النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ٨ / ح ١٩٠٣
كتاب الصوم
المقصود من شرعية الصوم نفسَ الجوع والعَطَش، بل ما يَتَبَعُه من كسر الشَّهَوات وتطويع
النَّفْسِ الأمّارة للنَّفسِ المطمَئِنّة، فإذا لم يَحصُل ذلك لا يَنظُرُ الله إليه نظر القَبُول، فقوله:
((ليس لله حاجة)) مَجَاز عن عَدَم القَبُول، فنفى السببَ وأراد المسبَّب، والله أعلم.
واستدلَّ به على أنَّ هذه الأفعالَ تَنْقُصُ الصومَ، وتُعُقِّبَ بأنَّهَا صَغائرُ تُكَفَّرُ باجتناب
الكبائر. وأجاب السُّبكي الكبير: بأنَّ في حديث الباب والذي مضى في أوَّل الصوم
(١٨٩٤) دلالةٌ قويةٌ للأوَّل، لأنَّ الرَّفَثَ والصَّخَبَ وقولَ الزّور والعملَ به ممَّا عُلِمَ النَّهيُ
عنه مُطلَقاً، والصوم مأمور به مُطلَقاً، فلو كانت هذه الأُمور إذا حَصَلَت فيه لم يتأثّر بها لم
يكن لِذِكْرها فيه مشروطةً به، معنَى يفهمُه، فلمَّا ذكرت في هذَينِ الحديثِين نَبَّهَتنا على
أمرَينِ: أحدهما: زيادة قُبحها في الصوم على غيره، والثاني: الحثّ(١) على سلامة الصوم
عنها، وأنَّ سلامَتَه منها صفة كمال فيه، وقوّة الكلام تقتضي أن يُقبَّحَ ذلك لأجل الصوم،
فمُقتَضى ذلك أنَّ الصومَ يَكمُلُ بالسلامة عنها. قال: فإذا لم يَسلم عنها نَقَصَ. ثمَّ قال: ولا
شكَّ أنَّ التكاليفَ قد تَرِدُ بأشياءَ ويُنَّه بها على أُخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من
الصوم العَدَمَ المحضَ كما في المنهيات، لأنه يُشتَرَطُ له النِّيّةُ بالإجماع، ولعلَّ القصدَ به في
الأصل الإمساكُ عن جميع المخالفات، لكن لمَّا كان ذلك يَشُقُّ خَفَّفَ الله وأمَرَ بالإمساك
عن المفطِرات،/ ونَبَّه الغافلَ بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشَدَ إلى ذلك ما تَضمَّنته ١١٨/٤
أحاديثُ المُبيِّنِ عن الله مرادَه، فيكون اجتناب المفطرات واجباً، واجتنابُ ما عداها من
المخالفات من المكمّلات، والله أعلم.
وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذي)): لمَّا أخرج التِّرمِذي هذا الحديثَ ترجم ما جاء في
التشديد في الغيبة للصائم، وهو مُشكِلٌ لأنَّ الغيبةَ ليست قولَ الزّور ولا العملَ به، لأنها:
أن يَذْكُرَ غيرَه بما يَكرَه، وقول الزور هو الكذِب، وقد وافق التِّرمِذيُّ بقية أصحاب السُّنن،
فترجموا بالغيبة وذكروا هذا الحديث، وكأنَّهم فهموا من ذِكر قول الزّور والعمل به الأمرَ
بحِفظ النُّطْقِ، ويُمكِنُ أن يكونَ فيه إشارةٌ إلى الزّيادة التي وَرَدَت في بعضٍ طُرقِه وهي
(١) تحرفت في (س) إلى: البحث.

٢٨٢
باب ٩ / ح ١٩٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
الجهلُ، فإنَّه يَصِحُ إطلاقُه على جميع المعاصي. وأمَّا قوله: ((والعملَ به)) فيعودُ على الزّور،
ويحتمل أن يعودَ أيضاً على الجهل، أي: والعمل بكلٌّ منهما.
تنبيه: قوله: ((فليس لله))، وقع عند البيهقي في ((الشِّعَب)) (٣٦٤١) من طريق يزيد بن
هارون، عن ابن أبي ذئب: ((فليس به)) بموخَّدة وهاء ضمير، فإن لم يكن تحريفاً، فالضمير
للصائم.
٩ - باب هل يقول: إنِّ صائمٌ، إذا شُتِم
١٩٠٤- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن ابنِ جُرَيج، قال:
أخبرني عطاءٌ، عن أبي صالح الزَّات: أنَّه سمع أبا هريرةَ عُ يقول: قال رسولُ اللهِوَ الَ: ((قال
الله: كلّ عملٍ ابنِ آدمَ له، إلّا الصِّيامَ فِنَّه لي وأنا أجزي به، والصِّيامُ جُنّةٌ، وإذا كان يومُ صومٍ
أحدِكم فلا يَرفُث ولا يَصخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه، فليقل: إِنِّ امْرُؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ
محمَّدٍ بِيَدِه، الخُلُوفُ فم الصائمِ أَطيَبُ عندَ الله من رِيحِ المِسك، للصائمِ فرحَتان يَفرَحُهما: إذا
أفطَرَ فِخَ، وإذا لَقِيَ ربَّ فِحَ بصومِه)).
قوله: ((باب هل يقول: إنّ صائمٌ إذا شُتِمَ)) أورد فيه حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم الكلامُ
عليه مُستوقَّ قبلَ ستّة أبواب (١٨٩٤).
قوله فيه: ((ولا يَصخَب)) كذا للأكثر بالمهمَلة الساكنة بعدَها خاء مُعجَمة، ولبعضِهم
بالسّين بدلَ الصاد، وهي بمعناه، والصَّخَب: الخِصام والصياح، وقد تقدَّم أنَّ المراد بالنهي
عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلَّا فغيرُ الصائم مَنهيٌّ عن ذلك أيضاً.
قوله: ((الخُلُوفُ)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: ((لَخُلُف)) بحذفِ الواو، وكأنَّها صيغةٌ
جمع، ويُروى في غير البخاري بلفظ: ((لَخَلْفَةُ)) على الواحدة، كتمر وتمرة.
قوله: ((للصائمِ فرحَتان يَفرَحُهما: إذا أفطَرَ فِرِحَ)) زاد مسلم (١١٥١/ ١٦٢) ((فِطره))،
وقوله: ((يَفرَحُهما)) أصلُه يَفرَحُ بهما، فحَذَفَ الجارَّ، ووَصَلَ الضمير، كقوله: صام رمضانَ،
أي: فيه. قال القُرطُبي: معناه فِرِحَ بزوال جوعِه وعَطَشِه، حيثُ أُبِيحَ له الفِطْرُ، وهذا

