النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ كتاب الصوم والمحجوم)) لأنهما كانا يَغتابان، قال: فإذا قيل له: فالغيبة تُقطَّرُ الصائمَ؟ قال: لا، قال: فعلى هذا لا يخرُجُ من مخالفة الحدیث بلا شُبهة، انتهى. وقد أخرج الحديث المشار إليه الطَّحاوي (٩٩/٢) وعثمان الدّارمي والبيهقي في ((المعرفة)) (٨٨٧٧)، وغيرهم من طريق يزيد بن ربيعة(١) عن أبي الأشعَث عن ثَوْبان، ومنهم من أرسَله، ويزيد بن ربيعة متروك، وحَكَمَ عليّ بنُ المَدِيني بأنَّه حديثٌ باطلٌ، وقال ابن حَزْم: صَحَّ حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: أرخَصَ النبيُّ نَ لَه في الحِجامة للصائم، وإسناده صحيحٌ فَوَجَبَ الأخذُ به؛ لأنَّ الرُّخصة إنَّما تكون بعد العزيمة، فدَلَّ على نَسْخ الفِطْر بالحجامة، سواءٌ كان حاجماً أو محجوماً، انتھی. والحديثُ المذكور أخرجه النَّسائي (ك٣٢٢٨) وابن خُزيمة (١٩٦٧) والدّار قُطني (٢٢٦٢)، ورجاله ثقاتٌ، ولكن اختُلِفَ في رفعِه ووَقِه، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدّار قُطني (٢٢٦٠) ولفظه: أوَّل ما كُرِهت الحِجامة للصائم أنَّ جعفر بن أبي طالب احتَجَمَ وهو صائم، فمَرَّ به رسول الله بَّهِ فقال: ((أفطرَ هذان))، ثمَّ رَخَّصَ النبي وَلّ بعدُ في الحجامة للصائم، وكان أنس يَحَتَجِم وهو صائم. ورواته كلهم من رجال البخاري، إلَّ أنَّ في المتن ما يُنكَرُ، لأنَّ فيه أنَّ ذلك كان في الفتح(٢)، وجعفر كان قُتِلَ قبل ذلك. ومِن أحسنٍ ما وَرَدَ في ذلك ما رواه عبد الرزاق (٧٥٣٥) وأبو داود (٢٣٧٤) من طريق عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل من أصحاب رسول الله وثيقة، قال: نهى النبي عن الحِجامة للصائم وعن المواصَلة، ولم يُحرِّمهما إبقاءً على (١) في (أ) و(س): يزيد بن أبي ربيعة، بزيادة لفظ ((أبي)) وهو خطأ، والمثبت من (ع) وهو الصواب. وله ترجمة في «التاريخ الكبير)» للبخاري ٣٣٢/٨، و((الجرح والتعديل)) ٢٦١/٩. (٢) أي قصة مروره وَلي على رجلين أحدهما يحجم الآخر، جاء ذلك في حديث شداد بن أوس، انظره في («المسند» (١٧١١٢). ٤٠٢ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري أصحابه. إسناده صحيحٌ والجهالة بالصحابي لا تَضُرّ، وقوله: ((إبقاء على أصحابه)) يَتَعلَّق بقوله: نهى، وقد رواه ابن أبي شَيْبة (٥٢/٣) عن وكيع عن الثَّوري بإسناده هذا ولفظه: عن أصحاب محمد ◌َ ل﴿ قالوا: إنَّما نهى النبي وَ له عن الحجامة للصائم وكَرهَها للضَّعيف(١). أي: لئلا يَضعُفَ. قوله: ((سمعت ثابتاً البُناني قال: سُئِلَ أنس بن مالك)) كذا في أكثر أُصول البخاري: ((سُئِلَ)) بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، وفي رواية أبي الوَقْتِ: ((سأل أنساً))، وهذا غَلَطٌّ، فإنَّ شُعْبةَ ما حَضَرَ سؤال ثابت لأنسٍ، وقد سَقَطَ منه رجل بين شُعْبة وثابت، فرواه الإسماعيلي وأبو نُعيم (٢) والبيهقي (٤/ ٢٦٣) من طريق جعفر بن محمد القلانسي وأبي قِرصافةَ محمد بن عبد الوهّاب وإبراهيم بن الحسين بن دِيزِيل(٣)، كلهم عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري فيه فقال: عن شُعْبة عن حميدٍ قال: سمعت ثابتاً وهو يَسأل أنس بن مالك ... فذكر الحديث، وأشار الإسماعيلي والبيهقي إلى أنَّ الرواية التي وَقَعَت للبخاري خطأ وأنَّه سَقَطَ منه حميدٌ، قال الإسماعيلي: وكذلك رواه علي بن سهل عن أبي النَّضر عن شُعْبة عن حميد. قوله: ((وزاد شَبابةُ: حدَّثْنا شُعْبة: على عهد النبي ◌ََّ)) هذا يُشعِر بأنَّ رواية شَبابة موافقة الرواية آدم في الإسناد والمتن، إلّا أنَّ شَبابة زاد فيه ما يُؤَكِّد رفعَه. وقد أخرج ابن مَندَهْ في ((غرائب شُعْبةَ)) طريق شَبَابة، فقال: حدّثنا محمد بن أحمد بن ١٧٩/٤ حاتم حدَّثنا / عبد الله بن رَوْح حدَّثنا شَبَابة حدَّثنا شُعْبة عن قَتَادةَ عن أبي المتوَكِّل عن أبي سعيد، وبه عن شَبَابة عن شُعْبة عن حميدٍ عن أنس نحوه. وهذا يُؤَكِّد صِحّة ما اعتَرَضَ به الإسماعيلي ومن تَبِعَه، ويُشعِر بأنَّ الْخَلَلَ فيه من غير البخاري، إذ لو كان إسناد شَبَابة عنده مخالفاً لإسناد آدم ◌َبيَّنه، وهو واضح لا خَفاءَ به، والله أعلمُ بالصواب. (١) في مطبوع ((مصنف ابن أبي شيبة)) بعد قوله: للصائم: والوصال في الصيام إبقاءً على أصحابه. (٢) في ((المستخرج)) كما في ((تغليق التعليق» ١٨٣/٣. (٣) تحرف في (س) إلى: دريد، وهو خطأ، والتصويب من الأصلين. ٤٠٣ باب ٣٣ / ح ١٩٤١ - ١٩٤٣ كتاب الصوم ٣٣- باب الصوم في السفر والإفطار ١٩٤١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، سمع ابنَ أبي أوفَى ◌َظُ، قال: كَّا مع رسولِ اللهِ وََّ في سفرٍ، فقال لرجلٍ: «انِزِل فاجدَح لي)) قال: يا رسولَ الله، الشمسُ، قال: ((انزِل فاجدَح لي)) قال: يا رسولَ الله، الشمسُ، قال: «انِزِل فاجدَح لي)) فنزل فجَدَحَ له فشَرِبَ، ثمَّ رَمَى بِيَدِه هنا ثمَّ قال: ((إذا رأيتُمُ الليل أقبلَ من هاهنا، فقد أفطَرَ الصائم». تابَعَه جَرِيرٌ وأبو بكرِ بنُ عيَّاشِ، عن الشَّيبانيِّ، عن ابنِ أبي أوفَ، قال: كنتُ مع النبيِّ وَل في سفرٍ. [أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٦٥، ١٩٥٨، ٥٢٩٧] ١٩٤٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن عائشةَ: أنَّ حمزةَ بنَ عَمْرٍو الأسلمِيَّ قال: يا رسولَ الله: إنِّي أسرُدُ الصومَ. [طرفه في: ١٩٤٣] ١٩٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ وَِّ: أنَّ حمزةَ بنَ عَمٍو الأسلمِيَّ قال للنبيِّ وََّ: أَأَصومُ في السَّفِرِ؟ - وكان كثيرَ الصِّيام - فقال: ((إن شئتَ فصُم، وإن شئتَ فأفطِرِ)). قوله: ((باب الصوم في السَّفر والإفطار)) أي: إباحة ذلك وتخيير المكلَّف فيه، سواء كان رمضان أو غيره، وسأذكر بيان الاختلاف في ذلك بعد باب، وذكر المؤلِّفُ في الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى، وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب (١٩٥٥) وموضع الدلالة منه ما يُشعِرُ به سياقُه من مُراجعة الرجل له بكونِ الشمس لم تَغْرُب في جواب طلبِهِ لمَا يَشْرَبُهُ(١)، فهو ظاهر في أنَّه كان ◌َّهِ صائماً، وقد ذكره (١٩٥٥) في ((باب متى يَحِلّ فِطر الصائم)»، وفي غيره بلفظٍ صريح في ذلك، حيثُ قال: كنَّا مع رسول الله يَّ وهو صائم. (١) تحرفت في (س) إلى: يُشیرُ بِه. ٤٠٤ باب ٣٣ / ح ١٩٤١ - ١٩٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (الشمسُ یا رسول الله)) بالرفع، ويجوز النَّصب، وتوجیھھما ظاهرٌ. قوله: ((تابَعَه جَرِير وأبو بكر بن عيَّشٍ عن الشَّيباني)) يعني: تابَعا سفيانَ: وهو ابن عُيَينة، والشَّيبانيُّ: هو أبو إسحاق شيخهم فيه، ومتابعةُ جَرِير وَصَلها المؤلِّفُ في الطَّلاق (٥٢٩٧)، ومتابعةُ أبي بكر ستأتي موصولةً (١٩٥٨) بعد قليل في ((باب تعجيل الإفطار))، وتابعهم غير من ذُكِرَ كما سيأتي ولفظُهم مُتَقَاربٌ، والمرادُ المتابعةُ في أصل الحديث. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو القطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((أنَّ حمزة بن عَمْرو الأسلمي)) هكذا رواه الحُفّاظُ عن هشام، وقال عبد الرحيم ابن سليمان عند النَّسائي (٢٣٠٦) والدَّرَاوَرْدي عند الطبراني (٢٩٦١) ويحيى بن عبد الله ابن سالم عند الدّار قُطْني، ثلاثتُهم عن هشام عن أبيه عن عائشةً عن حمزة بن عَمْرو، ١٨٠/٤ جَعَلوه من مُسنَد حمزة، والمحفوظُ أنَّه من مُسنَد عائشة،/ ويحتمل أن يكون هؤلاءِ لم يَقصِدوا بقولهم: ((عن حمزة)) الروايةَ عنه وإنَّما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير: عن عائشة عن قصَّة حمزةَ أنَّه سأل، لكن قد صَحَّ مجيءُ الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم (١١٢١/ ١٠٧) من طريق أبي الأسوَد عن عروة عن أبي مُراوِحَ عن حمزة، وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة، لكنَّه أسقَطَ أبا مُراوِحٍ، والصوابُ إثباته، وهو محمولٌ على أنَّ لعُرْوةً فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مُراوح عن حمزة. قوله: ((أسرُدُ الصوم)) أي: أُتابعُه، واستدلَّ به على أن لا كراهيةً في صيام الدَّهر، ولا دلالة فيه؛ لأنَّ التتابُعَ يَصدُقُ بدون صوم الدَّهر، فإن ثبت النَّهيُ عن صوم الدَّهر لم یعارضه هذا الإذن بالسّرد، بل الجمعُ بینھما واضحٌ. قوله: ((أأصومُ في السَّفر ... )) إلى آخره، قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنَّه صوم رمضان، فلا يكون فيه حُجّة على من مَنَعَ صيام رمضان في السَّفر. قلت: وهو كما قال بالنّسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مُراوح التي ذكرتها عند مسلم أنَّه قال: يا رسول الله أجِد بي قوّةً على الصيام في السَّفر فهل عليّ جُناٌ؟ فقال رسول الله وَلّ: «هي ٤٠٥ باب ٣٤ / ح ١٩٤٤ كتاب الصوم رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌّ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه))، وهذا يُشعِر بأنَّه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أنَّ الرُّخصةَ إنَّما تُطلَقُ في مقابل ما هو واجب. وأصرَحُ من ذلك ما أخرجه أبو داود (٢٤٠٣) والحاكم (١/ ٤٣٣) من طريق محمد بن حمزة بن عَمْرو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله، إنِّي صاحب ظَهرِ أُعالجُه، أُسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفَني هذا الشهر - يعني: رمضان - وأنا أجِد القوّة، وأجِدُني أنْ أصومَ أهوَنَ عليَّ من أن أوَخِرَه فيكون ديناً عليّ، فقال: ((أيَّ ذلك شئت يا حمزة)). ٣٤- باب إذا صام أياماً من رمضان ثمَّ سافر ١٩٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبد الله بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َّهَ خرج إلى مكَّةَ في رمضانَ، فصامَ، حتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أفطَرَ، فأفطَرَ الناس)). قال أبو عبد الله: والكَدِيدُ: ماءٌ بينَ عُسفانَ وقُدَیدٍ. [أطرافه في: ١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩] : قوله: ((باب إذا صامَ أياماً من رمضان ثمَّ سافَرَ)) أي: هل يُباح له الفِطْر في السفر أو لا؟ وكأنَّه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى رَدِّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن عليّ بإسناد ضعيفٍ، وقال به عُبيدةُ بنُ عَمرِو وأبو مِلَز وغيرهما، ونقله النَّووي عن أبي مِجلَز وحدَه، ووقع في بعض الشُّروح: أبو عُبيدة، وهو وهمٌّ، قالوا: إنَّ من استُهِلَّ عليه رمضان في الحَضَر، ثمَّ سافَرَ بعد ذلك فليس له أن يُفطِرِ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال: وقال أكثرُ أهل العلم: لا فرقَ بينه وبين من اسْتَهَلَّ رمضان في السَّفر، ثمَّ ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نَسَخَها قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِ يضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٨٥]. ثمَّ احتَجَّ للجمهور بحديث ابن عبّاس المذكور في هذا الباب. قوله: «خرج إلی مگَّةً» کان ذلك في غزوة الفتح کما سيأتي. ٤٠٦ باب ٣٤ / ح ١٩٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فلمَّا بَلَغَ الكَديد)) بفتح الكاف وكسر الدّال المهمَلة: مكانٌ معروفٌ، وقع تفسيرُه في نفس الحديث بأنَّه بين عُسفانَ وقُديدٍ، يعني: بضمِّ القاف على التصغير. ووقع في رواية المُستَمْلِي وحدَه نسبةُ هذا التفسير للبخاري، لكن سيأتي في المغازي (٤٢٧٥) موصولاً من وجه آخر في نفس الحديث، وسيأتي قريباً (١٩٤٨) عن ابن عبّاس من وجه ١٨١/٤ آخر: / حتَّى بَلَغَ عُسفانَ، بدلَ الكَديد، وفيه مَجَازُ القُرب؛ لأنَّ الكَديد أقربُ إلى المدينة من عُسفان، وبين الكَديد ومكَّة مَرحَلَتان، قال البكري: هو بين أمَجَ - بفتحتَينِ وجيم - وعُسفانَ: وهو ماءٌ عليه نَخلٌ كثير. ووقع عند مسلم (١١١٤/ ٩٠) في حديث جابر: فلمَّا بَلَغَ كُراعِ الغَميم، هو بضمِّ الكاف، والغَميمُ بفتح المعجمة: وهو اسمُ وادٍ أمام عُسفان. قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطرَ وَ لّ فيه، والكلّ في قصَّة واحدة وكلّها مُتَقاربة والجميع من عمل عُسفانَ. انتهى، وسيأتي في المغازي (٤٢٧٦) من طريق مَعمَرٍ عن الزُّهْري سياق هذا الحديث أوضحَ من رواية مالك، ولفظ رواية مَعمَرٍ: خرج النبي ◌َّ في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأسِ ثمان سنين ونصف من مَقْدَمِه المدينة، فسار ومن معه من المسلمين يصوم ويصومونَ حتَّى بَلَغَ الكَديد، فأفطرَ وأفطَروا، قال الزُّهْري: وإنَّما يُؤْخَذ بالآخِرِ فالآخِر من أمره كله. وهذه الزِّيادة التي في آخره من قول الزُّهْرِي، وَقَعَت مُدرَجةً عند مسلم (٨٨/١١١٣) من طريق الليث عن الزُّهْري، ولفظه: حتَّى بَلَغَ الكَديد أفطَر، قال: وكان صحابة رسول الله وَّ يَتَّبِعونَ الأَحدَثَ فالأحدَثَ من أمره، وأخرجه من طريق سفيان عن الزُّهْري، قال مثله، قال سفيان: لا أدري من قول من هو، ثمَّ أخرجه (٨٨/١١١٣) من طريق مَعمَرٍ ومن طريق يونس كلاهما عن الزُّهْري، وبيَّنّا أنَّه من قول الزُّهْري، وبذلك جَزَمَ البخاري في الجهاد (٢٩٥٣)، وظاهره أنَّ الزُّهْري ذهب إلى أنَّ الصوم في السَّفر منسوخٌ، ولم يوافَق على ذلك كما سيأتي قريباً، وأخرج البخاري في المغازي (٤٢٧٧) أيضاً من طريق خالد الحَذّاءِ عن عِكْرمةَ عن ابن عبّاس قال: خرج النبي وَّ في رمضان، والناسُ صائم ومُفطِرٍ، فلمَّا استوى على راحلته دَعَا بإناءٍ من لبن أو ماء فوَضعَه على راحلته ثمَّ نظرَ الناسَ. زاد ٤٠٧ باب ٣٤ / ح ١٩٤٤ كتاب الصوم في روايةٍ أُخرى (٤٢٧٩) من طريق طاووس عن ابن عبّاسٍ: ثمَّ دَعَا بماءٍ فَشَرِبَ نهاراً ليراه الناس. وأخرجه الطَّحاوي (٢/ ٦٥) من طريق أبي الأسوَد عن عِكْرمة أوضحَ من سياق خالدٍ، ولفظُه: فلمَّا بَلَغَ الكَديدَ بَلَغَه أنَّ الناس يَشُقّ عليهم الصيام، فدَعا بِقَدَحٍ من لبنٍ فأمسَكَه بيدِه حتَّى رآه الناس وهو على راحلته ثمَّ شَرِبَ فأفطَر، فناوَله رجلاً إلى جَنِه فشَرِبَ. ولمسلم (١١١٤/ ٩١) من طريق الدَّرَاوَزْدي عن جعفر بن محمد بن عليّ عن أبيه عن جابر في هذا الحديث: فقيل له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصيامُ وإنَّما يَنظُرُونَ فيما فعلت، فدَعا بقَدَحِ من ماء بعد العصر، وله من وجهٍ آخرَ عن جعفر: ثمَّ شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إنَّ بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئكَ العُصاة)). واستدلَّ بهذا الحديث على تَتُّم الفِطْر في السَّفر، ولا دلالةَ فيه كما سيأتي. واستدلَّ به على أنَّ للمسافر أن يُفطِرَ في أثناء النَّهار ولو استَهَلَّ رمضان في الحَضَر، والحديث نَصُّ في الجواز، إذ لا خلاف أنَّهِوَِّاستَهَلَّ رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة ثمَّ سافَرَ في أثنائه. ووقع في رواية ابن إسحاق في ((المغازي))(١) عن الزُّهْري في حديث الباب: أنَّه خرج لعشِرٍ مَضَين من رمضان، ووقع في مسلم (١١١٦) من حديث أبي سعيد اختلاف من الرُّواة في ضبط ذلك، والذي اتَّفَقَ عليه أهل السّير أنَّه خرج في عاشر رمضان ودخل مكَّة لتسع عشرةَ ليلةً خَلَت منه. واستدلَّ به على أنَّ للمَرءِ أن يُفْطِرَ ولو نَوى الصيام من الليل وأصبَحَ صائماً، فله أن يُفطِرَ في أثناء النَّهار، وهو قول الجمهور، وقَطَعَ به أكثر الشافعية، وفي وجهٍ: ليس له أن يُفطِرِ، وكأنَّ مُستنَدَ قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صِحّة حدیث ابن عبَّاس هذا، وهذا كلّه فيما لو نَوى الصوم في السَّفر، فأمَّا لو نَوى الصوم وهو مُقيم، ثمَّ سافَرَ في أثناء النَّهار فهل له أن يُفطِرَ في ذلك النَّهار؟ مَنَعَه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المُزَني مُحْتَجّاً بهذا الحديث، فقيل له، قال: كذلك، ظناً منه أنَّه وَلِ أفطرَ في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإنَّ بين المدينة والكَديد عِدّةً أیام. وقد وقع في البُوَيطي مثل ما وقع عند المُزَني، / فسَلِمَ المُزَني، وأبلَغُ من ذلك ما رواه ابن أبي ١٨٢/٤ (١) ((السيره النبوية)) لابن هشام ٤/ ٤٢. ٤٠٨ باب ٣٥ / ح ١٩٤٥ فتح الباري بشرح البخاري شَيْبة والبيهقي (٤/ ٢٤٧) عن أنس: أنَّه كان إذا أراد السَّفرَ يُفطِر في الحَضَرِ قبلَ أن يَركَبَ. ثمَّ لا فرقَ عند المجيزين في الفِطْر بكلِّ مُفطِّر، وفَّقَ أحمد في المشهور عنه بين الفِطْر بالجِماع وغيره فمَنَعَه في الجِماع، قال: فلو جامع فعليه الكفَّارة إلَّا إن أفطرَ بغير الجِماع قبلَ الجِماع، واعتَرَضَ بعضُ المانعين في أصل المسألة، فقال: ليس في الحديث دلالة على أنَّه وَيه نَوى الصيام في ليله اليوم الذي أفطرَ فيه، فیحتمل أن يكونَ نَوی أن يُصبحَ مُفطِراً ثمَّ أظهَرَ الإفطار ليفطِرَ الناس، لكنَّ سياق الأحاديث ظاهرٌ في أنَّه كان أصبَحَ صائماً ثمَّ أفطرَ. وقد روى ابن خُزيمة (٢٠٣١) وغيره من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة قال: كنَّا مع النبي (وَلـ بمَرِّ الظَّهران، فأُتي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: ((ادنُوَا فكُلا)) فقالا: إنّا صائمان، فقال: ((اعمَلوا لصاحبَيكم، ارحَلوا لصاحبَيكم، ادنوَا فكُلا)) قال ابن خُزيمة: فيه دليل على أنَّ للصائم في السَّفر الفِطرَ بعد مُضي بعضِ النَّهار. تنبيه: قال القابِسي: هذا الحديث من مُرسلات الصحابة، لأنَّ ابن عبّاس كان في هذه السَّفرة مُقيماً مع أبَوَيه بمكَّةَ فلم يُشاهد هذه القصّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصحابة. ٣٥- بابٌ ١٩٤٥ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ، عن عبد الرحمن بنِ یزیدَ بنِ جابرٍ: أنَّ إسماعيلَ بنَ عُبيد الله حدَّثَه، عن أُمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرداءِ ﴾، قال: خَرَجنا مع النبيِّ رَّ في بعضِ أسفاره في يومٍ حارٍّ، حتَّى يَضَعَ الرجلُ يدَه على رأسِه من شِدّة الحَرِّ، وما فينا صائمٌ، إلا ما كان من النبيِّ وَ ◌ّ﴿ وابنِ رَوَاحةَ. قوله: ((باب)) كذا للأكثر بغير ترجمةٍ، وسَقَطَ من رواية النَّسَفي، وعلى الحالَينِ لا بدَّ أن يكون لحديث أبي الدَّرداء المذكور فيه تَعَلُّقٌّ بالترجمة، ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي ◌َّ في رمضان في السَّفر بمَحضَرٍ منه ولم يُنكِرِ عليهم، فدَلَّ على الجواز، وعلى رَدِّ قول من قال: من سافَرَ في شهر رمضان امتَنَعَ عليه الفِطْر. قوله: ((عن أُمّ الدَّرداء)) في رواية أبي داود (٢٤٠٩) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ٤٠٩ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ كتاب الصوم إسماعيل بن عُبيد الله، وهو ابن أبي المهاجر الدِّمَشقي: حدَّثَتني أُمّ الدَّرداء. والإسنادُ كلّه شاميون، سوى شيخ البخاري، وقد دخل الشام، وأُمّ الدَّرداء: هي الصُّغرى التابعية. قوله: ((خَرَجنا مع رسول الله وَليه في بعض أسفاره)) في رواية مسلم (١٠٨/١١٢٢) من طريق سعيد بن عبد العزيز أيضاً: خرجنا مع رسول الله وَله في شهر رمضان في حَرِّ شديدٍ ... الحديث، وبهذه الزِّيادة يَتِمُّ المراد من الاستدلال، ويَتَوَجَّه الردّ بها على أبي محمد بن حَزْم في زَعمِه أنَّ حديث أبي الدَّرداء هذا لا حُجّةَ فيه، لاحتمال أن يكونَ ذلك الصوم تطوُّعاً، وقد كنت ظَنَنت أنَّ هذه السَّفرةَ غزوةُ الفتح لما رأيت في ((الموطَّأ)) (٢٩٤/١) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة قال: رأيت رسول الله وَّر بالعَرْجِ في الحَرِّ وهو يُصَبُّ على رأسِه الماءُ - وهو صائم - من العَطَش ومن الحَرّ، فلمَّا بَلَغَ الكَديدَ أفطرَ. فإنَّه يدلُّ على أنَّ غَزاةَ الفتح كانت في أيام شِدّة الحَّ، وقد اتَّفَقَت الروايتان على أنَّ كلّ من السَّفرتَينِ كان في رمضان، لكنَّني رجعت عن ذلك، وعرفت أنَّه ليس بصوابٍ، لأنَّ عبد الله بن رواحة استُشهِدَ بمُؤتةَ قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعاً في سنةٍ واحدةٍ، وقد استثناه أبو الدَّرداء في هذه السَّفرة مع النبيِ وََّ، فصَحَّ أنَّها كانت سَفرةً أُخرى. وأيضاً فإنَّ في سياق أحاديث غزوة الفتح أنَّ الذين استَمرّوا من الصحابة صياماً كانوا جماعةً، وفي هذا أنَّه عبد الله بن رواحة وحدَه. وأخرج التِّرمِذي (٧١٤) من / حديث ١٨٣/٤ عمر: غَزَونا مع النبيِّ وَّ في رمضان يوم بدر ويوم الفتح ... الحديث، ولا يَصِحّ حملُه أيضاً على بدر، لأنَّ أبا الدَّرداء لم يكن حينئذٍ أسلم. وفي الحديث دليلٌ على أن لا كراهة في الصوم في السَّفر لمن قوي عليه، ولم يُصِبه منه مَشَقّةٌ شديدٌ. ٣٦ - باب قول النبيّ وَلّ لمن ظُلِّل عليه واشتدّ الحرّ: (ليس من البرّ الصوم في السفر)) ١٩٤٦ - حدَّثنا آدمُ، حذَّثنا شُعْبةُ، حذَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الرحمن الأنصاريُّ، قال: سمعتُ ٤١٠ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ فتح الباري بشرح البخاري محمَّدَ بنَ عَمرِو بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهم، قال: كان رسولُ الله وَلَه في سفرٍ، فرأى زِحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: ((ما هذا؟)) فقالوا: صائمٌ، فقال: ((ليس من البِرِّ الصومُ في السَّفر)). قوله: ((باب قول النبي ◌َّهَ لَمَن ظُلِّلَ عليه واشتَدَّ الحُّ: ليس من البِرِّ الصيامُ في السَّفر)) أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ سبب قوله ◌ِّ: ((ليس من البِرِّ الصِّيامُ في السَّفر)) ما ذُكر من المشقّة، وأنَّ من روى الحديثَ مُجرَّداً فقد اختصر القصَّة، وبما أشار إليه من اعتبار شِدّة المشقّة يجمع بين حديث الباب والذي قبله، فالحاصل أنَّ الصوم لمن قويَ عليه أفضلُ من الفِطْرِ، والفِطرَ لمن شَقَّ عليه الصومُ، أو أعرَضَ عن قَبُول الرُّخصة أفضلُ من الصوم، وإن لم يَتَحقَّق المسْقَّةُ يُخْيَّ بين الصوم والفِطْر. وقد اختلف السَّلَفُ في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يُجْزِئُ الصومُ في السَّفر عن الفرض، بل من صام في السَّفر وَجَبَ عليه قضاؤه في الحَضَر، لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولقوله بَّ: ((ليس من البِرِّ الصيامُ في السَّفر))، ومُقابَلةُ البِرِّ الإثم، وإذا كان آئِماً بصومِه لم يُجزِئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحُكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزُّهْري وإبراهيمَ النَّخَعي وغيرهم، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالوا: ظاهره فعليه عِدّةٌ، أو فالواجب عِدّة، وتأوَّله الجمهور بأنَّ التقدير: فأفطرَ فعِدّة. ومُقابل هذا القول قولُ من قال: إنَّ الفطر(١) في السَّفر لا يجوز إلَّا لمن خافَ على نفسه الهلاك أو المشقّة الشَّديدة، حكاه الطَّبري عن قوم. وذهب أكثر العلماء، ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنَّ الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يَشُقَّ عليه. وقال كثير منهم: الفِطْر أفضل عملاً بالرُّخصة، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق. (١) تحرفت في (أ) و(س) إلى: الصوم، والمثبت من (ع). ٤١١ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ كتاب الصوم وقال آخرون: هو مُيَّر مُطلَقاً، وقال آخرون: أفضلهما أيسَرهما، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اُللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فإن كان الفِطْر أيسَرَ عليه، فهو أفضل في حَقِّه، وإن كان الصِّيام أيسَرَ، كمن يَسهلُ عليه حينئذٍ ويَشُقُّ عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقُّه أفضل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر. والذي يَترجَّح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفِطْر أفضلَ لمن اشتَدَّ عليه الصوم وتَضَرَّرَ به، وكذلك من ظُنَّ به الإعراض عن قَبُول الرُّخصة كما تقدَّم نظيره في المسح على الُفَّين، وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار. وقد روى أحمد (٥٣٩٢) من طريق أبي طُعمةَ قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السَّفر، فقال له ابن عمر: من لم يَقبَل رخصةَ الله، كان عليه من الإثم مثلُ چِبال عَرَفةَ(١)، وهذا محمول على من رَغِبَ عن الرُّخصة لقوله ◌َالَ: «من رَغِبَ عن سُنَّتَي فليس مِنّي))(٢)، وكذلك من خافَ على نفسِه العُجبَ أو الرّياء إذا صام في السَّفر، فقد يكون الفِطْرُ أفضل له، وقد أشار إلى ذلك ابن عمر، فروى الطَّبري(٣) من طريق مجاهد قال: إذا سافَرت فلا تَصُم، فإِنَّك إن تَصُم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفَعوا للصائم، وقاموا بأمرِك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزالُ كذلك حتَّى يذهبَ أجرُك. ومن طريق مجاهدٍ أيضاً عن جُنادةَ بن أُمّيةَ عن أبي ذرِّ نحوُ ذلك، / وسيأتي في الجهاد (٢٨٩٠) من طريق مُوَرِّق عن ١٨٤/٤ أنس نحو هذا مرفوعاً، حيثُ قال ◌َّه للمُفطِرِين حيثُ خَدَموا الصُّامِ: ((ذهب المفطِرونَ اليومَ بالأجر))، واحتَجَّ من مَنَعَ الصوم أيضاً بما وقع في الحديث الماضي أنَّ ذلك كان آخرَ الأمرَين، وأنَّ الصحابة كانوا يأخُذونَ بالآخِر فالآخِرِ من فعله، وزَعَموا أنَّ صومه وَلِ فِي السَّفر منسوخٌ، وتُعُقِّبَ أوَّلاً بما تقدَّم(٤) من أنَّ هذه الزِّيادةَ مُدرَجةٌ من قول الزُّهْري، وبأنَّه (١) هو في ((المسند)) مرفوع لا موقوف، وإسناده ضعيف. (٢) سيأتي عند المصنف برقم (٥٠٦٣). (٣) في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) ص١٣٨. (٤) ص ٤٠٣. ٤١٢ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ فتح الباري بشرح البخاري استَنَّدَ إلى ظاهر الخبر من أنَّه وَ لَّ أفطرَ بعد أن صام، ونسب من صام إلى العِصيان، ولا حُجّةَ في شيء من ذلك، لأنَّ مسلماً أخرج من حديث أبي سعيد (١١٢٠) أنَّه وَّ صام بعد هذه القصَّة في السّفر، ولفظه: سافرنا مع رسول الله آل# إلى مگَّة ونحن صيامٌ، فنزلنا منزلاً، فقال النبي وَلِّ: ((إنَّكم قد دَنَوتُم من عدوِّكم والفِطْرُ أقوى لكم(١))، فكانت رخصةً فِمِنّا من صام، ومِنّا من أفطَر، ثم نزلنا منزلاً، فقال رسول الله وَّ: ((إنَّكم مُصَبِّحو عدوِّكم والفِطْر أقوى لكم فأفطِروا))، فكانت عزيمةً فأفطَرنا. ثمَّ لقد رأيتنا نصومُ مع رسول الله وَ * بعد ذلك في السّفر. وهذا الحديث نَصِّ في المسألة، ومنه يُؤخَذ الجوابُ عن نِسِبَتَه وَّهِ الصائمين إلى العِصيان؛ لأنه عَزَمَ عليهم فخالَفوا، وهو شاهدٌ لمَا قلناه من أنَّ الفِطرَ أفضل لمن شَقَّ عليه الصوم، ويتأكَّد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفِطْر للتَّقوّي به على لقاء العدوّ، وروى الطَّبري في ((تهذيبه))(٢) من طريق خَيْئمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السَّفر، فقال: لقد أمَرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَ﴾؟ [البقرة: ١٨٥] فقال: إنَّها نزلت ونحن نَرَحِلُ جياعاً، ونَنزِل على غير شِبَعٍ، وأمَّ اليوم فَتَرَحِلُ شِباعاً، ونَنزِل على شِبَعٍ. فأشار أنس إلى الصِّفة التي يكون فيها الفِطْر أفضلَ من الصوم. وأمَّا الحديثُ المشهورُ: ((الصائمُ في السَّفر كالمفطِر في الحَضَر)) فقد أخرجه ابن ماجَهْ مرفوعاً من حديث ابن عمر بسندٍ ضعيف، وأخرجه الطَّبري(٣) من طريق أبي سَلَمة عن عائشة مرفوعاً أيضاً وفيه ابن لَهِيعة وهو ضعيف، ورواه الأثرَم من طريق أبي سَلَمة عن أبيه مرفوعاً (٤)، والمحفوظ عن أبي سَلَمة عن أبيه موقوفاً، كذلك أخرجه النَّسائي (٢٢٨٥) وابن المنذر. ومع وقفِه فهو مُنقَطِع لأنَّ أبا سَلَمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدیر صِحّته فهو (١) زادهنا في (س) لفظة ((فأفطروا)) وقد جاء في الأصلين على الصواب بدونها، وهو الموافق لما في ((الصحيح)). (٢) في مسند ابن عباس ص ١٤٦. (٣) في مسند ابن عباس من ((تهذيب الآثار)) ص ١٢٣. (٤) حديث أبي سلمة عن أبيه مرفوعاً أخرجه أيضاً ابن ماجه (١٦٦٦)، والطبري في ((تفسيره)) ١٥٢/٢. ٤١٣ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ كتاب الصوم محمول على ما تقدَّم أوَّلاً، حيثُ يكون الفِطْر أولى من الصوم، والله أعلم. وأمَّا الجواب عن قوله بَّهِ: ((ليس من البِرِّ الصيام في السَّفر)) فسَلَكَ المجيزونَ فيه طُرقاً: فقال بعضهم: قد خرج على سبب فيُقْصَرُ عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جَنَحَ البخاري في ترجمته، ولذا قال الطَّبري بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعَري ولفظه: سافَرنا مع رسول الله ﴿ ونحن في حَرِّ شديد، فإذا رجلٌ من القوم قد دخل تحت ظِلّ شجرة وهو مُضطَجِع كَضَجعة الوَجِع، فقال رسول الله وَله: ((ما لصاحبِكم، أيُّ وجَع به؟)) فقالوا: ليس به وجَعٌّ، ولكنَّه صائم وقد اشتَدَّ عليه الحَّ، فقال النبي ◌َّ حينئذٍ: ((ليس البِرُّ أن تصوموا في