النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
باب ١٠م / ح ١٨٨٥
فضائل المدينة
والصاد المهمَلة.
قوله: ((عن عبد الله بن يزيد)) هو الخَطْمي، وفي الإسناد صحابيان أنصاريان في نَسَق واحد.
قوله: ((رَجَعَ ناس من أصحابه)) هم عبد الله بن أُبيّ(١) ومن تَبِعَه، وسيأتي الكلام عليه في
تفسير سورة النِّساء (٤٥٨٩)، والغرض منه هنا بيان ابتداء قوله: ((تنفي الرجال))، وأنَّه
کان في أُحُد.
قوله: ((الرِّجال)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيّ: الدَّجّال بالدّال وتشديد الجيم: وهو
تصحيف، ووقع في غزوة أُحُد (٤٠٥٠): ((تنفي الذُّنوب))، وفي تفسير النِّساء (٤٥٨٩):
(تنفي الخَبَث))، وأخرجه في هذه المواضع كلّها من طريق شُعْبة، وقد أخرجه مسلم(٢)
(٢٧٧٦)، والتِّرمِذي (٣٠٢٨)، والنَّسائي (١١١١٣) من طريق غُندَر عن شُعْبة باللَّفْظِ
الذي أخرجه في التفسير من طريق غُندَر، وغُندَر أثبت الناس في شُعْبة، وروايته توافق
رواية حديث جابر الذي قبله حيثُ قال فيه: ((تنفي خَبَئها))، وكذا أخرجه مسلم (١٣٨١)
من حديث أبي هريرة بلفظ: («تُخرِج الخبيث))، ومضى في أوَّل فضائل المدينة (١٨٧١) من
وجه آخر عن أبي هريرة: (تنفي الناس))، والرواية التي هنا بلفظ: ((تنفي الرجال)) لا تُنافي
الرواية بلفظ ((الخَبَث)) بل هي مُفسِّرة للرواية المشهورة، بخلاف ((تنفي الذَّنوب))، ويحتمل
أن يكون فيه حذف تقديره: أهل الذُّنوب، فتَلَئِم مع باقي الروايات.
١٠ م- بابٌ
١٨٨٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حذَّثنا وهبُ بنُ جَرِیر، حدَّثنا أَبي، سمعتُ يونس، عن
ابنِ شِهابٍ، عن أنسٍ ﴾ عن النبيِّ ◌َّمِ قال: ((اللهمَّ اجعَلْ بالمدينةِ ضِعفَيْ ما جَعَلتَ بمكَّةً من
البر کة)).
تابَعَه عثمانُ بنُ عمر، عن يونس.
(١) وقع في (أ): عبد الله بن أبي أوفى، وصحح عليه، وهو خطأ واضح.
(٢) ولم يسق مسلم لفظه، وقد أحال على لفظ مختصر ليس فيه ما ذكره المصنّف.

٢٤٢
باب ١٠م / ح ١٨٨٥ - ١٨٨٦
فتح الباري بشرح البخاري
١٨٨٦ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ : أنَّ النبيَّ وَلـ
كان إذا قَدِمَ من سفرٍ فَتَظَرَ إلى جُدُرات المدينة أوضعَ راحلتَه، وإن كان على دابّةٍ حَرَّ کها؛ من
◌ُبِّها.
٩٨/٤ قوله: ((باب)) كذا للأكثر بلا ترجمة، وسَقَطَ من رواية أبي ذرِّ فأشكَلَ، وعلى تقدير ثبوتِه
فلا بُدّ له من تَعَلُّق بالذي قبله، لأنه بمنزلة الفصل من الباب. وقد أورد فيه حديثين
لأنسٍ، ووجه تَعَلَّق الأوَّل منهما بترجمة نفي الخَبَث: أنَّ قضية الدُّعاء بتضعيفِ البَرَكة
وتكثيرها تقليلُ ما يُضادّها، فيُناسب ذلك نفيَ الخَبَث، ووجه تَعَلَّق الثاني: أنَّ قضية حُبّ
الرَّسول للمدينة أن تكون بالغةً في طيب ذاتها وأهلها، فيُناسب ذلك أيضاً.
وقد تقدَّم الكلام على الثاني في أواخر أبواب العمرة (١٨٠٢).
وأمّا الأوَّل فقوله فيه: «حدّثنا أبي)» هو جَرِیر بن حازم، ویونس: هو ابن یزید.
قوله: ((اجعَل بالمدينة ضِعفَي ما جَعَلت بمكَّة من البَرَكَة)) أي: من بَرَكة الدُّنيا، بقرينة
قوله في الحديث الآخر: ((اللهمَّ بارك لنا في صاعنا ومُدّنا))(١)، ويحتمل أن يريد ما هو أعمّ
من ذلك، لكن يُستَثنى من ذلك ما خرج بدليلٍ، كَتضعيفِ الصلاة بمكَّة على المدينة،
واستُدلَّ به على تفضيل المدينة على مكَّة وهو ظاهر من هذه الجهة، لكن لا يَلزَم من
حصول أفضلية المفضول في شيء من الأشياء ثبوت الأفضلية له على الإطلاق. وأمَّا من
ناقضَ ذلك بأنَّه يَلزم أن يكون الشام واليمن أفضل من مكَّة لقوله في الحديث الآخر:
((اللهمَّ بارك لنا في شامنا))(٢)، وأعادها ثلاثاً، فقد تُعُقِّبَ بأنَّ التأكيد لا يَستَلِزِم التكثير
المصرَّح به في حديث الباب. وقال ابن حَزْم: لا حُجّة في حديث الباب لهم، لأنَّ تكثير
البَرَكة بها لا يَسْتَلِزِم الفضل في أُمور الآخرة. ورَدَّه عياض بأنَّ البَرَكة أعمّ من أن تكون في
أُمور الدّين أو الدُّنيا، لأنها بمعنى النَّماء والزِّيادة، فأمّا في الأُمور الدّينية فلما يتعلَّق بها من
حقّ الله تعالى من الزكوات والكفَّارات، ولا سيما في وقوع البَرَكة في الصاع والمدّ. وقال
(١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٨٨٩) من حديث أنس بن مالك.
(٢) سلف عند البخاري برقم (١٠٣٧)، وسيأتي برقم (٧٠٩٤) من حديث ابن عمر.

