النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
باب ٥٥ / ح ١٩٧٥
كتاب الصوم
تقديراً، و((إنْ)) هنا مقدَّرةٌ كأنَّه قال: إن صُمتَها فإذاً ذلك صوم الذَّهر. وروي بغير تنوينٍ،
وهي للمُفاجأة وفي توجيهها هنا تكلُّفٌ.
قوله: ((إنِّي أجِدُ قوَّة، قال: فصُمْ صيامَ نبي الله داود)» في هذه الرواية اختصارٌ، فإنَّ في
رواية حسينِ المذكورة: ((فصُمْ من كلّ جمعةٍ ثلاثةَ أيام))، ويأتي في الباب بعده: «فصُم يوماً
وأفطِر یومین))، وفي رواية أبي الملیح: «یکفیك من کلّ شهر ثلاثة أيام)» قلت: يا رسول الله،
قال: ((خمساً)) قلت: يا رسول الله، قال: ((سبعاً))، قلت: يا رسول الله، قال: ((تسعاً)) قلت: يا
رسول الله، قال: ((إحدى عشرة)).
واستدلَّ به عياضٌ على تقديم الوتر على جميع الأُمور، وفيه نظرٌ لمَا في رواية مسلم
(١١٥٩/ ١٩٢) من طريق أبي عياضٍ عن عبد الله بن عَمْرو: ((صُمْ يوماً - يعني: من كلّ
عشرة أيام - ولك أجرُ ما بقيَ)) قال: إنِّي أُطيقُ أكثرَ من ذلك، قال: ((صُمْ يومينٍ ولك أجر
ما بقيَ)) قال: إنِّي أُطيق أكثر من ذلك، قال: ((صُم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقيّ)) قال: إنِّي
أُطيق أكثر من ذلك، قال: ((صُم أربعة أيام ولك أجر ما بقيَ)) قال: إنِّي أُطيق أكثر من
ذلك، قال: ((صُم صومَ داود))، وهذا يقتضي أنَّه أمره بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ثمَّ
بستّةٍ، ثمَّ بتسعةٍ، ثمَّ باثنَي عشرَ، ثمَّ بخمسةَ عشر، فالظاهر أنَّه أمره بالاقتصار على ثلاثة
أيام من كلّ شهر، فلمَّا قال: إنَّه يُطيق أكثر من ذلك، زاده بالتدريج إلى أن وَصَّله إلى خمسةً
عشرَ يوماً، فذكر بعضُ الرُّواة عنه ما لم يَذكُرُه الآخر، ويدلُّ على ذلك رواية عطاء بن
السائب عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو عند أبي داود: فلم يَزَل يُناقصُني وأُناقصُه(١)، ووقع
للنَّسائي (٢٣٩٣) في رواية محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة: ((صُم الاثنين والخميس من كلّ
جمعة))، وهو فردٌ من أفراد ما تقدَّم ذِكرُه.
وقد استُشكِلَ قوله: ((صُم من كلّ عشرة أيام يوماً ولك أجر ما بقي)) مع قوله: ((صُم
= وهو الصواب الذي يقتضيه كلام الحافظ رحمه الله.
(١) لفظ رواية أبي داود (١٣٨٩): فناقصني وناقصته، وأما رواية أحمد (٧٠٢٣): فما زلت أناقصه ويناقصني.

٤٨٢
باب ٥٥ / ح ١٩٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
كلَّ عشرة أيام يومين ولك أجر ما بقي ... )) إلى آخره، لأنه يقتضي الزّيادةَ في العمل
والنَّقْصَ من الأجر، وبذلك ترجم له النَّسائي. وأُجيبَ بأنَّ المراد: لك أجر ما بقي بالنّسبة
إلى التضعيف.
قال عياض: قال بعضهم: معنى: ((صُم يوماً ولك أجر ما بقيَ)) أي: من العشرة،
وقوله: ((صُم يومين ولك أجر ما بقي)) أي: من العشرين، وفي الثلاثة: ما بقي من الشهر،
وحمله على ذلك استبعادُ كَثْرة العمل وقِلّة الأجر. وتعقَّبه عياضٌ بأنَّ الأجر إنَّمَا اَّحَدَ في كلّ
ذلك لأنه كان نيَّتَه أن يصومَ جميعَ الشهر، فلمَّا مَنَعَه ◌َّهِ من ذلك إبقاءً عليه لمَا ذُكِرَ في
أجر نيَّته على حاله، سواءٌ صام منه قليلاً أو كثيراً كما تأوَّله في حديث: ((نيةُ المؤمِن خيرٌ من
عملِه))(١) أي: إنَّ أجرَه في نيته أكثر من أجر عملِه لامتداد نيته بما لا يَقدِرُ على عملِه، انتهى.
والحديث المذكور ضعيف، وهو في ((مُسنَد الشّهاب)) (١٤٧)، والتأويلُ المذكور لا بأس
به، ويحتمل أيضاً إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنَّه كلَّما ازداد من الصوم ازداد من
المشقّة الحاصلة بسببِه المقتضية لتفويتِ بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يُفوّتُها
مَشَقّة الصوم، فيَنقُص الأجر باعتبار ذلك، على أنَّ قوله في نفس الخبر: ((صُمْ أربعة أيام ولك
أجر ما بقي)) يردُّ الحملَ الأوَّلَ، فإِنَّه يَلزَم منه - على سياق التأويل المذكور - أن يكون
التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قَيَّدَه في نفس الحديث بالشهر والشهرُ لا يكون أربعين.
وكذلك قوله في روايةٍ أُخرى للنَّسائي (٢٣٩٥) من طريق ابن أبي ربيعة عن عبد الله
ابن عَمْرو بلفظ: ((صُم من كلّ عشرة أيام يوماً ولك أجر تلك التِّسعة))، ثمَّ قال فيه: ((من
٢٢٠/٤ كلّ تسعة أيام يوماً ولك أجر تلك الثَّانية))، ثمّ قال: / ((من كلّ ثمانية أيام يوماً ولك أجر
السَّبعة)) قال: فلم يَزَل حتَّى قال: صُم يوماً وأفطِر يوماً. وله (٢٣٩٦) من طريق شعيب بن
محمد بن عبد الله بن عَمْرو عن جَدّه بلفظ: ((صُم يوماً ولك أجر عشرةٍ)) قلت: زِدني، قال:
(١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٥٩٤٢) بإسناد ضعيف من حديث سهل بن سعد الساعدي، وأورده
الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٣٠١ وعزاه للطبراني وقال: فيه حاتم بن عباد بن دينار ولم أعرفه.

