النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١
باب ٦٩ / ح ٢٠٠٧
كتاب الصوم
رمضان، لكنَّ ابن عبّاس أسنَدَ ذلك إلى عِلمِه فليس فيه ما یردُ عِلم غيره، وقد روى مسلم
(١١٦٢) من حديث أبي قَتَادةَ مرفوعاً: ((إنَّ صوم عاشوراء يُكفِّر سنةً، وإنَّ صيام يوم
عَرَفة يُكفِّرِ سنتين))، وظاهره أنَّ صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل
في الحِكْمة في ذلك: إنَّ يومَ عاشوراء منسوبٌ إلى موسى عليه السلام، ويومَ عَرَفة منسوبٌ
إلى النبي ◌َّ﴿ فلذلك كان أفضلَ.
قوله: «یتحرّی) أي: يَقصِد.
قوله: ((وهذا الشهر؛ يعني شهر رمضان)) كذا ثبت في جميع الروايات، وكذا هو عند
مسلم (١١٣٢) وغيره، وكأنَّ ابن عبّاس اقتَصَرَ على قوله: ((وهذا الشهر))، وأشار بذلك
إلى شيء مذكور كأنَّه تقدَّم ذكر رمضان وذكر عاشوراء، أو كانت المقالة في أحد الزَّمانَينِ
وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: ((يعني رمضان))، أو أخَذَه الراوي من جهة الخَصْر
في أن لا شهرَ يُصامُ إلَّا رمضان لمَا تقدَّم له (١٩٧١) عن ابن عبّاس أنَّه كان يقول: ((لم أرَ
رسول الله (َ﴿ل صام شهراً كاملاً إلَّا رمضان))، وإنّما جمع ابن عبّاس بين عاشوراء
ورمضان - وإن كان أحدُهما واجباً والآخر مندوباً - لاشتراكهما في حصول الثَّواب، لأنَّ
معنى: ((يَتَحرّى)) أي: يَقصِد صومه لتحصيل ثوابه والرَّغبة فيه.
٢٠٠٧ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ ضُه،
قال: أُمَرَ النبيُّ ◌َ رجلاً من أسلمَ أنْ أَذِّنْ في الناس: «أَنَّ مَن كان أكَلَ فليَصُمْ بقيَّةً يومِه، ومَن
لم يكن أكَلَ فليَصُمْ، فإنَّ اليومَ يومُ عاشُوراءَ».
الحديث السابع: حديث سَلَمة بن الأكوع في الأمر بصوم عاشوراء، وقد تقدَّم في
أثناء الصيام (١٩٢٤) في ((باب إذا نوى بالنَّهار صوماً))، وأخرجه عالياً أيضاً ثُلاثيّاً، وقد
تقدَّم الكلام عليه هناك.
واستدلَّ به على إجزاء الصوم بغير نية لمن طَرأ عليه العلمُ بوجوب صوم ذلك اليوم،
كمن ثبت عنده في أثناء النَّهار أنَّه من رمضان فإِنَّه يُتِمُّ صومَه وُجِزِتُه، وقد تقدَّم البحثُ في
٥٤٢
باب ٦٩ / ح ٢٠٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك والردُّ على من ذهب إليه، وأنَّ عند أبي داود (٢٤٤٧) وغيره أمرَ مَنْ كان أكَلَ بقضاءِ
ذلك اليوم مع الأمر بإمساكه، والله أعلم.
خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الصيام من أوَّله إلى هنا على مئةٍ وسبعةٍ وخمسين حديثاً. المعلَّقُ
منها ستّةٌ وثلاثون حديثاً والبقيةُ موصولةٌ، والمكرَّرُ منها فيه وفيما مضى ثمانيةٌ وستّونَ
حديثاً، والخالصُ تسعة وثمانونَ حديثاً، وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى حديث أبي
هريرة: ((من لم يَدَع قولَ الزُّور))، وحديث عمَّار في صوم يوم الشكّ، وحديث أنس: آلى
من نسائه، وحديث أبي هريرة في الأمر يفطر الجُنُب، وحديث عامر بن ربيعة في السِّواك،
وحديث عائشة: ((السِّواك مَطَهَرَةٌ للفَم))، وحديث أبي هريرة: «لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي
لَأَمَرتهم بالسِّواك عند كلّ وُضوءٍ»، فالذي خَرَّجَه مسلمٌ بلفظ: ((عند كلّ صلاة))،
وحديث جابر فيه، وحديث زيد بن خالد فيه، وحديث أبي هريرة: ((من أفطرَ في
رمضان))، وحديث الحسن عن غير واحد: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم))، وجميع ذلك سوى
الأوَّل مُعلَّقَاتٌ، وحديث ابن عبّاس: ((احتَجَمَ وهو صائم))، وحديث أنس في كراهة
الحِجامة للصائم، وحديث ابن عمر في نَسخ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وحديث سَلَمة
ابن الأکوع في ذلك، وحديث ابن أبي ليلى عن الصحابي في تحويل الصيام، وحديث أبي
هريرة في التفريط، وحديث النَّهي عن الوِصال إبقاءً عليهم، وهذه الثلاثة مُعلَّقات،
وحديث أبي سعيد في النَّهي عن الوِصال، وحديث أبي جُحَيفةً في قصَّة سلمان وأبي
الدَّرداء، وحديث أنس في الدُّخول على أُمّ سُلَيم، وحديث جُوَيريةً في صوم يوم الجمعة،
وحديث ابن عمر في نَذْر صوم يوم العيد، وحديثه في صيام أيام التشريق، وحديث
عائشة في ذلك على شكٌّ في رفعهما.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ستّونَ أثراً، أكثرُها مُعلَّقٌ واليسير منها موصول.
والله سبحانه وتعالى الهادي إلى الصواب.
٥٤٣
باب ١ / ح ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩
كتاب صلاة التراويح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب صلاة التّراويح
((كتاب صلاة التّراويح)) كذا في رواية المُستَمْلي وحدَه، وسَقَطَ هو والبسملة من رواية ٢٥٠/٤
غيره، والتراويح جمعُ تَرويحةٍ: وهي المرّة الواحدة من الراحة كتسليمةٍ من السلام. سُمّيت
الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويحَ، لأنهم أوَّلَ ما اجتمعوا عليها كانوا يَستَريحونَ
بين كلّ تَسليمَتَين، وقد عَقَدَ محمد بن نَصْر في ((قيام الليل)) بابين لمن استَحَبَّ التطوُّع لنفسِه
بين كلّ تَرويحتينِ ولمن كَرِهَ ذلك، وحكى فيه عن يحيى بن بُكَير عن الليث: أنَّهم كانوا
يستريحونَ قَدْرَ ما يُصلِي الرجل كذا وكذا ركعة.
١ - باب فضل من قام رمضان
٢٠٠٨- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
أبو سَلَمَةَ، أَنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول لرمضانَ: ((مَن قامَه إيماناً
واحتساباً، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنِه)).
٢٠٠٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميد بنِ
عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَلِّ، قال: ((مَن قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِرَ
له ما تَقدَّمَ من ذَنِهِ)).