٢٤٣
باب ١٠م / ح ١٨٨٥ -١٨٨٦
فضائل المدينة
النَّووي: الظاهر أنَّ البَرَكة حَصَلَت في نفس المكيل بحيثُ يكفي المدّ فيها من لا يكفيه في
غيرها، وهذا أمر محسوس عند من سَكَنها. وقال القُرطُبي: إذا وُجِدَت البَرَكة فيها في
وقتٍ حَصَلَت إجابة الدَّعوة، ولا يَستَلِزِم دوامها في كلّ حين ولكلٍّ شخص، والله أعلم.
قوله: ((تابَعَه عثمان بن عمر عن يونس)) أي: تابع جَرِيرَ بن حازم في روايته لهذا الحديث
عن يونس بن يزيد عن الزُّهْري: عثمانُ بن عمر بن فارس، فرواه عن يونس بن يزيد،
ورواية عثمان بن عمر موصولة في ((كتاب عِلَل حديث الزُّهْري)) جَمْع محمد بن يحيى
الذُّهلي، كذا وجدته بخَطِّ بعض المصنِّفين، ولم أقف عليه في كتاب الذُّهلي، وقد ضاقَ
تَخَرَجه على الإسماعيلي، فأخرجه من طريق عبد الله بن وَهْب، ومن طريق شَبيب بن سعيد
وعَلْقمة، ومن(١) طريق عَنبَسةَ بن خالد، کلهم عن يونس بن یزید، وساق رواية وَهْب بن
جَرِير فقال: حدَّثنا أبو يعلى حدَّثنا زُهَيرٌ أبو خَيْئمة وقاسم بن أبي شَيْبة، كلاهما عن وهب
ابن جَرِیر، وصَرَّحَ في روایة زُهَیر عن وَهْب بسماع جَرِیر له من یونس، ثمَّ قال: قاسم ابن
أبي شَيْبة ليس من شرط هذا الكتاب. ونقل مُغَلْطاي كلام الإسماعيلي هذا وتَبِعَه شيخنا
ابن الملَقِّن، وقال في آخره: قال الإسماعيلي: أبو شَيْبة ليس من شرط هذا الكتاب، وهو
سَهْوٌ، كأنَّه أراد أن يكتب قاسم بن أبي شَيْبة، فقال: وأبو شَيْبة. ثمَّ قال مُغَلْطاي: وقال
الإسماعيلي: قال الحسن عن أنس: إنَّ رسول الله وَّه قال، فذكره، وقال: يعني المدينة.
انتهى، وهذا نظرُ من لم يَطَّلِعْ على حقيقة الحال فيه، إذ الإسماعيلي ذكر رواية الحسن عن
أنس لهذا الحديث متابعة لرواية يونس عن الزُّهْري عن أنس، كما ذكر رواية ابن وَهْب
وشَبِيب بن سعيد متابعة لجَرِير بن حازم عن يونس، وليس كذلك، وإنَّما أوردَ الإسماعيلي
طريق شَبِيب بن سعيد/ فقال: أخبرني الحسن يعني ابن سفيان حدَّثنا إبراهيم بن سعيد ٩٩/٤
(١) في الأصلين و(س): مِن، بإسقاط الواو، ولا بدّ منها هنا. وعلقمة هذا هو ابن جريج، وهو ممن روى عن
يونس بن يزيد الأيلي، وقيل: إن الصواب في اسمه: عقبة بن علقمة بن جريج، ومن أسقط من اسمه
عقبة فقد وهمَ، كما قال الحافظ في ((التقريب))، فيكون الإسماعيلي قد رواه من طريق هؤلاء الأربعة: ابن
وهب وشبيب وعلقمة وعنبسة.

٢٤٤
باب ١١-١٢ / ح ١٨٨٧ -١٨٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثنا أحمد بن شَبِيب بن سعيد حدَّثنا أبي عن يونس عن الزُّهْري، ثمَّ تَحوَّلَ الإسماعيلي إلى
طريق ابن وَهْب، قال ابن وَهْب: حدثني يونس عن ابن شهاب حدَّثني أنس، وساق
الحديث على لفظه، ثمَّ قال بعد فراغه: وقال الحسن عن أنس، ومراده أنَّ رواية ابن وَهْب
فيها تصريح ابن شهاب - وهو الزُّهْري - أنَّ أنساً حدَّثَه، بخلاف رواية شَبيب بن سعيد
التي أخرجها من طريق الحسن بن سفيان، فإنَّه قال فيها: عن أنس.
١١ - باب كراهية النبيّ وَله أن تُعرَى المدينة
١٨٨٧ - حذَّثنا ابنُ سلام، أخبرنا الفَزَاريُّ، عن مُميدِ الطّويل، عن أنسٍ ﴾، قال: أراد بنو
سَلِمَةَ أن يَتَحوَّلوا إلى قُرْبِ المسجدِ، فَكَرِهَ رسولُ اللهِ وَيه أن تُعرَى المدينةُ، وقال: ((يا بني
سَلِمَةَ، ألا تَحتِبونَ آثارَكم؟)) فأقاموا.
قوله: ((باب كراهية النبي وَ ل﴿ أن تُعرَى المدينة)) ذكر فيه حديث أنس في قصَّة بني سَلِمةً،
وقد تقدَّم الكلام عليه في ((باب احتساب الآثار)) في أوائل صلاة الجماعة (٦٥٥).
تنبيه: ترجم البخاري بالتَّعليلين، فترجَمَ في الصلاة باحتساب الآثار، لقوله وَالـ
((مكانكم تُكتَبْ لكم آثاركم))، وترجم هنا بما ترى، لقول الراوي: فكّرِه النبي ◌َّ أن تُعرى
المدينة، وكأنَّه وَّهَاقتَصَرَ في مُخاطَبَتهم على التعليل المتعلّق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة.
قوله فيه: ((ألا تحتسِبونَ)) كذا للأكثر، ولبعضهم: ((تحتسِبوا)»، وحذفُ النون في مثل هذا
لغة مشهورة.
١٢ - بابٌ
١٨٨٨ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، قال: حدَّثني خُبَيَبُ بنُ عبد الرحمن،
عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ عُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((ما بينَ بيتي ومِنْبَرَي روضةٌ من
رِیاض الجنَّةِ، ومنبري على خوضِي».
١٨٨٩ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً

٢٤٥
باب ١٢ / ح ١٨٨٩ - ١٨٩٠
فضائل المدينة
رضي الله عنها، قالت: لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ◌َلِّ المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبِلالٌ، فكان أبو بكرٍ إذا
أخَذَته الحُمَّی یقول:
كُلُّ امرِىءٍ مُصَبَّحُ في أهلِهِ والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعلِهِ
وكان بلالٌ إذا أُقْلعَ عنه الخُمَّى يَرفَعُ عَقِیرتَه، يقول:
ألا لَيتَ شِعري هل أبِيتَنَّ ليلةً بِوادٍ وحَولي إذخِرٌّ وجَلِيلٌ
وَهَل أرِدَنْ يَوماً مِياهَ مَجَنَّةٍ وهل يَبدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفِيلُ
قال(١): اللّهمَّ العَنْ شَيْئَةَ بنَ رَبِيعةَ وعُتبةَ بنَ رَبِيعةَ وأُميَّةَ بنَ خَلَفٍ، كما أخرَجُونا من أرضِنا إلى
أرضِ الوَبَاء.
ثَّ قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اللّهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أو أشَدَّ، اللهمَّ بارِكْ لنا في
صاعِنا وفي مُدِّنا، وصَحِّحْها لنا، وانقُلْ مُّاها إلى الجُحْفة)). قالت: وقَدِمْنا المدينةَ وهي أوبأُ
أرضِ الله، قالت: فكان بُطْحانُ يجري نَجْلاً؛ تعني: ماءً أَجِناً.
[أطرافه في: ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢]
١٨٩٠ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا الليثُ، عن خالد بنِ يزيدَ، عن سعيد بنِ أبي هلالٍ، ١٠٠/٤
عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه، عن عمرَ ﴾، قال: اللّهمَّ ارزُقني شهادةً في سَبِيلِكَ، واجعَل موتي
في بَلَد رسولِكَ لّ.
وقال ابنُ زُرَيع: عن روحٍ بنِ القاسمِ، عن زيد بنِ أسلمَ، عن أُمِّه، عن حفصةً بنتٍ عمرَ
رضي الله عنهما، قالت: سمعتُ عمر ... نحوَه.
وقال هشامٌ: عن زيدٍ، عن أبيه، عن حفصةً: سمعتُ عمرَ ظ﴾.
قوله: ((بابٌ)) كذا في جميع النَّسَخ بلا ترجمة، وهو مُشتَمِل على حديثين وأثر، ولكلٍّ منها
تَعَلُّق بالترجمة التي قبله، فحديث: ((ما بين بيتي ومِنْبَري روضة من رياض الجنَّة)) فيه إشارة
إلى الترغيب في سُكنى المدينة، وحديث عائشة في قصَّة وعك أبي بكر وبلال فيه دعاؤُه وَيه
(١) أي: بلال، كما في ((إرشاد الساري)) للقسطلاني ٣٤٢/٣.

