النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ كتاب الصوم تكميل: في معنى الجُنُب: الحائضُ والنُّفساء إذا انقَطَعَ دَمُها ليلاً، ثمَّ طَلَعَ الفجر قبل اغتسالها، قال النَّوي في ((شرح مسلم)): مذهبُ العلماء كافّةً صِحّة صومها إلَّا ما حُكي عن بعض السَّلَف ممّا لا يُعلَمُ صَحَّ عنه أو لا. وكأنَّه أشار بذلك إلى ما حكاه في ((شرح المهذَّب)) عن الأوزاعي، لكن حكاه ابن عبد البَرِّ عن الحسن بن صالح أيضاً، وحكى ابن دَقِيق العيد أنَّ في المسألة في / مذهب مالك قولين، وحكاه القُرطُبي عن محمد بن مَسلَمةَ ١٤٩/٤ من أصحابهم، ووَصَفَ قوله بالشُّذوذ، وحكى ابن عبد البَرّ عن عبد الملك بن الماحِشُونِ: أنَّهَا إِذا أَخَّرَت غُسلَها حتَّى طَلَعَ الفجر فيومها يوم فِطر، لأنها في بعضِه غيرُ طاهرةٍ، قال: وليس كالذي يُصبح جُنُباً لأنَّ الاحتلامَ لا يَنقُضُ الصومَ والحيضَ يَنقُضُه. ٢٣ - باب المباشَرَة للصائمِ وقالت عائشةُ رضي الله عنها: مَجُمُ علیه فرجُها. ١٩٢٧ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ،: عن شُعْبةَ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َ لَهِ يُقْبِّلُ ويُباشرُ وهو صائمٌ، وكان أملَكَكمْ لأَرَبِهِ. وقال: قال ابنُ عَّاسٍ: مَأْرَبٌ: حاجةٌ. قال طاووسٌ: ﴿غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]: الأحمقُ، لا حاجةَ له في النِّساء. وقال جابرُ بنُّ زیدٍ: إن نظرَ فأمنَى يُتِمُّ صومه. [طرفه في: ١٩٢٨] قوله: ((باب المباشَرَة للصائم)) أي: بيانُ حُكمها. وأصل المباشَرَة: التِقاء البَشَرتَين، ويُستَعمَل في الجِمَاعِ سواءٌ أولَجَ أو لم يولج. وليس الجماع مراداً بهذه الترجمة. قوله: ((وقالت عائشة رضي الله عنها: يَجِرُمُ عليه فَرَجُها)» وَصَله الطَّحاوي (٩٥/٢) من طريق أبي مُرّة مولى عَقِيل عن حَكيم بن عِقالٍ قال: سألت عائشة: ما يَرُم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجُها. إسناده إلى حَكيم صحيحٌ، ويُؤَدّي معناه أيضاً ما رواه عبد الرزاق (٨٤٣٩) بإسناد صحيح عن مسروق: سألت عائشة: ما يَحِلَّ للرجل من ٣٤٢ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري امرأته صائماً؟ قالت: كلُّ شيء إلَّ الجِماع. قوله: ((حدَّثنا سليمان بن حَرْب، عن شُعْبة)) كذا للأكثر، ووقع للكُشمِيهَنيّ: عن سعيدٍ، بِمُهمَلةٍ وآخرَه دال، وهو غَلَط فاحش، فليس في شيوخ سليمان بن حَرْب أحدٌ اسمه سعيد حدَّثَه عن الحكم. والحكم المذكور هو ابن عُتَيبة، وإبراهيم: هو النَّخَعي. وقد وقع عند الإسماعيلي: عن يوسف القاضي عن سليمان بن حَرْب عن شُعْبة، على الصواب، لكن وقع عنده: عن إبراهيم: أنَّ عَلْقمةَ وشُرَيح بن أرطاة رجلان من النَّخَع كانا عند عائشة، فقال أحدهما لصاحبِهِ: سَلْها عن القُبلة للصائم، قال: ما كنت لأرفُثَ عند أُمّ المؤمِنِينَ. فقالت: كان رسول الله وَلَهِ يُقَبِّلُ وهو صائم، ويُباشر وهو صائم، وكان أملککم لإربه. قال الإسماعيلي: رواه غُندَر وابن أبي عَدِي وغير واحد عن شُعْبة، فقالوا: عن عَلْقمة، وحدَّثَ به البخاري عن سليمان بن حَرْب، عن شُعْبة فقال: عن الأسوَد. وفيه نظرٌ، وصَرَّحَ أبو إسحاق بن حمزة - فيما ذكره أبو نُعيم في ((المستخرَج)) عنه - بأنَّه خطأ. قلت: وليس ذلك من البخاري، فقد أخرجه البيهقي (٤/ ٢٣٠) من طريق محمد بن عبد الله بن مَعبَد، عن سليمان بن حَرْب كما قال البخاري، وكأنَّ سليمانَ بن حَرْب حدَّثَ به على الوجهين، فإن كان حَفِظَه عن شُعْبة، فلعلَّ شُعْبة حدَّثَ به على الوجهين، وإِلَّا فأكثر أصحاب شُعْبة لم يقولوا فيه من هذا الوجه: عن الأسوَد، وإنَّما اختَلَفوا: فمنهم من قال كرواية يوسف المتقدِّمة، وصورتُها الإرسال، وكذلك أخرجه النَّسائي (ك٣٠٧٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شُعْبة، ومنهم من قال: عن إبراهيم عن عَلْقمة وشُرَيح(١)، وقد ترجم النَّسائي في ((سُنَته)): الاختلاف فيه على إبراهيم، والاختلاف على الحكم، وعلى الأعمش، وعلى منصور، وعلى عبد الله بن عَوْن، كلهم عن إبراهيم، وأوردَه (ك ٣٠٨٠) من طريق إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن عَلْقمة، قال: خرج نَفَرٌ من النَّخَع، فيهم (١) أخرجه النسائي في ((سننه الكبرى)) (٣٠٧٨). ٣٤٣ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ كتاب الصوم رجل يُدعى شُرَيحاً، فحدَّثَ أنَّ عائشة قالت، فذكر الحديث،/ قال: فقال له رجل: لقد ١٥٠/٤ هَمَمتُ أن أضرِب رأسَك بالقَوس، فقال: قولوا له: فليَكُفَّ عَنّي حتَّى نأتي أُمّ المؤمنين؛ فلمَّا أتوها قالوا لعَلْقمة: سَلْها، فقال: ما كنت لأرفُثَ عندها اليوم، فسمعته، فقالت، فذكر الحديث، ثمَّ ساقه (ك ٣٠٨١) من طريق عَبيدةَ عن منصور، فجعل شُرَيحاً هو المنكَّر، وأبْهَمَ الذي حَدَّثَ بذلك عن عائشة، ثمَّ استوعَبَ النَّسائي طرقَه، وعُرِفَ منها أنَّ الحديثَ كان عند إبراهيم عن عَلْقمة والأسوَد ومسروق جميعاً، فلعلَّه كان يُحدِّث به تارةً عن هذا وتارةً عن هذا، وتارةً يجمع وتارة يُفرِّق. وقد قال الدّارقُطْني بعد ذِكر الاختلاف فيه على إبراهيم: كلّها صحاح، وعُرِفَ من طريق إسرائيل (ك٣٠٨٠) سببُ تحديث عائشة بذلك واستدراكها على من حدَّثَ عنها به على الإطلاق بقولها: ولكنَّه كان أملَكَكم لإربِه، فأشارت بذلك إلى أنَّ الإباحة لمن يكون مالكاً لنفسِه، دون من لا يأمن من الوقوع فيما تَحُم. وفي رواية حَمَّادٍ عند النَّسائي (ك٣٠٩٦): قال الأسوَد: قلت لعائشةَ: أيباشرُ الصائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول الله وَل﴿ يُباشر وهو صائم؟ قالت: إنَّه كان أملَكَكم لإربِهِ. وظاهر هذا أنَّها اعتَقَّدَت خصوصية النبي ◌َِّ بذلك، قاله القُرطُبي، قال: وهو اجتهاد منها. وقول أُمّ سَلَمة - يعني: الآتي ذِكرُه - أولى أن يُؤْخَذَ به، لأنه نَصُّ في الواقعة. قلت: قد ثبت عن عائشة صريحاً إباحة ذلك كما تقدَّم، فيُجمعُ بين هذا وبين قولها المتقدِّم: إنَّه يَحِلّ له كلّ شيء إلَّا الجِماع، بحمل النَّهي هنا على كراهة التنزيه، فإنَّها لا تُنافي الإباحة. وقد روّيناه في ((كتاب الصيام)) ليوسف القاضي من طريق حمَّد بن سَلَمة، عن حمّاد بلفظ: سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكَرهَتها. وكأنَّ هذا هو السِّرّ في تصدير البخاري بالأثر الأوَّل عنها؛ لأنه يُفسِّر مرادها بالنَّفي المذكور في طريق حَمَّاد وغيره، والله أعلم. ويدلّ على أنَّها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص ما رواه مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٢٩٢) عن أبي النَّضر: أنَّ عائشة بنتَ طلحة أخبرته أنَّها كانت عند عائشة، ٣٤٤ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تَدنوَ من أهلك، فتُلاعبَها وتُقُبِّلها؟ قال: أُقبَّلُها وأنا صائم؟ قالت: نعم. قوله: ((كان يُقبِّل ويُباشر وهو صائم)) التّقبيل أخَصُّ من المباشرة، فهو من ذِكر العامِّ بعد الخاصّ، وقد رواه عَمْرو بن ميمون، عن عائشة بلفظ: كان يُقبِّل في شهر الصوم. أخرجه مسلم (١١٠٦/ ٧٠) والنَّسائي (ك٣٠٧٧)، وفي رواية لمسلم (١١٠٦/ ٧١): ((يُقَبِّلُ في رمضان وهو صائم. فأشارت بذلك إلى عَدَم التفرقة بين صوم الفرض والنَّفل. وقد اختُلِفَ في القُبلة والمباشَرة للصائم: فكَرهَها قومٌ مُطلَقاً، وهو مشهورٌ عند المالكية، وروى ابن أبي شَيْبة (٦٤/٣) بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنَّه كان يَكرَه القُبلةَ والمباشَرة. ونقل ابن المنذر وغيره عن قومٍ تحريمَها، واحتَجّوا بقوله تعالى: ﴿فَّالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآيةَ، فمَنَعَ من المباشرة في هذه الآية نهاراً، والجواب عن ذلك أنَّ النبي ◌َّيه هو المبيِّنُ عن الله تعالى، وقد أباح المباشرةَ نهاراً، فدَلَّ على أنَّ المراد بالمباشَرة في الآية الجماع لا ما دونه من قُبلةٍ ونحوها، والله أعلم. ومَّن أفتى بإفطار من قَبَّلَ وهو صائم عبد الله بن شُبرُمةَ، أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطَّحاوي عن قوم لم يُسمِّهم، وألزَمَ ابن حَزْم أهل القياس أن يُلحِقوا الصيام بالحج في مَنْع المباشرة ومقدِّمات النكاح للاتِّفاق على إيطالهما بالجماع. وأباح القُبلة قوم مُطلَقاً، وهو المنقول صحيحاً عن أبي هريرة، وبه قال سعيد وسعد ابن أبي وقَّاصٍ وطائفة(١)، بل بالَغَ بعض أهل الظاهر فاستَحَبَّها. وفرَّقَ آخرون بین الشابِ والشيخ، فكرهها للشّابِ وأباحها للشيخ، وهو مشهور عن ابن عبّاس، أخرجه مالك (١/ ٢٩٣) وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف، أخرج أحدهما أبو داود (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة، والآخر أحمد (٦٧٣٩) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص. (١) انظر ((الموطأ)) ٢٩٢/١. ٣٤٥ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ كتاب الصوم وفَرَّقَ آخرون بين من يَملِك نفسَه ومن لا يَملِك كما أشارت إليه عائشة، وكما تقدَّم ذلك في مُباشرة الحائض في كتاب الحيض. ١٥١/٤ وقال التِّرمِذي: ورأى بعض أهل العلم أنَّ / الصائم إذا مَلَكَ نفسه أن يُقبّل، وإلا فلا؛ ليسلَمَ له صومه، وهو قول سفيان والشافعي، ويدلّ على ذلك ما رواه مسلم (١١٠٨) من طريق عمر بن أبي سَلَمة، وهو رَبِيبُ النبيِِّ، أنَّه سأل رسول الله وَّ: أيقبِّلُ الصائم؟ فقال: ((سَلْ هذه)) - لأُمِّ سَلَمة - فأخبرته أنَّ رسول الله الهول يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غَفَرَ لك الله ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّرَ، فقال: ((أما والله إنِّي لَأتقاكم لله وأخشاكم له))، فدَلَّ ذلك على أنَّ الشابَّ والشيخَ سواءٌ، لأنَّ عمرَ حينئذٍ كان شاباً، ولعلَّه كان أوَّلَ مَا بَلَغَ، وفيه دلالة على أنَّه ليس من الخصائص. وروى عبد الرزاق (٧٤١٢) بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار أَنَّه قَبَّلَ امرأته وهو صائم، فأمَرَ امرأته أن تَسألَ النبي ◌َِّ عن ذلك، فسألته فقال: ((إنِّي أفعل ذلك))، فقال زوجها: يُرخّصُ الله لنبيه في أَشياء(١). فَرَجَعَت، فقال: ((أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم))، وأخرجه مالك (٢٩١/١-٢٩٢)، لكنَّه أرسَله قال: عن عطاء: أنَّ رجلاً، فذكر نحوه مُطوَّلاً. واختلفوا فيما إذا باشَرَ أو قَبَّلَ أو نظرَ فأنزل أو أمذَى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النَّظَر، ولا قضاء في الإمذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي في كلّ ذلك ويُكفِّر، إلَّا في الإمذاء فيقضي فقط. واحتُجَّ له بأنَّ الإنزال أقصى ما يُطلَبُ بالجماعِ من الالتذاذ في كلّ ذلك. وتُعُقِّبَ بأنَّ الأحكام عُلِّقَت بالجِماع ولو لم يكن إنزال، فافتَرَقا. وروى عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك وجوب القضاء فيمن باشَرَ أو قَبَّلَ فأنعَظَ ولم يُمذِ ولا أنزل، وأنگره غیرُه عن مالك. وأبلَغُ من ذلك ما روى عبد الرزاق (٧٤٥٢) عن حُذيفة: من تأمَّلَ خَلْقَ امرأته وهو (١) تحرفت في (س) إلى، فيما يشاء، والمثبت من الأصلين، وهو الموافق لرواية عبد الرزاق. ٣٤٦ باب ٢٣ / ح ١٩٢٧ فتح الباري بشرح البخاري صائم بَطَلَ صومه، لكنَّ إسناده ضعيف. وقال ابن قُدامة: إن قَبَلَ فأنزل، أفطرَ بلا خلاف. كذا