النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب ٢ / ح ١٨٩٤ كتاب الصوم هذا الوجه: ((يَدَع امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي))، وأصرَح من ذلك ما وقع عند الحافظ سَمّويه في ((فوائده)) من طريق المسيّب بن رافع عن أبي صالح: ((يَترُك شهوته من الطعام والشَّراب والجِماع من أجلي)). قوله: ((الصيام لي وأنا أجزي به)) كذا وقع بغير أداة عطف ولا غيرها، وفي ((الموطَّأ)) (١/ ٣١٠): ((فالصيام)) بزيادة الفاء وهي للسببية، أي: سبب كونه لي أنَّه يَترُك شهوته لأجلي. ووقع في رواية مغيرة عن أبي الزِّناد عند سعيد بن منصور: ((كلّ عمل ابن آدم هو له، إلّا الصيام فهو لي وأنا أجزي به))، ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح الآتية (١٩٠٤). وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: («الصيام لي وأنا أجزي به)» مع أنَّ الأعمال کلّها له وهو الذي تجزي بها، على أقوال: أحدها: أنَّ الصوم لا يقع فيه الرّیاء كما يقع في غيره، حكاه المازري، ونقله عیاض عن أبي عُبيد، ولفظ أبي عُبيد في ((غريبه)»: قد عَلِمنا أنَّ أعمال البِرّ كلّها لله، وهو الذي يَجزي بها، فنرى - والله أعلم - أنَّه إِنَّمَا خَصَّ الصيام لأنه ليس يَظهَر من ابن آدم بفعله، وإنَّما هو شيء في القلب، ويُؤْيِّد هذا التأويل قوله وَ ﴿: («ليس في الصوم رياء»، حدَّثنيه شَبابةُ عن عُقَيل عن الزُّهْرِي فذكره يعني مُرسلاً، قال: وذلك لأنَّ الأعمال لا تكونُ إلَّ بالخَرَكات، إلَّا الصوم فإِنّما هو بالنِّة التي تَخْفَى عن الناس، هذا وجه الحدیث عندي. انتھی، وقد روى الحديث المذكور البيهقي في ((الشُّعَب)) (٣٥٩٣) من طرق عن عُقَيل، وأورده من وجه آخر عن الزُّهْري موصولاً عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه: ((الصيام لا رياء فيه، قال الله عزَّ وجلَّ: هو لي وأنا أجزي به))، وهذا لو صَحَّ لكان قاطعاً للنِّراع، وقال الطبري(١): لمَّا كانت الأعمال يدخلها الرّياء، والصوم لا يَطّلع عليه بمُجرَّد فعله إلَّ الله، فأضافَه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: ((يَدَع شهوته من أجلي))، وقال ابن الجَوْزي: = في «المعجم المفهرس)) ص٤٧ وذكر سنده إليه. وله ترجمة في (سير أعلام النبلاء)) ٣٤٦/٩. (١) كذا وقع في الأصلين: ((الطبري))، وهو كذلك في ((عمدة القاري)) ٢٦٠/١٠، ووقع في (س): القرطبي. ولم نجد هذا النص عند أيٍّ منهما. ٢٦٢ باب ٢ / ح ١٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري جميع العبادات تَظهَر بفعلها، وقَلَّ أن يَسلم ما يَظهَر من شَوب، بخلاف الصوم. وارتَضى هذا الجواب المازَري، وقَرَّرَه القُرطُبي: بأنَّ أعمال بني آدم لمَّا كانت يُمكِن دخول الرِّياء فيها أُضيفَت إليهم، بخلاف الصوم فإنَّ حالَ الممسِك شِبَعاً مثلُ حال الممسِك تقرُّباً، يعني في الصّورة الظاهرة. قلت: ومعنى النَّفي في قوله: ((لا رياء في الصوم)) أنَّه لا يدخله الرّیاء بفعله، وإن كان قد يدخله الرّياء بالقول، كمن يصوم ثمَّ يُخبِرِ بأنَّه صائم، فقد يدخله الرّياء من هذه الحيثية، فدخول الرّياء في الصوم إنَّما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإنَّ الرّياء قد يدخلها بمُجرَّد فعلها. وقد حاوَلَ بعض الأئمّة إلحاق شيء من العبادات البَدَنية بالصوم ١٠٨/٤ فقال: إنَّ الذِّكر بلا إله إلَّا الله يُمكِّن أن لا يدخله الرّياء،/ لأنه بحَرَكة اللِّسان خاصَّة دون غيرها من أعضاء الفَم، فيُمكِن الذّاكرَ أن يقولها بحَضرة الناس ولا يَشعُرُونَ منه بذلك. ثاني الأقوال: أنَّ المراد بقوله: ((وأنا أَجزي به)) أنني أنفَرِد بعِلم مِقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأمَّا غيره من العبادات، فقد الطَّلَعَ عليها بعضُ الناس. قال القُرطُبي: معناه أنَّ الأعمال قد كُشِفت مقاديرُ ثوابها للناس، وأنَّها تُضاعف من عشرة إلى سبع مئة إلى ما شاءَ الله، إلَّا الصيام فإنَّ الله يُثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السِّياق الرواية الأُخرى يعني رواية «الموطَّأ)» (٣١٠/١)، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح، حيثُ قال: ((كلّ عمل بني آدم يُضاعَف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعف إلى ما شاءَ الله. قال الله: إلَّا الصوم فإنَّه لي وأنا أجزي به))(١) أي أُجازي عليه جزاء كثيراً من غير تعيين لِقِداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى، والصابرونَ: الصائمونَ في أكثر الأقوال. قلت: وسَبَقَ إلى هذا أبو عُبيد في ((غريبه)) فقال: بَلَغَني عن ابن عُيَينةَ أنَّه قال ذلك، واستدلَّ له بأنَّ الصوم هو الصبر، لأنَّ الصائم يُصَبِّر نفسه عن الشَّهَوات، وقد قال الله (١) هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد (٩٧١٤)، وبنحوه أخرجه مسلم (١١٥١) (١٦٤). ٢٦٣ باب ٢ / ح ١٨٩٤ كتاب الصوم تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. انتهى، ويشهد له رواية المسيّب بن رافع عن أبي صالحٍ عند سَمّويه: ((إلى سبع مئة ضِعف، إلَّ الصوم فإنَّه لا يدري أحدٌ ما فيه))، ويشهد له أيضاً ما رواه ابن وَهْب في ((جامعِه)) عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جدِّه زيد مُرسلاً(١)، ووَصَله الطبراني والبيهقي في (الشُّعَب)) (٣٥٨٩) من طريق أُخرى عن عمر بن محمد عن عبد الله بن ميناء عن ابن عمر مرفوعاً: ((الأعمال عند الله سبع، الحديث، وفيه: ((وعملٌ لا يعلم ثواب عاملِهِ إلَّ الله)) ثمَّ قال: ((وأمَّا العمل الذي لا يعلم ثواب عاملِهِ إلَّ الله فالصيام))، ثمَّ قال القُرطُبي: هذا القول ظاهر الحُسن، قال: غير أنَّه تقدَّم ويأتي في غير ما حديث أنَّ صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصٌّ في إظهار التضعيف، فَبَعُدَ هذا الجواب بل بَطَلَ. قلت: لا يَلزَم من الذي ذُكِرَ بُطْلانه، بل المراد بما أورده أنَّ صيام اليوم الواحد يُكتَب بعشرة أيام، وأمَّا مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلَّ الله تعالى. ويُؤيِّده أيضاً العُرف المستفاد من قوله: ((أنا أجزي به)) لأنَّ الكريم إذا قال: أنا أتوَلّى الإعطاء بنفسي، كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتَفْخيمِه. ثالثها: معنى قوله: ((الصوم لي)) أي: أنَّه أحبّ العبادات إليَّ، والمقدَّم عندي، وقد تقدَّم قول ابن عبد البَرِّ: كَفى بقوله: ((الصوم لي)) فضلاً للصيام على سائر العبادات. وروى النَّسائي (٢٢٢٠) وغيره من حديث أبي أمامةَ مرفوعاً: ((عليك بالصوم فإنَّه لا مثل له)) لكن يُعكِّر على هذا الحديث الصحيح: ((واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة))(٢). رابعها: الإضافة إضافة تَشريفٍ وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلّها لله. قال الزّين بن المنيِّر: التخصيص في موضع التعميم(٣) في مثل هذا السِّياق لا يُفهَم منه إلَّا التشريف والتعظيم. (١) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٣٥٨٨) من طريق ابن وهب عن عمر بن محمد. (٢) أخرجه أحمد (٢٢٤٣٣)، وابن حبان (١٠٣٧) من حديث ثوبان، وانظر تتمة تخريجه فيهما. (٣) تحرف في الأصلين إلى: التفهُّم، وجاء على الصواب في (س). ٢٦٤ باب ٢ / ح ١٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري خامسها: أنَّ الاستغناء عن الطعام وغيره من الشَّهَوات من صفات الرَّبّ جلَّ جلاله، فلمَّا تقرَّبَ الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافَه إليه. وقال القُرطُبي: معناه أنَّ أعمال العباد مُناسبة لأحوالهم إلَّا الصيام فإنَّه مُناسب لصفةٍ من صفات الحقّ، كأنَّه يقول: إنَّ الصائم يَتقرَّب إليَّ بأمرٍ هو مُتعلِّق بصفةٍ من صفاتي. سادسها: أنَّ المعنى كذلك، لكن بالنّسبة إلى الملائكة لأنَّ ذلك من صفاتهم. سابعها: أنَّه خالصٌ لله وليس للعبد فيه حَظٌّ، قاله الخطّابي، كذا نقله عیاض وغيره، فإن أراد بالحظِّ ما يَحصُل من الثَّناء عليه لأجل العبادة يرجع إلى المعنى الأوَّل، وقد أفصَحَ بذلك ابن الجَوْزي فقال: المعنى: ليس لنفسِ الصائم فيه حَظَّ، بخلاف غيره فإنَّ له فيه حَظّاً لثَناءِ الناس عليه لعبادته. ثامنها: سبب الإضافة إلى الله تعالى أنَّ الصيام لم يُعبَد به غير الله، بخلاف الصلاة والصَّدَقة والطَّواف ونحو ذلك. واعتُرِضَ على هذا بما يقع من عُبّاد النُّجوم وأصحاب ١٠٩/٤ الهياكل والاستخدامات، فإنَّهم يَتَعَبَّدونَ لها بالصيام، / وأُجيبَ بأنَّهَم لا يَعتَقِدونَ إلهية الكواكب، وإنَّما يَعْتَقِدونَ أنَّهَا فعّالة بأنفُسها، وهذا الجواب عندي ليس بطائلٍ، لأنهم طائفتان، إحداهما كانت تَعتَقِد إلهية الكواكب وهم مَن كان قبل ظُهور الإسلام، واستَمرَّ منهم من استَمرَّ على كُفره، والأخرى مَن دخل منهم في الإسلام واستَمرَّ على تعظيم الكواكب وهم الذين أُشيرَ إليهم. تاسعها: أنَّ جميع العبادات تُوَقَّى منها مَظالُ العباد إلَّ الصيام، روى ذلك البيهقي من طريق إسحاق بن أيوب بن حسَّان الواسطي عن أبيه عن ابن عُيَينةً، قال: إذا كان يومُ القيامة يُحاسِب الله عبدَه، ويُؤَدّي ما عليه من المظالم من عمله، حتَّى لا يبقى له إلَّ الصوم، فيَتحمَّل الله ما بَقي عليه من المظالم ويُدخِله بالصوم الجنَّة. قال القُرطُبي: قد كنت استَحسَنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث المقاصّة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيثُ قال فيه: ((المفلِس الذي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصَدَقة وصيام، ويأتي وقد ٢٦٥ باب ٢ / ح ١٨٩٤ كتاب الصوم شَتَمَ هذا وضَرَبَ هذا وأكَلَ مال هذا)) الحديث، وفيه: ((فيُؤخَذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخِذَ من سَيِّئاتهم، فطُرِحَت عليه، ثمّ طُرِحَ في النار))(١) فظاهرُه أنَّ الصيام مُشتَرِك مع بقية الأعمال في ذلك. قلت: إن ثبت قول ابن عُیینةَ أمكن تخصیص الصيام من ذلك، وقد يُستَدَلّ له بما رواه أحمد (١٠٠٢٥) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رَفَعَه: ((كلّ العمل كفَّارة إلَّا الصوم، الصوم لي وأنا أجزي به))، وكذا رواه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده)) (٣٤٨٥) عن شُعْبة عن محمد بن زياد، ولفظه: «قال ربّكم تباركَ وتعالى: كلّ العمل كفَّارة إلَّ الصوم))، ورواه قاسم بن أصبَغَ من طريق أُخرى عن شُعْبة، ولفظه: ((كلّ ما يَعمَلُه ابن آدم كفَّارة له إلَّا الصوم))، وقد أخرجه المصنّف في التوحيد (٧٥٣٨) عن آدم عن شُعْبة بلفظٍ يرويه عن ربّكم قال: ((لكلِّ عمل كفَّارة والصوم لي وأنا أجزي به)) فحَذَفَ الاستثناء، وكذا رواه أحمد (٩٨٨٨) عن غُندَر عن شُعْبة لكن قال: ((كلّ العمل كفَّارة)»، وهذا يخالف رواية آدم، لأنَّ معناها أنَّ لكلِّ عمل من المعاصي كفَّارة من الطاعات، ومعنى رواية غُندَر: كلّ عمل من الطاعات كفَّارة للمعاصي، وقد بيَّن(٢) الإسماعيلي الاختلاف فيه في ذلك على شُعْبة، وأخرجه من طريق غُندَر بذِكر الاستثناء، فاختُلِفَ فيه أيضاً على غُندَر. والاستثناء المذكور يشهد لمَا ذهب إليه ابن عُيَينة، لكنَّه وإن كان صحيح السَّنَد، فإنَّه يعارضه حديث حُذَيفة: ((فِتنة الرجل في أهله وماله ووَلَدِه تُكَفّرها الصلاة والصيام والصَّدَقة))، ولعلَّ هذا هو السِّرّ في تعقيب البخاري لحديث الباب بباب الصوم كفَّارة، وأوردَ فيه حديث حُذَيفة (١٨٩٥)، وسأذكر وجه الجمع بينهما في الكلام على الباب الذي یلیه إن شاء الله تعالى. (١) أخرجه