قال ابنُ شِهابٍ: فتُوقِّيَ رسولُ اللهِ وَّهِ وَالنَّاسُ على ذلك، ثمَّ كان الأمرُ على ذلك في خلافةٍ
أبي بكرٍ وصذراً من خلافة عمر رضي الله عنهما.
قوله: ((باب فضل من قامَ رمضان)) أي: قامَ لياليَه مُصلّياً، والمراد من قيام الليل: ما ٢٥١/٤
يَحَصُلُ به مُطلَق القيام كما قَدَّمناه في التهجُّد سواء، وذكر النَّووي أنَّ المراد بقيام رمضان
صلاة التراويح، يعني أنَّه يَحصُلُ بها المطلوبُ من القيام لا أنَّ قيام رمضان لا يكون إلَّا بها،
٥٤٤
باب ١ / ح ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأغرَبَ الكِرْماني فقال: اتَّفَقوا على أنَّ المراد بقيام رمضان صلاةُ التراويح.
قوله: ((عن ابن شهاب)» في رواية ابن القاسم عند النَّسائي (٢٢٠٠): عن مالك حذَّثني
ابن شهاب.
قوله: (أخبرني أبو سَلَمة)» کذا رواه عُقیلٌ وتابعه يونس وشعيب وابن أبي ذئب ومَعمَر
وغيرهم(١)، وخالَفَه مالك فقال: ((عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن)) بدلَ أبي
سَلَمة، وقد صَحَّ الطريقان عند البخاري فأخرجهما على الولاء، وقد أخرجه النَّسائي
(٢٢٠١) من طريق جُوَيريةَ بن أسماءَ عن مالك عن الزّهْري، عنهما جميعاً (٢). وقد ذكر
الدّار قُطني (٣) الاختلاف فيه وصَحَّحَ الطريقَين، وحكى أنَّ أبا هَمَّام رواه عن ابن عُيَينةَ عن
الزُّهْري فخالَفَ الجماعةَ، فقال: عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وخالَفَه أصحاب
سفيان فقالوا: عن أبي سَلَمة، وقد رواه النَّسائي (٢١٩١) من طريق سعيد بن أبي هلال،
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب مُرسلاً.
قوله: ((يقول لرمضانَ)) أي: لفضل رمضانَ، أو لأجل رمضان، ويحتمل أن تكون اللّامُ
بمعنى: عن، أي: يقول عن رمضانَ.
قوله: ((إيمان)) أي: تصديقاً بوَعْد الله بالثَّواب عليه ((واحتساباً)) أي: طلباً للأجر لا
لقَصْدٍ آخر من ریاءٍ أو نحوه.
قوله: ((غُفِرَ له)) ظاهرُه يتناولُ الصَّغائرَ والكبائر، وبه جَزَمَ ابن المنذر، وقال النَّووي:
(١) طريق يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - أخرجها النسائي (٢١٩٣)، وطريق شعيب - وهوابن أبي حمزة -
أخرجها النسائي أيضاً (٢١٩٦)، وطريق ابن أبي ذئب أخرجها أحمد (٧٨٨١)، وطريق معمر أخرجها
عبد الرزاق (٧٧١٩)، ومن طريقه أحمد (٧٧٨٧)، ومسلم (٧٥٩) (١٧٤)، وأبو داود (١٣٧١)،
والترمذي (٨٠٨)، والنسائي (٢١٩٧)، وتابع عُقيلاً أيضاً سفيان بن عيينة عند النسائي (٢٢٠٢)،
وصالح بن كيسان عنده أيضاً (٢١٩٧).
(٢) أما رواية مالك في ((موطئه)) ١١٣/١ فهي عن الزهري، عن أبي سلمة.
(٣) في ((العلل)) له ٢٢٥/٩ -٢٣٠.
٥٤٥
باب ١ / ح ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩
كتاب صلاة التراويح
المعروفُ أنَّه يختصُّ بالصَّغائر، وبه جَزَمَ إمام الحرمين وعَزَاه عياضٌ لأهل السُّنّة، قال
بعضهم: ويجوز أن يُحُفِّف من الكبائر إذا لم يُصادِف صغيرةً.
قوله: ((ما تقدَّم من ذَنْبه)) زاد قُتَيبةُ عن سفيان عند النَّسائي (ك٣٥٢٣): ((وما تأخّرَ))،
وكذا زادها حامد بن يحيى عند قاسم بن أصبَغَ والحسين بن الحسن المروزي في كتاب
((الصيام)) له، وهشام بن عَّر في الجزء الثاني عشرَ من ((فوائده))، ويوسف بن يعقوب
النَّجاحي في ((فوائده))، كلهم عن ابن عُيَينَةَ.
ووَرَدَت هذه الزّيادة من طريق أبي سَلَمة من وجهٍ آخر أخرجها أحمد (٩٠٠١) من
طريق حمّاد بن سَلَمة عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وعن ثابت عن
الحسن، كلاهما عن النبي ◌َّه، ووَقَعَت هذه الزِّيادة من رواية مالكِ نفسِه أخرجها أبو
عبد الله / الجُرْجاني في ((أماليه)) من طريق بَحْر بن نَصْر عن ابن وَهْب عن مالك ويونس ٢٥٢/٤
عن الزُّهْري، ولم يتابع بحرَ بن نَصِرٍ على ذلك أحدٌ من أصحاب ابن وَهْب ولا من
أصحاب مالك ولا يونس سوى ما قَدَّمناه. وقد وَرَدَ في غُفْران ما تقدَّم وما تأخّرَ من
الذُّنوبِ عِدّةُ أحاديثَ جمعتها في كتابٍ مُفرَدٍ(١).
:
وقد استُشكِلَت هذه الزِّيادة من حيثُ إنَّ المغفرةَ تستدعي سَبْقَ شيءٍ يُغفَرِ، والمتأخِّرُ
من الذُّنوب لم يأت، فكيف يُغفَر؟ والجوابُ عن ذلك يأتي في قوله {َّهِ حكايةً عن الله عزَّ
وجلَّ أنَّه قال في أهل بدرٍ: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)) (٣٠٠٧)، ومُحُصَّلُ الجواب:
أنَّه قيل: إنَّه كِنايةٌ عن حِفْظهم من الكبائر فلا تَقَعُ منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إنَّ معناه
أنَّ ذُنوبَهم تقع مغفورةً، وبهذا أجاب جماعةٌ منهم الماوردي في الكلام على حديث صيام
عرفةَ، وأَنَّه يُكفِّرُ سنتين سنةً ماضيةً وسنةً آتيةً.
قوله: ((قال ابن شهاب: فتوفّ رسولُ اللهِ وَّهِ والناس)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((والأمر
(١) هذا الكتاب هو ((الخصال المكفِّرة))، وتقدم كلام الحافظ على هذه الزيادة عند شرح الحديث (١٩٠١)،
فانظره ففيه المزید.
٥٤٦
باب ١ / ح ٢٠١٠
فتح الباري بشرح البخاري
على ذلك)) أي: على تَرْك الجماعة في التراويح. ولأحمد (٧٨٨١) من رواية ابن أبي ذئبٍ
عن الزُّهْري في هذا الحديث: ولم يكن رسول الله بِّهِ جمع الناسَ على القيام، وقد أدرَجَ
بعضُهم قولَ ابن شهاب في نفس الخبر أخرجه التِّرمِذي (٨٠٨) من طريق مَعمَر عن ابن
شهاب.
