النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٤٠
كتاب الصوم
وقال سعيدُ بنُ المسيّب في صومِ العَشْر: لا يَصلُحُ حتَّى يَبدأ برمضانَ.
وقال إبراهيمُ: إذا فَرَّطَ حتَّى جاء رمضانٌ آخرُ، يصومُهما. ولم يَرَ عليه إطعاماً.
ويُذكَرُ عن أبي هريرةَ مُرسلاً وابنٍ عبَّاسٍ: أَنَّه يُطعِمُ.
ولم يَذْكُرِ الله تعالى الإطعامَ، إِنَّما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
١٨٩/٤
قوله: ((بابٌ متى يُقضى قضاء رمضان؟)) أي: متى تُصام الأيام التي تُقضَى عن فوات
رمضان؟ وليس المراد قضاء القضاء على ما هو ظاهر اللَّفظ، ومراد الاستفهام: هل يتعيَّن
قضاؤُه مُتتابعاً، أو يجوز مُتَفرِّقاً؟ وهل يتعيَّن على الفَوْر، أو يجوز على التراخي؟ قال الزّينُ
ابن المنيِر: جعل المصنّف الترجمة استفهاماً لتَعارُضِ الأدلَّة، لأنَّ ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضى التفريقَ، لصِدقِ ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سواءٌ كانت مُتابعةً أو مُتَفرِّقةً، والقياس
يقتضي التَّتَابٌع إلحاقاً لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثارَ المبادرة
إلى القضاء، لولا ما مَنَعَها من الشُّغل، فيُشعِر بأنَّ من كان بغير عُذرٍ لا ينبغي له التأخير.
قلت: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق، لمَا أودَعَه في الترجمة من
الآثار كعادته، وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن عليّ وعائشة وجوبَ التتابع،
وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق (٧٦٥٨) بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه
تباعاً، وعن عائشة (٧٦٥٧): نزلت: ((فعِدّةٌ من أيامٍ أُخَرَ مُتابعاتٍ)) فسَقَطَتِ: ((متابعاتٌ))(١).
وفي «الموطَّأ)) (١/ ٣٠٥) أنَّهَا قراءةُ أُبيّ بن كعب، وهذا إن صَحَّ يُشعِر بعَدَم وجوب
التتابع، فكأنَّه كان أوَّلاً واجباً ثمَّ نُسِخ، ولا يختلف المجيزونَ للتَّعْرِيقِ أنَّ التتابعَ أَولى.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: لا بأس أن يُفرَّق، لقولِ الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾)) وَصَله
مالكٌ (١/ ٣٠٤) عن الزُّهْري: أنَّ ابن عبّاس وأبا هريرة اختَلَفا في قضاء رمضان، فقال
أحدهما: يُفرَّق، وقال الآخرُ: لا يُفرَّق. هكذا أخرجه مُنقطِعاً مُبهَماً، ووَصَله عبد الرزاق
(١) قال الإمام ابن عبد الهادي الحنبلي في ((تنقيح التحقيق)) ٢/ ٣٤٣: قولها: ((فسقطت: متتابعات)) ترید به:
نُسِخَت، لا يصحُّ له تأويلٌ غير ذلك.

٤٢٢
باب ٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
(٧٦٦٥) مُعيَّناً عن مَعمَر، عن الزُّهْري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس فيمن عليه
قضاء من رمضان، قال: يقضيه مُفرَّقاً، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وأخرجه
الدّار قُطني (٢٣٢٠) من وجهٍ آخر عن مَعمَر بسنده، قال: صُمْه كيف شئت. ورُوِّيناه في
((فوائد أحمد بن شَبيب)) من روايته عن أبيه عن يونس عن الزُّهْري، بلفظ: لا يَضُرُك كيف
قضيتَها، إنَّما هي عِدّةٌ من أيام أُخَر فأَحصِه.
وقال عبد الرزاق (٧٦٦٤) عن ابن جُرَيج، عن عطاء، أنَّ ابن عبّاس وأبا هريرة قالا:
فرِّقه إذا أحصيتَه. وروى ابن أبي شَيْبة (٣/ ٣٤) من وجه آخر عن أبي هريرة نحو قول ابن
عمر، وكأنَّه اختُلِفَ فيه عن أبي هريرة. وروى ابن أبي شَيْبة أيضاً (٣/ ٣٢) من طريق معاذ
ابن جبل: إذا أحصى العِدّة، فليَصُم كيف شاءَ. ومن طريق أبي عُبيدة بن الجرَّاح (٣/ ٣٤)
ورافع بن خَدِیج (٣٢/٣-٣٣) نحوه، وروى سعيد بن منصور عن أنسٍ نحوه.
قوله: ((وقال سعيد بن المسيّب في صوم العشْر: لا يَصلُح حتَّى يَبدأ برمضانَ» وَصَله ابن
أبي شَيْبة (٣٢٥/٢) عنه نحوه ولفظه: لا بأس أن يقضي رمضان في العشر. وظاهر قوله
جواز التطوُّع بالصوم لمن عليه دَينٌ من رمضان، إلّا أنَّ الأَولى له أن يصوم الدَّينَ أوَّلاً
لقوله: ((لا يَصلُح))، فإنَّه ظاهرٌ في الإرشاد إلى البِداءة بالأهمِّ والآَكَد، وقد روى
عبد الرزاق (٧٧١٥) عن أبي هريرة: أنَّ رجلاً قال له: إنَّ عليَّ أياماً من رمضان، أفأصوم
العشرَ تطوُّعاً؟ قال: لا، ابدأ بحَقِّ الله ثمَّ تَطَوَّع ما شئتَ. وعن عائشة (٧٧١٧) نحوه.
وروى ابن المنذر عن عليّ: أنَّه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحِجّة، وإسناده
ضعيف، قال: ورُويَ بإسناد صحيح نحوُه عن الحسن والزُّهْري، وليس مع أحدٍ منهم
حُجّةٌ على ذلك، وروى ابن أبي شَيْبة(١) بإسناد صحيح عن عمر: أنَّه كان يَستَحِبّ ذلك.
قوله: ((وقال إبراهيم)) أي النَّخَعي: «إذا فرَّطَ حتَّى جاء رمضانٌ آخرُ يصومُهما، ولم يَرَ
عليه إطعاماً)) وقع في رواية الكُتْمِيهنيّ: ((حتَّى جازَ)) بزايٍ بدلَ الهمزة من الجواز، وفي
١٩٠/٤
(١) في ((مصنفه)) ٣٢٤/٢، ولكن بلفظ: لا بأس بقضاء رمضان في العشر، وأما أنه كان يستحب ذلك فوقع
عند عبد الرزاق في «مصنفه)) (٧٧١٤).

