النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
باب ٢٧ / ح ١٩٣٤
كتاب الصوم
عن عبد الرحمن هذا يزيدُ بنُ زُرَيع والدَّرَاوَرْدي وسليمانُ بنُ بلالٍ وغيرُ واحدٍ، وخالَفَهم
حَمَّدُ ابنُ سَلَمة، فرواه عن عبد الرحمن بن أبي عَتيقِ، عن أبيه، عن أبي بكرِ الصِّدِّيق،
أخرجه أبو يعلى (١٠٩) والسََّّاجُ في ((مُسنَدَيهما)) عن عبد الأعلى بن حَّادٍ، عن حَمَّاد بن
سَلَمة. قال أبو يعلى في روايته: قال عبد الأعلى: هذا خطأً إنَّما هو عن عائشةَ.
قوله: ((وقال عطاء وقَتَادةُ: يَبْتَلِعُ ريقَه)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلِي: يَبْلَع، بغير مُثنَّاةٍ،
وللحَقُّوِي: يَتَبَّعُ، بتقديم المثنَّة بعدها موخَّدةٌ ثمَّ مُشَدَّدةٌ. فأمَّا قولُ عطاءٍ، فَوَصَله سعيد
ابن منصور، وسيأتي في الباب الذي بعدَه، وأمَّا أثرُ قَتَادَةَ، فَوَصَله عبدُ بنُ حميدٍ في
((التفسير)) عن عبد الرزاق عن مَعمَرِ عنه نحوَه، ومُناسَبَتُه للترجمة من جهة أنَّ أقصى ما
يُخشى من السِّواك الرَّطب أن يَتحلَّل منه في الفَم شيءٌ، وذلك الشيءُ كماءِ المضمَضة، فإذا
قَذَفَه من فيه لا يَضُرُّه بعد ذلك أن يَبْتَلِعَ ريقَه.
قوله: ((وقال أبو هريرة عن النبي ◌َّه: لولا أن أشُقَّ على أُمَّتي لَأمَرتُهم بالسّواكِ عند كلِّ
وُضوءٍ» وَصَله النَّسائي (ك٣٠٣١) من طريق بشر بن عمرَ عن مالكِ عن ابن شهابٍ عن
حميدٍ عن أبي هريرة بهذا اللَّفظ، ووقع لنا بعُلوٍّ في ((جزءِ الذُّهلي))، وأخرجه ابن خُزيمة
(١٤٠) من طريق روح بن عُبادةَ عن مالك بلفظ: ((لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وُضوء))
والحديث في ((الصحيحين))(١) بغير هذا اللَّفظ من غير هذا الوجه.
وقد أخرجه النَّسائي أيضاً (ك٣٠٢٠) من طريق عبد الرحمن السَّاج عن سعيد المقبري
عن أبي هريرة بلفظ: ((لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي لَفَرَضتُ عليهم السِّواكَ مع كلٍّ وُضوءٍ».
قوله: ((ويُروى نحوُه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي ◌َِّ)) أمَّا حديث جابر فوَصَله أبو
نُعيم في كتاب ((السِّواك)) من طريق عبد الله بن محمد بن عَقيل عنه، بلفظ: ((مع كلِّ صلاةٍ
سواكٌ))، وعبد الله مُخْتَلَفٌ فيه، ووَصَله ابن عَدي (٥٦١/٢) من وجهٍ آخرَ عن جابر بلفظ:
((لَجَعَلتُ السِّواك عليهم عزيمةً))، وإسناده ضعيفٌ.
(١) البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).

٣٦٢
باب ٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا حديث زيد بن خالد فوَصَله أصحاب ((السُّنن))(١) وأحمد (١٧٠٣٢) من طريق
محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سَلَمة عنه بلفظ: ((عند كلِّ صلاةٍ)،
وحكى الثِّرمِذي عن البخاري أنَّه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن أبي
هريرة، ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة عن زيد بن خالد، فقال: رواية محمد بن
إبراهيم أصحّ، قال التِّرمِذي: كِلا الحديثين صحيحٌ عندي.
قلت: رَجَحَ عند البخاري طريقُ محمد بن إبراهيم لأمرين:
أحدهما: أنَّ فيه قصَّةً، وهي قول أبي سَلَمة: فكان زيد بن خالد يَضعُ السِّواكَ منه
موضع القَلَم من أُذُنِ الكاتب، فكلّما قامَ إلى الصلاة استاك.
ثانيهما: أنَّه توبعَ، فأخرج الإمام أحمد (١٧٠٤٨) من طريق يحيى بن أبي كثير حدَّثنا أبو
سَلَمة عن زيد بن خالدٍ، فذكر نحوَه.
تنبيه: وقع في رواية غير أبي ذرِّ في سياق هذه الآثار والأحاديث تقديمٌ وتأخيرٌ، والخطبُ
فیه یسیرٌ.
ثُمَّ أوردَ المصنِّف في الباب حديثَ عثمانَ في صفة الوضوء، وقد تقدَّم الكلام عليه
مُستوقَى في كتاب الوُضوء (١٥٩) وفي أوائل الصلاة، وذكرت ما يَتعلّق بمُناسَبَته للترجمة
قبل.
٢٨ - باب قول النبيّ وَّ: ((إذا توضّأ فليستنشقْ بمَنخِرِه الماءَ))
ولم يُميِّز بينَ الصائمِ وغيرِهِ
وقال الحسنُ: لا بأسَ بالسَّعوط للصائمِ إن لم يَصِل إلى حلقه ویکتَحِل.
وقال عطاءٌ: إن تَضمَضَ ثمَّ أفرَغَ ما في فِيه من الماءِ، لا يضُرُّه إن لم يَزْدَرِد رِيقَه، وماذا بَقِيَ ١٠٠
فِي فِيه؟ ولا يَمَضَغُ العِلكَ، فإنِ ازْدَرَدَ رِيقَ العِلكِ، لا أقولُ: إنَّه يُفطِرُ، ولكن يُنهَى عنه، فإنِ
استَثَرَ فدخل الماءُ حلقَه لا بأسَ، لم يَملِكْ.
(١) أبو داود (٤٧)، والترمذي (٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٠٢٩).

٣٦٣
باب ٢٨
كتاب الصوم
١٦٠/٤
قوله: ((باب قول النبي ◌َّه: إذا تَوضَّأ فليَستَشِق بمَنخِرِه الماءَ)) هذا الحديث بهذا اللَّفظ من
الأُصول التي لم يوصِلها البخاري، وقد أخرجه مسلمٌ (٢١/٢٣٧) من طريق همَّام، عن أبي
هريرة، ورُوّيناه في ((مصنَّف)) عبد الرزاق وفي ((نسخة)) همَّام من طريق الطبراني، عن إسحاق
عنه، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّام ولفظُه: ((إذا توَضَّأ أحدُكم فليَستَنشِق بمَنخِرِه من الماء، ثمَّ ليستَنِ)).
وقول المصنِّف: ((ولم يُميِّز الصائمَ من غيره)) قاله تفقُّهاً، وهو كذلك في أصل الاستنشاق،
لكن وَرَدَ تمييز الصائم من غيره في المبالَغة في ذلك، كما رواه أصحاب ((السُّنن)»(١) وصَحَّحَه
ابن خُزَيمة (١٥٠) وغيره من طريق عاصم بن لَقِيط بن صَبِرة عن أبيه، أنَّ النبي ◌َّ قال
له: ((بالغ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائماً»، وكأنَّ المصنِّفَ أشار بإيراد أثر الحسن عَقِبَه إلى
هذا التفصيل.
قوله: ((وقال الحسن: لا بأس بالسَّعوط للصائمِ إن لم يَصِلْ إلى حلقِه)) وَصَله ابن أبي شَيْبة
نحوَه (٢)، وقال الكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يجبُ القضاء على من استَعَطَ، وقال مالك
والشافعي: لا يجبُ إلَّا إن وَصَلَ ذلك(٣) إلى حلقِه. وقوله: ((ويَكتَحِل)) هو من قول الحسنِ
أيضاً، وقد تقدَّم ذِكرُه قبلَ بابين.
قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، وَصَله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن
جُرَيج: قلت لعطاءٍ: الصائمُ يُمَضِمِضُ ثمَّ يَزدَرِدُ ريقَه وهو صائم؟ قال: لا يَضُرّه، وماذا
(١) أبو داود (١٤٢)، وابن ماجه (٤٠٧)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي في ((المجتبى)) (٨٧).
(٢) كذا قال، والذي في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٤٥ عن أبي أسامة عن هشام عن الحسن: أنه كره للصائم
أن يَسْتَسعِطَ، مع أن الحافظ رحمه الله قد قال عن أثر الحسن هذا في ((تغليق التعليق)) ١٦٨/٣: لم أره في
السعوط، إنما رأيته في المضمضمة كما تقدم (١٥٢/٣). انتهى، قلنا: وعنى بذلك قول الحسن: لا بأس
بالمضمضة والتبرد للصائم. وعزاه لعبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٥٠٥) عن معمر قال: وكان الحسن
يمضمض وهو صائم ثم يمجه وذلك في شدة الحر. ثم أشار الحافظ إلى رواية هشام عن الحسن عند ابن
أبي شيبة السالف الإشارة إليها فقال: وجاء عن الحسن ما يدل على كراهيته ... فذكره.
(٣) وقع في (ع) و(س) بدل ذلك لفظة ((الماء)) وهو خطأ، لا وجه له هنا، وقد جاء بمعناه على الصواب في
(شرح ابن بطال)) ٦٦/٤، و((المدونة)) للإمام مالك.

