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حَزْم عن بعض المالكية وبالَغَ في إنكاره، نقله ابن عطية في ((تفسيره)) وقال: إنَّه من مُلَح التفاسير وليس من مَتِين العلم. واستَنْبَطَ بعضهم ذلك من جهة أُخرى فقال: ليلة القدر تسعة أحرُف وقد ◌ُعیدت في السّورة ثلاث مرّات، فذلك سبع وعشرون. وقال صاحب ((الكافي)) من الحنفيَّة وكذا ((المحيط)): من قال لزوجته: أنتِ طالقٌ ليلةَ القدر، طَلُقَت ليلةَ سبع وعشرين، لأنَّ العامّة تَعتَقِد أنَّها ليلة القدر. القول الثاني والعشرونَ: أنَّها ليلة ثمان وعشرين، وقد تقدَّم توجيهه قبلُ بقولٍ. القول الثالث والعشرونَ: أنَّها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي. القول الرابع والعشرونَ: أنَّها ليلة ثلاثين، حكاه عياض والسُّروجي في ((شرح الهداية)»، (١) وهو في ((مسند أحمد)) (٣٥٦٥) لكن لم يذكر قوله: وذلك ليلة سبع وعشرين، ولكنها وقعت عند أبي یعلی في «مسنده» (٥٣٩٣)، وإسناده عندهما ضعيف. (٢) أخرجه برقم (٤٨٠٨) بلفظ: ((تحرَّوها ليلة سبع وعشرين))، وأخرجه برقم (٤٥٤٧) كرواية مسلم المذكورة. (٣) لم نقف عليه في ((الأوسط))، وهو في ((الصغير)) له برقم (٢٨٥). ٥٧٥ باب ٤ / ح ٢٠١٧-٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح ورواه محمد بن نَصْر والطَّبري عن معاوية، وأحمد من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة(١). القول الخامس والعشرونَ: أنَّها في أوتار العشر الأخير، وعليه يدلُّ حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو أرجحُ الأقوال، وصار إليه أبو ثَوْر والمُزَني وابن خُزيمة وجماعة من علماء المذاهب. القول السادس والعشرونَ مثله بزيادة الليلة الأخيرة، رواه التِّرمِذي (٧٩٤) من حديث أبي بَكْرة، وأحمد (٢٢٧٤١) من حديث عُبادة بن الصامت. القول السابع والعشرونَ: تَنتَقِل في العشر الأخير كلّه، قاله أبو قِلابة، ونَصَّ عليه مالك والثَّوري وأحمد وإسحاق، وزَعَمَ الماوَرْدي أنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وكأنَّه أخَذَه من حديث ابن عبّاس: أنَّ الصحابة اتَّفَقوا على أنَّها في العشر الأخير ثمَّ اختَلَفوا في تعيينها منه كما تقدَّم، ويُؤيِّد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد الصحيح أنَّ جِبْريل قال للنبي وَلِّ لمَّا اعتكَفَ العشر الأوسط: ((إنَّ الذي تَطْلبُ أمامَكَ))، وقد تقدَّم ذِكرُه قريباً(٢)، وتقدّم ذكر اعتكافه الآ العشر الأخير في طلب ليلة القدر واعتکاف أزواجه بعده والا جتهاد فيه کما في الباب الذي بعده. واختلف القائلون به، فمنهم من قال: هي فيه مُتَمَلة على حَدٍّ سواء، نقله الرافعي عن مالك، وضعَّفَه ابن الحاجب، ومنهم من قال: بعضُ لياليه أرجى من بعض، فقال الشافعي: أرجاه ليلة إحدى وعشرين، وهو القول الثامن والعشرون. وقيل: أَرجاهُ ليلة ثلاث وعشرين، وهو القول التاسع والعشرون. وقيل: أرجاه ليلة سبع وعشرين، وهو القول الثلاثون. القول الحادي والثلاثون: أنَّها تَنْتَقِل في السَّبع الأواخر، وقد تقدَّم بيان المراد منه في حديث ابن عمر (٢٠١٥): هل المراد ليالي السَّبع من آخر الشهر، أو آخر سبعة تُعَدُّ من (١) لم نقف على مثل هذه الرواية في ((مسند أحمد))، والله تعالى أعلم. (٢) عند شرح الحديث (٢٠١٦)، وهذه الرواية المذكوة سلفت عند البخاري برقم (٨١٣). ٥٧٦ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري الشهر؟ ويَخْرُج من ذلك القول الثاني والثلاثون. القول الثالث والثلاثون: أنَّها تَنتقِل في النِّصف الأخير، ذكره صاحب ((المحيط)) عن أبي يوسف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب ((التقريب))(١). القول الرابع والثلاثون: أنَّها ليلة ستّ عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث بن أبي أُسامة (٣٣٢) من حديث عبد الله بن الزُّبَيرِ(٢). القول الخامس والثلاثون: أنَّها ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين، رواه سعید بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيفٍ. القول السادس والثلاثون: أنَّها في أوَّل ليلة من رمضان أو آخر ليلة، رواه ابن أبي عاصم من حديث أنس بإسناد ضعيفٍ. القول السابع والثلاثون: أنَّها أوَّل ليلة، أو تاسع ليلة، أو سابع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو آخر ليلة، رواه ابن مَرْدويه في «تفسيره)) عن أنس بإسناد ضعيفٍ. القول الثامن والثلاثون: أنَّها ليلة تسع عشرة(٣)، أو إحدى عشرة، أو ثلاث وعشرين، رواه أبو داود من حديث ابن مسعود بإسناد فيه مقال، وعبد الرزاق (٧٦٩٦) من حديث عليٍّ بإسناد مُنقَطِعٍ، وسعيد بن منصور من حديث عائشة بإسناد مُنقَطِعِ أيضاً. القول التاسع والثلاثون: ليلة ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو مأخوذ من ٢٦٦/٤ حديث ابن عبّاس في الباب حيثُ قال: ((سبع يَبقَين أو سبع يَمضِين))، ولأحمد (١٨٤٠٢) (١) هو الإمام الجليل القاسم بن الإمام أبي بكر القفَّال الشَّاشِيُّ، المتوفى سنة (٤٠٠ هـ) تقريباً، وكتابه ((التقريب)) من أجلٌّ كتب المذهب الشافعي. انظر ترجمته في ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٤٧٢/٣. وأما ((المحيط)) فهو للإمام برهان الدين محمود بن أحمد البخاري الحنفي، المتوفى سنة (٦١٦ هـ). (٢) كلام الحافظ يُوهم أن هذا القول لعبد الله بن الزبير، وليس كذلك، وإنما هي من قول جعفر بن بُرقان (أحد الرواة) قال: بلغني أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة. وفي هذه الرواية جهالة. (٣) الذي في ((سنن أبي داود)) (١٣٨٤): سبع عشرة، وأما رواية عبد الرزاق الآتية فكما ذكر الحافظ. ٥٧٧ باب ٤ / ح ٢٠١٧ - ٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح من حديث النُّعمان بن بشير: ((سابعه تمضي أو سابعة تَبقَى))(١) قال النُّعمان: فنحن نقول: ليلة سبع وعشرين، وأنتُم تقولونَ: ليلة ثلاث وعشرين. القول الأربعونَ: ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين كما سيأتي في الباب الذي بعده من حديث عُبادة بن الصامت (٢٠٢٣)، ولأبي داود من حديثه بلفظ: ((تاسعة تبقى، سابعة تبقى، خامسة تبقى))(٢)، قال مالك في ((المدوَّنة)) قوله: ((تاسعة تبقى)) ليلة إحدى وعشرين ... إلى آخره. القول الحادي والأربعونَ: أنَّها مُنحَصِرة في السَّبع الأواخر من رمضان لحديث ابن عمر في الباب الذي قبله (٢٠١٥). القول الثاني والأربعونَ: أنَّها ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث عبد الله ابن أُنيسٍ عند أحمد(٣). القول الثالث والأربعونَ: أنَّها في أشفاع العشر الوَسَط والعشر الأخير، قرأتُه بخَطِّ مغلطاي. القول الرابع والأربعونَ: أنَّها ليلة الثالثة من العشر الأخير، أو الخامسة منه، رواه أحمد (٢٢٠٤٣) من حديث معاذ بن جبل، والفرق بينه وبين ما تقدَّم أنَّ الثالثة تَحتمِل ليلة ثلاث وعشرين وتحتمل ليلة سبع وعشرين، فتَنحَلَّ إلى أنَّها ليلة ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، وبهذا يَتَغايَر هذا