٤٢٣
باب ٤٠
كتاب الصوم
نسخة: «حانَ)) بمُهمَلةٍ ونون من الحین، وَصَله سعید بن منصور من طریق یونس عن
الحسن، ومن طريق الحارث العُكْلِيّ عن إبراهيم، قالا: إذا تَتابع عليه رمضانان صامهما،
فإن صَحَّ بينهما فلم يَقضِ الأوَّل، فِئسما صَنَعَ فليَستَغفِرِ الله وليَصُم.
قوله: ((ويُذكَر عن أبي هريرة مُرسلاً، وعن ابن عبّاس: أنَّه يُطعِم)) أمَّا أثر أبي هريرة
فوجدته عنه من طرق موصولاً، فأخرجه عبد الرزاق (٧٦٢١) عن ابن جُرَيج، أخبرني
عطاء، عن أبي هريرة قال: أيُّ إنسان مَرِضَ في رمضان، ثمَّ صَحَّ فلم يَقضِه حتَّى أدرَكَه
رمضانٌ آخر، فليَصُم الذي حَدَثَ ثمَّ يَقضِ الآخر، ويُطعِم مع كلّ يوم مسكيناً. قلت
العطاءٍ: كم بَلَغَك يُطعِم؟ قال: مُدّاً، زَعَموا، وأخرجه عبد الرزاق (٧٦٢٠) أيضاً عن
مَعمَر، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة نحوه، وقال فيه: وأطعِم عن كلّ يوم
نصف صاع من قمح. وأخرجه الدّار قُطني (٢٣٤٤) من طريق مُطرِّف عن أبي إسحاق
نحوه، ومن طريق رَقَبة - وهو ابن مَصقَلةَ - (٢٣٤٦) قال: زَعَمَ عطاء أنَّه سمع أبا هريرة
يقول في المريض يَمَرَض ولا يصوم رمضان ثمَّ يترك حتَّى يُدرِكه رمضان آخرُ قال: يصوم
الذي حَضَرَه ثمَّ يصوم الآخر ويُطعِم لكلِّ يوم مسكيناً، ومن طريق ابن جُرَيج (٢٣٤٣)
وقیس بن سعد (٢٣٤٨) عن عطاء نحوه.
وأمَّا قول ابن عبَّاس، فَوَصَله سعيد بن منصور عن هُشَيم، والدّار قُطني (٢٣٤٧) من
طريق ابن عُيَينة، كلاهما عن يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: من
فَرَّطَ في صيام رمضان حتَّى أدرَكَه رمضانٌ آخرُ فليَصُم هذا الذي أدركه ثمَّ ليصُم ما فاتَّه
ويُطعِم مع كلّ يوم مسكيناً. وأخرجه عبد الرزاق (٧٦٢٨) من طريق جعفر بن بُرْقان،
وسعيد بن منصور من طريق حجّاج، والبيهقي (٢٥٣/٤) من طريق شُعْبة عن الحكم،
كلهم عن ميمون بن مِهْران عن ابن عبّاس نحوه.
قوله: ((ولم يَذكُر الله تعالى الإطعام، إنَّما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾))، هذا من كلام
المصنّف قاله تفقُّهاً، وظَنَّ الزَّينُ بن المنيِّر أنَّه بقية كلام إبراهيم النَّخَعي، وليس كما ظنَّ،
فإنَّه مفصولٌ من كلامه بأثر أبي هريرة وابن عبّاس، لكن إنَّما يقوّي ما احتَجَّ به إذا لم يَصِحَّ

٤٢٤
باب ٤٠ / ح ١٩٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
في السُّنّة دليل الإطعام، إذ لا يَلزَم من عَدَم ذِكْره في الكتاب أن لا يَثْبُتَ بالسُّنّة، ولم يَتْبُت
فيه شيء مرفوع، وإنَّما جاء فيه عن جماعة من الصحابة، منهم من ذُكِر، ومنهم عمر عند
عبد الرزاق (٧٦٢). ونقل الطَّحاوي عن يحيى بن أكثَمَ قال: وجدتُه عن ستّةٍ من الصحابة
لا أعلم لهم فیه مخالفاً، انتهى.
وهو قول الجمهور، وخالَفَ في ذلك إبراهيمُ النَّخَعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومالَ
الطَّحاوي إلى قول الجمهور في ذلك، وممّن قال بالإطعام ابنُ عمر لكنَّه بالَغَ في ذلك،
فقال: يُطعِم ولا يصوم، فروى عبد الرزاق (٧٦٢٣) وابن المنذر وغيرهما من طرقٍ
صحيحةٍ عن نافع عن ابن عمر قال: من تابعه رمضانان وهو مريض لم يَصِحَّ بينهما، قضى
الآخِرَ منهما بصيام، وقضى الأوَّل منهما بإطعام مُدِّ من حنطة كلَّ يوم، ولم يَصُم؛ لفظ
عبد الرزاق عن مَعمَر عن أيوب عن نافع. قال الطَّحاوي: تفرَّد ابن عمر بذلك.
قلت: لكن عند عبد الرزاق (٧٦٢٤) عن ابن جُرَيج عن يحيى بن سعيد قال: بَلَغَني
مثلُ ذلك عن عمر، لكنَّ المشهور عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق (٧٦٢٩) أيضاً من
طريق عوف بن مالك سمعت عمر يقول: من صام يوماً من غير رمضان وأطعَمَ مسكيناً،
فإنَّهما يَعدِلان يوماً من رمضان. ونقله ابن المنذر عن ابن عبَّاس وعن قَتَادة، وانفَرَدَ ابن
وَهْب بقوله: من أفطرَ يوماً في قضاء رمضان، وَجَبَ عليه لكلِّ يوم صومُ يومين.
١٩٥٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، قال: سمعتُ عائشةً
رضي الله عنها تقولُ: كان يكون عليَّ الصومُ من رمضانَ، فما أستطيعُ أن أقضِيَه إلا في شعبانَ.
قال يحيى: الشُّغْلُ من النبيِّ، أو بالنبِيِّ ◌َّ.
قوله: ((حدَّثنا زُهَيرٌ)) هو ابن معاوية الجُعْفيّ أبو خَيْئمة.
قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، ووَهِمَ الكِرْماني تَبَعاً لابن التِّين فقال: هو
يحيى بن أبي كثير، وغَفَلَ عمَّا أخرجه مسلم (١١٤٦ / ١٥١) عن أحمد بن يونس شیخ
البخاري فيه، فقال في نفس السَّنَّد: ((عن يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد هذا هو
:٠٠

٤٢٥
باب ٤٠ / ح ١٩٥٠
كتاب الصوم
الأنصاري))، وذَهَلَ مُغَلْطاي/ فنقل عن الحافظ الضِّياء أنَّه القطّان، وليس كما قال، فإنَّ ١٩١/٤
الضّياء حكى قول من قال: إنَّه يحيى بن أبي كثير، ثمَّ رَدَّه وجَزَمَ بأنَّه يحيى بن سعيد، ولم
يقل: القطّان، ولا جائزٌ أن يكون القطّان؛ لأنه لم يُدرِك أبا سَلَمة، وليست لزُهَير بن معاوية
عنه روایة، وإنّما هو یروي عن زُهَیر.
قوله: ((عن أبي سَلَمة)) في رواية الإسماعيلي من طريق أبي خالد عن يحيى بن سعيد:
سمعت أبا سَلَمة.
قوله: ((فما أستطيع أن أقضيَه إلَّ في شعبان)) استُدلَّ به على أنَّ عائشة كانت لا تتطوَّع
بشيءٍ من الصيام لا في عشر ذي الحِجّة ولا في عاشوراءَ، ولا غير ذلك، وهو مبنيٌّ على أنَّها
كانت لا ترى جواز صيام التطوُّع لمن عليه دينٌ من رمضان، ومن أين لقائلِه ذلك؟
قوله: ((قال يحيى)) أي: الراوي المذكور بالسَّنَد المذكور إليه، فهو موصولٌ.
قوله: ((الشُّغل من النبي أو بالنبي ◌ِّ) هو خبرُ مُبتدَأ محذوفٍ تقديره: المانع لها الشُّغل،
أو هو مُبتدَأ محذوفُ الخبر تقديره: الشُّغل هو المانع لها.
وفي قوله: ((قال يحيى)) هذا تفصيلٌ لكلام عائشة من كلام غيرها، ووقع في رواية مسلم
المذكورة مُدرَجاً، لم يَقُل فيه: قال يحيى، فصار كأنَّه من كلام عائشة أو من روى عنها،
وكذا أخرجه أبو عَوَانة (٢٨٨٥) من وجه آخر عن زُهَير، وأخرجه مسلم (١١٤٦) من
طريق سليمان بن بلال عن يحيى مُدرَجاً أيضاً ولفظه: وذلك لمكان رسول الله وَلفته
وأخرجه من طريق ابن جُرَيج عن يحيى فبيَّن إدراجَه، ولفظه: فظَنَنتُ أنَّ ذلك لمكانها من
رسول الله وَل؛ يحيى يقوله. وأخرجه أبو داود (٢٣٩٩) من طريق مالك، والنَّسائي
(٢٣١٩) من طريق يحيى القطّان، وسعيد بن منصور عن ابن شهاب وسفيان، والإسماعيلي
من طريق أبي خالد، كلهم عن يحيى بدون الزِّيادة، وأخرجه مسلم (١١٤٦/ ١٥٢) من
طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سَلَمة بدون الزِّيادة، لكن فيه ما يُشعِرُ بها، فإنَّه قال
فيه ما معناه: فما أستطيع قضاءَها مع رسول الله وَ له؛ ويحتمل أن يكون المراد بالمعية:

