النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ باب ٦٦ / ح ١٩٩٠ كتاب الصوم أنَّه من بيت ميمونة زوج النبي وَله. وفيه تأسِّي الناس بأفعال النبي ◌ِّ. وفيه البحث والاجتهاد في حياته وَِّ، والمناظَرةُ في العلم بين الرجال والنِّساء، والتحيُّل على الاطِّلاع على الحكم بغير سؤال. وفيه فِطْنَةُ أُمّ الفضل لاستكشافها عن الحكم الشَّرعي بهذه الوسيلة اللَّطيفة الّائقة بالحال، لأنَّ ذلك كان في يوم حَرّ بعد الظَّهيرة. قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): لم يُنقَل أنَّه وَّهِ ناوَلَ فَضْلَه أحداً، فلعلَّه عَلِمَ أنَّهَا خَصَّته به، فيُؤْخَذُ منه مسألةُ التمليكِ المقيَّد. انتهى، ولا يخفى بُعدُه. وقد وقع في حديث ميمونة: ((فَشَرِبَ منه))، وهو مُشعِرٌ بأنَّه لم يَستوفِ شربَه منه. وقال الزَّين بن المنيِر: لعلَّ استيفاءَه(١) لمَا في القَدَح كان قَصداً لإطالة زمنِ الشُّرب حتَّى يَعُمَّ نظرُ الناس إليه، ليكون أُبلَغَ في البيان. وفيه الرُّكوبُ في حال الوقوف، وقد تقدَّمت مباحثُه في كتاب الحج (١٦٥٨)، وترجم له في كتاب الأشربة: ((الشُّرب في القَدَح)) و((شرب الواقفِ على البعير))(٢). ٦٦ - باب صوم يوم الفِطْر ١٩٩٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي عُبيدٍ مولى ابنِ أزهَرَ قال: شَهِدتُ العِيدَ مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ رَ﴾، فقال: هذانِ يومانٍ نهى رسولُ الله ◌َّ عن/ صیامهما: یومُ فِطرِ کم من صیامکم، والیومُ الآخرُ تأكلونَ فیه من نُسُكِکم. ٢٣٩/٤ [طرفه في: ٥٥٧١] قال أبو عبد الله: قال ابن عُيينةَ: مَن قالَ: مولى ابنِ أَزهرَ فقد أصابَ، ومَن قال: مولى عبد الرحمن بن عوفٍ فقد أَصاب. (١) في (س): استبقاءه. (٢) الأول عند الحديث (٥٦٣٦)، والثاني عند الحديث (٥٦١٨). ٥٢٢ باب ٦٦ / ح ١٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب صوم يوم الفِطْر)) أي: ما حكمُه؟ قال الزَّين بن المنيِّر: لعلَّه أشار إلى الخلاف فيمن نَذَرَ صوم يوم فوافق يومَ العيد، هل يَنعَقِدُ نَذرُه أم لا؟ وسأذكر ما قيل في ذلك إن شاء الله تعالی. قوله: ((مولى ابن أزهَر)) في رواية الكُتْمِيهنيّ: ((مولى بني أزهَرَ)»، وكذا في رواية مسلم (١١٣٧)، وسيأتي ذِكرُه في آخر الكلام على الحديث. قوله: (شَهِدتُ العيد)) زاد يونس عن الزّهْري في روايته الآتية في الأضاحي (٥٥٧١): يوم الأضحى. قوله: ((هذانٍ)) فيه التغليب، وذلك أنَّ الحاضرَ يُشارُ إليه بهذا، والغائب يُشار إليه بذاكَ، فلمَّا أن جمعهما اللَّفظُ قال: ((هذان)) تغليباً للحاضر على الغائب. قوله: ((يومُ فِطْركم)) برفع ((يوم)) إمّا على أنَّه خبرُ مُبتدَأٍ محذوفٍ تقديره: أحدُهما، أو على البدل من قوله: ((يومان))، وفي رواية يونس المذكورة: ((أمَّا أحدُهما فيومُ فِطرِكم)). قيل: وفائدةٌ وصفِ اليومين الإشارةُ إلى العِلّة في وجوب فِطرهما، وهو الفَصْل من الصوم وإظهارُ تمامه وحَدِّه فِطْر ما بعدَه، والآخر لأجل النُّسُك المتقرَّب بذَبحِه ليؤكَل منه، ولو شُرِعَ صومُه لم يكن لمشروعية الذَّبح فيه معنًى، فعَبَّرَ عن عِلّة التحريم بالأكل من النُّسُكِ لأنه يَسْتَلِزِمِ النَّحرَ ويزيدُ فائدةَ التنبيه على التعليل، والمراد بالنُّسُكِ هنا: الذَّبيحةُ المتقرَّب بها قطعاً، قيل: ويُستَنَبَطُ من هذه العِّة تَعيُّنُ السلام للفَصْل من الصلاة. وفي الحديث تحريم صوم يومَي العيد سواءُ النَّرُ والكفَّارةُ والتطوُّعُ والقضاءُ والتمتُّعُ، وهو بالإجماع، واختَلَفوا فيمن أَقْدَمَ(١) فصام يومَ عيدٍ: فعن أبي حنيفة: يَنعَقِد، وخالَفَه الجمهور، فلو نَذَرَ صومَ يوم قدوم زيدٍ، فَقَدِمَ يومَ العيد، فالأكثر لا يَنعَقِد النَّذْرُ، وعن الحنفيَّة: يَنعَقِد ويَلزَمُه القضاء، وفي روايةٍ: يَلْزَمه الإطعام، وعن الأوزاعي: يقضي إلَّا إن نوى استثناءَ العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلّا فلا، وسيأتي في (١) تحرَّفت في (س) إلى: قدم. ٥٢٣ باب ٦٦ / ح ١٩٩٠ كتاب الصوم الباب الذي يليه عن ابن عمرَ: أنَّه توقَّف في الجواب عن هذه المسألة. وأصلُ الخلاف في هذه المسألة: أنَّ النَّهيَ هل يقتضي صِحّةَ المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن: نعم، واحتَجَّ بأنَّه لا يقال للأعمى: لا يُصِرُ، لأنه تحصيلُ الحاصل، فدَلَّ على أنَّ صومَ يوم العيد مُمكِنٌ، وإذا أمكنَ ثبت الصِّحّة. وأُجيبَ أنَّ الإمكان المذكور عقلي، والنِّراعُ في الشَّرعي، والمنهي عنه شرعاً غيرُ مُمكِنٍ فعلُه شرعاً. ومِن حُجَجِ المانعين أنَّ النََّلَ المطلَق إذا نُهي عن فعله لم يَنعَقِد، لأنَّ المنهي مطلوبُ التركِ سواءٌ كان للتَّحريم أو للتَّزيه، والنَّل مطلوبُ الفعل فلا يَجتَمِع الضِّدّان. والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصلاة في الدّار المغصوبة: أنَّ النَّهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة بل للإقامة، وطلب الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النَّحر مثلاً، فإنَّ النَّهي فيه لذات الصوم فافتَرَقا، والله أعلم. