النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ باب ٢ / ح ١٨٧١ فضائل المدينة غير من هو له كان كالمدَّعي الذي تَبَرَّأ عمَّن هو منه، وألحَقَ نفسه بغيره، فيَستَحِقّ به الدُّعاء عليه بالطَّرد والإبعاد عن الرحمة. ثمَّ أجاب عن الإذن بنحو ما تقدَّم، وقال: ليس هو للتَّقييد، وإنَّما هو للتَّنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حقّ موَاليه. فأوردَ الكلام على ما هو الغالب. وسيأتي البحث في ذلك في كُتُب الفرائض (٦٧٥٥) إن شاء الله تعالى. تنبيه: رَتَّبَ المصنِّف أحاديث الباب ترتيباً حسناً، ففي حديث أنس التصريح بكونٍ المدينة حَرَماً، وفي حديثه الثاني تخصيص النَّهي/ عن قطع الشَّجَر بما لا يُنبِته الآدميون، وفي ٨٧/٤ حديث أبي هريرة بيان ما أُجِلَ من حَدّ حَرَمِها في حديث أنس حيثُ قال كذا وكذا، فبيَّن في هذا أنَّه ما بين الحَرَّتَين، وفي حديث عليّ زيادة تأكيد التحريم وبيان حَدّ الحَرَم أيضاً. ٢ - باب فضل المدينة وأنّها تنفي الناس ١٨٧١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا الحُبَاب سعيدَ بنَ يَسارٍ يقول: سمعتُ أبا هريرةَ ﴾ه يقول: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «أُمِرِتُ بقريةٍ تأكُلُ القُرَى، يقولون: يَشْرِبُ، وهي المدينةُ، تنفي الناسَ كما ينفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديد)). قوله: ((باب فضل المدينة وأنَّها تنفي الناس)) أي: الشِّرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث، وقرينة إرادة الشِّرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنَّفي: الإخراج، ولو كانت الرواية ((تُنَقِّي)) بالقاف لحُمِلَ لفظ الناس على عمومه. وقد ترجم المصنِّف بعد أبواب ((المدينة تنفي الخَبَث)). قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وشيخه أبو الحُبَاب بضمِّ المهمَلة وبموحَّدتين الأولى خفيفة، والإسناد كلّه مدنُّون إلَّا شيخ البخاري، قال ابن عبد البَرِّ: اتَّفَقَ الرُّواة عن مالك على إسناده إلَّا إسحاق بن عيسى الطَّاع، فقال: عن مالك عن يحيى عن سعيد بن المسيّب، بدل سعيد بن يَسَار، وهو خطأ. قلت: وتابعه أحمد بن عمر بن خالد السُّلَمي عن مالك، أخرجه الدّار قُطني في ((غرائب مالك))، وقال: هذا وهمٌ، والصواب: عن يحيى عن سعید بن يسار. ٢٢٢ باب ٢ / ح ١٨٧١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أُمِرت بقريةٍ)) أي: أُمِرتُ بالهجرة إليها أو سُكْناها، فالأوَّل محمول على أنَّه قاله بمكَّة، والثاني على أنَّه قاله بالمدينة. قوله: (تَأْكُلِ القُرى)) أي: تَغْلِبهم. وكَنّى بالأكل عن الغَلَبة، لأنَّ الآكِل غالبٌ على المأكول، ووقع في ((موطَّأَ ابن وَهْب))(١): قلت لمالك: ما ((تأكُلِ القُرى))؟ قال: تَفْتَح القُرى. وبَسَطَه ابن بَطَّال فقال: معناه: يَفْتَح أهلُها القُرى فيأكلون أموالهم ويَسْبُونَ ذَراريَّهم، قال: وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب: أكَلْنا بَلَدَ كذا: إذا ظَهَروا عليهم. وسَبَقَه الخطَّابي إلى معنى ذلك أيضاً. قال النَّووي: ذكروا في معناه وجهين، أحدهما: هذا، والآخر: أنَّ أكلها ومِيرَتها من القُرى المفتَتَحة، وإليها تُساق غنائمها. وقال ابن المنيِّرِ في ((الحاشية)): يحتمل أن يكون المراد بأكلها القُرى غَلَبَةَ فضلها على فضل غيرها، ومعناه أنَّ الفَضائل تَضمَحِلّ في جَنْبٍ عظيم فضلها حتَّى تكاد تكون عَدَماً. قلت: والذي ذكره احتمالاً ذكره القاضي عبد الوهّاب فقال: لا معنى لقوله: «تأكُل القُرى)) إلَّا ترجيح فضلها عليها وزيادتها على غيرها. كذا قال، ودعوى الحصر مردودة لما مضى، ثمَّ قال ابن المنيِّر: وقد سُمّيت مكَّة أُمَّ القُرى، قال: والمذكور للمدينة أبلَغ منه، لأنَّ الأَمومة لا تَنمَحي إذا وَجَدَت ما هي أُمّ له، لكن يكون حقّ الأُمّ أظهَر، وفضلها أكثر. قوله: (يقولون يَئِرِب وهي المدينة)) أي: إنَّ بعض المنافقين يُسمّيها يَثِرِب، واسمها الذي يَليق بها المدينة. وفَهِمَ بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يَثِرِب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنَّما هو حكايةٌ عن قول غير المؤمِنِينَ. وروى أحمد (١٨٥١٩) من حديث البراء بن عازب رَفَعَه: ((من سمَّی المدینة یئرِب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة))، وروی عمر بن شَبّة (١٦٥/١) من حديث أبي أيوب: أنَّ رسول الله وَّل نهى أن يقال للمدينة: يَثْرِب. ولهذا قال عيسى بن دينار من المالكية: من سمَّى المدينة يَئِرِب كُتِبَت عليه خَطِيئَة، قال: (١) ومن طريق ابن وهب أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٨٣/٥. ٢٢٣ باب ٢ / ح ١٨٧١ فضائل المدينة وسبب هذه الكراهة لأن يَثِرِب إمّا من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثَّرب وهو الفساد، وكلاهما مُستَقَبَح، وكان نَّهَ يُحِبّ الاسم الحسن ويَكرَه الاسم القبيح. / وذكر أبو إسحاق الَّجّاج في ((مُختصَره))، وأبو عُبيد البكري في ((مُعجَم ما ٨٨/٤ استعجَمَ)) أنَّهَا سُمّيت بِيَثْرِبَ باسم يَثِرِب بن قانية بن مهلائل بن عبيل بن عَوْص بن إرَم بن سام بن نوح - وسقط بعض الأسماء من كلام البكريّ - لأنه أوَّل من سَكَنها بعد الغَرَق، ونزل أخوه خیبور خیبر فسُمّیت به(١). قوله: ((تنفي الناس)) قال عياض: وكأنَّ هذا مُخْتَصّ بزَمَنِهِ، لأنه لم يكن يَصبِر على الهجرة والمقام معه بها إلَّا من ثبت إيمانه. وقال النَّووي: ليس هذا بظاهرٍ، لأنَّ عند مسلم (١٣٨١): ((لا تقوم الساعة حتَّى تنفي المدينة شِرارَها كما ينفي الكير خَبَث الحديد))، وهذا - والله أعلم - زمنَ الدَّجّال. انتهى، ويحتمل أن يكون المراد كلَّ من الزَّمَنَين، وكان الأمر في حياته و ﴿ كذلك للسبب المذكور، ويُؤدِّده قصَّة الأعرابي الآتية (١٨٨٣) بعد أبواب، فإنَّه وَلِ﴾ ذكر هذا الحديث مُعلِّلاً به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة، ثمَّ يكون ذلك أيضاً في آخر الزّمان عندما يَنزِل بها الدَّجّال فتَرجُف بأهلها فلا يبقى مُنافق ولا كافر إلَّا خرج إليه كما سيأتي (١٨٨١) بعد أبواب أيضاً، وأمَّا ما بين ذلك فلا. قوله: (کما ینفي الکیر)» بکسر الکاف وسكون التحتانیة، وفيه لغة أُخرى «گُور» بضمِ الكاف، والمشهور بين الناس: أنَّه الزِّقّ الذي يُنفَخ فيه، لكنَّ أكثرَ أهل اللُّغة على أنَّ المراد بالكير: حانوت الحَدّاد والصائغ. قال ابن التِّين: وقيل: الكير هو الزِّقّ، والحانوت: هو الكور. وقال صاحب ((المحكم)): الكير: الزِّقّ الذي يَنفُخ فيه الحَدّاد. ويُؤيِّد الأوَّل ما رواه عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) بإسناد له إلى أبي مَودُود قال: رأى عمر بن الخطّاب كِير حَدّاد في السّوق، فضَرَبَه بِجلِه حتَّى هَدَمَه. والخَبَث بفتح المعجمة والموخَّدة بعدها مُثَلَّثة، أي: وسَخه الذي تُخرِجه النار، والمراد: (١) من قوله: ((وذكر أبو إسحاق الزجاج)) إلى هنا لم يرد في (أ)، وأثبتناه من (ع) و(س). ٢٢٤ باب ٣ / ح ١٨٧٢ فتح الباري بشرح البخاري أنَّها لا تترك فيها من في قلبه دَغَل، بل تُميِّزه عن القلوب الصادقة وتُخرِجه، كما يُميِّز الحَدّاد رَديءَ الحديد من جيِّده. ونسبة التمييز للكِير لكونِه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمییز بها. واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ المدينة أفضل البِلاد. قال المهلَّب: لأنَّ المدينة هي التي أدخَلَت مكَّة وغيرها من القُرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، ولأنَّها تنفي الخَبَث. وأُجيب عن الأوَّل بأنَّ أهل المدينة الذين فتحوا مكَّة مُعظَمهم من أهل مكَّة، فالفضل ثابت للفَريقين، ولا يَلزَم من ذلك تفضيل إحدى البُمُعتَين، وعن الثاني بأنَّ ذلك إنَّما هو في خاصّ من الناس ومن الَّمان، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَىَ اٌلِنِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شكّ، وقد خرج من المدينة بعد النبي وَّ معاذ وأبو عُبيدة وابن مسعود وطائفة، ثمَّ عليّ وطلحة والزُّبَير وعَّار وآخرون وهم من أطيَب الخلق، فدلَّ على أنَّ المراد بالحدیث تخصیص ناسٍ دون ناسٍ ووقت دون وقت. قال ابن خَزْمٍ: لو فُتِحَتِ بَلَد من بَلَد فثبت بذلك الفضل للأولى، لَلَزِمَ أن تكون البصرة أفضل من خُراسان وسِجِستان وغيرهما، ممّا فُتِحَ من جهة البصرة وليس كذلك، وسيأتي مَزيدٌ لهذا في كتاب الاعتصام (٧٣٢٢). ٣- بابٌ المدينةُ طابةٌ ١٨٧٢ - حدَّثنا خالدُ بنُ عَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثْنِي عَمْرو بنُ محیی، عن عبَّاس ابنِ سهلِ بنِ سعدٍ، عن أبي مُميدٍ ﴾: أقبَلنا مع النبيِّ وَّهِ مِن تَبوكَ، حتَّى أشرفنا على المدينةِ، فقال: «هذه طابقُ». قوله: ((بابٌ المدينة طابة)) أي من أسمائها، إذ ليس في الحديث أنَّها لا تُسمّى بغير ذلك، وذكر فيه طرفاً من حديث أبي حميد الساعدي، وقد مضى مُطوَّلاً في أواخر الزكاة (١٤٨١)، ووقع في بعض طرقه: ((طابة))، وفي بعضها: ((طَيْبة))، وروى مسلم (١٣٨٥) من حديث جابر بن سَمُرة مرفوعاً: ((أنَّ الله سمَّى المدينة طابة))، ورواه أبو داود الطَّيالسي في ((مسنده)) ٢٢٥ باب ٣ / ح ١٨٧٢ فضائل المدينة (٧٩٨) عن شُعْبة عن / سِماك بلفظ: كانوا يُسمّونَ المدينة يَثِرِب، فسمَّها النبي ◌َّ طابة، ٨٩/٤ وأخرجه أبو عَوَانة (٣٧٤٧). والطاب والطِّيب لُغَتان بمعنَى، واشتقاقهما