٤٨٣
باب ٥٦ / ح ١٩٧٦
كتاب الصوم
((صُم يومين ولك أجر تسعة)) قلتُ: زِدني، قال: ((صُم ثلاثة ولك أجر ثمانية))، فهذا يَدفَعُ
في صَدْر ذلك التأويل الأوَّل، والله أعلم.
قوله: ((ولا تَزِد عليه)) أي: على صوم داود، زاد أحمد وغيرُه(١) من رواية مجاهدٍ: «قلت:
قد قبلت)).
قوله: ((وكان عبد الله بن عَمْرو يقول بعدَما كَبِرَ: يا لَيْتَنِي قَبِلتُ رخصةَ رسول الله ◌ِ لآ))
قال النَّووي: معناه أنَّ كَبِرَ وعَجَزَ عن المحافظة على ما التَزَمَه ووَظَّفَه على نفسِه عند
رسول الله ﴿﴿ فِشَقَّ عليه فعلُه لعَجزِه، ولم يُعجِبه أن يَترُكَه لالتزامه له، فتمنَّى أن لو قَبِلَ
الرُّخصةَ فأخذ بالأخَفّ.
قلت: ومع عَجِزِهِ وَنِّيه الأخذَ بالرُّخصة لم يَترُك العملَ بما التَزَمَه، بل صار يتعاطى
فيه نوعَ تخفيف كما في رواية حُصَين المذكورة (٢): وكان عبد الله حين ضَعُفَ وكَبِرَ يصوم
تلك الأيام كذلك يَصِلُ بعضَها إلى بعض، ثمَّ يُفطِر بعَدَد تلك الأيام فيقوى بذلك، وكان
يقول: لأن أكونَ قَبِلتُ الرُّخصة أحبُّ إليَّ مَمَّا عُدِلَ به، لكنّي فارقتُه على أمر أكره أن
أُخالفه إلى غيره.
٥٦- باب صوم الدهر
١٩٧٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّب
وأبو سَلَمَةَ بنُ عبد الرحمن، أنَّ عبد الله بنَ عَمرٍو قال: أُخبِرَ رسولُ اللهِّهِ أَنّ أقولُ: والله
لأصومَنَّ النَّهَارَ ولأقومَنَّ الليل ما عِشتُ، فقلتُ له: قد قلتُه بأبي أنتَ وأُمّي، قال: «فإِنَّكَ لا
تستطيعُ ذلك، فصُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، وصُمْ من الشهرِ ثلاثةَ أيام، فإنَّ الحسنةَ بعَشْر أمثالها،
وذلك مِثِلُ صيام الدَّهْرِ)) قلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفضلَ من ذلك، قال: «فصُمْ يوماً وأفطِرْ يومَين))
(١) رواية مجاهد عند أحمد في ((مسنده)) (٦٤٧٧) وليس فيها هذه الزيادة، ولم نقف عليها عند غيره أيضاً،
والحديث من طريق مجاهد سيأتي عند البخاري برقم (٥٠٥٢).
(٢) هي في ((مسند أحمد)) برقم (٦٤٧٧)، وهذا الكلام المذكور فيها من قول مجاهد.

٤٨٤
باب ٥٦ / ح ١٩٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفضلَ من ذلك، قال: «فصُمْ يوماً، وأفطِرْ يوماً، فذلك صيامُ داودَ عليه السلام،
وهو أفضلُ الصِّيام)) فقلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفضلَ من ذلك، فقال النبيُّ وَالَ: «لا أفضلَ من ذلك)).
قوله: ((باب صوم الذَّهر)) أي: هل يُشرَعُ أو لا؟ قال الزّينُ بن المنيِر: لم يَنُصَّ على الحكم
لتَعارُضِ الأدلَّة واحتمال أن يكون عبد الله بن عَمْرو خُصَّ بالمنعِ لمَا الطَّلَعَ النبي ◌َّ عليه
من مُستَقبَل حاله، فيَلتَحق به من في معناه ممَّن يَتضرَّر بسَرْد الصوم، ويبقى غيره على حُكم
الجواز لعموم الترغيب في مُطلَقِ الصوم كما سيأتي في الجهاد (٢٨٤٠) من حديث أبي سعيد
مرفوعاً: ((من صام يوماً في سبيل الله، باعَدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً(١)).
قوله: ((فإِنَّك لا تستطيع ذلك)) يحتمل أن يريدَ به الحالة الراهنة لمَا عَلِمَه النبي ◌ُّ من
أنَّه يَتَكلَّفُ ذلك، ويُدخِلُ به على نفسه المشقَّةَ، ويُفوِّتُ به ما هو أهمُّ من ذلك، ويحتمل أن
يريدَ به ما سيأتي بعدُ إنْ كَبِرَ وعَجَزَ كما اتَّفَقَ له سواء، وكَرِهَ أن يوظّف على نفسه شيئاً من
العبادة، ثمَّ يَعجِزَ عنه فيتركَه، لمَا تَقرَّر من ذٌّ من فعل ذلك.
قوله: ((وصُم من الشهر ثلاثة أيام)) بعد قوله: ((فصُم وأفطِر)) بيانٌ لمَا أُجِلَ من ذلك
وتقريرٌ له على ظاهره، إذ الإطلاقُ يقتضى المساواةَ.
قوله: ((مِثلُ صيام الدَّهر)) يقتضي أنَّ المِئليةَ لا تَستَلِزِمُ التساويَ من كلٌّ جهة، لأنَّ المراد
بها هنا أصلُ التضعيف دونَ التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يَصدُقُّ على فاعل ذلك
أنَّه صام الدَّهر مجازاً.
قوله بعد ذكر صيام داود: ((لا أفضلَ من ذلك)) ليس فيه نفيُ المساواة صريحاً، لكنَّ
قوله في الرواية الماضية (١١٣١) في قيام الليل من طريق عَمرِو بن أوسٍ عن عبد الله بن
٢٢١/٤ عَمْرو: ((أحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود»/ يقتضي ثبوتَ الأفضلية مُطلَقاً، ورواه التِّرمِذي
(٧٧٠) من وجهٍ آخرَ عن أبي العبَّاس عن عبد الله بن عَمْرو بلفظ: «أفضلُ الصيام صيامُ
داود)»، وكذلك رواه مسلم (١١٥٩ / ١٩٢) من طريق أبي عياضٍ عن عبد الله، ومُقتَضاه أن
(١) قوله: ((سبعين خريفاً)) من (أ) وليس في (س) و(ع).

٤٨٥
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
كتاب الصوم
تكونَ الزِّيادةُ على ذلك من الصوم مفضولةً، وسأذكر بسطَ ذلك في الباب الذي بعدَه إن
شاء الله تعالى.
٥٧ - باب حقِّ الأهل في الصوم
رواه أبو جُحَيفةَ عن النبيِّ وَلّ.
١٩٧٧ - حدَّثْنا عَمْرو بنُ عليٍّ، أخبرنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، سمعتُ عطاءً، أنَّ
أبا العبَّاس الشاعرَ أخبَرَه، أنَّه سمع عبدَ الله بنَ عَمٍ و رضي الله عنهما يقول: بَلَغَ النبيَّ ◌ِلـ
أنِّي أسْرُهُ الصومَ وأُصلِّي الليلَ، فإِمَّا أرسَلَ إليَّ وإمَّا لَقِيتُه، فقال: «ألم أُخبَرْ أنَّكَ تصومُ ولا تُفطِرُ
وتُصلِّي؟ فصُمْ وأفطِرْ، وقُمْ وَمْ، فإنَّ لِعِينَكَ عليكَ حَظّاً، وإنَّ لنفسِكَ وأهلِكَ عليكَ حَظّاً))
قال: إنِّي لأقوَى لذلك، قال: ((فصُمْ صيامَ داود عليه السلام)» قال: وكيفَ؟ قال: ((كان يصومُ
يوماً ويُفطِرُ يوماً، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى)) قال: مَن لي بهذه يا نبيَّ الله؟! قال عطاءٌ: لا أدري كيفَ
ذكر صيامَ الأبَد، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا صامَ مَن صامَ الأَبدَ)) مرَّتين.
قوله: «باب حَقِّ الأهلِ في الصوم، رواه أبو جُحَیفةً عن النبي (ێ)) یعني حديث أبي
◌ُحَيفةَ في قصَّة سلمان وأبي الدَّرداء التي تقدَّمت قبلَ خمسة أبوابٍ (١٩٦٨)، وفيها قولُ
سلمانَ لأبي الدَّرداء: ((وإنَّ لأهلك عليك حَقّاً)، وأقرَّه النبيِوَ لٌ على ذلك، وقد تقدَّم
الكلامُ عليه قبلُ.
قوله: ((حدَّثنا عَمْرو بن علي)) هو الفَلّاس، وأبو عاصم: هو الضَّحّاكُ بن ◌َد النبيل،
وهو من شيوخ البخاري الذین أکثر عنھم، وربّما روى عنه بواسطةٍ ما فاته منه كما في هذا
الموضع، وكأنَّه اختار النُّولَ من طريقه هذه الوقوع التصريحِ فيها بسماع ابن جُرَيج له من
عطاءٍ: وهو ابن أبي رباح، وأبو العبّاس یأتي القولُ فیه بعد بابٍ.
قوله: (بَلَغَ النبيَّ ◌َّهِ أَنّي أسرُدُ الصومَ)) سَبَقَت تسميةُ الذي بَلَّغَ النبيَّوَ لِّ ذلك، وأنَّه
عَمْرو بنُ العاص والدُ عبد الله.
قوله: ((وتُصلّي)) في رواية مسلم (١٨٦/١١٥٩) من وجهٍ آخر عن ابن جُرَيج: ((وتُصلّي

٤٨٦
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
الليلَ، فلا تَفعل)».
قوله: «فإنَّ لعینیك» في رواية السّرخسي والگُشْمِیهنيّ: ((لعینك)» بالإفراد.
قوله: ((عليك حَظّاً)) كذا فيه في الموضعين بالظاءِ المعجمة، وكذا لمسلم، وعند
الإسماعيلي: ((حَقّا)) بالقاف، وعنده وعند مسلم من الزِّيادة: ((وصُم من كلّ عشرة أيام يوماً
ولك أجرُ التِّسعة)).
قوله: ((إنِّي لَأقوى لذلك)) أي: لسَرْد الصيام دائماً، وفي رواية مسلم: إِّ أجِدُني أقوى
من ذلك یا نبيَّ الله.
قوله: ((قال: وكيف؟)) في رواية مسلم: قال: وكيف كان داودُ يصومُ يا نبي الله.
قوله: ((ولا يَفِرُّ إذا لاقى)) زاد النَّسائي (٢٣٩٣) من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي
سَلَمة: ((وإذا وَعَدَ لم يُخْلِف))، ولم أرَها من غير هذا الوجه، ولها مُناسَبةٌ بالمقام وإشارةٌ إلى أنَّ
سببَ النَّهِي خَشْيَةُ أن يَعِزَ عن الذي يَلزَمُه، فيكون كمن وَعَدَ فأخلف، كما أنَّ في قوله:
((ولا يَفِرُّ إذا لاقى)) إشارةً إلى حِكْمة صوم يوم وإفطار يوم.
قال الخطَّبي: مُحصَّلُ قصَّة عبد الله بن عَمْرو: أنَّ الله تعالى لم يَتَعَبَّد عبدَه بالصوم خاصَّةً،
بل تَعَبَّدَه بأنواعٍ من العبادات، فلو استَفْرَغَ جُهدَه بالصوم(١) لَقَصَّرَ في غيره، فالأَولِى
الاقتصادُ فيه ليستبقيَ بعضَ القوّة لغيره، وقد أُشيرَ إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في
داود عليه السلام: ((وكان لا يَفِرُّ إذا لاقى)) لأنه كان يتقوَّى بالفِطْر لأجل الجهاد.
قوله: ((قال عطاء)) أي: بالإسناد المذكور.
قوله: ((لا أدري كيف ذكر صيامَ الأَبد ... )) إلى آخره، أي: إنَّ عطاءً لم يَحَفَظ كيف جاء
٢٢٢/٤ ذِكرُ صيام الأبد في هذه القصَّة، إلَّا أنَّه حَفِظَ أنَّ فيها أنَّه وَّه قال: ((لا صام من صام
الأبدَ))، وقد روى أحمد (٦٥٢٧) والنَّسائي (٢٣٧٨) هذه الجملةَ وحدَها من طريق عطاءٍ،
وسيأتي بعد بابٍ بلفظ: ((لا صام من صام الدَّهرَ)).
(١) قوله: ((بالصوم)) سقط من (س).

٤٨٧
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
كتاب الصوم
قوله: ((لا صامَ مَن صامَ الأبدَ، مرَّتين)) في رواية مسلم (١٨٦/١١٥٩): قال عطاء: فلا
أدري كيف ذكر صيامَ الأبد، فقال النبي ◌َّ: ((لا صام من صام الأبد، لا صام من صام
الأبد))، واستدلَّ بهذا على كراهية صوم الدَّهر.
قال ابن التِّين: استدلَّ على كراهَته من هذه القصَّة من أوجُهِ: نهيُّه وَّهِ عن الزِّيادة،
وأمرُه بأن يصومَ ويُفطِرَ، وقوله: ((لا أفضلَ من ذلك))، ودعاؤه على من صام الأبدَ.
وقيل: معنى قوله: ((لا صام)) النَّفي، أي: ما صام كقوله تعالى: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَ صَلَّى﴾
[القيامة: ٣١]، وقوله في حديث أبي قَتَادةَ عند مسلم (١١٦٢) وقد سُئِلَ عن صوم الدَّهر:
((لا صام ولا أفطرَ)) أو ((ما صام وما أفطرَ))، وفي رواية التِّرمِذي (٧٦٧): ((لم يَصُم ولم
يُفطِر))، وهو شٌّ من أحد رواته، ومُقتَضاه أنَّهما بمعنَّى واحدٍ، والمعنى بالنَّفي أنَّه لم يُحصِّل
أجرَ الصوم لمخالَفَته، ولم يُفطِرِ لأنه أمسَكَ.
وإلى كراهة صوم الدَّهر مُطلَقاً ذهب إسحاقُ وأهلُ الظاهر، وهي روايةٌ عن أحمد،
وشَذَّ ابن حَزْم فقال: يَحِرُم.
وروى ابن أبي شَيْبةَ (٧٩/٣) بإسناد صحيح عن أبي عَمْرو الشَّيباني قال: بَلَغَ عمرَ أنَّ
رجلاً يصوم الدَّهر، فأتاه فعلاه بالدِّرّة وجعل يقول: كُل يا دَهْرُ(١)، ومن طريق أبي
إسحاق: أنَّ عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصومُ الدَّهرَ فقال عَمْرو بن ميمون: لو رأى هذا
أصحابُ محمدٍ لرجموه (٢).
واحتَجّوا أيضاً بحديث أبي موسى رَفَعَه: ((من صام الدَّهرَ ضُيِّقَت عليه جهنّم)) وعَقَدَ
بيدِه، أخرجه أحمد (١٩٧١٣) والنَّسائي(٣) وابن خُزَيمة (٢١٥٤) وابن حِبَّان (٣٥٨٤)،
(١) في (س): يا دهري، وفي ((المصنف)): كل يا دهرُ، كل يا دهرُ.
(٢) الذي في ((المصنف)) (١٤٨٢٧) - بتحقيق الجمعة واللحيدان - من طريق أبي إسحاق: كان ابن أبي نُعْم
يُهُلّ بالحجِّ في غير أشهر الحج، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرك هذا أصحابُ محمد لرجموه. وليس فيه
أنه کان یصوم الدهر.
(٣) هو عند النسائي في المحاربة من كتابه ((السنن)) برواية أبي الحسن بن حيّويه عنه فيما ذكره الحافظ المزي في =