٣٦٤
باب ٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
بقي في فيه؟! وكذا أخرجه عبد الرزاق (٧٥٠٣) عن ابن جُرَيج، ووقع في أصل البخاري:
((وما بقي في فيه)). قال ابن بَطَّال: ظاهرُه إباحة الازدِراد لمَا بَقيَ في الفَم من ماء
المضمضة، وليس كذلك، لأنَّ عبد الرزاق رواه بلفظ: ((وماذا بقي في فيه)) وكأنَّ ((ذا))
سَقَطَت من رواية البخاري، انتهى.
و((ما)) على ظاهر ما أوردَه البخاري موصولةٌ، وعلى ما وقع من رواية ابن جُرَيج
استفهاميةٌ، وكأنَّه قال: وأيُّ شيء يبقى في فيه بعد أن يَمُجَّ الماءَ إلَّا أثرُ الماءِ؟ فإذا بَلَعَ ريقَه
لا يَضُرّه. وقوله في الأصلِ: ((لا يَضُرُّه)» وقع في رواية المُستَمْلي: ((لا يَضیرُه)) بزيادة تحتانيةٍ
والمعنى واحدٌ.
قوله: ((ولا يَمِضَغُ العِلكَ ... )) إلى آخره، في رواية المُستَمْلي: ((ويَمضُغُ العِلكَ))،
والأوَّل أولى، فكذلك أخرجه عبد الرازق (٧٤٩٨) عن ابن جُرَيجٍ: قلت لعطاءٍ: يَمضَغُ
الصائمُ العِلكَ؟ قال: لا. قلت: إنَّه يَمُجُّ ريقَ العِلكِ ولا يَزْدَرِدُه ولا يَمَضُّه قال: (١) وقلت
له: أيتَسَوَّكُ الصائم؟ قال: نعم. قلت له: أيزدَرِدُ ريقَه؟ قال: لا. قلت: فلو فَعَلَ أيضُرُه؟
قال: لا . ولكن يُنهى عن ذلك.
وقد تقدم الخلاف في المضمَضة في ((باب من أكَلَ ناسيا)(٢).
قال ابن المنذِرِ: أجمعوا على أنَّه لا شيءَ على الصائم فيما يَبتَلِعُه ممّا يجري مع الرِّيقِ مَّا بين
أسنانه ممَّا لا يَقدِرُ على إخراجه، وكان أبو حنيفةً يقول: إذا كان بين أسنانه لحمٌّ، فأكَله
مُتَعمِّداً فلا قضاءَ عليه. وخالَفَه الجمهورُ؛ لأنه معدود من الأكل. ورَخَّصَ في مَضْغَ
العِلك أكثرُ العلماءِ إن كان لا يَتَحلَّبُ منه شيءٌ، فإن تَحَلَّبَ منه شيء فازدَرَدَه، فالجمهور
على أنَّه يُفطِر، انتھی.
والعِلك بكسر المهمَلة وسكون اللّام بعدها كافُ: كلُّ ما يُمضَغُ ويبقى في الفَم
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٧٤٨٧).
(٢) الباب رقم (٢٦).

٣٦٥
باب ٢٩ / ح ١٩٣٥
كتاب الصوم
كالمُصْطَكى(١) واللُّبان، فإن كان يَتَحلَّبُ منه شيءٌ في الفَم، فيدخلُ الجوفَ فهو مُفطِّرٌ،
وإلَّا فهو مُجُفِّفٌ ومُعطٌِّ، فيُكرَه من هذه الحيثية.
٢٩ - باب إذا جامع في رمضان
ويُذكَرُ عن أبي هريرةَ رَفَعَه: «مَن أَفطَرَ يوماً من رمضانَ من غيرِ عُذْرٍ ولا مرضٍ لم يَقْضِه
صيامُ الدَّهرِ وإن صامَه))، وبِهِ قال ابنُ مسعودٍ.
وقال سعيدُ بنُ المسيّب والشَّعِبِيُّ وابنُ جُبَير وإبراهيمُ وقَتَادةُ وحَّادٌ: يَقضي يوماً مكانه.
١٩٣٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنِير، سمع يزيدَ بنَ هارونَ، حدَّثنا يحيى، هو ابنُ سعيدٍ: أنَّ ١٦١/٤
عبد الرحمن بنَ القاسمِ، أخبَرَه عن محمَّد بنِ جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ بنِ العوَّام بنِ خوَيلِدٍ، عن عبَّاد بنِ
عبد الله بنِ الزُّبَير أخبَرَه: أنَّه سمع عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: إنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّه فقال:
إِنَّهِ احْتَرَقَ، قال: ((ما لكَ؟)) قال: أصَبتُ أهلي في رمضانَ، فَأَتِيَ النبيُّ ◌َّهِ بِمِكتَلِ يُدعَى العَرَقَ،
فقال: ((أين المحتَرِقُ؟)) قال: أنا، قال: ((تَصَدَّقْ بهذا)).
[طرفه في: ٦٨٢٢]
قوله: ((باب إذا جامَعَ في رمضان)) أي: عامداً عالماً، وَجَبَت عليه الكفَّارة.
قوله: ((ويُذكَر عن أبي هريرة رَفَعَه: مَن أفطَرَ يوماً من رمضان من غير عُذْر ولا مرض، لم
يَقضِه صيام الدَّهر وإن صامَه)) وَصَلَه أصحاب السُّنن الأربعة(٢) وصَحَّحَه ابن خُزيمة
(١٩٨٧) من طريق سفيان الثَّوري وشُعْبة، كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمارةَ بن
عُمَير، عن أبي المطوّس، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وفي رواية شُعْبة: ((في غير رخصة
رَخَّصَها الله تعالى له، لم يقضِ عنه وإن صام الدَّهر كلَّ)) قال التِّرمِذي: سألت محمداً - يعني
(١) المُصْطَكى: بفتح الميم وضمها، ويمد في الفتح فقط: علك رومي، أبيضه نافع للمعدة والمقعدة والأمعاء
وغير ذلك.
(٢) أبو داود (٢٣٩٦) و(٢٣٩٧)، وابن ماجه (١٦٧٢)، والترمذي (٧٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٢٦٨)
و (٣٢٦٩)، وأحمد (٩٠١٤).