السَّفر، عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم)): فكان قوله ◌َّ ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال(١). وقال ابن دَقِيق العيد: أُخِذَ من هذه القصّة أنَّ كراهةَ الصوم في السَّفر مُخْتَصّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممَّن يُجِهِده الصوم ويَشُقّ عليه، أو يُؤَدّي به إلى تَركِ ما هو أولى من الصوم من وجوه القُرَب، فيُنَّلُ قوله: ((ليس من البِرّ الصوم في السَّفر)) على مثل هذه الحالة. قال: والمانعونَ في السَّفر يقولون: إنَّ اللَّفظ عامٌ، والعِبرة بعمومه لا بخصوصٍ السبب. قال: وينبغي أن يُتَنَبَّه للفَرقِ بين دلالة السبب والسِّياق والقَرائن على تخصيص العامِّ وعلى مراد المتكَلِّم، وبين مُجرَّد وُرود العامّ على سببٍ، فإنَّ بين العامَّيْنِ فرقاً واضحاً، ومن أجراهما مجرَّى واحداً لم يُصِب، فإنَّ مُجرَّد ورود العامّ على سبب لا يقتضي التخصيص به، كَنزول آية السَّرِقة في قصَّة سَرِقة رِداء صفوان، وأمَّ السِّياق والقَرائن الدّالَّة على مراد المتكَلِّم فهي المرشِدة لبيان المجمَلات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب. وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): هذه القصّة تُشعِرُ بأنَّ من اتَّفَقَ له مثل ما اتَّفَقَ لذلك ١٨٥/٤ الرجل أنَّه يُساويه في الحكم، وأمَّا من سَلِمَ من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله. والله أعلم. (١) ((تهذيب الآثار)) مسند ابن عباس ص ١٥٨ -١٥٩. ٤١٤ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ فتح الباري بشرح البخاري وحمل الشافعي نفيَ البِرّ المذكور في الحديث على من أبى قَبُول الرُّخصة، فقال: معنى قوله: ((ليس من البِرّ)): أن يَبلُغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم، ولا نافلة، وقد أرخَصَ الله تعالى له أن يُفطِر وهو صحيح، قال: ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البِرّ المفروض الذي من خالَفَه أثِم. وجَزَمَ ابن خُزَيمة وغيره بالمعنى الأوَّل، وقال الطَّحاوي: المراد بالبِرِّ هنا: البِرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البِرّ، وليس المراد به إخراج الصوم في السَّفر عن أن يكون برّاً؛ لأنَّ الإفطار قد يكون أبرَّ من الصوم إذا كان للتَّقوّي على لقاء العدوّ مثلاً، قال: وهو نظير قوله وَلّ: ((ليس المسكينُ بالطَّاف))(١) الحديث، فإنَّه لم يُرِد إخراجه من أسباب المسكنة كلّها، وإنَّما أراد أنَّ المسكين الكاملَ المسكنة الذي لا يَجِد غِنَّى يُغنيه ويَستَحيي أن يَسأل، ولا يُفطَنُ له. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري)) عند مسلم (١١١٥) من طريق غُندَر عن شُعْبة عن محمد بن عبد الرحمن، يعني: ابن سعد، ولأبي داود (٢٤٠٧) عن أبي الوليد عن شُعْبة عن محمد بن عبد الرحمن، يعني: بن سعد بن زُرارةَ. قوله: ((سمعت محمَّد بن عَمْرو ... )) إلى آخره، أدخَلَ محمدُ بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بن عَمْرو بن الحسن في رواية شُعْبة عنه، واختُلِفَ في حديثه على يحيى بن أبي كثير: فأخرجه النَّسائي (٢٢٨٥) من طريق شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدَّثني جابر بن عبد الله فذكره، قال النَّسائي: هذا خطأ، ثمَّ ساقه (٢٢٥٩) من طريق الفِرْيابي عن الأوزاعي عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن حدَّثني من سمع جابراً، ومن طريق عليّ بن المبارَك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر (٢٢٦٠)، ثمَّ قال: ذكر تسمية هذا الرجل المبهم، فساق (٢٢٦٢) طريق شُعْبة، ثمَّ قال: هذا هو الصحيح؛ يعني: إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن وجابر، وتعقّبه المِّي (٢) فقال: ظَنَّ النَّسائي أنَّ محمد بن عبد الرحمن شيخ شُعْبة في هذا الحديث هو محمد بن (١) تقدم عند المصنف برقم (١٤٧٩). (٢) تحرف في الأصلين إلى ((المزني))، والتصويب من (س)، وتعقّب المزي هذا في ((تحفة الأشراف)) (٢٥٩٠). ٤١٥ باب ٣٦ / ح ١٩٤٦ كتاب الصوم عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه، وليس كذلك، لأنَّ شيخ يحيى: هو محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ، وشيخ شُعْبة: هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زرارةَ، انتهى. والذي يَترجَّحُ في نظري أنَّ الصواب مع النَّسائي، لأنَّ مسلماً (١١١٥) لمَّا روى الحديث من طريق أبي داود عن شُعْبة، قال في آخره: قال شُعْبة: كان بَلَغَني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير أنَّه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: ((عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم)) فلمَّا سألته لم يَحَفَظه. انتهى. والضمير في سألت يَرجِعُ إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى، لأنَّ شُعْبة لم يَلقَ يحيى، فدَلَّ على أنَّ شُعْبة أخبر أنَّه كان يَبلُغه عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عَمْرو عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنَّه لمَّا لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها فلم يَحَفَظها. وأمَّا ما وقع في رواية الأوزاعي(١) عن يحيى أنَّه نسب محمد بن عبد الرحمن، فقال فيه: ابن ثَوبانَ، فهو الذي اعتمده المِّي، لكن جَزَمَ أبو حاتم - كما نقله عنه ابنُه في ((العلل)) - بأنَّ من قال فيه: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ فقد وهمَ، وإنَّما هو ابن عبد الرحمن بن سعد، انتهى. وقد اختُلِفَ فيه مع ذلك على الأوزاعي، وجُلُّ الزُّواة عن يحيى بن أبي كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن، لا يَذكُرونَ جَدَّه، ولا جَدَّ جدِّه، والله