٤٢٦
باب ٤١ / ح ١٩٥١
فتح الباري بشرح البخاري
الزّمان، أي: إنَّ ذلك كان خاصّاً بزمانه، وللِّرمِذي (٧٨٣) وابن خُزيمة (٢٠٤٩) من
طريق عبد الله البَهِيِّ عن عائشة: ما قضيتُ شيئاً مما يكون عليَّ من رمضان إلَّا في شعبانَ
حتَّى قُبِضَ رسول الله وَلّهِ.
وثمَّا يدلّ على ضعف الزِّيادة: أنَّه وَلِّ كان يَقسِم لنسائه فيَعدِلُ، وكان يدنو من المرأة في
غير نَوبَتها فيُقُبِّل ويَلمِس من غير جماع، فليس في شُغْلها بشيءٍ من ذلك ما يمنع الصوم،
اللهمَّ إلَّا أن يقال: إنَّها كانت لا تصوم إلَّا بإذنِه، ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا
ضاقَ الوقت أذِنَ لها، وكان هو ◌َّه يُكثِر الصوم في شعبان كما سيأتي بعد أبوابٍ (١٩٦٩)
فلذلك كانت لا يَتهيَّأُ لها القضاءُ إلَّ في شعبان.
وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مُطلَقاً، سواء كان لعُذرٍ أو لغير
عُذر، لأنَّ الزِّيادة كما بيَّنّاه مُدرَجةٌ، فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مُقيَّداً بالضَّرورة، لأنَّ
للحديث حُكمَ الرفع، لأنَّ الظاهر اطّلاع النبي ◌َِّ على ذلك مع توفّر دَوَاعي أزواجه على
السُّؤال منه عن أمر الشَّرع، فلولا أنَّ ذلك كان جائزاً لم تُواظِبْ عائشة عليه، ويُؤخَذ من
حِرصها على ذلك في شعبان أنَّه لا يجوز تأخير القضاء حتَّى يدخل رمضانٌ آخر. وأمَّا
الإطعام فليس فيه ما يُثِتُه ولا ينفيه، وقد تقدَّم البحثُ فيه.
٤١ - باب الحائض تترك الصوم والصلاة
وقال أبو الزِّنادِ: إنَّ السُّننَ ووجوه الحقِّ لَتَأْتِي كثيراً على خلافِ الرَّأي، فما يَجِدُ المسلمونَ
بُدّاً من اتِباعِها، من ذلك أنَّ الحائضَ تَقْضي الصِّيامَ، ولا تَقْضي الصلاةَ.
١٩٢/٤
١٩٥١ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثني زيدٌ، عن عِيَاضٍ، عن
أبي سعيدٍ ﴾ قال: قال النبيُّ ◌ٍَّ: («أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك نُقصانُ دِينِها».
قوله: ((باب الحائض تترك الصوم والصلاة» قال الزَّين بن المنيِّر ما مُحصَّلُه: إنَّ الترجمة لم
تَتَضمَّن حُكمَ القضاء لتُطابقَ حديث الباب، فإنَّه ليس فيه تَعرُّض لذلك، قال: وأمَّا تعبيرُه
بالترك، فللإشارة إلى أنَّه ◌ُمكِنٌ حِسّاً، وإنَّما تتركه اختياراً لمنع الشَّرع لها من مُباشَرَته.

٤٢٧
باب ٤١ / ح ١٩٥١
كتاب الصوم
قوله: ((وقال أبو الزّناد ... )) إلى آخره، قال الزَّين بن المنيِر: نظرَ أبو الزناد إلى الحيض
فَوَجَدَه مانعاً من هاتَينِ العبادتَين، وما سَلَبَ الأهليةَ استَحالَ أن يَتْوَجَّه به خِطاب
الاقتضاء، وما يمنع صِحّة الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استَبعَدَ الفرقَ بين الصلاة
والصوم، فأحالَ بذلك على اتِباع السُّنّة والتعبُّد المَخْض، وقد تقدَّم في كتاب الحيض
(٣٢١) سؤال مُعاذَة من عائشة عن الفَرْق المذكور، وأنكَرَت عليها عائشة السُّؤال،
وخشيت عليها أن تكون تَلَقَّنته من الخوارج الذين جَرَت عادتُهم باعتراض السُّنن
بآرائهم، ولم تَزِدْها على الحَوَالة على النصّ، وكأنَّها قالت لها: دَعِي السُّؤال عن العِلّة إلى ما
هو أهمُّ من معرفتها، وهو الانقياد إلى الشارع.
وقد تكلَّمَ بعض الفقهاء في الفَرْق المذكور، واعتمد كثير منهم على أنَّ الِحِكْمة فيه أنَّ
الصلاة تَتكزَّر فيَشُقُّ قضاؤها، بخلاف الصوم الذي لا يقع في السَّنة إلَّا مَرَّةً، واختار إمام
الحرمين: أنَّ المتَّبَعَ في ذلك هو النصُّ، وأنَّ كلّ شيء ذكروه من الفرق ضعيفٌ، والله أعلم.
وزَعَمَ المهلَّبُ أنَّ السبب في منع الحائض من الصوم: أنَّ خروج الدَّم يُحدِثُ ضعفاً في
النَّفْس غالباً، فاستُعمِلَ هذا الغالب في جميع الأحوال، فلمَّا كان الضَّعفُ يُبِيح الفِطرَ
ويُوجِب القضاءَ، كان كذلك الحيض، ولا يخفى ضعف هذا المأخَذ، فإنَّ المريض لو تَحَامَلَ
فصام صَحَّ صومُه بخلاف الحائض، وأنَّ المستحاضة في نَزْف الدَّم أشدُّ من الحائض، وقد
أُبيحَ لها الصوم.
وقول أبي الزِّناد: إنَّ السُّنن لتأتي كثيراً على خلاف الرَّأي، كأنَّه يشير إلى قول عليٍّ: لو
كان الدِّينُ بالرَّأي لكان باطنُ الخُفّ أحقَّ بالمسح من أعلاه، أخرجه أحمد (٧٣٧) وأبو
داود (١٦٢) والدّار قُطني (٧٦٩)، ورجال إسناده ثقات، ونظائر ذلك في الشّرعیات کثیر.
وممّا يُفرَّق فيه بين الصوم والصلاة في حقِّ الحائض: أنَّها لو طَهُرَت قبل الفجر ونَوَت
صَحَّ صومُها في قول الجمهور، ولا يُتوقَّف على الغُسل، بخلاف الصلاة.
ثمَّ أوردَ المصنِّفُ طرفاً من حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الحيض (٣٠٤) مُقتصِراً