قال، وفيه نظرٌ، فقد حكى ابن خَزْم أنَّه لا يُفطِر ولو أنزل، وقَوّی ذلك وذهب إليه. وسأذكر في الباب الذي يليه زيادة في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. قوله: ((لأَرَبِهِ)) بفتح الهمزة والراءٍ وبالموحّدة، أي: حاجته، ويُروى بكسر الهمزة وسكون الراء، أي: عُضوه، والأوَّل أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أوردَه من التفسير. قوله: ((وقال ابن عبّاس: مأرَبٌ: حاجَةٌ)) مَأْرَب بسكونِ الهمزة وفتح الراء، وهذا وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَلِ فِهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] قال: حاجة أُخرى، كذا فيه، وهو تفسيرُ الجمع بالواحد، فلعلَّه كان فيها حاجات أو حوائج، فقد أخرجه أيضاً من طريق ◌ِكْرمةَ عنه بلفظ: ﴿مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ قال: حوائج أُخرى. قوله: ((وقال طاووسِ: ﴿غَيْرِ أُوْلِ اَلْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]: الأحمقُ، لا حاجَةَ له في النِّساءِ)) وَصَله عبد الرزاق في «تفسيره)) (٢/ ٥٧ -٥٨) عن مَعمَرٍ، عن ابن طاووس، عن أبيه في قوله: ﴿غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ﴾ قال: هو الأحمقُ الذي ليس له في النِّساءِ حاجة. وقد وقع لنا هذا الأثر بعُلوٍّ في ((جزء محمد بن يحيى الذُّهلي)) المروي من طريق السِّلَفي. وقد تقدَّم في الحيض (٣٠٢) بيان الاختلاف في قوله: ((لأَرَبِه)»، ورأيت بخَطِّ مُغَلْطَايَ في ((شرحه)» هنا قال: وقال ابن عبّاس - أي: في تفسير أولي الإربة - المُقعَد، وقال ابن ◌ُبَير: المعتوه، وقال عِكْرمة: العِنّين، ولم أرَ ذلك في شيء من نُسَخ البخاري. وإنَّما أوقَعَه في ذلك أنَّ القُطبَ لمَّا أخرج أثر طاووس قال بعده: وعن ابن عبّاس: المقعَد ... إلى آخره، ولم يُرِدِ القُطب أنَّ البخاري ذكر ذلك، وإنَّما أوردَه القُطبُ من قِبَل نفسه من كلام أهل التفسير. قوله: ((وقال جابر بن زيد: إن نظرَ فأمنى، يُتِمُّ صوَه)) وَصَله ابن أبي شَيْبَةَ (٧٠/٣) من طريق عَمْرو بن هَرِمِ: سُئِلَ جابر بن زيد، عن رجل نظرَ إلى امرأته في رمضان فأمنى من ٣٤٧ باب ٢٤ / ح ١٩٢٨ -١٩٢٩ كتاب الصوم شهوتها، هل يُفطِرِ؟ قال: لا، ويُتِمُّ صومه. وقد تقدَّم نقلُ الخلاف فيه قريباً. تنبيه: وقع هذا الأثر في رواية أبي ذرِّ وحدَه هنا، ووقع في رواية الباقين في أوَّل الباب الذي بعده، وذكره ابن بَطَّالٍ في البابين معاً، ومُناسَبتُه للبابين من جهة التّفرقة بين من يقع منه الإنزالُ باختياره، وبين من يقع منه بغير اختياره، كما سيأتي بسطُ القول فيه إن شاء الله تعالى. ١٥٢/٤ ٢٤ - باب القبلة للصائم ١٩٢٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌ُپآ (ح) وحدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: إن كان رسولُ الله ◌َّ لَيَقبَّلُ بعضَ أزواجه وهو صائمٌ، ثمَّضَحِكَت. ١٩٢٩ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن هشام بنِ أبي عبد الله، حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ ابنةِ أُمّ سَلَمَةَ، عن أُمِّها رضي الله عنهما، قالت: بينما أنا مع رسولِ الله وَّه في الخَمِيلةِ إذا حِضتُ، فانسَلَلتُ فأخذتُ ثِيَابَ حَيضَتي، فقال: ((ما لكِ؟ أنَّفِستِ؟)) قلتُ: نعم، فدخلتُ معه في الخَمِيلة. وكانت هي ورسولُ الله پ﴿ یَغتَسِلان من إناءٍ واحدٍ، وكان يُقبَّلُها وهو صائمٌ. قوله: ((بابٌّ القُبلةُ للصائم)» أي: بيانُ حُكمها. قوله: (حدَّثني يحيى)) هو القطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة، وقد أحالَ المصنِّف بالمتنِ على طريق مالك عن هشام، وليس بين لفظيهما مخالَفةٌ، فقد أخرجه النَّسائي (ك٣٠٤٢) من طريق يحيى القطّان بلفظ: كان يُقبِّلُ بعض أزواجه وهو صائم، وزاد الإسماعيلي من طريق عَمْرو بن عليّ بن يحيى، قال هشام: قال: إنِّي لم أرَ القُبلةَ تَدعو إلى خير، ورواه سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبد الرحمن عن هشام بلفظ: كان يُقبِّلُ بعض أزواجه وهو صائم، ثمَّ ضَحِكَت، فقال عُرْوة: لم أرَ القُبلة تَدعو إلى خير، وكذا ذكره مالك في ((الموطَّأ)) (٢٩٣/١) عن هشام عَقِبَ الحديث، لكن لم يَقُل فيه: ثمَّ ضَحِکَت. ٣٤٨ باب ٢٤ / ح ١٩٢٨ -١٩٢٩ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((ثُمَّ ضَحِكَت)) يحتمل ضَحِكُها التَّعجُّبَ مَمَّن خالَفَ في هذا، وقيل: تَعَجَّبَت من نفسها إذ تُحدِّث بمثل هذا ممّا يُستَحى من ذِكر النِّساءِ مثلُه للرجال، ولكنَّها ألجأتها الضَّرورةُ في تبليغ العلم إلى ذِكر ذلك. وقد يكون الضَّحِك خَجَلاً لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيهاً على أنَّها صاحبة القصَّة ليكون أبلَغَ في الثِّقة بها، أو سُروراً بمكانها من النبي ◌ٍّ﴾ وبمنزلتها منه ومحيَّتِه لها. وقد روى ابن أبي شَيْبة (٥٩/٣) عن شريك عن هشام في هذا الحديث: فضَحِكَت، فظَنَّا أنَّها هي. وروى النَّسائي (ك٣٠٣٨) من طريق طلحةً بن عبد الله التيمي، عن عائشة قالت: أهوى إليَّ النبي ◌َّه ليقبِّلَني، فقلت: إنِّي صائمةٌ، فقال: ((وأنا صائم، فقبََّني))، وهذا يُؤْيِّد ما قدَّمناه أنَّ النَّظَرَ في ذلك لمن لا يتأثر بالمباشَرة والتقبيل، لا للتَّفْرِقة بين الشابِّ والشيخ، لأنَّ عائشة حينئذٍ كانت شابّةً، نعم، لمَّا كان الشابُّ مَظِنَةً لهيَجان الشَّهوة فرَّقَ من فرَّقَ. وقال المازَرِيّ: ينبغي أن يُعتَبرَ حالُ المقَبَّل، فإن أثارت منه القُبلةُ الإنزالَ، حَرُمَت عليه، لأنَّ الإنزالَ يُمنَعُ منه الصائم، فكذلك ما أدّى إليه، وإن كان عنها المذي، فمن رأى القضاء منه قال