وأمَّا ما رواه ابن وَهْب عن أبي هريرة: خرج رسول الله وَّ وإذا الناس في رمضان
يُصلُّونَ في ناحية المسجد فقال: ((ما هذا؟» فقيل: ناسٌ يُصلِّيّ بهم أبيّ بن كعبٍ، فقال:
((أصابوا ونِعمَ ما صَنَعوا)) ذكره ابن عبد البَرِّ (١)، وفيه مسلم بن خالد وهو ضعيف،
والمحفوظ أنَّ عمر هو الذي جمع الناسَ على أُبيّ بن كعبٍ.
٢٠١٠ - وعن ابنِ شِهابٍ، عن عُزْوةَ بنِ الزُّبَير، عن عبد الرحمن بنِ عبدِ القارِيِّ، أَنَّه قال:
خرجتُ مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴾ ليلةً في رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أَوْزائٌ مُتَفرِّقونَ يُصلِّي
الرجلُ لنفسِه، ويُصلِّ الرجلُ، فيُصلِّي بصلاته الرَّهْطُ، فقال عمرُ: إنِّي أَرَى لو جمعتُ هؤلاءٍ
على قارئٍ واحدٍ لكان أمثَلَ، ثمَّ عَزَمَ فجَمَعَهم على أُيِّ بنِ كعبٍ، ثمَّ خرجتُ معه ليلةً أُخرَى
والناسُ يُصلُّونَ بصلاة قارئِهم، قال عمرُ: نِعمَ البِذْعةُ هذه، والتي ينامونَ عنها أفضلُ من التي
يقومونَ؛ يريدُ آخرَ الليلِ، وكان الناسُ يقومونَ أوَّلَه.
قوله: ((وعن ابن شِهاب)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور أيضاً، وهو في ((الموطّأ))
(١١٣/١ و١١٤) بالإسنادين، لكن فرَّقَهما حديثين، وقد أدرَجَ بعض الرُّواة قصَّة عمر في
الإسناد الأوَّل، أخرجه إسحاق في («مسنده)) (٨٢٧) عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن
يونس عن الزُّهْري، فزاد بعد قوله: ((وصَدراً من خلافة عمرَ)): حتَّى جمعهم عمر على أُبيّ
ابن کعبٍ فقام بهم في رمضان، فكان ذلك أوَّل اجتماع الناس على قارئ واحدٍ في رمضان.
وجَزَمَ الذُّهلي في ((عِلَل حديث الزُّهْري)) بأنَّه وهمٍّ من عبد الله بن الحارث، والمحفوظ
رواية مالك ومن تابعه، وأنَّ قصَّة عمر عند ابن شهاب عن عُرْوة عن عبد الرحمن بن عبدٍ،
(١) في ((التمهيد)) ١١٠/٨-١١١.
٥٤٧
باب ١ / ح ٢٠١٠
كتاب صلاة التراويح
وهو بغير إضافة، لا عن أبي سَلَمة(١).
قوله: ((أَوْزاع)) بسكون الواو بعدها زائيٌ، أي: جماعة مُتفرِّقون، وقوله في الرواية:
(مُتَفرِّقون)) تأكيدٌ لفظي.
وقوله ((يُصلِّ الرجل لنفسِه)) بيانٌ لمَا أُجِلَ أوَّلاً، وحاصلُه: أنَّ بعضهم كان يُصلِّي
مُنْفَرِداً وبعضهم يُصلِّ جماعة، قيل: يُؤْخَذ منه جواز الائتِمام بالمصلِّ وإن لم ينوِ الإمامةَ.
قوله: ((أمثَل)) قال ابن التِّين وغيره: استنْبَطَ عمر ذلك من تقرير النبي ◌َّ مَن صلَّى معه
في تلك اللَّيالي، وإن كان كَرِهَ ذلك لهم، فإنَّا كَرِهَه خَشْيَةَ أن يُفرَضَ عليهم، وكأنَّ هذا هو
السِّرُّ في إيراد البخاري لحديث عائشةَ عَقِب حديث عمر، فلمَّا مات النبي ◌ِّهِ حَصَلَ الأمنُ
من ذلك، ورَجَحَ عند عمر ذلك لمَا في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأنَّ الاجتماع على
واحدٍ أنشَطُ لكثير من المصلِّين، وإلى قول عمر جَنَحَ الجمهور، وعن مالك في إحدى
الروايتينِ وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاة في البيوت أفضل، عملاً بعموم قوله ويثير:
((أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة))، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة(٢)، وبالَغَ الطَّحاوي فقال: إنَّ صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكِفاية.
وقال ابن بَطَّال: قيام رمضان سُنّةٌ، لأنَّ عمرَ إنَّما أخَذَه من فعل النبي ◌َِّ، وإنَّمَا تَرَكَه
النبي ◌َّهِ خَشْيَةَ الافتراض.
وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجُه: ثالثها: من كان يَحِفَظُ القرآنَ ولا يخاف من
الكَسَل، ولا تَخْتَلُّ الجماعةُ في المسجد بتَخَلُّفِهِ، فصلاتُه في الجماعة والبيت سواءٌ، فمن فقد
بعضَ ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.
قوله: ((فجمعهم على أبيّ بن كعب)) أي: جَعَله لهم إماماً، وكأنَّه اختاره عملاً بقوله
(١) الذي في ((مسند إسحاق)) طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة، وقصة عمر مدرجة عنده في هذا
الإسناد لا في إسناد أبي سلمة ولا في إسناد عبد الرحمن بن عبدٍ.
(٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، وإنما أخرجه البخاري (٧٣١) ومسلم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت.
٥٤٨
باب ١ / ح ٢٠١٠
فتح الباري بشرح البخاري
٢٥٣/٤ ◌َله: ((يَؤُمُّهم أقرَؤُهم لكتاب الله))(١)، وسيأتي في تفسير البقرة (٤٤٨١) قولُ عمر:
((أقرَؤُنا أُبيّ))، وروى سعيد بن منصورٍ من طريق عروة: أنَّ عمر جمع الناس على أُبيّ بن
كعبٍ، فكان يُصلِّ بالرجال، وكان تَيمٌ الدّاريُّ يُصلِّيّ بالنِّساء، ورواه محمد بن نَصْر في
كتاب ((قيام الليل)) له من هذا الوجه فقال: سليمان بن أبي حَثْمة، بدلَ تميم الدّاري،
ولعلَّ ذلك كان في وقتین.
قوله: ((فخرج ليلةً والناس يُصلَّونَ بصلاة قارئِهم)) أي: إمامهم المذكور، وفيه إشعارٌ بأنَّ
عمر كان لا يُواظِبُ على الصلاة معهم، وكأنّه كان يرى أنَّ الصلاة في بيته ولا سيما في آخر
الليل أفضل، وقد روى محمد بن نصر في ((قيام الليل)) من طريق طاووسٍ عن ابن عبّاس
قال: كنت عند عمر في المسجد، فسمع هَيْعة الناس فقال: ما هذا؟ قيل: خَرَجوا من
المسجد، وذلك في رمضان، فقال: ما بقيَ من الليل أحبُّ إليَّ ممّا مضى، ومن طريق عِكْرمة
عن ابن عبّاس نحوه من قوله.