٣٦٦
باب ٢٩ / ح ١٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
البخاري - عن هذا الحديث، فقال: أبو المطوّسِ اسمه يزيد بن المطوّسِ لا أعرفُ له غير
هذا الحديث، وقال البخاري في ((التاريخ)) أيضاً: تفرَّد أبو المطوّسِ بهذا الحديث ولا أدري
سمع أبوه من أبي هريرة أم لا.
قلت: واختُلِفَ فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافاً كثيراً، فحَصَلَت فيه ثلاث عِلَل:
الاضطراب، والجهل بحال أبي المطوّسِ، والشكّ في سماع أبيه من أبي هريرة، وهذه الثالثة
تَخْتَصّ بطريقة البخاري في اشتراط اللِّقاء، وذكر ابن حَزْم من طريق العلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفاً.
قال ابن بَطَّال: أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفَّارة على من أفطرَ بأكلٍ أو شربٍ،
قياساً على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حُرمة الشهر بما يُفسِد الصوم عمداً. وقَّرَ ذلك
الزَّينُ بن المنيِّر بأنَّه ترجم بالجِماع، لأنه الذي وَرَدَ فيه الحديث المسنَد، وإنَّما ذكر آثار
الإفطار ليُفھمَ أنَّ الإفطار بالأكل والجماع واحد، انتھی.
والذي يَظهَر لي أنَّ البخاري أشار بالآثار التي ذكرها إلى أنَّ إيجاب القضاء مُخْتَلَفٌ فيه
بين السَّلَف، وأنَّ الفِطرَ بالجِماع لا بدَّ فيه من الكفَّارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنَّه لا
يَصِحّ لكونِه لم يَجِزِم به عنه، وعلى تقدير صِخَّته فظاهره يُقوِّي قول من ذهب إلى عَدَم
القضاء في الفِطْرِ بالأكل، بل يبقى ذلك في ذِمَّته زيادةً في عقوبته، لأنَّ مشروعية القضاء
تقتضي رفعَ الملام(١)، لكن لا يَلْزَم من عَدَم القضاء عَدَمُ الكفَّارة فيما وَرَدَ فیه الأمر بها وهو
الجِماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر، فلا يَصِحّ القیاسُ المذكور.
قال ابن المنيِرِ في ((الحاشية)) ما مُحُصَّلُه: إنَّ معنى قوله في الحديث: (لم يَقضِ عنه صيامُ
الدَّهر)) أي: لا سبيلَ إلى استدراك كمال فضيلة الأداءِ بالقضاء، أي: في وصفِه الخاصّ، وإن
كان يقضي عنه في وصفِه العامّ، فلا يلزم من ذلك إهدار القضاء بالكلّية. انتهى، ولا يخفى
تكلُّفُه، وسياق أثر ابن مسعودٍ الآتي يردُّ هذا التأويل، وقد سَوّى بينهما البخاري.
(١) في (ع): ((الملامة))، وفي (س): ((الإثم))، والمثبت من (أ).

٣٦٧
باب ٢٩ / ح ١٩٣٥
كتاب الصوم
قوله: ((وبه قال ابن مسعود)) أي: بما دَلَّ عليه حديث أبي هريرة، وأثر ابن مسعود وَصَله
البيهقي (٢٢٨/٤)، ورُوّيناه عالياً في ((جزء هلالِ الحفّار)) من طريق منصور، عن واصل،
عن المغيرة بن عبد الله اليَشكُري قال: حُدِّثت أنَّ عبد الله بن مسعود قال: من أفطرَ يوماً من
رمضان من غير عِلّة لم يُجِزِه صيامُ الدَّهر حتَّى يَلقَى اللهِ، فإن شاءَ غَفَرَ له وإن شاءَ عَذَّبَه.
وَصَله عبد الرزاق (٧٤٧٦) وابن أبي شَيْبة (٣/ ١٠٥ - ١٠٦) من وجه آخر عن واصل عن
١٦٢/٤ المغيرة عن بلال(١) بن الحارث عن ابن مسعود، / ووَصَله الطبراني والبيهقي أيضاً (٢٢٨/٤)
من وجه آخر عن عَرَفَجَةً قال: قال عبد الله بن مسعود: من أفطرَ يوماً في رمضان مُتعمِّداً من
غير عِلّة، ثمَّ قضى طول الدَّهر لم يُقبل منه. وبهذا الإسناد عن عليّ(٢) مثلُه.
وذكر ابن خَزْم(٣) من طريق ابن المبارَكِ بإسناد له فيه انقِطاعٌ، أنَّ أبا بكرِ الصِّدّيقَ قال لعمرَ
ابن الخطّاب فيما أوصاه به: مَن صام شهر رمضان في غيره، لم يُقبل منه ولو صام الدَّهر أجمع.
قوله: ((وقال سعيد بن المسيِّب والشَّعبي وسعيد بن جُبَير وإبراهيم النَّخَعي وقَتَادةُ وحَّدٌ:
يقضي يوماً مكانَه)) أمَّا سعيد بن المسيّب فوَصَله مُسدَّدٌ وغيره عنه في قصَّة المجامع، قال:
يقضي يوماً مکانه ويستَغفِرُ الله. ولم أرَ عنه التصریح بذلك في الفِطْر بالأكل، بل روی ابن
أبي شَيْبة (١٠٥/٣) من طريق عاصم قال: كَتَبَ أبو قِلابةَ إلى سعيد بن المسيّب يَسألُه عن
رجل أفطرَ يوماً من رمضان مُتعمِّداً؟ قال: يصوم شهراً، قلت: فيومين؟ قال: صيام شهر،
قال: فَعَدَدتُ أياماً، قال: صيام شهر(٤). قال ابن عبد البَرِّ: كأنَّه ذهب إلى وجوب التتابُع
(١) وقع في (س) و((تغليق التعليق)) ١٧٢/٣-١٧٣: عن فلان بن الحارث، وهو تحريف، وجاء على
الصواب كما أثبتناه عند ابن أبي شيبة والطبراني في «المعجم الكبير)) (٩٥٧٥)، ولم يسمِّه عبد الرزاق في
روايته، وعنه الطبراني (٩٥٧٤)، وأما ما ذكره الحافظ من أن الطبراني وصله من طريق عرفجة عن ابن
مسعود، فلم يقع لنا من هذا الوجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠٦/٣.
(٣) في ((المحلى)) ٦/ ١٨٣.
(٤) لفظه عند ابن أبي شيبة: أرسل أبو قلابة إلى سعيد بن المسيِّب في رجل يفطر يوماً من رمضان متعمداً،
فقال سعيد: يصوم مكان كل يوم شهراً. والذي ذكره الشارح أخرجه نحوه عبد الرزاق (٧٤٦٩) من
طریق قتادة عن سعید.

