النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ كتاب الصوم قوله: ((فبينا نحن على ذلك)) في رواية ابن عُيَينةً(١): ((فبينما هو جالس كذلك)) قال بعضهم: يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوسِ انتظار ما يوحى إليه في حَقِّه، ويحتمل أنَّه كان عَرَفَ أنَّه سيؤتى بشيءٍ يُعِينُهُ به، ويحتمل أن يكون أسقَطَ عنه الكفَّارة بالعجز. وهذا الثالث ليس بقوي، لأنها لو سَقَطَت ما عادت عليه حيثُ أمره بها بعد إعطائه إياه المِكتَلَ. قوله: ((أُتي النبي ◌َّ) كذا للأكثر بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول، وهو جواب: ((بينا)) في هذه الرواية. وأمَّا رواية ابن عُيَينةَ المشار إليها، فقال فيها: ((إذا أُتي)) لأنه قال فيها: ((فبينما هو جالس))، وقد تقدَّم تقریر ذلك، والآتي المذکور لم يُسمَّ، لکن وقع في رواية معمر کما سيأتي في الكفَّارات (٦٧١٠): فجاء رجل من الأنصار. وعند الدّار قُطني(٢) من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب مُرسلاً: ((فأتى رجل من ثَقيف)) فإن لم يُحمَل على أنَّه كان حَليفاً للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعمّ، وإلَّا فرواية الصحيح أصحّ، ووقع في رواية ابن إسحاق: فجاء رجل بصَدَقَته يَحِمِلها، وفي مُرسَل الحسن عند سعيد بن منصور: بتمرٍ من تمر الصَّدَقة. قوله: (بِعَرَق)) بفتح المهمَلة والراء بعدَها قافٌ، قال ابن الِّين: كذا لأكثر الزُّواة، وفي رواية أبي الحسن - يعني القابسي -: بإسكان الراء. قال عياض: والصواب الفتح، وقال ابن التِّين: أنكَرَ بعضهم الإسكان، لأنَّ الذي بالإسكان هو العَظم الذي عليه اللَّحم. قلت: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العَظْم فليُنكَر الفتح لأنه يَشتَرِك مع الماء الذي يَتَحلَّب من الجَسَد، نعم، الراجح من حيثُ الروايةُ الفتحُ، ومن حيثُ اللُّغةُ أيضاً، إلَّا أنَّ الإسكان ليس بمُنكَرٍ، بل أثبتَه بعض أهل اللُّغة كالقَزّاز. قوله: ((والعَرَق: المِكتَل)) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثنَّاة بعدها لام، زاد ابن عُيَينةً عند الإسماعيلي وابن خُزيمة (١٩٤٤): المِكتَل الضَّخم. قال الأخفَش: سُمّ المِكتَل عَرَقاً؛ لأنه يُضَفَّرُ عَرَقَةً عَرَقَةً، فالعَرَق جمع عَرَقة، كَعَلَق وعَلَقةٍ، والعَرقَةُ الضَّفيرةُ(٣) من الخوص. (١) عند البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٨٦٨٢). (٢) في («العلل)) ٢٤٥/١٠، لكن ذكر الرجل مبهماً وليس فيه أنه من ثقيف! (٣) تحرفت في الأصلين إلى: الصغيرة، والمثبت من (س) وهو الصواب. والضفيرة من ضَفَر الشعر: نسج = ٣٨٢ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((والعرقُ المِكتَل)) تفسير من أحد رواته، وظاهر هذه الرواية أنَّه الصحابي، لكن ١٦٩/٤ في رواية ابن عُيَينةَ ما يُشعِرُ بأنَّه الزُّهْري،/ وفي رواية منصور في الباب الذي يلي هذا: فأَتي بعَرقٍ فيه تمر وهو الزَّبيل، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((فأَتي بزَبيلِ: وهو المِكتَل)) والَّبيل، بفتح الزاي وتخفيف الموحَّدة بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ لام بوزنِ رَغيف: هو المِكتَل. قال ابن دُرَيدِ: يُسمّى زَبيلاً لحمل الزِّبل فيه، وفيه لغة أُخرى: زِنبيل بكسر الزاي أوَّله، وزيادة نوٍ ساكنة وقد تُدغَم النّون فتُشَدَّدُ الباءُ مع بقاء وزنِهِ، وجمعُه على اللُّغات الثلاث: زَنابيل، ووقع في بعض طرق عائشةَ عند مسلم (١١١٢/ ٨٥) فجاءه عَرَقان، والمشهور في غيرها عَرَق، وَرَجَّحَه البيهقي، وجمع غيرُه بينهما بتعدُّد الواقعة، وهو جمعٌ لا نرضاه لاتِّاد ◌َخَرَج الحديث، والأصل عَدَم التعدُّد، والذي يَظهَر أنَّ التمرَ كان قَدرَ عَرَق، لكنَّه كان في عَرَقين في حال التحميل على الدّابّة ليكون أسهَلَ في الحمل، فيحتمل أنَّ الآتي به لمَّا وصَلَ أفرَغَ أحدَهما في الآخر، فمن قال: عَرَقان، أراد ابتداءَ الحال، ومن قال: عَرَق، أراد ما آلَ إليه، والله أعلم. قوله: ((أين السائل؟)) زاد ابن مسافر: ((آنِفاً)) أطلق عليه ذلك، لأنَّ كلامه مُتَضَمِّن للسُّؤال، فإنَّ مراده: هَلَكت فما يُنجيني، وما يُخُلِّصُني مثلاً، وفي حديث عائشةَ: ((أين المحتَرِق آنِفاً»؟ وقد تقدَّم توجيهه، ولم يُعيِّن في هذه الرواية مقدار ما في المِكتَل من التمر، بل ولا في شيء من طرق ((الصحيحين)) في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة: فيه خمسةَ عشرَ صاعاً، وفي رواية مُؤَمَّلٍ عن سفيان: فيه خمسةَ عشرَ أو نحوُ ذلك(١)، وفي رواية مِهران بن أبي عمر عن الثَّوري عند ابن خُزيمة (١٩٥١): فيه خمسةً عشرَ أو عشرونَ، وكذا هو عند مالك (١ / ٢٩٧) وعبد الرزاق (٧٤٦٠) في مُرسَل سعيد ابن المسيّب، وفي مُرسَله عند الدّار قُطني(٢) الجزم بعشرين صاعاً، ووقع في حديث عائشةً = بعضه على بعض، وضَفَر الحبل: فَتَلَه. (١) رواية مؤمل أخرجها ابن خزيمة (١٩٥٠) والدارقطني، وفيه عند الأول: فيه خمسة عشر أو عشرون صاعاً من تمر، وعند الثاني: فيه خمسة عشر صاعاً من تمر. (٢) في (العلل)) ٢٤٥/١٠. ٣٨٣ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ كتاب الصوم عند ابن خُزيمة (١٩٤٧): فأُتي بعَرَقِ فيه عشرونَ صاعاً. قال البيهقي: قوله: عشرونَ صاعاً، بَلاغٌ بَلغَ محمد بن جعفر؛ يعني: بعض رواته، وقد بيَّن ذلك محمد بن إسحاق عنه فذكر الحديثَ (٢٢٣/٤) وقال في آخره: قال محمد بن جعفر: فحُدِّثتُ بعدُ أنَّه كان عشرين صاعاً من تمر. قلت: ووقع في مُرسَل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مُسدَّد: فأمَرَ له ببعضِه، وهذا يجمع الروايات، فمن قال: إنَّه كان عشرين أراد أصلَ ما كان فيه، ومن قال: خمسةَ عشرَ أراد قَدَرَ ما تقع به