قوله: ((قال عمرُ: نِعمَ البِذْعة)) في بعض الروايات: ((نِعمَت البدعة)) بزيادة تاءٍ، والبِدْعة
أصلُها: ما أُحدِثَ على غير مِثالٍ سابقٍ، وتُطلَقُ في الشَّرع في مُقابِل السُّنّة فتكونُ مذمومةً،
والتحقيقُ أنَّا إن كانت ممّا يَندَرِجُ تحت مُستَحسَنٍ في الشَّرع فهي حسنةٌ، وإن كانت ممّاً
يَندَرِجُ تحت مُستَقْبَحٍ في الشَّرع فهي مُستَقبَحةٌ، وإلَّا فهي من قسم المباح، وقد تَنْقَسِمُ إلى
الأحكام الخمسة.
قوله: ((والتي ينامونَ عنها أفضل)) هذا تصريحٌ منه بأنَّ الصلاةَ في آخر الليل أفضلُ من
أوَّلِه، لكن ليس فيه أنَّ الصلاةَ في قيام الليل فُرادَى أفضلُ من التجميع.
تكميل: لم يقع في هذه الرواية عَدَد الرَّكعات التي كان يُصلِّ بها أُبيّ بن كعب، وقد
اختُلِفَ في ذلك، ففي ((الموطَّأ)) (١/ ١١٥) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد: أنَّها
إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخرَ وزاد فيه: وكانوا يقرؤونَ بالمئتَينِ
(١) أخرجه مسلم (٦٧٣) من حديث ابن مسعود، وأخرجه بنحوه (٦٧٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
٥٤٩
باب ١ / ح ٢٠١٠
كتاب صلاة التراويح
ويقومونَ على العِصِيِّ من طول القيام، ورواه محمد بن نصرٍ المروزي من طريق محمد بن
إسحاق عن محمد بن يوسف، فقال: ثلاثَ عشرةَ، ورواه عبد الرزاق (٧٧٣٠) من وجه
آخرَ عن محمد بن يوسف فقال: ((إحدى وعشرين))، وروى مالك من طريق يزيد بن
خُصَيفةَ عن السائب بن يزيد: ((عشرين ركعةً))(١)، وهذا محمولٌ على غير الوتر، وعن يزيد
ابن رومانَ قال: كان الناس يقومونَ في زمان عمر بثلاثٍ وعشرين(٣)، وروى محمد بن
نَصر من طريق عطاء قال: أدرَكتُهم في رمضان يُصلُّونَ عشرين ركعة وثلاث ركعات
الوتر.
والجمعُ بين هذه الروايات مُمكِّنٌ باختلاف الأحوال، ويحتمل أنَّ ذلك الاختلاف
بحَسَبِ تطويل القراءة وتخفيفها، فحيثُ يطيلُ القراءة تَقِلُّ الرَّكعات وبالعكس، وبذلك
جَزَمَ الدَّاوودي وغيره، والعَدَد الأوَّل موافق لحديث عائشة المذكور بعد هذا الحديث في
الباب، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجعٌ إلى الاختلاف في الوِتْر،
وكأنَّه كان تارةً يُوتِرُ بواحدةٍ وتارةً بثلاثٍ.
وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركتُ الناس في إمارة أبانَ بن
عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني بالمدينة - يقومونَ بستٌّ وثلاثين ركعةً، ويُوتِرونَ
بثلاثٍ، وقال مالك: هو الأمرُ القدیمُ عندنا.
وعن الزّعفَراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومونَ بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكّة
بثلاثٍ وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضِيقٌ(٣)، وعنه قال: إن أطالوا القيامَ وأقلُّوا
السُّجودَ فحسنٌ، وإن أكثروا السُّجود وأخَقُّوا القراءةَ فحسنٌ، والأوَّل أحبُّ إليّ.
(١) لم نقف عليه في أيٍّ من روايات ((الموطأ)) التي بين أيدينا، وأخرجه البغوي في ((الجعديات)) (٢٩٢٦) من
طريق ابن أبي ذئب عن يزيد بن خصيفة به، ومن طريق البغوي أخرجه البيهقي في (السنن)) ٢/ ٤٩٦،
و((فضائل الأوقات)) (١٢٧). وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١/ ١١٥.
(٣) انظر ((الأم)) ١ / ١٦٧، وفيه بعد قوله: ((بتسع وثلاثين)): وأحبُّ إلي عشرون، لأنه روي عن عمر.
٥٥٠
باب ١ / ح ٢٠١١ - ٢٠١٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال التِّرمِذي: أكثرُ ما قيل فيه أنَّها تُصلَّى إحدى وأربعين ركعة، يعني: بالوتر(١).
کذا قال.
وقد نقل ابن عبد البَرِّ عن الأسوَد بن يزيد: تُصلّى أربعين ويُوتِرُ بسبع (٢)، وقيل: ثمان
وثلاثين، ذكره محمد بن نصر عن ابن أيمن عن مالك، وهذا يُمكِنُ رَدُّه إلى الأوَّل بانضِمام
ثلاث الوتر، لكن صَرَّحَ في روايته بأنَّه يُوتِرُ بواحدةٍ، فتكون أربعين إلَّاّ واحدةً، قال مالك:
٢٥٤/٤ وعلى هذا العملُ / منذُ بضع ومئة سنةٍ، وعن مالك: ستّاً وأربعين وثلاث الوتر، وهذا هو
المشهور عنه، وقد رواه ابن وَهْب عن العُمَري عن نافع قال: لم أُدرِك الناسَ إلَّا وهم
يُصلُّونَ تسعاً وثلاثين، يُوتِرونَ منها بثلاثٍ، وعن زرارةَ بن أَوفى: أنَّه كان يُصلِّ بهم
بالبصرة أربعاً وثلاثين ويُوتِر، وعن سعيد بن جُبَير: أربعاً وعشرين، وقيل: ستَّ عشرةَ
غير الوتر، رُويَ عن أبي مِجلَز عند محمد بن نَصْر.
وأخرج من طريق محمد بن إسحاق، حدَّثني محمد بن يوسف، عن جدِّه السائبٍ بن
يزيد قال: كنَّا نُصلّي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق: وهذا أثبتُ ما
سمعت في ذلك، وهو موافقٌ لحديث عائشة في صلاة النبي وَّ من الليل، والله أعلم.
٢٠١١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير، عن
عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّبَّهِ: أنَّ رسولَ اللهَوَ لَ صلَّى وذلك في رمضانَ.