٢٤٦
باب ١٢ / ح ١٨٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
للمدينة بقوله: ((اللهمَّ صَحِّحها))، وفي ذلك إشارة إلى الترغيب في سكناها أيضاً، وأثر
عمر في دعائه بأن تكون وفاته بها ظاهر في ذلك، وفي كلّ ذلك مُناسَبة لكراهَته وَلِّ أن
تُعرَى المدينة، أي: تصير خالية.
فأمَّا الحديث الأوَّل في المنبر فقوله: «ما بين بيتي ومنبري)) کذا للأكثر، ووقع في رواية ابن
عساكر وحده: ((قَبري)) بَدَل ((بيتي))، وهو خطأ، فقد تقدَّم هذا الحديث في كتاب الصلاة
(١١٩٦) قُبَيل الجنائز بهذا الإسناد، بلفظ: ((بيتي))، وكذلك هو في ((مُسنَد مُسَّد)) شيخ
البخاري فيه، نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقَّاص عند البَزَّار (١٢٠٦) بسندٍ رجالُه
ثقات، وعند الطبراني (١٣١٥٦) من حديث ابن عمر بلفظ ((القَبر))، فعلى هذا المراد بالبيت
في قوله ((بيتي)): أحد بيوته، لا كلّها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قَبره، وقد وَرَدَ
الحديث بلفظ: ((ما بين المِنْبَرَ وبيت عائشة روضة من رياض الجنَّة)) أخرجه الطبراني في
((الأوسط)) (٣١١٢).
قوله: ((روضة من رياض الجنَّة)) أي: كَروضةٍ من رياض الجنَّة في نزول الرحمة وحصول
السَّعادة، بما يَحِصُل من مُلازَمة حِلَق الذِّكر، لا سيما في عهده ◌َِّ، فيكون تشبيهاً بغير أداة،
والمعنى: أنَّ العبادة فيها تُؤَدّي إلى الجنَّة فيكون مجازاً، أو هو على ظاهره، وأنَّ المراد أنَّه
روضة حقيقة بأن يَنْتَقِل ذلك الموضع بعينِه في الآخرة إلى الجنَّة. هذا مُحُصَّل ما أوَّله العلماء
في هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوّة.
وأمَّا قوله: ((ومِنبَري على حَوضِي)) أي: يُنقَل يوم القيامة فيُنصَب على الحوض، وقال
الأكثر: المراد مِنبَرَه بعينِه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل: المراد المِنبَر الذي يوضع له
يوم القيامة، والأوَّل أظهَر. ويُؤيِّده حديث أبي سعيد المتقدِّم(١)، وروى الطبراني في ((الكبير))
(٣٢٩٦) من حديث أبي واقد الليثي رَفَعَه: ((إنَّ قوائم مِنبَري رواتب في الجنَّة))، وقيل: معناه
(١) يريد الحديث الذي ذكره سابقاً قبل أسطر وعزاه إلى الطبراني في ((الأوسط)) برقم (٣١١٢) فهو من
حديث أبي سعيد الخدري ولفظه مرفوعاً: ((منبري على ترعة من ترع الجنة، وما بين المنبر وبين بيت
عائشة روضة من رياض الجنة)).

٢٤٧
باب ١٢ / ح ١٨٩٠
فضائل المدينة
أنَّ قَصْد مِنبَره والحُضورَ عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورِد صاحبَه إلى الحوض ويقتضي
شربه منه، والله أعلم. ونقل ابن زَبَالة أنَّ ذَرْعَ ما بين المِنِبَر والبيت الذي فيه القَبر الآن ثلاث
وخمسونَ ذِراعاً، وقيل: أربع وخمسونَ وسُدُس، وقيل: خمسونَ إلَّا ثُلُثَي ذِراع، وهو الآن
كذلك. فكأنَّه نَقَصَ لمَّا أُدخِل من الحُجرة في الجدار. واستُدلَّ به على أنَّ المدينة أفضل من
مكَّة، لأنه أثبَتَ أن الأرضَ التي بين البيت والمِنبَرَ من الجنَّة، وقد قال في الحديث الآخر:
(َقابُ قَوسٍ أحدكم في الجنَّة خير من الدُّنيا وما فيها))(١). وتعقّبه ابن حَزْم بأنَّ قوله: إِنَّا
من الجنَّة، مَجَاز إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصَفَ الله الجنَّة ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا
تَعْرَى﴾ [طه:١١٨] وإنَّما المراد أنَّ الصلاة فيها تُؤَدّي إلى الجنَّة، كما يقال في اليوم الطيِّب: هذا
من أيام الجنَّة، وكما قال رسول الله وَّةِ: ((الجنَّة تحت ظِلال السُّيوف))(٢)، قال: ثمَّ لو ثبت أنَّه
على الحقيقة لمَا كان الفضل إلَّ لتلك البُقعة خاصَّة، فإن قيل: إنَّ ما قَرُبَ منها أفضلُ مَّاً
بَعُدَ لَزِمَهم أن يقولوا: إنَّ الُحْفة أفضل من مگَّة ولا قائلَ به.
وأمَّا حديث عائشة، فقوله: ((وُعِكَ)) بضمِّ أوَّله أي: أصابه الوَعْك، وهو الحُمّى، وقيل: ١٠١/٤
مَغْث الحُمّى، وسيأتي شرح هذا الحديث مُستوفَّى في كتاب المغازي(٣) أوَّل الهجرة.
قوله: ((قالت)) يعني عائشة، والقائل: عُرْوة، فهو مُتَّصِل.
قوله: ((وهي أوباً)» بالهمزِ بوزن أفعل من الوَباء، والوَبا مقصور بهمزٍ وبغير همز: هو
المرض العامّ. ولا يعارض قدومُهم عليها وهي بهذه الصِّفة نهيَه ◌َّر عن القدوم على
الطاعون، لأنَّ ذلك كان قبل النَّهي، أو أنَّ النَّهي يختصّ بالطاعونِ ونحوه من الموت
الذَّريع لا المرض ولو عَمّ.
قوله: ((قالت: فكان بُطْحان)) يعني وادي المدينة.
وقولها ((يجري نَجْلاً؛ تعني ماءً أَجِناً)) هو من تفسير الراوي عنها، وغرضها بذلك بيان
(١) سيأتي برقم (٢٧٩٣).
(٢) سيأتي برقم (٢٨١٨).
(٣) بل في كتاب المناقب برقم (٣٩٢٦).