٣٦٨
باب ٢٩ / ح ١٩٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
في رمضان، فإذا تَّخْلَّله فِطُرُ يوم عمداً بَطَلَ التتابعُ ووَجَبَ استئنافُ صيام شهر، كمن لَزِمَه
صوم شهر مُتتابعٍ بنَذْر أو غيره. وقال غيرُه: يحتمل أنَّه أراد: عن كلّ يوم شهرٌ، فقوله:
((فيومين، قال: صيامُ شهر)) أي: عن كلّ يوم، والأوَّل أظهرُ. وروى البَزَّار والدّار قُطني
(٢٣١٠) مُقتَضى هذا الاحتمال مرفوعاً عن أنس، وإسناده ضعيف.
وأمَّا الشَّعبي، فقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَیم، حدّثنا إسماعيلُ بن أبي خالد، عن
الشَّعبي في رجل أفطرَ يوماً في رمضان عامداً، قال: يصوم يوماً مكانه ويَستَغْفِر الله عزَّ وجلَّ.
وأمَّا سعيد بن جُبَير فَوَصَله ابن أبي شَيْبة (١٠٥/٣) من طريق يعلى بن حَکیم عنه،
فذكر مثله.
وأمَّا إبراهيم النَّخَعي، فقال سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم، وقال ابن أبي شَيْبة (٣/
١٠٥): حدَّثنا شريك، كلاهما عن مغيرة، عن إبراهيم، فذكر مثله.
وأمَّا قَتَادةُ فذكره عبد الرزاق(١) عن مَعمَرٍ عن الحسن وقَتَادةَ في قصَّة المجامع في رمضان.
وأمَّا حَمَّاد، وهو ابن أبي سليمانَ، فذكره عبد الرزاق عن أبي حنيفةً عنه(٢).
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، وفي إسناده هذا أربعة من التابعين في
نَسَقِ، كلُّهم من أهل المدينة: يحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيران من طبقةٍ واحدةٍ، وفوقَهما
قليلاً محمدُ بن جعفر، وأمَّ ابن عمِّه عبَّادٌ فمِن أواسط التابعينَ.
قوله: «إنَّ رجلاً)) قيل: هو سَلَمُ بنُ صَخرِ البياضي، ولا يَصِحُّ ذلك كما سيأتي.
قوله: ((إِنَّه احترَقَ)) سيأتي في حديث أبي هريرة أنَّه عَبَّرَ بقوله: ((هَلَكتُ))، وروايةٌ
الاحتراق تُفسِّر رواية الهلاك، وكأنَّه لمَّ اعتَقَدَ أنَّ مُرتكِبَ الإثم يُعَذَّبُ بالنار، أطلقَ على
نفسه أنَّه احتَرَقَ لذلك، وقد أثبَتَ النبي ◌َِّ هذا الوَصف فقال: ((أين المحتَرِق؟)) إشارةً
إلى أنَّه لو أصَرَّ على ذلك لاستَحقَّ ذلك، وفيه دلالةٌ على أنَّه كان عامداً كما سيأتي.
(١) برقم (٧٤٦٣)، ولم يذكر لفظه، وإنما قال: ثم ذكر نحو حديث الزهري. قلنا: وحديث الزهري أخرجه
عبد الرزاق (٧٤٥٧) من حديث أبي هريرة في قصة المجامع في رمضان، وليس فيه ما يشهد لهذا الأثر.
(٢) بإثر (٧٤٧١)، لكن فيه عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم - وهو النخعي - كما في المطبوع.

٣٦٩
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
قوله: ((تَصَدَّق بهذا)) هكذا وقع مُختصَراً، وأوردَه مسلمٌ (٨٧/١١١٢) وأبو داود
(٢٣٩٤) من طريق عَمْرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم وفيه: قال: أصَبت أهلي،
قال: ((تَصَدَّق))، قال: والله ما لي شيءٌ، قال: ((اجلِس))، فجَلَس، فأقبلَ رجلٌ يَسوق حماراً
عليه طعام، فقال: ((أين المحتَرِقُ آنِفاً؟)) فقامَ الرجل، فقال: ((تَصَدَّق بهذا)). فقال: أعلى
غيرنا؟ فوالله إنّا لَجَياٌ. قال: «كُلوه)).
وقد استدلَّ به لمالكٍ حيثُ جَزَمَ في كفَّارة الجِماع في رمضان بالإطعام دون غيره من
الصيام والعِتق، ولا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ القصَّةَ واحدةٌ وقد حَفِظَها أبو هريرة وقَصَّها على
وجهها، وأوردَتها عائشةُ مُختصَرةً، أشار إلى هذا الجواب الطَّحاوي، والظاهر أنَّ الاختصار
من بعض الرُّواة، فقد رواه عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر بن الزّبَير بهذا
الإسناد مُفسَراً، ولفظه: كان النبي ◌َِّ جالساً في ظِلَّ فارع - يعني: بالفاء والمهمَلة - فجاءه
رجل من بني بياضةً فقال: احتَرَقت، وقَعت بامرأتي في رمضان، قال: ((أعتِق رقبة))، قال:
لا أجِدُها، قال: ((أطعِم ستّين مِسكَينا))، قال: ليس عندي ... فذكر الحديث، أخرجه أبو
داود (٢٣٩٥) ولم يَسُق لفظَه، وساقه ابن خُزَيمة في/ ((صحيحه)) (١٩٤٧) والبخاري في ١٦٣/٤
((تاريخه)) (٥٤/١ _ ٥٥) ومن طريقه البيهقي (٢٢٣/٤)، ولم يقع في هذه الرواية أيضاً ذِكرُ
صيام شهرين، ومن حَفِظَ حُجّةٌ على من لم يَحِفَظ.
تنبيه: اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور ما تقدَّم، وعنه: يُكفَّرُ في الأكل
بالتخيير، وفي الجِماع بالإطعام فقط، وعنه: التخيير مُطلَقاً، وقيل: يُراعى زمانُ الخَصبِ
والجَدب، وقيل: يُعتَبرُ حالةُ المكفِّر، وقيل غيرُ ذلك.
٣٠ - بابٌ إذا جامَعَ في رمضان ولم یکن له شيءٌ فتُصُدِّق علیه فليُكفِّر
١٩٣٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني مُميدُ بنُ
عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: بينما نحن جلوسُ عندَ النبيِّ وَلاَل إذ جاءه رجلٌ، فقال: يا
رسولَ الله، هَلَكتُ! قال: ((ما لكَ؟)) قال: وقَعتُ على امرأتي وأنا صائمٌ، فقال رسولُ الله وَلّ.
((هل تَجِدُ رقبةً تُعِقُها؟)) قال: لا، قال: ((فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرَينِ مُتتابعينٍ؟)) قال: لا،

٣٧٠
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: ((فهل تَجِدُ إطعامَ سِتِّين مِسكيناً؟)) قال: لا، قال: فَمَكَثَ النبيُّ وَلَّهِ، فَبَيْنا نحن على ذلك
أَتِيَّ النبيُّ ◌َّهِ بِعَرَقِ فيها تَمَرِّ - والعَرَقُ: المِكِتَلُ - قال: ((أين السائل؟)) فقال: أنا، قال: ((خُذْ هذا
فَتَصَدَّق به)) فقال الرجلُ: أعلى أفقَرَ منّي يا رسولَ الله؟ فوالله ما بينَ لابَتَيَها - يريدُ الحَرَّقَينِ -
أهلُ بيتٍ أفقَرُ من أهلِ بيتي، فَضَحِكَ النبيُّ ◌َلِّ حَتَّى بَدَت أنيابُه، ثمّ قال: ((أطعِمه أهلَكَ)).
[أطرافه في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١]
قوله: ((باب إذا جامَعَ في رمضان)) أي: عامداً عالماً ((ولم يكن له شيءٌ)) أي: يُعتِقُ أو
يُطعِم، ولا يستطيع الصيام ((فتُصُدِّقَ عليه)) أي: بقدر ما يَجزيه «فليُكفِّر)) أي: به لأنه صار
واجداً، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الإعسار لا يُسقِطُ الكفَّارةَ عن الذِّمّة.
قوله: ((أخبرني مُميدُ بن عبد الرحمن)) أي: ابن عوف، هكذا تواردَ عليه أصحاب
الزُّهْري، وقد جمعت منهم في جزءٍ مُفرَدٍ لطرقِ هذا الحديث أكثرَ من أربعين نفساً، منهم:
ابن عُيَينةَ والليثُ ومَعمَرٌ ومنصور عند الشيخينِ(١)، والأوزاعي (٦١٦٤) وشعيبٌ
(١٩٣٦) وإبراهيمُ بنُ سعدٍ (٥٣٦٨) عند البخاري، ومالك وابن جُرَيج عند مسلم
(٨٣/١١١١ و٨٤)، ويحيى بن سعيد وعِراكُ بن مالك عند النَّسائي (ك٣١٠١، ٣١٠٦)،
وعبد الجبّار بنُ عمرَ عند أبي عَوَانَةَ (٢٨٥٦)، والجَوزَقي، وعبدُ الرحمن بنُ مسافرٍ عند
الطَّحاوي (٦٠/٢)، وعَقيلٌ عند ابن خُزيمة (١٩٤٩)، وابن أبي حفصةً عند أحمد
(١٠٦٨٨)، ويونسُ وحجّاجُ بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضَر عند الدّار قُطني(٢)، ومحمدُ
ابنُ إسحاقَ عند البَزَّار، وسأذكر ما عند كلٌّ منهم من زيادة فائدةٍ إن شاء الله تعالى.
وخالَفَهم هشامُ بن سعد فرواه عن الزّهْري، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أخرجه أبو
داود (٢٣٩٣) وغيره. قال البَزَّارُ (٨٠٧٥) وابن خُزيمة (١٩٥٤) وأبو عَوَانة (٢٨٥٧):
(١) طريق ابن عيينة عند البخاري (٦٧٠٩) و(٦٧١١)، ومسلم (١١١١) (٨١)، وطريق الليث بن سعد
عند البخاري (٦٨٢١)، ومسلم (١١١١) (٨٢)، وطريق معمر عند البخاري (٢٦٠٠) و(٦٧١٠)،
ومسلم (١١١١) (٨٤)، وطريق منصور بن المعتمر عند البخاري (١٩٣٧)، ومسلم (١١١١) (٨١).
(٢) في ((العلل)) ١٠/ ٢٣٧ و ٢٣٨ و٢٤٠.