٤٢٨
باب ٤٢ / ح ١٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
على قوله: ((أليس إذا حاضت لم تُصلِّ ولم تَصُم))، وقد أخرجه مسلم (٧٩) من حديث ابن
عمر بلفظ: (تَكُّث اللَّيَالِيَ ما تُصلّي وتُفطِرُ في رمضان، فهذا نُقصان الدِّين)) الحديثَ.
٤٢- باب من مات وعليه صومٌ
وقال الحسنُ: إن صامَ عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جازَ.
١٩٥٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ موسى بنِ أعيَنَ، حدَّثنا أبي، عن عَمرِو بنِ
الحارثِ، عن عُبيد الله بنِ أبي جعفرٍ، أنَّ محمَّدَ بنَ جعفرٍ حدَّثَه عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴿ قال: ((مَن ماتَ وعليه صيامٌ، صامَ عنه وَلِيُّه)».
تابَعَه ابنُ وَهْب عن عَمْرٍو، ورواه يحيى بنُ أيوبَ عن ابنِ أبي جعفرٍ.
١٩٣/٤
قوله: ((باب مَن مات وعليه صومٌ)) أي: هل يُشرَعُ قضاؤُه عنه أم لا؟ وإذا شُرِعَ هل
يختصُّ بصيام دونَ صيام، أو يَعُمُّ كلّ صيام؟ وهل يتعيَّن الصوم، أو يُجْزِئُّ الإطعام؟ وهل
يختصّ الوليُّ بذلك أو يَصِحُّ منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء كما سنبيِّته.
قوله: ((وقال الحسن: إن صامَ عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جازَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ:
((في يوم واحدٍ))، والمراد: من مات وعليه صيامُ شهر. وهذا الأثرُ وَصَله الدّار قُطني في
كتاب ((المدَّج) (١) من طريق عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن عامر - وهو الضُّبَعي - عن
أشعَثَ، عن الحسن فيمن مات وعليه صومُ ثلاثين يوماً، فجُمِعَ له ثلاثون رجلاً فصاموا
عنه يوماً واحداً أجزأ عنه. قال النَّووي في ((شرح المهذَّب)): هذه المسألة لم أرَ فيها نقلاً في
المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. قلت: لكنَّ الجواز مُقيّد بصوم لم يجب فيه التابع، لفَقْد
التتابع في الصّورة المذكورة.
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن خالد)) أي: ابن خَلِيّ بمُعجَمةٍ، وَزْن عليّ كما جَزَمَ به أبو نُعيم في
((المستخرَج))، وجَزَمَ الجَوزَقي بأنَّه الذُّهلي، فإنَّه أخرجه عن أبي حامد بن الشَّرقي عنه،
(١) تحرف في (س) إلى: الذبح. وكتابه ((المديَّج)) في عشرة أجزاء، ذكره ابن خير الإشبيلي في ((فهرسته))
(٣٧١) وغيره. والمدَّج في علم مصطلح الحديث: أن يروي القرينان كلُّ واحدٍ منهما عن الآخر.

٤٢٩
باب ٤٢ / ح ١٩٥٢
كتاب الصوم
وقال: أخرجه البخاري عن محمد بن يحيى، وبذلك جَزَمَ الكَلَاباذي، وصنيع المِزّي يوافقُه،
وهو الراجح، وعلى هذا فقد نسبه البخاري هنا إلى جدِّ أبيه، لأنه محمد بن يحيى بن عبد الله
ابن خالد، وشيخه محمد بن موسى بن أعيَنَ أدرَكَه البخاري، لكنَّه لم يروِ عنه إلا بواسطةٍ،
وكأنَّه لم يَلقَه، وعَمْرو بن الحارث: هو المصري.
قوله: ((تابَعَه ابن وَهْب عن عَمْرو)) يعني: ابن الحارث المذكور بسنده، وهذه المتابعة
وَصَلها مسلمٌ (١١٤٧) وأبو داود (٢٤٠٠) وغيرهما بلفظه.
قوله: ((ورواه يحيى بن أيوبَ)) يعني: المصري، عن عُبيد الله بن أبي جعفر بسنده المذكور،
وروايته هذه عند أبي عَوَانة (٢٨٩٥) والدّار قُطْني (٢٣٣٥) من طريق عَمْرو بن الرَّبيع،
وابن خُزيمة (٢٠٥٢) من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن يحيى بن أيوبَ، وألفاظهم
متوافقةٌ، ورواه البَزَّار(١) من طريق ابن لَهِيعة عن عُبيد الله بن أبي جعفر، فزاد في آخر
المتن: ((إن شاءَ)).
قوله: (مَن مات)) عامٌّ في المكلَّفين لقرينة: ((وعليه صيام)).
وقوله: ((صامَ عنه وليُّه)) خبرٌ بمعنى الأمر، تقديره: فليَصُم عنه وليُّه، وليس هذا الأمر
للوجوب عند الجمهور، وبالَغَ إمام الحرمين ومن تَبِعَه فادَّعَوا الإجماع على ذلك، وفيه
نظرٌ؛ لأنَّ بعض أهل الظاهر أو جَبَه، فلعلَّه لم يَعتَذَّ بخلافهم على قاعدته.
وقد اختلف السَّلَف في هذه المسألة: فأجاز الصيام عن المِيِّت أصحابُ الحديث، وعَلَّقَ
الشافعي في القديم القول به على صِحّة الحديث، كما نقله البيهقي في ((المعرفة))، وهو قول
أبي ثَوْر وجماعة من مُحُدِّثي الشافعية، وقال البيهقي في ((الخلافيات)): هذه المسألة ثابتة، لا
أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صِحَّتها، فوَجَبَ العمل بها، ثمَّ ساق بسنده إلى الشافعي
قال: كُلُّ ما قلت وصَحَّ عن النبيِّ خلافُه، فخذوا بالحديث ولا تُقلِّدوني.
وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يُصام عن الميّت، وقال الليث وأحمد
(١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١٠٢٣)، وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، وقد تفرد بالزيادة المذكورة.

٤٣٠
باب ٤٢ / ح ١٩٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وإسحاق وأبو عُبيد: لا يُصام عنه إلَّ النَّذرُ، حملاً للعموم الذي في حديث عائشة على
المقيَّد في حديث ابن عبّاس، وليس بينهما تَعارُض حتَّى يُجمَع بينهما، فحديث ابن عبَّاس
صورةٌ مُستقلّةٌ، سأل عنها من وَقَعَت له، وأمَّا حديث عائشة فهو تقريرُ قاعدةٍ عامّةٍ، وقد
١٩٤/٤ وَقَعَت الإشارة في حديث ابن عبّاس إلى نحو هذا/ العموم حيثُ قيل في آخره: ((فدينُ الله
أحقّ أن يُقضى»، وأمَّا رمضان فیطعم عنه.
فأمَّا المالكية فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم، واذَّعى
القُرطُبِي تَبَعاً لعياضٍ أنَّ الحديثَ مُضطرِبٌ، وهذا لا يتأتّى إلّا في حديث ابن عبّاس ثاني
حديثَي الباب، وليس الاضطراب فیه مُسلَّماً كما سيأتي، وأمَّا حديث عائشة فلا اضطراب فيه.
واحتَجَّ القُرطُبي بزيادة ابن ◌َهِيعة المذكورة، لأنها تدلُّ على عَدَم الوجوب، وتُعُقِّبَ بأنَّ
مُعظَم المجيزين لم يُوجِبوه كما تقدَّم، وإنَّما قالوا: يَتَخَّر الولي بين الصيام والإطعام، وأجاب
الماوَرْدي عن الجديد بأنَّ المراد بقوله: ((صام عنه وليُّه)) أي: فعل عنه وليُّه ما يقوم مقام
الصوم، وهو الإطعام، قال: وهو نظيرُ قوله: ((التُّرابُ وَضوءُ المسلم إذا لم يَجِد الماء))(١) قال:
فسمَّى البدلَ باسم المبدَل، فكذلك هنا. وتُعُقِّبَ بأنَّه صَرْفٌ للَّفظِ عن ظاهره بغير دليل.
وأمَّا الحنفيَّة فاعتلُّوا لعَدَم القول بهذَينِ الحديثين بما روي عن عائشة: أنَّهَا سُئِلَت عن
امرأةٍ ماتت وعليها صوم، قالت: يُطعَمُ عنها (٢). وعن عائشة قالت: لا تصوموا عن
موتاكم وأطعموا عنهم، أخرجه البيهقي (٣)، وبما روي عن ابن عبّاس قال في رجل مات
وعليه رمضان، قال: يُطعَمُ عنه ثلاثون مسكيناً، أخرجه عبد الرزاق (٧٦٥٠)، وروى
النَّسائي (ك٢٩٣٠) عن ابن عبّاس قال: لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ. قالوا: فلمَّا أفتى ابن
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي (٣٢٣) من حديث أبي ذر، وانظر ((مسند أحمد)»
(٢١٣٧١).
(٢) أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) ١٧٨/٦ -١٧٩ و١٧٩، وعلقه البيهقي في ((سننه)) ٢٥٧/٤.
(٣) تعليقاً في ((سننه)) ٤/ ٢٥٧، وقال: فيه نظر. وبمعناه أخرجه الطحاوي أيضاً ١٧٨/٦، ورجاله ثقات
رجال الشیخین.

٤٣١
باب ٤٢ / ح ١٩٥٣
كتاب الصوم
عبّاس وعائشة بخلاف ما روياه، دَلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلاف ما روياه، وهذه
قاعدة لهم معروفة، إلّا أنَّ الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عبّاس فيها مقال، ولیس
فيها ما يمنع الصيام إلَّ الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدّاً (١)، والراجح أنَّ المعتبَرَ ما
رواه لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالفَ ذلك لاجتهادٍ، ومُستنَدُه فيه لم يَتَحقَّق، ولا يَلزَمُ من
ذلك ضَعْف الحديث عنده، وإذا تَحقَّقَت صِحّة الحديث لم يُترَك المحقَّقُ للمظنون،
والمسألة مشهورة في الأُصول.
واختلف المجيزونَ في المراد بقوله: ((وليُّه)) فقيل: كلُّ قريب، وقيل: الوارث خاصَّة،
وقيل: عَصَبتُه، والأوَّل أرجح، والثاني قريب، ويردُّ الثالثَ قصَّة المرأة التي سألت عن
نَذْر أُمّها.
واختلفوا أيضاً: هل يختصُّ ذلك بالولي؟ لأنَّ الأصل عَدَم النِيابة في العبادة البَدَنية،
ولأنَّها عبادة لا تَدخُلُها النّيابة في الحياة، فكذلك في الموت، إلَّ ما وَرَدَ فيه الدَّليل فيُقتصَرُّ
على ما وَرَدَ فيه، ويبقى الباقي على الأصل، وهذا هو الراجح، وقيل: يختصُّ بالولي، فلو
أمَرَ أجنبیاً بأن يصوم عنه أجزا كما في الحج، وقيل: يصحُّ استقلال الأجنبي بذلك، وذُكِر
الوليُّ لكونِه الغالب، وظاهر صنيع البخاري اختيارُ هذا الأخير، وبه جَزَمَ أبو الطيِّب
الطَّبري وقوَّاه بتشبيهه بَِّ ذلك بالدَّين، والدَّينُ لا يختصُّ بالقريب.
١٩٥٣- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبد الرحيمِ، حدَّثنا معاويةُ بنُ عَمرو، حدَّنا زائدةُ، عن
الأعمَشِ، عن مسلمِ البَطِين، عن سعيد بنِ جُبَيَر، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: جاء
رجلٌ إلى النبيِّ ◌َل﴿ فقال: يا رسولَ الله، إنَّ أُمّي ماتت وعليها صومُ شهرٍ، أفأقضِيهِ عنها؟ قال:
((نعم، فَدَينُ الله أحقُّ أن يُقضَى)).
قال سليمانُ: فقال الحكمُ وسَلَمةُ ونحن جميعاً جلوسُ حينَ حدَّثَ مسلمٌ بهذا الحديث،
قالا: سمعنا مجاهداً يَذكُرُ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ.
(١) بل روي عنها نحوه عند الطحاوي في ((شرح المشكل)) ١٧٨/٦ بإسناد صحيح.

٤٣٢
باب ٤٢ / ح ١٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
ويُذكَر عن أبي خالدٍ: حدَّثنا الأعمَشُ، عن الحكم ومسلم البَطِينِ وسَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، عن
سعيد بنِ جُّبَير وعطاءٍ ومجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: قالت امرأةٌ للنبيِّ وَِّ: إِنَّ أُختي ماتت.
وقال يحيى وأبو معاويةً، عن الأعمَش، عن مسلم، عن سعيدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: قالت امرأةٌ
للنبِّ ◌َِّ: إِنَّ أُمَي ماتت.
وقال عُبيد الله بنُ عمرٍو، عن زيد بنِ أبي أُنَيسةَ، عن الحكم، عن سعيد بنِ جُبَير، عن ابنِ
عبَّاسٍ: قالت امرأةٌ للنبيِّ ◌َّهِ: إِنَّ أُمّي ماتت وعليها صومُ نَذْرٍ.
وقال أبو حَرِيزٍ: حدَّثنا عِكْرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ: قالت امرأةٌ للنبيِّ وَّ: ماتت أُمَّي وعليها
صومُ خمسةَ عَشَرَ يوماً.
قوله: ((حدَّثنا محمّد بن عبد الرحيم)) هو الحافظ المعروف بصاعقة، ومعاوية بن عَمْرو:
هو الأزدي ويُعرَف بابن الكِرْماني، من قُدَماء شيوخ البخاري، حدَّثَ عنه بغير واسطةٍ في
أواخر كتاب الجمعة (٩٣٦) وحدَّثَ عنه هنا وفي الجهاد (٢٧٩٥) وفي الصلاة (٧١٩)
بواسطةٍ، وكان طلبُ معاوية المذكور للحديث وهو كبير، وإلّا فلو كان طلبَه وهو على قَدْر
سِنِّه لكان من أعلى شيوخ البخاري، وزائدةُ شيخُه: هو ابن قدامةَ الثَّقفي، مشهور، قد لقي
البخاري جماعةً من أصحابه.
قوله: ((عن مسلم البَطِين)) بفتح الموحَّدة وكسر المهمَلة، ثمَّ تحتانيةٍ ساكنةٍ ثمَّ نونٍ،
وسيأتي أنَّ الحديث جاء من رواية شُعْبة عن الأعمش عن مسلم المذكور، وشُعْبة لا يُحدِّث
عن شيوخه الذين ربّما دَلَّسوا إلَّا بما تَحقَّقَ أنَّهم سمعوه.
قوله: ((جاء رجل)) في رواية غير زائدة: ((جاءت امرأة)) وقد تقدَّم القول في تسميتها في
كتاب الحج (١٨٥٢).
١٩٥/٤
قوله: ((جاء رجل)) لم أقف على اسمِه، واتَّفَقَ من عَدَا زائدةَ وعَبَثَر بن القاسم(١) على أنَّ
السائل امرأة، وزاد أبو حَريزٍ في روايته(٢) أنَّهَا خَتعَمية.
(١) رواية عبثر أخرجها النسائي في ((الكبرى)) (٢٩٢٤).
(٢) سيخرجها الحافظ في نهاية الباب.