٢٤٨
باب ١٢ / ح ١٨٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
السبب في كَثْرة الوَباء بالمدينة، لأنَّ الماء الذي هذه صِفَته يحدُث عنده المرض، وقيل: النَّجل
النَّزّ بنونِ وزاي، يقال: استَنَجَلَ الوادي إذا ظهر نُزوزُه.
و (نَجْلاً)) بفتح النّون وسكون الجيم وقد تُفتَح، حكاه ابن التِّين، وقال ابن فارس:
النَّجَل بفتحتَينِ: سَعَة العين، وليس هو المراد هنا، وقال ابن السِّكّيت: النَّجل: النَّرُّ حين
يَظْهَرِ ويَنْبُعُ عينُ الماء، وقال الحَرْبي: نَجلاً، أي: واسعاً، ومنه: عينٌ نَجْلاء، أي: واسعة،
وقيل: هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء.
قوله: ((تعني ماءً أَجِنا)) بفتح الهمزة وكسر الجيم بعدها نون، أي: مُتَغَيِّراً، قال عياض:
هو خطأ مَمَّن فسَّرَه، فليس المراد هنا الماء المتَغَيِّرِ. قلت: وليس كما قال، فإنَّ عائشة قالت
ذلك في مقام التعليل لكونِ المدينة كانت وبيئة، ولا شكَّ أنَّ النَّجل إذا فُسِرَ بكونِه الماء -
الحاصل - من النّزّ فهو بصَدَد أن يَتغيَّرَ، وإذا تَغيَّر كان استعماله ممّا يُحدِثُ الوَباء في العادة.
وأمَّا أثر عمر فذكر ابن سعد (٣٣١/٣) سبب دعائه بذلك، وهو ما أخرجه بإسناد
صحيح عن عوف بن مالك: أنَّه رأى رُؤيا فيها أنَّ عمر شهيد مُستَشهَد، فقال لمَّا قَصَّها
عليه: أنَّى لي بالشَّهادة وأنا بين ظَهْرانَي جزيرة العرب، لستُ أغزو والناس حولي، ثمَّ
قال: بلی یأتي الله بها إن شاءً.
قوله: ((وقال ابن زُرَيع: عن روح بن القاسم)) وَصَله الإسماعيلي عن إبراهيم بن هاشم
عن أُميَّة بن بسطام عن يزيد بن زُرَيع، به، ولفظه: عن حفصة قالت: سمعت عمر
يقول: اللهمَّ قتلاً في سبيلك ووفاة في بَلَد نبيك، قالت: فقلت: وأنَّى يكون هذا؟ قال:
يأتي به الله إذا شاءَ.
قوله: ((وقال هشام)) ابن سعد، ((عن زيد)) ابن أسلم، وَصَله ابن سعد (٣٣١/٣) عن
محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيكٍ، عنه، ولفظه: عن حفصة أنَّها سمعت أباها يقول، فذكر
مثله، وفي آخره: إنَّ الله يأتي بأمره إن شاءً.
وأراد البخاري بهذَينِ التعليقين بيانَ الاختلاف فيه على زيد بن أسلم، فاتَّفَقَ هشام بن

٢٤٩
باب ١٢ / ح ١٨٩٠
فضائل المدينة
سعد وسعيد بنُ أبي هلال على أنَّه: عن زيد عن أبيه أسلمَ عن عمر، وقد تابعهما حفص بن
مَيسَرة عن زيد عند عمر بن شَبّة (٣/ ٨٧٢)، وانفَرَدَ روح بن القاسم عن زيد بقوله: ((عن
أُمّه))، وقد رواه ابن سعد (٣٣١/٣) عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن أسلمَ: أنَّ
عمر. فذكره مُرسلاً، وللحديث طريق أُخرى أخرجها البخاري في ((تاريخه)) (١٤١/٥ -
١٤٢) من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدِ القَّاريّ عن
جَدّه عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله أنَّه سمع عمر يقول ذلك. وطريق أُخرى أخرجها عمر
ابن شَبّة (٣/ ٨٧٨) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر إسنادها صحيح،
ومن وجه آخر مُنقَطِعٍ (٨٧٨/٣-٨٧٩) وزاد: فكان الناس يتعجَّبونَ من ذلك، ولا
يَدرونَ ما وجهه، حتَّى طَعَنَ أبو لُؤلُؤة عمرَة
تنبيه: تقدَّم ما يَتعلَّق بفضل الصلاة في المسجد النَّبوي (١١٨٩) ومسجد قُباء (١١٩١)
والمسجد الأقصى (١١٩٧) في أبواب في أواخر كتاب الصلاة.
خاتمة: اشتَمَلَ ذِكر المدينة على ستّة وعشرين حديثاً، المعلَّق منها أربعة، والمكرَّر منها فيه
وفيما مضى تسعة، والخالص سبعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة
في ذِکر بني حارثة، وحديث أبي بكرة في ذكر الدَّجّال. وفیه من الآثار أثر واحد وهو أثر
عمر الذي خَتَمَ به فأخرجه موصولاً ومُعلَّقاً، وفيه إشارة إلى حُسن الخِتام، والله الهادي إلى
الصواب، فنسأل الله تعالى أن يَخْتِم لنا بالحُسنى، وأن يُعين على خَتْم هذا الشَّرح، ويَرفَعنا به
إلى المحَّ الأسنى، إنَّه على كلّ شيء قدير.

٢٥١
باب ١ / ح ١٨٩١ - ١٨٩٢
كتاب الصوم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الضّوم
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الصوم)) كذا للأكثر، وفي رواية النَّسَفي ((كتاب ١٠٢/٤
الصيام)»، وثبتت البسملة للجميع، والصوم والصيام في اللّغة: الإمساك، وفي الشّرع:
إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال صاحب
((المحكم): الصوم: تَركُ الطعام والشَّراب والنكاح والكلام، يقال: صام صوماً وصياماً،
ورجلٌ صائمٌ وصَوْمٌ. وقال الراغِب: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل
للفَرَسِ الممسِك عن السَّير: صائم. وفي الشَّرع: إمساك المكلَّف بالنِّية عن تناول المطعَم
والمشرَب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب.
١ - باب وجوب صوم رمضان
وقولِ الله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
١٨٩١ - حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ، عن أبيه، عن
طلحةَ بنِ عُبيد الله: أنَّ أعرابيّاً جاءَ إلى رسولِ اللهِ وََّ ثائرَ الرأسِ، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني
ماذا فَرَضَ الله عليَّ من الصلاةِ؟ فقال: ((الصَّلَوات الخمسَ، إلا أن تَطَّوَّعَ شيئاً)) فقال: أخبرني
بما فَرَضَ الله عليَّ من الصِّيامِ؟ فقال: ((شهرَ رمضانَ إلا أن تَطَّوَّعَ شيئاً)) فقال: أخبِرِني بما فَرَضَ
الله عليَّ من الزكاةِ؟ قال: فأخبَرَه رسولُ اللهَ وَّر بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرَمَكَ لا
أنطَوَّعُ شيئاً ولا أنقُصُ ممَّا فَرَضَ الله عليَّ شيئاً، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((أَفْلَحَ إِن صَدَقَ - أو
دخل الجنَّة إِن صَدَقَِ)).
١٨٩٢ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله

٢٥٢
باب ١ / ح ١٨٩١ - ١٨٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
عنهما، قال: صامَ النبيُّنَ ◌ّهِ عاشوراءَ وَأمُرَ بصيامه، فلمَّا فُرِضَ رمضانُ تُرِكَ.
وكان عبدُ الله لا يصومُه إلا أن يوافقَ صومه.
[طرفاه في: ٢٠٠٠، ٤٥٠١]
١٨٩٣ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ عِراكَ بنَ مالكٍ
حدَّثَه، أنَّ عُرْوةَ أخبَرَه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ قُرَيشاً كانت تصومُ يومَ عاشُوراءَ في
الجاهليَّةِ، ثمَّ أُمَرَ رسولُ اللهِ وَِّ بصيامه حتَّى فُرِضَ رمضانُ، وقال رسولُ الله ◌ِوَلِ: ((مَن شاءَ
فليَصُمِهِ، ومَن شاءَ أفطَرً)).
قوله: ((باب وجوب صوم رمضان)) كذا للأكثر، وللنَّسفي («باب وجوب رمضان
وفضله))، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه ((حظائر القُدُس)) لرمضان ستّين اسماً،
١٠٣/٤ وذكر بعض الصّوفية أنَّ آدم لمَّ أكَلَ من / الشَّجَرة ثمَّ تابَ تأخّرَ قَبُول توبَته لمَا بَقي في
جَسَده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً، فلمَّا صَفا جَسَده منها تِيبَ عليه، ففُرِضَ على ذُرّيته
صيام ثلاثين يوماً، وهذا يحتاج إلى ثبوت السَّنَد فيه إلى من يُقبل قولُه في ذلك، وهَيهاتَ
وجدان ذلك.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿ كُلِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ الآية)) أشار بذلك إلى مبدأ فرض
الصيام، وكأنَّه لم يَثْبت عنده على شرطه فيه شيء فأوردَ ما يشير إلى المراد، فإنَّه ذكر فيه ثلاثة
أحاديث: حديث طلحة الدّال على أنَّه لا فرض إلَّا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة
المتَضمِّن الأمر بصيام عاشوراء. وكأنَّ المصنِّف أشار إلى أنَّ الأمر في روايتهما محمول على
النَّدب، بدليل حصر الفرض في رمضان وهو ظاهر الآية، لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ ثمَّ بيَّنْه فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.
وقد اختلف السَّلَف: هل فُرِضَ على الناس صيامٌ قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور
۔ وهو المشهور عند الشافعية ۔ أنّه لم يجب قطّ صومٌ قبل صوم رمضان، وفي وجه - وهو
قول الحنفيَّة - أوَّل ما فُرِضَ صيام عاشوراء، فلمَّا نزل رمضان نُسِخَ. فمِن أدلَّة الشافعية

٢٥٣
باب ٢ / ح ١٨٩٤
كتاب الصوم
حديث معاوية مرفوعاً: ((لم يكتبِ الله عليكم صيامه))، وسيأتي في أواخر الصيام
(٢٠٠٣). ومن أدلّة الحنفيَّة ظاهر حديثَي ابن عمر وعائشة المذكورينِ في هذا الباب بلفظ
الأمر، وحديث الرُّبِيِّع بنت مُعوِّذ الآتي (١٩٦٠) وهو أيضاً عند مسلم (١١٣٦): ((من
أصبَحَ صائماً فليُتِمَّ صومه)»، قالت: فلم نزلْ نصومه ونُصوِّم صِبياننا وهم صِغار،
الحديث. وحديث سلَمة (١) مرفوعاً: ((من أكَلَ فَلَيَصُم بقية يومه، ومن لم يكن أكَلَ
فليَصُم)) الحديث(٢). وبَنَوا على هذا الخلاف هل يُشتَرَط في صِحّة الصوم الواجب نية من
الليل أو لا؟ وسيأتي البحث فيه بعد عشرين باباً(٣).
وقد تقدَّم الكلام على حديث طلحة في كتاب الإيمان (٤٦).
وقوله فيه: ((عن أبيه)) هو مالك بن أبي عامر جَدّ مالك بن أنس الإمام.
وقوله: ((عن طلحة)) قال الدِّمياطي: في سماعه من طلحة نظر، وتُعُقِّبَ بأنَّه ثبت سماعه
من عمر فكيف يكون في سماعه من طلحة نظر؟ وقد تقدَّم في كتاب الإيمان في هذا الحديث
ما يدلّ على أنَّه سمع منهما جميعاً.
وسيأتي الكلام على حديثَي ابن عمر وعائشة في أواخر الصيام (٢٠٠٠/ ٢٠٠١) إن
شاء الله تعالى.
٢ - باب فضل الصوم
١٨٩٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، عن مالكِ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
﴿: أنَّ رسولَ الله وَلّم قال: «الصِّيامُ جُنّةٌ، فلا يَرفُثْ ولا تَجَهَلْ، وإنِ امرٌُ قاتَلَه أو شاتَمَه فليقل:
إنِّي صائمٌ - مرَّتينٍ - والذي نفسي بيَدِه، لخُلُوفُ فم الصائمِ أَطيَبُ عندَ الله تعالى من رِيحِ المِسْك،
يَترُكُ طعامَه وشرابَه وشَهْوتَه من أجلي، الصِّيامُ لي وأنا أَجْزي به، والحسنةُ بعَشْرِ أمثالها».
[أطرافه في: ١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٥٣٨،٧٤٩٢]
(١) تحرف في (س) إلى: مسلمة.
(٢) سيأتي برقم (١٩٢٤).
(٣) في باب (٢١): إذا نوى بالنهار صوماً.