٤٨٨
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
وظاهرُه أنَّها تَضِيقُ عليه حَصراً له فيها لتشديدِه على نفسه وحملِه عليها ورغبته عن سُنّة نبيه
وٍَّ واعتقاده أنَّ غيرَ سُنَّته أفضلُ منها، وهذا يقتضي الوعيد الشَّديد فيكون حراماً.
وإلى الكراهة مُطلَقاً ذهب ابن العربي من المالكية فقال: قوله: ((لا صام من صام
الأبدَ)) إن كان معناه الدُّعاء فيا ويحَ من أصابه دعاءُ النبي ◌َِّ، وإن كان معناه الخيرَ فيا
ويحَ من أخبر عنه النبي ◌َِّ أنَّه لم يَصُم، وإذا لم يَصُم شرعاً لم يُكتَب له الثَّوابُ لوجوب
صِدْق قوله ◌َّ﴿ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضلَ كما تقدَّم، فكيف يَطلُب
الفضلَ فيما نفاه النبي وَلهو.
وذهب آخرون إلى جواز صيام الدَّهر، وحملوا أخبار النَّهي على من صامه حقيقةً، فإنَّه
يُدخِل فيه ما حَرُمَ صومُّه كالعيدَين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وروي عن عائشةً
نحوُهُ(١)، وفيه نظرٌ لأنه ◌َّ﴾ قد قال جواباً لمن سأله عن صوم الدَّهر: ((لا صام ولا أفطرَ))،
وهو يُؤذِنُ بأنَّه ما أُجِرَ ولا أثِم، ومن صام الأيامَ المحرَّمةَ لا يقال فيه ذلك، لأنه عند من
أجاز صومَ الدَّهر إلَّا الأيامَ المحرَّمةَ يكون قد فعلَ مُستحَبّاً وحراماً، وأيضاً فإنَّ أيامَ
التحريم مُستَئناةٌ بالشَرع غيرُ قابلةٍ للصوم شرعاً فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض، فلم
تَدخُل في السُّؤال عند مَن عَلِمَ تحريمَها، ولا يَصلُحُ الجوابُ بقوله: ((لا صام ولا أفطرَ)) لمن
لم يعلم تحريمها.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدَّهر لمن قوي عليه ولم يُفوِّت فيه حَقّاً، وإلى ذلك
ذهب الجمهور.
قال السُّبكي: أطلقَ أصحابُنا كراهةَ صوم الدَّهر لمن فوَّتَ حَقّاً، ولم يوضحوا هل المرادُ
الحقُّ الواجبُ أو المندوب، ويَتَّجِه أن يقال: إن عَلِمَ أنَّه يُفوِّتُ حَقّاً واجباً حَرُم، وإن عَلِمَ
أنَّه يُفوِّتُ حَقّاً مندوباً أَولى من الصيام كُره، وإن كان يقوم مقامَه فلا، وإلى ذلك أشار ابن
= ((تحفة الأشراف)) (٩٠١١).
(١) ولفظه: أنَّ عائشة رضي الله عنها كانت تصوم الذَّهر في السفر والحضر، أخرجه الطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٢/ ٧١، والبيهقي (٤/ ٣٠١) من رواية أبي الأسود عن عروة.

٤٨٩
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
كتاب الصوم
خُزيمة فترجم: ((ذِكرُ العِلّة التي بها زَجَرَ النبي ◌َِّ عن صوم الدَّهر))، وساق الحديث
(٢١٥٢) الذي فيه: ((إذا فعلت ذلك هَجَمَت عينُك ونَفِهَت نفسُك)).
ومِن حُجَّتهم حديثُ حمزة بن عَمْرو الذي مضى، فإنَّ في بعض طرقه عند مسلم
(١٠٤/١١٢١) أنَّه قال: يا رسولَ الله، إنِّ أسرُدُ الصومَ(١)، فحملوا قوله ◌َّر لعبد الله بن
عَمْرو (١٩٧٦): ((لا أفضلَ من ذلك)) أي: في حَقِّك، فيَلتَحِق به من في معناه ممَّن يُدخِلُ فيه
على نفسِهِ مَشَقّةً أو يُفوِّتُ حَقّاً، ولذلك لم يَنهَ حمزة بن عَمْرو عن السَّرد، فلو كان السَّردُ
مُتَنِعاً لَبِيَّنه له، لأنَّ تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قاله النَّووي.
وتُعُقِّبَ بأنَّ سؤال حمزة إنَّما كان عن الصوم في السَّفر لا عن صوم الدَّهر، ولا يَلزَم من ٢٢٣/٤
سَرْد الصيام صومُ الدَّهر، فقد قال أُسامة بن زيد: إنَّ النبي ◌ََّ كان يَسْرُدُ الصومَ فيقال: لا
يُفطِرِ، أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، ومن المعلوم أنَّ النبي ◌َّ لم يكن يصومُ الدَّهرَ فلا يَلزَمُ من
ذكر السَّرد صيامُ الدَّهر.
وأجابوا عن حديث أبي موسى المقدَّم ذِكرُه بأنَّ معناه: ضُيِّقت عليه فلا يدخلها، فعلى
هذا تكون ((على)) بمعنى ((عن)) أي: ضُيِّقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرَم عن مُسدد،
وحکی رَدَّه عن أحمد.
وقال ابن خُزيمة (٢١٥٥): سألت المُزَني عن هذا الحديث فقال: يُشبِه أن يكون معناه:
ضُيِّقت عنه فلا يدخلُها، ولا يُشبِه أن يكون على ظاهره، لأنَّ من ازداد لله عملاً وطاعةً
ازداد عند الله رِفعةً وعَلَتْه کرامٌ.
ورَجَّحَ هذا التأويلَ جماعةٌ منهم الغَزالُّ فقالوا: له مُناسَبة من جهة أنَّ الصائم لمَّا
ضَيَّقَ على نفسه مسالك الشَّهَوات بالصوم، ضَیَّقَ الله علیه النار فلا يبقى له فيها مكان،
لأنه ضَيَّق طرقها بالعبادة. وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس كلُّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من
الله تقرُّباً، بل رُبَّ عملٍ صالح إذا ازداد منه ازداد بُعداً كالصلاة في الأوقات المكروهة،
(١) وهذا اللفظ عند البخاري أيضاً فيما سلف برقم (١٩٤٢).

٤٩٠
باب ٥٧ / ح ١٩٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
والأَولى إجراء الحديث على ظاهره وحملُه على من فوَّتَ حَقّاً واجباً بذلك فإنَّه يَتْوَجَّه إليه
الوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المُزَني.
ومِن حُجَّتهم أيضاً قوله وَّه في بعض طرق حديث الباب كما تقدَّم في الطريقين
الماضيين: ((فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدَّهر))، وقوله فيما رواه مسلم
(١١٦٤): ((مَن صام رمضان وأتبَعَه ستّاً من شوَّال فكأنَّما صام الدَّهر)) قالوا: فدَلَّ ذلك
على أنَّ صوم الدَّهر أفضل ممَّا شُبِّه به وأنَّه أمر مطلوب.
وتُعُقِّبَ بأنَّ التشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلاً عن استحبابه، وإنَّما المراد
حصول الثَّواب على تقدير مشروعية صيام ثلاث مئة وستين يوماً، ومن المعلوم أنَّ المكلّف
لا يجوز له صيام جميع السَّنة، فلا يدلّ التشبيه على أفضلية المشبّه به من كلّ وجه.
واختلف المجيزونَ لصوم الدَّهر بالشَّرط المتقدِّم هل هو أفضل، أو صيام يوم وإفطار
يوم أفضل؟ فصَرَّحَ جماعة من العلماء بأنَّ صوم الدَّهر أفضل، لأنه أكثر عملاً فيكون أكثر
أجراً، وما كان أكثر أجراً كان أكثرَ ثواباً، وبذلك جَزَمَ الغَزالي أوَّلاً وقَيَّدَه بشرط أن لا
يصوم الأيام المنهي عنها، وأن لا يَرغَب عن السُّنة بأنْ تَجِعَل الصوم حِجراً على نفسه، فإذا
أمِنَ من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل.
وتعقَّبه ابن دَقِيق العيد بأنَّ الأعمال متعارضة المصالح والمفاسد، ومِقْدار كلٍّ منها في
الحثِّ والمنع غير مُتَحقّق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء، يعارضه اقتضاءُ العادة
التقصير في حقوق أُخرى يعارضها العمل المذكور، ومِقدار الفائت من ذلك مع مِقدار
الحاصل غير مُتَحقّق، فالأَولى التفويض إلى حُكم الشارع. ولِمَا دَلَّ عليه ظاهر قوله: ((لا
أفضلَ من ذلك))، وقوله: ((إنَّه أحبُّ الصيام إلى الله تعالى)).
وذهب جماعة منهم المتولِّ من الشافعية إلى أنَّ صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث
بل صريحه، ويَترجَّح من حيثُ المعنى أيضاً بأنَّ صيام الدَّهر قد يُفوِّت بعض الحقوق كما
تقدَّم، وبأنَّ من اعتاده فإنَّه لا يَكاد يَشُقّ عليه بل تَضعُف شهوته عن الأكل وتَقلُّ حاجته