٢٨٣
باب ١٠ / ح ١٩٠٥
كتاب الصوم
الفَرَح طبيعي، وهو السابقُ للفَهم، وقيل: إنَّ فَرَحَه بفطره إنَّما هو من حيثُ إنَّه تمامُ صومِه،
وخاتمة عبادته، وتخفيفٌ من ربِّه، ومعونةٌ على مُستَقبل صومه. قلت: ولا مانعَ من الحمل
على ما هو أعمُّ ممَّا ذُكِرِ، ففَرَحُ كلّ أحدٍ بحَسَبِه، لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم
من يكون فرَحُه مُباحاً، وهو الطّبيعي، ومنهم من يكون مُستحَبّاً، وهو من يكون سببَه
شيءٌ مَّا ذكره.
قوله: ((وإذا لَقَيَ ربَّ فَرِحَ بصومِه)) أي: بجَزائه وثوابه. وقيل: الفَرَحُ الذي عند لقاءِ ربِّه
إمّا لسُروره برَبِّه، أو بثواب ربِّه، على الاحتمالَين. قلت: والثاني أظهَرُ إذ لا يَنحَصِرُ الأوَّل
في الصوم، بل يَفْرَحُ حينئذٍ بقَبُول صومِه وتَرَتُّبِ الجزاءِ الوافِ علیه.
١١٩/٤
١٠ - باب الصوم لمن خاف على نفسه العُزْبةَ
١٩٠٥ - حدّثنا عبدانُ، عن أبي حمزةَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمة، قال: بَيْنا أنا
أمشي مع عبد الله ، فقال: كنَّا مع النبيِّ وَّةَ، فقال: ((مَنِ استَطاع الباءةَ، فليتزوَّج، فإنَّه
أَغَضُّ للبَصَرِ وأحصَنُ للفَرجِ، ومَن لم يَستَطِعْ فعليه بالصوم، فإِنَّه له وِجَاءٌ)».
[طرفاه في: ٥٠٦٥، ٥٠٦٦]
قوله: ((باب الصوم لمن خافَ على نفسِه العُزبة)) بضمِّ المهمَلة وسكون الزاي بعدَها
موخَّدة، كذا لأبي ذرِّ، ولغيره ((العُزوبة)) بزيادة واو، والمراد بالخوفِ من العُزوبة: ما يَنشَأُ
عنها من إرادة الوقوع في العَنت. ثمَّ أوردَ المصنِّفُ فيه حديثَ ابن مسعود المشهور، وسيأتي
الكلامُ عليه مُستوفَ في كتاب النكاح (٥٠٦٥) إن شاء الله تعالى، والمراد منه هنا قوله فيه:
((ومن لم يَستَطِع)) أي: لم يَجِد أُهبة النكاح.
قوله: ((فعليه بالصوم فإنَّه له وِجاءٌ)) بكسر الواو وبجيم ومَدِّ، وهو رَضّ الْخُصيَتَين،
وقيل: رَضّ عُروقِهما، ومن يُفعلُ به ذلك تَنقَطِعُ شهوته، ومُقتَضاه أنَّ الصومَ قامع لشهوة
النكاح. واستُشكِلَ بأنَّ الصومَ يزيدُ في تَهيج الحرارة، وذلك ممّا يُثيرُ الشَّهوة، لكنَّ ذلك
إنَّما يقعُ في مَبدأ الأمر فإذا تَمادى عليه واعتاده سَكَن ذلك، والله أعلم.

٢٨٤
باب ١١ / ح ١٩٠٦-١٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
١١ - باب قول النبيّ وَّيقول: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا))
وقال صِلةُ، عن عَّارٍ: مَن صامَ يومَ الشكِّ فقد عَصَى أبا القاسمِ
١٩٠٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن عبد الله بنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله وَلَّ ذكرِ رمضانَ، فقال: ((لا تصوموا حتَّى تَروا الهلالَ، ولا تُفطِرِوا حتَّى
تَروه، فإن غُمَّ علیکم فاقدُروا له)).
١٩٠٧ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن عبد الله بنِ دِينارٍ، عن عبد الله بنِ
عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوَ قال: ((الشهرُ تسعٌ وعشرونَ ليلةً، فلا تصوموا حتَّى
تَروه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثِينَ)).
١٩٠٨- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن جبلةَ بنِ سُحَيم، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما، يقول: قال النبيُّ وَال ◌َ: ((الشهرُ هكذا وهكذا))، وخَتَسَ الإبهامَ في الثالثة.
[طرفاه في: ٥٣٠٢،١٩١٣]
١٩٠٩ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنا شُعْبَةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ زِيادٍ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾،
يقول: قال النبيُّ ◌َّ - أو قال: قال أبو القاسمِوَّـ: ((صوموا لُرُؤْيَته وأفطِرُوا لِرُؤْيَته، فإن
غُبِّيَ عليكم، فأكمِلوا عِدّةَ شعبانَ ثلاثِينَ)).
١٩١٠ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن يحيى بنِ عبد الله بنِ صَيفِيٍّ، عن عِكْرمةَ
١٢٠/٤ ابنِ عبد الرحمن، عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَلَ آلى من نسائه شهراً، فلمَّا مَضَى
تسعةٌ وعشرونَ يوماً غَدا أو راح، فقِيلَ له: إِنَّكَ حَلَفتَ أن لا تَدخُلَ شهراً؟ فقال: ((إنَّ الشهرَ
یکون تسعةً وعشرين يوماً».
[طرفه في: ٥٢٠٢]
١٩١١ - حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبد الله، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ
قال: آلى رسولُ الله ◌َ﴿ه من نسائه، وكانت انفَكَّت رِجُلُه، فأقامَ في مَشرُبةٍ تسعاً وعشرين ليلةً،
ثمَّ نزل، فقالوا: يا رسولَ الله، آلَيتَ شهراً؟ فقال: ((إنَّ الشهرَ يكون تسعاً وعشرينَ)).

٢٨٥
باب ١١ / ح ١٩٠٦- ١٩١١
كتاب الصوم
قوله: ((باب قول النبي وَلّ: إذا رأيتُم الهلالَ فصوموا)) هذه الترجمة لفظ مسلم (١٠٨١٪
١٧) من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن شهابٍ عن سعيدٍ عن أبي هريرة، وقد سَبَقَ
للمصنّف في أوَّل الصيام (١٩٠٠) من طريق ابن شهابٍ عن سالم عن أبيه بلفظ: ((إذا
رأيتُموه))، وذكر البخاري في الباب أحاديث تدلّ على نفي صوم يوم الشكِّ رَتَّبَها ترتيباً
حسناً: فصَدَّرَها بحدیث عَّار المصرِّحِ بعِصیانٍ من صامه، ثمَّ بحديث ابن عمر من وجهين
أحدهما بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له))، والآخر بلفظ: ((فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثين))، وقَصَدَ
بذلك بيان المراد من قوله: ((فاقدُروا له))، ثمَّ استَظهَرَ بحديث ابن عمر أيضاً: ((الشهر هكذا
وهكذا))، وحَبَس الإبهام في الثالثة، ثمَّ ذكر شاهداً من حديث أبي هريرة لحديث ابن عمر
مُصرِّحاً بأنَّ ◌ِدّة الثلاثين المأمور بها تكونُ من شعبان، ثمَّ ذکر شاهداً حديث ابن عمر في
كونِ الشهر تسعاً وعشرين من حديث أُمِّ سَلَمة مُصرِّحاً فيه بأنَّ الشهرَ تسعٌ وعشرون،
ومن حديث أنس كذلك، وسأتكلَّمُ عليها حديثاً حديثاً إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال صِلةُ عن عَّر ... )) إلى آخره، أمَّا صِلَةُ فهو بكسر المهمَلة وتخفيف اللّام
المفتوحة: ابنُ زُفَرَ، بزاي وفاء وزن عُمَر، كوفي عَبْسي، بموخَّدةٍ ومُهمَلةٍ، من كبار التابعين
وفُضَلائهم، ووَهِمَ ابن حَزْم فَزَعَمَ أنَّه صِلةُ بن أشيم، والمعروف أنَّه ابن زُفَرِ، وكذا وقع
مُصرَّحاً به عند جمع ثمَّن وَصَلَ هذا الحديث، وقد وَصَله أبو داود (٢٣٣٤) والتِّرمِذي
(٦٨٦) والنَّسائي (٢١٨٨) وابن خُزيمة (١٩١٤) وابن حِبَّان (٣٥٨٥) والحاكمُ (٤٢٣/١-
٤٢٤) من طريق عَمْرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه، ولفظه عندهم: كنَّا عند عمَّار بن
ياسر فأُتي بشاةٍ مَصْليةٍ فقال: كُلُوا، فَتَنَحّى بعضُ القوم، فقال: إنّي صائم، فقال عزَّار: من
صام يومَ الشّ ... ، وفي رواية ابن ◌ُزَيمة وغيره: من صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، وله
مُتَابِعٌ بإسناد حسنٍ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٧٢/٣) من طريق منصور عن رِبعيٍّ: أنَّ عَمَّاراً
وناساً معه أتوهم يسألونَهم في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فاعتَزَلهم رجل، فقال له عمَّر: تعالَ
فكُلْ، فقال: إنِّي صائم، فقال له عنَّار: إن كنت تُؤمِنُ بالله واليوم الآخر فتعالَ وكُلّ. ورواه
عبد الرزاق (٧٣١٨) من وجهٍ آخرَ عن منصورٍ عن ربعي عن رجلٍ عن عمَّار، وله شاهدٌ