٣٧١
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
أخطأ فيه هشام بن سعد.
قلت: وقد تابعه عبدُ الوهّاب بن عطاء عن محمد بن أبي حفصة، فرواه عن الزُّهْري
أخرجه الدّار قُطني في ((العلل)) (١٠/ ٢٤١)، والمحفوظُ عن ابن أبي حفصة كالجماعة. كذلك
أخرجه أحمد (١٠٦٨٨) وغيرُه من طريق روح بن عُبادةَ عنه، ويحتمل أن يكونَ الحديثُ
عند الزُّهْري عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضَر، أخرجه الدّار قُطني في ((العلل))
(٢٤٠/١٠) من طريقه، وسيأتي في الباب الذي بعده حكاية خلاف آخر فيه على منصور،
وكذلك في الكفَّارات (٦٧٠٩) حكايةُ خلافٍ فيه على سفيان بن عُيَينةً، إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أنَّ أبا هريرة قال)) في رواية ابن جُرَيج عند مسلم (١١١١/ ٨٤) وعَقيلٍ عند ابن
خُزَيمة (١٩٤٩) وابن أبي أوَيسِ عند الدّار قُطني (٢٣٩٩) التصريحُ بالتحديث بين حميدٍ
وأبي هريرة.
قوله: ((بينما نحن جلوس)) إنما أصلُها ((بين))، وقد تَرِدُ بغير ((ما)) فتُشبَعُ الفتحة، ومن ١٦٤/٤
خاصَّة ((بينما)) أنَّها تُتَلَقّى بإذ وبإذا، حيثُ تَجِيءُ للمُفاجَأة، بخلاف بينا، فلا تُتَلَقّى بواحدةٍ
منهما، وقد وردا في هذا الحدیث کذلك.
قوله: ((عند النبي ◌َّ) فيه حُسنُ الأدب في التعبير لمَا تُشعِرُ العنديةٌ بالتعظيم، بخلاف
ما لو قال: مع، لكن في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مع النبي ◌ِّ)).
قوله: ((إذ جاءه رجل)) لم أقف على تسميته، إلّا أنَّ عبد الغني في ((المبهَمات)) وتَبِعَه ابن
بَشكُوالٍ، جَزَما بأنَّه سلمان أو سَلَمة بن صَخْرِ البَيَاضي، واستَنَدا إلى ما أخرجه ابن أبي
شَيْبةٍ(١) وغيره من طريق سليمانَ بن يَسارٍ عن سَلَمة بن صَخْر: أنَّه ظاهَرَ من امرأته في
رمضان، وأنَّه وَطِئَها، فقال له النبي ◌َّ: ((حَرِّر رقبةً)) قلت: ما أملكُ رقبةً غيرها، وضَرَبَ
صَفْحَةَ رَقَبَته، قال: ((فصُم شهرَينِ مُتتابعين)) قال: وهل أصَبتُ الذي أصَبتُ إلَّا من
الصيام؟ قال: ((فأطعِم ستّين مِسكيناً)) قال: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما لنا طعام، قال: ((فانطَلِقٍ
(١) في ((مسنده)) (٦٢٧)، وعنه ابن ماجه (٢٠٦٢)، وانظر تتمة تخريجه فيه.

٣٧٢
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
إلى صاحبٍ صَدَقة بني زُرَيْقِ فَلَيَدِفَعْها إليك)). والظاهر أنَّهما واقعتان، فإنَّ في قصَّة المجامع
في حديث الباب، أنَّه كان صائماً كما سيأتي، وفي قصَّة سَلَمة بن صَخر أنَّ ذلك كان ليلاً،
فافتَرَقا، ولا يَلزَمُ من اجتماعهما - في كونهما من بني بَيَاضةً، وفي صفة الكفَّارة، و کونها
مُرتَبَةً، وفي كونٍ كلٍّ منهما كان لا يَقدِر على شيء من خِصالها - اتََّادُ القِصَّتَين، وسنذكر
أيضاً ما يُؤيِّد المغايرةَ بينهما.
وأخرج ابن عبد البَرِّ في ترجمة عطاءِ الخُراساني من ((التمهيد)) (١٢/٢١) من طريق
سعيد بن بشير، عن قَتَادةَ عن سعيد بن المسيّب: أنَّ الرجلَ الذي وقع على امرأته في
رمضان في عهد النبي ◌َّ﴿ هو سلمانُ بن صَخْر. قال ابن عبد البَرِّ: أظنُّ هذا وهماً، لأنَّ
المحفوظَ أنَّه ظاهَرَ من امرأته ووقع عليها في الليل، لا أنَّ ذلك كان منه بالنّهار، انتهى.
ويحتمل أن يكونَ قوله في الرواية المذكورة: «وقع على امرأته في رمضان» أي: ليلاً بعد
أن ظاهَرَ فلا يكون وهماً، ولا يَلزَم الاتّحاد. ووقع في مباحث العامِّ من ((شرح ابن
الحاجب)) ما يوهم أنَّ هذا الرجلَ هو أبو بُردةَ بن نِيَار، وهو وهمٌ يَظهَر مِن تأمُّل بقيةٍ
کلامه(١).
قوله: ((فقال: يا رسول الله)) زاد عبد الجبّار بن عمر عن الزُّهْري: جاء رجل وهو يَنْتِف
شعره ويَدُقُّ صَدرَه ويقول: هَلَكَ الأَبعَد. ولمحمد بن أبي حفصةَ: يَلطِمُ وجهَه. وحجّاج
ابن أرطاة: يَدعو ويله. وفي مُرسَل ابن المسيّب عند الدّار قُطني(٢): ويحثي على رأسِه
التُرابَ. واستُدلَّ بهذا على جواز هذا الفعل والقول(٣) ممن وَقَعَت له مصيبةٌ(٤)، ويُفرَّق
بذلك بين مُصيبة الدّينِ والدُّنيا، فيجوز في مُصيبة الدّينِ لمَا يُشعِرُ به الحال من شِدّة النَّدَم
وصِحّة الإقلاع، ويحتمل أن تكونَ هذه الواقعةُ قبلَ النَّهي عن لَطْم الحُدود وحلقِ الشَّعر
(١) من قوله: ولا يلزم الاتحاد، إلى هنا ليس في الأصلين، وأثبتناه من (س).
(٢) ((العلل)) ١٠/ ٢٤٢.
(٣) كذا في (س)، ولم ترد لفظة ((والقول)) في الأصلين.
(٤) تحرفت في (أ) و(س) إلى: معصية، والمثبت من (ع) وهو الصواب.