٢٥٤
باب ٢ / ح ١٨٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب فضل الصوم)) ذكر فيه حديث أبي هريرة من طريق مالك عن أبي الزِّناد عن
الأعرَج عنه، وهو مشتمل على حديثين أفرَدَهما مالك في (الموطَّأ)) (٣١٠/١)، فمِن أوَّله إلى
قوله: ((الصيام جُنّة)) حديث، ومن ثمَّ إلى آخره حديث، وجمعهما عنه هكذا القَعنَبي، وعنه
رواه البخاري هنا. ووقع عن غير القَعنَبي من رواة ((الموطَّأ)) (١/ ٣١٠) زيادة في آخر الثاني
وهي بعد قوله: ((وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)) زادوا: ((إلى سبع مئة ضعف، إلَّا
الصيام فهو لي وأنا أجزي به))، وقد أخرج البخاري هذا الحديث بعد أبواب (١٩٠٤) من
طريق أبي صالح عن أبي هريرة، وبيَّن في أوَّله أنَّه من قول الله عزَّ وجلَّ كما سأُبيِّنه.
١٠٤/٤
قوله: ((الصيام جُنَّة)) زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد:
((جُنّة من النار))، وللنَّسائي (٢٢٣٤) من حديث عائشة مثله، وله (٢٢٣١) من حديث
عثمان بن أبي العاص: ((الصيام جُنّة كَجُنّة أحدكم من القتال))، ولأحمد (٩٢٢٥) من طريق
أبي يونس عن أبي هريرة: ((جُنّ وحِصنٌ حصينٌ من النار))، وله (١٧٠٠) من حديث أبي
عُبيدَة بن الجرّاح: ((الصيام جُنّة ما لم يَخِرِقها))، زاد الدّارمي: ((بالغِيبة))، وبذلك ترجم له
هو وأبو داود(١).
والجُنّة بضمِّ الجيم: الوقاية والسِّتر. وقد تَبيَّن بهذه الروايات مُتعلَّق هذا السِّتر وأنَّه
من النار، وبهذا جَزَمَ ابن عبد البَرِّ، وأمَّا صاحب ((النّهاية)) فقال: معنى كونه ((جُنّة)) أي:
يَقِي صاحبَه ما يُؤذيه من الشَّهَوات، وقال القُرطُبي: جُنّة، أي: سُترة، يعني بحَسَبٍ
مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه ممّا يُفسِده ويَنقُص ثوابَه، وإليه الإشارة بقوله: ((فإذا
كان يوم صوم أحدكم فلا يَرفُث)) إلى آخره (٢)، ويَصِحّ أن يُراد أنَّه سُترة بحَسَبٍ فائدته،
وهو إضعاف شَهَوات النَّفس، وإليه الإشارة بقوله ((يَدَع شهوته)) إلى آخره، ويَصِحّ أن
يُراد أنَّه سُترة بحَسَبِ ما يَحَصُل من الثَّواب وتضعيف الحسنات. وقال عياض في
((الإكمال)»: معناه: يستُر من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جَزَمَ النَّووي.
(١) كتاب الصوم: باب الغيبة للصائم، حديث (٢٣٦٢).
(٢) هذه رواية أبي صالح المذكورة قريباً.

٢٥٥
باب ٢ / ح ١٨٩٤
كتاب الصوم
وقال ابن العربي: إنَّما كان الصوم جُنّة من النار لأنه إمساك عن الشَّهَوات، والنار محفوفة
بالشَّهَوات. فالحاصل أنَّه إذا كَفّ نفسه عن الشَّهَوات في الدُّنيا كان ذلك ساتراً له من
النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح إشارة إلى أنَّ الغِيبة تَضُرّ الصيامَ، وقد
حُكَيَ عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إنَّ الغيبة تُفطِّر الصائم وتُوجِب عليه قضاءَ ذلك
اليوم. وأفرَطَ ابن حَزْم فقال: يُبطِله كلَّ معصية من مُتعمِّد لها ذاكر لصومِه سواء كانت
فعلاً أو قولاً، لعموم قوله: ((فلا يَرفُث ولا تَجَهَل)»، ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب
(١٩٠٣): ((من لم يَدَع قول الزّور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه))،
والجمهور وإن حملوا النَّهي على التحريم إلَّا أنَّهم خَصُّوا الفِطْر بالأكل والشُّرب والجماع.
وأشار ابن عبد البَرِّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حَسبك بكونِ
الصيام جُنّةً من النار فضلاً. وروى النَّسائي (٢٢٢٠) بإسنادٍ صحيح عن أبي أمامةَ قال:
قلت: يا رسول الله، مُرْني بأمرٍ آخُذْه عنك، قال: ((عليك بالصوم فإنَّه لا مثلَ له))، وفي
رواية (٢٢٢٢): «لا عَدلَ له»، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة.
قوله: ((فلا يَرفُثْ ولا يَجَهَل)) أي: الصائم، كذا وقع مختصراً، ووقع في ((الموطَّ))
(٣١٠/١): ((الصيام جُنّة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يَرفُث)) إلى آخره، ويَرفُث بالضمّ
والكسر، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرَّفَثِ هنا - وهو بفتح الراء والفاء ثمَّ المثلَّثة -:
الكلام الفاحش، وهو يُطلَق على هذا، وعلى الجِماع، وعلى مقدِّماته، وعلى ذِكْره مع النِّساء
أو مُطلَقاً، ويحتمل أن يكون النهيُ لمَا هو أعمّ منها.
قوله: ((ولا يَجَهَل)) أي: لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل كالصياح والسَّفَه ونحو
ذلك. ولسعيد بن منصور من طريق سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه: ((فلا يَرفُث ولا يُجادل))
قال القُرطُبي: لا يُفهَم من هذا أنَّ غير يوم الصوم يُباح فيه ما ذُكِرٍ، وإنَّما المراد أنَّ المنع من
ذلك يتأكّد بالصوم.
قوله: ((وإن امرُؤٌ)) بتخفيفِ النّون ((قاتَلَه أو شائَمَه))، وفي رواية أبي صالح: ((فإن سابَّه
أحد أو قاتَلَه))، ولأبي قُرّة من طريق سُهَيل عن أبيه: ((وإن شَتَمَه إنسان فلا يُكلِّمه))، ونحوه

٢٥٦
باب ٢ / ح ١٨٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
في رواية همَّام(١) عن أبي هريرة عند أحمد (٨١٢٨)، ولسعيد بن منصور من طريق سُهَيل:
((فإن سابَّه أحد أو مَارَاه)) يعني: جادله، ولابن خُزيمة (١٩٩٤) من طريق عَجْلان مولى
المشمعِلّ عن أبي هريرة: «فإن سابَّك(٢) أحد فقُل: إنِّي صائم، وإن كنتَ قائماً فاجلِسْ))،
ولأحمد (٩٣٦٣) والتِّرمِذي (٧٦٤) من طريق سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة: ((فإن جَهِلَ
على أحدكم جاهل وهو صائم))، وللنَّسائي (٢٢٣٤) من حديث عائشة: ((وإن امرُؤٌ جَهِلَ
عليه فلا يَشْتُمه ولا يَسُبَّه)). وانَّفَقَت الروايات كلُّها على أنَّه يقول: ((إِنِّي صائم))، فمنهم من
ذكرها مرَّتين ومنهم من اقتَصَرَ على واحدة.
١٠٥/٤ وقد استُشكِلَ ظاهره بأنَّ المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تَصدُر
منه الأفعال التي رُقِّبَ عليها الجواب، خصوصاً المقاتلة، والجواب عن ذلك أنَّ المراد
بالمفاعلة التهَيُّؤْ لها، أي: إن تَهيّأ أحد لمُقاتَلَته أو مُشائَمته فليقل: إنِّي صائم، فإنَّه إذا قال
ذلك أمكَنَ أن يَكُفَّ عنه، فإن أصَرَّ دَفَعَه بالأخَفِّ فالآخَفِّ كالصائل، هذا فیمن یروم
مُقاتَلَته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: ((قاتَله)): شاتَمَه، لأنَّ القتل يُطلَق على اللَّعن، واللَّعن
من جملة السَّبّ - ويُؤْيِّده ما ذكرت من الألفاظ المختَلِفة فإنَّ حاصلها يَرجِع إلى الشَّتم -
فالمراد من الحديث أنَّه لا يعاملُه بمثل عمله، بل يَقتصِر على قوله: ((إِّي صائم))(٣).
واختُلِفَ في المراد بقوله: ((فليقل: إِنِّ صائم)) هل يُخَاطِب بها الذي يُكلِّمه بذلك أو
يقولها في نفسه؟ وبالثاني جَزَمَ المتولِّ، ونقله الرافعي عن الأئمّة، ورَجَّحَ النَّووي الأوَّل
في ((الأذكار))، وقال في ((شرح المهذَّب)): كلٌّ منهما حسنٌ، والقول باللِّسان أقوى، ولو جمعهما
لكان حسناً، ولهذا التردُّد أتى البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب(٤) بالاستفهام، فقال:
((باب هل يقول: إنِّي صائم إذا شُتِمَ؟))، وقال الزُّویاني: إن كان رمضانُ فليقله بلسانه، وإن
(١) تحرف في (س) إلى: هشام.
(٢) في الأصلين: شاتَمَك، والمثبت من (س)، وهو كذلك في ((صحيح ابن خزيمة)) وعنه ابن حبان في
«صحيحه» (٣٤٨٣).
(٣) هذه الفقرة بكاملها لم ترد في الأصلين هنا، وهي في (س)، وسيأتي معناها مُلخصاً لاحقاً.
(٤) في الباب رقم (٩).