٤٩١
باب ٥٨/ ح ١٩٧٨
كتاب الصوم
إلى الطعام والشَّراب نهاراً، ويألَف تناوله في الليل بحيثُ يَتَجَدَّد له طَبْع زائد، بخلاف من
يصوم يوماً ويُفطِر يوماً، فإنَّه يَنتَقِل من فِطر إلى صوم، ومن صوم إلى فِطر، وقد نقل
الثّرمِذي عن بعض أهل العلم أنَّه أشقُّ الصيام(١)، ويأمن مع ذلك غالباً من تفويت
الحقوق كما تقدَّمت الإشارة إليه فيما تقدَّم قريباً في حقّ داود عليه السلام: ((ولا يَفِرّ إذا
لاقى)) لأنَّ من أسباب الفِرار ضعف الجَسَد، ولا شكَّ أنَّ سَرْد الصوم يُنهِكه، وعلى ذلك
يُحمَلُ قول ابن مسعود فيما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه: أنَّه قيل له: إنَّك
لتُقِلُّ الصيام، فقال: إنِّيّ أخاف أن يُضعِفَني عن القراءة، والقراءةُ أحبُّ إليَّ من الصيام.
٢٢٤/٤
نعم، إن فُرِضَ أنَّ شخصاً لا يَفُوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلاً، ولا
يُفوِّتُ حَقّاً من الحقوق التي خُوطِبَ بها، لم يَبعُد أن يكون في حقِّه أرجح، وإلى ذلك أشار
ابن خُزيمة فترجم(٢): ((الدَّليل على أنَّ صيام داود إنَّما كان أعدَلَ الصيام وأحبَّه إلى الله؛ لأنَّ
فاعله يُؤَدّي حقّ نفسه وأهله وزائره أيام فِطره، بخلاف من يتابع الصوم))، وهذا يُشعِر بأنَّ
من لا يَتضرَّر في نفسه ولا يُفوِّتُ حَقّاً أن يكون أرجح، وعلى هذا فیختلف ذلك باختلاف
الأشخاص والأحوال: فمن يقتضي حالُّه الإكثارَ من الصوم أكثرَ منه، ومن يقتضي حالُه
الإكثارَ من الإفطار أكثرَ منه، ومن يقتضي حالُه المزجَ فعله، حتَّى إنَّ الشَّخص الواحد قد
تختلف عليه الأحوالُ في ذلك، وإلى ذلك أشار الغَزالي أخيراً، والله أعلم بالصواب.
٥٨- باب صوم يومٍ وإفطار يومٍ
١٩٧٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُغِيرةَ، قال: سمعتُ
مجاهداً، عن عبدِ الله بنِ عَمٍو رضي الله عنهما، عن النبيِّ يَّ قال: ((صُمْ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ))
قال: أُطِيقُ أكثرَ من ذلك، فما زالَ حتَّى قال: ((صُمْ يوماً وأفطِرْ يوماً)) فقال: ((اقرأ القُرآنَ في كلِّ
شهرٍ)) قال: إنِّي أُطِيقُ أكثرَ، فما زالَ حتَّى قال: ((في ثلاثٍ)).
(١) تحت حديث (٧٧٠) بلفظ: ويقال: هذا هو أشدّ الصيام.
(٢) بین یدي الحدیث (٢١٠٩) من ((صحیحه)).

٤٩٢
باب ٥٩ / ح ١٩٧٩ - ١٩٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب صوم يومٍ وإفطار يومٍ)) ذكر فيه حديثَ عبد الله بن عَمْرو من طريق شُعْبة
عن مغيرة عن مجاهد عنه مُختصَراً، وقد أخرجه في فضائل القرآن (٥٠٥٢) من طريق أبي
عَوَانة عن مغيرة مُطوَّلاً، وسيأتي الكلام عليه فيما يَتعلَّق بقراءة القرآن هناك، وقد تقدَّم
الكلام على فوائد الزّيادة المتعلِّقة بالصيام قريباً (١٩٧٧).
٥٩- باب صوم داود عليه السلام
١٩٧٩- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: سمعتُ أبا العبّاس
المكِّيَّ - وكان شاعراً، وكان لا يُتَّهِمُ في حديثِه - قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ عَمِرِو بنِ العاصِ
رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((إِنَّكَ لَتصومُ الدَّهرَ وتقومُ الليل؟)) فقلتُ: نعم، قال:
((إِنَّكَ إذا فعلتَ ذلك هَجَمَتْ له العينُ، ونَفِهَت له النَّسُ، لا صامَ مَن صامَ الدَّهرَ، صومُ ثلاثةِ
أيام صومُ الدَّهرِ كلِّه)) قلتُ: فإِنِّي أُطِيقُ أكثرَ من ذلك؟ قال: «فصُمْ صومَ داودَ عليه السلام،
كان يصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً، ولا يَفِرُّ إذا لاقَى)).
١٩٨٠ - حدَّثنا إسحاقُ بن شاهينَ الواسطيُّ، حدَّثنا خالدُ بن عبدِ الله، عن خالدِ الحذّاءِ،
عن أبي قلابةَ، قال: أخبرني أبو المَلِيحِ، قال: دخلتُ مع أبيكَ على عبدِ الله بنِ عَمرٍو، فحدّثنا:
أنَّ رسولَ الله وَّخِ ذُكِرَ له صومي فدخلَ عليَّ، فألقَيتُ له وِسادةً من أدَم حَشْوُها لِيفٌ، فجَلَسَ
على الأرضِ، وصارتِ الوِسادةُ بيني وبينَه، فقال: ((أما يَكفِيكَ من كلِّ شهر ثلاثةُ أيام)) قال:
٢٢٥/٤ قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((خمساً)) قلتُ: يا رسولَ الله، / قال: ((سَبعاً» قلتُ: يا رسولَ الله، قال:
((تسعاً)) قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((إحدى عَشْرَةَ)) ثمَّ قال النبيُّ وَ: ((لا صومَ فوقَ صومٍ داودَ
عليه السلام: شَطُرُ الدَّهرِ، صُمْ يوماً وأفطِرْ يوماً».
قوله: ((باب صوم داود عليه السلام)) أوردَ فيه حديثَ عبد الله بن عَمْرو من وجهین،
وقد قَدَّمت مُحصَّلَ فوائدهما المتعلِّقة بالصيام(١).
قال الزَّين بن المنيِر: أفرَدَ ترجمةَ صوم يوم وإفطار يوم بالذِّكر للتَّنبيه على أفضليته،
(١) انظر شرح الأحاديث (١٩٧٤- ١٩٧٨).