٤٣٣
باب ٤٢ / ح ١٩٥٣
كتاب الصوم
قوله: ((إنَّ أُمَّي)) خالَفَ أبو حامد جميع من رواه، فقال: ((إنَّ أُختي))، واختُلِفَ على أبي
بشرٍ عن سعيد بن جُبَير، فقال هُشَيم عنه: ((ذات قَرَابة لها))، وقال شُعْبة عنه: ((إنَّ أُختها))،
أخرجهما أحمد (١)، وقال حمّادٌ عنه(٢): ((ذات قَرابة لها إمّا أُختُها وإمّا ابنتها))، وهذا يُشعِرُ بأنَّ
التردُّد فیه من سعید بن ◌ُبیر.
قوله: ((وعليها صوم شهر)) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حَريز: ((خمسةَ عشرَ
يوماً))، وفي رواية أبي خالد(٣): ((شهرَينِ مُتتابعین)) وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها
صومُ شهر رمضان بخلاف رواية غيره، فإنَّهَا مُحْتَمِلةٌ إلَّا روايةَ زيد بن أبي أنيسة(٤)، فقال:
((إنَّ عليها صومَ نَذْرٍ))، وهذا واضح في أنَّه غير رمضان، وبيَّن أبو بشرٍ في روايته سبب
النَّذر، فروى أحمد(٥) من طريق شُعْبة عن أبي بشرٍ: أنَّ امرأةً رَكِبَت البحر فنَذَرَت أن تصوم
شهراً، فماتت قبلَ أن تصوم، فأتت أُختها النبيَّ ◌َّ ... الحديثَ، ورواه أيضاً (١٨٦١) عن
هُشَيم عن أبي بشرِ نحوه، وأخرجه البيهقي (٢٥٦/٤) من حديث حمّاد بن سَلَمة.
وقد ادَّعى بعضهم أنَّ هذا الحديث اضطَرَبَ فيه الزُّواة عن سعيد بن جُبَير، فمنهم من
قال: إنَّ السائل امرأة، ومنهم من قال: رجلٌ، ومنهم من قال: إنَّ السُّؤال وقع عن نَذْرٍ،
فمنهم من فسَّرَه بالصوم، ومنهم من فسَّرَه بالحجِّ لمَا تقدَّم في أواخر الحج (١٨٥٢).
والذي يَظهَر أنَّها قِصَّتان، ويُؤيِّده أنَّ السائلة في نَذْر الصوم خثعمية، کما في رواية أبي حَریزِ
المعلّقة، والسائلة عن نَذْر الحجِّ جُهَنية، كما تقدَّم في موضعه. وقد قَدَّمنا في أواخر الحج
(١٨٥٢) أنَّ مسلماً (١١٤٩) روى من حديث بُرَيدةَ: أنَّ امرأة سألت عن الحج وعن
(١) رواية هشيم عنده برقم (١٨٦١)، وأما شعبة عن أبي بشر بقصة الصوم، فلم يخرجها أحمد، وإنما أخرجها
من رواية شعبة عن سليمان الأعمش برقم (٣١٣٨)، لكن روى شعبة عن أبي بشر الحديث، وفيه النذر
بالحج مكان الصوم، أخرجه من طريقه أحمد (٢١٤٠)، وسيأتي عند البخاري برقم (٦٦٩٩).
(٢) أخرجه البيهقي ٢٥٦/٤.
(٣) سيخرجها الحافظ قريباً.
(٤) أخرجها مسلم (١١٤٨) (١٥٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٢٩٢٩).
(٥) هو عنده برقم (٣١٣٨) لكن من رواية شعبة عن الأعمش لا عن أبي بشر.

٤٣٤
باب ٤٢ / ح ١٩٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
الصوم معاً.
وأمَّا الاختلاف في كون السائل رجلاً أو امرأة، والمسؤول عنه أُختاً أو أمَّا، فلا يَقدَح
في موضع الاستدلال من الحديث، لأنَّ الغرض منه مشروعية الصوم أو الحج عن المیِّت،
ولا اضطراب في ذلك، وقد تقدّمت الإشارة إلى کیفیة الجمع بین مُتَلَف الروايات فيه عن
الأعمَش وغيره، والله أعلم.
قوله: ((فَدَينُ الله أحقُّ أن يُقضَى)) تقدَّمت مباحثُه في أواخر الحج قُبَيلَ فضل المدينة
مُستوفَّى.
قوله: ((قال سليمان)» هو الأعمش، يعني: بالإسناد المذكور أوَّلاً إليه.
قوله: ((فقال الحكم)) أي: ابن عُتَية، وسَلَمةُ، أي: ابن كُهَيل، والحاصل أنَّ الأعمَش سمع
هذا الحديث من ثلاثة أنفُسٍ، في مجلسٍ واحدٍ عن مسلم البَطِين: أوَّلاً عن سعيد ابن جُبَير، ثمَّ
من الحكم وسَلَمة عن مجاهد. وقد خالَفَ زائدةَ في ذلك أبو خالد الأحمر كما سيأتي.
قوله: ((ويُذكَر عن أبي خالد، حدَّثنا الأعمَش ... )) إلى آخره، مُحصَّلُه: أنَّ أبا خالد جمع بين
شيوخ الأعمَش الثلاثة، فحدَّثَ به عنه عنهم، عن شيوخ ثلاثةٍ، وظاهرُه: أنَّه عند كلٌّ
منهم، عن كلٌّ منهم. ويحتمل أن يكون أراد به اللَّفَّ والنَّشْرَ بغير ترتيبٍ، فيكون شيخُ
الحكم عطاءً، وشيخُ البَطين سعيد بن جُبَير، وشيخُ سَلَمة مجاهداً، ويُؤِّده أنَّ النَّسائي
(ك٢٩٢٧) أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مَغْراءَ عن الأعمش مُفصَّلاً هكذا، وهو ممّاً
يُقوِّي رواية أبي خالد، وقد وَصَلها مسلمٌ (١١٤٨ / ١٥٥) لكن لم يَسُقِ المتن، بل أحالَ به
على رواية زائدة، وهو مُعتَرَضٌ؛ لأنَّ بينهما مخالَفةً سيأتي بيانها. ووَصَلها أيضاً التِّرمِذي
(٧١٦) والنَّسائي (ك٢٩٢٦) وابن ماجة (١٧٥٨) وابن خُزيمة (١٩٥٣) والدّار قُطني
(٢٣٣٨) من طريق أبي خالد.
قوله: ((وقال يحيى)) أي: ابن سعيد ((وأبو معاوية عن الأعمَش ... )) إلى آخره، وافَقَا
زائدةً على أنَّ شيخ مسلم البَطِين فيه سعيد بن جُبَير، وكذلك رواه شُعْبة وعبد الله بن

٤٣٥
باب ٤٣ / ح ١٩٥٤
كتاب الصوم
نُمَير وعَثَر ابن القاسم وعُبيدة بن حميدٍ وآخرون عن الأعمش، وطرقهم عند النَّسائي
وأحمد(١) وغيرهما.
قوله: ((وقال تعُبيد الله بن عَمْرو)) أي: الرَّقّي ((عن زيد بن أبي أَنَيسَة ... )) إلى آخره، هذا
يخالف رواية عبد الرحمن بن مَغْراءَ من حيثُ إنَّ شيخ الحكم فيها عطاء، / وفي هذه شيخه ١٩٦/٤
سعيد، ويحتمل أن يكون سمعه من كلٍّ منهما، وطريق عبيد الله هذه وَصَلها مسلم أيضاً
(١٥٦/١١٤٨).
قوله: ((وقال أبو حَريزِ)) بالمهمَلة والراء والزاي، وهو عبد الله بن الحسين قاضي
سِجِستان، وطريقه هذه وَصَلها ابن خُزيمة (٢٠٥٣)، والحسن بن سفيان ومن جِهَته
البيهقي (٢٥٦/٤).
٤٣- باب متی يحلُّ فِطْر الصائم
وأفطَرَ أبو سعيدِ الخُدْريُّ حين غابَ قُرصُ الشمس.
١٩٥٤ - حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، قال: سمعتُ أَبي يقول:
سمعتُ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطَّب، عن أبيه ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: «إذا أقبلَ الليلُ من
هاهنا، وأدبَرَ النَّهارُ من هاهنا، وغَرَبَتِ الشمسُ، فقد أفطَرَ الصائمُ)).
قوله: ((باب متى تَحِلُّ فِطْرُ الصائم)) غرضُ هذه الترجمة الإشارة إلى أنَّه هل يجب إمساك
جزء من الليل لتَحقَّقِ مُضيِّ النَّهار أم لا؟ وظاهر صنیعه يقتضي ترجیح الثاني لذكره لأثر
أبي سعيد في الترجمة، لكنَّ مَحَلَّه إذا ما حَصَلَ تَحَقُّقُ غروب الشمس.
قوله: ((وأفطَرَ أبو سعيد الخدري حين غابَ قُرص الشمس)) وَصَله سعيد بن منصور
وأبو بكر بن أبي شَيْبة (٣/ ١٢ -١٣) من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه، قال: دخلنا
على أبي سعيد، فأفطرَ ونحن نرى أنَّ الشمس لم تَغُرُب. ووجه الدلالة منه أنَّ أبا سعيد لمَّا
(١) رواية شعبة عند النسائي (٣٨١٦)، وأحمد (٣١٣٨)، ورواية ابن نمير عند أحمد (٣٤٢٠)، ورواية عبثر
عند النسائي في «الكبرى» (٢٩١٢).

٤٣٦
باب ٤٣ / ح ١٩٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
تَحقَّقَ غروبَ الشمس لم يَطلُب مَزيداً على ذلك، ولا التَّفَتَ إلى موافقة من عنده على ذلك،
فلو كان يجبُ عنده إمساك جزءٍ من الليل لاشترك الجميع في معرفة ذلك، والله أعلم.
ثمَّ ذكر المصنِّفُ في الباب حدیثین:
أحدهما: حدیث عمر.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو: ابن عُيَينة، والإسناد كلّه حِجازيون: الحميدي وسفيان
مَكّيان، والباقونَ مدنيُّون. وفيه رواية الأبناء عن الآباء، ورواية تابعي صغيرٍ عن تابعي
كبيرٍ: هشام عن أبيه، وصحابي صغيرٍ عن صحابي كبيرٍ: عاصم عن أبيه، وكان مولد
عاصم في عهد النبي ◌ٍَّ، لكن لم يسمع منه شيئاً.
قوله: ((قال رسول الله (وَل﴾)) في رواية ابن خُزيمة (٢٠٥٨) من طريق أبي معاوية عن
هشام: قال لي.
قوله: ((إذا أقبلَ الليل من هاهنا)) أي: من جهة المشرق كما في الحديث الذي يليه، والمرادُ
به وجودُ الظُّلمة حِسّاً، وذُكر في هذا الحديث ثلاثة أُمور، لأنها وإن كانت مُتَلازمةً في
الأصل لكنَّها قد تكون في الظاهر غيرَ مُتَلازمة، فقد يُظَنُّ إقبالُ الليل من جهة المشرق ولا
يكون إقبالُه حقيقةً، بل لوجود أمرٍ يُغْطِّي ضَوءَ الشمس، وكذلك إدبار النَّهار، فمِن ثَمَّ
قُيَِّ بقوله: ((وغَرَبَت الشمس)) إشارةً إلى اشتراط تَحَقُّق الإقبال والإدبار، وأنَّهما بواسطة
غروب الشمس، لا بسببٍ آخر، ولم يَذكُر ذلك في الحديث الثاني فيحتمل أن يُنَزَّلَ على
١٩٧/٤ حالَينِ: أمَّا حيثُ ذكرها ففي حال الغَيْم مثلاً، وأمَّا حيثُ لم يَذكُرُها ففي / حال الصَّحو،
ويحتمل أن يكونا في حالة واحدة وحَفِظَ أحد الراويَيْنِ ما لم يَحَفَظ الآخر، وإنَّما ذُكِرَ الإقبال
والإدبار معاً لإمكان وجود أحدهما مع عَدَم تَحَقُّقِ الغروب، قاله القاضي عِیَاض.
وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذي)): الظاهر الاكتِفاء بأحد الثلاثة، لأنه يُعرَفُ انقِضاء
النّهار بأحدهما، ويُؤيِّده الاقتصار في رواية ابن أبي أوفى على إقبال الليل.
قوله: ((فقد أفطر الصائم)) أي: دخل في وقت الفِطْر كما يقال: أنجَدَ: إذا أقامَ بنَجدٍ،

٤٣٧
باب ٤٣ / ح ١٩٥٥
كتاب الصوم
وأنهَمَ: إذا أقامَ بتِهامةَ. ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مُفطِراً في الحكم لكونِ الليل
ليس طرفاً للصيام الشّرعي، وقد رَدَّ ابن خُزيمة هذا الاحتمالَ، وأومأ إلى ترجيح الأوَّل،
فقال: قوله: ((فقد أفطرَ الصائم)) لفظُ خبرٍ ومعناه الأمر، أي: فليُفطِرِ الصائم، ولو كان
المراد فقد صار مُفطِراً، كان فِطرُ جميع الصُّوّام واحداً، ولم يكن للتَّرغيبِ في تعجيل الإفطار
معنَى. انتهى، وقد يُجاب بأنَّ المراد فعلُ الإفطار حِسّاً ليوافق الأمرَ الشَّرعي.
ولا شكَّ أنَّ الأوَّل أرجح، ولو كان الثاني مُعتمَداً لكان مَن حَلَفَ أن لا يُفْطِرَ فصام،
فدخل الليل حَنِثَ بمُجرَّد دخوله، ولو لم يتناول شيئاً، ويُمكِن الانفصال عن ذلك بأنَّ
الأيمانَ مبنيّة على العُرف، وبذلك أفتى الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في مثل هذه الواقعة
بعينها، ومثل هذا لو قال: إن أفطَرتُ فأنتِ طالق، فصادفَ يوم العيد، لم تَطلُق حتَّى
يتناول ما يُفطِر به، وقد ارتَكَبَ بعضهم الشَّطَط، فقال: يَحْنَث.
ويُرجِّح الأوَّلَ أيضاً رواية شُعْبة أيضاً بلفظ: ((فقد حَلَّ الإفطار))(١)، وكذا أخرجه أبو
عَوَانة (٢٨٠٣) من طريق الثَّوري عن الشَّيباني، وسيأتي لذلك مَزيدُ بيان في ((باب الوِصال))(٢)
بعد ثلاثة أبواب.
الحدیث الثاني: حديث ابن أبي أوفى.
١٩٥٥- حذَّثنا إسحاقُ الواسطيُّ، حدَّثنا خالدٌّ، عن الشَّيبانيِّ، عن عبد الله بنِ أبي أوَى
قال: كثَّا مع رسولِ اللهِ وَّه في سفرٍ وهو صائمٌ، فلمَّا غابت الشمسُ قال لبعضِ القوم:
((يا فلانُ، قمْ فاجدَحْ لنا)) فقال: يا رسولَ الله، لو أمسَيتَ، قال: ((انِزِلْ فاجدَحْ لنا» قال: یا
رسولَ الله، فلو أمسَيتَ، قال: (انزِلْ فاجدَحْ لنا» قال: إنَّ عليكَ نهاراً، قال: «انزِلْ فاجدَحْ
لنا» فنزل فجَدَحَ لهم، فَشَرِبَ النبيُّ وَِّ، ثُمَّ قال: «إذا رأيتُمُ الليل قد أقبلَ من هاهنا، فقد
أفطَرَ الصائم)).
(١) رواية شعبة هذه عن الشيباني في حديث عبد الله بن أبي أوفى، وهي مخرَّجة عند أحمد في ((المسند)) (١٩٤١٣).
(٢) رقمە (٤٨).