٢٠١٢ - وحدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، أخبرني
عُزْوةُ، أَنَّ عائشةَ رضي الله عنها أخبرته: أنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ خرج ليلةً من جوفِ الليلِ، فصَلَّى في
المسجدِ وصَلَّى رِجالٌ بصلاتِهِ، فأصبَحَ الناسُ فتَحدَّثوا، فاجتمَعَ أكثرُ منهم فصُلِّيَ معه، فأصبَحَ
الناسُ فتَحدَّثوا، فَكَثُرَ أهلُ المسجدِ من الليلةِ الثالثةِ، فخرجَ رسولُ الله ◌ِِّ فِصُلِّيَّ بصلاتِهِ، فلمَّا
(١) عبارة الترمذي في ((جامعه)) تحت ح (٨٠٦) كما يلي: واختلف أهل العلم في قيام رمضان، فرأى بعضهم
أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة، وأكثر
أهل العلم على ما رُويَ عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي ◌َّ عشرين ركعة.
(٢) في ((الاستذكار)) ٢/ ٧٠.
٥٥١
باب ١ / ح ٢٠١١ - ٢٠١٣
كتاب صلاة التراويح
كانت الليلةُ الرابعةُ عَجَزَ المسجدُ عن أهلِهِ، حتَّى خرجَ لصلاة الصُّبح، فلمَّا قَضَى الفجرَ أقبلَ
على الناس فتَشَهَّدَ، ثمّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّه لم يَخْفَ عليَّ مكانُكم، ولكنِّي خَشِيتُ أن تُفتَرضَ
عليكم، فتَعجِزوا عنها)» فتُوفّ رسولُ اللهِِّ والأمرُ على ذلك.
٢٠١٣- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ
عبدِ الرحمن، أنَّه سأل عائشةَ رضي الله عنها: كيفَ كانت صلاةُ رسولِ الله وَّهِ في رمضانَ؟
فقالت: ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِهِ على إحدَى عَشْرةَ ركعةً، يُصلِّ أربعاً فلا تَسأَلْ عن
حُسْنِهِنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يُصلِّي أربعاً فلا تَسأَلْ عن حُسنِهِنَّ وطولِهنَّ، ثمّ يُصلِّى ثلاثاً، فقلتُ: يا
رسولَ الله، أتنامُ قبلَ أن تُوتِرَ؟ قال: ((يا عائشةُ، إنَّ عَينَيَّ تَنامانٍ ولا ينامُ قَلْبي)).
قوله: ((حدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيسٍ.
قوله: ((أنَّ رسول الله وَّهِ صَلّى، وذلك في رمضان)) هكذا أوردَه مُقتصِراً على شيءٍ من
أوَّلِه وشيءٍ من آخره، وقد أوردَه تامّاً في أبواب التهجُّد (١١٢٩) بلفظ: أنَّ رسول الله وَه
صلَّى ذات ليلة في المسجد فصلَّ بصلاته ناسِ ... فذكر الحديثَ إلى قوله: ((خَشِيتُ أن
تُفْرَضَ عليكم))، وذلك في رمضان. وقد تقدَّم شرحُه مُستوفَّى هناك.
قوله: ((خَشِيتُ أن تُفتَرضَ عليكم)) قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): يُؤْخَذُ منه أنَّ الشُّروعَ
مُلزِمٌ، إذ لا تَظْهَرُ مُناسَبةٌ بين كونهم كانوا يفعلون ذلك ويُفرَضُ عليهم إلَّا ذلك. انتهى،
وفيه نظرٌّ لأنه يحتمل أن يكون السبب في ذلك الظَّهور اقتدارَهم على ذلك من غير تكلُّفٍ
فیُفرَض عليهم.
قوله في آخر طريق عُقيلِ: ((فتولَّ رسول الله وَلِّ والأمرُ على ذلك)) هذه الزّيادة من قول
الزُّهْري كما بيَّتُه في الكلام على الحديث الأوَّل.
قوله: ((ما كان يزيدُ في رمضان ... )) إلى آخره، تقدَّم الكلامُ عليه مُستوفَّى في أبواب
التهجُّد (١١٤٧)، وأمَّا ما رواه ابن أبي شَيْبةَ (٣٩٤/٢) من حديث ابن عبّاسٍ: كان
رسول الله وَل﴿ يُصلِّي في رمضان عشرين ركعة والوترَ، فإسناده ضعيفٌ، وقد عارضَه
٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
حديثُ عائشة هذا الذي في ((الصحيحين)) مع كونها أعلمَ بحال النبي ◌َّ ليلاً من غيرها،
والله أعلم.
٥٥٣
باب ٢ / ح ٢٠١٤
كتاب صلاة التراويح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٢٥٥/٤
٢- باب فضل ليلة القَدْر
وقالَ الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ إلى آخر السورة [القدر: ١-٥].
قال ابنُ عُيَينةَ: ما كان في القُرآنِ: ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ﴾ فقد أعلمَه، وما قال: ((وَما يُدرِيكَ)) فإنَّه
لم يُعلِمْ.
٢٠١٤ - حدّثنا عليٌّ بن عبدِ الله، حدّثنا سفيانُ، قال: حَفِظناه من الزُّهْريّ أيُّما حِفْظٍ، عن
أبي سَلَمة، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما
تقدَّم من ذَنِيهِ، ومن قام ليلةَ القَدْر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنِهِ)).
تابعه سليمانُ بن كثيرٍ عن الزُّهريّ.
قوله: ((باب فضل ليلة القَدرِ، وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ إلى آخر السّورة»
ثبت في رواية أبي ذرٍّ قبلَ الباب بسملةٌ، وفي رواية غيره: ((وقول الله عزَّ وجلَّ)) أي: وتفسيرُ
قول الله، وساق في رواية كَرِيمة السّورةَ كلَّها.
ومُناسَبة ذلك للترجمة من جهة أنَّ نزولَ القرآنِ في زمانٍ بعينِهِ يقتضي فضلَ ذلك
الزّمان، والضميرُ في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ﴾ للقرآنِ، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى﴾ [البقرة: ١٨٥]، وممّا تَضمَّنته السُّورة من فضل ليلة القَدْر تَنْزُّلُ
الملائكة فيها، وسيأتي في التفسير (١) ذِكرُ الاختلاف في سبب نزولها، وغير ذلك من
تفسیرها.
واختُلِفَ في المراد بالقَدْر الذي أُضيفَت إليه الليلةُ:
فقيل: المرادُ به التعظيمُ كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَّدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والمعنى:
(١) بإثر الحديث (٤٩٥٨).
٥٥٤
باب ٢ / ح ٢٠١٤
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّهَا ذاتُ قَدرِ لنزول القرآنِ فيها، أو لمَا يقع فيها من تَنُّل الملائكة، أو لمَا يَنِزِلُ فيها من
البَرَكة والرحمة والمغفرة، أو أنَّ الذي يُحييها يصيرُ ذا قَدْرٍ.
وقيل: القَدْر هنا التضييقُ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، ومعنى
التضييقِ فيها: إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأنَّ الأرض تَضِيقُ فيها عن الملائكة.
وقيل: القَدْر هنا بمعنى القَدَر - بفتح الدّال - الذي هو مُؤاخي القضاء، والمعنى: أنَّه
يُقدَّرُ فيها أحكام تلك السَّنة، لقوله تعالى: ﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وبه
صَدَّرَ النَّووي كلامَه فقال: قال العلماءُ: سُمّيت ليلة القَدْر لمَا تكتبُ فيها الملائكةُ من
الأقدار لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ورواه عبد الرزاق وغيره(١) من المفسِّرين
بأسانيدَ صحيحةٍ عن مجاهدٍ وعِكْرمة وقَتَادةَ وغيرهم.