٣٧٣
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
عند المصيبة.
قوله: ((فقال: هَلَكت)) في رواية منصور في الباب الذي يليه (١٩٣٧): فقال: إنَّ الأخِرَ
هَلَكَ، والأَخِرُ بهمزةٍ مفتوحةٍ وخاءٍ مُعجّمةٍ مكسورة بغير مَدِّ: هو الأبعَد، وقيل: الغائب،
وقيل: الأرذَل.
قوله: ((هَلَکتُ)) في حديث عائشة كما تقدَّم (١٩٣٥): احترقت، وفي رواية ابن أبي
حفصة: ما أراني إلَّا قد هَلَكت. واستدلَّ به على أنَّه كان عامداً؛ لأنَّ الهَلاك والاحتراقَ
مجازٌ عن العِصيان المؤدّي إلى ذلك، فكأنَّه جعل المتوقَّعَ كالواقع، وبالَغَ فعَبَّرَ عنه بلفظ
الماضي، وإذا تقرَّرَ ذلك فليس فيه حُجّةٌ على وجوب الكفَّارة على الناسي، وهو مشهور
قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية: يجب على الناسي، وتمسّكوا بتَركِ
استفساره عن جماعه هل كان عن عَمْد أو نِسيان، وتَركُ الاستفصال في الفعل يُنْزَلُ منزلةَ
العموم في القول كما اشتُهِر، والجواب أنَّه قد تَبيَّن حالُه بقوله: هَلَكت واحتَرَقت، فدَلَّ
على أنَّه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النِّسيان في الجِماع في نهار رمضان في
غاية البُعد.
واستدلَّ بهذا على أنَّ من ارتكَبَ معصيةً لا حدَّ فيها، وجاء مُستفتياً، أنَّه لا يُعَزَّر، لأنَّ
النبي ◌َّه لم يُعاقبه مع اعترافه بالمعصية، وقد ترجم لذلك البخاري في الحُدود وأشار إلى
هذه القصَّة (٦٨٢١)، وتوجيهه أنَّ مَجَيئَه مُستفتياً / يقتضى النَّدَمَ والتوبة، والتعزيرُ إنّما ١٦٥/٤
جُعِلَ للاستصلاح، ولا استصلاح من الصلاح، وأيضاً فلو عوقِبَ المستفتي لكان سبباً
لتَركِ الاستفتاء، وهي مَفسَدٌ فاقتضى ذلك أن لا يُعاقَب، هكذا قَرَّرَه الشيخُ تَقي الدّين،
لكن وقع في ((شرح السُّنّة)) للبَغَوىّ (٢٨٤/٦) أنَّ مَن جامع مُتعمِّداً في رمضان فَسَدَ
صومُه وعليه القضاء والكفَّارة، ويُعَزَّرُ على سوء صنيعه. وهو محمولٌ على من لم يقع منه
ما وقع من صاحبٍ هذه القصَّة من النَّدَم والتوبة، وبناه بعض المالكية على الخلاف في
تعزیر شاهد الزّور.
قوله: ((قال: ما لَكَ؟)) بفتح اللّام استفهامٌ عن حاله، وفي رواية عَقيلِ: ((ويحَك ما

٣٧٤
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
شأنُك؟))، ولابن أبي حفصة: ((وما الذي أهلَكَك؟))، ولمَعمَرٍ (١): ((وما ذاكَ؟))، وفي رواية
الأوزاعي: ((وَيَحَك ما صَنَعت؟)) أخرجه المصنِّفُ في الأدبِ (٦١٦٤) وترجم: ((باب ما
جاء في قول الرجلِ: ويلَك)) ثمَّ قال عَقِبَه: تابعه يونس عن الزُّهْري - يعني: في قوله:
((وَيَحَك)) - وقال عبد الرحمن بن خالد عن الُّهْري: ((ويلَك)). قلت: وسأذكر من وَصَلهما
هناك إن شاء الله تعالى.
وقد تابع ابنَ خالدٍ في قوله ((ويلَك)): صالحُ بن أبي الأخضر، وتابع الأوزاعي في قوله
((ويحَك)): عَقيلٌ وابن إسحاق وحجّاج بن أرطاة، فهو أرجحُ وهو اللائق بالمقام، فإِنَّ ویحَ
كلمةُ رحمةٍ، ووَيل كلمة عذاب، والمقام يقتضي الأوَّلَ.
قوله: ((وقَعتُ على امرأتي)) وفي رواية ابن إسحاقَ: ((أصَبتُ أهلي)) وفي حديث عائشةً:
((وطِئت امرأتي))(٢) ووقع في رواية مالك وابن جُرَيج وغيرهما كما سيأتي بيانُه بعد قليل في
الكلام على الترتيب والتخيير في أوَّل الحديث: أنَّ رجلاً أفطرَ في رمضان، فأمره النبي ◌َّ،
الحدیثَ.
واستدلَّ به على إيجاب الكفَّارة على من أفسَدَ صيامه مُطلَقاً بأيِّ شيء كان، وهو قول
المالكية، وقد تقدَّم نقلُ الخلاف فيه، والجمهور حملوا قوله: ((أفطرَ)) هنا على المقيَّد في
الرواية الأُخرى، وهو قوله: وقعت على أهلي، وكأنَّه قال: أفطرَ بجِماعٍ، وهو أولى من
دعوى القُرطُبي وغيره تعدُّدَ القصّة. واحتَجَّ من أوجَبَ الكفَّارة مُطلَقاً بقياس الآكِل على
المجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حُرمة الصوم، وبأنَّ من أُكرهَ على الأكل فسَدَ صومه،
كما يَفسُدُ صوم من أُكرهَ على الجِماعِ بجامع ما بينهما، وسيأتي بيان الترجيح بين الروايتينِ في
الكلام على الترتيب.
وقد وقع في حديث عائشة نظيرُ ما وقع في حديث أبي هريرة، فمُعظَم الروايات فيها:
(١) لفظة ((ولمعمر)) سقطت من الأصلين، وتحرفت في (س) إلى: ولعمروٍ، والصواب ما أثبتناه، ورواية معمر
ستأتي عند البخاري كما سلف تخريجها في أول هذا الباب.
(٢) حديث عائشة تقدم عند المصنف برقم (١٩٣٥) بلفظ: أصبت أهلي في رمضان.

٣٧٥
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
وَطِئت، ونحو ذلك، وفي رواية ساق مسلم (٨٦/١١١٢) إسنادها، وساق أبو عَوَانة في
((مُستخرَجِه)) (٢٨٦٠) متنها أنَّه قال: أفطرت في رمضان، والقصَّة واحدةٌ وَرَجُها مُتَّحِدٌ،
فيُحمَلُ على أنَّه أراد: أفطَرتُ في رمضان بجِماعٍ، وقد وقع في مُرسَل ابن المسيّب عند سعيد
ابن منصور: أصَبتُ امرأتي ظُهراً في رمضان، وتعيينُ رمضان معمولٌ بمفهومِهِ، وللفَرقِ(١)
في وجوب کفّارة المجامع في الصوم بین رمضان وغيره من الواجبات کالنَّذر، وفي کلام أبي
عَوَانة في «صحيحه» إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهاراً سواء كان
الصوم واجباً عليه أو غيرَ واجب.
قوله: ((وأنا صائم)) جملة حالية من قوله: ((وقَعتُ))، فيُؤخَذ منه أنَّه لا يُشتَرَطُ في إطلاق
اسم المشتَقِّ بقاء المعنى المشتَقِّ منه حقيقةً؛ لاستحالة كونِه صائماً مُجامعاً في حالةٍ واحدةٍ،
فعلى هذا قوله: وطِئت، أي: شَرَعت في الوَطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائم، ووقع
في رواية عبد الجبّار بن عمر: وقعت على أهلي اليوم وذلك في رمضان.
قوله: ((هل تَجِدُ رقبة تُعتِقُها)» في رواية منصور: «أجِدُ ما تُحرِّرُ رقبةً)، وفي رواية ابن أبي
حفصة: ((أتستطيعُ أن تُعِقَ رقبةً))، وفي رواية إبراهيمَ بن سعد والأوزاعي: فقال: ((أعتِق
رقبة)) زاد في رواية مجاهدٍ عن أبي هريرة: فقال: ((بئسما صَنَعت أعتِق رقبة))(٢).
قوله: ((قال: لا)) في رواية ابن مسافر: فقال: لا والله يا رسولَ الله، وفي رواية ابن
إسحاق: ليس عندي، وفي حديث ابن عمر(٣): فقال: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما مَلَكت
رقبةً قطّ.
واستُدلَّ بإطلاق الرَّقَبة على جواز إخراج الرَّقَبة الكافرة كقول الحنفيّة، وهو ينبني على
(١) في الأصلين: ((فلا فرق))، والمثبت من (س) وهو الصواب، فجمهور أهل العلم فرقوا بين المجامع في
نهار رمضان وبين غيره من صيام الواجبات كالقضاء والنذر ونحوهما، فلم يوجبوا الكفارة إلا على
المجامع في رمضان. انظر ((المجموع)) ٣٤٥/٦، و((المغني)) ٣٧٨/٤.
(٢) أخرجه الدار قطني في ((العلل)) ١٠/ ٢٤٧، وهو في ((سننه)) (٢٣٠٦) و(٢٣٠٧) مختصر.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٧٢٥) وغيره.