٤٣٨
باب ٤٣ / ح ١٩٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا خالد)) هو ابن عبد الله الواسطي، والشَّيباني: هو أبو إسحاقَ.
قوله: ((عن عبد الله بن أبي أوفى)) سيأتي في الباب الذي يليه (١٩٥٦) من وجه آخر عن
أبي إسحاق: سمعت ابن أبي أوفى.
قوله: ((كنَّا مع النبي وَّ في سفر)) هذا السَّفر يُشبِهِ أن يكون سفرَ غزوة الفتح، ويُؤَيِّده
رواية هُشَيم عن الشَّيباني عند مسلم (١١٠١/ ٥٢) بلفظ: كنَّا مع رسول الله وِ له في سفر في
شهر رمضان، وقد تقدَّم أنَّ سفره في رمضان مُنحَصِرٌ في غزوة بدر وغزوة الفتح، فإن
ثبت، فلم يشهد ابن أبي أوفى بدراً، فتَعيَّنت غزوة الفتح.
قوله: ((فلمَّا غابت الشمس)) في رواية الباب الذي يليه: «فلمَّا غَرَبَت الشمس))، وهي
تفید معنی أزيد من معنی غابت.
قوله: ((قال لبعضِ القوم: يا فلان)) في رواية شُعْبة عن الشَّيباني عند أحمد (١٩٤١٣):
فدعا صاحبَ شرابه بشراب، فقال: لو أمسَيتَ. وسأذكر من سمّاه في الباب الذي يليه.
قوله: ((فاجدَحْ)) بالجيم ثمَّ الحاء المهمَلة، والجَدْحُ: تحريك السَّوِيق ونحوه بالماءِ بعودٍ
يقال له: المِجْدَحِ مُجُنَّح الرأس، وزَعَمَ الدَّاوودي أنَّ معنى قوله: ((اجدَح لي)) أي: احلُبْ،
وغَلَّطوه في ذلك.
قوله: ((إنَّ عليك نهارا) يحتمل أن يكون المذكور كان يرى كَثْرة الضَّوء من شِدّة الصَّحو
فيَظُنُّ أنَّ الشمس لم تَغرُب، ويقول: لعلَّها غَطّاها شيء من جبلٍ ونحوه، أو كان هناك
غَيم، فلم يَتَحقَّق غروبَ الشمس، وأمَّا قول الراوي: ((وغَرَبَت الشمس)) فإخبارٌ منه بما في
نفس الأمر، وإلَّا فلو تَحَقَّقَ الصحابي أنَّ الشمس غَرَبَت ما توقَّف، لأنه حينئذٍ يكون
مُعانِداً، وإنَّما توقَّف احتياطاً واستكشافاً عن حُكم المسألة، قال الزَّين بن المنِر: يُؤخَذ من
هذا جواز الاستفسار عن الظَّواهر لاحتمال أن لا يكون المراد إمرارها على ظاهرها. وكأنَّه
أخذ ذلك من تقريره وَ ل﴿ الصحابيَّ على تَرْك المبادرة إلى الامتثال.
وفي الحديث أيضاً استحباب تعجيل الفِطْر، وأنَّه لا يجبُ إمساك جزء من الليل

٤٣٩
باب ٤٤ / ح ١٩٥٦
كتاب الصوم
مُطلَقاً، بل متى تَحَقَّقَ غروب الشمس حَلَّ الفِطْر. وفيه تذكير (١) العالم بما يُخْشَى أن يكون
نسیه، وترك المراجعة له بعد ثلاث.
وقد اختلفت الروايات عن الشَّيباني في ذلك، فأكثر ما وقع فيها أنَّ المراجعة وقعت
ثلاثاً، وفي بعضها مرَّتين، وفي بعضها مرَّة واحدة،/ وهو محمول على أنَّ بعض الرُّواة ١٩٨/٤
اختصر القصَّة، ورواية خالد المذكورة في هذا الباب أتتهم سياقاً، وهو حافظ فزيادته
مقبولة، وقد جاء أنَّه وَ لو كان لا يُراجع بعد ثلاث، وهو عند أحمد (١٥٤٨٩) من حديث
عبد الله بن أبي حَدرد في حديثٍ أوَّله: کان ليهودي علیه دین.
وفي حديثَي الباب من الفوائد: بيان وقت الصوم وأنَّ الغروب متى تَحقَّقَ كفى، وفيه
إيماءٌ إلى الزّجر عن متابعة أهل الكتاب، فإنَّهم يُؤْخِّرونَ الفِطْر عن الغروب. وفيه أنَّ الأمر
الشَّرعي أبلَغُ من الحِسّي، وأنَّ العقل لا يقضى على الشَرع. وفيه البيان بذِكر اللّازم والملزوم
جميعاً لزيادة الإيضاح.
٤٤ - بابٌ يفطر بما تيسّر من الماء أو غيره
١٩٥٦ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانُّ سليمانُ، قال: سمعتُ عبد الله
ابنَ أبي أوفَى ﴾ قال: سِرْنا مع رسولِ اللهِ وَّه وهو صائمٌ، فلمَّا غَرَبَتِ الشمسُ قال: ((انزِلْ
فاجدَحْ لنا)) قال: يا رسولَ الله، لو أمسَيتَ، قال: ((انزِلْ فاجدَحْ لنا» قال: يا رسولَ الله، إنَّ
عليكَ نهاراً، قال: ((انزِلْ فاجدَحْ لنا)) فنزل فجَدَحَ، ثمَّ قال: «إذا رأيتُمُ الليل أقبلَ من هاهنا،
فقد أفطَرَ الصائم)) وأشار بإصبَعِه قِبَلَ المشرقِ.
قوله: ((باب يُفْطِر بما تيسّر من الماء أو غيره)) أي: سواء كان وحده أو مخلوطاً، وفي رواية
أبي ذرِّ عن غیر الگُشْمِیهنيّ: ((بالماء))، وذکر فیه حدیثَ ابن أبي أوفى، وهو ظاهرٌ فیما ترجم
له، ولعلَّه أشار إلى أنَّ الأمر في قوله: «من وَجَدَ تمراً فليُفطِر عليه ومن لا فليُفطِر على الماء»
ليس على الوجوب، وهو حديثٌ أخرجه الحاكم (٤٣١/١) من طريق عبد العزيز بن
(١) تحرَّفت في (س) إلى: تذكّر.

٤٤٠
باب ٤٥ / ح ١٩٥٧ - ١٩٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
صُهَيب عن أنسٍ مرفوعاً، وصَخَّحَه التِّرمِذي (٦٥٨) وابن حِبَّان (٣٥١٥) من حديث
سلمان بن عامر (١)، وقد شَذَّ ابن حَزْم، فأوجَبَ الفِطرَ على التمر وإلَّا فعلى الماء.
قوله: ((سِرْنا مع رسول الله وَ له وهو صائم فلمَّا غَرَبَت الشمس، قال: انزلْ فاجدَحْ لنا» لم
يُسمِّ المأمورَ بذلك، وقد أخرجه أبو داود (٢٣٥٢) عن مُسدَّد شيخ البخاري فيه فسَّاه،
ولفظه: ((فقال: يا بلالُ، انزِل ... )) إلى آخره، وأخرجه الإسماعيلي وأبو نُعيم من طرق عن
عبد الواحد: وهو ابن زياد شيخ مُسدَّد فيه، فاتَّفَقَت رواياتهم على قوله: ((يا فلان)) فلعلّها
تَصَحَّفَت، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في حذفِ البخاري لها، وقد سَبَقَ الحديث في الباب الذي
قبله (١٩٥٥) من رواية خالد عن الشَّيباني بلفظ: ((يا فلان))، وذكرنا أنَّ في حدیث عمر
عند ابن خُزيمة (٢٠٥٨): ((قال: قال لي النبي ◌َّ: إذا أقبلَ الليل ... )) إلى آخره، فيحتمل
أن يكون المخاطَب بذلك عمرَ، فإنَّ الحديث واحد، فلمَّا كان عمر هو المقول له: ((إذا
أقبلَ الليل ... )) إلى آخره، احتَمَلَ أن يكون هو المقولَ له أوَّلاً: ((اجدَحْ))، لكن يُؤيِّد كونه
بلالاً قولُه في رواية شُعْبة المذكورة(٢) قبلُ: ((فِدَعَا صاحبَ شرابه)) فإنَّ بلالاً هو المعروفُ
بخدمة النبي وَل ـ
٤٥ - باب تعجيل الإفطار
١٩٥٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ، أَنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ)».
١٩٥٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ یونسَ، حدثنا أبو بكرٍ، عن سلیمانَ، عن ابن أبي اونَی ر﴾ قال:/
١٩٩/٤
كنتُ مع النبيِّ وََّ في سفرٍ، فصامَ حتَّى أمسى قال لرجلٍ: ((انزِلْ فاجدَحْ لي)) قال: لو انتَظَرتَ
حتَّى تُسِيَ، قال: «انزِلْ فاجدَحْ لي، إذا رأيتَ الليل قد أقبلَ من هاهنا، فقد أفطَرَ الصائمُ)).
(١) هذا الحديث مختلف في إسناده على ما بيَّنَّاه مفصَّلاً في تعليقنا على ((سنن ابن ماجه)) (١٦٩٩)، والصحيح
أنه من فعل النبي وَّ لا من قوله، والله تعالى أعلم.
(٢) تقدمت في شرح الحديث السابق، وهي عند أحمد (١٩٤١٣).