يَحَرُمُ في حَقِّه، ومن رأى أن لا قضاءً، قال: يُكرَه، وإن لم تُؤَدِّ القُبلةُ إلى شيء، فلا معنى للمنع منها إلَّا على القول بسَدِّ الذَّريعة. قال: ومن بديع ما روي في ذلك قوله ◌َّله للسائل عنها: ((أرأيتَ لو تَضمَضتَ)) فأشار إلى فقهٍ بديع، وذلك أنَّ المضمضةَ لا تَنْقُضُ الصومَ وهي أوَّل الشُّربِ ومِفتاحُه، كما أنَّ القُبلةَ من دواعي الجِماع ومِفتاحُه، والشُّرب يُفسِدُ الصومَ كما يُفسِده الجماع، وكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشُّرب لا يُفسِد الصیام فکذلك أوائل الجماع، انتھی. والحديث الذي أشار إليه أخرجه(١) أبو داود (٢٣٨٥) والنَّسائي (ك ٣٠٣٦) من ١٥٣/٤ حديث عمر، قال النَّسائي: مُنكَرٌ،/ وصَحَّحَه ابن خُزيمة (١٩٩٩) وابن حِبَّان (٣٥٤٤) (١) وأخرجه أحمد في «المسند» (١٣٨) بإسناد صحيح. ٣٤٩ باب ٢٥ كتاب الصوم والحاكم (٤٣١/١). وقد سَبَقَ الكلامُ على حديث أُمّ سَلَمة في كتاب الحيضِ (٢٩٨)، والغرض منه هنا قولها: وکان یُقبِّلُها وهو صائم، وقد ذكرنا شاهده من رواية عمر بن أبي سَلَمة في الباب الذي قبله. وقال النَّووي: القُبلةُ في الصوم ليست مُحُرَّمةً على من لم تُحرِّك شهوتَه، لكنَّ الأولى له ترکُها، وأمَّا من حَرَّكَت شهوته فهي حرامٌ في حقُّه على الأصحّ، وقيل: مكروهة، وروى ابن وَهْب عن مالك إِباحتَها في النَّفْل دون الفرض. قال النَّووي: ولا خلاف أنَّها لا تُبطِلُ الصومَ إلَّا إن أنزل بها. تنبيه: روى أبو داود (٢٣٨٦) وحدَه من طريق مِصْدَع أبي يحيى عن عائشة: أنَّ النبي وَلِّ كان يُقْبِّلُها ويَمُصُّ لسانها. وإسناده ضعيفٌ، ولو صَحَّ فهو محمولٌ على من لم يَبتَلع ريقَه الذي خالَطَ ريقَها، والله أعلم. ٢٥ - باب اغتسال الصائم وبَلَّ ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما ثَوباً فأُلْقِيَ عليه وهو صائمٌ. ودَخَلَ الشَّعِيُّ الحَّامَ وهو صائمٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: لا بأسَ أن يَتَطَمَّمَ القِدرَ أوِ الشَّيءَ. وقال الحسنُ: لا بأسَ بالمضمضة والتَّرُّدِ للصائم. وقال ابنُ مسعودٍ: إذا كان يومُ صومٍ أحدكم فليُصبِحِ دَهِيناً مُتَرجِّلاً. وقال أنسٌ: إنَّ لي أبزَنَ انقَخَّمُ فيه وأنا صائمٌ. ويُذكَّرُ عن النبيِّ وَّ أَنَّه استاكَ وهو صائمٌ. وقال ابنُ عمرَ: يَستاكُ أوَّلَ النَّهار وآخرَه. وقال عطاءُ: إنِ ازدَرَدَ رِيقَه لا أقولُ يُفطِر. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بأسَ بالسِّواكِ الرَّطِبِ. قِيلَ: له طَعمٌّ! قال: والماءُ له طَعمٌ وأنتَ تَضمَضُ به. ٣٥٠ باب ٢٥ / ح ١٩٣٠ - ١٩٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ولم يَرَ أنسٌُّ والحسنُ وإبراهيمُ بالكُحلِ للصائمِ بأساً. ١٩٣٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ وأبي بكرٍ، قالت عائشةُ رضي الله عنها: كان النبيُّ ◌َّ يُدرِكُه الفجرُ في رمضانَ من غيرِ حُلُمُ(١)، فِيَغْتَسِلُ ويصوم. ١٩٣١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن سُميٍّ مولى أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام بنِ المغِيرةِ، أنَّه سمع أبا بكرِ بنَ عبد الرحمن: كنتُ أنا وأبي، فذهبتُ معه حتَّى دخلنا على عائشةَ رضي الله عنها، قالت: أشهَدُ على رسولِ الله ◌ِ ﴿وإن كان ◌َيُصِحُ جُنُباً من جماعٍ غيرِ احتلام، ثمَّ يصومُه. ١٩٣٢ - ثمَّ دخلنا على أُمّ سَلَمةَ، فقالت مِثلَ ذلك. قوله: (باب اغتسال الصائم)) أي: بيانُ جوازه. قال الزَّينُ بنُ المنيِّرِ: أطلقَ الاغتسالَ ليشمَل الأغسالَ المسنونةَ والواجبة والمباحة، وكأنَّه يشير إلى ضعف ما رُوي عن عليّ من النَّهي عن دخول الصائم الحَّمَ. أخرجه عبد الرزاق(٢) وفي إسناده ضعفٌ، واعتمده الحنفيَّة فكرهوا الاغتسال للصائم. قوله: ((وَلَّ ابنُ عمر ثَوباً فألقِي عليه وهو صائم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فألقاه)) وهذا وَصَله المصنِّفُ في ((التاريخ)) (٥/ ١٤٧) وابن أبي شَيْبة (٣/ ٤٠) من طريق عبد الله بن أبي عثمان: أنَّه رأى ابن عمر يفعل ذلك. ومُناسَبتُه للترجمة من جهة أنَّ بَلَلَ الثوب إذا طالَت (١) كذا وقع في أصل النسخة اليونينية من ((الصحيح))، وهو كذلك في الأصول التي اعتمدها ابن بطال في ((شرحه)) ٥٧/٤ والحافظ ابن حجر كما سلف التنبيه عليها ص ٣٢٧ عند شرح الحديث (١٩٢٦) دون لفظ الجنابة في الحديث، وهو كذلك عند العيني في ((عمدة القاري)) ١٦/١١ ولذلك قدَّره في الكلام فقال: قوله: ((من غير حلم)) تقديره: من جنابة من غير حلم، فاكتفى بالصفة عن الموصوف لظهوره. قلنا: وقد وقع في كثير من نسخ البخاري المطبوعة: يدركه الفجر في رمضان جنباً من غير حلم، بزيادة لفظ ((جنباً))، والله تعالى أعلم. وفي رواية ابن وهب عن يونس بهذا الإسناد عند مسلم (١١٠٩) (٧٦): یدر که الفجر في رمضان وهو جنب من غیر حلم. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق))، وهو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦٥/٣. ٣٥١ باب ٢٥ / ح ١٩٣٠ - ١٩٣٢ كتاب الصوم إقامتُه على الجَسَد حتَّى جَفَّ يُنزَّلُ ذلك منزلةَ الذَّلك بالماء، / وأراد البخاري بأثر ابن عمر ١٥٤/٤ هذا معارضةَ ما جاء عن إبراهيمَ النَّخَعي بأقوى منه، فإنَّ وكيعاً روى عن الحسن بن صالح عن مغيرةَ عنه: أنَّه كان يَكرَه للصائم بَلَّ الثّياب(١). قوله: ((ودخل الشَّعبيّ الحَّمَ وهو صائم)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٦٥/٣) عن أبي الأحوَص، عن أبي إسحاق، قال: رأيت الشَّعبي يدخل الحَّام وهو صائم. ومُناسَبَتُه للترجمة ظاهرةٌ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: لا بأس أن يَتَطَعَّم القِدَرَ)) بكسر القاف، أي: طعامَ القِدر، أو الشيء، وَصَله ابن أبي شَيْبة (٤٧/٣) من طريق عِكْرمة عنه بلفظ: لا بأس أن يتَطاعمَ القِدر، ورويناه في ((الجعديات)) (٢٤٩٧) من هذا الوجه بلفظ: لا بأس أن يَتَطاعمَ الصائمُ بالشيء. يعني: المَرَقَةَ ونحوها. ومُناسَبَتُه للترجمة من طريق الفَحوى، لأنه إذا لم يُناف الصومَ إدخالُ الطعام في الفَم وتَطعُّمُه وتقْرِيبُه من الازدِراد لم يُنافه إيصالُه الماءَ إلى بَشَرة الجَسَد من باب الأولى. قوله: ((وقال الحسن: لا بأس بالمضمَضة والتَّبُّد للصائم)) وَصَله عبد الرزاق (٧٥٠٥) بمعناه، ووقع بعضُه في حديثٍ مرفوع أخرجه مالك (٢٩٤/١) وأبو داود (٢٣٦٥) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي وَِّ، قال: رأيت النبي ◌َُّ بِالعَرَجِ يَصُبُّ الماء على رأسِه، وهو صائم، من العَطَش أو من الحرّ. ومُناسَبَتُه للترجمة ظاهرةٌ، وسيأتي الكلامُ على ما يَتعلَّق بالمضمضة في الباب الذي بعده. قوله: ((وقال ابن مسعود: إذا كان يومُ صومٍ أحدكم، فليُصبح دَهيناً مُتَرجِّلاً)) قال الزّينُ ابن المنيِر: مُناسَبَتْه للترجمة من جهة أنَّ الادِّهانَ من الليل يقتضي استصحابَ أثره في النّهار، وهو ممّا يُرَطِّبُ الدِّماغ ويُقوِّي النَّفْسَ، فهو أبلَغُ من الاستعانة ببَرَد الاغتسال لحظةً من النَّهار، ثمَّ يذهب أثرُه. (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٤١ من طريق آخر عن المغيرة به. ٣٥٢ باب ٢٥ / ح ١٩٣٠ - ١٩٣٢ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وله مُناسَبةٌ أُخرى، وذلك أنَّ المانع من الاغتسال لعلَّه سَلَكَ به مَسلَك استحباب التقَشُّف في الصيام، كما وَرَدَ مثله في الحج، والادِّهان والتَرَجُل في مخالَفة التقشُّف کالاغتسال. وقال ابن المنيِّرِ الكبيرُ: أراد البخاري الردّ على من كَرهَ الاغتسالَ للصائم، لأنه إن كَرِهَه خَشْيةَ وصول الماءِ حلقَه، فالعِلّة باطلة بالمضمضة والسِّواك وبذوقِ القِدر ونحوِ ذلك، وإن كَرهَه للرَّفاهية، فقد استَحَبَّ السَّلَف للصائم الترَقُّهَ والتجَمُّلَ بالتَرَجُل والادِّهان والكُحل ونحو ذلك، فلذلك ساق هذه الآثار في هذه الترجمة. قوله: ((وقال أنس: إنَّ لي أبزَنَ أتْقَخَّمُ فيه وأنا صائمٌ)) الأبزَنُ، بفتح الهمزة وسكونِ الموحَّدة وفتح الزاي بعدها نون: حجرٌ منقور شِبْه الحوض، وهي كلمة فارسية، ولذلك لم يَصرِفه، و((أنقَخَّم فيه)) أي: أدخُل. وهذا الأثرُ وَصَلَه قاسم بن ثابت في ((غريب الحديث)) له من طريق عيسى بن طَهمانَ سمعت أنسَ بن مالك يقول: إن لي أبزَنَ، إذا وجدتُ الحَرَّ تَفَخَّمت فيه وأنا صائم. وكأنَّ الأبْزَنَ كان مَلَانَ ماءً، فكان أنس إذا وَجَدَ الحَرَّ دخل فيه يَتَبِرَّدُ بذلك. قوله: ((وقال ابن عمر: يَستاكُ أوَّلَ النَّهار وآخرَه)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٣٥/٣-٣٦) عنه بمعناه، ولفظه: كان ابن عمر يستاك إذا أراد أن يروح إلى الظّهر وهو صائم. ومُنَاسَبَتَه للترجمة قريبة ممّ تقدَّم في أثر ابن عبّاس في تَطَعُّم القدر. ووقع في نسخة الصَّغَاني بعد قوله: ((وآخرَه)): ولا يَبلَعُ ريقَه. قوله: ((وقال ابن سيرين: لا بأس بالسّواكِ الرَّطب، قيل: له طَعمٌ. قال: والماء له طَعم وأنتَ تَضمَضُ به)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٣٧/٣) من طريق أبي جَسْرة المازني قال: أتى ابنَ سيرين رجلٌ فقال: ما ترى في السِّواك للصائم؟ قال: لا بأس به. قال: إنَّه جَرِيدٌ وله طَعمٌ. قال: فذكر مثله. قوله: ((ولم يَرَ أنسُ والحسن وإبراهيم بالكُحلِ للصائمِ بأساً)) أمَّا أنس، فروى أبو داود ٣٥٣ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ كتاب الصوم في ((السُّنن)) (٢٣٧٨) من طريق عُبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس: أنَّه كان يَكتَحِل وهو صائم. ورواه التِّرمِذي (٧٢٦) من طريق أبي عاتكةَ، عن أنس مرفوعاً وضعَّفَه. وأمَّا الحسن، فوَصَله عبد الرزاق (٧٥١٦) بإسناد صحيح عنه قال: لا بأس بالكُحل للصائم. وأمَّا إبراهيم، فاختُلِفَ عنه: فروى سعيدُ بنُ منصورٍ عن جَرِير عن القعقاع بن یزید: سألت إبراهيمَ: أيكتَحِلُ الصائم؟ قال: نعم. قلت: أجِدُ طعمَ الصَّبِرِ في حلقي. قال: ليس بشيءٍ. / وروى أبو داود (٢٣٧٩) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمَش قال: ما رأيت ١٥٥/٤ أحداً من أصحابنا يَكرَه الكُحلَ للصائم، وكان إبراهيم يُرخِّصُ أن يَكتَحِل الصائم بالصبر. وروى ابن أبي شَيْبة (٤٦/٣-٤٧) عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم، قال: لا بأس بالكُحل للصائم ما لم يَجِد طَعْمه(١). ثمَّ أوردَ المصنّف حديث عائشة: أنَّ النبي وَّ كان يَغْتَسِل بعد الفجر ويصوم، وأورده أيضاً من حديثها وحديث أُمَ سَلَمة، وهو مطابق لمَا تُرجم له، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفی قبل بابین بحمد الله تعالى. ٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً وقال عطاءٌ: إنِ اسْتَثَرَ فدخلَ الماءُ في حلقِهِ لا بأسَ إن لم يَملِكْ. وقال الحسنُ: إن دخلَ حلقَه الذُّبابُ، فلا شيء عليه. وقال الحسنُ ومجاهدٌ: إن جامَعَ ناسياً، فلا شيء عليه. ١٩٣٣- حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا يزيدُ بن زُرَيع، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا ابن سِيرِين، عن أبي هريرةَ ◌ََ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((إِذا نَسِيَ، فأكَلَ وشَرِبَ فليُتِمَّ صومَه، فإنَّمَا أَطعَمَه الله وسَقَاه)). [طرفه في: ٦٦٦٩] (١) قوله: ((ما لم يجد طعمه)) ليس من كلام إبراهيم النخعي، بل هو للأثر التالي له من كلام الحسن البصري، ولعله انتقل نظرُه إلیه. ٣٥٤ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الصائم إذا أكَلَ أو شَرِبَ ناسياً)) أي: هل يجب عليه القضاءُ أو لا؟ وهي مسألةُ خلافٍ مشهورةٌ، فذهب الجمهورُ إلى عَدَم الوجوب، وعن مالك يَبطُلُ صومُه ويجب عليه القضاء. قال عياضٌ: هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخِه ربيعةً(١) وجميع أصحاب مالك، لكن فرَّقوا بين الفرض والنَّفل. وقال الدَّاوودي: لعلَّ مالكاً لم يبلغه الحديث، أو أوَّله على رفع الإثم. قوله: ((وقال عطاءٌ: إن استَثَرَ فدخل الماء في حلقِه لا بأس إن لم يَملِك)) أي: دَفْعَ الماءِ بأن غَلَبَه، فإن مَلَكَ دَفْعَ الماء، فلم يَدِفَعه حتَّى دخل حلقَه أفطرَ. ووقع في رواية أبي ذرِّ والنَّسَفي: ((لا بأس، لم يَملك)) بإسقاط ((إن))، وهي على هذا جملةٌ مُستأنَفةٌ كالتعليل لقوله: ((لا بأس)). وهذا الأثرُ وَصَله عبدُ الرزاق (٧٣٧٩) عن ابن جُرَيج: قلتُ لعطاءٍ: إنسانٌ يَستَثِرِ فدخل الماء في حلقِه. قال: لا بأس بذلك. قال عبدُ الرزاق: وقاله مَعمَرٌ عن قَتَادةَ. وقال ابن أبي شَيْبةَ (٣/ ٧٠): حدَّنا تَخَلَد عن ابن جُرَيجِ: أنَّ إنساناً قال لعطاءٍ: أُمَضِمِض فيدخلُ الماءُ في حلقي(٢)، قال: لا بأس، لم تَلِك. وهذا يُقوِّي روايةَ أبي ذرٍّ والنَّسَفي. قوله: ((وقال الحسن: إن دخل الذُّباب في حلقه فلا شيء عليه)) وَصَله ابن أبي شَيْبة (٣/ ١٠٧) من طريق ابن أبي نَجيحِ عن مجاهد عن ابن عبّاسٍ في الرجل يدخلُ في حلقه الذُّبابُ وهو صائم قال: لا يُفطِر. وعن وكيعٍ عن الرَّبيع عن الحسن قال: لا يُفطِر. ومُناسَبة هذَينِ الأثرَينِ للترجمة من جهة أنَّ المغلوب بدخول الماء إلى حلقِه أَو الذُّباب لا اختيار له في ذلك كالناسي. قال ابن المنيِرِ في ((الحاشية)»: أدْخَلَ المغلوبَ في ترجمة الناسي لاجتماعهما في تَركِ العَمْد وسَلْب الاختیار. ونقل ابن المنذر الاتّفاق على أنَّ من دخل في حلقِه الذُّبابُ وهو صائم أن لا شيءَ عليه، (١) تحرَّف في (س) إلى: ربيع، وما أثبتناه من (أ) و(ع) وهو الصواب، وربيعة: هو ابن عبد الرحمن التيمي، وهو الذي يقال له: ربيعة الرأي، من فقهاء أهل المدينة وحفاظهم وعلمائهم، وعنه أخذ مالك الفقه، توفي سنة ست وثلاثين ومئة. (٢) في المطبوع من (ابن أبي شيبة)): استنثرت فدخل الماء حلقي. ٣٥٥ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ كتاب الصوم لكن نقل غيرُه عن أشهَبَ أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يقضي. حكاه ابن التِّين. وقال الزّينُ بن المنيِر: دخول الذُّباب أقعَدُ بالغَلَبة وعَدَم الاختيار من دخول الماءِ؛ لأنَّ الذُّبابَ يدخلُ بنفسه، والماء في الاستنشاق والمضمضة، إنَّما نَشَأَ عن تَسَبُّبِهِ. وفَرَّقَ إبراهيمُ بين من كان ذاكراً لصومِه حالَ المضمضة، فأوجَبَ عليه القضاءَ دونَ الناسي. وعن الشَّعبي: إن كان لصلاةٍ فلا قضاءَ وإلَّا قضى. قوله: ((وقال الحسنُ ومجاهدٌ: إن جامَعَ ناسياً فلا شيءَ عليه)) هذان الأثران وَصَلهما ١٥٦/٤ عبدُ الرزاق (٧٣٧٥) قال: أخبرنا ابن جُرَيج (١)، عن ابن أبي نَجيحِ، عن مجاهدٍ، قال: لو وطِئَ رجلٌ امرأته وهو صائم ناسياً في رمضانَ لم يكن عليه فيه شيءٌ، وعن الثَّوري (٧٣٧٧) عن رجلٍ عن الحسن قال: هو بمنزلة من أكَلَ أو شَرِبَ ناسياً، وظهر بأثر الحسنِ هذا مُناسَبةُ ذِكر هذا الأثر للترجمة، ورَوَى أيضاً (٧٣٧٦) عن ابن جُرَيج: أنَّه سأل عطاءً عن رجلٍ أصاب امرأته ناسياً في رمضان، قال: لا يُنسى، هذا كلَّه عليه القضاء. وتابع عطاءً على ذلك الأوزاعي والليثُ ومالكٌ وأحمد، وهو أحدُ الوجهين للشافعية، وفَرَّقَ هؤلاءِ كلَّهم بين الآكلِ والمجامع، وعن أحمد في المشهور عنه: تجبُ عليه الكفَّارةُ أيضاً، وحُجَّتُهم قُصُور حالة المجامع ناسياً عن حالة الآكِل. وألحَقَ به بعضُ الشافعية من أكَلَ كثيراً لنُدور نِسیان ذلك. قال ابن دَقِيقِ العيدِ: ذهب مالكٌ إلى إيجاب القضاءِ على من أكَلَ أو شَرِبَ ناسياً وهو القياس، فإنَّ الصومَ قد فاتَ رُكنُه وهو من باب المأمورات، والقاعدةُ أنَّ النِّسيانَ لا يُؤْثِّرُ في المأمورات. قال: وعُمدةُ من لم يُوجِب القضاءَ حديث أبي هريرة؛ لأنه أمَرَ بالإتمام، وسمَّى الذي يَتِمُّ صوماً، وظاهرُه حمله على الحقيقة الشَّرعية، فيُتمسَّكُ به حتَّى يدلَّ دليلٌ على أنَّ المراد بالصوم هنا حقيقتُهُ اللُّغَوية. وكأنَّه يشير بهذا إلى قول ابن القَصّار: إنَّ معنى قوله: ((فليُتِمَّ صومَه)) أي: الذي كان دخل فيه، وليس فيه نفيُّ القضاء. قال: وقوله: ((فإنَّما أطعَمَه الله وسَقاه)) ممَّا يُستَدَلُّ به على (١) كذا قال، والذي في مطبوع ((المصنف)): أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح. ٣٥٦ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ فتح الباري بشرح البخاري صِحّة الصوم، لإشعاره بأنَّ الفعلَ الصادرَ منه مَسلوبُ الإضافة إليه، فلو كان أفطرَ لَأُضيفَ الحكمُ إليه، قال: وتعليق الحكم بالأكل والشُّرب للغالبِ؛ لأنَّ نسيان الجِماع نادرٌ بالنِّسبة إليهما، وذِكرُ الغالبِ لا يقتضي مفهوماً، وقد اختلف فيه القائلون بأنَّ أكلَ الناسي لا يُوجِبُ قضاءً، واختلف القائلون بالإفساد هل يُوجِب مع القضاءِ الكفَّارةَ، أو لا؟ مع اتّفاقِهم على أنَّ أكلَ الناسي لا يُوجِبُها، ومدار كلِّ ذلك على قصور حالة المجامع ناسياً عن حالة الآكِل، ومن أراد إلحاقَ الجِماعِ بالمنصوصِ عليه، فإنَّما طريقُه القياسُ، والقياسُ مع وجود الفارقِ مُتَعذِّرٌ، إلَّا إنْ بَيَّن القائسُ أنَّ الوَصفَ الفارقَ مُلغَى، انتهى. وأجاب بعض الشافعية بأنَّ عَدَم وجوب القضاء على المجامع مأخوذ من عموم قوله في بعض طرقِ الحديث: ((من أفطرَ في شهر رمضان))(١) لأنَّ الفِطْرِ أعمُّ من أن يكونَ بأكلٍ أو شربٍ أو جماع، وإنَّما خَصَّ الأكل والشُّرب بالذِّكر في الطريق الأُخرى لكونهما أغلَبَ وقوعاً، ولعَدَم الاستغناء عنهما غالباً. قوله: ((هشام)) هو الدَّستوائي. قوله: ((إذا نَسي فأكَلَ)) في رواية مسلم (١١٥٥) من طريق إسماعيلَ عن هشام: ((من نَسي وهو صائم فأكَلَ))، وللمصنّف في النَّذر (٦٦٦٩) من طريق عوف عن ابن سيرين: ((من أكَلَ ناسياً وهو صائم))، ولأبي داود (٢٣٩٨) من طريق حبيب بن الشَّهيد وأيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة: جاء رجل، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أُكَلت وشَرِبت ناسياً وأنا صائم، وهذا الرجل هو أبو هريرة راوي الحديث، أخرجه الدّار قُطْني (٢٢٤٩) بإسناد ضعيفٍ. قوله: ((فليُئِمَّ صومَه)) في رواية التِّرمِذي (٧٢١) من طريق قَتَادةَ، عن ابن سيرين: ((فلا يُفطِر». قوله: «فإِنَّا أَطعَمَه الله وسَقاه)» في رواية التِّرمِذي: «فإِنَّما هو ◌ِزْق رَزَقَه الله))، وللدّار قطني (٢٢٤٢) من طريق ابن عُليَّةَ عن هشام: ((فإنَّما هو رزق ساقه الله تعالى إليه). (١) سيذكر الحافظ تخريجه قريباً. ٣٥٧ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ كتاب الصوم قال ابن العربي: تمسَّكَ جميعُ فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتَطَلَّعَ مالكٌ إلى المسألة من طريقها فأشرفَ عليه، لأنَّ الفِطرَ ضِدُّ الصوم، والإمساكُ رُكنُ الصوم، فأشبَةَ ما لو نَسي ركعةً من الصلاة. قال: وقد روى الدّار قُطني (٢٢٤٢) فيه: ((لا قضاءَ عليك))، فتأوَّله علماؤنا على أنَّ معناه: لا قضاء عليك الآن، وهذا تَعَشُّفٌ، وإنَّما أقول: لَيْتَه صَحَّ فنشَبِعَه ونقولَ به، إلَّا على أصل مالكٍ في أنَّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعمَل به، فلمَّا جاء الحديث الأوَّل الموافقُ للقاعدة في رفع الإثم عَمِلنا به، وأمَّا الثاني فلا يوافقُها، فلم نَعمَل به. وقال القُرطُبي: احتَجَّ به من أسقَطَ القضاء،/ وأُجيبَ بأنَّه لم يتعرَّض فيه للقضاء، ١٥٧/٤ فيُحمَلُ على سقوط المؤاخذة، لأنَّ المطلوبَ صيام يوم لا خَرمَ فيه، لكن روى الدّار قُطني فيه سقوط القضاء، وهو نَصُّ لا يقبلُ الاحتمال، لكنَّ الشَّأنَ في صِحَّته، فإن صَحَّ وَجَبَ الأخذُ به وسَقَطَ القضاءُ. انتهى. وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوُّع، كما حكاه ابن التِّين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القَصّار، واعتَلَّ بأنَّه لم يقع في الحديث تعيينُ رمضانَ، فيُحمَلُ على التطوُّع. وقال المهلَّبُ وغيرُه: لم يُذكَّر في الحديث إثباتُ القضاء فيُحمَلُ على سقوط الكفَّارة عنه، وإثبات عُذُره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بَيَّتها. انتهى، والجواب عن ذلك كلّه بما أخرجه ابن خُزيمة (١٩٩٠) وابن حِبَّان (٣٥٢١) والحاكم (٤٣٠/١) والدّار قُطني (٢٢٤٣) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ: ((من أفطرَ في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفَّارة» فِعَيَّنَ رمضانَ وصَرَّحَ بإسقاط القضاء. قال الدّار قُطني: تفرَّد به محمدُ بنُ مَرزوقٍ عن الأنصاري، وتُعُقِّبَ بأنَّ ابن خُزيمة أخرجه (١٩٩٠) أيضاً عن إبراهيم بن محمدِ الباهلي، وبأنَّ الحاكمَ أخرجه من طريق أبي حاتم الرازي، كلاهما عن الأنصاري، فهو المنفَرِدُ به كما قال البيهقي، وهو ثقةٌ، والمراد: أنَّه انفَرَدَ بذِكر إسقاط القضاء فقط، لا بتعيينٍ رمضان، فإنّ ٣٥٨ باب ٢٦ / ح ١٩٣٣ فتح الباري بشرح البخاري النَّسائي (ك٣٢٦٤) أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكّار، عن محمد بن عَمْرو ولفظُه: في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً فقال: ((الله أطعَمَه وسَقاه)). وقد وَرَدَ إسقاطُ القضاء من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرة أخرجه الدّار قُطني (٢٢٤٢) من رواية محمد بن عيسى بن الطَّاع عن ابن عُليَّةَ عن هشام عن ابن سيرين، ولفظُه: ((فإنَّما هو رِزق ساقه الله إليه، ولا قضاءَ عليه))، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيحٌ، وكلُّهم ثقاتٌ. قلت: لكنَّ الحديثَ عند مسلم (١١٥٥) وغيره من طريق ابن عُليَّةً وليس فيه هذه الزّيادة. وروى الدّار قُطني أيضاً (٢٢٤٥ - ٢٢٥٠) إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبُري والوليد بن عبد الرحمن وعطاءِ بن يَسارٍ، كلَّهم عن أبي هريرة، وأخرج أيضاً (٢٢٤٠) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: «من أکَلَ في شهر رمضان ناسیاً فلا قضاء علیه»، وإسناده وإن كان ضعيفاً لكنَّه صالحٌ للمتابعة(١)، فأقلُّ درجات الحديث بهذه الزّيادة أن یکون حسناً، فیَصلُحُ للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في کثیر من المسائل بما هو دونه في القوّة، ويَعتَضِدُ أيضاً بأنَّه قد أفتى به جماعةٌ من الصحابة من غير مخالَفةٍ لهم، منهم - كما قاله ابن المنذر وابن حَزْم وغيرُهما -: عليّ بنُ أبي طالبٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرة، وابن عمر، ثمَّ هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فالنِّسيان ليس من كَسْب القلب، وموافقٌ للقياس في إيطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسیانه، فكذلك الصيام، وأمَّا القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مُقابلة النصّ، فلا يُقبَل، ورَدُّه للحديث مع صِخَّته بكونِه