وقال التُّورِبِشْتي: إنَّما جاء القَدْر بسكونِ الدّال، وإن كان الشائعُ في القَدَر الذي هو
مُؤاخي القضاءِ فتحَ الدّال، ليُعلَمَ أنَّه لم يُرَدْ به ذلك، وإنَّما أُريدَ به تفصيلُ ما جَرَى به
القضاء وإظهارُه وتحديدُه في تلك السَّنة لتحصيل ما يُلقَى إليهم فيها مقداراً بمقدار.
قوله: ((قال ابن عُيَينةَ ... )) إلى آخره، وَصَله محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب ((الإيمان))
له من رواية أبي حاتم الرازي عنه قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَينة، فذكره بلفظ: كلّ شيء في
القرآن ﴿وَمَا أَذْرَئِكَ﴾ فقد أخبره به، وكلّ شيء فيه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يُهِرِه به. انتهى، وعَزَاه
مُغَلْطاي فيما قرأت بخَطِّه لـ((تفسير ابن عُيَينَ)) رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه، وقد
راجعتُ منه نسخةً بخَطِّ الحافظ الضِّياءِ فلم أجِدْه فيه، ومقصودُ ابن عُيَينَةَ أنَّه ◌َِّ كان
٢٥٦/٤ يَعرِف تعيين ليلة القَدْر، وقد تُعُقِّبَ / هذا الحصرُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَ﴾
[عبس: ٣] فإنَّها نزلت في ابن أُمِّ مكتوم، وقد عَلِمَ وَلَه بحاله وأنَّ مَمَّن تَزَكّى ونَفَعَته الذِّكرى.
قوله: ((حَفِظناه من الزُّهْري أيُّما حِفظٍ)) برفع ((أيّ))، و((ما)) زائدةٌ وهو مُبتدَأ، وخبره
(١) عبد الرزاق في «تفسيره)) ٣/ ٢٠٥ عن قتادة وعكرمة، وابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ١٠٨/٢٥ و١٠٩
عن مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم.
٥٥٥
باب ٣ / ح ٢٠١٥
كتاب صلاة التراويح
محذوفٌ تقديره: حِفْظٌ، و((مِن الزُّهْري)) مُتعلِّقٌ بـ((حَفِظناه))، وروي بنصب ((أيّم)) على أنَّه
مفعول مُطلَق لـ((حِفْظ)) المقدَّر.
قوله: ((من صامَ رمضان)) تقدَّم في الباب قبله (٢٠٠٩) من رواية مالكٍ عن الزُّهْري
بسنده بلفظ: ((قامَ)) بدلَ: صام، وتقدَّم الكلامُ عليه، وزاد ابن عُيَينةَ في روايته هنا: ((ومن
قامَ ليلةَ القَدْر ... )) إلى آخره.
قوله: ((تابَعَه سليمان بن كثير عن الزُّهْري)) وَصَله الذُّهلي في ((الزُّهْريات))، وقد تقدَّم
شرحُه في الباب قبله، وسنذكر بقيةً الكلام على ليلة القَدْر قريباً.
٣- باب التماس ليلة القدر في السَّبع الأواخر
٢٠١٥- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رِجالاً من أصحاب النبيِّ وَّهِ أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المنام في السَّبعِ الأواخِرِ، فقال
رسولُ الله ◌ََّ: «أَرَى رُؤياكم قد تَواطَأْتْ في السَّبعِ الأواخِرِ، فمَن كان مُتَحْرِّيَها فليَتَحرَّها في
السَّبعِ الأواخِر)).
قوله: ((باب الْتِماس ليلة القدر في السَّبعِ الأواخر)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((التَمِسوا))
بصيغة الأمر. وهذه الترجمةُ والتي بعدَها - وهي تَحرِّي ليلة القَدْر - معقودَتان لبيان ليلة
القدر، وقد اختلف الناسُ فيها على مذاهبَ كثيرةٍ سأذكرها مُفصَّلةً بعد الفراغ من شرح
أحادیث البابين.
قوله: ((أنَّ رِ جالاً من أصحاب النبي ◌َّ)) لم أقف على تسمية أحدٍ من هؤلاء.
قوله: ((أُروا ليلةَ القَدْر)) أُروا بضمٍّ أوَّلِه على البناء للمجهول، أي: قيل لهم في المنام: إنَّها
في السَّبع الأواخر، والظاهرُ أنَّ المراد به أواخر الشهر، وقيل: المرادُ به السَّبع التي أوَّلها ليلة
الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، فعلى الأوَّل لا تَدخُلُ ليلةُ إحدى
وعشرين ولا ثلاثٍ وعشرين، وعلى الثاني تَدخُلُ الثانيةُ فقط ولا تَدخُلُ ليلة التاسع
والعشرين، وقد رواه المصنِّفُ في التعبير (٦٩٩١) من طريق الزُّهْري عن سالم عن أبيه: أنَّ
٥٥٦
باب ٣ / ح ٢٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ناساً أُروا ليلة القَدْر في السَّبع الأواخر، وإنَّ ناساً أُروا أنَّها في العشر الأواخر، فقال النبي
وَّةُ: (التَمِسوها في السَّبع الأواخر))، وكأنَّه ◌َِّ نظرَ إلى المتَّفَقِ عليه من الروايتينِ فأمَرَ به.
وقد رواه أحمد (٤٥٤٧) عن ابن عُيَينةَ عن الزُّهْري بلفظ: رأى رجلٌ أنَّ ليلةَ القَدْر
ليلةُ سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبي ◌َّ: ((التَمِسوها في العشر البواقي في الوتر
منها))، ورواه أحمد (١) من حديث عليّ مرفوعاً: ((إن غُلِيتُم فلا تُغلَبوا في السَّبع البواقي)).
٢٥٧/٤
ولمسلم (١١٦٥/ ٢١٠) عن جَبَلَةَ بن سُحَيم عن ابن عمر بلفظ: / ((من كان مُلتَمِسَها
فليَلْتَمِسْها في العشر الأواخر))، ولمسلم (٢٠٩/١١٦٥) من طريق عُقْبةَ بن حُرَيثٍ عن ابن
عمر: ((التَمِسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عَجَزَ فلا يُغلَبَنَّ على السَّبع
البواقي))، وهذا السِّياقُ يُرجِّعُ الاحتمالَ الأوَّلَ من تفسير السَّبع.
قوله: ((أَرَى)) بفتحتَين، أي: أعلم، والمرادُ: أُبِصِرُ عَجازاً.
قوله: ((رُؤْياكم)) قال عياضٌ: كذا جاء بإفراد الرُّؤيا، والمرادُ: مَرائِيكم، لأنها لم تكن
رُؤيا واحدةً وإنَّما أراد الجنس. وقال ابن التِّين: كذا رُويَ بتوحيد الرُّؤيا، وهو جائزٌ لأنها
مصدرٌ، قال: وأفصَحُ منه، رُؤَاكم جمعُ رُؤيا، ليكون جمعاً في مُقابلة جمعِ.