٢٨٦
باب ١١ / ح ١٩٠٦- ١٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
من وجهٍ آخرَ أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سِماك عن عِكْرمةَ(١)، ومنهم(٢) من
وَصَلَه بذِكْر ابن عبّاسٍ فيه.
قوله: ((فقد عصى أبا القاسم ◌َّ)) استُدلَّ به على تحريم صوم يوم الشكِّ لأنَّ الصحابي
لا يقول ذلك من قِبَل رأيِهِ، فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البَرِّ: هو مُسنَدٌ عندهم
لا يختلفونَ في ذلك. وخالَفَهم الجَوهَري المالكي فقال: هو موقوف. والجوابُ أنَّه موقوف
لفظاً مرفوع حُكماً.
قال الطِّيبي: إنَّما أتى بالموصول ولم يَقُل: يومَ الشكِّ(٣) مُبالَغةً في أنَّ صومَ يوم فيه أدنى
شكِّ سببٌ لِعِصيان صاحبِ الشَّرع، فكيف بمن صام يوماً الشُّ فيه قائمٌ ثابتٌ، ونحوُه
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود:١١٣] أي الذين أونِسَ منهم أدنى ظُلم،
فكيف بالظالم المستَمِرِّ عليه؟ قلت: وقد عَلِمتَ أنَّه وقع في كثيرٍ من الطَّرقِ بلفظ: يومَ
الشكّ. وقوله: أبا القاسم، قيل فائدة تخصيص هذه الكُنية الإشارة إلى أنَّه هو الذي يَقْسِمُ
بين عباد الله أحكامَه زماناً ومكاناً وغير ذلك.
١٢١/٤
وأمَّا حديثُ ابن عمر فاتَّفَقَ الرُّواةُ عن مالكِ عن نافع فيه على قوله: «فاقدُروا له»،
وجاء من وجهٍ آخرَ عن نافع بلفظ: ((فاقدُروا ثلاثين)) كذلك أخرجه مسلم (٤/١٠٨٠)
من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق (٧٣٠٧) عن مَعمَرٍ عن
أيوبَ عن نافع، قال عبد الرزاق (٧٣٠٦): وأخبرنا عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافعٍ به،
وقال: ((فعُدّوا ثلاثين))، واتَّفَقَ الرُّواةُ عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار أيضاً فيه على قوله:
((فاقدُروا له))، وكذلك رواه الزَّعفَراني وغيره عن الشافعي، وكذا رواه إسحاق الحَرْبي
وغيره في ((الموطَّأ)) عن القَعْنبي.
(١) وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٧٢.
(٢) كالخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٢/ ٣٩٧، ورواية سماك عن عكرمة خاصة، مضطربة.
(٣) كلام الطيبي هنا في شرحه لرواية: ((من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه))، وهي رواية ابن خزيمة، وقد أشار
إليها الحافظ قريباً.

٢٨٧
باب ١١ / ح ١٩٠٦ - ١٩١١
كتاب الصوم
وأخرجه الرَّبيع بن سليمان والمُزَني عن الشافعي(١) فقال فيه كما قاله البخاري هنا عن
القَعْنبي: ((فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثين))، قال البيهقي في ((المعرفة)): إن كانت رواية
الشافعي والقَعْنبي من هذَينِ الوجهين محفوظة، فيكون مالك قد رواه على اللفظين.
قلت: ومع غرابة هذا اللَّفظِ من هذا الوجه فله مُتَابَعات، منها: ما رواه الشافعي (٢) أيضاً
من طريق سالم عن ابن عمر بتعيينِ الثلاثين، ومنها: ما رواه ابن خُزَيمة (١٩٠٩) من طريق
عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فكمِّلوا ثلاثين))، وله
شواهد من حديث حُذَيفة عند ابن خُزيمة (١٩١١)(٣)، وأبي هريرة وابن عبَّاس عند أبي
داود والنَّسائي وغيرهما(٤)، وعن أبي بَكْرةَ وطَلْق بن عليّ عند البيهقي (٢٠٦/٤ و ٢٠٨)،
وأخرجه من طرقٍ (٥) أُخرى عنهم وعن غيرهم.
قوله: ((لا تصوموا حتَّى تَرَوا الهلالَ)) ظاهره إيجاب الصوم حين الرُّؤية متى وُجِدَت
ليلاً أو نهاراً، لكنَّه محمولٌ على صوم اليوم المستَقبَل، وبعض العلماءِ فَرَّقَ بين ما قبلَ
الَّوال أو بعدهُ، وخالَفَ الشّيعةُ الإجماعَ فأوجَبوه مُطلَقاً، وهو ظاهرٌ في النَّهي عن ابتداءٍ
صوم رمضان قبلَ رؤية الهلال، فيدخلُ فيه صورة الغَيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على
هذه الجملةِ لكَفى ذلك لمن تمسّكَ به، لكنَّ اللَّفظَ الذي رواه أكثرُ الرُّواة أوقَعَ للمخالفِ
شُبهةً وهو قوله: ((فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له)) فاحتملَ أن يكونَ المرادُ التفرقةَ بين حُكم
الصحْو والغَيم، فيكون التعليق على الرُّؤية مُتعلِّقاً بالصحْو، وأمَّا الغَيمُ فله حُكمٌ آخر.
ويحتمل أن لا تَفرِقَةَ، ويكون الثاني مُؤَكِّداً للأوَّل، وإلى الأوَّل ذهب أكثر الحنابلة، وإلى
الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المرادُ بقوله: ((فاقدُروا له)) أي: انظُرُوا في أوَّل الشهر
(١) رواية الربيع بن سليمان في ((الأم)) ١٠٣/٢، ورواية المزني في ((السنن المأثورة)) (٣٤٥).
(٢) في ((السنن المأثورة)) (٤٢١).
(٣) سيخرجه الشارح قريباً بأوسع مما هنا.
(٤) حديث أبي هريرة هو رابع حديث في الباب، وأما حديث ابن عباس فسيخرجه الشارح قريباً بأوسع مما
هنا.
(٥) في الأصلين: من طريق، وأثبتناه على الصواب من (س).

٢٨٨
باب ١١ / ح ١٩٠٦- ١٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
واحسِبوا تمام الثلاثين.
ويُرجِّحُ هذا التأويلَ الرواياتُ الأخرى المصرِّحة بالمراد، وهي ما تقدَّمُ من قوله:
((فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثين)) ونحوها، وأولى ما فُسِّرَ الحديثُ بالحديث، وقد وقع الاختلافُ في
حديث أبي هريرة في هذه الزِّيادة أيضاً فرواها البخاري كما ترى بلفظ: ((فأكمِلوا عِدّةَ
شعبان ثلاثين))، وهذا أصرَحُ ما وَرَدَ في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخَه انفَرَدَ بذلك، فإنَّ
أكثرَ الرُّواة عن شُعْبةَ قالوا فيه: ((فعُدّوا ثلاثين)) أشار إلى ذلك الإسماعيلي، وهو عند مسلم
(١٩/١٠٨١) وغيره. قال: فيجوز أن يكونَ آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.
قلت: الذي ظَنَّه الإسماعيلي صحيحٌ، فقد رواه البيهقي (٤/ ٢٠٥) من طريق إبراهيم بن
ديزيل(١)، عن آدم بلفظ: ((فإن غُمَّ عليكم فعُدّوا ثلاثين يوماً)) يعني عُدّوا شعبان ثلاثين،
فوقع للبخاري إدراج التفسير في نفسِ الخبر. ويُؤْيِّده روايةُ أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ:
((لا تَقدَّموا رمضان بصوم يوم ولا يومين))، فإنَّه يُشعِرُ بأنَّ المأمورَ بعَدَدِه هو شعبان، وقد
رواه مسلم (١٨/١٠٨١) من طريق الرَّبيع بن مسلم عن محمد بن زياد بلفظ: ((فأكمِلوا
العدد»، وهو يتناولُ کلّ شهر فدخل فيه شعبان.
وروى الدّار قُطني (٢١٤٩) وصَحَّحَه وابن خُزيمة في ((صحيحه)) (١٩١٠) من حديث
عائشة: كان رسولُ الله ◌َّهِ يَتَحَفَّظُ من شعبانَ ما لا يَتَحَفَّظُ من غيره ثمَّ يصومُ لرؤية
رمضان، فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً ثمَّ صام. وأخرجه أبو داود (٢٣٢٥) وغيرُه أيضاً.
وروى أبو داود (٢٣٢٦) والنَّسائي (٢١٢٦) وابن خُزيمة (١٩١١) من طريق رِبعي عن
حُذَيفةَ مرفوعاً: ((لا تَقَدَّموا الشهر حتَّى تَرَوا الهلالَ أو تُكمِلوا العِدّة، ثمَّ صوموا حتَّى تَرَوا
الهلالَ أو تُكمِلوا العِدّةَ))، وقيل: الصواب فيه عن رِبعي عن رجلٍ من الصحابة مُبهَم، ولا
يقدحُ ذلك في صِخَّته.
قال ابن الجَوْزي في «التحقيق)): لأحمد في هذه المسألة - وهي ما إذا حالَ دونَ مطلع
الهلال غَيمٌ أو قَتَرٌ ليلةَ الثلاثين من شعبانَ - ثلاثة أقوال: أحدُها: يجبُ صومُه على أنَّه من
١٢٢/٤
(١) تحرف في (س) إلى: یزید، وفي (ع) إلى: زید.