الكفَّارة، ويُبيِّن ذلك حديث عليّ عند الدّار قُطْني (٢٣٩٥): ((تُطعِمُ ستّين مِسكيناً لكلِّ مِسكينٍ مُدٌّ)، وفيه: فأُتي (١) بخمسةَ عشرَ صاعاً، فقال: ((أطعِمه ستّين مِسكيناً))، وكذا في رواية حجّاج عن الزُّهْري عند الدّار قطني(٣) في حديث أبي هريرة، وفيه رَدٌّ على الكوفيين في قولهم: إنَّ واجبه من القمح ثلاثون صاعاً، ومن غيره ستّونَ صاعاً، وعلى أشهَبَ في قوله: لو غَدّاهم أو عَشّاهم كَفَى، لِصِدْقِ الإطعام، ولقول الحسن: يُطعِم أربعين مِسكيناً عشرين صاعاً ولقول عطاء: إن أفطرَ بالأكل أطعَمَ عشرين صاعاً، أو بالجِمَاعِ أطعَمَ خمسةَ عشر، وفيه رَدٌّ على الجَوهَري حيثُ قال في ((الصِّحاح)): المِكتَل يُشبِهِ الَّبِيلِ يَسعَ خمسةَ عشرَ صاعاً، لأنه لا حَصرَ في ذلك، وروي عن مالك أنَّه قال: يَسَعُ خمسةَ عشرَ أو عشرين، ولعلَّه قال ذلك في هذه القصَّة الخاصَّة، فيوافق رواية مِهْران، وإلَّا فالظاهر أنَّه لا حَصرَ في ذلك، والله أعلم. وأمَّا ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في ((الأوسط)) (١٧٨٧) أنَّه أُتي بمِكتَل فيه عشرونَ صاعاً، فقال: (تَصَدَّق بهذا))، وقال قبل ذلك: تَصَدَّق بعشرين صاعاً أو بتسع عشرةَ أو بإحدى وعشرين، فلا حُجّةَ فيه لما فيه من الشكّ، ولأنَّه من رواية ليثِ بن أبي سُلَيم وهو ضعيف، وقد اضطَرَبَ فيه، وفي الإسناد إليه مع ذلك من لا يُحْتَجُّ به. ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم (١١١٢/ ٨٥): فجاءه عَرَقان فيهما (١) الرواية في ((سنن الدارقطني): ((فأَمر له)) بدل ((فأُتي)). (٢) («العلل)) ٢٣٩/١٠. ٣٨٤ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ فتح الباري بشرح البخاري طعام، ووجهه - إن كان محفوظاً - ما تقدَّم قريباً والله أعلم. قوله: «خُذ هذا فتَصَدَّق به» کذا للأكثر، ومنهم من ذكره بمعناه، وزاد ابن إسحاق: ((فَتَصَدَّق به عن نفسِك))، ويُؤيِّده رواية منصور في الباب الذي يليه (١٩٣٧) بلفظ: ((أطعِم هذا عنك)) ونحوه في مُرسَل سعيد بن المسيّب من رواية داود بن أبي هند عنه عند ١٧٠/٤ الدّار قُطْني(١)/ وعنده (٢) من طريق ليث عن مجاهد عن أبي هريرة: ((نحن نتَصَدَّقُ به عنك)). واستدلَّ بإفراده بذلك على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة: ((هل تستطيع)) و((هل تَجِد)) وغير ذلك، وهو الأصحّ من قولي الشافعية، وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهورُ وأبو ثور وابن المنذر: تجبُ الكفَّارة على المرأة أيضاً على اختلافٍ وتفاصيلَ لهم في الحُرّة والأمة والمطاوِعة والمكرَهة، وهل هي عليها أو على الرجل عنها، واستدلَّ الشافعية بسُكوته عليه الصلاة والسلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفَّارة مع الحاجة، وأُجيبَ بمنع وجود الحاجة إذ ذاكَ؛ لأنها لم تَعتَرِف ولم تسأل، واعتراف الَّوج عليها لا يُوجِبُ عليها حُكماً ما لم تَعتَرِف، وبأنَّها قضيةُ حالٍ، فالسُّكوت عنها لا يدلّ على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة لعُذرٍ من الأعذار. ثمّ إنَّ بيانَ الحكم للرجل بيان في حقٌّها لاشتراكهما في تحريم الفِطْر وانتهاك حُرمة الصوم كما لم يأمره بالغُسل، والتنصيص على الحكم في حقّ بعض المكلَّفين كافٍ عن ذِكْره في حقّ الباقين. ويحتمل أن يكونَ سبب السُّكوت عن حُكم المرأة ما عَرَفَه من كلام زوجها بأنَّا لا قُدرةَ لها على شيء. وقال القُرطُبي: اختَلَفوا في الكفَّارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط، أو عليه وعليها، أو عليه كفَّارتان عنه وعنها، أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدلُّ على شيء من ذلك؛ لأنه ساكت عن المرأة، فُؤخَذ حُكمها من دلیل آخرَ، مع احتمال أن يكون سبب السُّكوت أنَّها كانت غيرَ صائمة، واستدلَّ بعضهم بقوله في بعض طرق (١) «العلل)) ٢٤٥/١٠. (٢) ((العلل)) ٢٤٧/١٠. ٣٨٥ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ كتاب الصوم هذا الحديث: ((هَلَكتُ وأهلَكت))(١) وهي زيادة فيها مقال، فقال ابن الجَوْزي: في قوله: ((وأهلَكت)) تنبيه على أنَّه أكرهَها، ولولا ذلك لم يكن مُهلِكاً لها. قلت: ولا يَلزَم من ذلك تعدُّدُ الكفَّارة، بل لا يَلزَم من قوله: ((وأهلكت)» إيجاب الكفَّارة عليها، بل يحتمل أن يريدَ بقوله: هَلَكت: أثمت، وأهلَكت، أي: كنت سبباً في تأثيم من طاوَعَتني فواقعتُها، إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوِعة، ولا يَلزَمُ من ذلك إثبات الكفَّارة ولا نفيها، أو المعنى: هَلَكت، أي: حيثُ وقعتُ في شيء لا أقدر على كفَّارته، وأهلَكت، أي: نفسي بفعلي الذي جَرَّ عليَّ الإثم، وهذا كلّه بعد ثبوت الزّيادة المذكورة. وقد ذكر البيهقي أنَّ للحاكم في بُطْلانها ثلاثةَ أجزاء، ومُحصَّلُ القول فيها: أنَّهَا وَرَدَت من طريق الأوزاعي ومن طريق ابن عُيَينة، أمَّ الأوزاعي فتفرَّد بها محمد بن المسيّب عن عبد السلام بن عبد الحميد عن عمرَ بن عبد الواحد والوليد بن مسلم، وعن محمد بن عُقْبةَ بن(٢) عَلْقمة عن أبيه، ثلاثتهم عن الأوزاعي. قال البيهقي: رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها، وكذلك جميعُ الرُّواة عن الوليد وعُقْبة وعمر، ومحمد بن المسيّب كان حافظاً مُكثِراً إلَّا أَنَّه كان في آخر أمره عَمِيَ، فلعلَّ هذه اللَّفظة أُدخِلَت عليه، وقد رواه أبو عليّ النَّيسابوري عنه بدونها، ويدلّ على بُطْلانها ما رواه العبَّاس بن الوليد عن أبيه قال: سُئِلَ الأوزاعي عن رجل جامع امرأته في رمضان؟ قال: عليهما كفَّارة واحدة إلَّ الصيام، قیل له: فإن استکرهها؟ قال: علیه الصيام وحده. وأمَّا ابن عُيَينَةَ فتفرَّد بها أبو ثَوْر عن مُعلّى بن منصور عنه، قال الخطّابي: المعَلّى ليس بذاكَ الحافظ. وتعقَّبه ابن الجَوْزي بأنَّه لا يَعرِف أحداً طَعَنَ في المعَلّى، وغَفَلَ عن قول الإمام أحمد: إنَّه كان يُخْطِئُ كلَّ يوم في حديثين أو ثلاثةٍ، فلعلَّه حدَّثَ من حِفظه بهذا فوَهم. وقد قال الحاكم: وقفت على كتاب ((الصيام)) للمُعلَّى بخَطُّ موثوقٍ به، وليست هذه (١) أخرجه الدارقطني في (السنن)) (٣٣٩٨)، والبيهقي ٢٢٧/٤ من طريقين عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة. وعللها البيهقي، وسينقل الحافظ قريباً قوله. ... (٢) تحرفت في (س) إلى: عن. ٣٨٦ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ فتح الباري بشرح البخاري اللَّفظة فيه، وزَعَمَ ابن الجَوْزي أنَّ الدار قطني أخرجه من طريق عَقيلِ أيضاً، وهو غَلَطٌ منه، فإنَّ الدار قطني لم يُخْرِج طريقَ عَقيلٍ في ((السُّنن))، وقد ساقه في ((العلل)) (٢٣٢/١٠) بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها. تنبيه: القائل بوجوب كفَّارةٍ واحدةٍ على الزَّوج عنه وعن مَوطوءَته، يقول: يُعتَبرُ حالهما، فإن كانا من أهل العِتق أجزأت رقبة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعَمَ ما سَبَق، ١٧١/٤ وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعاً،/ فإن اختلف حالُما ففيه تَفريعٌ مَحَلَّه كُتُبُ الفروع. قوله: ((فقال الرجل: على أفقَرَ مِنّي)) أي: أتصَدَّقُ به على شخصٍ أفقَرَ مِنّي؟ وهذا يُشعِرُ بأنَّه فهمَ الإذنَ له في التصَدُّق على من يَتَّصِف بالفقر، وقد بيَّن ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه: إلى من أدفَعُه؟ قال: ((إلى أفقَرِ مَن تعلم)) أخرجه البَزَّار(١) والطبراني في ((الأوسط)) (٨١٨٤)، وفي رواية إبراهيم بن سعد: أعلى أفقَرَ من أهلي؟ ولابن مسافر: أعلى أهل بيت أفقَرَ مِنّي؟ وللأوزاعي: أعلى غير أهلي؟ ولمنصورٍ: أعلى أحوَجَ منَّا؟ ولابن إسحاق: وهل الصَّدَقة إلَّا لي وعليَّ؟ قوله: ((فوالله ما بين لابَتَيَها)) تَثنيةُ لابةٍ، وقد تقدَّم شرحُها في أواخر كتاب الحج (١٨٦٧) والضمير للمدينة، وقوله: ((یرید اخَرَّتین)) من كلام بعض رواته، زاد في رواية ابن عُيَينةَ ومَعمَرٍ: والذي بَعَثَك بالحقّ، ووقع في حديث ابن عمر المذكور: ما بين حَرَّتَيها (٢)، وفي رواية الأوزاعي الآتية في الأدب (٦١٦٤): والذي نفسي بيده ما بين طُنُبَي المدينة؛ تثنية طُنُب ــ وهو بضمِّ الطاء المهمَلة بعدها نون - والطّنُب أحدُ أطناب الخيمة، فاستَعاره للطَّرَف. قوله: ((أهل بيت أفقَرَ من أهل بيتي)) زاد يونس: مِنّي ومن أهل بيتي، وفي رواية إبراهيم بن سعد: أفقَرَ منَّا، وأفقَرَ بالنَّصبِ على أنَّها خبرُ ما النافية، ويجوز الرفع على لغة (١) كذا قال، وليس في ((مسند البزار)) ولم يعزه له الهيثمي ١٦٧/٣-١٦٨، وعزاه الحافظ نفسه فيما تقدم لأبي يعلى، وهو فيه بهذا اللفظ برقم (٥٧٢٥). (٢) الذي في المطبوع من ((مسند أبي يعلى)): ((ما بين قُتْريها))، وأما رواية الطبراني فمختصرة. ٣٨٧ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ كتاب الصوم تميم، وفي رواية عَقيل: ما أحدٌ أحقُّ به من أهلي، ما أحدٌ أحوَجُ إليه مِنّي. وفي أحقّ وأحوَج ما في أفقَرَ. وفي مُرسَل سعيد من رواية داود عنه: والله ما لعيالي من طعام، وفي حديث عائشةً عند ابن خُزيمة (١٩٤٧): ما لنا عَشاءُ ليلة. قوله: ((فِضَحِكَ النبيِِّ حَتَّى بَدَت أنيابه)) في رواية ابن إسحاق: حتَّى بَدَت نَواجذُه، ولأبي قُرّةَ في ((السُّنن)) عن ابن جُرَيج: حتَّى بَدَت ثَناياه، ولعلَّها تصحيف من أنيابه؛ فإنَّ الثَّنايا تَبِينُ بالتبَسُّم غالباً، وظاهر السِّياق إرادة الزِّيادة على التبَسُّم، ويُحمَلُ ما وَرَدَ في صِفَته وَل﴿ أَنَّ ضَحِكَه كان تَبسُّماً على غالب أحواله، وقيل: كان لا يَضحَكُ إلَّا في أمرٍ يَتعلَّق بالآخرة، فإن كان في أمر الدُّنيا لم يَزِد على التبَسُّم. قيل: وهذه القضيةُ تُعَگِّرُ علیه، ولیس كذلك، فقد قيل: إنَّ سبب ضَحِكِهِ وَ لّ كان من تَبَايُنِ حال الرجل حيثُ جاء خائفاً على نفسه راغِباً في فدائها مهما أمكنَه، فلمَّا وَجَدَ الرُّخصةَ طَمِعَ في أن يأكلَ ما أُعطيه من الكفَّارة، وقيل: ضَحِكَ من حال الرجل في مقاطع كلامه، وحُسنٍ تأتّه وتَلَطُّفِه في الخِطاب، وحُسن توَسُّلِه في توَصُّلِه إلى مقصودِه. قوله: ((ثمّ قال: أطعِمه أهلَك)) تابعه مَعمَر وابن أبي حفصة، وفي رواية لابن عُيَينةَ في الكفَّارات (٦٧٠٩): ((أطعِمه عيالَك))، ولإبراهيم بن سعد (٥٣٦٨): ((فأنتم إذا))، وقَدَّمَ على ذلك ذِكرَ الضَّحِك، ولأبي قُرّة عن ابن جُرَيج: ثمَّ قال: ((كُله)) ونحوُه ليحيى بن سعيد وعِراك، وجمع بينهما ابن إسحاق ولفظه: ((خُذها وكُلها، وأنفقها على عيالك))، ونحوه في رواية عبد الجبّار وحجّاج وهشام بن سعد كلهم عن الزُّهْري، ولابن خُزيمة في حديث عائشة: «عُد به عليك وعلى أهلك)). وقال ابن دَقِيق العيد: تَبايَنت في هذه القصَّة المذاهب، فقيل: إنَّه دلَّ على سقوط الكفَّارة بالإعسار المقارن لوجوبها، لأنَّ الكفَّارة لا تُصرَفُ إلى النَّفْس ولا إلى العيال، ولم يُبِّ النبي ◌َّه استقرارها في ذِمَّته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعي، وجَزَمَ به عيسى بن دينار من المالكية. ٣٨٨ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وقال الأوزاعي: يَستَغفِرُ الله ولا يعود. ويتأيَُّ ذلك بصَدَقة الفِطْر، حيثُ تَسقُط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلالُ الفِطْر، لكنَّ الفَرق بينهما أنَّ صَدَقة الفِطْر لها أمَدٌ تَنتَهي إليه، وكفَّارة الجِماعِ لا أمَدَ لها، فَتَستَقِرّ في الذِّمّة، وليس في الخبر ما يدلّ على إسقاطها، بل فیه ما يدلّ على استمرارها على العاجز. وقال الجمهور: لا تَسقُط الكفّارة بالإعسار، والذي