٤٩٣
باب ٥٩ / ح ١٩٧٩ - ١٩٨٠
كتاب الصوم
وأَفَرَدَ صيامَ داود عليه السلام بالذِّكر للإشارة إلى الاقتداء به في ذلك.
قوله في الطريق الأولى: ((وكان شاعراً وكان لا يُتَّهمُ في حديثِهِ)) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الشاعرَ
بِصَدَد أن يُتَّهَمَ في حديثه لما تقتضيه صناعتُه من سُلوكِ المبالَغة في الإطراءِ وغيره، فأخبر
الراوي عنه أنَّه مع كونه شاعراً كان غير مُنَّهم في حديثه، وقوله: ((في حديثه)» يحتمل مَرویّه
من الحديث النّبوي، ويحتمل فيما هو أعمُّ من ذلك، والثاني أليَقُ وإلَّا لكان مرغوباً عنه،
والواقعُ أنَّه حُجّةٌ عند كلِّ من أخرج الصحيح، وأفصَحَ بتوثيقِه أحمدُ وابنُ مَعِينٍ وآخرون،
وليس له مع ذلك في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين، أحدهما في الجهاد (٣٠٠٤)،
والآخرُ في المغازي (٤٣٢٥)، وأعادهما معاً في الأدب (٥٩٧٢ و٦٠٨٦)، وقد تقدَّم حديث
الباب في التهجُّد (١١٣١) من وجهٍ آخرَ.
قوله: ((ونَفِهَت)) بكسر الفاء، أي: تَعِبَت وكَلَّت، ووقع في رواية النَّسَفي: (نَثِهَت))
بالمثلَّثة بدلَ الفاء، وقد استَغرَبها ابن التِّين فقال: لا أعرف معناها. قلت: وكأنَها أُبدِلَت من
الفاء فإِنَّهَا تُبدَلُ منها كثيراً، وفي رواية الكُتْمِيهنيّ بَدَلها: ((وَهِكَت)) أي: هَزَلَت وضَعُفَت.
قوله: ((صوُ ثلاثة أيام)) أي: من كلِّ شهر ((صومُ الدَّهر كلِّ)) أي: بالتضعيفِ كما تقدَّم
صريحاً.
قوله في الطريق الثانية: ((أخبرني أبو المَلِيح)) هو عامرٌ، وقيل: زيدٌ، وقيل: زيادُ بن أُسامةَ
بن عُمَير الهُذَلي، لأبيه صحبةٌ، وليس لأبي المليح في البخاري سوى هذا الحديث، وأعاده
في الاستئذان (٦٢٧٧)، وآخر تقدَّم في المواقيت (٥٥٣و ٥٩٤) في موضعين من روايته عن
و
ـُرَيدةَ.
٠
قوله: ((دخلتُ مع أبيك)) وقع في الاستئذان: ((مع أبيك زيد)»، وهو والد أبي قلابةَ
عبد الله بن زيد بن عَمٍو - وقيل: عامر - الجَرْمي.
قوله: ((فإمّا أرسَلَ إليَّ وإمّا لقيتُه))(١) شكٌّ من بعض رواته، وغَلِطَ من قال: إنَّه شكٌّ من
(١) هذه الجملة ليست من حديث الباب، وإنما هي قطعة من الحديث السالف برقم (١٩٧٧) وهي التي ذكر =

٤٩٤
باب ٥٩ / ح ١٩٧٩ - ١٩٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله بن عَمرِو، لمَا تقدَّم من أنَّه ◌َلِّ قَصَدَه إلى بيته، فدَلَّ على أنَّ لقاءَه إياه كان عن
قصدٍ منه إلیه.
قوله: ((فَجَلَسَ على الأرضِ وصارت الوسادةُ بيني وبينه)) فيه بيانُ ما كان عليه النبيِ وَّ
من التواضُع وتَركِ الاستئثار على جليسه، وفي كونِ الوِسادة من أَدَم حَشوُها لِيفٌ بيانُ ما
كان عليه الصحابة في غالب أحوالهم في عهدِه ◌ٍَّ من الصِّيق، إذ لو كان عنده أشرفُ منها
لِأكرَمَ بها نبيَّه ◌ِلّ.
قوله: ((خمساً)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((خمسة))، وكذا في البواقي، فمن قال: خمسة، أراد
الأيامَ، ومن قال: خمساً، أراد اللَّيالي، وفيه تَجُّزٌ.
قوله: ((قال: إحدى عَشْرَةَ) زاد في رواية عَمْرو بن عَوْن(١): قلت: يا رسولَ الله.
قوله: ((شَطْرُ الدَّهر)) بالرفع على القطع، ويجوز النَّصبُ على إضمار فعل، والجرُّ على
البدل من ((صوم داود)).
قوله: ((صُم يوماً وأفطِرٍ يوماً)) في رواية عَمْرو بن عَوْن: ((صيامُ يوم وإفطارُ يوم))، ويجوز
فيه الحَرَكاتُ أيضاً.
وفي قصَّة عبد الله بن عَمْرو هذه من الفوائد غيرُ ما تقدَّم هنا وفي أبواب التهُّد: بيانُ
رِفْقِ رسول الله ◌َّهِ بِأُمَّته وشَفَقَته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلِحُهم، وحثّه إياهم على
ما يُطيقونَ الدَّوامَ عليه، ونهيُهم عن التعمُّق في العبادة لمَا يُحْشَى من إفضائه إلى الملَل
المُفْضي إلى التَّرك أو تَركِ البعض، وقد ذمَّ الله تعالى قوماً لازَموا العبادةَ ثمَّ فَرَّطوا فيها.
وفيه النَّدْب إلى الدَّوام على ما وظَّفه الإنسانُ على نفسه من العبادة.
وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة والأوراد ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أنَّ
٢٢٦/٤
مَحَلَّ ذلك عند أمْنِ الرِّياء.
= الحافظ عند الباب (٥٥) أنها ستأتي بعد باب، ولكنه رحمه الله أوردها سهواً منه هنا، فوقعت بعد ثلاثة
أبواب ولیس بعد بابٍ کما ذکر.
(١) ستأتي عند البخاري برقم (٦٢٧٧).

٤٩٥
باب ٦٠ / ح ١٩٨١
كتاب الصوم
وفيه جواز القَسَم على التزام العبادة، وفائدتُه الاستعانةُ باليمينِ على النَّشاط لها، وأنَّ
ذلك لا يُحِلُّ بصِحّة النِّيّة والإخلاص فيها، وأنَّ اليمين على ذلك لا يَلحَقُها بالنَّذر الذي
يجبُ الوفاءُ به. وفيه جوازُ الخَلِفِ من غير استحلافٍ، وأنَّ النَّفْلَ المطلَقَ لا ينبغي تحديدُه،
بل يختلفُ الحالُ باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال.
وفيه جواز التفدية بالأبٍ والأُمّ. وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة
والسلام في أنواع العبادات. وفيه أنَّ طاعةَ الوالد لا تجبُ في تَركِ العبادة، ولهذا احتاجَ
عَمْرو إلى شكوى ولدِه عبد الله، ولم يُنكِرِ عليه النبي ◌َّ تركَ طاعته لأبيه.
وفيه زيارةُ الفاضل للمفضول في بيته، وإكرامُ الضَّيفِ بإلقاءِ الفُرُش ونحوها تحته،
وتَواضُع الزائر بجلوسِه دون ما يُفرَشُ له، وأن لا حَرَجَ عليه في ذلك إذا كان على سبيل
التواضُع والإكرام للمَزُور.
٦٠ - باب صيام البيض: ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ
١٩٨١ - حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أبو التَّح، قال: حدَّثني أبو عثمانَ،
عن أبي هريرةَ ، قال: أَوصاني خليلي ◌َِّ بثلاثٍ: صيام ثلاثةِ أيام من كلِّ شهرٍ، ورَكعَتَّي
الضُّحَى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ.
قوله: ((باب صيام البيض ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ)) كذا للأكثر،
وللكُثْمِيهنيّ: ((صيام أيام البيض ثلاث عشرةَ ... )) إلى آخره، قيل: المراد بالبيض اللَّيالي
وهي التي يكون فيها القمر من أوَّل الليل إلى آخره، حتَّى قال الجواليقي: من قال: الأيام
البيض، فجعل البيض صفة الأيام فقد أخطأ، وفيه نظرٌ لأنَّ الصومَ الكاملَ هو النَّهَارُ
بليلته، وليس في الشهر يومٌ أبيضُ كلُّه إلَّا هذه الأيام، لأنَّ ليلها أبيض ونهارها أبيضُ،
فصَحَّ قولُ: ((الأيام البيض)) على الوصف. وحكى ابن بَزِيزةً في تسميتها بِيضاً أقوالاً أُخَرَ
مُستِنِدةً إلى أقوالٍ واهيةٍ.
قال الإسماعيلي وابن بَطَّال وغيرُهما: ليس في الحديث الذي أوردَه البخاري في هذا