٢٨٩
باب ١١ / ح ١٩٠٦- ١٩١١
كتاب الصوم
رمضان، ثانيها: لا يجوز فرضاً ولا نَفلاً مُطلَقاً، بل قضاءً وكفَّارةً ونَذراً ونَفلاً يوافقُ عادةً،
وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرضٍ رمضان ويجوز عمَّا سوى
ذلك، ثالثُها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفِطْر. واحتَجَّ الأوَّل بأنَّه موافقٌ لرأي
الصحابي راوي الحديث، قال أحمد (٤٤٨٨): حدَّثنا إسماعيلُ حدَّثنا أيوبُ عن نافعٍ عن
ابن عمر، فذكر الحديثَ بلفظ: ((فاقدُروا له)) قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبانَ
تسعٌ وعشرونَ يَبعَثُ من يَنظُرِ، فإن رأى فذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُلْ دونَ مَنظَرَه سحاب ولا
قَتَرٌ، أصبَحَ مُفطِراً، وإن حالَ أصبَحَ صائماً. وأمَّا ما روى الثَّوري في ((جامعه)) عن
عبد العزيز بن حَكِيم سمعت ابن عمر يقول: لو صمتُ السَّنَةَ كلّها لَأفطَرتُ اليومَ الذي
يُشَلُّ فيه، فالجمعُ بينهما أنَّه في الصّورة التي أوجبَ فيها الصوم لا يُسمّى يومَ شكِّ، وهذا
هو المشهورُ عن أحمد أنَّه خَصَّ يومَ الشكِّ بما إذا تقاعد الناسُ عن رؤية الهلال، أو شَهِدَ
بُرُؤْيَتِه مَن لا يقبلُ الحاكمُ شهادته، فأمَّا إذا حالَ دون مَنظَرَه شيء فلا يُسمّى شكّاً. واختار
كثير من المحقّقين من أصحابه الثاني.
قال ابن عبد الهادي في ((تنقيحِه)): الذي دَلَّت عليه الأحاديثُ - وهو مُقتَضى القواعد -
أَنَّه أُّ شهر غُمَّ أُكمِلَ ثلاثین، سواءٌ في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى هذا قوله:
((فأكمِلوا العِدّةَ)) يَرجِعُ إلى الجملتينِ وهو قوله: ((صوموا لِرُؤْيَته وأفطِروا لِرُؤْيَته، فإن غُمَّ
عليكم فأكمِلوا العِدّةَ)) أي: غُمَّ عليكم في صومِكم أو فِطرِكم، وبقية الأحاديث تدلُّ عليه،
فاللّام في قوله: ((فأكمِلوا العِدّةَ) للشَّهر أي: عِدّةَ الشهر، ولم يُخُصَّ ◌َّ شهراً دونَ شهر
بالإكمال إذا غُمّ، فلا فرقَ بين شعبانَ وغيرِه في ذلك، إذ لو كان شعبان غيرَ مرادٍ بهذا
الإكمال لَبيَّنْه، فلا تكونُ روايةُ من روى ((فأكمِلوا عِدّة شعبانَ)) مخالفةً لمن قال: «فأكمِلوا
العِدّةَ))، بل مُبَيِّنَةً لها. ويُؤيِّد ذلك قوله في الرواية الأُخرى: ((فإن حالَ بينكم وبينه سحاب
فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثين، ولا تَستَقبِلوا الشهر استقبالاً)) أخرجه أحمد (١٩٨٥) وأصحاب
((السُّننِ))(١) وابن خُزيمة (١٩١٢) وأبو يعلى (٢٣٥٥) من حديث ابن عبّاسٍ هكذا، ورواه
(١) أبو داود (٢٣٢٧)، والترمذي (٦٨٨)، والنسائي (٢١٢٩).

٢٩٠
باب ١١ / ح ١٩٠٦ -١٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
الطَّيالسي (٢٦٧١) من هذا الوجه بلفظ: ((ولا تَستَقْبِلوا رمضانَ بصوم يوم من شعبانَ))،
وروى النَّسائي (٢١٢٥) من طريق محمد بن حُنَين عن ابن عبّاسٍ بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم
فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثین)).
قوله: ((فاقدُروا له)) تقدَّم أنَّ للعلماءِ فيه تأويلَين، وذهب آخرون إلى تأويلٍ ثالثٍ، قالوا:
معناه: فاقدُروه بحِساب المنازل. قاله أبو العبّاس بن سُرَيج من الشافعية ومُطرِّف بن
عبد الله من التابعينِ وابن قُتَيبةَ من المحدِّثينَ. قال ابن عبد البَرِّ: لا يَصحُ عن مُطرِّف، وأمَّا
ابن قُتَيبَةَ فليس هو مَمَّن يُعَرَّجُ عليه في مثل هذا. قال: ونقل ابن خُويزٍ مَنْداد عن الشافعي
مسألة ابن سُرَيج والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن العربي عن ابن
سُرَيج أنَّ قوله: ((فاقدُروا له)) خِطاب لمن خَصَّه الله بهذا العلم، وأنَّ قوله: «فأكمِلوا العِدّةَ»
خِطاب للعامّة. قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مُخْتَلِفَ الحال؛ يجبُ على قوم
بحِساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحِساب العَدَد، قال: وهذا بعيد عن النُّبلاء.
وقال ابن الصلاح: معرفةُ مَنازل القمر هو معرفةُ سَير الأهِلّة، وأمَّا معرفةُ الحِساب
فأمر دَقِيق يختصُّ بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفةُ منازل القمر تُدرَكُ بأمرٍ محسوسٍ يُدرِكُه
من يُراقبُ النُّجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سُرَيجٍ، وقال به في حَقِّ العارفِ بها في خاصَّةٍ
نفسِه. ونقل الرُّوياني عنه أنَّه لم يَقُل بوجوب ذلك عليه، وإنَّما قال بجوازه، وهو اختيار
القَفّال وأبي الطيِّب، وأمَّا أبو إسحاق في ((المهذَّب)) فنقل عن ابن سُرَيج لُزومَ الصوم في
هذه الصّورة.
١٢٣/٤ فَتَعَدَّدَت الآراءُ في هذه المسألة بالنّسبة إلى خصوصِ / النَّظَرِ في الحِساب والمنازلِ:
أحدُها: الجواز، ولا يُجْزِئُ عن الفرض، ثانيها: يجوز ويُجْزِئ، ثالثها: يجوز للحاسبِ
ويُجِزِتُه لا للمُنَجِّم، رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسبِ دونَ المنَجِّم، خامسها: يجوز
لهما ولغيرهما مُطلَقاً، وقال ابن الصَّبّاغْ: أمَّا بالحِساب فلا يَلزَمُه بلا خلافٍ بين أصحابنا.
قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك، فقال في ((الإشراف)): صومُ يوم الثلاثين من
شعبانَ إذا لم يُرَ الهلالُ مع الصحوِ لا يجبُ بإجماع الأُمّة، وقد صَحَّ عن أكثر الصحابة