٣٧٦
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٦٦/٤ أنَّ السبب إذا اختلف/ واَحَدَ الحكمُ هل يُقيَّدُ المطلَقُ أو لا؟ وهل تقييدُه بالقياس أو لا؟
والأقرب أنَّه بالقياس، ويُؤيِّده التقييدُ في مواضعَ أُخرى.
قوله: ((قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرَينِ مُتتابِعينٍ؟ قال: لا)) وفي رواية إبراهيم بن
سعد: قال: ((فصُم شهرَينِ مُتتابعين))، وفي حديث سعد: قال: لا أقدر،(١) وفي رواية ابن
إسحاق: وهل لَقيتُ ما لَقيتُ إلَّا من الصيام؟ قال ابن دَقِيق العيد: لا إشكال في الانتقال
عن الصوم إلى الإطعام، لكنَّ رواية ابن إسحاق هذه اقتضَت أنَّ عَدَم استطاعته لشِدّة
شَبَقِه، وعَدَم صَبره عن الوِقاع، فتَشَأ للشافعية نظرٌ: هل يكون ذلك عذراً - أي: شِدّة
الشَّبَقِ - حتَّى يُعَدّ صاحبه غير مُستطيع للصوم أو لا؟ والصحيحُ عندهم اعتبارُ ذلك،
ويلتحق به من يَجِد رقبةً لا غنى به عنها، فإنَّه يُسوّغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها،
الكونِه في حُكم غير الواجد، وأمَّا ما رواه الدّار قُطني(٢) من طريق شريك، عن إبراهيم بن
عامر، عن سعيد بن المسيّب في هذه القصَّة مُرسلاً، أنَّه قال في جواب قوله: ((هل تستطيع
أن تصوم)»: إنِّي لَأَدَعُ الطعام ساعةً فما أُطيقُ ذلك، ففي إسناده مقالٌّ، وعلى تقدير صِحَّته
فلعلَّه اعتَلَّ بالأمرَين.
قوله: «فهل تَجِد إطعام ستين مِسکیناً؟ قال: لا)) زاد ابن مسافر: يا رسولَ الله. ووقع في
رواية سفيان: ((فهل تستطيع إطعام؟))، وفي رواية إبراهيم بن سعد وعِراك بن مالك:
((فتُطعِم ستّين مِسكيناً؟)) قال: لا أجِد، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((أفتستطيعُ أن تُطعِمَ
ستّين مِسكيناً؟» قال: لا، وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما
أُشبعُ أهلي.
قال ابن دَقِيق العيد: أضافَ الإطعام الذي هو مصدر أطعمَ إلى ستّين، فلا يكون ذلك
موجوداً في حقّ من أطعمَ ستّة مساكين عشرة أيام مثلاً، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنْبَطَ من
(١) أخرجه البزار (١١٠٧)، وهو عند الدار قطني (٢٣٩٦) باختصار.
(٢) في ((العلل)) ٢٤٤/٢.

٣٧٧
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
النصّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاءُ حتَّى لو أطعَمَ الجميع
مسكيناً واحداً في ستّين يوماً كَفى، والمراد بالإطعام الإعطاء، لا اشتراط حقيقة الإطعام
من وضع المطعوم في الفَم، بل يكفي الوَضع بين يَدَيه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما
يدلّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مُناوَلة، بخلاف زكاة الفرض، فإنَّ فيها
النصَّ على الإيتاء، وصَدَقة الفِطْر فإنَّ فيها النصَّ على الأداء، وفي ذِكر الإطعام ما يدلّ على
وجود طاعمِين، فيَخرُجُ الطّفل الذي لم يَطعَم كقول الحنفيَّة، ونَظَرَ الشافعيةُ إلى النَّوع،
فقال: يُسَلَّمُ لوليه.
وذِكرُ السِّين يُفهِمُ أنَّه لا يجبُ ما زاد عليها، ومن لم يَقُل بالمفهوم تمسَّكَ بالإجماع على
ذلك.
وذُكِرَ في حِكمة هذه الخِصال من المناسَبة أنَّ من انتَهَكَ حُرمةَ الصوم بالجِماع فقد
أهلَكَ نفسَه بالمعصية، فناسَبَ أن يُعِقَ رقبةً، فيَقدي نفسَه، وقد صَحَّ أنَّ من أعتَقَ رقبة
أعتَقَ الله بكلِّ عُضو منها عُضواً منه من النار(١).
وأمَّا الصيام فمُناسَبَتُه ظاهرةٌ؛ لأنه كالمقاصّة بجنسِ الجِناية، وأمَّا كونُه شهرَينٍ؛ فلأنَّه
لمَّا أُمِرَ بِمُصابَرة النَّفْس في حِفظِ كلّ يوم من شهر رمضان على الولاء، فلمَّا أَفسَدَ منه يوماً
كان كمن أفسَدَ الشهر كلّه من حيثُ إنَّه عبادةٌ واحدةٌ بالنَّوع، فكلِّفَ بشهرَينِ مُضاعفةً
على سبيل المقابلة لنقيضٍ قَصده.
وأمَّا الإطعام فمُناسَبَتُه ظاهرةٌ، لأنه مُقابلة كلّ يوم بإطعام مِسكين.
ثمَّ إنَّ هذه الخِصالَ جامعة لاشتمالها على حقّ الله وهو الصوم، وحَقّ الأحرار
بالإطعام، وحقّ الأرقّاءِ بالإعتاق، وحقّ الجاني بثواب الامتثال.
وفيه دليلٌ على إيجاب الكفَّارة بالجماع، خلافاً لمن شَذَّ، فقال: لا تجب، مُستَنِداً إلى أنَّه لو
كان واجباً لمَا سَقَطَ بالإعسار، وتُعُقِّبَ بمنع الإسقاط كما سيأتي البحثُ فيه.
(١) سيأتي برقم (٢٥١٧).

٣٧٨
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم في آخر (باب الصائم يُصبحُ جُنُباً)) (١٩٢٥) نقلُ الخلاف في إيجاب الكفَّارة
بالقُبلة والنَّظَر والمباشَرة والإنعاظ، واختَلَفوا أيضاً هل يُلحَقُ الوَطء في الدُّبُر بالوَطِ في
القُبُل، وهل يُشتَرَطُ في إيجاب الكفَّارة كلّ وطء في أيِّ فرج كان؟
وفيه دليل على جَرَيان الخِصال الثلاث المذكورة في الكفَّارة، ووقع في ((المدَوَّنة)): ولا
يَعرِفُ مالكٌ غيرَ الإطعام، ولا يأخُذ بعِتقٍ ولا صيام، قال ابن دقيق العيد: وهي مُعضِلة لا
١٦٧/٤ يُهتَدَى إلى توجيهها مع مُصادمة الحديث الثابت،/ غيرَ أنَّ بعض المحقّقين من أصحابه حمل
هذا اللَّفظ وتأوَّله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخِصال، ووَجَّهوا
ترجيح الطعام على غيره بأنَّ الله ذكره في القرآن رخصةً للقادر ثمَّ نُسِخَ هذا الحكم، ولا
يَلَم منه نَسعُ الفضيلةِ فِيَتَرجَّحُ الإطعام أيضاً لاختيار الله له في حقّ المفطِرِ بالعُذر، وكذا
جريانُه (١) في حقّ من أخَّرَ قضاء رمضان حتَّى دخل رمضانُ آخر، ولُناسَبة إيجاب الإطعام
لجَبر فوات الصيام الذي هو إمساك عن الطعام، ولشُمول نَفعِه للمساكين. وكلّ هذه
الوجوه لا تُقاوِم ما وَرَدَ في الحديث من تقديم العِتق على الصيام، ثمَّ الإطعام سواء قلنا
الكفَّارة على الترتيب أو التخيير، فإنَّ هذه البَداءةَ إن لم تَقْتَضِ وجوب الترتيب فلا أقلّ من
أن تقتضي استحبابَه. واحتَجّوا أيضاً بأنَّ حديث عائشة لم يقع فيه سوى الإطعام، وقد
تقدَّم الجواب عن ذلك قبل، وأنَّه وَرَدَ فيه من وجه آخر ذِكرُ العِتق أيضاً.
ومِن المالكية من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم من قال: إنَّ الكفَّارةَ تختلف
باختلاف الأوقات: ففي وقت الشِّدّة يكون بالإطعام، وفي غيرها يكون بالعِيقِ أو الصوم،
ونقلوه عن مُقِّقي المتأخّرين، ومنهم من قال: الإفطار بالجماع يُكفّر بالخِصال الثلاث،
وبغيره لا يُكفَّر إلَّا بالإطعام وهو قول أبي مُصعَب، وقال ابن جَرِير الطَّبري: هو مُخُيَّر بين
العِثْق والصوم ولا يُطعِم إلَّا عند العجز عنهما.
وفي الحديث أنَّه لا مَدخَلَ لغير هذه الخِصال الثلاث في الكفَّارة، وجاء عن بعض
المتقدِّمين إهداء البَدَنة عند تَعذُّر الرَّقَبة، وربَّما أيَّدَه بعضهم بإلحاق إفساد الصيام بإفساد
(١) في (س): أخبر بأنه، والمثبت من الأصلين.