٢٥٧
باب ٢ / ح ١٨٩٤
كتاب الصوم
كان غيرُه فليقله في نفسه. وادَّعى ابن العربي أنَّ موضع الخلاف في التطوُّع، وأمَّا في الفرض
فيقوله بلسانه قطعاً. وأمَّا تكرير قوله: ((إنِّي صائم)) فلِيَتَأكَّدَ الانزِ جار منه أو ممَّن يخاطبه
بذلك. ونقل الزَّركَشي أنَّ المراد بقوله: «فليقل: إنِّ صائم - مرَّتين - يقوله مرَّة بقلبِهِ ومَرّة
بلسانه، فيَستَفيد بقوله بقلبِهِ كَفَّ لسانه عن خَصْمه، وبقوله بلسانه كَفّ خَصْمه عنه.
وتُعُقِّبَ بأنَّ القول حقيقةً باللِّسان، وأُجيب بأنَّه لا يمنع المجاز.
وقوله: ((قاتَلَه)) يُمكِن حمله على ظاهره، ويُمكِن أن يُراد بالقتل: اللَّعنُ، فيرجعُ إلى
معنى الشَّتم، ولا يُمكِن حمل قاتَلَه وشاتَمَه على المفاعلة، لأنَّ الصائم مأمور بأن يَكُفَّ
نفسه عن ذلك، فكيف يقع ذلك منه؟ وإنَّما المعنى إذا جاءَ مُتعرِّضاً لمقاتَلَته أو مُشاتَمته، كأن
يَبدأه بقتلٍ أو شَتْم، اقتَضَت العادة أن يكافئَه عليه، فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك
من الصائم، وقد تُطلَق المفاعلة على المتهمِّئ لها ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة
بفعل الواحد كما يقال: عالَجَ الأمر، وعافاه الله، وأبعَدَ من حمله على ظاهره فقال: المراد إذا
بَدَرَتْ من الصائم مُقابلة الشَّتم بشَتْم على مُقتَضى الطَّع، فينزجر عن ذلك ويقول: إنِّي
صائم. ومَّاً يُبعِدُه قوله في الرواية الماضية: ((فإن شَتَمَه))، والله أعلم.
وفائدة قوله: ((إِنِّي صائم)) أنَّه يُمكِن أن يَكُفّ عنه لذلك، فإن أصَرَّ دَفَعَه بالأخَفِّ
فالأخَفِّ كالصائل، هذا فيمن يروم مُقاتَلَته حقيقة، فإن كان المراد بقوله ((قاتَلَه)»: شاتَمَه،
فالمراد من الحديث: أنَّه لا يُعامله بمثل عمله، بل يَقتصِر على قوله: إنِّي صائم.
قوله: ((والذي نفسي بيده)) أقسَمَ على ذلك تأكيداً.
قوله: ((لَخُلُوف)) بضمِّ المعجمة واللَّام وسكون الواو بعدها فاء، قال عياض: هذه
الرواية الصحيحة، وبعض الشُّيوخ يقوله بفتح الخاء، قال الخطَّابي: وهو خطأ، وحكى عن
القابسي الوجهين، وبالَغَ النَّووي في ((شرح المهذَّب)) فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتَجَّ غيره
لذلك بأنَّ المصادر التي جاءت على فَعُول - بفتح أوَّله - قليلة ذكرها سيبويه وغيره، ولیس
هذا منها. واتَّفَقوا على أنَّ المراد به: تَغَيُّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام(١).
(١) عبارة: واتفقوا على أن ... إلى آخره، لم ترد في الأصلين، وهي في (س).

٢٥٨
باب ٢ / ح ١٨٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فم الصائم)) فيه رَدٌّ على من قال: لا تَثبُت الميم في الفم عند الإضافة إلَّا في
ضَرُورة الشَّعر، لثبوته في هذا الحديث الصحيح وغيره.
قوله: (أطيب عند الله من ريح المِسْك)) اختُلِفَ في کون الخُلُوف أطيب عند الله من ريح
المسك - مع أنَّه سبحانه وتعالى مُنَّه عن استطابة الرَّوائح، إذ ذلك من صفات الحيوان،
ومع أنَّه يعلم الشيءَ على ما هو عليه - على أوجُه: قال المازَرِيُّ: هو مَجَاز لأنه جَرَت العادة
بتقريبِ الرَّوائح الطيِّة منَّا، فاستُغيرَ ذلك من الصوم لتقريبِه من الله، فالمعنى أنَّه أطيَبُ
عند الله من ريح المِسْك عندكم، أي: يُقرَّب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك
١٠٦/٤ أشار ابن عبد البَرِّ. وقيل: المراد أنَّ ذلك في حقّ الملائكة/ وأَّهم يستطيبونَ ريح الخُلُوف
أكثر ممّا يستطيبونَ ريح المسك. وقيل: المعنى أنَّ حُكم الخُلُوف والمِسك عند الله على ضِدّ
ما هو عندكم، وهذا قريب من الأوَّل. وقيل: المراد أنَّ الله يَجِزِيه في الآخرة فتكون نَكهَته
أطيب من ريح المسك، كما يأتي المكلوم وريح ◌ُرْحه تَفُوح مِسكاً. وقيل: المراد أنَّ صاحبه
يَنالُ من الثَّواب ما هو أفضل من ريح المسك لا سيما بالإضافة إلى الخُلُوف، حكاهما
عياض. وقال الدَّاوودي وجماعة: المعنى: أنَّ الْخُلُوف أكثر ثواباً من المسك المندوب إليه
في الجُمَع ومجالس الذِّكر، ورَجَّحَ النَّووي هذا الأخير، وحاصله: حمل معنى الطِّيب على
القَبُول والرِّضا، فحَصَلْنا على ستَّة أجوبة.
وقد نقل القاضي حسين في ((تعليقته)) أنَّ للطّاعات يوم القيامة ريحاً تفوح، قال: فرائحة
الصيام فيها بين العبادات كالمِسك، ويُؤيِّد الثلاثة الأخيرة قولُه في رواية مسلم (١١٥١/
١٦٣) وأحمد (٧٦٩٣) والنَّسائي (٢٢١٦) من طريق عطاء عن أبي صالح: ((أطيب عند الله
يوم القيامة))، وأخرج أحمد هذه الزيادة من حديث بشير ابن الخَصَاصية(١)، وقد ترجم ابن
حِبّان بذلك في ((صحيحه)) ثمَّ قال: ذِكر البيان بأنَّ ذلك قد يكون في الدُّنيا، ثمَّ أخرج
(٣٤٢٤) الرواية التي فيها: ((فم الصائم حين يَخْلُف من الطعام)) وهي عنده وعند أحمد
(١٠٢١٨) من طريق الأعمَش عن أبي صالح، ويُمكِن أن يُحمَل قوله: ((حين يَخْلُف)) على
(١) لم نقف عليه في ((المسند)) من حديث بشير ابن الخصاصية، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٣٥).