٢٩١
باب ١١ / ح ١٩٠٦ -١٩١١
كتاب الصوم
والتابعين كراهَته، هكذا أطلقَ ولم يُفَصِّل بين حاسبٍ وغيره، فمن فرَّقَ بينهم كان محجوجاً
بالإجماع قبله، وسيأتي بقيةُ البحث في ذلك بعد باب.
قوله: ((الشهر تسع وعشرونَ)) ظاهره حَصرُ الشهر في تسع وعشرين مع أنَّه لا يَنخَصِرُ
فيه، بل قد يكون ثلاثين، والجواب أنَّ المعنى: أنَّ الشهرَ يكون تسعة وعشرين، أو اللّامُ
للعهد، والمراد شهر بعينِه، أو هو محمولٌ على الأكثر الأغلَب، لقول ابن مسعود: ما صُمنا
مع النبي ◌َّهِ تسعاً وعشرين أكثرَ ممَّ صُمنا ثلاثين. أخرجه أبو داود (٢٣٢٢) والتِّرمِذي
(٦٨٩)، ومثلُه عن عائشة عند أحمد (٢٤٥١٨) بإسناد جيِّدٍ، ويُؤيِّد الأوَّل قوله في حديث
أُمّ سَلَمة في الباب (١٩١٠): ((إنَّ الشهرَ يكون تسعة وعشرين يوماً)، وقال ابن العربي:
قوله: ((الشهر تسع وعشرونَ، فلا تصوموا)) إلى آخره، معناه حَصره من جهة أحد طرفيه،
أي: أنَّه يكون تسعاً وعشرين وهو أقلُّه، ويكون ثلاثين وهو أكثرُه، فلا تأخذوا أنفُسَكم
بصوم الأكثر احتياطاً، ولا تَقتَصِروا على الأقلِّ تخفيفاً، ولكنِ اجعَلوا عبادتكم مُرتَبِطَةً
ابتداءً وانتهاءً باستهلاله.
قوله: ((فلا تصوموا حتَّى تَرَوه)) ليس المرادُ تعليقَ الصوم بالرُّؤية في حقّ كلّ أحد، بل
المراد بذلك رؤية بعضِهم وهو مَن يَثْبُتُّ به ذلك، إمّا واحد على رأي الجمهور أو اثنان على
رأي آخرين. ووافق الحنفيَّة على الأوَّل إلَّا أنَّهم خَصّوا ذلك بما إذا كان في السماءِ عِلّة من
غَيمِ وغيره، وإلَّا متى كان صَحواً لم يُقبل إلَّا من جمع كثيرٍ يقعُ العلمُ بخبرهم. وقد تمسَّكَ
بتعليقِ الصوم بالرُّؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بَلَد غيرها، ومن لم يذهب
إلى ذلك قال: لأنَّ قوله: ((حتَّى تَرَوه)) خِطاب لأُناسٍ مخصوصين فلا يُلزَمُ غيرُهم، ولكنَّه
مصروفٌ عن ظاهره، فلا يتوقَّفُ الحالُ على رؤية كلِّ واحدٍ، فلا يتقيَّدُ بالبلد.
وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أحدُها: لأهل كلِّ بَلَد رُؤيَتُهم، وفي صحيح
مسلم (١٠٨٧) من حديث ابن عبّاس ما يشهدُ له، وحكاه ابن المنذر عن عِكْرمة والقاسم
وسالم وإسحاق، وحكاه التِّرمِذي عن أهل العلم ولم يَحَكِ سواه، وحكاه الماوَرْدي وجهاً
للشافعية. ثانيها: مُقابله، إذا رُؤي ببلدةٍ لَزِمَ أهلَ البِلاد كلِّها، وهو المشهورُ عند المالكية،

٢٩٢
باب ١١ / ح ١٩٠٦-١٩١١
فتح الباري بشرح البخاري
لكن حكى ابن عبد البَرِّ الإجماعَ على خلافه، وقال: أجمعوا على أنَّه لا تُراعى الرُّؤيةُ فيما
بَعُدَ من البِلادِ كَخُراسانَ والأندَلُس. قال القُرطُبي: قد قال شيوخُنا: إذا كانت رؤية الهلال
ظاهرةً قاطعةً بموضع، ثمَّ نُقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لَزِمَهم الصوم. وقال ابن
الماجِشون: لا يَلزمُهم بالشَّهادة، إلَّا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشَّهادةُ، إلّا أن يَئْبُتَ عند
الإمام الأعظم فيُلزمُ الناسَ كلَّهم، لأنَّ البلاد في حَقِّه کالبلد الواحد إذ حُكمُه نافذ في
الجميع. وقال بعضُ الشافعية: إن تَقاربَت البِلادُ كان الحكم واحداً، وإن تباعدت
فوجهان: لا يجبُ عند الأكثر، واختار أبو الطيِّب وطائفةٌ الوجوبَ وحكاه البَغَوي عن
الشافعي، وفي ضَبْط البُعد أوجُه: أحدُها: اختلاف المطالع، قَطَعَ به العراقيون والصَّيدَلاني،
وصَخَّحَه النَّووي في ((الرَّوضة)) و((شرح المهذَّب))، ثانيها: مسافة القَصْرِ، قَطَعَ به الإمامُ(١)
والبَغَوي، وصَخَّحَه الرافعي في ((الصغير))، والنَّووي في ((شرح مسلم)»، ثالثُها: اختلاف
الأقاليم، رابعُها: حكاه السَّرَخْسي فقال: یلزَمُ کلّ بلدٍ لا يُتصوَّرُ خفاُه عنها بلا عارضٍ
دونَ غيرهم، خامسُها: قول ابن الماحِشُون المتقدِّم.
واستدلَّ به على وجوب الصوم والفِطْر على رائي الهلال وحدَه، وإن لم يَثْبُت بقوله،
١٢٤/٤ وهو قولُ الأئمّة الأربعة في الصوم، / واختَلَفوا في الفِطْرِ، فقال الشافعي: يُفْطِرُ ويُخْفيه،
وقال الأكثر: يَستمِرُّ صائماً احتياطاً.
قوله: ((فإن غُمَّ عليكم)) بضمِّ المعجمة وتشديد الميم، أي: حالَ بينكم وبينه غَيم، يقال:
غَمَمت الشيءَ: إذا غَطَّتَه، ووقع في حديث أبي هريرة من طريق المُستَمْلي: ((فإن غُمَّ))،
ومن طريق الكُشْمِيهنيّ (أُغمي))، ومن رواية السَّرَخْسي: (غَبِيَ)) بفتح الغين المعجمة
وتخفيفِ الموحّدة، وأُغمي وغُمَّ وغُمي بتشديد الميم وتخفيفها، فهو مغموم، الكلّ بمعنىّ،
وأمَّا غَبي فمأخوذ من الغَباوة، وهي عَدَمُ الفِطنة، وهي استعارةٌ لخفاء الهلال، ونقلَ ابن
العربي أنَّه روي ((عَمِي)) بالعين المهمَلة، من العَمى، قال: وهو بمعناه، لأنه ذَهابُ البَصَر
عن المشاهَدات، أو ذهاب البَصيرة عن المعقولات.
(١) المقصود بقوله: الإمام، هو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجُّويني.

٢٩٣
باب ١٢ / ح ١٩١٢
كتاب الصوم
قوله في طريق ابن عمر الثالثة: ((الشهر هكذا وهكذا، وخَتَسَ الإبهام في الثالثة)) كذا
للأكثر بالمعجمة والنّون، أي: قَبَض، والانخِناس: الانقباض، قاله الخطّابي. وفي رواية
الكُشْمِيهنيّ: ((وحَبَسَ)) بالحاء المهمَلة ثمَّ الموحّدة، أي: مَنَعَ.
قوله: ((عن يحيى بن عبد الله بن صَيفي)) بمُهمَلة وفاء، وزْن زيدي، وهو اسمٌ بلفظ
النِّسبة. ووقع في رواية حجّاج عن ابن جُرَيج: أخبرني يحيى. أخرجه مسلم (١٠٨٥)،
وكذا صَرَّحَ بالإخبار في بقية الإسناد، وسيأتي الكلامُ على حديث أُمّ سَلَمة هذا مُستوفَ في
كتاب النكاح(١) (٥٢٠٢).
قوله: ((عن مُميدٍ عن أنس)) سيأتي في الطَّلاق (٥٢٨٩) من وجهٍ آخرَ عن سليمانَ عن
حميدٍ أنَّه سمع أنساً.
قوله: ((تسعاً وعشرين)) كذا للأكثر، وللحَمّوِي والمُستَمْلي: ((تسعة وعشرين))، وسيأتي
بقيةُ الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
١٢ - بابٌ شهرا عيدٍ لا ينقصان
قال أبو عبد الله: قال إسحاقُ: وإن كان ناقِصاً فهو تَامٌ.
وقال محمَّدٌ: لا يجتمعان، كلاهما ناقِصٌ.
١٩١٢- حدَّثْنا مُسَّدٌ، حدَّثْنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ إسحاقَ، عن عبد الرحمن بنِ أبي
بَكرةَ، عن أبيه، عن النبيِّ نَّهِ. وحدَّثني مُسدّدٌ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن خالدِ الحَذّاءِ، قال: أخبرني
عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرةَ، عن أبيه ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «شهران لا يَنقُصان، شهرا عِيدٍ:
رمضانُ، وذو الحِجّة)).
قوله: ((بابٌ شهرا عيدٍ لا يَنقُصان)» هكذا ترجم ببعضٍ لفظ الحديث، وهذا القَدر لفظ
طريقٍ لحديث الباب عند التِّرمِذي (٦٩٢) من رواية بشر بن المفضَّل عن خالد الحَذّاء.
قوله: ((حدَّثنا مُسدَّد حدَّثنَا مُعتَمِر)) فساق الإسناد، ثمَّ قال: ((وحدَّثني مُسدَّد، حدَّثنا
(١) جاء في (س): كتاب الطلاق، هو خطأ.

٢٩٤
باب ١٢ / ح ١٩١٢
فتح الباري بشرح البخاري
مُعتَمِر)) فساقه بإسناد آخرَ لمسدَّدٍ، وساق المتنَ على لفظ الرواية الثانية، وكأنَّ النُّكتةَ في
كونِه لم يجمع الإسنادينِ معاً مع أنَّهما لم يَتَغايَرا إلَّا في شيخ مُعتَمِرٍ أن مُسدَّداً حدَّثَه به مرَّةً
ومعه غيرُه عن مُعتَمِرٍ عن إسحاق، وحدَّثَه به مرَّةً أُخرى، إمّا هو وحده، وإمّا بقراءَته
علیه، عن مُعتَمِرٍ عن خالد، ولمسدّدٍ فیه شیخ آخر، أخرجه أبو داود (٢٣٢٣) عنه، عن
يزيد بن زُرَيع، عن خالدٍ، وهو محفوظٌ عن خالد الحَذّاء من طرق. وأمَّا قول القاسم في
((الدَّلائل)): سمعت موسى بن هارون يُحدِّثُ بهذا الحديث عن العبّاس بن الوليد، عن يزيد
ابن زُرَيع مرفوعاً، قال موسى: وأنا أهابُ رفعَه، فإن لم يُحمَل على أنَّ يزيد بن زُرَيع كان
رَبَّمَا وَقَفَه، وإلَّا فليس لمهابةِ رفعِه معنَى. وأمَّا لفظُ إسحاق العَدَوي فأخرجه أبو نُعيم في
(مُستخرَجِه)) من طريق أبي خَليفة وأبي مسلم الكَجّي، جميعاً عن مُسدَّدٍ، بهذا الإسناد،
بلفظ: ((لا يَنقُصُ رمضان ولا يَنقُصُ ذو الحِجّة))، وأشار الإسماعيلي أيضاً إلى أنَّ هذا اللَّفظَ
لإسحاق العَدَوي، لكن أخرجه البيهقي (٢٥٠/٤) من طريق يحيى بن محمد بن يحيى عن
١٢٥/٤ مُسدَّدٍ بلفظ: ((شهرا عيدٍ لا يَنقُصان)) كما هو لفظ الترجمة،/ وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في اقتصار
البخاري على سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق، لكونِه لم يُخْتلَف في سياقه عليه.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديثِ: فمنهم من حمله على ظاهره، فقال: لا
يكون رمضان، ولا ذو الحِجّة أبداً إلَّا ثلاثين، وهذا قول مردود مُعاند للوجود المشاهَد،
ويكفي في رَدِّه قوله بَّ: ((صوموا لُرُؤيَته وأفطِرُوا لِرُؤْيَته، فإن غُمَّ عليكم، فأكمِلوا
العِدّةَ)(١) فإنَّه لو كان رمضان أبداً ثلاثين، لم يَحَتَج إلى هذا. ومنهم من تأوَّلَ له معنَى لائقاً،
وقال أبو الحسن: كان إسحاق بن راهويه يقول: لا يَنقُصان في الفضيلة، إن كانا تسعةً
وعشرين أو ثلاثين. انتهى، وقيل: لا يَنقُصان معاً، إن جاء أحدهما تسعاً وعشرين جاء
الآخر ثلاثين، ولا بُدَّ، وقيل: لا يَنقُصان في ثواب العمل فيهما، وهذان القولان مشهوران
عن السَّلَف، وقد ثَبَتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وسَقَطَ ذلك من رواية أبي
ذرِّ، وفي رواية النَّسَفي وغيره عَقِبَ الترجمة قبلَ سياق الحديث: قال إسحاق: وإن كان
(١) تقدم برقم (١٩٠٩).

٢٩٥
باب ١٢ / ح ١٩١٢
كتاب الصوم
ناقصاً فهو تمام، وقال محمد: لا يَجتَمِعان كلاهما ناقص. وإسحاق هذا: هو ابن راهويه،
ومحمد: هو البخاري المصنّف.
ووقع عند التِّرمِذي نقلُ القولين عن إسحاق بن راهويه وأحمد بن حَنبَل، وكأنَّ
البخاري اختار مقالةَ أحمد فجَزَمَ بها، أو تواردا عليها، قال التِّرمِذي: قال أحمد: معناه لا
يَنقُصان معاً في سنةٍ واحدةٍ. انتهى، ثمَّ وجدتُ في نسخة الصَّغاني ما نَصُّه عَقِبَ الحديث:
قال أبو عبد الله: قال إسحاق: تسعة وعشرونَ يوماً تامٌ، وقال أحمد بن حَنبَل: إن نَقَصَ
رمضانُ تَمَّ ذو الحِجّة، وإِن نَقَصَ ذو الحِجّة تَمَّ رمضان. وقال إسحاق: معناه: وإن كان
تسعاً وعشرين، فهو تمامٌّ غير نُقصان. قال: وعلى مذهبٍ إسحاق يجوز أن يَنقُصا معاً في
سنةٍ واحدةٍ. وروى الحاكمُ في ((تاريخه)) بإسناد صحيحٍ: أنَّ إسحاق بن إبراهيم سُئِلَ عن
ذلك، فقال: إنَّكم تَرونَ العَدَدَ ثلاثين، فإذا كان تسعاً وعشرين، تَرَونَه نُقصاناً، وليس
ذلك بنُقُصان. ووافق أحمد على اختياره أبو بكر أحمد بن عَمْرو البَزَّار، فأوهمَ مُغَلْطاي أنَّه
مراد التِّرمِذي بقوله: وقال أحمد، وليس كذلك، وإنَّما ذكره قاسم في ((الدَّلائل)) عن البَزَّار،
فقال: سمعت البَزَّار يقول: معناه: لا يَنقُصان جميعاً في سنةٍ واحدةٍ. قال: ويدلُّ عليه رواية
زيد بن عُقْبة عن سَمُرةَ بن جُندُب مرفوعاً: ((شهرا عيدٍ لا يكونان ثمانية وخمسين يوماً)).
وادَّعى مُغَلْطاي أيضاً أنَّ المراد بإسحاق: إسحاقُ بن سُوَيد العَدَوّي راوي الحديث،
ولم يأتِ على ذلك بحُجّة.
وذكر ابن حِبَّان (٢٣٢/٨) لهذا الحديث معنيَينِ: أحدُهما: ما قاله إسحاق، والآخرُ: أنَّ
المراد: أنَّهما في الفضل سواء، لقوله في الحديث الآخر: ((ما من أيام العملُ فيها أفضلُ من
عشر ذي الحِجّة))(١).
وذكر القُرطُبي أنَّ فيه خمسةَ أقوالٍ: فذكر نحوَ ما تقدَّم، وزاد: أنَّ معناه لا يَنقُصان في
عام بعينِهِ، وهو العامُ الذي قال فيه وَ﴿ تلك المقالةَ. وهذا حكاه ابن بَزِيزة، ومن قبلِه أبو
(١) تقدم برقم (٩٦٩).