القول ممَّا مضى. القول الخامس والأربعونَ: أنَّها في سبع أو ثمان من أوَّل النِّصف الثاني، روى الطَّحاوي (١) لفظه في («المسند»: قمنا مع رسول الله پټ لیلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، فأما نحن فنقول: ليلة السابعة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب نحن أو أنتم؟! (٢) لم نجده في ((سننه)) ولا عزاه صاحب ((التحفة)) إليه، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد في «مسنده)) (٢٢٧٢١). (٣) انظر تعليقنا عليه عند القول السادس عشر. ٥٧٨ باب ٤ / ح ٢٠١٧- ٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري (٨٨/٣) من طريق عطية بن عبد الله بن أنيسٍ عن أبيه: أنَّه سأل النبيَّ وَّهِ عن ليلة القَدْر فقال: ((تَحرَّها في النِّصف الأخير)) ثمَّ عاد فسأله فقال: ((إلى ثلاث وعشرين)) قال: وكان عبد الله يُحيي ليلة ستّ عشرة إلى ليلة ثلاث وعشرين ثمَّ يُقصِر. القول السادس والأربعونَ: أنَّها في أوَّل ليلة أو آخر ليلة، أو الوتر من الليل، أخرجه أبو داود في كتاب ((المراسيل)) (٧٩) عن مسلم بن إبراهيم عن أبي خَلْدة عن أبي العالية: أنَّ أعرابيًّا أتى النبي ◌َ ◌ّه وهو يُصلِي فقال له: متى ليلة القدر؟ فقال: ((اطلُبوها في أوَّل ليلة وآخر ليلة والوثْر من الليل»، وهذا مُرسَل رجاله ثقات. وجميع هذه الأقوال التي حَكَيناها بعد الثالث فهَلُمَّ جَرّاً مُتَّفِقة على إمكان حصولها والحثّ على التماسها. وقال ابن العربي: الصحيح أنَّها لا تُعلَم. وهذا يَصلُح أن يكون قولاً آخر، وأنكَرَ هذا القولَ النَّووي وقال: قد تَظاهَرَت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعة من الصالحين، فلا معنى لإنکار ذلك. ونقل الطَّحاوي عن أبي يوسف قولاً جَوَّزَ فيه أنَّه يرى أنَّها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك عنه فهو قول آخر. هذا آخر ما وقفتُ علیه من الأقوال وبعضها يُمكِنُ رَدُّه إلى بعض، وإن كان ظاهرها التغايُرِ، وأرجحها كلَّها أنَّها في وتر من العشر الأخير، وأنَّها تَتَقِل كما يُفهَم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتارُ العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيسٍ، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين، وقد تقدَّمت أدلَّة ذلك. قال العلماء: الحِكْمة في إخفاء ليلة القَدْر ليحصُل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عُيِّت لها ليلةٌ لا قتُصِرَ عليها كما تقدَّم نحوه في ساعة الجمعة، وهذه الحِكْمة مُطَّرِدة عند من يقول: إنَّها في جميع السَّنة أو في جميع رمضان، أو في جميع العشر الأخير، أو في أوتاره ٥٧٩ باب ٤ / ح ٢٠١٧-٢٠٢٢ كتاب صلاة التراويح خاصَّة، إلَّا أنَّ الأوَّل ثمَّ الثاني أليَقُ به. واختَلَفوا هل لها علامة تَظهَر لمن وُفِّقَت له أم لا؟ فقيل: يرى كلّ شيء ساجداً، وقيل: الأنوار في كلّ مكان ساطعةٌ حتَّى في المواضع المظلِمة، وقيل: يسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وُقِّقَت له، واختار الطَّبري أنَّ جميع ذلك غير لازم، وأنَّه لا يُشتَرَطُ لحصولها رؤيةُ شيءٍ ولا سماعُه. واختَلَفوا أيضاً: هل يَحَصُل الثَّواب المرتَب عليها لمن اتَّفَقَ له أنَّه قامَها وإن لم يَظهَر له شيء، أو يتوقَّف ذلك على كَشْفها له؟ وإلى الأوَّل ذهب الطَّري والمهلَّبُ وابن العربي وجماعة،/ وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدلّ له ما وقع عند مسلم (١٧٦/٧٦٠) من حديث ٢٦٧/٤ أبي هريرة بلفظ: ((من يَقُم ليلة القَدْر فيوافقها))، وفي حديث عُبادة عند أحمد (٢٢٧١٣): ((من قامَها إيماناً واحتساباً ثمَّ وُفِّقَت له)) قال النَّووي: معنى ((يوافقها)) أي: يعلم أنَّها ليلة القدر فيوافقها، ويحتمل أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك. وفي حديث زِرّ بن حُبَيَش عن ابن مسعود قال: ((من يَقُم الحَوْل يُصِب ليلة القدر))(١) وهو مُحْتَمِل للقولين أيضاً. وقال النَّووي أيضاً في حديث: ((من قامَ رمضان))، وفي حديث: ((من قام ليلة القدر)): معناه: من قامَه ولو لم يوافق ليلة القَدْر حَصَلَ له ذلك، ومن قامَ ليلة القدر فوافقها حَصَلَ له، وهو جارٍ على ما اختاره من تفسير الموافَقة بالعلم بها، وهو الذي يترجَّح في نظري، ولا أُنكِرُ حصول الثَّواب الجزيل لمن قامَ لابتغاءِ ليلة القدر وإن لم يعلم بها ولو لم توفَّق له، وإنّما الكلام على حصول الثَّواب المعَيَّنِ الموعود به. وفَرَّعوا على القول باشتراط العلم بها أنَّه يختصُّ بها شخص دون شخص، فيُكشّفُ لواحد ولا یُکشَفُ لآخرَ ولو کانا معاً في بيت واحد. (١) أخرجه مسلم (١١٦٩) (٢٢٠). ٥٨٠ باب ٤ / ح ٢٠١٧ -٢٠٢٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال الطَّبري: في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زَعَمَ أنَّه يَظهَر في تلك الليلة للعيونِ ما لا يَظهَر في سائر السَّنة، إذ لو كان ذلك حَقّاً لم يَخْفَ على كلِّ من قامَ لياليَ السَّنة فضلاً عن ليالي رمضان. وتعقَّبه ابن المنيِر في ((الحاشية)): بأنَّه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك، بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاءَ الله من عباده فيختصّ بها قوم دون قوم، والنبي وَّ لهلم يَحْصُّر العَلامة ولم يَنفِ الكرامة، وقد كانت العلامة في السَّنة التي حكاها أبو سعيد نزولَ المطر، ونحن نرى كثيراً من السِّنين ينقضي رمضانُ دون مَطَر مع اعتقادنا أنَّه لا يخلو رمضانُ من ليلة القدر. قال: ومع ذلك فلا نَعتَقِد أنَّ ليلة القدر لا يَنالها إلّا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع، ورُبَّ قائم تلك الليلة لم يَحَصُل منها إلَّا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخرَ رأى الخوارق من غير عبادة، والذي حَصَلَ على العبادة أفضل، والعِبْرة إنَّما هي بالاستقامة فإنَّا تستحيل أن تكون إلَّا كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامةً وقد يقع فتنة، والله أعلم. وفي هذه الأحاديث رَدٌّ لقول أبي الحسن المغرِبي(١) أنَّه اعتَبَرَ ليلة القَدْر فلم تَفْتَه طول عُمُره وأنَّها تكون دائماً ليلة الأحد، فإن كان أوَّل الشهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين وهَلُمَّ جَرّاً، ولَزِمَ من ذلك أن تكون في ليلتَينِ من العشر الوَسَط لضرورة أنَّ أوتار العشر خمسة. وعارضه بعض من تأخّرَ عنه فقال: إنّها تكون دائماً ليلة الجمعة، وذکر نحو قول أبي الحسن، وكلاهما لا أصلَ له، بل هو مخالف لإجماع الصحابة في عهد عمر كما تقدَّم، وهذا كافٍ في الردِّ وبالله التوفيق. (١) هكذا في (أ)، وفي (ع): أبي الحسن الجرمي المغرمي، وفي (س): أبي الحسن الحولي المغربي. ويغلب على ظنِّنا أنه العلّامة أبو الحسن علي بن أحمد الحَرَالِي المغربي، قال الذهبي في ((السير)) ٤٧/٢٣: عمل تفسيراً عجيباً ملأه باحتمالات لا يحتمله الخطاب العربي أصلاً، وتكلّم في علم الحروف والأعداد ... مات سنة سبع وثلاثين وست مئة.