مسلم (٢٥٨١) وغيره. (٢) جاء في الأصلين: ((نفى))، بدل: ((بيَّن))، وبها ينعكس المعنى، والمثبت من (س) هو الصواب، لأن الاختلاف فيه كان على شعبة كما هو واضح من سياق الحافظ لألفاظ روايات الحديث، ومدارها جميعاً على شعبة. ٢٦٦ باب ٢ / ح ١٨٩٤ فتح الباري بشرح البخاري عاشرها: أنَّ الصوم لا يَظهَر فتكتبَه الحَفَظة كما لا تكتب سائر أعمال القلوب، واستَنَّدَ قائله إلى حديث واهٍ جِدّاً أورده ابن العربي في ((المسلسلات))، ولفظه: ((قال الله: الإخلاص ◌ِّ من سِرّي، استودَعتُه قلبَ من أُحِبّ لا يَطَّلِع عليه مَلَك فيكتبَه ولا شيطان فيُفسِدَہ))، ويكفي في رَدّ هذا القول الحديثُ الصحيح في كتابة الحسنة لمن هَمَّ بها وإن لم يَعمَلُها(١). فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بَلَغَني أنَّ بعض العلماء بَلَغَها إلى أكثرَ من هذا، وهو الطالقاني في ((حظائر القُدُس)) له ولم أقف عليه. واتَّفَقوا على أنَّ المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً. ونقل ابن العربي عن بعض الزُّهّاد أنَّه مخصوص بصيام خَواصَ الخَواصّ فقال: إنَّ الصوم على أربعة أنواع: صيام العَوامّ وهو الصوم عن الأكل والشُّرب والجِماع، وصيام خَواصّ العَوامّ وهو هذا مع اجتناب المحرَّمات من قول أو فعل، وصيام الخَواصّ وهو الصوم عن غير ذِكر الله وعبادته، وصيام خَواصّ الخَواصّ وهو الصوم عن غير الله فلا فِطرَ لهم إلا يوم لقائة. وهذا مقام عالٍ لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النَّوع نظر لا يخفى. وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأوَّل والثاني، ويَقرُب منهما الثامن ١١٠/٤ والتاسع. / وقال البيضاوي في الكلام على رواية الأعمَش عن أبي صالح التي بيَّنْتُها قبلُ: لمَّا أراد بالعمل الحسناتِ وضعَ الحسنة في الخبر موضعَ الضمير الراجع إلى المبتَدَأ، وقوله: ((إلّا الصيام)) مُستَئِنَّى من كلام غير محكي دلَّ عليه ما قبله، والمعنى أنَّ الحسنات يُضاعف جَزاؤُها من عشرة أمثالها إلى سبع مئة إلَّا الصوم فلا يُضاعف إلى هذا القَدر بل ثوابه لا يَقْدِرُ قَدَرَه ولا يُحصيه إلَّ الله تعالى، ولذلك يَتَوَلّى الله جزاءَه بنفسه ولا يَكِلُه إلى غيره. قال: والسبب في اختصاص الصوم بهذه المزيّة أمران: أحدهما: أنَّ سائر العبادات ممَّا يَطَّلِع العبادُ عليه، والصوم ◌ِرّ بين العبد وبين الله تعالى يفعله خالصاً ويُعامله به طالباً لرضاه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((فإنَّه لي)). (١) سيأتي برقم (٧٥٠١). ٢٦٧ باب ٣ / ح ١٨٩٥ كتاب الصوم والآخر: أنَّ سائر الحسنات راجعة إلى صَرْف المال أو استعمال البَدَن، والصوم يَتَضمَّن كسر النَّفْس وتعريض البَدَن للنُّقصان، وفيه الصبر على مَضَض الجوع والعَطَش وتَركِ الشَّهَوات، وإلى ذلك أشار بقوله: ((يَدَع شهوته من أجلي)). قال الطِّيبي: وبيان هذا أنَّ قوله: ((يَدَع شهوته)) إلى آخره، جملة مُستأنَفة وَقَعَت موقعَ البيان لمُوجِبٍ الحكم المذكور. وأمَّا قول البيضاوي: إنَّ الاستثناء من كلام غير محكي، ففيه نظر، فقد يقال: هو مُستَنّى من كلّ عمل وهو مرويٌّ عن الله، لقوله في أثناء الحديث: ((قال الله))، ولمَّا لم يَذكُره في صدر الكلام أورده في أثنائه بياناً، وفائدته تفخيم شأنِ الكلام، وأنَّه ◌َّهِ لا يَنطِقُ عن الهوى. قوله: ((والحسنة بعَشر أمثالها)) كذا وقع مُختصَراً عند البخاري، وقد قَدَّمتُ البيان بأنَّه وقع في ((الموطَّأ)) (١/ ٣١٠) تامّاً، وقد رواه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من ((موطأ القَعنبي)) شيخ البخاري فيه: فقال بعد قوله: ((وأنا أجزي به)): ((كلّ حسنة يَعمَلها ابن آدم بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، إلَّا الصيام فإنَّه لي وأنا أجزي به)) فأعاد قوله: ((وأنا أجزي به)) في آخر الكلام تأكيداً، وفيه إشارة إلى الوجه الثاني. ووقع في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث: ((للصائم فرحتان يَفرَحُهما)) الحديث. وسيأتي الكلام عليه بعد ستّة أبواب (١٩٠٤) إن شاء الله تعالى. ٣- بابٌ الصوم كفّارةٌ ١٨٩٥ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا جامعٌ، عن أبي وائلٍ، عن حُذَيفةَ، قال: قال عمرُ : مَن يَحِفَظُ حديثاً عن النبيِّ وَّهِ في الفِتنةِ؟ قال حُذَيفةُ: أنا سمعتُه يقول: ((فِتنةُ الرجلِ في أهلِهِ ومالِهِ وجارِهِ تُكَفِّرُها الصلاةُ والصِّيامُ والصَّدَقةُ)) قال: ليس أسألُ عن ذِهِ، إنَّما أسألُ عن التي تَمُوجُ كما يموجُ البَحر؟ قال: وإنَّ دونَ ذلك باباً مُغلَقاً، قال: فَيُقْتَحُ أو يُكسَر؟ قال: يُكسَرُ، قال: ذاكَ أجدَرُ أن لا يُغلَقَ إلى يومِ القِيامة. فقلنا لِمَسروقٍ: سَلْه: أكان عمرُ يعلمُ مَنِ البابُ؟ فسأَلُه، فقال: نعم، كما يعلمُ أنَّ دونَ ٢٦٨ باب ٣ / ح ١٨٩٥ فتح الباري بشرح البخاري غَدِ الليلةَ. قوله: ((بابٌ الصوم كفَّارة)) كذا لأبي ذرِّ والجمهور بتنوين باب، أي: الصوم يقع كفَّارة الذُّنوب، ورأيته هنا بخَطِّ القُطب في شرحه: ((باب كفَّارة الصوم)) أي: باب تكفير الصوم للذُّنوب، وقد تقدَّم(١) في أثناء الصلاة ((بابٌ الصلاة كفَّارة))، وللمُستَمْلي: ((باب تكفير الصلاة))، وأوردَ فيه (٥٢٥) حديث الباب بعينِه من وجه آخر عن أبي وائل، وقد تقدَّم طرفٌ من الكلام على الحديث، ويأتي شرحه مُستوفّى في علامات النُّبوّة (٣٥٨٦) إن شاء الله تعالى، وفيه ما ترجم له، لكن أطلقَ في الترجمة، والخبر مُقيَّد بفتنة المال وما ذُكِرَ معه، ١١١/٤ فقد يقال: لا يعارض الحديثَ السابق في الباب قبله،/ وهو كون الأعمال كفَّارة إلَّا الصوم، لأنه يُحمَل في الإثبات على كفَّارة شيء مخصوص، وفي النَّفي على كفَّارة شيء آخر. وقد حمله المصنّف