٢٩٦
باب ١٢ / ح ١٩١٢
فتح الباري بشرح البخاري
الوليد بن رُشد، ونقله المحِبّ الطَّبري عن أبي بكر بن فُورَك، وقيل: المعنى لا يَنقُصان في
الأحكام، وبهذا جَزَمَ البيهقي وقبله الطَّحاوي، فقال: معنى لا يَنقُصان: أنَّ الأحكامَ فيهما
وإن كانا تسعة وعشرين متكاملةٌ غیر ناقصةٍ عن حُكمِهما إذا كانا ثلاثين. وقيل: معناه لا
يَنْقُصان في نفسِ الأمر، لكن ربَّما حالَ دونَ رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابن حِبَّان
أيضاً، ولا يخفى بُعدُه. وقيل: معناه لا يَنقُصان معاً في سنةٍ واحدةٍ على طريق الأكثر
الأغْلَب، وإن نَدَرَ وقوع ذلك، وهذا أعدَلُ مَمَّا تقدَّم، لأنه ربّما وُجِدَ وقوعُهما ووقوع كلٍّ
منهما تسعاً وعشرين. قال الطَّحاوي: الأخذُ بظاهره أو حملُه على نقصِ أحدِهما يَدِفَعُه
العِيان، لأنَّا قد وجَدناهما يَنقُصان معاً في أعوام.
وقال الزَّين بن المنيِر: لا يخلو شيءٌ من هذه الأقوال عن الاعتراض، وأقربها: أنَّ المراد:
أنَّ النَّقْصَ الِحِسّي باعتبار العَدَدِ يَنجَبِرُ بأنَّ كلَّ منهما شهرُ عيدٍ عظيم، فلا ينبغي وصفُهما
بالتُّقصان، بخلاف غيرهما من الشُّهور. وحاصلُه یَرجِعُ إلی تأیید قول إسحاق.
١٢٦/٤
وقال البيهقي في ((المعرفة)): إنَّما خَصَّهما بالذِّكر لتَعَلُّقِ حُكم الصوم والحجِّ بهماء/ وبه
جَزَمَ النَّوي، وقال: إنَّه الصوابُ المعتمَد. والمعنى: أنَّ كلَّ ما وَرَدَ عنهما من الفضائل
والأحكام حاصل، سواء كان رمضان ثلاثين، أو تسعاً وعشرين، سواء صادفَ الوُقوفُ
اليومَ التاسع أو غيرَه. ولا يخفى أنَّ مَحَلّ ذلك ما إذا لم يَحَصُّل تقصيرٌ في ابتغاء الهلال.
وفائدة الحديث رفع ما يقعُ في القلوب من شكٌّ لمن صام تسعاً وعشرين، أو وَقَفَ في
غير يوم عَرَفَةَ. وقد استَشكَلَ بعض العلماءِ إمكانَ الوقوف في الثامنِ اجتهاداً، وليس
بمشكل، لأنه ربَّما ثبتت الرُّؤيةُ بشاهدَينِ: أنَّ أوَّلَ ذي الحِجّة الخميسُ مثلاً، فوَقَفوا يوم
الجمعة، ثمَّ تَبيَّن أنَّمَا شَهِدا زوراً.
وقال الطِّيبي: ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرَينِ بمَزيةٍ ليست في غيرهما
من الشُّهور، وليس المراد أنَّ ثواب الطاعة في غيرهما يَنقُص، وإنَّما المرادُ رفعُ الحَرَجِ عمَّا
عسى أن يقعَ فيه خطأ في الحكم، لاختصاصهما بالعيدَين، وجواز احتمال وقوع الخطأ
٠

٢٩٧
باب ١٢ / ح ١٩١٢
كتاب الصوم
فيها، ومن ثَمَّ قال: ((شهرا عيدٍ)) بعد قوله: ((شهران لا يَنقُصان)) ولم يقتصِر على قوله:
رمضان وذي الحِجّة، انتهى.
وفي الحديث حُجّة لمن قال: إنَّ الثَّوابَ ليس مُرتَّباً على وجود المشقّة دائماً، بل لله أن
يَتَفَضَّلَ بإلحاق الناقصِ بالتامّ في الثَّواب. واستدلَّ به بعضُهم لمالكِ في اكتِفائه لرمضان بنيةٍ
واحدةٍ، قال: لأنه جعل الشهرَ بجُملَته عبادةً واحدةً، فاكتَفى له بالنِّية، وهذا الحديث
يقتضي أنَّ التسويةَ في الثَّواب بين الشهر الذي يكون تسعاً وعشرين، وبين الشهر الذي
يكون ثلاثين إنَّما هو بالنَّظَر إلى جَعل الثَّواب معلّقاً بالشهر من حيثُ الجملةُ، لا من حيثُ
تفضيلُ الأيام. وأمَّا ما ذكره البَزَّار من رواية زيد بن عُقْبة (١) عن سمرة بن جُندُب فإسناده
ضعيف، وقد أخرجه الدّار قُطني في ((الأفراد))، والطبراني من هذا الوجه، بلفظ: ((لا يَتِمُّ
شهران ستین یوماً)، وقال أبو الوليد بن رُشد: إن ثبت، فمعناه لا يكونان ثمانية وخمسين في
الأجر والثَّواب. وروى الطبراني حديث الباب من طريقٍ هُشَيم، عن خالد الخَذّاء بسنده
هذا، بلفظ: ((كلّ شهرِ حرام لا يَنقُصُ، ثلاثون يوماً وثلاثون ليلة))، وهذا بهذا اللَّفْظِ شاذٌ،
والمحفوظ عن خالدٍ ما تقدَّم، وهو الذي تواردَ عليه الحُفّاظُ من أصحابهِ، كَشُعْبة وحَمَّاد (٢)
ويزيدَ بن زُرَيع وبشر بن المفضَّل وغيرهم. وقد ذكر الطَّحاوي أنَّ عبد الرحمن بن إسحاق
روى هذا الحديثَ عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرةَ بهذا اللَّفْظِ(٣)، قال الطَّحاوي:
وعبد الرحمن بن إسحاق لا يُقاوِمُ خالداً الحَذّاء في الِحِفْظ (٤). قلت: فعلى هذا، فقد دخل
(١) لم نقف عليه في ((مسند البزار)) من الوجه الذي ذكره الحافظ، وهو فيه برقم (٤٦٦١) من طريق خُبيب
ابن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب بلفظ: ((لا يكمل شهران ستين ليلة»، ومن
طريق زيد بن عقبة عن سمرة أخرجه الطبراني في ((الكبير)) برقم (٦٧٨٢) و(٦٧٨٣).
(٢) هكذا جاء اسم حماد في الأصلين مطلقاً، وجاء في (س) مقيداً بابن زيد، وهو خطأ، فقد روى هذا
الحديث الطيالسي (٩٠٤) عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فيُحمل إطلاقُ ما ورد في الأصلين عندنا
على هذا، والله أعلم.
(٣) أخرجه الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٥٠٢).
(٤) العبارة في ((شرح المشكل)) ١ / ٤٤٠: عبد الرحمن بن إسحاق لا يقاوم خالداً الحذاء في إمامته في الرواية،
ولا في ضبطه فيها، ولا في إتقانه لها.