قوله: (تَواطَأَت)) بالهمزة، أي: توافقت وزناً ومعنّى، وقال ابن التِّين: روي بغير همزٍ
والصوابُ بالهمز، وأصلُه أن يَطَأ الرجلُ برِجلِه مكان وَطِ صاحبِهِ.
وفي هذا الحديث دلالةٌ على عِظَم قَدْر الرُّؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على
الأُمور الوُجُودية بشرط أن لا يخالفَ القواعد الشَّرعية، وسنذكر بسطَ القول في أحكام
الرُّؤيا في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى.
٢٠١٦- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، قال: سألتُ أبا
(١) كذا وقع للحافظ عزوُه هنا لأحمد، وهو وهمٌ لعلَّه تابع فيه شيخَه الهيثميَّ في ((مجمع الزوائد» ٣/ ١٧٤
حيث عزاه إلى أحمد أيضاً، والصواب أنه من رواية ابنه عبد الله في زياداته على ((مسند)) أبيه برقم (١١١١)،
وقد عزاه الحافظ إليه على الصواب في ((أطراف المسند)) (٦٤٢٥).
٥٥٧
باب ٣ / ح ٢٠١٦
كتاب صلاة التراويح
سعيدٍ - وكان لي صديقاً - فقال: اعتَكَفْنا مع النبيِّ وَِّ العشر الأوسَطَ من رمضانَ، فخَرَجَ
صَبِيحَةَ عشرينَ فخَطَبنا وقال: ((إِّ أُرِيتُ ليلةَ القَدرِ، ثمَّ أَنْسِيتُها - أو نَسِيتُها - فالتَمِسوها في
العشرِ الأواخِرِ في الوترِ، وإِّ رَأيتُ أنّي أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، فمَن كان اعتكّفَ معي
فلَرجِعْ))، فَرَجَعْنا وما نَرَى في السماءِ قَزَعةً، فجاءت سَحابةٌ فمَطَرَت حتَّى سالَ سَقفُ
المسجدِ، وكان من جَرِيد النَّخلِ، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فَرَأيتُ رسولَ اللهِ وَيِّ يَسجُدُ في الماءِ
والطِينِ، حتَّى رَأيتُ أثرَ الطِّينِ فِي جَبهَتِهِ.
قوله: ((حدَّثنا هشامٌ)) هو الدَّستُوائي، ويحيى: هو ابن أبي كثير، ويأتي في الاعتكاف
(٢٠٣٦) من طريق عليّ بن المبارَكِ عن يحيى: سمعت أبا سَلَمة.
قوله: ((سألت أبا سعيدٍ، وكان لي صديقاً، فقال: اعتكَفْنا» لم يَذْكُر المسؤولَ عنه في هذه
الطريق، وفي رواية عليّ المذكورة: سألت أبا سعيد: هل سمعتَ رسول الله ﴿ ﴿ يَذكُر ليلة
القَدْر؟ فقال: نعم ... فذكر الحديث.
ولمسلم (٢١٦/١١٦٧) من طريق مَعمَر عن يحيى: تَذاكَرنا ليلةَ القَدْر في نَفَرِ من قُرَيشٍ،
فأَتيت أبا سعيد، فذكره، وفي رواية همَّام عن يحيى في ((باب السُّجود في الماءِ والطّين)) من
صفة الصلاة(١): انطَلَقت إلى أبي سعيد فقلت: ألا تَخْرُجُ بنا إلى النَّخل فنتَحدَّثَ؟ فخَرَج،
فقلت: حَدِّثني ما سمعتَ من النبي و له في ليلة القدر؛ فأفاد بيانَ سبب السُّؤال، وفيه تأنيسُ
الطالبِ للشيخ في طلب الاختلاءِ به ليتمكَّنَ ممَّا يريدُ من مسألته.
قوله: ((اعتكَفْنا مع رسول الله بِّهِ العشرَ الأوسط)» هكذا وقع في أكثر الروايات، والمرادُ
بالعشر اللَّيالي، وكان من حَقّها أن تُوصَفَ بلفظ التأنيث لكن وُصِفَت بالمذَكَّر على إرادة
الوقتِ أو الزَّمان، أو التقدير: الثُّلُث، كأنَّه قال: اللَّيالي العشر التي هي الثُّلث الأوسطُ من
الشهر، ووقع في ((الموطَّأ)) (٣١٩/١): ((العشر الوُسُط)) بضمِّ الواو والسّين، جمع وُسْطى(٣)،
(١) سلف عند البخاري برقم (٨١٣).
(٢) زاد في حاشية (أ) هنا: مثل كُبُرُ وكُبْرى، وصحّح عليها.
٥٥٨
باب ٣ / ح ٢٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ويُروى بفتح السّينِ مثل: كُبَرَ وكُبْرى، ورواه الباجيُّ في ((الموطَّأ)) بإسكانها على أنَّه جمع
واسط كبازلٍ وبُزْلٍ، وهذا يوافق رواية الأوسط، ووقع في رواية محمد بن إبراهيم في الباب
الذي يليه (٢٠١٨): ((كان يُجاوِر العشر التي في وَسَط الشهر))، وفي رواية مالك الآتية في
أوَّل الاعتكاف (٢٠٢٧): ((كان يَعتكِفِ))، والاعتكاف ◌ُجَاوَرةٌ مخصوصةٌ.
ولمسلم (١١٦٧/ ٢١٧) من طريق أبي نَضْرة عن أبي سعيد: اعتكَفَ العشر الأوسط من
رمضان يَلتَمِسُ ليلة القَدْر قبل أن تُبانَ له، فلمَّ انقَضَين أمَرَ بالبناءِ فقُوِّض، ثمَّ أُبینت له
أنَّهَا في العشر الأواخر فأمَرَ بالبناءِ فأُعيدَ، وزاد في رواية عمارة بن غَزِيَّة عن محمد بن
إبراهيم(١): أنَّه اعتكَفَ العشر الأَوَّلَ ثمَّ اعتكَفَ العشرَ الأوسط، ثمَّ اعتكَفَ العشرّ
الأواخر، ومثلُه في رواية همَّام المذكورة وزاد فيها: ((إنَّ جِبْرِيلَ أتاه في المرّتين فقال له: إنَّ
الذي تَطلُبُ أمامَك))، وهو بفتح الهمزة والميم، أي: قُدّامَك. قال الطِّيبي: وَصَفَ الأوَّل
والأوسط بالمفرَد والأخير بالجمع إشارةً إلى تصوير ليلة القَدْر في كلّ ليلةٍ من ليالي العشر
الأخير دونَ الأوَّلَین.