٤٩٦
باب ٦٠ / ح ١٩٨١
فتح الباري بشرح البخاري
الباب ما يُطابقُ الترجمة، لأنَّ الحديثَ مُطلَقٌ في ثلاثة أيام من كلّ شهر، والبِيضُ مُفِيَّدة
بما ذُكِر.
وأُجيبَ بأنَّ البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث،
وهو ما رواه أحمد (٨٤٣٤) والنَّسائي (٢٤٢١) وصَخَّحَه ابن حِبَّان (٣٦٥٠) من طريق
موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي وَّر بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم
أن يأكلوا وأمسَكَ الأعرابي، فقال: ((ما مَنَعَك أن تأْكُل؟)) فقال: إنِّي أصومُ ثلاثةَ أيام من
كلّ شهر، قال: ((إن كنت صائماً فصم الغُرَّ، أي: البِيضَ))، وهذا الحديثُ اختُلِفَ فيه على
موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً بيَّه الدّار قُطني(١)، وفي بعض طرقه عند النَّسائي (٢٤٢٧):
((إن كنت صائماً فصُم البيض ثلاث عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ)، وجاء تقييدُها أيضاً
في حديث قَتَادةَ بن مِلحانَ - ويقال: ابن مِنهالٍ - عند أصحاب ((السُّنن))(٢) بلفظ: كان
رسول الله وَ ل﴿ يأمُنا أن نصوم البيضَ ثلاث عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ وقال: ((هي
كَهَيْئَة الدَّهْرِ))، وللنَّسائي (٢٤٢٠) من حديث جَرِير مرفوعاً: ((صيام ثلاثة أيام من كلِّ
شهر صيام الدَّهر: أيام البيض صبيحةً ثلاث عشرة)) الحديثَ، وإسناده صحيح، وكأنَّ
البخاري أشار بالترجمة إلى أنَّ وصية أبي هريرة بذلك لا تَخْتَصّ به.
وأمَّا ما رواه أصحاب (السُّنن))(٣) وصَحَّحَه ابن خُزيمة (٢١٢٩) من حديث ابن
مسعود: أنَّ النبي ◌َ ل﴿ كان يصوم ثلاثة أيام من غُرّة كلّ شهر، وما روى أبو داود (٢٤٥١)
والنَّسائي (٢٣٦٦) من حديث حفصة: كان رسول الله وَلا يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام:
الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأُخرى(٤)؛ فقد جمع بينهما وما قبلهما البيهقي بما
٢٢٧/٤ أخرجه مسلم (١١٦٠) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل* يصوم / من كلّ شهر
(١) في ((العلل)) له ٦/ ٢٦٣.
(٢) أبو داود (٢٤٤٩)، وابن ماجه (١٧٠٧)، والنسائي (٢٤٣٢)، وانظر ((صحيح ابن حبّان)) (٣٦٥١).
(٣) أبو داود (٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٧٢٥)، والترمذي (٧٤٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٦٨٩).
(٤) وحديث حفصة هذا ضعيف، انظر تفصيل ذلك في ((مسند أحمد)) (٢٦٤٦١).

٤٩٧
باب ٦٠ / ح ١٩٨١
كتاب الصوم
ثلاثة أيام ما يُبالي من أيّ الشهر صام. قال: فكلّ من رآه فعلَ نوعاً ذكره، وعائشة رأت
جميعَ ذلك وغيرَه فأطلقَت.
والذي يَظهَر أنَّ الذي أمر به وحثَّ عليه ووَصَّى به أَولى من غيره، وأمَّا هو فلعلَّه كان
يَعرِضُ له ما يَشغَلُه عن مُراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكلُّ ذلك في حَقِّه
أفضل، وتترجَّحُ البِيضُ بكونها وَسَطَ الشهر ووَسَطُ الشيءِ أعدَلُه، ولأنَّ الكسوف غالباً
يقع فيها، وقد وَرَدَ الأمر بمَزِيد العبادة إذا وقع، فإذا اتَّفَقَ الكسوف صادفَ الذي يعتاد
صيامَ البيض صائماً فيَتهيَّ له أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصَّدَقة،
بخلاف من لم يَصُمها، فإنَّه لا يتأَتَّى له استدراكُ صيامها، ولا عند من يُجُوِّزُ صيامَ التطوُّع
بغير نيَّة من الليل إلَّا إن صادفَ الكسوفَ من أوَّل النَّهار، ورَجَّحَ بعضهم صيام الثلاثة
في أوَّل الشهر لأنَّ المرء لا يدري ما يَعرِضُ له من الموانع.
وقال بعضهم: يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيام يوماً، وله وجهٌ في النَّظَر، ونُقِلَ ذلك عن
أبي الدَّرداء، وهو يوافق ما تقدَّم في رواية النَّسائي (٢٣٩٥) في حديث عبد الله بن عَمْرو:
((صُم من كلّ عشرة أيام يوماً)(١)، وروى التِّرمِذي (٧٤٦) من طريق خَيْئمة عن عائشة: أنَّه
وَّ* كان يصوم من الشهر السَّبت والأحد والاثنين، ومن الآخر الثَّلاثاء والأربعاء
والخميس، وروي موقوفاً وهو أشبه(٢)، وكأنَّ الغرضَ به أن يَستوعِبَ غالب أيام الأسبوع
بالصيام، واختار إبراهيم النَّخَعي أن يصومَها آخرَ الشهر ليكون كفَّارةً لما مضى، وسيأتي
ما يُؤيِّده في الكلام على حديث عِمرانَ بن حُصَين (١٩٨٣) في الأمر بصيام سِرَار الشهر.
وقال الرُّوياني: صيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر مُستحَبٌّ، فإن اتَّفَقَت أيامُ البيض كان
أحبَّ. وفي كلام غير واحد من العلماء أيضاً: أنَّ استحباب صيام البيض غير استحباب
(١) وهو عند مسلم أيضاً برقم (١١٥٩) (١٨٦)، وقد سبق للحافظ رحمه الله أن عزاه إلى مسلم عند شرح
الحديث رقم (١٩٧٧).
(٢) وعلى كِلا الحالين فإن خيثمة - وهو ابن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجُعفي - لم يسمع من عائشة فيما قاله
أبو داود في ((سننه)) بإثر الحديث (٢١٢٨)، فالإسناد ضعيف.

٤٩٨
باب ٦٠ / ح ١٩٨١
فتح الباري بشرح البخاري
صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر.
قوله: (حدّثنا أبو معمر)) هو عبد الله بن عمرو، والإسناد کلّه بصریون، وأبو عثمان:
هو النَّهْدي، وقد روى عن أبي هريرة جماعةٌ كلٌّ منهم أبو عثمان، لكن لم يقع في البخاري
حديثٌ موصولٌ من رواية أبي عثمان عن أبي هريرة إلَّا من رواية النَّهدي، وليس له عنه
في(١) البخاري سوى هذا وآخر في الأطعمة (٥٤١١)، ووقع عند مسلم (٧٢١) عن شَيْبانَ
عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال فيه: ((حدَّثني أبو عثمان النَّهْدي))، وتقدّم هذا الحديث
في أبواب التطوُّع (١١٧٨) من طريقٍ أُخرى عن أبي عثمان النَّهدي، وقد تقدَّم الكلامُ
هناك على بقية فوائده.
وَمَّا لم يَتَقدَّم منها ما نَبَّه عليه أبو محمد بن أبي جَمْرةَ في قول أبي هريرة: ((أوصاني
خليلي)) قال: في إفراده بهذه الوصيّة إشارة إلى أنَّ القَدْر الموصى به هو اللّائق بحاله، وفي
قوله: ((خليلي)) إشارةٌ إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدُّنيا، لأنَّ
أبا هريرة صَبَرَ على الجوع في مُلازَمَته للنبي ◌َّ كما سيأتي في أوائل البيوع (٢٠٤٧) من
حديثه حيثُ قال: ((أمَّا إخواني فكان يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكنت ألزَمُ رسولَ الله
(وَّ)) فشابَه حالَ النبي ◌َّ في إيثاره الفقرَ على الغنى، والعُبوديةَ على الملك، قال: ويُؤخَذ
منه الافتِخارُ بصحْبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدُّث بالنِّعمة والشُّكر لله، لا
على وجه المباهاة، والله أعلم.
وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذي)): حاصلُ الخلاف في تعيين البِيض تسعةُ أقوالٍ:
أحدُها: لا تَتَعيَّنُ بل يُكرَه تعيينُها، وهذا عن مالك، الثاني: أوَّل ثلاثة من الشهر، قاله
الحسن البصري، الثالث: أوَّلها الثانيَ عشرَ، الرابع: أوَّلها الثالثَ عشرَ، الخامس: أوَّلها أوَّل
سبت من أوَّل الشهر، ثمَّ من أوَّل الثّلاثاء من الشهر الذي يليه وهكذا، وهو عن عائشة،
السادس: أوَّل خميس ثمَّ اثنين ثمَّ خميس، السابع: أوَّل اثنين ثمَّ خميس ثمَّ اثنين، الثامن:
(١) في (س): وليس له عند البخاري، وما أثبتناه من (أ) و(ع)، وهو الأظهر.