٣٧٩
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
كتاب الصوم
الحج، ووَرَدَ ذِكر البَدَنة في مُرسَل سعيد بن المسيّب عند مالك في ((الموطّأ)) (١/ ٢٩٧) عن
عطاء الخُراساني عنه، وهو مع إرساله قد رَدَّه سعيد بن المسيّب وكذَّبَ من نقله عنه، كما
روى سعيد بن منصور عن ابن عُليَّةَ عن خالد الحَذّاء عن القاسم بن عاصم: قلت لسعيد
ابن المسيّب: ما حديث حدَّثناه عطاءٌ الخُراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان
أنَّه يُعتِقُ رقبةً أو يُهدي بَدَنة؟ فقال: كذب. فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث عن عَمْرو
ابن الحارث عن أيوب عن القاسم بن عاصم، وتابعه همَّام عن قَتَادةَ عن سعيد. وذكر ابن
عبد البَرِّ(١) أنَّ عطاء لم ينفرد بذلك، فقد وَرَدَ من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً، ثمّ
ساقه بإسناده، لكنَّه من رواية ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد، وليثٌ ضعيف، وقد اضطَرَبَ
في روایته سنداً ومتناً، فلا حُجّةَ فیه.
وفي الحديث أيضاً: أنَّ الكفَّارة بالخِصال الثلاث على الترتيب المذكور. قال ابن العربي:
لأنَّ النبيِوَّ نقله من أمرٍ بعد عَدَمِه لأمرٍ آخرَ وليس هذا شأنُ التخيير، ونازَعَ عياض في
ظُهور دلالة الترتيب في السُّؤال عن ذلك، فقال: إنَّ مثل هذا السُّؤال قد يُستَعمَلُ فيما هو
على التخيير، وقَرَّرَه ابن المنيِّر في ((الحاشية)) بأنَّ شخصاً لو حَنِثَ فاستَفتى، فقال له المفتي:
أعتِقِ رقبةً، فقال: لا أجِد، فقال: صُم ثلاثة أيام ... إلى آخره، لم يكن مخالفاً لحقيقة التخيير،
بل يُحِمَلُ على أنَّ إرشاده إلى العِتق لكونِه أقرب لتنجيزِ الكفَّارة.
وقال البيضاوي: ترتيب الثاني بالفاء على فَقْد الأوَّل، ثمَّ الثالث بالفاء على فَقْد الثاني
يدلُّ على عَدَم التخيير مع كونها في مَعرِضِ البيان وجواب السُّؤال، فيُنَزَّلُ منزلةَ الشَّرط
للحُكم، وسَلَكَ الجمهور في ذلك مَسلَكَ الترجيح، بأنَّ الذين رووا الترتيب عن الزُّهْري
أكثرُ مَّن روى التخيير، وتعقَّبه ابن التِّينِ بأنَّ الذين رووا الترتيبَ ابن عُيَّينةَ ومَعمَرَ
والأوزاعي، والذين رووا التخيير مالك وابن جُرَيج وفُلَيح بن سليمان وعَمْرو بن عثمان
المخزومي، وهو كما قال في الثاني دون الأوَّل، فالذين رووا الترتيب في البخاري، الذي
نحن في شرحه أيضاً إبراهيم بن سعد والليث بن سعد وشعيب بن أبي حمزة ومنصور،
(١) في ((التمهيد)) ١٠/٢١-١١.

٣٨٠
باب ٣٠ / ح ١٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
ورواية هذَينٍ في هذا الباب الذي نشرحُه وفي الذي يليه، فكيف غَفَلَ ابن التِّين عن ذلك
وهو يَنظُرُ فيه؟! بل روى الترتيبَ عن الزّهْري كذلك تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، ورُجِّحَ
١٦٨/٤ الترتيبُ أيضاً بأن راويه حكى لفظ القصَّة على وجهها،/ فمعه زيادةُ عِلم من صورة
الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث، فدَلَّ على أنَّه من تصرُّفِ بعض الرُّواة
إمّا لقَصد الاختصار أو لغير ذلك.
ويَترجَّحُ الترتيب أيضاً بأنَّه أحوَطُ؛ لأنَّ الأخذ به مُجْزِئٌ سواءٌ قلنا بالتخيير أو لا
بخلاف العكس، وجمع بعضهم بين الروايتينِ كالمهلَّب والقُرطُبي بالحمل على التعدُّد وهو
بعيدٌ؛ لأنَّ القصّة واحدة والمخرَج مُتَّحِدٌ والأصل عَدَم التعدُّد، وبعضهم حمل الترتيبَ على
الأولوية، والتخييرَ على الجواز، وعَكَسَه بعضهم، فقال: ((أو)) في الرواية الأُخرى ليست
للتَّخيير، وإنَّما هي للتفسير والتقدير، أمَرَ رجلاً أن يُعِقَ رقبةً أو يصوم إن عَجَزَ عن العِتق
أو يُطعِم إن عَجَزَ عنهما. وذكر الطَّحاوي أنَّ سببَ إتيان بعض الرُّواة بالتخيير أنَّ الُّهْري
راوي الحديث قال في آخر حديثه: ((فصارت الكفَّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرَينٍ أو
الإطعام)). قال: فرواه بعضهم مُختصّراً مُقتَصِراً على ما ذكر الزُّهْري أنَّه آلَ إليه الأمر، قال:
وقد قَصَّ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزُّهْري القصّة على وجهها، ثمَّ ساقه
(٦٠/٢-٦١) من طريقه مثل حديث الباب إلى قوله: ((أطعِمه أهلَك))، قال: فصارت
الكفَّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرَينِ مُتتابعينٍ أو إطعام ستين مسكيناً.
قلت: وكذلك رواه الدّار قُطني في ((العلل)) (٢٤٠/١٠) من طريق صالح بن أبي
الأخضَر عن الزّهْري، وقال في آخره: فصارت سُنّة: عتق رقبة أو صيام شهرَينٍ أو إطعام
ستّين مِسكيناً.
قوله: ((فَمَكَثَ النبي ◌ََّ)) كذا هنا بالميم والكاف المفتوحة، ويجوز ضمُّها، والثاء المثلَّثة،
وفي رواية أبي نُعيم في ((المستخرَج)) من وجهين عن أبي اليَمَان: ((فسَكَتَ)) بالمهمَلة والكاف
المفتوحة والمثنَّاة، وكذا في رواية ابن مسافر وابن أبي الأخضَر، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: فقال
له النبي وَلّ: «اجلِسْ» فجَلَسَ.