قوله: ((فخرج صبيحةً عشرين فخَطَبَنا)) في رواية مالك المذكورة: ((حتَّى إذا كان ليلةٌ
إحدى وعشرين وهي الليلة التي يَخْرُج من صَبِيحتها من اعتكافه))، وظاهره يخالف رواية
الباب، ومُقتَضاه أنَّ خُطبتَه وَقَعَت في أوَّل اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أوَّل
ليالي اعتكافه الأخير ليلةً اثنتين وعشرين، وهو مُغايِرٌ لقوله في آخر الحديث: ((فأبصَرَتْ
عينايَ رسولَ الله وَّهِ وعلى جَبهَته أثرُ الماء والطّين من صُبح إحدى وعشرين)) فإنَّه ظاهرٌ
٢٥٨/٤ في أنَّ الْخُطبةَ / كانت في صُبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة إحدى وعشرين،
وهو الموافق لبقية الطّرق، وعلى هذا فكأنَّ قوله في رواية مالك المذكورة: ((وهي الليلة التي
يَخْرُج من صَبِيحتها)) أي: من الصُّبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصُّبحِ إليها تَجُزٌ.
وقد أطالَ ابن دِحْيةَ في تقرير أنَّ الليلةَ تُضافُ لليوم الذي قبلها، ورَدَّ على من مَنَعَ
(١) عند مسلم (١١٦٧) (٢١٥).
٥٥٩
باب ٣ / ح ٢٠١٦
كتاب صلاة التراويح
ذلك، ولكن لم يُوافَق على ذلك، فقال ابن حَزْم: رواية ابن أبي حازم والدَّرَاوَرْدي - يعني
رواية حديث الباب(١) - مستقيمةٌ، ورواية مالك مُشكِلةٌ، وأشار إلى تأويلها بنحوٍ ممّاً
ذكرته. ويُؤيِّده أنَّ في رواية الباب الذي يليه (٢٠١٨): ((فإذا كان حين يُمسي من عشرين
ليلةً تمضي ويَستَقبِلُ إحدى وعشرين رَجَعَ إلى مَسكّنِه))، وهذا في غاية الإيضاح.
وأفاد ابن عبد البَرِّ في ((الاستذكار)) (٤٠٥/٣) أنَّ الرُّواة عن مالك اختَلَفوا عليه في
لفظ الحديث، فقال بعد ذكر الحديثِ: هكذا رواه يحيى بن يحيى بن بُكَير والشافعي عن
مالك: يَخْرُج في صَبِيحتها من اعتكافه، ورواه ابن القاسم وابن وَهْب والقَعْنبي وجماعةٌ
عن مالك فقالوا: وهي اللیلة التي يخرُج فیها من اعتكافه. قال: وقد روى ابن وَهْب وابن
عبد الحكم عن مالك فقال: من اعتكَفَ أوَّلَ الشهر أو وَسَطَه، فإنَّه يَخْرُج إذا غابت
الشمسُ من آخر يوم من اعتكافه، ومن اعتكَفَ في آخر الشهر فلا يَنصَرِفُ إلی بیته حتَّی
یشهد العيدَ.
قال ابن عبد البَرِّ: ولا خلاف في الأوَّل، وإنَّما الخلافُ فيمن اعتكَفَ العشر الأخير،
هل يَخْرُج إذا غابت الشمسُ أو لا يَخْرُج حتَّى يُصبحَ؟ قال: وأظنُّ الوَهْمَ دخل من وقت
خروج المعتكِف. قلت: وهو بعيدٌ لمَا قَرَّرَه هو من بيان مَحَلّ الاختلاف.
وقد وَجَّهَ شيخُنا الإمامُ البُلِقِيني روايةَ الباب بأنَّ معنى قوله: ((حتَّى إذا كانت ليلةٌ
إحدى وعشرين)) أي: حتَّى إذا كان المستَقِلُ من اللَّيالي ليلةَ إحدى وعشرين، وقوله:
(وهي الليلة التي يَخْرُج)) الضمير يعودُ على الليلة الماضية، ويُؤيِّد هذا قوله: ((من كان
اعتكَفَ معي فليَعتكِف العشر الأواخرَ)) لأنه لا يَتِمُّ ذلك إلَّا بإدخال الليلة الأولى.
قوله: (أُرِيت)) بضمِّ أوَّله على البناءِ لغير مُعيَّنٍ، وهي من الرُّؤيا، أي: أُعلِمت بها، أو من
الرُّؤية، أي: أبصرتُها، وإنَّما أُري علامتَها وهو السُّجود في الماء والطّين كما وقع في رواية همَّام
(١) لعله يريد الباب الذي عند ابن حزم في ((المحلَّى)) ١٩٩/٥، أو لعله نسي أن يكتب عبارة: الذي يلي هذا؛
فإن روايتهما ستأتي عند البخاري في الباب التالي برقم (٢٠١٨).
٥٦٠
باب ٣ / ح ٢٠١٦
فتح الباري بشرح البخاري
المشار إليها بلفظ: حتَّى رأيتُ أثر الماء والطّين على جَبْهة رسول الله ◌َ لّ تصديقَ رُؤياه(١).
قوله: ((ثمّ أُنسِيتها أو نَسِيتها)) شكٌّ من الراوي هل أنساه غيرُه إياها أو نسيَها هو من غير
واسطةٍ، ومنهم من ضَبَطَ نُسّيتها بضمٍّ أوَّلِه والتشديد، فهو بمعنى: أُنسيتها، والمراد: أنَّه
أَنسي عِلمَ تعيينها في تلك السَّنة، وسيأتي سببُ النِّسيان في هذه القصّة في حديث عُبادةَ بن
الصامت بعد باب (٢٠٢٣).
قوله: ((أنّي أسجدُ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أن أسجُدَ)).
قوله: ((فمن كان اعتكَفَ معي فليَرجِع)) في رواية هَّام المذكورة: ((من اعتكَفَ مع
النبي))، وفيه التِفاتُ.
قوله: ((فَزَعة)» بفتح القاف والزاي، أي: قِطعةٌ من سحابٍ رقيقةٌ.
قوله: ((فمَطَرَت)) بفتحتين، في الباب الذي يليه (٢٠١٨) من وجهٍ آخرَ: فاستَهلَّت
السماءُ فأمطَرَت.
قوله: ((حتَّى سالَ سَقفُ المسجد)) في رواية مالكِ (٣١٩/١): ((فَوَكَفَ المسجد)) أي:
قَطَرَ الماءُ من سَقِفِه، وكان على عَريشٍ، أي: مثل العَريشِ، وإلَّا فالعَريشُ هو نفسُ
سَقِفِه، والمرادُ أنَّه كان مُظَلَّلاً بالْجَرِيد والخُوص، ولم يكن مُحُكمَ البناءِ بحيثُ يَكُنُّ من
المطر الكثير.
قوله: ((يَسجُدُ في الماءِ والطّينِ حتَّى رأيت أثرَ الطّينِ في جَبهَته)) وفي رواية مالكٍ: على
جَبهَته أثرُ الماءِ والطّين، وفي رواية ابن أبي حازم في الباب الذي يليه: انصَرَفَ من الصُّبح
ووجهه مُمْتَلِىُّ طيناً وماءً، وهذا يُشعِرُ بأنَّ قوله: ((أثرُ الماءِ والطّين)) لم يُرَد به مَضُ الأثر
وهو ما يبقى بعد إزالة العين، وقد مضى البحث في ذلك في صفة الصلاة (٨٣٦/٨١٣).
وفي حديث أبي سعيد من الفوائد: تَركُ مَسْح جَبْهة المصلِّي، والسُّجود على الحائل،
(١) رواية همام سلفت عند البخاري برقم (٨١٣).