أعلم. قوله: ((كان رسول الله وَلجه في سفر)) تَبيَّن من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أنَّها غزوة الفتح (٢)، ولابن خُزيمة (٢٠٢٠) من طريق حَمَّد بن سَلَمة عن أبي الزُّبَير عن جابر: سافرنا مع النبي ێ في رمضان ... فذكر نحوه. قوله: ((ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه)» في رواية حَمَّد المذكورة: فشَقَّ على رجل الصوم، فجَعَلَت راحلتُه تَهِيمُ به تحت الشَّجَرة، فأُخبِرَ النبي وَِّ بذلك، فأمره أن يُفطِرَ ... الحديث، ولم أقف على اسم هذا الرجل،/ ولولا ما قَدَّمته من أنَّ عبد الله بن رواحة استُشهِدَ قبل غزوة الفتح، ١٨٦/٤ لَأَمْكَنَ أن يُفسَّرَ به، لقول أبي الدَّرداء: إنَّه لم يكن من الصحابة في تلك السَّفرة صائماً غيرُه. (١) أخرجه النسائي أيضاً (٢٢٥٨). (٢) تقدم ذلك في شرح الحديث (١٩٤٤). ٤١٦ باب ٣٧ / ح ١٩٤٧ فتح الباري بشرح البخاري وزَعَمَ مُغَلْطاي أنَّه أبو إسرائيل، وعَزا ذلك لـ((مُبهَمات الخطيب))، ولم يَقُل الخطيب ذلك في هذه القصَّة، وإنَّما أوردَ(١) حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره: أنَّ النبي ◌َّ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقالوا: نَذَرَ أن لا يَسْتَظِلَّ ولا يَتكلَّم ولا يَجلِس ويصوم ... الحديث، ثمَّ قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القُرَشي العامري، ثمَّ ساق بإسناده إلى أيوبَ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: كان رسول الله وَ لَ يَخْطُبُ يوم الجمعة، فَنَظَرَ إلى رجل من قُرَيش يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نَذَرَ أن يصوم ويقوم في الشمس ... الحديث، فلم يَزِد الخطيب على هذا، وبين القِصَّتَينِ مُغايَرات ظاهرةٌ، أظهرها: أنَّه كان في الحَضَر في المسجد، وصاحب القصَّة في حديث جابر كان في السَّفر تحت ظِلال الشَّجَر، والله أعلم. وفي الحديث: استحباب التمسُّكِ بالرُّخصة عند الحاجة إليها، وكراهةٌ تركها على وجه التشديد والتنطُّع. تنبيه: أوهمَ كلامُ صاحب ((العُمدة)) أنَّ قوله وَّةِ: ((عليكم برُخْصة الله التي رَخَّصَ لكم)) ممَّا أخرجه مسلم بشرطِه، وليس كذلك، وإنَّما هي بقيةٌ في الحديث لم يُوصِل إسنادها کما تقدَّم بیانه، نعم وَقَعَت عند النَّسائي (٢٢٥٨) موصولةً في حدیث یحیی بن أبي کثیر بسنده، وعند الطَّبري(٢) من حديث كعب بن عاصم الأشعري كما تقدَّم. ٣٧- بابٌ لم يَعِبْ أصحاب النبيّ ◌َلّ بعضهم بعضاً في الصوم والإفطار ١٩٤٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن مُميدٍ الطّويل، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: كنَّا نسافرُ مع النبيِّ وَّهِ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطِرِ، ولا المفطِرُ على الصائمِ. قوله: ((باب لم يَعِب أصحاب النبي وَّر بعضهم بعضاً في الصوم والإفطار)) أي: في الأسفار، وأشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله، وأنَّه محمول على من بَلَغَ حالةً يَجِهَد بها، وأنَّ من لم يَبلُغِ ذلك لا يُعابُ عليه الصيام ولا الفِطْرِ. (١) في ((الأسماء المبهمة)) ص ٢٧٣. (٢) في (تهذيب الآثار)) مسند ابن عباس ص ١٥٨، وقد تحرف في (س) إلى: الطبراني. ٤١٧ باب ٣٨ / ح ١٩٤٨ كتاب الصوم قوله: ((عن أنس)) في رواية أبي خالد عند مسلم (٩٩/١١١٨) عن حميد التصريحُ بالإخبار بين حميدٍ وأنسٍ، ولفظه عن حميدٍ: خرجت فصُمت، فقالوا لي: أعِدْ، فقلت: إنَّ أنساً أخبرني: أنَّ أصحاب رسول الله وَّ كانوا يسافرونَ، فلا يعيب الصائم على المفطِرِ، ولا المفطِرِ على الصائم. قال حميدٌ: فَلَقِيت ابن أبي مُلَيكةَ، فأخبرني عن عائشةَ مثله. قوله: ((كلَّا نسافر مع النبي ◌َّ) في حديث أبي سعيد عند مسلم (٩٦/١١١٦): كنَّا نغزو مع رسول الله فلا يَجِدُ الصائم على المفطِرِ، ولا المفطرُ على الصائم، يرونَ أنَّ من وَجَدَ قوّة فصام، فإنَّ ذلك حسنٌ، ومن وَجَدَ ضعفاً فأفطرَ فإنَّ ذلك حسن. وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نَصِّ رافعٌ للنِّزاع كما تقدَّم، والله أعلم. تنبيه: نقل ابن عبد البَرِّ عن محمد بن وضَّاحِ: أنَّ مالكاً تفرَّد بسياق هذا الحديث على هذا اللَّفظ، وتعقّبه بأنَّ أبا إسحاق الفزاري وأبا ضمرة وعبد الوهّاب الثَّقفي وغيرَهم رووه عن ھمیدٍ مثل مالك. ٣٨- باب من أفطر في السفر ليراه الناس ١٩٤٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خرج رسولُ الله ◌ِ ◌ّ من المدينة إلى مكَّةَ، فصامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بماءٍ، فَرَفَعَه إلى يدِهِ ليَراهُ الناسُ، فأفطَرَ حتَّى قَدِمَ مَّةَ، وذلك في رمضانَ. فكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: قد صامَ رسولُ اللهِ وَّهِ وأفطَرَ، فمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءً أفطَرَ. قوله: ((باب مَن أفطَرَ في السَّفر ليراه الناس)» أي: إذا كان مَمَّن يُقتدى به، وأشار بذلك إلى ١٨٧/٤ أنَّ أفضلية الفِطْر لا تَخْتَصُّ بمن أجهَدَه الصوم، أو خشي العُجبَ والرّياء، أو ظُنَّ به الرَّغبةُ عن الرُّخصة، بل يلتحقُ بذلك من يُقتَدى به ليتابعَه من وقع له شيء من الأمور الثلاثة، ويكون الفِطْر في حقُّه في تلك الحالة أفضلَ، لفضيلة البيان. قوله: ((عن مجاهد، عن طاووس، عن ابن عبّاس)) كذا عنده من طريق أبي عَوَانة عن ٤١٨ باب ٣٩ / ح ١٩٤٩ فتح الباري بشرح البخاري منصور عن مجاهد، وكذا أخرجه من طريق جَرِير عن منصور في المغازي (٤٢٧٩)، وأخرجه النَّسائي (٢٢٩١) من طريق شُعْبة عن منصور، فلم يَذكُر طاووساً في الإسناد، وكذا أخرجه (٢٢٨٨) من طريق الحكم عن مجاهد عن ابن عبّاس، فيحتمل أن يكون مجاهد أخذه عن طاووس عن ابن عبّاس، ثمّ لقي ابن عبّاس فحمله عنه، أو سمعه من ابن