خبرَ واحدٍ خالَفَ القاعدةَ ليس بمُسلَّم، لأنه قاعدةٌ مُستقلّةٌ بالصيام، فمن عارضَه بالقياس على الصلاة أدخَلَ قاعدةً في قاعدةٍ، ولو فُتِحَ بابُ رَدِّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلَّا القليل. وفي الحديث لُطفُ الله بعباده والتيسيرُ عليهم ورفعُ المشقّة والخَرَجِ عنهم، وقد روى أحمد (٢٧٠٦٩) لهذا الحديث سبباً، فأخرج من طريق أُمِّ حَكيم بنت دينارٍ عن مولاتها أُمّ (١) في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف، ومحمد بن عبيد الله العرزمي قال عنه هو في ((التقريب)): متروك، فکیف يصلح للمتابعة؟! فغيره یغني عنه. ٣٥٩ باب ٢٧ / ح ١٩٣٤ كتاب الصوم إسحاقَ: أنَّا كانت عند النبي ◌ِّه، فأُتي بقَصعةٍ من ثَرِيد، فأَكَلت معه، ثمَّ تَذَكَّرَت أنَّها كانت صائمةً، فقال لها ذو اليَدَينِ: الآنَ بعدَما شَبِعت؟ فقال لها النبي ◌َّ: ((أيّي صومَك فإنَّما هو رِزق ساقه الله إليك))، وفي هذا رَدُّ على من فرَّقَ بين قليل الأكل وكثيره. ومِن المستَظَرَفات ما رواه عبدُ الرزاق (٧٣٧٨) عن ابن جُرَيج عن عَمرِو بن دينارٍ : أَنَّ إنساناً جاء إلى أبي هريرة، فقال: أصبَحتُ صائماً فنسيت فطَعِمت، قال: لا بأسَ. قال: ثمَّ دخلت على إنسانٍ فنسيت وطَعِمت وشَرِبت، قال: لا بأسَ، الله أطعَمَك وسَقاك. ثمّ قال: دخلت على آخرَ فنسيت فطَعِمت، فقال أبو هريرة: أنتَ إنسانٌ لم تَتعَوَّد الصيامَ. ٢٧ - باب سواك الرّطب واليابس للصائم ١٥٨/٤ ويُذكَرُ عن عامرِ بنِ رَبِيعةَ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يَستاكُ وهو صائمٌ ما لا أُحصي ولا أعُدّ. وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّ: ((لولا أن أشُقَّ على أُمَّتِي لأمَرُهم بالسِّواكِ عندَ كلٍّ وُضوءٍ)). ويُروَى نحوُه عن جابرٍ وزيد بنِ خالدٍ، عن النبيِّ وَّهِ، ولم يَخُصَّ الصائمَ من غيرِهِ. وقالت عائشةُ، عن النبيِّ وَّةِ: ((السِّواك مَطهَرةٌ للفَمِ، مَرضاةٌ للَّبّ)». وقال عطاءٌ وقَتَادٌ: يَبْتَلِعُ رِيقَه. ١٩٣٤ - حدَّثنا عبدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌّ، قال: حدَّثني الزُّهْريّ، عن عطاءِ ابنِ يزيدَ، عن مُرانَ: رأيتُ عثمانَ عَّ تَوضَّأ، فأفرَغَ على يَدَيه ثلاثاً، ثمَّ تَمَضمَضَ واستَثَرَ، ثمَّ غَسَلَ وجهَه ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ يدَه اليُمنَى إلى المرفِقِ ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ يدَه اليُسرَى إلى المرفِقِ ثلاثاً، ثَّ مَسَحَ برأسِه، ثمَّ غَسَلَ رِجِلَه اليُمنَى ثلاثاً، ثمَّ اليُسرَى ثلاثاً، ثمَّ قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِله تَوضَّأ نحوَ وُضوئي هذا، ثمَّ قال: «مَن تَوضَّأْ وُضوئي هذا ثمَّ يُصلِّ رَكعتَينِ لا يُحدِّثُ نفسَه فيهما بشيءٍ إلا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنِهِ)). قوله: ((باب سواك الرَّطبِ واليابِسِ للصائم)) كذا للأكثر وهو كقولهم، مسجد الجامع، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((باب السِّواك الرَّطب واليابس))، وأشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من كَرهَ للصائم الاستياكَ بالسِّواك الرَّطبِ كالمالكية والشَّعبي، وقد تقدَّم قبلُ ببابٍ ٣٦٠ باب ٢٧ / ح ١٩٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قياسُ ابن سيرين السِّواكَ الرَّطبَ على الماء الذي يُتْمَضمَضُ به، ومنه تَظهَرُ الُّكنةُ في إيراد حديث عثمانَ في صفة الوضوءِ في هذا الباب، فإنَّ فيه أنَّه تَضمَضَ واستَنَشَقَ وقال فيه: ((من توَضَّأْ وُضوئي هذا»، ولم يُفرِّق بين صائم ومُفطِرٍ، ويتأيَّدُ ذلك بما ذُكِرَ في حديث أبي هريرة في الباب. قوله: ((ويُذكرُ عن عامر بن ربيعةَ، قال: رأيت النبي ◌َّهِ يَستاكُ وهو صائمٌ ما لا أُحصي أو أَعُدّ)) وَصَله أحمد (١٥٦٧٨) وأبو داود (٢٣٦٤) والتِّرمِذي (٧٢٥) من طريق عاصم بن عُبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، وأخرجه ابن خُزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٠٧) وقال: كنت لا أُخرِجُ حديثَ عاصم، ثمَّ نظرت فإذا شُعْبةُ والثّوري قد رویا عنه، وروى يحيى وعبد الرحمن، عن الثَّوري عنه، وروى مالك عنه خبراً في غير ((الموطَّأ)). قلت: وضعَّفَه ابن معينٍ والذُّهلي والبخاري وغيرُ واحدٍ، ومُناسَبَتُه للترجمة إشعاره بِمُلازَمة السِّواك، ولم يَخُصَّ رَطباً من يابسٍ، وهذا على طريقة المصنِّف في أنَّ المطلَقَ يُسلَكُ به مَسلَكَ العموم، أو أنَّ العامَّ في الأشخاص عامّ في الأحوال، وقد أشار إلى ذلك بقوله في أواخر الترجمة المذكورة: ((ولم يَخُصَّ صائماً من غيره)) أي: ولم يَخُصَّ أيضاً رَطباً من يابسٍ. وبهذا التقرير تَظْهَرُ مُناسَبةٌ جميع ما أورده في هذا الباب للترجمة، والجامعُ لذلك كلِّه قوله في حديث أبي هريرة: «لَأْمَرتهم بالسّواك عند كلّ وضوءٍ»، فإنَّه يقتضي إباحته في كلِّ وقتٍ وعلى كلّ حالٍ. قال ابن المنيِر في ((الحاشية)): أخذ البخاري شرعيةَ السِّواك للصائم بالدَّليل الخاصّ، ثمَّ انتَزَعَه من أعمِّ الأدلَّة العامّة التي تَناوَلَت أحوالَ مُتَنَاوِل السِّواك وأحوالَ ما يُستاكُ به، ثمَّ انتَزَعَ ذلك من أعمَّ من السِّواك وهو المضمَضةُ، إذ هي أبلَغُ من السِّواك الرَّطب. قوله: ((وقالت عائشة عن النبي ◌َله: السّواكُ مَطهَرةٌ للفَم مَرضاةٌ للرَّبّ)) وَصَله أحمد (٢٤٢٠٣) والنَّسائي (٥) وابن خُزيمة (١٣٥) وابن حِبَّان (١٠٦٧) من طريق عبد الرحمن ١٥٩/٤ ابن عبد الله بن أبي عتيقٍ محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكرِ الصُّدّيق،/ عن أبيه، عنها. رواه