٢٥٩
باب ٢ / ح ١٨٩٤
كتاب الصوم
أنَّه ظرفٌ لوجود الخُلُوف المشهود له بالطّيبِ، فيكون سبباً للطّيبِ في الحال الثاني، فيوافق
الرواية الأولى وهي قوله: ((يوم القيامة)) لكن يُؤْيِّد ظاهرَه وأنَّ المراد به في الدُّنيا ما روى
الحسن بن سفيان في ((مسنده)) والبيهقي في ((الشُّعَب)) (٣٦٠٣) من حديث جابر في أثناء
حديث مرفوع في فضل هذه الأُمّة في رمضان: ((وأمَّا الثانية: فإنَّ خُلُوف أفواههم حين
يُمْسُون أطيبُ عند الله من ريح المسك))، قال المنذري: إسناده مُقارب.
وهذه المسألة إحدى المسائل التي تَنَازَعَ فيها ابن عبد السلام وابن الصلاح، فذهب
ابن عبد السلام إلى أنَّ ذلك في الآخرة كما في دم الشَّهيد، واستَدلَّ بالرواية التي فيها: ((يوم
القيامة))، وذهب ابن الصلاح إلى أنَّ ذلك في الدُّنيا، واستدلَّ بما تقدَّم، وأنَّ جُمهور العلماء
ذهبوا إلى ذلك، فقال الخطّابي: طِيبه عند الله رِضاه به وثَنَاؤُه عليه. وقال ابن عبد البَرِّ:
أزكى عند الله وأقرب إليه. وقال البَغَوي: معناه: الثَّناء على الصائم والرِّضا بفعله، وبنحو
ذلك قال القُدُوري من الحنفيَّة والدَّاوودي وابن العربي من المالكية وأبو عثمان الصابوني
وأبو بكر بن السّمعاني وغيرهم من الشافعية، جَزَموا كلهم بأنَّه عِبارة عن الرِّضا
والقَبُول، وأمَّا ذِكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنَّه يوم الجزاء، وفيه يَظهَر رُجْحان
الخُلُوف في الميزان على المِسك المستَعمَل لدَفع الرائحة الكريهة طلباً لِرِضا الله حيثُ يُؤمَر
باجتنابها، فقُيِّد بيوم القيامة في رواية وأُطْلِقٍ في باقي الروايات، نظراً إلى أنَّ أصل أفضليته
ثابت في الدّارين، وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير بهم
في کلّ یوم، انتھی.
ويَترتَّب على هذا الخلاف المشهور في كراهة إزالة هذا الخُلُوف بالسِّواك، وسيأتي
البحث فيه بعد بضعة وعشرين باباً حيثُ ترجم له المصنّف(١) إن شاء الله تعالى.
ويُؤخَذ من قوله: ((أطيب من ريح المسك)) أنَّ الْخُلُوف أعظم من دم الشَّهادة، لأنَّ دم
الشَّهيد شَبََّ ريحه بريح المسك، والخُلُوف وُصِفَ بأنَّه أطيَبُ، ولا يَلزَم من ذلك أن يكون
الصيام أفضل من الشَّهادة كما لا يخفى، ولعلَّ سبب ذلك النَّظَرُ إلى أصل كلٍّ منهما، فإنَّ
(١) باب (٢٧): السواك الرطب واليابس للصائم.

٢٦٠
باب ٢ / ح ١٨٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
أصل الخُلُوف طاهر، وأصل الدَّم بخلافه، فكان ما أصلُه طاهر أطيَبَ ريحاً.
قوله: ((يَترُك طعامه وشرابه وشهوتَه من أجلي)) هكذا وقع هنا، ووقع في ((الموطَّأ))
(١/ ٣١٠): ((وإنَّما يَذَرُ شهوته)) إلى آخره، ولم يُصرِّح بنسبَته إلى الله للعلم به وعَدَم الإشكال
فيه. وقد روى أحمد (٩٩٩٩) هذا الحديث عن إسحاق بن الطَّاع عن مالك، فقال بعد
قوله: ((من ريح المسك)): ((يقول الله عزَّ وجلَّ: إنَّما يَذَرُ شهوتَه)) إلى آخره. كذلك رواه سعيد
ابن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزّناد، فقال في أوَّل الحديث: «يقول الله عزَّ
١٠٧/٤ وجلَّ: / كلّ عمل ابن آدم هو له، إلّ الصيام فهو لي وأنا أَجزي به، وإنَّما يَذَر ابنُ آدم شهوتَه
وطعامَه من أجلي)) الحديث. وسيأتي قريباً (١٩٠٤) من طريق عطاء عن أبي صالح بلفظ:
((قال الله عزَّ وجلّ: كلُّ عمل ابن آدم له)) الحديث. ويأتي في التوحيد (٧٤٩٢) من طريق
الأعمش عن أبي صالح بلفظ: ((يقول الله)) إلى آخره «الصوم لي وأنا أجزي به)) الحديث.
وقد يُفهَم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: ((إنَّما يَذَرُ)) إلى آخره، التنبيهُ على الجهة التي
بها يَسْتَحِقّ الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به، حتَّى لو كان تَركُ المذكورات لغرضٍ
آخر كالتُّخَمة لا تَحَصُل للصائم الفضل المذكور، لكنَّ المدار في هذه الأشياء على الدّاعي
القوي الذي يدور معه الفعل وجوداً وعَدَماً، ولا شكَّ أنَّ مَن لم يَعرِض في خاطره شهوةُ
شيء من الأشياء طولَ نهاره إلى أن أفطرَ ليس هو في الفضل كمن عَرَضَ له ذلك فجاهَدَ
نفسه في تر که.
والمراد بالشَّهوة في الحديث شهوة الجِماع، لعَطْفها على الطعام والشَّراب، ويحتمل أن
يكون من العامُّ بعد الخاصّ. ووقع في رواية ((الموطَّأ) بتقديم الشَّهوة عليها، فيكون من
الخاصِّ بعد العامّ، ومثله حديث أبي صالح في التوحيد (٧٤٩٢)، وكذا ◌ُهور الرُّواة عن أبي
هريرة. وفي رواية ابن خُزيمة (١٨٩٧) من طريق سُهَيل عن أبي صالح عن أبيه: ((يَدَع الطعام
والشَّراب من أجلي، ويَدَعَ لَذَّته من أجلي، ويترك زوجته من أجلي))، وفي رواية أبي قُرّة (١) من
(١) هو المحدث الإمام أبو قرة موسى بن طارق الزَّبيدي، قاضي زبيد، ألّف ((السنن)). ذكره الحافظ ابن حجر =