٢٩٨
باب ١٣ / ح ١٩١٣
فتح الباري بشرح البخاري
لهُشَيم حديثٌ في حديث، لأنَّ اللَّفظَ الذي أوردَه عن خالٍ هو لفظ عبد الرحمن. وقال ابن
رُشد: إِن صَحَّ فمعناه أيضاً في الأجر والثَّواب.
قوله: ((رمضان وذو الحِجَّة)) أطلقَ على رمضان أنَّه شهرُ عيدٍ لقُربِه من العيد، أو لكون
هلال العيد ربَّما رُؤي في اليوم الأخير من رمضان، قاله الأثرَم. والأوَّل أولى. ونظيرُه قوله
وَلَهُ: (المغْرِب وِتَرُ الَّهار)) أخرجه التِّرمِذي(١) من حديث ابن عمر، وصلاةُ المغرِبِ ليلية
جهرية، وأطلقَ كونها وترَ النَّهار لقُربها منه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ وقتَها يقعُ أوَّلَ ما تَغرُبُ
الشمس.
تنبيه: ليس لإسحاق بن سُوَيد - وهو ابن هُبَيرة البصري العَدَوي عَدي مُضَر، وهو
تابعي صغيرٌ روى هنا عن تابعي كبيرٍ - في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وقد
أخرجه مقروناً بخالد الحَذّاء وقد رُمي بالنَّصب، وذكره أبو العَرَب(٢) في الضُّعَفاء بهذا
السبب.
١٣ - باب قول النبيّ گۆ: ((لا نكتب ولا نحسب))
١٩١٣ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا الأسوَدُ بنُ قيسٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُ عَمٍو، أنَّه
سمع ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ أَنَّه قال: ((إِنّا أُمّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكتبُ ولا نَحسُبُ،
الشهرُ هكذا وهكذا)) يعني: مرَّةً تسعةً وعشرينَ، ومَرّةً ثلاثِينَ.
١٢٧/٤
قوله: ((باب قول النبي ◌َّه: لا نكتُبُ ولا نَحسُبُ)) بالنّونِ فيهما، والمراد: أهل الإسلام
الذين بحَضْرته عند تلك المقالة، وهو محمولٌ على أكثرهم، أو المراد نفسُه وَل.
(١) لم نجده في ((سنن الترمذي))، ولم يعزه المزي له في ((التحفة))، والحديث أخرجه أحمد (٤٨٤٧)، والنسائي
في «الكبرى» (١٣٨٢).
(٢) تحرف في (ع) إلى: أبو الغوث، وفي (س) إلى: ابن العربي. وأبو العرب: هو الحافظ المؤرخ محمد بن أحمد
ابن تميم المغربي الإفريقي، قال القاضي عياض: كان حافظاً لمذهب مالك مفتياً عالماً، غلب عليه علم
الحديث والرجال. قلنا: وهو مترجم في ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٤/١٥-٣٩٥، و((تذكرة الحفاظ))
٨٨٩/٣-٨٩٠.

٢٩٩
باب ١٣ / ح ١٩١٣
كتاب الصوم
قوله: ((الأسوَد بن قيس)) هو الكوفي، تابعي صغير، وشيخه سعيد بن عَمْرو، أي: ابن
سعيد بن العاص، مدني، سَكَنَ دِمَشقَ، ثمَّ الكوفة، تابعي شهير، سمع عائشة وأبا هريرة
وجماعة من الصحابة، ففي الإسناد تابعي عن تابعي، كالذي قبله.
قوله: «إنّا)) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه.
وقوله: (أُمَّية)) بِلفظ النسب إلى الأُمِّ، فقيل: أراد أُمّةَ العربِ، لأنها لا تكتب، أو
منسوب إلى الأُمَّهات، أي: إنَّهم على أصل ولادة أُمِّهم، أو منسوب إلى الأُمِّ، لأنَّ المرأةَ هذه
صِفَتُها غالباً، وقيل: منسوبونَ إلى أُمِّ القُرى.
وقوله: ((لا نَكتُبُ ولا نَحسُب)) تفسير لكونهم كذلك، وقيل للعَرَبِ: أُمّون، لأنَّ
الكتابةَ كانت فيهم عزيزةً، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:
٢]، ولا يَرِدُ على ذلك أنَّه كان فيهم من يكتبُ ويَحَسُبُ، لأنَّ الكتابةَ كانت فيهم قليلة
نادرة. والمراد بالحِساب هنا حِساب النُّجوم وتَسييرها، ولم يكونوا يعرفونَ من ذلك أيضاً
إِلَّا النَّزر اليسير، فعلَّقَ الحكمَ في الصوم وغيره بالرُّؤية لرفع الحَرَجِ عنهم في مُعاناة
حِساب التسییر، واستَمرَّ الحكمُ في الصوم، ولو حَدَثَ بعدهم مَن يَعرِفُ ذلك، بل ظاهر
السِّياق يُشعِرُ بنفي تعليقِ الحكم بالحِساب أصلاً، ويوضحُه قوله في الحديث الماضي
(١٩٠٧): ((فإن غُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدّةَ ثلاثين))، ولم يَقُل: فاسألوا أهل الحِساب،
والحِكْمة فيه كونُ العَدَد عند الإغماءِ يستوي فيه المكلَّفونَ، فيرتفعُ الاختلاف والنِّزاع
عنهم.
وقد ذهب قوم إلى الرُّجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الرَّوافض، ونُقِلَ عن بعض
الفقهاءِ موافقتُهم. قال الباجي: وإجماع السَّلَف الصالح حُجّة عليهم. وقال ابن بَزِيزة:
وهو مذهبٌ باطلٌ، فقد نَهَت الشَّريعةُ عن الخَوضِ في عِلم النُّجومِ، لأنها حَدْسٌ وَخمينٌ،
ليس فيها قطعٌ ولا ظَنٌّ غالب، مع أنَّه لو ارتَبَطَ الأمر بها لَضاقَ، إذ لا يَعرِفُها إلَّا القليل.
قوله: ((الشهر هكذا وهكذا، يعني: مَرَّة تسعة وعشرين ومَرَّة ثلاثین)) هكذا ذكره آدم شیخ

٣٠٠
باب ١٤ / ح ١٩١٤
فتح الباري بشرح البخاري
البخاري مُختصَراً، وفيه اختصارٌ عمّا رواه غُندَر عن شُعْبة، أخرجه مسلم (١٥/١٠٨٠) عن
ابن المثنَّى وغيره عنه بلفظ: ((الشهر هكذا وهكذا))، وعَقَدَ الإبهامَ في الثالثة: ((والشهر هكذا
وهكذا وهكذا)) يعني تمام الثلاثين، أي: أشار أوَّلاً بأصابع يَدَيه العشر جميعاً مرَّتين، وقَبَضَ
الإبهام في المرّة الثالثة، وهكذا المعبَّر عنه بقوله: ((تسع وعشرونَ))، وأشار مرّة أُخرى بهما
ثلاث مرَّاتٍ، وهو المعَبَّرُ عنه بقوله: ((ثلاثون))، وفي رواية جَبَةَ بن سُحَيم عن ابن عمر في
الباب الماضي (١٩٠٨): ((الشهر هكذا وهكذا))، وخَنَسَ الإبهام في الثالثة، ووقع من هذا
الوجه عند مسلم (١٣/١٠٨٠) بلفظ: ((الشهر هكذا وهكذا)) وصَفَّقَ بيدَيه مرَّتين بكلِّ
أصابعِهِ، وقَبَضَ في الصَّفقة الثالثة إبهام اليُمنى أو اليُسرى، وروى أحمد (٤٨٦٦) وابن أبي
شَيْبة (٣/ ٨٥) - واللَّفظ له - من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن ابن عمر رَفَعَه:
((الشهر تسع وعشرونَ))، ثمَّ طَبَّقَ بين كَفَّه مَرَّتين وطَبَّق الثالثة، فقَبَضَ الإبهام، قال:
فقالت عائشة: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن، إنَّا هَجَرَ النبيُّ ◌َطِّ نساءَه شهراً، فنزل لتسع
وعشرين، فقيل له، فقال: ((إنَّ الشهرَ يكون تسعاً وعشرين، وشهر ثلاثون)).
قال ابن بَطَّال: في الحديث رفعٌ لمراعاة النُّجوم بقوانينِ التعديل، وإنَّما المعَوَّلُ على رؤية
الأهِلّة، وقد نُهينا عن التكلُّف. ولا شكَّ أنَّ في مراعاة ما غَمُضَ حتَّى لا يُدرَكِ إلَّ بِالظُّنونِ
غايةَ التكلُّف. وفي الحديث مُستنَد لمن رأى الحكمَ بالإشارة، قلت: وسيأتي في كتاب
الطَّلاق (٥٣٠٢).
١٤ - باب لا يُتقدَّم رمضان بصوم يومٍ ولا يومين
١٩١٤ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ،
١٢٨/٤ عن أبي هريرةَ عُه، / عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا يَتَقدَّمَنَّ أحدُكم رمضانَ بصومٍ يومٍ أو يومين، إلا
أن يكونَ رجلٌ كان يصومُ صوماً، فليَصُم ذلك اليومَ)).
قوله: ((باب لا يُتَقدَّم)) بضمّ أوَّلِه وفتح ثانيه، ويجوز بفتحهما، أي: المكلّف.
قوله: ((لا يُتَقدَّمُ رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين)) أي: لا يُتَقدَّمُ رمضان بصوم يوم يُعَدُّ منه
بقَصد الاحتياط له، فإنَّ صومَه مُرَتَبِطٌ بالرُّؤية، فلا حاجةَ إلى التكلُّف، واكتفى في الترجمة