في موضع آخر على تكفير مُطلَق الخطيئة، فقال في الزكاة: ((باب الصَّدَقة تُكفِّر الخطيئة)) ثمَّ أوردَ هذا الحديث بعينِهِ (١٤٣٥)، ويُؤْيِّد الإطلاقَ ما ثبت عند مسلم (١٦/٢٣٣) من حديث أبي هريرة أيضاً مرفوعاً: ((الصَّلَوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة(٢)، ورمضان إلى رمضان مُكَفِّرات لما بينهنَّ ما اجْتُنِبَت الكبائرُ))، وقد تقدَّم البحث فيه في الصلاة (٥٢٥). ولابن حِبّان في «صحيحه)) (٣٤٣٣) من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((من صام رمضان وعَرَفَ حُدودَه، كَفَّرَ ما قبله))(٣)، ولمسلم (١١٦٢) من حديث أبي قَتَادةَ: ((إِنَّ صيام عَرَفة يُكفِّر سنتينِ وصيامَ عاشوراء يُكفِّر سنة))، وعلى هذا فقوله: ((كلّ العمل كفَّارة إلَّا الصيام))(٤) يحتمل أن يكون المراد إلَّ الصيام، فإنَّه كفَّارة وزيادة ثواب على الكفَّارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصاً سالماً من الرّياء والشَّوائب كما تقدَّم شرحه، والله أعلم. (١) الباب (٤) من كتاب (٩) مواقيت الصلاة. (٢) عبارة: ((والجمعة إلى الجمعة)) سقطت من الأصلين، وهي في (س) كما في ((صحيح مسلم)). (٣) وإسناده ضعيف. (٤) تقدم أثناء شرح الباب الذي قبله. ٢٦٩ باب ٤ / ح ١٨٩٦ -١٨٩٧ كتاب الصوم ٤ - بابٌ الرَّيّانُ للصائمين ١٨٩٦ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدثنا أبو حازم، عن سهلٍ ◌َّ، عن النبيِّ وَّه قال: ((إنَّ في الجنَّة باباً يقال له: الرَّيّانُ، يدخلُ منه الصائمونَ يومَ القِيامةِ، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرُهم، يقال: أين الصائمونَ؟ فيقومونَ لا يدخلُ منه أحدٌ غيرُهم، فإذا دخلوا أُغلِقَ فلم يَدخُلْ منه أحدٌ)). [طرفه في: ٣٢٥٧] ١٨٩٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثني معنٌّ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميد بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «مَن أَنْفَقَ زوجَينٍ في سَبِيلِ الله نودِيَ من أبواب الجنَّةِ: يا عبدَ الله، هذا خيرٌ، فمَن كان من أهلِ الصلاة دُعِيَ من باب الصلاةِ، ومَن كان من أهلِ الجِهاد دُعِيَ من باب الجِهادِ، ومَن كان من أهلِ الصِّيامِ دُعِيَ من باب الرَّيّان، ومَن كان من أهلِ الصَّدَقة دُعِيَ من باب الصَّدَقة)). فقال أبو بكرٍ ﴾: بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله! ما على مَن دُعِيَ من تِلكَ الأبواب من ضَرورةٍ، فهل يُدعَى أحدٌ من تِلكَ الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منهم)). [أطرافه في: ٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦] قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((الرَّيّان) بفتح الراء وتشديد التحتانية، وزن فعلان من الرِّيِّ: اسم عَلَم على باب من أبواب الجنَّة يختصّ بدخول الصائمين منه، وهو ممَّا وَقَعَت المناسَبة فيه بين لفظه ومعناه، لأنه مُشتَقٌ من الرِّيِّ وهو مُناسب لحال الصائمين، وسيأتي أنَّ من دخله لم يَظمأ. قال القُرطُبي: اكتُفي بذِكر الرِّي عن الشِّبَع لأنه يدلّ عليه من حيثُ إنَّه يَستَلِزِمه، قلت: أو لكونه أشَقَّ على الصائم من الجوع. قوله: ((حدثنا أبو حازم)) هو ابن دينار، وسهل: هو ابن سعد الساعدي. قوله: ((إنَّ في الجنَّة باباً)) قال الزَّين بن المنيِّر: إنَّما قال: في الجنَّة، ولم يَقُل: للجنَّة، ليُشعِر بأنَّ في الباب المذكور من النَّعيم والراحة ما في الجنَّة، فيكون أبلَغَ في التشَوُّق إليه. قلت: ٢٧٠ باب ٤ / ح ١٨٩٦ - ١٨٩٧ فتح الباري بشرح البخاري ١١٢/٤ وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ: ((إنَّ للجنَّة ثمانيةَ أبواب، منها باب يُسمّى الرَّيّان لا يدخله إلَّ الصائمونَ))، أخرجه هكذا الجَوزَقي من طريق أبي غَسّان عن أبي حازم، وهو للبخاري من هذا الوجه في بَدْء الخلق (٣٢٥٧)، لكن قال: ((في الجنَّة ثمانية أبواب)). قوله: ((فإذا دخلوا أُغلِقَ فلم يدخل منه أحد)» كَرَّرَ نفي دخول غيرهم منه تأكيداً، وأمَّا قوله: ((فلم يدخل)) فهو معطوف على ((أُغلِقَ)) أي: لم يدخل منه غير من دخلَ. ووقع عند مسلم (١١٥٢) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن خالد بن تَلَد شيخ البخاري فيه: «فإذا دخل آخرهم أُغلِقَ)» هكذا في بعض النُّسَخِ من مسلم، وفي الكثير منها: «فإذا دخل أوَّهُمْ أُغلِقَ)). قال عياض وغيره: هو وهم، والصواب آخرهم. قلت: وكذلك أخرجه ابن أبي شَيْبة في ((مسنده) وأبو نُعيم في ((مُستخرَجَيه)) معاً من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيلي والجَوزَقي من طرق عن خالد بن تَلَد، وكذا أخرجه النَّسائي (٢٢٣٦) وابن خُزيمة (١٩٠٢) من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره عن أبي حازم، زاد فيه: ((من دخل شَرِبَ، ومن شَرِبَ لا يَظمأ أبداً»، وللتِّرمِذي (٧٦٥) من طريق هشام بن سعد عن أبي حازم نحوه، وزاد: ((ومن دخله لم يَظمأ أبداً)، ونحوه للنَّسائي(١) والإسماعيلي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لكنَّه وقَفَه، وهو مرفوع قطعاً لأنَّ مثله لا مجالَ للرَّأي فيه. قوله: ((عن مُميد بن عبد الرحمن)) في رواية شعيب عن الزُّهْري الآتية في فضل أبي بكر (٣٦٦٦): أخبرني حميدُ بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: ((عن أبي هريرة)) قال ابن عبد البَرِّ: اتَّفَقَ الرُّواة عن مالك على وصله، إلَّا يحيى ابنَ بُكَير وعبد الله بن يوسف فإنَّهما أرسلاه، ولم يقع عند القَعنبي أصلاً. قلت: قد أخرجه الدّار قُطني في ((الموطَّآت)) من طريق يحيى بن بُكَيرِ موصولاً، فلعلَّه اختُلِفَ عليه فيه، وأخرجه أيضاً من طريق القَعنبي، فلعلَّه حدَّثَ به خارج ((الموطَّ)). قوله: ((مَن أَنفَقَ زوجَينِ في سبيل الله)) زاد إسماعيل القاضي عن أبي مُصعَب عن مالك: (١) لم نقف في ((سنن النسائي)) من هذا الطريق، ولا عزاه له صاحب ((التحفة))، وهو عند النسائي (٢٢٣٧) من طريق يعقوب عن أبي حازم عن سهل موقوفاً. ٢٧١ باب ٥ / ح ١٨٩٨ - ١٩٠٠ كتاب الصوم ((من ماله))، واختُلِفَ في المراد بقوله: ((في سبيل الله)) فقيل: أراد الجهاد، وقيل: ما هو أعمّ منه، والمراد بالّو جينِ إنفاق شیئین من أي صنف من أصناف المال، کما سيأتي إيضاحه. وقوله: ((هذا خير)) ليس اسمَ التفضيل، بل المعنى: هذا خير من الخيرات، والتنوين فيه للتَّعظيم، وبه تَظهَر الفائدة. قوله: ((ومَن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيّان)) في رواية محمد بن عَمْرو عن الزّهْري عند أحمد (٩٨٠٠): ((لكلِّ أهل عمل باب(١) يُدعَونَ منه بذلك العمل، ولأهل الصيام باب يُدعَونَ منه يقال له: الرَّيّان))، وهو أصرحُ في مقصود الترجمة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مُستوفَّى في فضائل أبي بكر إن شاء الله تعالى. ٥- بابٌ ھل یقال: رمضان أو شهر رمضان؟ ومَن رأی كلَّه واسعاً وقال النبيُّ وَّ: ((مَن صامَ رمضانَ))، وقال: ((لا تَقدَّموا رمضانَ)). ١٨٩٨ - حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ، أنَّ رسولَ اللهِِّ، قال: ((إذا جاء رمضانُ فُتِّحَت أبوابُ الجنَّةِ)). [طرفاه في: ٣٢٧٧،١٨٩٩] ١٨٩٩ - حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني ابنُ أبي أنسٍ مولى التَّيمِّينَ، أنَّ أباه حدَّثَه، أنَّه سمع أبا هريرةَ ه يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا دخل شهرُ رمضانَ فُتِّحَت أبوابُ السماءِ، وغُلِّقَت أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسِلَتِ الشَّياطين)). ١٩٠٠ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ١١٣/٤ أخبرني سالمٌ أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّةِ، يقول: ((إذا رأيتُموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطِروا، فإن غُمَّ علیکم فاقدُروا له)). (١) جاء في ((مسند أحمد)) بعد هذا عبارةٌ سقطت من الأصلين ومن (س)، وهي: ((من أبواب الجنة)). - ٢٧٢ باب ٥ / ح ١٨٩٨ - ١٩٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيرُه: عن الليثِ، حدَّثني عُقَيْلٌ ويونسُ: لهلال رمضانَ. [طرفاه في: ١٩٠٦، ١٩٠٧] قوله: (بابٌ هل يقال)) كذا للأكثر على البناءِ للمجهول، وللسَّرَخسي والمُستَمْلي: «هل يقول)) أي: الإنسان. قوله: ((ومَن رأى كلَّه واسعاً)) أي: جائزاً، بالإضافة وبغير الإضافة، وللكُشْمِيهنيّ: ((ومن رآه)) بزيادة الضمير، وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديثٍ ضعيفٍ، رواه أبو معشَرِ نَجيحُ المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تقولوا: رمضان، فإنَّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان)) أخرجه ابن عَدي في «الكامل» (٧/ ٢٥١٧) وضعَّفه بأبي معشرٍ. قال البيهقي (٢٠١/٤-٢٠٢): قد روي عن أبي معشَرٍ عن محمد بن كعبٍ قولَه، وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفَين، وقد احتَجَّ البخاري لجواز ذلك بعِدّة أحاديثَ. انتهى، وقد ترجم النَّسائي لذلك أيضاً فقال: ((بابٌّ الرُّخصةُ في أن يقال لشهر رمضان: رمضان)) ثمَّ أوردَ حديثَ أبي بكرةَ مرفوعاً (٢١٠٩): ((لا يقولَنَّ أحدكم صُمت رمضان، ولا قُمتُه كلَّه))، وحديث ابن عبّاسٍ (٢١١٠): ((عمرة في رمضان تَعدِلُ حَجَّة))، وقد يُتمسَّكُ للتَّقييد بالشهر بورود القرآن به حيثُ قال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] مع احتمال أن يكونَ حذف لفظ ((شهر)) من الأحاديث من تصرُّفِ الرّواة، وكأنَّ هذا هو السِّرُّ في عَدَم جَزم المصنِّف بالحكم، ونُقِلَ عن أصحاب مالك الكراهيةُ، وعن ابن الباقِلّاني منهم وكثير من الشافعية: إن كان هناك قرينةٌ تَصِرِفُه إلى الشهر فلا يُكرَه، والجمهورُ على الجواز. واختُلِفَ في تسمية هذا الشهر ((رمضان)) فقيل: لأنه تُرمَضُ فيه الذُّنوب، أي: تُحرَقُ، لأَنَّ الرَّمضاءَ شِدّة الحرّ، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زَمَناً حارّاً، والله أعلم. قوله: ((وقال النبي ◌َّ: مَن صامَ رمضانَ. وقال: لا تَقدَّموا رمضان)) أمَّا الحديث الأوَّل فَوَصَله في الباب الذي يليه، وفيه تمامُه، وأمَّا الثاني فوَصَله بعد ذلك (١٩١٤) من طريق ٢٧٣ باب ٥ / ح ١٨٩٨ - ١٩٠٠ كتاب الصوم هشام عن يحيى عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يَتقدَّمنَّ أحدُكم))، وأخرجه مسلم (١٠٨٢) من طريق عليّ بن المبارَكِ عن يحيى بلفظ: ((لا تَقدَّموا رمضان)). قوله: ((عن أبي سُهَيل)) هو نافع بن مالك بن أبي عامر بن عَمْرو بن الحارث بن(١) غَيْمان - بالغين المعجمة والتحتانية - الأصبحي، عَمّ مالك بن أنس بن مالك، وأبوه تابعي کبیر أدرَكَ عمر. قوله: ((إذا جاء رمضان فُتْحَت أبوابِ الجنَّة)) كذا أخرجه مُختصَراً، وقد أخرجه مسلم (١٠٧٩) والنَّسائي (٢٠٩٧) من هذا الوجه بتمامه مثلَ رواية الزُّهْري الثانية، والظاهر أنَّ البخاري جمع المتن بإسنادين، وذكر موضعَ المغايرة، وهو «أبواب الجنَّة» في روایة إسماعيل ابن جعفر، «وأبواب السماء)» في رواية الزُّهْري. قوله: ((حدَّثني ابن أبي أنس)) هو أبو سُهَيل نافع بن أبي أنس مالك بن أبي عامر شيخ إسماعيل بن جعفر، وهو من صِغار شيوخ الزّهْري بحيثُ أدرَكَه تلامذة الزُّهْري، وهو أصغَرُ منهم كإسماعيل بن جعفر. وهذا الإسنادُ يُعَدُّ من رواية الأقران، وقد تأخّرَ أبو ◌ُهَيل في الوفاة عن الزُّهْري. وقد بيَّن النَّسائي أنَّ مراد الزُّهْري بابن أبي أنس هذا: نافع، فأخرج من وجهٍ آخرَ (٢٠٩٨) عن عَقيلٍ عن ابن شهابٍ، أخبرني أبو سُهَيل عن أبيه، وأخرجه (٢٠٩٩) من طریق صالح عن ابن شهابٍ فقال: أخبرني نافع بن أبي أنس، وروى (٢١٠٥) هذا الحديثَ مَعمَر عن الزُّهْري فأرسَله، وحَذَفَ مَن بينَه وبين أبي هريرة، ورواه (٢١٠٣) ابن إسحاق عن الزُّهْري عن أوَيس بن أبي أوَيس عَدِيدٍ(٢) بني تميم عن أنس، قال النَّسائي: وهو خطأ. قوله: ((مولى التَّيميينَ)) أي: مولى بني تَيم، والمراد منهم آل طلحة بن عبيد الله أحد ١١٤/٤ العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قَدِمَ مَّة فقطَنها، وحالَفَ عثمان بن عُبيد الله أخا (١) أُقحم في (س) لفظة ((أبي))، فصارت: أبي غيمان، وهو خطأ. (٢) تحرف في (س) إلى: عديل. ومعنى عديد، أي: معدود فيهم. ٢٧٤ باب ٥ / ح ١٨٩٨ - ١٩٠٠ فتح الباري بشرح البخاري طلحة فنُسِبَ إليه، وكان مالكٌ الفقيه يقول: لَسْنا موَالِي آل تَيم، إنَّما نحن عَرَبٌ مِن أصبَح، ولكنَّ جَدّي حالَفَهم. قوله: ((وسُلسِلَت الشَّياطين)) قال الحليمي: يحتمل أن يكونَ المراد أنّ الشَّياطين مُستِرِقو السّمع منهم، وأنَّ تَسَلسُلهم يقعُ في ليالي رمضان دونَ أيامه، لأنهم كانوا مُنِعوا في زمنٍ نزول القرآنِ من استراق السّمع، فزيدوا التسَلسُلَ مُبالَغةً في الحفظ، ويحتمل أن يكونَ المراد أنَّ الشَّياطين لا يَخلُصونَ من افتِتان المسلمين إلى ما يَخلُصونَ إليه في غيره، لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشَّهَوات، وبقراءة القرآنِ والذِّكر. وقال غيره: المرادُ بالشَّياطينِ: بعضهم، وهم المرَدةُ منهم، وترجم لذلك ابن خُزيمة في ((صحيحه) وأوردَ ما أخرجه هو (١٨٨٣) والتِّرمِذي (٦٨٢) والنَّسائي(١) وابن ماجَهْ (١٦٤٢) والحاكم (١ / ٤٢١) من طريق الأعمَشِ عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا كان أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان صُفِّدَت الشَّياطِينُ مَرَدَةُ الجِنّ))، وأخرجه النَّسائي (٢١٠٦) من طريق أبي قِلابةَ عن أبي هريرة بلفظ: ((وتُغَلُّ فيه مَرَدةُ الشَّياطين)) زاد أبو صالح في روايته: ((وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتَح منها بابٌ، وفُتِّحَت أبوابُ الجنَّة فلم يُغلَق منها بابٌ، ونادى مُنادٍ: يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشرِّ أقصر، ولله عُتَقاء من النار وذلك كلَّ ليلة)) لفظ ابن خُزيمة، وقوله: ((صُفِّدَت)) بالمهمَلة المضمومة بعدَها فاء ثقيلة مكسورة، أي: شُدَّت بالأصفاد، وهي الأغلالُ، وهو بمعنى سُلسِلَت، ونحوُه للبيهقي (٢) من حديث ابن مسعود وقال فيه: ((فُتحَت أبواب الجنَّة فلم يُغلَق منها بابٌ الشهرَ كلَّه)). قال عياض وغيره: يحتمل أنَّه على ظاهره وحقيقته، وأنَّ ذلك كلَّه علامة للملائكة الدخول الشهر، وتعظيم حُرمَته، ولمنع الشَّياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكونَ إشارةً إلى كَثْرة الثَّواب والعفو، وأنَّ الشَّياطين يَقِلُّ إغواؤهم فيصيرونَ كالمصفَّدينَ. قال: ويُؤيِّد هذا الاحتمالَ الثاني قوله في رواية يونسَ عن ابن شهابٍ عند مسلم (٢/١٠٧٩): ((فُتِحَت (١) ليس هو في ((سنن النسائي))، ولم يعزه له الحافظ المزي في ((التحفة)) (١٢٤٩٠). (٢) في ((الشعب)) (٣٦٠٦). ٢٧٥ باب ٥ / ح ١٨٩٨ - ١٩٠٠ كتاب الصوم أبوابُ الرحمة)). قال: ويحتمل أن يكونَ فتح أبواب الجنَّة عِبارةً عَّا يفتحُ الله لعباده من الطاعات، وذلك أسبابٌ لدخول الجنَّة، وغَلْق أبواب النار عبارة عن صَرفِ الهمَم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشَّياطين عِبارة عن تعجيزِهم عن الإغواءِ وتزيين الشَّهَوات. قال الزَّين بن المنيِّر: والأوَّلُ أوجَه، إذ لا ضَرورةَ تَدعو إلى صَرفِ اللَّفْظِ عن ظاهره. وأمَّا الروايةُ التي فيها ((أبواب الرحمة وأبواب السماء)) فمِن تصرُّفِ الزُّواة، والأصلُ أبواب الجنَّة، بدليل ما يقابلُه وهو غَلْق أبواب النار. واستُدلَّ به على أنَّ الجنَّة في السماءِ، لإقامة هذه مقامَ هذه في الرواية، وفيه نظرٌ، وجَزَمَ التُّورِشْتي شارح ((المصابيح)) بالاحتمال الأخير، وعِبارتُه: فتحُ أبواب السماءِ كِناية عن تَنْزُّل الرحمة وإزالة الغَلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببَذْل التوفيق وأُخرى بحُسنِ القَبُول، وغَلقُ أبواب جهنَّمَ كِناية عن تَنُّه أنفُسِ الصُّوّام عن رِجْس الفواحش، والتخلّص من البواعثِ على المعاصي بقمع الشَّهَوات. وقال الطِّيبي: فائدة فتح أبواب السماءِ: توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، وفيه إذا عَلِمَ المكلَّف ذلك بإخبار الصادقِ ما يزيدُ من نشاطه ويَتَلَقّاه بأرْيَحِيَّة. وقال القُرطُبي بعد أن رَجَّحَ حمله على ظاهره: فإن قيل: كيف نرى الشُّرورَ والمعاصي واقعةً في رمضان كثيراً، فلو صُفِّدَت الشَّياطينُ لم يقع ذلك؟ فالجوابُ أنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عن الصائمينَ الصومَ الذي حُوفِظَ على شُروطِهِ ورُوعِيتْ آدابُه، أو المصفَّد بعض الشَّياطِينِ وهم المَرَدَةُ لا كلَّهم، كما تقدَّم في بعضِ الروايات، والمقصود تقليل الشُّرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإنَّ وقوع ذلك فيه أقلُّ من غيره، إذ لا يَلزَمُ من تصفيد جميعهم أن لا يقعَ شرّ ولا معصية، لأنَّ لذلك أسباباً غير الشَّياطين، كالنُّفُوسِ الخبيثة والعادات القبيحة والشَّياطينِ الإنسية. وقال غيره: في تصفيد الشَّياطين في رمضان إشارة إلى رفع عُذر المكلَّف، كأنَّه يقال له: قد كُفَّت الشَّياطينُ عنك، فلا تَعَلَّ بهم في تَركِ الطاعة ولا فعل المعصية. قوله: ((إذا رأيتُموه)) أي: الهلالَ، وسيأتي التصريحُ بذلك بعد خمسة أبوابٍ (١٩٠٦) مع ١١٥/٤ ٢٧٦ باب ٦ / ح ١٩٠١ فتح الباري