أذِنَ له في التصرُّف فیہ لیس على سبيل الكفَّارة. ثمَّ اختَلَفوا فقال الزُّهْري: هو خاصّ بهذا الرجل، وإلى هذا نَحا إمام الحرمين، ورُدَّ بأنَّ الأصل عَدَم الخصوصية. وقال بعضهم: هو منسوخ، ولم يُبيِّ قائلُه ١٧٢/٤ ناسخَه، وقيل: المراد بالأهل الذين أُمِرَ بصَرفها إليهم / من لا تَلزَمُه نَفَقَتُه من أقاربِه، وهو قول بعض الشافعية، وضُعِّفَ بالرواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرواية المصرِّحة بالإذن له في الأکل من ذلك. وقيل: لمَّا كان عاجزاً عن نَفَقة أهلِه جازَ له أن يَصْرِفَ الكفَّارةَ لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بأنَّ المرء لا يأكل من كفَّارة نفسه. قال الشيخ تقي الدّين: وأقوى من ذلك أن يُجِعَلَ الإعطاءُ لا على جهة الكفَّارة، بل على جهة التصَدُّقِ عليه وعلى أهله بتلك الصَّدَقة لمَا ظهر من حاجتهم، وأمَّا الكفَّارة فلم تَسقُط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذِمَّته مأخوذاً من هذا الحديث. وأمَّا ما اعتَلّوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه، لأنَّ العلم بالوجوب قد تقدَّم، ولم يَرِد في الحديث ما يدلّ على الإسقاط؛ لأنه لمَّا أخبره بعَجزِه ثمَّ أمره بإخراج العَرَق دَلَّ على أن لا سقوطَ عن العاجز، ولعلَّه أخَّرَ البيانَ إلى وقت الحاجة وهو القُدرةُ، انتهى. وقد وَرَدَ ما يدلُّ على إسقاط الكفّارة أو على إجزائها عنه بإنفاقه إياها على عياله وهو قوله في حديث عليّ(١): ((وكُله أنتَ وعيالُك فقد كَفَّرَ الله عنك)) ولكنَّه حديثُ ضعيفٍ لا (١) أخرجه الدار قطني في «سننه» (٢٣٩٥). ٣٨٩ باب ٣٠ / ح ١٩٣٦ كتاب الصوم يُحْتَجُّ بما انفَرَدَ به، والحقّ أنَّه لمَّا قال له وَّةِ: ((خُذ هذا فَتَصَدَّق به)) لم يَقِضه، بل اعتَذَرَ بأنَّه أحوَجُ إليه من غيره، فأذِنَ له حينئذٍ في أكلِه، فلو كان قَبَضَه لَمَلَكَه مِلكاً مشروطاً بصفةٍ، وهو إخراجه عنه في كفَّارته، فينبني على الخلاف المشهور في التمليك المقيَّد بشرطٍ، لكنَّه لمَّا لم يَقِضه لم يَملكه، فلمَّا أذِنَ له وَّ في إطعامه لأهلِه وأكلِه منه كان تَمليكاً مُطلَقاً بالنّسبة إليه وإلى أهله، وأخْذُهم إياه بصفة الفقر المشروحة، وقد تقدَّم أنَّه كان من مال الصَّدَقة، وتصرُّف النبي ◌َِّ فيه تصرُّفُ الإمام في إخراج مال الصَّدَقة، واحتَمَلَ أنَّه كان تَمَليكاً بالشَّرط الأوَّل، ومن ثَمَّ نَشَأ الإشكال، والأوَّل أظهَرُ فلا يكون فيه إسقاط ولا أكل المرء من كفَّارة نفسه، ولا إنفاقه على من تَلزَمه نَفَقَتُهم من كفَّارة نفسه. وأمَّا ترجمة البخاري البابَ الذي يليه («باب المجامع في رمضانَ هل يُطعِمُ أهله من الكفَّارة إذا كانوا محاويجَ)) فليس فيه تصريح بما تَضمَنَّ حُكم الترجمة. وإنَّما أشار إلى الاحتمالَينِ المذكورينِ بإتيانه بصيغة الاستفهام، والله أعلم. واستدلَّ به على جواز إعطاءِ الصَّدَقة جميعها في صِنْفٍ واحدٍ، وفيه نظرٌ، لأنه لم يتعيَّن أنَّ ذلك القَدرَ هو جميع ما يجبُ على ذلك الرجل الذي أحضَرَ التمر. وعلى سقوط قضاء اليوم الذي أفسَدَه المجامع اكتفاءً بالكفَّارة، إذ لم يقع التصريح في ((الصحيحين)) بقضائه، وهو محكي في مذهب الشافعي، وعن الأوزاعي: يقضي إن كَفَّرَ بغير الصوم، وهو وجهٌ للشافعية أيضاً. قال ابن العربي: إسقاط القضاء الأشبَهُ بنصٍّ(١) الشافعي إذ لا كلام في القضاء لكونِه أفسَدَ العبادة، وأمَّا الكفَّارة فإنَّما هي لمَا اقْتَرَفَ من الإثم، قال: وأمَّا كلام الأوزاعي فليس بشيء. قلت: وقد وَرَدَ الأمر بالقضاءِ في هذا الحديث في رواية أبي أُوَيس وعبد الجبّار وهشام ابن سعد كلهم عن الزّهْري(٢)، وأخرجه البيهقي (٢٢٦/٤) من طريق إبراهيم بن سعد (١) في (أ) و(س): ((لا يشبه منصب)) ولا معنى لها، والمثبت من (ع) وهو الصواب، والله أعلم. (٢) أخرجها على التوالي: الدارقطني (٢٣٩٩)، وأبو عوانة (٢٨٥٦)، وأبو داود (٢٣٩٣). ٣٩٠ باب ٣١ / ح ١٩٣٧ فتح الباري بشرح البخاري عن الليث عن الزُّهْري، وحديث إبراهيم بن سعد في ((الصحيح)) عن الزُّهْري نفسه بغير هذه الزِّيادة، وحديث الليث عن الزُّهْري في ((الصحيحين)) بدونها، ووَقَعَت الزِّيادة أيضاً في مُرسَل سعيد بن المسيّب ونافع بن جُبَير والحسن ومحمد بن كعب(١)، وبمجموع هذه الطُّرق تَعرِف أنَّ لهذه الزِّيادة رأصلاً. ويُؤخَذ من قوله: ((صُم يوماً)) عَدَم اشتراط الفَوْرية؛ للتّنكير في قوله: ((يوماً)). وفي الحديث من الفوائد - غير ما تقدَّم - السُّؤالُ عن حُكم ما يفعلُه المرءُ مخالفاً للشَّرع، والتحدُّث بذلك لمصلحة معرفة الحكم، واستعمال الكناية فيما يُستَقْبَحُ ظُهوره بصريحِ لفظه؛ لقوله: واقَعت أو أصَبت، على أنَّه قد وَرَدَ في بعض طرقه - كما تقدَّم - وطِئْت، والذي يَظهَر أنَّه من تصرُّفِ الرُّواة. وفيه الرِّفق بالمتعلِّم والتلطّف في التعليم، والتألُّف على الدِّين، والنَّدَم على المعصية، واستشعار الخوف. ١٧٣/٤ وفيه الجلوس في المسجد لغير / الصلاة من المصالح الدّينية كَنَشر العلم، وفيه جواز الضَّحِكِ عند وجود سببِه، وإخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة، وفيه الحَلِفُ لتأكيد الكلام، وقَبُول قول المكلَّف ممَّا لا يُطَّلَعُ عليه إلَّا من قِبَلِه؛ لقوله في جواب قوله: أفقَرَ منَّا: ((أطعِمه أهلَك))، ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصِدقِه. وفيه التعاون على العبادة والسَّعي في خلاص المسلم، وإعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفَّارة أهلَ بيتٍ واحدٍ، وأنَّ المضطَرّ إلى ما بيدِه لا يجبُ عليه أن يُعطيه أو بعضه لمُضطَرِّ آخر. ٣١ - باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفّارة إذا كانوا محاويج؟ ١٩٣٧ - حدّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الزُّهْريّ، عن مُمیدِ بنِ (١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة ١٠٤/٣-١٠٥، و((الموطأ)) ٢٩٧/١، و((المصنف)) لعبد الرزاق (٧٤٦١) و(٧٤٦٥) و(٧٤٦٦)، و((التلخيص الحبير)) لابن حجر ٢٠٧/٢. ٣٩١ باب ٣١ / ح ١٩٣٧ كتاب الصوم عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ عُ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: إنَّ الأخِرَ وقَعَ على امرأته في رمضانَ، فقال: ((أَتَجِدُ ما تُحرِّرُ رقبةً؟)) قال: لا، قال: ((فتستطيعُ أن تصومَ شهرَينِ مُتتابعينٍ؟)) قال: لا، قال: «أفتَجِدُ ما نُطعِمُ به سِتِّین مِسکیناً؟)) قال: لا، قال: فأُتي النبيُّ ێ بعرقِ فیه تمٌ - وهو الزَّبِيلُ - قال: ((أطعِم هذا عنكَ)) قال: على أحوَجَ منَّا؟ ما بينَ لابَتَيِها أهلُ بيتٍ أحوَجُ منَّاً، قال: ((فأطعِمْه أهلَكَ». قوله: ((بابٌ المجامعُ في رمضان، هل يُطْعِمُ أهلَه من الكفَّارة إذا كانوا مَحاويِجَ))؟ يعني: أم لا؟ ولا مُنافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها، لأنَّ التي قبلها آذنتْ بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يُسقِطها عن الذِّمّة، لقوله فيها: ((إذا جامع ولم يكن له شيء فتُصُدِّقَ عليه فليُكفِّر))، والثانية: تَرَدَّدَت هل المأذونُ له بالتصرُّفِ فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّلُ لفظُ الترجمة. قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمر. قوله: ((عن الزُّهْري عن مُميدٍ)) كذا للأكثر من أصحاب منصور عنه، وكذا رواه مُؤَمَّل ابن إسماعيل، عن الثَّوري، عن منصور (١)، وخالَفَه مِهْرانُ بن أبي عمرَ، فرواه عن الثَّوري، بهذا الإسناد فقال: ((عن سعيد بن المسيّب)) بدلَ حميد بن عبد الرحمن، أخرجه ابن خُزيمة (١٩٥١)، وهو قولٌ شاذٌّ والمحفوظُ الأوَّل. قوله: ((إنَّ الأخِرِ)) بهمزةٍ غير ممدودةٍ بعدها خاء مُعجَمة مكسورة، تقدّم في أوائل الباب الذي قبله، وحكى ابن القوطية فيه مَدَّ الهمزة. قوله: (أتجِدُ ما تُحرِّرُ رقبةً))؟ بالنَّصبِ على البدل من لفظ: ((ما))، وهي مفعولٌ بتَجِد، ومثلُه قوله: ((أَفَتَجِدُ ما تُطِعِمُ ستّين مسكيناً)، وقد تقدَّم باقي الكلام عليه مُستوفّى في الذي قبله (١٩٣٦)، وقد اعتنى به بعض المتأخِّرين ممَّن أدرَكَه شيوخنا فتكلَّمَ عليه في مُجُلَّدَین، جمع فيهما ألفَ فائدةٍ وفائدةٍ، ومحصَّلُه إن شاء الله تعالى فيما لخّصته مع زياداتٍ كثيرةٍ علیه، فلله الحمدُ على ما أنعَمَ. (١) أخرجه ابن خزيمة (١٩٥٠)، وأبو عوانة (٢٨٥٤)، والدار قطني (٢٤٠٠). ٣٩٢ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣٢- باب الحِجامةِ والقَيءِ للصائمِ وقال لي يحيى بنُ صالح: حدَّثنا معاويةُ بنُ سلَّام، حدَّثنا يحيى، عن عمرَ بنِ الحكم بنِ ثَوْبانَ، سمع أبا هريرةَ : إذا قاءَ فلا يُفطِرُ، إِنَّا يُخْرِجُ ولا يولِج. ويذكرُ عن أبي هريرةَ: أنَّه يُفطِرُ. والأوَّلُ أصحّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرمةُ: الصومُ ممَّاً دخل وليس ممَّ خَرَجَ. وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما تَجِتَجِمُ وهو صائمٌ، ثمَّ تَكَه، فكان يَحتَجِمُ بالليل. ١٧٤/٤ واحتَجَمَ أبو موسى ليلاً. ويذكرُ عن سعدٍ وزيد بنِ أرقَمَ وأُمِّ سَلَمةَ أنهم احتَجَموا صياماً. وقال بُكَيرٌّ، عن أُمِّ عَلْقمة: كنَّا نَحتَجِمُ عندَ عائشةَ، فلا نُنهى. ويروَى عن الحسنِ عن غيرٍ واحدٍ مرفوعاً: ((أفطَرَ الحاجمُ والمحجوم)). وقال لي عيَّاشٌ: حدّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا يونسُ، عن الحسن ... مثله. قِيلَ له: عن النبيِّ وَيَّ؟ قال: نعم، ثمَّ قال: الله أعلم. ١٩٣٨ - حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنَا وُهَيبٌ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّهِ احْتَجَمَ وهو مُحرِمٌ، واحتَجَمَ وهو صائمٌ. ١٩٣٩ - حدّثنا أبو مَعمَرِ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: احتَجَمَ النبيُّ ◌َّرِ وهو صائمٌ. ١٩٤٠ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ ثابتاً البُنانيَّ، قال: سُئلَ أنسُ ابنُ مالكِ : أكنتُم تَكرَهونَ الحِجامةَ للصائمِ؟ قال: لا، إلا من أجل الضَّعف. وزاد شَبابةُ: حدَّثنا شُعْبةُ: على عهد النبيِّ ◌َ﴾. قوله: ((باب الحِجامة والقَيء للصائم)) أي: هل يُفسِدان هما أو أحدُهما الصومَ، أو لا؟ قال الزّينُ بن المنيِّر: جمع بين القَيء والحِجامة مع تَغايُرهما، وعادتُه تفريق التراجم إذا ٣٩٣ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ كتاب الصوم نَظَمها خبرٌ واحدٌ فضلاً عن خبرَين، وإنَّما صَنَعَ ذلك لاتِّحاد مأخَذِهما لأنهما إخراجٌ والإخراج لا يقتضي الإفطار، وقد أومأ ابن عبّاس إلى ذلك كما سيأتي البحث فيه، ولم يَذكُر المصنِّفُ حُكمَ ذلك، ولكنَّ إيراده للآثار المذكورة يُشعِرُ بأنَّه يرى عَدَمَ الإفطار بهما، ولذلك عَقَّبَ حديثَ: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم)) بحديث: أنَّهِ وَّهَ احتَجَمَ وهو صائمٌ. :: وقد اختلف السَّلَفُ في المسألتَينِ: أمَّا القَيء فذهب الجمهورُ إلى التفرِقةِ بين من سَبَقَه، فلا يُفطِرُ، وبين من تَعمَّدَه فيُقْطِرِ، ونقل ابن المنذر الإجماع على بُطْلان الصوم بتَعمُّد القَيء، لكن نقل ابن بَطَّال عن ابن عبّاس وابن مسعود: لا يُفطِرِ مُطلَقاً، وهي إحدى الروايتينِ عن مالك، واستدلَّ الأبهري بإسقاط القضاء عمَّن تَقَيَّ عمداً بأنَّه لا كفَّارة عليه على الأصحّ عندهم، قال: فلو وَجَبَ القضاء لَوَجَبَت الكفَّارة، وعَكَسَه بعضهم، فقال: هذا يدلُّ على اختصاص الكفَّارة بالجِماع دون غيره من المفطرات، وارتَكَبَ عطاء والأوزاعي