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف ((قال ابن عُيَينةَ: من قال: مولى ابن أزهَرَ، فقد ٢٤٠/٤ أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن بن عوف، فقد أصاب)) انتهى، وكلام ابن عُيَينةَ هذا حكاه عنه عليّ بن المديني في ((العلل))، وقد أخرجه ابن أبي شَيْبةَ في ((مسنده) عن ابن عُيَينَةَ عن الزُّهْري فقال: ((عن أبي عُبيد مولى ابن أزهَرَ))، وأخرجه الحميدي في ((مسنده)) (٨) عن ابن عُيَينَةَ: ((حدَّثني الزُّهْري، سمعت أبا عُبيد)) فذكر الحديث ولم يَصِفه بشيءٍ، ورواه عبد الرزاق في ((مصنَّفْه)) (٧٨٧٩) عن مَعمَر عن الزُّهْري فقال: ((عن أبي عُبيد مولى عبد الرحمن بن عوف))، وكذا قال ◌ُوَيريةُ وسعيدٌ الزُّبَيرِي ومَكّي بن إبراهيمَ عن مالك، حكاه أبو عمر وذكر أنَّ ابن عُيَينةً أيضاً كان يقول فيه كذلك. وقال ابن التِّين: وجهُ كون القولين صواباً ما رُوي أنَّهما اشتَرَكا في ولائه، وقيل: مُحُمَلُ أحدُهما على الحقيقة والآخرُ على المجاز، وسببُ المجاز إمّا بأنَّه كان يُكثِرُ مُلازَمةَ أحدِهما، إمّا لخدمته أو للأخذِ عنه، أو لانتقاله من مِلك أحدهما إلى مِلك الآخر. وجَزَمَ الزُّبَيرُ بنُ بَكّار بأنَّه كان مولى عبد الرحمن بن عوف، فعلى هذا فنِسبتُه إلى ابن ٥٢٤ باب ٦٧ / ح ١٩٩١ - ١٩٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أزهَرَ هي المجازيَّةُ، ولعلَّها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرحمن بن عوف، واسم ابن أزهَرَ أيضاً عبد الرحمن، وهو ابن عمِّ عبد الرحمن بن عوف، وقيل: ابن أخيه، وقد تقدَّم له ذِكرٌ في الصلاة في حديث كُرِيبٍ عن أُمّ سَلَمة (١٢٣٣)، ويأتي في أواخر المغازي (٤٣٧٠). ١٩٩١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعیلَ، حدثنا وُهَبُ، عن عمرو بنِ یحیی، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ ﴾، قال: نهى النبيُّ ◌َ له عن صوم يومِ الفِطْرِ والنَّحرِ، وعن الصَّاءِ، وأن يَحتَبِيَ الرجلُ في الثوبِ الواحدِ. ١٩٩٢ - وعن صلاةٍ بعدَ الصُّبحِ والعصرِ. قوله: ((عن عمرو بن یحیی)) هو المازني. قوله: ((وعن الصَّاء)) بفتح المهمَلة وتشديد الميم والمدّ. قوله: ((وأن يَحْتَبيَ الرجلُ في الثوبِ الواحد)» زاد الإسماعيلي من طريق خالدِ الطَّحّان عن عَمْرو بن يحيى: ((لا يواري فرجَه بشيءٍ»، ومن طريق عبد العزيز بن المختار عن عَمْرو: ((ليس بين فرجِه وبين السماءِ شيءٌ))، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه في ((باب ما يُستَر من العَورة)) في أوائل الصلاة (٣٦٧)، وسَبَقَ الكلامُ على بقية الحديث في المواقيتِ (٥٨٦). ٦٧ - باب صوم يوم النّحر ١٩٩٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَیج، قال: أخبرني عَمْرو بنُ دِينارٍ، عن عطاءِ بنِ مِيناء، قال: سمعتُهُ يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: يُنْهَى عن صيامَينِ وبَيعتَينِ: الفِطْرِ والنَّحرِ، والملامَسةِ والمنابَذةِ. ١٩٩٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا معاذٌ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن زيادِ بنِ جُبَير قال: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، فقال: رجلٌ نَذَرَ أن يصومَ يوماً - قال: أظنُّه قال: الاثنين - فوافَقَ ذلك يومَ عِيدٍ، فقال ابنُ عمَ: أمُرَ الله بوفاءِ الَّذْرِ، وَهَى النبيُّ وَِّ عن صومِ هذا اليومِ. [طرفاه في: ٦٧٠٥، ٦٧٠٦] ٥٢٥ باب ٦٧ / ح ١٩٩٣-١٩٩٥ كتاب الصوم ١٩٩٥- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنهالٍ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عُمَير، قال: سمعتُ قَزَعةَ، قال: سمعتُ أبا سعيدِ الْخُدْرِيَّ ◌َ﴾، وكان غَزَا مع النبيِّ وَِّ ثِنْتَي عشرةَ غزوةٌ، قال: سمعتُ أربعاً من النبيِّ وَِّ فأعجَبنَني، قال: ((لا تُسافِرِ المراةُ مَسِيرةَ یومین إلا ومعها زوجُها أو ٢٤١/٤ ذو تحرَم، ولا صومَ في يومين: / الفِطْرِ والأضحَى، ولا صلاةَ بعدَ الصُّبح حتَّى تَطلُعَ الشمسُ، ولا بعدَ العصرِ حتَّى تَغرُبَ، ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدِ الحرام، ومسجدِ الأقصى، ومسجدي هذا». قوله: ((باب صوم يوم النَّحر)) في رواية الكُتْمِيهنيّ: ((باب الصوم))، والقولُ فيه كالقول في الذي قبله. قوله: ((أخبرنا هشامٌ)) هو ابن يوسفَ. قوله: ((ينهى)) كذا هنا بضمٍّ أوَّلِه على البناء للمجهول، ووقع هذا الحديثُ هنا مُتَصَراً، وسيأتي الكلامُ على تفسير الملامسة والمنابَذة في البيوع (٢١٤٥ و٢١٤٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثنا معاذٌ)) هو ابن معاذ العنبري، وابن عَوْن: هو عبد الله، والإسناد بصريون، وزياد بن جُبَير بالجيم والموخَّدة مُصغَّراً، أي: ابن حَيَّةَ بالمهمَلة والتحتانية الثَّقيلة. قوله: ((جاء رجل إلى ابن عمر)) لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد (٤٤٤٩) عن هُشَيم عن يونس بن عُبيد عن زياد بن جُبَير: رأيت رجلاً جاء إلى ابن عمر ... فذكره، وأخرج ابن حِبَّان(١) من طريق كَرِيمة بنت سِيرِينَ: أنَّها سألت ابن عمر فقالت: جَعَلتُ على نفسي أن أصومَ كلَّ يوم أربعاءَ، واليومُ يومُ الأربعاءِ وهو يوم النَّحر، فقال: أمَرَ الله بوفاء النَّذر ... الحديث، وله (٢) عن إسماعيل عن يونسَ بسنده: سأل رجلٌ ابنَ عمر وهو يمشي بمِنِّى. قوله: ((أظنُّه قال: الاثنين)) ولمسلم (١١٣٩) من طريق وكيعٍ عن ابن عَوْن: «نَذَرتُ أن (١) في كتاب ((الثقات)) له ٣٤٣/٥- ٣٤٤ في ترجمة كريمة بنت سيرين. (٢) أي: للإمام أحمد لا ابن حبان كما يوهم قوله ((له))، فهو في ((المسند)) (٦٢٣٥) بهذا الطريق وبهذا اللفظ، ولم يخرجه ابن حبان ولا عزاه هو نفسه إليه في ((إتحاف المهرة)). ٥٢٦ باب ٦٧ / ح ١٩٩٣ - ١٩٩٥ فتح الباري بشرح البخاري أصومَ يوماً))، ولم يُعيِّنْه، وعند الإسماعيلي من طريق النَّضر بن شُمَيلِ عن ابن عَوْن: نَذَرَ أن يصومَ كلَّ اثنين أو خميسٍ، ومثلُه لأبي عَوَانَ (٢٩١٢) من طريق شُعْبة عن يونس بن عُبيد عن زياد لكن لم يَقُل: ((أو خميس))، وفي رواية يزيدَ بن زُرَيع عن يونس بن عُبيد عند المصنِّف في النَّذر (٦٧٠٦): أن أصوم كلّ ثلاثاء وأربعاء، ومثله للدّار قُطني (٢٣٤٩) من رواية