بشرح البخاري الكلام على الحكم، وكذا هو مُصرَّحٌ بذِكْر الهلال فيه في الرواية المعلّقة، وإنَّما أراد المصنِّف بإيراده في هذا الباب ثبوتَ ذِكر رمضان بغير لفظ شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة، وإنَّما وقع في الرواية المعلّقة. قوله: ((وقال غيره: عن الليث ... )) إلى آخره، المراد بالغير المذكور أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، كذلك أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال: حدَّثني الليث حدَّثني عُقيل عن ابن شهابٍ، فذكره بلفظ: سمعت رسول الله وسلم يقول لهلال رمضان: ((إذا رأيتُموه فصوموا)) الحديث، ووقع مثلُه في غير رواية الزّهْري، قال عبد الرزاق (٧٣٠٧): أخبرنا مَعمَر عن أيوبَ عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّم لهلال رمضان: «إذا رأيتُموه فصوموا)) الحديث. وسيأتي بيان اختلاف ألفاظِ هذا الحديث حيثُ ذكرتُه إن شاء الله تعالى. ٦ - باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً ونِيَّةً وقالت عائشةُ عن النبيِّ ◌َّ: (يُبعَثُونَ على نِيّاتهم)). ١٩٠١ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدّثنا يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ◌ََّ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن قَامَ ليلةَ القَدرِ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنِهِ، ومَن صامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِهِ)). قوله: ((باب مَن صامَ رمضان إيماناً واحتساباً ونية)) قال الزَّين بن المنيِر: حَذَفَ الجواب إيجازاً واعتماداً على ما في الحديث، وعَطَفَ قوله: نيةً على قوله: احتساباً، لأنَّ الصومَ إنَّما يكون لأجل التقرُّبِ إلى الله، والنِّيّةُ شرط في وقوعِه قُربةً. قال: والأولى أن يكونَ منصوباً على الحال. وقال غيره: انتَصَبَ على أنَّه مفعولٌ له أو تمييز أو حالٌ بأن يكونَ المصدَر في معنى اسم الفاعل، أي: مُؤْمِناً مُحْتَسِباً، والمراد بالإيمان: الاعتقاد بحَقِّ فرضية صومِه، وبالاحتساب: طلب الثَّواب من الله تعالى. وقال الخطَّابي: احتساباً، أي: عَزِيمة، وهو أن يصومَه على معنى الرَّغبة في ثوابه طيِّةً نفسُه بذلك، غيرَ مُستَثِقِل لصيامه ولا مُستطيل لأیامه. ٢٧٧ باب ٦ / ح ١٩٠١ كتاب الصوم قوله: ((وقالت عائشة عن النبي وَّ: يُبعَثُونَ على نياتهم)) هذا طرف من حديثٍ وَصَله المصنِّف في أوائل البيوع (٢١١٨) من طريق نافع بن جُبَير عنها، وأوَّله: ((يَغْزُو جيشٌ الكعبةَ، حتَّى إذا كانوا ببَيداءَ من الأرضِ خُسِفَ بهم، ثمَّ يُبعَثونَ على نياتهم)) يعني يومَ القيامة، ووجه الاستدلال منه هنا: أنَّ للنِّية تأثيراً في العمل لاقتضاءِ الخبر أن في الجيشِ المذكور المكرَهَ والمختار، فإنَّهم إذا بُعِثوا على نياتهم وَقَعَتِ المؤاخَذَة على المختار دونَ المكرَه. قوله: «حدّثنا یحیی)) هو ابن أبي کثیر. قوله: ((عن أبي سَلَمَ)) هو ابن عبد الرحمن، ووقع في رواية معاذ بن هشام عن أبيه عند مسلم (٧٦٠/ ١٧٥): حدَّثني أبو سَلَمة، ونحوُه في رواية شَيْبانَ عن يحيى عند أحمد (٩٤٤٥). قوله: ((مَن قامَ ليلةَ القَدر)) يأتي الكلام عليه في الباب المعقود لها في أواخرِ الصيام (٢٠١٤). قوله: ((ومَن صامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِه)) زاد أحمد (٩٠٠١) من طريق حَمَّد بن سَلَمة عن محمد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة: ((وما تأخّرَ))، وقد رواه أحمد (١٠٥٣٧) أيضاً عن يزيد بن هارون عن محمد بن عَمْرو بدون هذه الزِّيادة، و (٧١٧٠) من طريق يحيى بن سعيد عن أبي سَلَمة بدونها أيضاً، ووَقَعَت هذه الزِّيادةُ أيضاً في رواية الزُّهْري عن أبي سلمة أخرجها النّسائي (ك٢٥٢٣) عن قُتییةَ عن سفيان عنه، وتابعه حامد ابن يحيى عن سفيان، أخرجه ابن عبد البَرِّ في ((التمهيد)) (١٠٥/٧) واستَنْكَرَه،/ وليس ١١٦/٤ بمُنكَر، فقد تابعه قُتَيبة كما ترى، وهشام بن عَّر وهو في الجزء الثاني عشر من ((فوائده))، والحسين بن الحسن المروَزي أخرجه في ((كتاب الصيام)) له، ويوسف بن يعقوب النَّجاحي أخرجه أبو بكر بن المقرئ في ((فوائده)) كلهم عن سفيان، والمشهور عن الزُّهْري بدونها (١). (١) قلنا: جمهور أصحاب سفيان الثقات کالشافعي والحميدي وابن المديني وغيرهم کثیر رووا الحديث عن سفيان دون هذه الزيادة، وهم أكثر عدداً وأجود حفظاً. على أن في بعض طرق من روى الزيادة عن سفيان مقالاً. انظر تعليقنا على ((مسند أحمد)) (٧٢٨٠). ٢٧٨ باب ٧ / ح ١٩٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وقد وَقَعَت هذه الزّيادةُ أيضاً في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين (٢٢٧١٣ و٢٢٧٦٥) وإسناده حسن(١). وقد استوعَبتُ الكلامَ على طُرقِه في كتاب (الخِصال المكفِّرة للذُّنوب المقدَّمة والمؤخّرة))، وهذا مُحصَّلُه. وقوله: ((من ذَنِبِه)) اسمُ جنسٍ مضافٌ فيتناولُ جميع الذُّنوب، إلَّا أنَّه مخصوصٌ عند الجمهور، وقد تقدَّم البحثُ في ذلك في كتاب الوضوء (١٥٩) وفي أوائل كتاب المواقيت (٥٢٥). قال الكِرْماني: وكلمة ((من)) إمّا مُتعلِّقة بقوله: ((غُفِرَ)) أي: غُفِرَ من ذَنِهِ ما تقدَّم، فهو منصوبُ المحَلّ، أو هي مبنيةٌ لما تقدَّم، وهو مفعولٌ لمَا لم يُسمَّ فاعلُه، فيكون مرفوعَ المحَلّ. ٧- باب أجود ما کان النبيّ پټ یکون في رمضان ١٩٠٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبد الله بنِ عُتبةَ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ ◌َّ أُجوَدَ الناس بالخير، وكان أجوَدُ ما يكون في رمضانَ حين يَلقَاه جِيرِيلُ، وكان جِيِيلُ عليه السلامُ يَلقاه كلَّ ليلةٍ في رمضانَ حتَّى يَنسَلِغَ، يَعِرِضُ عليه النبيُّ نَّهِ القُرآنَ، فإذا لَقِيَه جِيِيلُ عليه السلامُ كان أجوَدَ بالخيرِ من الرِّيحِ المرسَلة. قوله: ((بابٌّ أجوَدُ ما كان النبي ◌ِِّ يكون في رمضان)» أوردَ فيه حديثَ ابن عبّاسٍ: كان النبي ◌ََّ أجوَدَ الناس بالخير، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفّى في بَدْءِ الوحي (٦). قال الزّين بن المنيِر: وجه التشبيه بين أجوديته وَ لّ بالخير وبين أجودية الرّيح المرسَلة، أنَّ المراد بالرّيحِ ريحُ الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغَيثِ العامِّ الذي يكون سبباً لإصابة (١) تحسين إسناده فيه تساهل من الحافظ رحمه الله، فالوجه الأول من حديث عبادة بن الصامت من طريق عمر بن عبد الرحمن عنه: فيه سعيد بن سلمة ليِّن، وعبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف، وعمر بن عبد الرحمن مجهول. والوجه الثاني من طريق خالد بن معدان عنه: فيه بقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالتحديث في جميع طبقات السند، وخالد بن معدان لم يسمع من عبادة. وانظر تفصيل الكلام في تعلیقنا علی «المسند». ٢٧٩ باب ٨ / ح ١٩٠٣ كتاب الصوم الأرضِ الميتة وغير الميتة، أي: فيَعُمُّ خيرُه وبُّه مَن هو بصفة الفقر والحاجة ومَن هو بصفة الغنى والكِفاية، أكثرَ ممّا يَعُمُّ الغَيث الناشئة عن الرّيحِ المرسَلة، ◌َّ. ٨- باب من لم يدع قول الزّور والعمل به في الصوم ١٩٠٣ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئبٍ، حدّثنا سعيد المقبريُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ عُه، قال: قال رسولُ اللهِوََّ: «مَن لم يَدَع قولَ الزّورِ والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامه وشرابه)). [طرفه في: ٦٠٥٧] قوله: ((باب مَن لم يَدَع)) أي: يَترُك ((قول الزّورِ والعملَ به)) زاد في نسخة الصَّغاني ((في الصوم)). قال الزَّين بن المنيِّر: حَذَفَ الجواب لأنه لو نَصَّ على ما في الخبر لَطالَت الترجمة، أو لو عَبَّرَ عنه بحُكم مُعيٍَّ لَوقع في عُهدَته فكان الإيجازَ مَا صَنَعَ. قوله: ((حدَّثنا (١) سعيد المقبري عن أبيه)) كذا في أكثر الروايات عن ابن أبي ذئب، وقد رواه ابن وَهْب عن ابن أبي ذئب فاختُلِفَ عليه: رواه الرَّبيع عنه مثلَ الجماعة، ورواه ابن السَّرْح(٢) عنه، فلم يَقُل: ((عن أبيه))/ أخرجهما النَّسائي (ك٣٢٣٤ و ٣٢٣٥)، وأخرجه ١١٧/٤ الإسماعيلي من طريق حمَّد بن خالد عن ابن أبي ذئب بإسقاطه أيضاً، واختُلِفَ فيه على ابن المبارك: فأخرجه ابن حِيَّان (٣٤٨٠) من طريقه بالإسقاط، وأخرجه النَّسائي (ك٣٢٣٣) وابن ماجَهْ (١٦٨٩) وابن خُزيمة (١٩٩٥) بإثباته، وذكر الدّار قُطني أنَّ يزيد بن هارون ويونس بن يحيى روياه عن ابن أبي ذئب بالإسقاط أيضاً، وقد أخرجه أحمد (٩٨٣٩) عن يزيد، فقال فيه: ((عن أبيه))، والذي يَظهَرُ أنَّ ابن أبي ذئب كان تارةً لا يقول: عن أبيه، وفي أكثر الأحوال يقولها، وقد رواه أبو قَتَادة الحَرّاني عن ابن أبي ذئبٍ بإسناد آخرَ، قال: عن (١) جاء عندنا في الأصلين: عن سعيد، بالعنعنة، مع أنه لا يوجد اختلاف بين روايات البخاري بأن صيغة التحمل هنا هي التحديث، حسب ما جاء في النسخة اليونينية والقسطلاني. (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: ابن السراج، والتصويب من (ع) والنسائي، وابن السرح: هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح. ٢٨٠ باب ٨ / ح ١٩٠٣ فتح الباري بشرح البخاري الزُّهْري عن عبد الله بن ثَعْلبةَ عن أبي هريرة، وهو شاذّ، والمحفوظ الأوَّل. قوله: ((قول الزُّورِ والعملَ به)) زاد المصنّفُ في الأدبِ (٦٠٥٧) عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب: ((والجهل))، وكذا لأحمد عن حجّاج ويزيد بن هارون (٩٨٣٩) كلاهما عن ابن أبي ذئب، وفي رواية ابن وَهْب: ((والجهلَ في الصوم))، ولابن ماجَهْ (١٦٨٩) من طريق ابن المبارك: ((من لم يَدَع قول الزّور والجهلَ والعملَ به))، جعل الضميرَ في (به)) يعودُ على الجهل، والأوَّل جَعَله يعودُ على قول الزُّور، والمعنى مُتَقارب، ولمَّا روى التِّرمِذي (٧٠٧) حديث أبي هريرة هذا قال: وفي الباب عن أنس. قلت: وحديثُ أنس أخرجه الطبراني في (الأوسط)) (٣٦٢٢) بلفظ: ((من لم يَدَع الخَنَا والكذِب))، ورجاله ثقات، والمراد بقول الزّورِ: الكذب، والجهلِ: السَّفَه، والعمل به: أي بمُقتَضاه، كما تقدَّم. قوله: ((فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه)) قال ابن بَطَّال: ليس معناه أن يُؤمَرَ بأن يَدَعَ صيامَه، وإنَّما معناه التحذير من قول الزّور وما ذُكِرَ معه، وهو مثلُ قوله: ((من باع الخمر فليُشَقِّص الخنازير))(١) أي: يَذْبَحها، ولم يأمره بذَبحها، ولكنَّه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر. وأمَّا قوله: ((فليس لله حاجة)) فلا مفهومَ له، فإنَّ الله لا يحتاجُ إلى شيء، وإنَّما معناه: فليس لله إرادةٌ في صيامه، فوَضَعَ الحاجةَ موضعَ الإرادة، وقد سَبَقَ أبو عمر بن عبد البَرِّ إلى شيء من ذلك. قال ابن المنيِّر في الحاشية: بل هو كِناية عن عَدَم القَبُول، كما يقول المغضَب لمن رَدَّ عليه شيئاً طلبه منه فلم يَقُم به: لا حاجةً لي بكذا، فالمراد رَدُّ الصوم المتَلبِّس بالزّور وقَبُول الصيام السالم منه، وقريب من هذا قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فإنَّ معناه لَن يُصيبَ رِضاه الذي يَنشَأُ عنه القَبُولُ. وقال ابن العربي: مُقتَضى هذا الحديث أنَّ من فعلَ ما ذُكِرَ لا يُئابُ على صيامه، ومعناه أنَّ ثواب الصيام لا يقومُ في الموازَنة بإثم الزّور وما ذُكِرَ معه. وقال البيضاوي: ليس (١) أخرجه أحمد (١٨٢١٤)، وأبو داود (٣٤٨٩) من حديث المغيرة بن شعبة، وفي إسناده عمر بن بيان التغلبي وهو مجهول.