٤٩٩
باب ٦١ / ح ١٩٨٢
كتاب الصوم
أوَّل يوم والعاشر والعشرونَ، عن أبي الدَّرداء، التاسع: أوَّل كلّ عشرٍ، عن ابن شعبانَ
المالكي. قلت: بَقي قولٌ آخرُ: وهو آخر ثلاثة من الشهر، عن النَّخَعي، فتَمَّت عشرةً.
٢٢٨/٤
٦١ - باب مَن زار قوماً فلم يفطر عندهم
١٩٨٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني خالدٌ - هو ابنُ الحارثِ - حدَّثْنا مُميدٌ، عن
أنسٍ ◌َُ: دخلَ النبيُّ وَِّ على أُمِّ سُلَيم، فأنتْه بتمرٍ وسَمنٍ قال: ((أَعِيدوا سَمنكم في سِقائِه،
وتمرَكم في وِعائِهِ، فإنّ صائمٌ)) ثمَّ قامَ إلى ناحيةٍ من البيت فصَلَّى غيرَ المكتوبةِ، فَدَعَا لأمِّ سُلَيم
وأهلِ بيتها، فقالت أُمُّ سُلَيم: يا رسولَ الله، إنَّ لي خُوَيْصّةً قال: ((ما هيَ؟» قالت: خادمُكَ
أنسٌِّ، فما تَرَكَ خيرَ آخرةٍ ولا دنيا إلا دَعَالي به: ((اللهمَّ ارزُقْه مالاً ووَلَداً، وبارِكْ له)). فإِنِّي لَمِن
أكثرِ الأنصارِ مالاً، وحدَّثَتني ابنتي أُمَيْنَةُ: أَنَّه دُفِنَ لصُلْبِي مَقدَمَ الحَجَّاجِ البصرةَ بِضِعٌ
وعشرونَ ومئةٌ.
قال ابنُ أبي مريمَ: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثني مُميدٌ، سمع أنساً عنه، عن النبيِّ وَّ.
[أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠]
قوله: ((باب مَن زار قوماً فلم يُفطِر عندهم)) أي: في التطوُّع، هذه الترجمة تقابلُ الترجمة
الماضية وهي: مَن أقسَمَ على أخيه ليُقْطِرَ عندهم في التطوُّع(١)، وموقعُها أن لا يُظَنَّ أنَّ فِطرَ
المرءِ من صيام التطوُّع لتطييبٍ خاطر أخيه حَتْمٌ عليه، بل المرجِعُ في ذلك إلى من عُلِمَ من
حاله من كلٌّ منهما أنَّه يَشُقُّ عليه الصيام، فمتى عَرَفَ أنَّ ذلك لا يَشُقُّ عليه كان الأَولى أن
يَستمِرَّ علی صومه.
قوله: ((حدَّثني خالد: هو ابن الحارث)) كذا في الأصل، وبيان اسم أبيه من المصنّف،
كأنَّ شيخَه قال: حدَّثنا خالد فقط، فأراد بالبيان رفعَ الإبهام لاشتراك من يُسمَّى خالداً في
الرواية عن حميدٍ ثَمَّن يُمكِنُ محمد بن المثنى أن يروي عنه، ولم يَطَّرِد للمصنّف هذا فإنَّه
كثيراً ما يقع له ولمشائخِه مثلُ هذا الإبهام ولا يعتني ببيانه. ورجالُ إسناد هذا الحديث
(١) وهو الباب السالف برقم (٥١).

٥٠٠
باب ٦١ / ح ١٩٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
كلَّهم بصريون.
قوله: ((دخل النبي ◌ََّ على أُمّ سُلَيم)) هي والدةُ أنسٍ المذكور، ووقع لأحمد (١٣٥٩٤)
من طريق حمّادٍ عن ثابت عن أنس: ((أنَّ النبيِ وَّ دخل على أُمّ حَرَام)) وهي خالةٌ أنسٍ،
لكن في بقية الحديث ما يدلُّ على أنَّهما معاً كانتا مُجُتَمعتَين.
قوله: ((فأتته بتَمرِ وسَمنٍ)) أي: على سبيل الضِّيافة، وفي قوله: ((أَعيدوا سمنَكم في
سِقائه)) ما یُشعِرُ بأنَّه کان ذائباً، وليس بلازم.
قوله: ((ثمَّ قامَ إلى ناحيةٍ من البيت فصلَّى غيرَ المكتوبة)) في رواية أحمد (١٢٠٥٣) عن ابن
أبي عَديِّ عن حميدٍ: ((فصلَّى ركعتَينٍ وصلَّينا معه)»، وكأنَّ هذه القصَّة غيرُ القصّة الماضية في
أبواب الصلاة (٣٨٠) التي صلَّى فيها على الحصير وأقامَ أنساً خلفَه وأُمَّ سُلَیم من ورائه،
لكن وقع عند أحمد في رواية ثابتٍ المذكورة - وهو لمسلم (٢٦٨/٦٦٠) من طريق سليمانَ
ابن المغيرة عن ثابت - نحوه: ثمَّ صلَّى ركعتَينِ تطوُّعاً، فأقامَ أُمَّ حرام وأُمَّ سُلَيم خلفَنا
وأقامَني عن يمينه. ويحتمل التعدُّدَ، لأنَّ القصّة الماضية لا ذِكرَ فيها لأُمّ حرام، ويدلُّ على
التعدُّد أيضاً أنَّه هنا لم يأكل وهناك أكَلَ.
قوله: ((إنَّ لي خُوَيْصَّة)) بتشديد الصاد وبتخفيفها تصغير خاصَّة، وهو مَّ اغتُفِرَ فيه
التِقاءُ الساكنَين.
وقوله: ((خادمُك أنس)) هو عطف بيانٍ أو بدلٌ، والخبر محذوف تقديره: أطلُبُ منك
الدُّعاء له. ووقع في رواية ثابت المذكورة عند أحمد: ((إنَّ لي خُوَيصّة، خُوَيدمك أنس،
ادعُ الله له)).
قوله: ((خيرَ آخرة)) أي: خيراً من خيرات الآخرة.
قوله: ((إلّا دَعا لي به: اللهمَّ ارزُقه مالاً)) كذا في الأصل، وعند أحمد (١٢٩٥٣) من رواية
عَبيدة بن حميدٍ عن حميدٍ: إلَّا دَعَالي به، وكان من قوله: ((اللهمَّ ... )) إلى آخره.
٢٢٩/٤ قوله: ((وبارْ له)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وبارك له فيه))، وقوله: ((فيه)) بالإفراد نظراً إلى