عبَّاس وثبَّتَه فيه طاووسٌ، وقد تقدَّم نظير ذلك في حديث ابن عبَّاس في قصَّة الجريدتَينِ على القبرينِ في الطَّهارة (٢١٦). قوله: ((فَرَفَعَه إلى يده)) كذا في الأُصول التي وقفتُ عليها من البخاري، وهو مُشكِلٌ، لأنَّ الرفع إنَّما يكون باليد، وأجاب الكِرْماني: بأنَّ المعنى يحتمل أن يكون: رَفَعَه إلى أقصى طول يده، أي: انتهى الرفع إلى أقصى غايتها. قلت: وقد وقع عند أبي داود (٢٤٠٤) عن مُسدَّد عن أبي عَوَانة بالإسناد المذكور في البخاري: ((فَرَفَعَه إلى فيه)) وهذا أوضح، ولعلَّ الكلمة تَصَحَّفَت، وقد تقدَّم (١٩٤٤) ما يُؤيِّد ذلك في سياق ألفاظ الرّواة لهذا الحديث عن ابن عبّاس وغيره مع بقية مباحث المتن. قوله: ((ليراه الناسُ)) كذا للأكثر، و((الناس)) بالرفع على الفاعلية، وفي رواية المُستَمْلي: (ليُريَه)) بضمٌّ أوَّلِه وكسر الراء وفتح التحتانية، والناس بالنَّصب على المفعولية، ويحتمل أن يكون الناسخ كتب: «ليراه )» بالياءِ فلا يكون بين الروايتينِ اختلاف. قوله: ((فكان ابن عبّاس يقول ... )) إلى آخره، فَهِمَ ابن عبّاس من فعله ◌َّ ذلك أَنَّه لبيان الجواز لا للأولَوية، وقد تقدَّم في حديث أبي سعيد وجابر عند مسلم (١١١٧) ما يوضحُ المراد (١)، والله أعلم. ٣٩- باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال ابنُ عمرَ وسَلَمةُ بنُ الأكوَعِ: نَسَخَتها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلِنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَنْ (١) انظر الباب السابق. ٤١٩ باب ٣٩ / ح ١٩٤٩ كتاب الصوم كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال ابنُ نُمَيرٍ: حدَّثنا الأعمشُ، حدَّثْنَا عَمْرو بنُ مُرّةَ، حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، حدَّثنا أصحابُ محمَّدٍ وَّ: نزل رمضانُ فشَقَّ عليهم، فكان مَن أطعَمَ كلَّ يومٍ مِسكيناً، تَرَكَ الصومَ مَّن يُطِيقُه، ورُخِّصَ لهم في ذلك، فنَسَخَتها: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فأَمِروا بالصوم. ١٩٤٩- حدَّثنا عيَّاتٌ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قرأَ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخةٌ. [طرفه في: ٤٥٠٦] قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عمر ١٨٨/٤ وسَلَمَةَ بن الأكوع: نَسَخَتها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾)) أمَّا حديث ابن عمر، فَوَصَله في آخر الباب عن عيَّاش، وهو بتحتانيةٍ ومُعجَمة، وقد أخرجه عنه أيضاً في التفسير (٤٥٠٦) وزاد أنَّه ابن الوليد: وهو الرَّقّام، وشيخه عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى البصري الشامي بالمهمَلة، ولكن لم يُعيِّ الناسخ، وقد أخرجه الطَّبري (١٣٣/٢) من طريق عبد الوهّاب الثَّقْفي عن عبيد الله بن عمر، بلفظ: نَسَخَت هذه الآيةَ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ التي بعدها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وعلى هذا فقوله في الترجمة في حديث سَلَمة: (نَسَخَتها: شهرُ رمضانَ)) أي: الآية التي أوَّلها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ لاشتمالها على موضع النَّسخ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وأمَّا حديث سَلَمة فوَصَله في تفسير البقرة (٤٥٠٧) بلفظ: لمَّ نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ ٤٢٠ باب ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يُفطِرَ أفطرَ وافتَدى، حتَّى نزلت الآيةُ التي بعدها فنَسَخَتها. قوله: ((وقال ابن نُمَير ... )) إلى آخره، وصله أبو نُعيم في ((المستخرَج))، والبيهقي (٤/ ٢٠٠) من طريقه، ولفظ البيهقي: قَدِمَ النبي ◌ِ ◌ّهِ المدينة ولا عهدَ لهم بالصيام، فكانوا يصومونَ ثلاثة أيام من كلّ شهر حتَّى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، فاستكثروا ذلك وشَقَّ عليهم، فكان من أطعَمَ مِسكيناً كلَّ يوم تَرَكَ الصيام ممَّن يُطيقُهُ ورُخِّصَ لهم في ذلك، ثمّ نَسَخَه: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِروا بالصيام. وهذا الحديث أخرجه أبو داود (٥٠٦ و٥٠٧) من طريق شُعْبة والمسعودي عن الأعمَش مُطوَّلاً في الأذان والقِبْلة والصيام، واختُلِفَ في إسناده اختلافاً كثيراً، وطريق ابن نُمَير هذه أرجحُها. وإذا تقرَّرَ أنَّ الإفطار والإطعام كان رخصة ثمَّ نُسِخ، لَزِمَ أن يصير الصيام حَتماً واجباً، فكيف يَلَئِم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَّصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخيريةُ لا تدلُّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخيريَّة؟ أجاب الكِرْماني بأنَّ المعنى: فالصوم خير من التطوُّع بالفِذْية، والتطوُّع بها كان سُنّةً، والخير من السُّنّة لا يكون إلّا واجباً، أي: لا يكون شيءٌ خيراً من السُّنّة إلَّ الواجب. كذا قال، ولا يخفى بُعدُه وتكلَّفُه، ودعوى الوجوب في خصوص الصِّيام في هذه الآية ليست بظاهرةٍ، بل هو واجبٌ مُخيَّر، من شاءَ صام، ومن شاءَ أفطرَ وأطعَم، فَنَصَّتِ الآيةُ على أنَّ الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيَّر أفضلَ من بعض لا إشكال فيه، واتَّفَقَت هذه الأخبار على أنَّ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ﴾ منسوخٌ، وخالَفَ في ذلك ابنُ عبّاس، فذهب إلى أنّها مُحكمةٌ، لكنها مخصوصة بالشيخ الکبیر ونحوه، وسيأتي بیانُ ذلك والبحث فیه في كتاب التفسير (٤٥٠٥) إن شاء الله تعالى، حيثُ ذكره المصنّف من تفسير البقرة. ٤٠ - بابٌ متى يقضى قضاءُ رمضان؟ وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا بأسَ أن يُفرَّقَ لقولِ الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].