هُشَيم المذكورة لكن لم يَذكُر الثُّلاثاء، وللجَوزَقي من طريق أبي قُتَيبةَ عن شُعْبة عن يونس: أنَّه نَذَرَ أن يصومَ كلَّ جمعة، ونحوه لأبي داود الطَّالسي في «مسنده» (٢٠٣٤) عن شُعْبة. قوله: ((فوافق ذلك يومَ عيدٍ)) لم يُفْسَّر العيدُ في هذه الرواية، ومُقتَضى إدخاله هذا الحديثَ في ترجمة صوم يوم النَّحر أن يكونَ المسؤولُ عنه يوم النَّحر، وهو مُصرَّحٌ به في رواية يزيدَ بن زُرَيع (٦٧٠٦) المذكورة ولفظُه: ((فوافق يوم النَّحر))، ومثلُه في رواية أحمد (٦٢٣٥) عن إسماعيل ابن عُليَّةً عن يونس، وفي رواية وكيع(١): فوافق يوم أضحى أو فِطْرٍ، وللمصنّف في النُّذُور (٦٧٠٥) من طريق حكيم بن أبي حُرّةَ عن ابن عمرَ مثلُه، وهو مُحْتمِلٌ أن يكونَ للشكِّ أو للتَّقْسيم. قوله: ((أمَرَ الله بوفاءِ النَّذر ... )) إلى آخره، قال الخطَّبي: تَورَّعَ ابن عمر عن قطع الفُتيا فيه، وأمَّا فقهاء الأمصار فاختَلَفوا. قلت: وقد تقدَّم شرحُ اختلافهم قبلُ(٢)، وتقدَّم عن ابن عمر قريبٌ من هذا في كتاب الحج (١٧٩٣) في ((باب متى يَحِلَّ المعتمر))، وأمرُه في التوزُّع عن بَتِّ الحكم ولا سيما عند تَعارُض الأدلَّة مشهورٌ. وقال الزَّين بن المنِّر: يحتمل أن يكونَ ابن عمر أراد أنَّ كلَّ من الدَّليلين يُعمَلُ به، فيصومُ يوماً مكان يوم النَّذر، ويَترُك الصوم يوم العيد، فيكون فيه سلفٌ لمن قال بوجوب القضاء. وزَعَمَ أخوه ابن المنِّرِ في ((الحاشية)): أنَّ ابن عمر نَبَّه على أنَّ الوفاءَ بالنَّذر عامٌّ، والمنع (١) عند مسلم (١١٣٩) كما سلف قريباً. (٢) في الباب السابق. ٥٢٧ باب ٦٨ / ح ١٩٩٦ - ١٩٩٩ كتاب الصوم من صوم العيد خاصٍّ، فكأنَّه أفهَمَه أنَّه يُقضَى بالخاصِّ على العامّ. وتعقّبه أخوه بأنَّ النَّهيَ عن صوم يوم العيد أيضاً عمومٌ للمخاطَبين ولكلٍّ عيد، فلا يكون من حمل الخاصِّ على العامّ، ويحتمل أن يكون ابن عمرَ أشار إلى قاعدة أُخرى وهي أنَّ الأمر والنَّهي إذا التَّقَيا في مَحَلِّ واحد أتُّهَا يُقدَّم؟ والراجح: يُقدَّم النَّهيُّ، فكأنَّه قال: لا تَصُم. وقال أبو عبد الملك: توقُّفُ ابن عمرَ يُشعِرُ بأنَّ النَّهي عن صيامه لیس لعينِهِ. وقال الدَّاوودي: المفهومُ من كلام ابن عمرَ تقديمُ النَّهي، لأنه قد روى أمرَ من نَذَرَ أن يمشيَ في الحج بالرُّكوب(١)، فلو كان يجب الوفاءُ به لم يأمره بالرُّكوب. قوله: ((سمعت فَزَعةَ)) بفتح القاف والزاي: هو ابن يحيى،/ وقد تقدَّم الكلامُ على ٢٤٢/٤ حديث أبي سعيد مُفرَّقاً: أمَّا سفرُ المرأة ففي الحج (١٨٦٤)، وأمَّا الصلاةُ بعد الصُبح والعصر ففي المواقيتِ (٥٨٦)، وأمَّا شَدُّ الرِّحَال ففي أواخر الصلاة (١١٨٨)، وأمَّا الصومُ وهو الغرضُ من إيراد هذا الحديث هنا فقد تقدَّم حكمُه. واستدلَّ به على جواز صيام أيام التشريق للاقتصار فيه على ذكر يومَي الفِطْر والنَّحر خاصَّةً، وسيأتي البحثُ في ذلك في الباب الذي يليه. ٦٨ - باب صيام أيام التّشريق ١٩٩٦ - قال أبو عبدِ الله: قال لي محمَّدُ بنُ المثنَّى: حدّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أَبي: كانت عائشةُ رضي الله عنها تصومُ أيامَ مِنِّى، وكان أبوه يصومُها. ١٩٩٧، ١٩٩٨ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بشَّارِ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، سمعتُ عبدَ الله بنَ عيسى، عن الزُّهْريّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ. وعن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهم، قالا: لم يُرَخَّص في أيام التَّشْرِيقِ أن يُصَمنَ إلا لمن لم يَجِد الهَدْيَ. ١٩٩٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله (١) سلف برقم (١٨٦٦). ٥٢٨ باب ٦٨ / ح ١٩٩٦ - ١٩٩٩ فتح الباري بشرح البخاري ابنِ عمرَ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: الصِّيامُ لمَن تَتَّعَ بالعُمرةِ إلى الحجِّ إلى يومٍ عَرَفَةَ، فإن لم يَجِدْ هَذْياً ولم يَصُمْ صامَ أيامَ مِنَّى. وعن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةً، عن عائشةَ، مثلَه. وتابَعَه إبراهیمُ بنُ سعدٍ عن ابنِ شِهاپٍ. قوله: ((باب صيام أيام التَّشْريق)) أي: الأيام التي بعد يوم النَّحر، وقد اختُلِفَ في كونها يومين أو ثلاثة، وسُمّيت أيام التشريق لأنَّ لحومَ الأضاحي تُشرَّق فيها، أي: تُنشَرُ في الشمس، وقيل: لأنَّ الْهَدْيَ لا يُنحَرُ حتَّى تُشرِقَ الشمس، وقيل: لأنَّ صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دُبُرَ كلّ صلاة. وهل تُلتَحَق بيوم النَّحر في ترك الصيام كما تُلتَحَقُ به في النَّحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامُها مُطلَقاً أو للمُتمتِّع خاصَّةً، أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كلّ ذلك اختلافٌ للعلماء، والراجحُ عند البخاري جوازُها للمُتمتِّع، فإنَّه ذكر في الباب حديثَي عائشةً وابن عمر في جواز ذلك ولم يُورِد غيرَه، وقد روى ابن المنذر وغيرُه عن الزُّبَير بن العوَّام وأبي طلحة من الصحابة الجوازَ مُطلَقاً، وعن عليٍّ وعبد الله بن عَمْرو بن العاص المنعَ مُطلَقاً، وهو المشهورُ عن الشافعي، وعن ابن عمر وعائشة وعُبيد بن عُمَير في آخرين منعُه إلَّا للمُتمتِّعِ الذي لا يَجِد الهديَ، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وعن الأوزاعي وغيره: يصومها أيضاً المحصَرُ والقارِن. وحُجّةُ من مَنَعَ حديثُ نُبَيشة الهُذَلي عند مسلم (١١٤١) مرفوعاً: ((أيامُ التشريق أيام أكلٍ وشربٍ))، وله (١١٤٢) من حديث كعب بن مالك: ((أيام مِنَّى أيام أكلٍ وشربٍ))، ومنها حديث عَمْرو بن العاص أنَّه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنَّها الأيام التي نهى رسول الله وَلل عن صومِهِنَّ وأمَرَ فِطْرهنَّ، أخرجه أبو داود (٢٤١٨) وابن المنذر وصَحَّحَه ابن خُزيمة (٢١٤٩) والحاكم (١/ ٤٣٥). قوله: ((قال لي محمدُ بنُ المثنَّى)) كأنَّه لم يُصرِّح فيه بالتحديث لكونِه موقوفاً على عائشة كما ٥٢٩ باب ٦٨ / ح ١٩٩٦ - ١٩٩٩ كتاب الصوم عُرِفَ من عادته بالاستقراء، ويحيى المذكورُ في الإسناد: هو القطّان، وهشام: هو ابن عُرْوةَ. قوله: ((أيام مِنِّى)) في رواية المُستَمْلي: أيام التشريق بمِنَّى. قوله: ((وكان أبوه يصومُها)) هو كلامُ القطّان، والضميرُ/ هشام بن عُرْوة، وفاعل ٢٤٣/٤ ((يصومُها)) هو عُرْوة، والضمير فيه لأيام التشريق. ووقع في رواية كَرِيمة: ((وكان أبوها))، وعلى هذا فالضميرُ لعائشةَ وفاعلُ يصومُها هو أبو بكرِ الصِّدّیق. قوله: (سمعت عبد الله بن عیسی)) زاد في رواية الگُشْمِیھنیّ: ((ابن أبي ليلى)) وأبو ليلى جَدُّ أبيه، فهو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه المشهور، وكان عبد الله أسَنَّ من عمِّه محمدٍ، وكان يقال: إنَّه أفضلُ من عمِّه، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخرَ في أحاديث الأنبياءِ (٣٣٧٠) من روايته عن جدِّه عبد الرحمن عن كعب بن عُجْرة. قوله: ((عن الزُّهْري)) في رواية الدّار قُطني (٢٣٨١) من طريق النَّضر بن شُمَيلِ عن شُعْبة عن عبد الله بن عيسى: سمعت الزُّهْري. قوله: ((وعن سالمٍ)) هو من رواية الزّهْري عن سالم، فهو موصولٌ. قوله: ((قالا: لم يُرخّص)) كذا رواه الحُفّاظُ من أصحاب شُعْبةَ بضمٌّ أوَّلِه على البناء لغير مُعيَّن، ووقع في رواية يحيى بن سلَّام عن شُعْبة عند الدّارقُطني (٢٢٨٣) واللَّفظُ له والطَّحاوي (٢٤٣/٢): رَخَّصَ رسولُ الله ◌َّه للمُتمتِّع إذا لم يجد الهَدْيَ أن يصومَ أيامَ التشريق، وقال(١): إنَّ يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يَذكُر طريق عائشةً(٢)، وأخرجه (٢٢٨١) من وجه آخرَ ضعيفٍ عن الزُّهْري عن عُرْوةَ عن عائشة، وإذا لم تَصِحَّ هذه الطُّرقُ المصرِّحةُ بالرفع بقي الأمرُ على الاحتمال. (١) القائل هو الدار قطني، وأما الطحاوي فقال ٢٤٦/٢: حديث يحيى بن سلام عن شعبة منكر، لا يثبته أهل الرواية. (٢) يعني: لم يذكر يحيى بن سلام مع طريق ابن عمر طريق عائشة. ٥٣٠ باب ٦٨ / ح ١٩٩٦ -١٩٩٩ فتح الباري بشرح البخاري وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أُمِرنا بكذا، وتُّهينا عن كذا، هل له حُكمُ الرفع؟ على أقوالٍ، ثالثُها: إن أضافَه إلى عهد النبي ◌َّ فله حُكْم الرفع وإلَّا فلا، واختلف الترجيحُ فيما إذا لم يُضِفه، ويلتحقُّ به: رُخِّصَ لنا في كذا، وعُزِمَ علينا أن لا نفعلَ كذا، فالكلُّ في الحكم سواءٌ، فمن يقول: إنَّ له حُكمَ الرفع، فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلَّام أنَّه روي بالمعنى، لكن قال الطَّحاوي: إنَّ قول ابن عمر وعائشة: ((لم يُرخّص)) أخَذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَمٍ فِي الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّ قوله: ﴿فی الْحَجْ﴾ يَعُمُّ ما قبلَ يوم النَّحر وما بعدَه، فَتَدخُلُ أيامُ التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوعٍ بل هو بطريق الاستنباط منهما عمَّا فهماه من عموم الآية، وقد ثبت نهيُهُ وَّ عن صوم أيام التشريقِ، وهو عامٌّ في حقِّ المتَمتِّع وغيره، وعلى هذا فقد تَعارضَ عمومُ الآية المشعِرُ بالإذنِ وعمومُ الحديث المشعِرُ بالنَّهي، وفي تخصيصٍ عموم المتواتر بعموم الآحاد نظرٌ لو كان الحديثُ مرفوعاً، فكيف وفي كونِه مرفوعاً نظرٌ، فعلى هذا يَترجَّحُ القولُ بالجواز، وإلى هذا جَنَحَ البخاري، والله أعلم. قوله في طريق عبد الله بن عيسى: ((إلّا لمن لم يَجِد الهَذْي)) في رواية أبي عَوَانة عن عبد الله ابن عيسى عند الطَّحاوي (٢/ ٢٤٣): إلَّا لمتمتِّع أو مُحصَرٍ. قوله في رواية مالكٍ: ((فإن لم يَجِد)) في رواية الحَمُّوِيّ: ((فمن لم يَجِد))، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (٤٢٦/١). قوله: ((وتابَعَه إبراهيمُ بن سعد عن ابن شِهابٍ)) وَصَله الشافعي (٢٠٧/٢) قال: أخبرني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عُرْوة عن عائشة في المتَمتِّع إذا لم يَجِد هَدْياً لم يَصُم قبل عَرَفة فليَصُم أيام مِنى، وعن سالم عن أبيه مثلُه، ووَصَله الطَّحاوي (٢٤٣/٢) من وجه آخرَ عن ابن شهاب بالإسنادینِ بلفظ: ((أَّهما كانا يُرخِّصان للمُتمتِّع)) فذكر مثله لكن قال: ((أيام التشريق))، وهذا يُرجِّحُ كونه موقوفاً لنسبة الترخيصِ إليهما، فإنَّه يُقُوِّي أحد الاحتمالَينِ في رواية عبد الله بن عيسى حيثُ قال فيها: ((لم يُرخّص))، وأبهَمَ الفاعلَ فاحتَمَلَ ٥٣١ باب ٦٩ كتاب الصوم أن يكونَ مرادُهما من له الشَّرعُ فيكون مرفوعاً، أو من له مقام الفتوى في الجملة فيحتمل الوَقْف، وقد صَرَّحَ يحيى بن سلّام بنسبة ذلك إلى النبي ◌َّ، وإبراهيم بن سعد بنسبة ذلك إلى ابن عمر وعائشة، ويحيى ضعيف، وإبراهيم من الحُفَّظ، فكانت روايتُه أرجح، ويُقوِّيه رواية مالك وهو من حُفّاظ أصحاب الزّهْري فإنَّه مجزومٌ عنه بكونِه موقوفاً، والله أعلم. واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ أيام التشريقِ ثلاثةٌ غير يوم عيد الأضحى، لأنَّ يوم العيد لا يُصامُ بالاتِّفاق، وصيام أيام التشريق هي المختلَفُ في جوازها، والمستَدِلّ بالجواز أخَذَه من عموم الآية كما تقدَّم، فاقتضى ذلك أنَّها ثلاثةٌ، لأنه القَدْر الذي تَضمَّنته الآية، والله أعلم. ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء قوله: ((باب صيام يوم عاشوراءَ)) أي: ما حكمُه؟ وعاشوراء بالمدِّ على المشهور، وحُكي ٢٤٥/٤ فيه القَصْر، وزَعَمَ ابن دُرَيدِ أنَّه اسمٌ إسلامي وأنَّه لا يُعرَفُ في الجاهلية، ورَدَّ ذلك عليه ابن دِحِيةَ بأنَّ ابن الأعرابي حكى أنَّه سمع في كلامهم: خابوراء، وبقول عائشةَ: إنَّ أهل الجاهلية كانوا يصومونَه. انتهى، وهذا الأخيرُ لا دلالةَ فیه علی رَدِّ ما قال ابن دُرَیدٍ. واختلف أهلُ الشَّرع في تعيينِه، فقال الأكثرُ: هو اليومُ العاشر، قال القُرطُبي: عاشوراءُ معدولٌ عن عاشرةٍ للمُبالَغة والتعظيم، وهو في الأصل صفةٌ لليلة العاشرة لأنه مأخوذٌ من العشر الذي هو اسمُ العَقْد واليوم مضافٌ إليها، فإن قيل: يوم عاشوراء، فكأنَّه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلَّا أنَّهم لمَّا عَدَلوا به عن الصِّفة غَلَبَت عليه الاسميةُ فاستَغنَوا عن الموصوف، فحَذَفوا الليلةَ، فصار هذا اللَّفظُ عَلَماً على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي أنَّه لم يُسمَع ((فاعولاء)) إلَّا هذا، وضارُوراء وسارُوراء ودالُولاء، من: الضّارٌ والسارِّ والدّالِّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزَّين بن المنيِر: الأكثر على أنَّ عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرَّم، وهو مُقتَضى الاشتقاق والتسمية، وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأوَّل: فاليوم مضافٌ لليلته الماضية، وعلى الثاني: هو مضاف لليلته الآتية. ٥٣٢ باب ٦٩ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: إنَّما سُمّي يومُ التاسع عاشوراءَ أخذاً من أوراد الإبل، كانوا إذا رَعَوا الإبل ثمانية أيام ثمَّ أوردوها في التاسع قالوا: وَرَدْنا عِشراً بكسر العين، وكذلك إلى الثلاثة، وروى مسلمٌ (١١٣٣) من طريق الحكم بن الأعرَج: انتَهَيتُ إلى ابن عبّاس وهو مُتَوَسِّدٌ رِداءَه فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُد وأصبح يومَ التاسع صائماً، قلت: أهكذا كان النبي ◌َل﴿ يصومُه؟ قال: نعم. وهذا ظاهرُه أنَّ يومَ عاشوراءَ هو اليوم التاسع. لكن قال الزّين بن المنيِّر: قوله: ((إذا أصبَحتَ من تاسعِه فأصبِحْ)) يُشعِرُ بأنَّه أراد العاشرَ لأنه لا يُصبحُ صائماً بعد أن أصبَحَ من تاسعِه إلَّا إذا نوى الصومَ من الليلة المقبلة وهي الليلةُ العاشرة. قلت: ويُقوِّي هذا الاحتمالَ ما رواه مسلم أيضاً (١١٣٤ / ١٣٤) من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس أنَّ النبي ◌َِّ قال: (لَيْن بقيتُ إلى قابلٍ لَأصومنَّ التاسعَ، فمات قبلَ ذلك)) فإنَّه ظاهر في أنَّه ◌ِ﴿ كان يصومُ العاشرَ وهَمَّ بصوم التاسع فمات قبلَ ذلك، ثمَّ ما هَمَّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنَّه لا يَقتِصِرُ عليه بل يُضِيفُه إلى اليوم العاشر، إمّا احتياطاً له، وإمّا مخالَفةً لليهود والنَّصارى وهو الأرجح، وبه يُشعِرُ بعضُ روايات مسلم (١٣٣/١١٣٤)، ولأحمد (٢١٥٤) من وجه آخر عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((صوموا يومَ عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعدَه))(١)، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ◌َ له ثُحِبُّ ٢٤٦/٤ موافقةً / أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر فيه بشيءٍ ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهلَ الأوثان، فلمَّا فُتِحَت مكَّة واشتَهرَ أمر الإسلام أحبَّ مخالَفةَ أهل الكتاب أيضاً كما ثبت في ((الصحيح))(٢)، فهذا من ذلك، فوافقهم أوَّلاً وقال: ((نحن أحقُّ بموسى منكم)، ثمَّ أحبَّ محالَفَتهم فأمَرَ بأن يُضافَ إليه يومٌ قبله ويومٌ بعدَه خلافاً لهم، ويُؤيِّده رواية الثِّرمِذي (١) وإسناده ضعيف، وقد روي عن ابن عباس موقوفاً عليه قال في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر. أخرجه عبد الرازق (٧٨٣٩) بإسناد صحيح. (٢) سيأتي مع شرحه برقم (٥٩١٧). ٥٣٣ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٠ كتاب الصوم (٧٥٥) من طريقٍ أُخرى بلفظ: أمَرَنا رسول الله وَ لَه بصيام عاشوراء يومَ العاشر. وقال بعض أهل العلم: قوله وَّه في ((صحيح مسلم)): ((لَئِن عِشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ)) يحتمل أمرين: أحدهما: أنَّه أراد نقلَ العاشر إلى التاسع، والثاني: أراد أن يُضيفَه إليه في الصوم، فلمَّا تُوقِّي وَّهَ قبلَ بيان ذلك، كان الاحتياطُ صومَ اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يُصام وحدَه، وفوقَه أن يُصامَ التاسعُ معه، وفوقَه أن يُصام التاسعُ والحاديَ عشرَ، والله أعلم. ثُمَّ بَدَأ المصنِّفُ بالأخبار الدّالَّة على أنَّه ليس بواجب، ثمَّ بالأخبار الدّالّة على الترغيبِ في صيامه. ٢٠٠٠- حدَّثنا أبو عاصم، عن عمرَ بنِ محمَّدٍ، عن سالم، عن أبيه ظُه، قال: قال النبيُّ ◌ُ﴾: يومَ عاشوراءَ: ((إن شاءَ صامَ)). الحديث الأول: حديث ابن عمر أوردَه من رواية عمر بن محمد، أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر عن عمِّ أبيه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقد أخرجه مسلمٌ (١٢١/١١٢٦) عن أحمد بن عثمان النَّوفَلي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه، وصَرَّحَ بالتحديث في جمیع إسناده. قوله: ((قال النبي ◌َّ يومَ عاشوراء: إن شاءَ صامَ)) كذا وقع في جميع النَّسَخ من البخاري مُختصَراً، وعند ابن خُزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٩٤) عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ: ((إنَّ اليومَ يومُ عاشوراء، فمن شاءَ فليَصُمه، ومن شاءَ فليُفطِرِه))، وعند الإسماعيلي قال: («يوم عاشوراء من شاءَ صامه، ومن شاءَ أفطرَه))، وفي رواية مسلم: ذُكِرَ عند رسول الله وَلَه يوم عاشوراء فقال: ((كان يوماً يصومه أهل الجاهلية، فمن شاءَ صامه ومن شاءَ تَرَكَه))، وقد تقدَّم في أوَّل كتاب الصيام (١٨٩٢) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ: صام النبي ◌َّ﴿ عاشوراء وأمَّرَ بصيامه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ تُرِكَ. فيُحمَلُ حديثُ سالم على ثاني الحال التي أشار إليها نافع في روايته، ويُجمع بين الحديثين بذلك. ٥٣٤ باب ٦٩ / ح ٢٠٠١ - ٢٠٠٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٠١ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَير، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسولُ اللهِ وَّ﴿ أَمَرَ بصيام يوم عاشوراءَ، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ كان مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفطَرَ. ٢٠٠٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان يومُ عاشوراءَ تصومُه قُرَيشٌ في الجاهليّةِ، وكان رسولُ الله ◌ِيل يصومُه في الجاهليَّة، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ صامَه وأمَرَ بصيامه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ تَرَكَ يومَ عاشوراءَ، فمَن شاءَ صامَه ومَن شاءَ تَرَكَه. الحديث الثاني: حديث عائشة من طريقين: الأولى: طريق الزُّهْري قال: أخبرني عُرْوة، وهو موافق لرواية نافع المذكورة. والثانية: من رواية هشام عن أبيه مثله وفيها زيادة: ((إنَّ أهل الجاهلية كانوا يصومونَه، وإنَّ النبي ◌َّه كان يصومه في الجاهلية)) أي: قبل أن يُهاجر إلى المدينة، وأفادت تعيينَ الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أوَّلَ قدومِه المدينة، ولا شكَّ أنَّ قدومه كان في رَبيعِ الأوَّل، فحينئذٍ كان الأمر بذلك في أوَّل السَّنة الثانية، وفي السَّنة الثانية فُرِضَ شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلَّا في سنة واحدة، ثمَّ فُوِّضَ الأمر في صومه إلى رأي المتطوِّع، فعلى تقدير صِحّة قول من يَدَّعي أنَّه كان قد فُرِضَ، فقد نُسِخَ فرضُه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياضٌ أنَّ بعض السَّلَف كان يرى بقاء فَرْضيَّة عاشوراء لكن انقَرَضَ القائلون بذلك. ونقل ابن عبد البَرِّ الإجماع على أنَّه الآن ليس بفرضٍ والإجماع على أنَّه مُستحَبّ، وكان ابن عمر يَكرَه قَصْدَه بالصوم ثمَّ انقَرَضَ القولُ بذلك، وأمَّا صيام قُرَيش لعاشوراء فلعلَّهم تَلَقَّوه من الشَّرع السالف، ولهذا كانوا يُعظِّمونه بكِسْوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثمَّ رأيت في المجلس الثالث من ((مجالس الباغَنْدي الكبير)) عن عِكْرمة: أنَّ سُئِلَ عن ذلك فقال: أَذْنَبَت قُرَيش ذَنباً في الجاهلية فعَظُمَ في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء ٥٣٥ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٣ كتاب الصوم ◌ُكفّرْ ذلك؛ هذا أو معناه. ٢٠٠٣ - حدَّثْنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالك، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميد بنِ عبدِ الرحمن: أنَّه سمع معاويةَ بنَ أبي سفيانَ رضي الله عنهما يومَ عاشوراءَ عامَ حَجَّ على المِبَرَ يقول: يا أهلَ المدينةِ، أينَ علماؤكم؟ سمعتُ رسولَ الله وَل يقول: «هذا يوم عاشوراءَ، ولم یکتبِ الله علیکم صيامَه، وأنا صائمٌ، فمَن شاءً فليَصُم، ومَن شاءَ فليُفطِرْ)). الحديث الثالث: حديث معاوية من طريق ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، عنه، هكذا رواه مالك (٢٩٩/١)، وتابعه يونس وصالح بن كَيْسانَ وابن عُيَينَةَ وغيرهم(١)، وقال الأوزاعي: عن الزُّهْري عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن(٢)، وقال التُّعمان ابن راشد: عن الزُّهْري عن السائب بن يزيد(٣)، كلاهما عن معاوية، والمحفوظُ رواية الزُّهْري عن حميد بن عبد الرحمن، قاله النَّسائي وغيره، ووقع عند مسلم/ (١٢٦/١١٢٩) ٢٤٧/٤ في رواية يونس عن الزّهْري: أخبرني حميدُ بن عبد الرحمن أنَّه سمع معاوية. قوله: ((عامَ حَّ على المِبَرَ)) زاد يونس: ((بالمدينة))، وقال في روايته: ((في قَدمةٍ قَدِمَها»، وكأنَّه تأخّرَ بمكَّة أو المدينة في حَجَّته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطَّبري: أنَّ أوَّل حجَّة حجّها معاوية بعد أن استُخلِفَ كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجَّة حجّها سنة سبع وخمسين، والذي يَظهَر أنَّ المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. قوله: ((أين علما ؤكم؟)) في سياق هذه القصَّة إشعار بأنَّ معاوية لم يَرَ لهم اهتماماً بصيام (١) متابعة يونس لمالك أخرجها مسلم (١١٢٩)، وابن خزيمة (٢٠٨٥)، ومتابعة صالح بن كيسان أخرجها النسائي في ((سننه الكبرى)) (٢٨٧٠)، ومتابعة ابن عيينة أخرجها الحميدي (٦٠١)، وأحمد (١٦٨٩١)، ومسلم (١١٢٩)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٣٧١)، وفي ((الكبرى)) (٢٨٦٧)، وممن تابع مالكاً أيضاً معمر ومحمد بن أبي حفصة عند أحمد (١٦٨٦٧) و(١٦٨٦٨). (٢) طريق الأوزاعي أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٢٨٦٨)، وقال عقبه: هذا خطأ لا نعلم أحداً من أصحاب الزهري قال في هذا الحديث: عن أبي سلمة، غير هذا، والصواب حميد بن عبد الرحمن. (٣) طريق النعمان أخرجها أيضاً النسائي في ((الكبرى)) (٢٨٦٩)، وقال عقبه: هذا أيضاً خطأ، والنعمان بن راشد کثیر الخطأ عن الزهري. ٥٣٦ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بَلَغَه عمَّن يَكرَه صیامَه أو يُوجِبُه. قوله: ((ولم يكتب الله عليكم صيامه ... )) إلى آخره، هو كلّه من كلام النبي ◌َّ- كما بيَّنْه النَّسائي في روايته (ك٢٨٧٠)، وقد استدلَّ به على أنَّه لم يكن فرضاً قطُّ، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدَّوام كصيام رمضان، وغايتُه أنَّه عامّ خُصَّ بالأدلّة الدّالَّة على تقدُّم وجوبه، أو المراد أنَّه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] ثمَّ فسَّرَه بأنَّه شهر رمضان، ولا يُناقِض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويُؤيِّد ذلك أنَّ معاوية إنَّما صَحِبَ النبي وَلقر من سنة الفتح، والذين شَهِدوا أمرَه بصيام عاشوراء والنِّداء بذلك شَهِدوه في السَّنة الأولى أوائلَ العام الثاني، ويُؤخَذ من مجموع الأحاديث أنَّه كان واجباً لثبوتِ الأمر بصومِه، ثمَّ تأكَّدَ الأمر بذلك ثمَّ زيادة التأكيد بالنِّداءِ العامّ، ثمَّ زيادته بأمر مَن أكَلَ بالإمساك، ثمَّ زيادته بأمر الأُمَّهات أن لا يُرضِعنَ فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم (١١٢٧): ((لمَّا فُرِضَ رمضانُ تُرِكَ عاشوراء)» مع العلم بأنَّه ما تُرِكَ استحبابُه بل هو باقٍ، فدَلَّ على أنَّ المتروك وجوبُه. وأمَّا قولُ بعضِهم: المتروكُ تأكُّدُ استحبابِه والباقي مُطلَقُ استحبابِه، فلا يخفى ضعفُه، بل تأكُّدُ استحبابه باقٍ ولا سيّما مع استمرارِ الاهتمام به حتَّى في عام وفاته ◌ِِّ حيثُ يقول: (لَئِن ◌ِشتُ لَأصومنَّ التاسع والعاشرَ))، ولترغيبِه في صومه وأنَّه يُكفِّرُ سنة، وأيُّ تأكيدِ أبلَغُ من هذا؟ ٢٠٠٤ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيوبَ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ سعید بنِ جُبَير، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ المدينةَ، فرأى اليهودَ تصومُ يومَ عاشوراءَ، فقال: ((ما هذا؟» قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نَجَّى الله بني إسرائيلَ من عدوِّهم فصامَه موسى، قال: «فأنا أحقُّ بموسى منكم)) فصامَه وأمَرَ بصيامهِ. [أطرافه في: ٣٣٩٧، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧] ٥٣٧ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٤ كتاب الصوم الحديثُ الرابعُ: حديثُ ابن عبّاسٍ في سبب صيام عاشوراءَ. قوله: ((عن أيوبَ، عن عبد الله بن سعيد بن جُبير، عن أبيه)) وقع في رواية ابن ماجَهْ (١٧٣٤) من وجهٍ آخرَ: عن أيوبَ عن سعيد بن جُبَير، والمحفوظُ أنَّه عند أيوبَ بواسطةٍ، وكذلك أخرجه مسلمٌ (١٢٨/١١٣٠). قوله: ((قَدِمَ النبي ◌ِِّ المدينة فرأى اليهودَ تصوم)) في رواية مسلم: فوَجَدَ اليهودَ صياماً. قوله: ((فقال: ما هذا؟)) في رواية مسلم: ((فقال لهم: ما هذا؟»، وللمصنِّف في تفسير طه (٤٧٣٧) من طريق أبي بشرٍ عن سعيد بن جُبَير: فسألهم. قوله: ((هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نَجّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم)) في رواية مسلم: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فِرِعَونَ وقومه. قوله: ((فصامه موسى)) زاد مسلمٌ في روايته: شُكراً لله تعالى، فنحن نصومه، وللمصنّف في الهجرة (٣٩٤٣) في رواية أبي بشر: ونحن نصومه تعظيماً له، ولأحمد (٨٧١٧) من طريق شُبَيل بن عوف عن أبي هريرة نحوه، وزاد فيه: وهو اليوم الذي استوَت فيه السَّفينة على الجُوديّ فصامه نوحٌ شُكراً (١). وقد استُشكِّلَ ظاهر الخبر لاقتضائه أنَّهِ وَ لِّ حين قدومِه المدينةَ وَجَدَ اليهودَ صياماً يوم عاشوراء، وإنَّما قَدِمَ المدينةَ فِي رَبِيعِ الأوَّل. والجواب عن ذلك: أنَّ المراد أنَّ أوَّل عِلمِه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قَدِمَ المدينة لا أنَّ قبلَ أن يَقدَمها عَلِمَ ذلك، وغايتُهُ أنَّ في الكلام حذفاً تقديرُه: قَدِمَ النبي ◌َِّ المدينة، فأقامَ إلى يوم عاشوراء فوَجَدَ اليهودَ فيه صياماً، ويحتمل أن يكون أولئك اليهودُ كانوا يَجِسُبونَ يوم عاشوراء بحِساب السِّنين الشمسية، فصادفَ يومُ عاشوراء بحسابهم اليومَ الذي قَدِمَ فيهِوَ ◌ِّ المدينة، وهذا التأويل ممَّا يَترجَّحُ به أولَويةُ المسلمين وأحقّيتُهم بموسى عليه الصلاة والسلام لإضلالهم اليومَ المذكور وهداية الله للمسلمين له، ولكنَّ سياق (١) وإسناده ضعيف. ٥٣٨ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري الأحاديث تَدفَعُ هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأوَّل. ٢٤٨/٤ ثمَّ وجدتُ في ((المعجم الكبير)) (٤٨٧٦) للطَّبراني ما يُؤْيِّد الاحتمال المذكور أوَّلاً، وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق ابن أبي الزّناد عن أبيه عن خارجةَ بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنَّما كان يوماً تُستَر فيه الكعبة، وكان يدور في السَّنة، وكانوا يأتونَ فلاناً اليهودي - يعني ليحسُبَ لهم - فلمَّا مات أتوا زيدَ بن ثابتٍ فسألوه، وسندُه حسنٌ. قال شيخُنا الهيثمي في ((زوائد المسانيد)): لا أدري ما معنى هذا(١). قلت: ظَفِرِتُ بمعناه في كتاب ((الآثار القديمة)) لأبي الرَّيحان البَيْروني(٢)، فذكر ما حاصلُه: أنَّ جَهَلَةَ اليهود يَعْتَمِدونَ في صيامهم وأعيادهم حِسابَ النُّجوم، فالسَّنة عندهم شَمسيةٌ لا هلاليةٌ. قلت: فمِن ثَمَّ احتاجوا إلى من يَعرِف الحِساب ليعتَمِدوا عليه في ذلك. قوله: ((وأمرَ بصيامه)) للمصنِّف في تفسير يونس (٤٦٨٠) من طريق أبي بشر أيضاً: فقال لأصحابه: ((أنتُم أحقُّ بموسى منهم فصوموا)»، واستُشكِلَ رجوعُه إليهم في ذلك، وأجاب المازَرِيّ باحتمال أن يكون أوحي إليه بصِدقِهم أو تواتَرَ عنده الخبر بذلك، زاد عياضٌ: أو أخبره به من أسلمَ منهم كابن سَلَام، ثمّ قال: ليس في الخبر أنَّه ابتَدَأ الأمرَ بصيامه، بل في حديث عائشة التصريحُ بأنَّه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصّة أنَّه لم يحدُث له بقول اليهود تجديدُ حُكْم، وإنَّما هي صفة حال وجوابُ سؤال، ولم تختلف الروايات عن ابن عبَّاس في ذلك، ولا مخالَفةَ بينه وبين حديث عائشة: ((أنَّ أهل الجاهلية كانوا يصومونَه)) كما تقدَّم؛ إذ لا مانع من توارُد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك. (١) ((مجمع الزوائد)) ٣/ ١٨٧، وزاد: وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وفيه كلام كثير. قلنا: وشيخ الطبراني فيه أحمد بن محمد الجواربي لم نقف فیه على جرح أو تعدیل. (٢) هو محمد بن أحمد البيروني، الخوارزمي، أبو الرَّيحان، ولد في عام (٣٦٢هـ)، فيلسوف، رياضي، مؤرخ من أهل خوارزم، أقام في الهند بضع سنين، اطلع على فلسفة اليونان والهنود، وعَلَت شهرته وصنف كتباً كثيرة، توفي عام (٤٤٠هـ)، ووقع اسم كتابه الذي ذكره الحافظ عند الزِّركلي في ((الأعلام)) وكحّالة في ((معجم المؤلفين)) تحت مسمّى ((الآثار الباقية عن القرون الخالية)). ٥٣٩ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٤ كتاب الصوم قال القُرطُبي: لعلَّ قُرَيشاً كانوا يَسْتَنِدونَ في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله وَّير يحتمل أن يكون بحُكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذِنَ الله له في صيامه على أنَّه فعلُ خيرٍ، فلمَّا هاجَرَ ووَجَدَ اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمرَ بصيامه، احتَمَلَ ذلك أن يكون ذلك استثلافاً لليهود كما استألَفَهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك. وعلى كلّ حال فلم يَصُمه اقتداءً بهم فإنَّه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يُحِبُّ فيه مُوافَقة أهل الكتاب فيما لم يُنهَ عنه. وقد أخرج مسلم (١٣٣/١١٣٤) من طريق أبي غَطَفان، بفتح المعجمة ثمَّ المهمَلة بعدها فاءٌ، بن طَريفٍ، بمُهمَلةٍ وزنَ عَظِيم: سمعت ابن عبّاس يقول: صام رسول الله وَل عاشوراء وأمَرَ بصيامه، قالوا: إنَّه يومٌ تُعظِّمُه اليهود والنَّصارى ... الحديثَ. واسْتُشكِلَ بأنَّ التعليل بنَجَاة موسى وغَرَق فِرِعَونَ يختصُّ بموسى واليهود، وأُجِيبَ باحتمال أن يكون عيسى كان يصومُه وهو ما لم يُنسَخ من شريعة موسى، لأنَّ كثيراً منها ما نُسِخَ بشريعة عيسى لقوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، ويقال: إنَّ أكثر الأحكام الشَّرعية (١) إنَّما تتلقَّاها النَّصارى من التوراة. وقد أخرج أحمد (٨٧١٧) من وجه آخر عن ابن عبّاس(٢) زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلُها أنَّ السَّفينة استوَت على الجودي فيه فصامه نوحٌ وموسى شُكراً، وقد تقدَّمت الإشارةُ لذلك قريباً، وكأنَّ ذِكرَ موسى دون غيره هنا لُشاركَته لنوح في النَّجاة وغَرَقِ أعدائهما. وقوله: ((هذا يومٌ)) الإشارة إلى نوع اليوم لا إلى شخصه، ومثله قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فيما ذكره الفَخرُ الرازي في ((تفسيره))(٣). (١) تحرَّفت في (س) إلى: الفرعية. (٢) هذا سبقُ قلم من الحافظ رحمه الله، إنما هو من حديث أبي هريرة، وقد تقدم آنفاً عزوه إليه على الصواب، وإسناده ضعيف. (٣) هذه الفقرة جاءت في الأصلين و(س) بإثر الكلام على الحديث الخامس، وحقُّها أن تكون في هذا الموضع. ٥٤٠ باب ٦٩ / ح ٢٠٠٥ - ٢٠٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٠٥ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبي عُمَيسٍ، عن قيسِ بنِ مُسلِم، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ، عن أبي موسى ﴾، قال: كان يوم عاشوراءَ تَعُدُّه اليهودُ عِيداً، قال النبيُّ ◌َّهَ: ((فصُومُوه أنْتُمْ)). [طرفه في: ٣٩٤٢] الحديث الخامس: حديث أبي موسى - وهو الأشعَري - قال: كان يوم عاشوراء تَعُدُّه اليهود عيداً، فقال النبي ◌َّلتر: «فصوموه أنتُم))، وفي رواية مسلم (١٢٩/١١٣١): ((كان يوم عاشوراء تُعظِّمُه اليهود تَتَّخِذُه عيداً) فظاهرُه أنَّ الباعثَ على الأمر بصومِه محبّةُ مخالَفة اليهود حتَّى يُصامَ ما يُفطِرونَ فيه، لأنَّ يوم العيد لا يُصام، وحديث ابن عبّاس يدلُّ على أنَّ الباعثَ على صيامه موافقتهم على السبب وهو شُكر الله تعالى على نجاة موسی، لكن لا يَلزَم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنَّه عيد أنَّهم كانوا لا يصومونَه، فلعلَّهم كان من جملة تعظیمهم في شرعهم أن يصوموه، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه المصنّف في الهجرة (٣٩٤٢) بلفظ: وإذا أُناسٌ من اليهود يُعظِّمونَ عاشوراء ويصومونَه، ولمسلم (١١٣١/ ١٣٠) من وجهٍ آخر عن قيس بن مسلم بإسناده قال: كان أهل خَيْبر يصومونَ يوم عاشوراء يَتَّخِذونه عيداً ويُلِسونَ نساءَهم فیه حُليَّهم وشارتَهم؛ ٢٤٩/٤ وهو بالشِّين المعجمة / أي: هيئتَهم الحسنة. ٢٠٠٦ - حدَّثنا عبيدُ الله بنُ موسى، عن ابنِ عُبَينَةَ، عن عُبيد الله بنِ أبي يزيدَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ما رأيتُ النبيَّ وَّهِ يَتَحرَّى صيامَ يوم فضَّلَه على غيرِهِ إلَّ هذا اليومَ، يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ؛ يعني شهرَ رمضانَ. الحديث السادس: حديث ابن عبّاس أيضاً من طريق ابن عُيَينةَ عن عُبيد الله بن أبي يزيد، وقد رواه أحمد (١٩٣٨) عن ابن عُيَينةَ قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد منذُ سبعين سنةً. قوله: ((ما رأيت ... )) إلى آخره، هذا يقتضي أنَّ يوم عاشوراء أفضلُ الأيام للصائم بعد