وأبو ثَوْر فقالوا: يقضي ويُكفِّر، ونقل ابن المنذر أيضاً الإجماع على تَركِ القضاء على من ذَرَعَه القَيءُ ولم يَتَعمَّده، إلَّا في إحدى الروايتينِ عن الحسن. وأمَّا الِحِجامةُ، فالجمهور أيضاً على عَدَم الفِطْر بها مُطلَقاً، وعن عليّ وعطاءٍ والأوزاعي وأحمد وإسحاقَ وأبي ثَورٍ: يُفطِر الحاجم والمحجوم، وأوجَبوا عليهما القضاءَ. وشَذَّ عطاء فأوجَبَ الكفَّارةَ أيضاً، وقال بقول أحمد من الشافعية ابن خُزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النَّيسابوري وابن حِبَّان. ونقل التِّرمِذي عن الزَّعفَران: أنَّ الشافعي عَلَّقَ القولَ به على صِحّة الحديث، وبذلك قال الدَّاوودي من المالكية، وحُجّةُ الفريقين قد ذكرها المصنِّفُ في هذا الباب، وسنذكر البحث في ذلك في آخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله: ((وقال لي يحيى بن صالح)) هكذا وقع في جميع النُّسَخ من ((الصحيح))، وعادة ١٧٥/٤ البخاري الإتيان بهذه الصيغة في الموقوفات إذا أسندَها. ٣٩٤ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وقوله في الإسناد: «حدّثنا یحیی)) هو ابن أبي کثیر. قوله: ((إذا قاءَ فلا يُفطِر، إنَّما يُخْرِج ولا يُولِج)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((إنَّه يُخْرِج ولا يُولِج)) قال ابن المنيِر في ((الحاشية)) يُؤْخَذ من هذا الحديث أنَّ الصحابة كانوا يُؤَوِّلون الظاهرَ بالأقيسة من حيثُ الجملة، ونَقَضَ غيره هذا الحصرَ بالمني، فإنَّه إِنَّا (١) يَخْرُج، وهو موجِبٌ للقضاءِ والكفَّارة. قوله: ((ويُذكرُ عن أبي هريرة أنّه يُفطِر، والأوَّل أصحّ)» كأنّه یشیر بذلك إلى ما رواه هو في ((التاريخ الكبير)) (٩١/١-٩٢) قال: قال لي مُسدَّدٌ: حدثنا عن عيسى بن يونس حدَّثنا هشام بن حسَّان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رَفَعَه، قال: ((من ذَرَعَه القَيُ وهو صائم، فليس عليه القضاء، وإن استقاء فليقض))، قال البخاري: لم يَصِحّ، وإنَّما يُروى عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. وعبد الله ضعيفٌ جِدّاً. ورواه الدّارمي (١٧٢٩) من طريق عيسى بن يونس، ونقل عن عيسى أنَّه قال: زَعَمَ أهل البصرة أنَّ هشاماً وهمَ فيه. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيءٌ. ورواه أصحاب ((السُّنن)) الأربعة(٢) والحاكم (٤٢٦/١-٤٢٧) من طريق عيسى بن يونس به، وقال التِّرمِذي: غريبٌ لا نعرفه إلا من رواية عيسى بن يونس عن هشام. وسألت محمداً عنه، فقال: لا أراه محفوظاً. انتهى. وقد أخرجه ابن ماجَهْ (١٦٧٦) والحاكم (١/ ٤٢٦) من طريق حفص بن غياث أيضاً عن هشام. قال(٣): وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا يَصِحُّ إسناده، ولكنَّ العمل عليه عند أهل العلم. قلت: ويُمكِنُ الجمعُ بين قول أبي هريرة: ((إذا قاءَ لا يُفْطِر)) وبين قوله: ((إنَّه يُفطِرِ)) ممّاً فُصِّلَ في حديثه هذا المرفوع، فيحتمل قوله قاءَ: أَنَّه تَعمَّدَ القَيءَ واستَدعى به، وبهذا أيضاً (١) في (أ) و(ع): ((مما)) بدل ((إنما)). (٢) أبو داود (٢٣٨٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١١٧). (٣) يعني الترمذي. ٣٩٥ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ كتاب الصوم يُتَأوَّلُ قوله في حديث أبي الدَّرداء الذي أخرجه أصحاب ((السُّنن))(١) مُصَحَّحاً: أنَّ النبي وَالّه قاءَ فأفطرَ، أي: استَقاءَ عمداً، وهو أولى من تأويل من أوَّله بأنَّ المعنى: قاءَ فضعُفَ فأفطرَ، والله أعلم، حكاه التِّرمِذي (٧٢٠) عن بعض أهل العلم. وقال الطَّحاوي: ليس في الحديث أنَّ القَيء فطَّرَه، وإنَّما فيه أنَّه قاءَ فأفطرَ بعد ذلك. وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ الحكمَ إذا عُقِّبَ بالفاء، دَلَّ على أنَّه العِلّةُ، كقولهم: سَهَا فسَجَدَ. قوله: ((وقال ابن عبّاس وعِكْرمة: الصوم ممَّا دخلَ، وليس مَّ خَرَجَ)) أمَّا قول ابن عبّاس فَوَصَله ابن أبي شَيْبة (٣/ ٥١) عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظَبيانَ عن ابن عبّاس في الحِجامة للصائم، قال: الفِطْرُ مَّ دخل وليس ممَّا خَرَج، والوضوء ممّا خرج وليس ممّاً دخل(٢). وروي من طريق إبراهيم النَّخَعي(٣) أنَّ سُئِلَ عن ذلك، فقال: قال عبد الله، يعني ابن مسعود ... فذكر مثله، وإبراهيم لم يَلقَ ابن مسعود، وإنَّما أخذ عن كِبار أصحابه. وأمَّا قول ◌ِكْرمة، فوَصَله ابن أبي شَيْبة (٣٩/٣) عن هُشَيم عن حُصَين عن عِكْرمةَ مثله. قوله: ((وكان ابن عمر تَحَتَجِم وهو صائم، ثمَّ تَرَكَه، فكان يَحَتَجِم بالليل)) وَصَله مالك في ((الموطَّأ)) (٢٩٨/١) عن نافع عن ابن عمر: أنَّه احتَجَمَ وهو صائم، ثمَّ تَرَكَ ذلك، وكان إذا صام لم يَحْتَجِم حتَّى يُفطِرَ، ورويناه في نسخة أحمد بن شَبِيب، عن أبيه عن يونس عن الزّهْري: كان ابن عمر يَحتَجِمُ وهو صائمٌ في رمضان وغيره، ثمَّ تَرَكَه لأجل الضَّعف. هكذا وجدته مُنقَطِعاً، ووَصَله عبد الرزاق (٧٥٣١) عن مَعمَرٍ عن الزّهْري عن سالم عن أبيه، وكان ابن عمرَ كثيرَ الاحتياط، فكأنَّه تَرَكَ الحِجامةَ نهاراً لذلك. قوله: ((واحتَجَمَ أبو موسى ليلاً) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٣/ ٥٠) من طريق حميدِ الطَّويل (١) أبو داود (٢٣٨١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٠٧)، وصححه ابن خزيمة (١٩٥٦). (٢) قوله: ((والوضوء مما خرج وليس مما دخل)) ليست عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ولم يذكرها الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٧٢/٣ من طريق ابن أبي شيبة، وهي عند البيهقي ١١٦/١ و٢٦١/٤ من طريق وكيع بهذا الإسناد. (٣) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٩١٣٥). ٣٩٦ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عن بكر بن عبد الله المُزَني عن أبي العالية، قال: دخلت على أبي موسى وهو أمير البصرة نُمسياً، فوجدته يأكل تمراً وكانَاً(١)، وقد احتَجَم، فقلت له: ألا تحتجِمُ نهاراً؟ قال: أتأمُرُني أن أُهرِيقَ دَمي وأنا صائم؟! ورواه النَّسائي (ك٣٠٩٥) والحاكم (٤٢٩/١- ٤٣٠) من طريق مَطَرِ الوَرّاق عن بكر أنَّ أبا رافع قال: دخلت على أبي موسى وهو يَحَتَجِمُ ليلاً، فقلت: ألا كان هذا نهاراً؟ فقال: أتأمُرُني أن أُهريقَ دَمي وأنا صائم، وقد سمعت رسولَ الله وَّ ١٧٦/٤ يقول: / ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)). قال الحاكم: سمعت أبا علي النَّيسابوري يقول: قلت لعبدانَ الأهوازي: يَصِحُّ في ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)) شيءٌ؟ قال: سمعت عبَّاساً العنبري يقول: سمعت عليَّ بنَ المديني يقول: قد صَحَّ حديث أبي رافع عن أبي موسى. قلت: إلّا أنَّ مَطَراً خولفَ في رفعِه، فالله أعلم. قوله: ((ويُذكَر عن سعدٍ وزيد بن أرقَم وأُمّ سَلَمَةَ أنَّهم احتَجَموا صياماً)) هكذا أخرجه بصيغة التمريض، والسبب في ذلك يَظهَر بالتخريج، فأمَّا أثر سعد - وهو ابن أبي وقَّاصٍ - فَوَصَله مالكٌ في ((الموطَّأ)) (٢٩٨/١) عن ابن شهاب: أنَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ وعبدَ الله بن عمر كانا يَحْتَجِمان وهما صائمان. وهذا مُنقَطِع عن سعد، لكن ذكره ابن عبد البَرِّ(٢) من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه. وأمَّا أثر زيد بن أرقَم فوَصَله عبد الرزاق (٧٥٤٣) عن الثَّوري عن يونس بن عبد الله الجرمي عن دينار قال: حجمت زيد بن أرقم وهو صائم. ودينار هو الحجام مولی جَرم بفتح الجيم لا يُعرَفُ إلَّا في هذا الأثر. وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصحّ حديثه. وأمَّا أثر أُمّ سَلَمة فوَصَله ابن أبي شَيْبة (٣/ ٥٣) من طريق الثَّوري أيضاً: ((عن فُرات، عن مولى أُمّ سَلَمة أنَّه رأى أُمَ سَلَمة تحتجِمُ وهي صائمة)) وفُرات: هو ابن عبد الرحمن، ثقةٌ، لكنَّ مولى أُمَ سَلَمة مجهولُ الحال. (١) الكامَخ، بفتح الميم روبما كُسرت معرَّب: هو ما يُؤتَدَم به، يقال له: المُري، ويقال: هو الرّديء منه، والجمع: كَوَامخ. ((المصباح المنير)). (٢) انظر ((الاستذكار)) ١١٨/١٠. ٣٩٧ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ كتاب الصوم قال ابن المنذر: ومَمَّن رَخَّصَ في الحجامة للصائم أنس وأبو سعيد والحسين بن عليّ وغيرهم من الصحابة والتابعين، ثمَّ ساق ذلك بأسانيدِه. قوله: ((وقال بُكَير، عن أُمّ عَلْقمة: كنَّا نَحتَجِم عند عائشة فلا نُنهى)) أمَّا بُكَير فهو ابن عبد الله بن الأشَجّ، وأمَّا أُمّ عَلْقمةَ فاسمُها مُرجانة. وقد وَصَله البخاري في ((تاريخه)) (٢/ ١٨٠) من طريق تَخَرَمةَ بن بُكَير، عن أبيه، عن أُمّ عَلْقمة قالت: كنّا نَحتَجِم عند عائشة ونحن صيام وبنو أخي عائشة، فلا تَنهاهم. قوله: ((ويُروى عن الحسن، عن غير واحد مرفوعاً: أفطَرَ الحاجم والمحجوم)) وَصَله النَّسائي (ك٣١٥٧ و٣١٥٨) من طرقٍ عن أبي حُرّة عن الحسن به، وقال عليّ ابن المديني: روى يونس عن الحسن حديث: ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)) عن أبي هريرة(١)، ورواه قَتَادةُ عن الحسن عن ثَوبان، ورواه عطاء بن السائب عن الحسن عن معقِل بن يسار، ورواه مَطَر عن الحسن عن علي، ورواه أشعَث عن الحسن عن أُسامة، زاد الدّار قُطني في ((العلل)) (٣/ ١٩٤) أنَّه اختُلِفَ على عطاء بن السائب في الصحابي، فقيل: معقل بن يسار المُزَني، وقيل: معقِل بن سِنان الأشجَعي، وروي عن عاصم عن الحسن عن معقِل بن يسار أيضاً، وقيل: عن مَطَر عن الحسن عن معاذ. واختُلِفَ على قَتَادةَ عن الحسن في الصحابي، فقيل أيضاً: عَليّ، وقيل: أبو هريرة. قلت: واختُلِفَ على يونس أيضاً كما سأذكره. قال: وقال أبو حُرّة: ((عن الحسن، عن غير واحد، عن النبي نَليّ) قال: فإن كان حَفِظَه صَحَّت الأقوال كلّها. قلت: لم ينفرد به أبو حُرّة كما سأُبِّنه. قوله: ((وقال لي عيَّاش)) بتحتانيةٍ ومُعجَمةٍ، وعبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى. قوله: ((حدَّثنا يونس)) هو ابن عُبيدِ ((عن الحسن)) مثله، أي: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم)). قوله: ((قيل له: عن النبي ◌َّ؟ قال: نعم. ثمَّ قال: الله أعلم)) وهذا متابع لأبي حُرّة عن الحسن، وقد أخرجه البخاري في «تاريخه)) (١٧٩/٢) والبيهقي (٢٦٥/٤) من طريقه قال: (١) انظر لزاماً («المسند» (٨٧٦٨) وتعليقنا عليه، والنسائي في ((الكبرى)) (٣١٤٨-٣١٦١). ٣٩٨ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري حدَّثني عيَّاتٌ فذكره، ورواه علي بن المديني في ((العلل)) والبيهقي (٢٦٥/٤) من طريقه قال: حدَّثنا المعتمر هو ابن سليمان التيمي عن أبيه عن الحسن عن غير واحد به، ورواية يونس عن الحسن عن أبي هريرة عند النَّسائي (ك٣١٦٠) من طريق عبد الوهّاب الثَّقفي عن يونس، وأخرجه (ك٣١٦١) من طريق بشر بن المفضَّل عن يونس عن الحسن قوله، وذكره الدّار قُطني من طريق عُبيد الله بن تمام عن يونس عن الحسن عن أسامة، والاختلاف على الحسن في هذا الحديث واضح، لكن نقل التِّرمِذي في ((العلل الكبير) عن البخاري أنَّه قال: يحتمل أن يكون سمعه من غير واحد من الصحابة، وكذا قال الدّار قُطني في ((العلل)) (١٩٥/٣): إن كان قول الحسن عن غير واحد من الصحابة محفوظاً صَحَّت الأقوال ١٧٧/٤ كلّها. / قلت: يريد بذلك انتفاء الاضطراب، وإلَّا فالحسن لم يسمع من أكثر المذكورين. ثمَّ الظاهر من السِّياق أنَّ الحسن كان يَشُقُّ في رفعِه، وكأنَّه حَصَلَ له بعد الجَزْمِ تَرَدُّدٌ، وحمل الكِرْماني جَزمه على وثوقه بخبر من أخبره به، وتَرَدُّده لكونِه خبرَ واحد فلا يفيد اليقين، وهو حملٌ في غاية البُعد. ونقل التِّرمِذي أيضاً عن البخاري أنه قال: ليس في هذا الباب أصحُّ من حديث شداد وثوبان، قلت: فكيف بما فيهما من الاختلاف؟ يعني على أبي قِلابة، قال: كلاهما عندي صحيحٌ، لأنَّ يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابةً عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي قلابةً عن أبي الأشعَث عن شَدّاد، روى الحديثين جميعاً، يعني: فانتَفى الاضطراب، وتَعيَّنَ الجمعُ بذلك. وكذا قال عثمان الدّارمي: صَحَّ حديث ((أفطرَ الحاجم والمحجوم) من طريق ثَوبانَ وشَدّاد، قال: وسمعت أحمد يَذكُرُ ذلك، وقال المروَزي: قلت لأحمد: إنَّ يحيى بن معينٍ قال: ليس فيه شيء يَثْبُت، فقال: هذا مُجازَفَةٌ. وقال ابن خُزيمة: صَحَّ الحديثان جميعاً، وكذا قال ابن حِبَّان والحاكم، وأطنَبَ النَّسائي(١) في تخريج طرق هذا المتن وبيان الاختلاف فيه، فأجاد وأفاد. وقال أحمد: أصحُّ شيء في باب ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)) حديث رافع بن خَديج. (١) في ((سننه الكبرى)) (٣١٣٤) فما بعد. ٣٩٩ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ كتاب الصوم قلت: يريد ما أخرجه هو (١٥٨٢٨) والتِّرمِذي (٧٧٤) والنَّسائي(١) وابن حِبّان (٣٥٣٥) والحاكم (١ /٤٢٨) من طريق مَعمَر عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع، لكن عارضَ أحمد يحيى بنُ معينٍ في هذا فقال: حديث رافع أضعَفُها، وقال البخاري: هو غيرُ محفوظٍ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هو عندي باطلٌ، وقال التِّرمِذي: سألت إسحاق بن منصور عنه، فأبى أن يُحدِّثَني به عن عبد الرزاق وقال: هو غَلَطٌ، قلت: ما عِلَّتُه؟ قال: روى هشامٌ الدَّستوائي عن يحيى بن أبي كثيرٍ بهذا الإسناد حديثَ: ((مَهرُ البَغي خبيثٌ))، وروى عن يحيى عن أبي قِلابةَ أنَّ أبا أسماء حدَّثَه أنَّ ثَوبانَ أخبره به، فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنَّه دخل لمعمَرِ حديثٌ في حديثٍ، والله أعلم. وقال الشافعي في ((اختلاف الحديث))(٢) بعد أن أخرج حديث شَدّاد ولفظُه: كنّا مع رسول الله ﴿ ﴿ في زمان الفتح، فرأى رجلاً يَحَتَجِمُ لثمان عشرة خَلَت من رمضان، فقال وهو آخِذٌ بيدي: ((أفطرَ الحاجم والمحجوم))، ثمَّ ساق حديث ابن عبَّاس أنَّه وَِّ احْتَجَمَ وهو صائم، قال: وحديث ابن عبّاس أمثلُهما إسناداً، فإن توقّى أحد الحجامة كان أحبَّ إليَّ احتياطاً، والقياس مع حديث ابن عبّاس، والذي أحفَظُ عن الصحابة والتابعين وعامّة أهل العلم أنَّه لا يُفطِر أحد بالحِجامة. قلت: وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في إيراد البخاري لحديث ابن عبَّاس (١٩٣٨) عَقِبَ حديث: ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)). وحكى التِّرمِذي عن الَّعفَراني: أنَّ الشافعي عَلَّقَ القول بأنَّ الِحِجامة تُفطِّر على صِحّة الحديث، قال التِّرمِذي: كان الشافعي يقول ذلك ببغداد، وأمَّا بمِصرَ فمالَ إلى الرُّخصة، والله أعلم. وأوَّلَ بعضُهم حديثَ: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجوم)) أنَّ المراد به أنَّهَما سَيُفطِران، كقوله تعالى: ﴿إِنِّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] أي: ما يَؤولُ إليه، ولا يخفى تكلُّفُ هذا (١) لم نجده في ((سننه)) ولا عزاه المزي له، والله أعلم. (٢) ((اختلاف الحديث)) ص١٩٧. ٤٠٠ باب ٣٢ / ح ١٩٣٨ - ١٩٤٠ فتح الباري بشرح البخاري التأويل، ويُقرِّبُه ما قال البَغَوي في ((شرح السُّنّة)) (٣٠٤/٦) معنى قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم)): أي: تَعَرَّضا للإفطار، أمَّ الحاجم فلأنَّه لا يأمن وصولَ شيء من الدَّم إلى جوفِه عند المصّ، وأمَّا المحجوم فلأنَّه لا يأمن من ضعف قوَّته بخروج الدَّم فيَؤولُ أمرُه إلى أن يُفطِرِ، وقيل: معنى أفطرا: فعلا مكروهاً وهو الحجامة فصارا كأنَّهما غير مُتَلَبِّسين بالعبادة. وسأذكر بقية كلامهم في الحديث الذي يليه. قوله: ((أنَّ النبي ◌َِّ احْتَجَمَ وهو مُحرِمٍ واحتَجَمَ وهو صائم)) هكذا أخرجه من طريق وهیب عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، وتابعه عبد الوارث عن أيوب موصولاً كما سيأتي في الطِّبّ (٥٦٩٤)، ورواه ابن عُليَّة ومَعمَر عن أيوب عن عِكْرمة مُرسلاً، واختُلِفَ على حمّاد ابن زيد في وصلِه وإرساله، وقد بيَّن ذلك النَّسائي(١)، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن هذا ١٧٨/٤ الحديث، فقال: / ليس فيه ((صائم)) إنَّما هو: ((وهو مُرِم))، ثمَّ ساقه من طرق عن ابن عبّاس لكن ليس فيها طريق أيوب هذه، والحديث صحيح لا مِريةً فيه. قال ابن عبد البَرِّ(٢) وغيره: فيه دليل على أنَّ حديث: ((أفطرَ الحاجم والمحجوم)) منسوخ لأنه جاء في بعض طرقه أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، وسَبَقَ إلى ذلك الشافعي، واعتَرَضَ ابن خُزَيمة بأنَّ في هذا الحديث أنَّه كان صائماً مُحرِماً، قال: ولم يكن قطُّ مُحرِماً مُقيماً ببَلَدِهِ، إِنَّا كان محرماً وهو مسافرٌ، والمسافر إن كان ناوياً للصوم فمضى عليه بعض النَّهار وهو صائم أُبِيحَ له الأكل والشُّرب على الصحيح، فإذا جازَ له ذلك جازَ له أن يَحِتَجِمَ وهو مسافرٌ، قال: فليس في خبر ابن عبّاس ما يدلُّ على إفطار المحجوم فضلاً عن الحاجمِ. انتهى. وتُعُقِّبَ بأنَّ الحديثَ ما وَرَدَ هكذا إلَّا لفائدةٍ، فالظاهرُ أنَّه وُجِدَت منه الحِجامة وهو صائم لم يَتحلَّل من صومه واستَمرَّ. وقال ابن خُزيمة أيضاً: جاء بعضُهم بأُعجوبةٍ فَزَعَمَ أنَّه ◌َلّهِ إِنَّما قال: ((أفطرَ الحاجم (١) انظر ((السنن الكبرى)) (٣٢٠٢ -٣٢١٠). (٢) انظر ((الاستذكار)) ٣٢٤/٣.