من الشيء الطيِّب، وقيل: لطَهارة تُربَتها، وقيل: لطِيبها لساكنها، وقيل: من طِيب العَيش بها. وقال بعض أهل العلم: وفي طيب تُرابها وهَوائها دليل شاهد على صِحّة هذه التسمية، لأنَّ من أقامَ بها يَجِدٍ من تُربَتها وحيطانها رائحةً طيِّية، لا تكاد توجد في غيرها. وقرأت بخَطِّ أبي عليٍّ الصَّدَفي في هامش نُسخَته من ((صحيح البخاري)) بخَطِّه: قال الجاحظ (١): أمر المدينة عَجَبٌ في طيب تُرابها وهَوائها، يَجِدِه من أقامَ بها، ويَجِد لطيبها أقوى رائحة منه في غيرها، وكذلك العود وسائر أنواع الطّيب، تتضاعفُ فيها على غيرها من البلاد. وللمدينة أسماء غير ما ذُكِر، منها ما رواه عمر بن شَبّة في («أخبار المدينة)) (١٦٢/١) من رواية زيد بن أسلمَ قال: قال النبي رَّه: ((للمدينة عشرة أسماء، هي: المدينة، وطابة، وطَيْية، والمطيّبة، والمسكينة، والدّار، وجابرة، ومَجبُورة، ومُنِيرة، ويَثِرِب))، ومن طريق محمد ابن أبي يحيى(٣) قال: لم أزَلْ أسمع أنَّ للمدينة عشرة أسماء، هي: المدينة، وطَيبة، وطابة، والمطيّية، والمسكينة، والعذراء(٣)، والجابرة، والمجبورة، والمحيَّبة، والمحبوبة. ورواه الزُّبَير في ((أخبار المدينة)) من طريق ابن أبي يحيى، مثله، وزاد: والقاصمة، ومن طريق أبي سُهيل بن مالك عن كعب الأحبار قال: نَجِد في كتاب الله الذي أُنزِلَ على موسى: أنَّ الله قال للمدينة: يا طَيْبة ويا طابة ويا مِسكينة لا تَقبَلي الكُنوز، أرفَعُ أجاجيرَك على [أجاجيٍ](٤) القُرى. وروى الزُّبَير في ((أخبار المدينة)) من حديث عبد الله بن جعفر (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: الحافظ. (٢) هكذا وقع للحافظ رحمه الله هنا: محمد بن أبي يحيى، وهو خطأ، صوابه: محمد بن يحيى، وهو ابن علي بن عبد الحميد الكناني، شيخ عمر بن شبة. وسيتكرر هذا الخطأ عند الحافظ قريباً بعد سطرين. (٣) تحرف في (س) إلى: المدرى بالألف المقصورة، وفي (أ) إلى: المدراء بالألف الممدودة، وفي (ع) إلى: المذرا، بالذال المعجمة والألف الممدودة. والتصويب من ((أخبار المدينة)) لعمر بن شبة، و((الدرة الثمينة في أخبار المدينة)) لابن النجار ص ٢٥، وجاء على الصواب في ((عمدة القاري)). (٤) زيادة يقتضيها النص، من («أخبار المدينة)) ١/ ١٦٣. والأجاجير: جمع إجَّار، وهو السطح. ٢٢٦ باب ٤-٥ / ح ١٨٧٣ - ١٨٧٤ فتح الباري بشرح البخاري قال: سمَّى الله المدينة: الدّار والإيمان. ومن طريق عبد العزيز الدَّرَاوَرْدي قال: بَلَغَني أنَّ لها أربعين اسماً. ٤ - باب لابتي المدينة ١٨٧٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيد بنِ المسيّب، عن أبي هريرةَ ◌ّ أنَّه كان يقول: لو رأيتُ الظِّاءَ بالمدينة تَرتَعُ ما ذَعَرتُها، قال رسولُ الله ◌ِ. ((ما بينَ لا بَتَيها حرامٌ». قوله: ((باب لابَتَي المدينة)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: لو رأيت الظِّباء تَرتَع - أي تَسعى أو تَرعى - بالمدينة ما ذَعَرتها، أي: ما قَصَدت أخذها فأخَفتها بذلك، وكَنّى بذلك عن عَدَم صيدها. واستدلَّ أبو هريرة بقوله وَّ: ((ما بين لابَتَيَها - أي: المدينة - حرام)) لأنَّ المراد بذلك المدينة، لأنها بين لابَتَيْنِ شرقية وغربية، ولها لابتان أيضاً من الجانبينِ الآخرَينِ إلَّا أَّهمَا يَرجِعان إلى الأوَّلَينِ لاتُّصالهما بهما. والحاصل أنَّ جميع دورها كلّها داخل ذلك، وقد تقدَّم شرح الحديث في الباب الأوَّل (١٨٦٧). وقوله: ((تَرتَع)) أي: تَرعى، وقيل: تَنَبَسِط. وفي قول أبي هريرة هذا إشارة إلى قوله في الحديث الماضي (١٣٤٩): ((لا يُنفَّر صيدها)). ونقل ابن خُزيمة الاتِّفاق على أن لا جزاءً(١) في صيد المدينة بخلاف صيد مكَّة. ٥- باب من رغب عن المدينة ١٨٧٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ المسيّب: أنَّ أبا هريرةَ عَه قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقول: ((تَترُكون المدينةَ على خيرٍ ما كانت، لا ٩٠/٤ يَغشاها إلا العَوَاف/ - يريدُ عَوافيَ السِّباع والطَّيْرِ - وآخِرُ مَن يُحْشَرُ راعيان من مُزَينةَ يريدان المدينةَ، يَنعِقان بغَنَمِهما فيَجِدانها ◌ُحُوشاً، حتَّى إذا بَلَغا ثَنِيَّةً الوداع خَرًّا على وجوهِھما)». (١) تحرف في (س) إلى: أنَّ الإجزاء. ٢٢٧ باب ٥ / ح ١٨٧٤ فضائل المدينة قوله: ((باب مَن رَغِبَ عن المدينة)) أي: فهو مذموم، أو باب حُكْم من رَغِبَ عنها. قوله: ((تتركونَ المدينة)) كذا للأكثر بتاءِ الخِطاب، والمراد بذلك غير المخاطَبين، لكنَّهم من أهل البلد أو من نَسْل المخاطَبين أو من نوعهم، وروي ((يَترُكونَ)) بتحتانيةٍ، ورَجَّحَه القُرطُبي. قوله: ((على خير ما كانت)) أي: على أحسن حال كانت عليه من قبلُ، قال القُرطُبِي تَبَعاً لعياضٍ: وقد وُجِدَ ذلك حيثُ صارت معدِن الخلافة ومَقصِد الناس ومَلجَأهم، وُِلَت إليها خيرات الأرض وصارت من أعمَر البلاد، فلمَّا انتَقَلَت الخلافة عنها إلى الشام ثمَّ إلى العراق وتَغَلَّبَت عليها الأعراب وتَعاوَرَتها الفِتَن، وخَلَت من أهلها فقَصَدَتها عَوَافي الطَّير والسِّباع. والعوافي: جمع عافية، وهي التي تَطلُب أقواتها، ويقال للذَّكَر: عافٍ. قال ابن الجَوْزي: اجتمع في العوافي شيئان: أحدهما: أنَّها طالبة لأقواتها، من قولك: عَفَوت فلاناً أعفوه فأنا عافٍ، والجمع عُفاة، أي: أتيت أطلُب معروفه، والثاني: من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس فيه، فإنَّ الطَّير والوحش تَقصِده لأمنها على نفسها فيه. وقال النَّووي: المختار أنَّ هذا الترك يكون في آخر الزّمان عند قيام الساعة، ويوضِّحه قصَّة الراعيَينِ، فقد وقع عند مسلم (٤٩٩/١٣٨٩) بلفظ: ((ثمَّ يُحِشَر راعيان))، وفي البخاري: ((أَهما آخر من يُحُشَر)). قلت: ويُؤيِّده ما روى مالك (٨٨٨/٢) عن ابن حِماس - بمُهمَلتَينِ وتخفيف - عن عَمّه عن أبي هريرة رَفَعَه: ((لَتتركُنَّ المدينة على أحسن ما كانت حتَّى يدخل الذِّئب فيُغذِّي(١) على بعض سواري المسجد أو على المِنْبَرَ)) قالوا: فِلِمن تكون ثمارها؟ قال: ((للعَوافي: الطَّير والسِّباع)) أخرجه معن بن عيسى في ((الموطَّأ)) عن مالك، ورواه جماعة من الثَّقات خارج ((الموطَّأ))، ويشهد لذلك أيضاً ما روى أحمد (٢٠٣٤٧) والحاكم (٤٢٧/٤) وغيرهما، من حديث مِحجَن بن الأدرَع الأسلمي قال: بَعَثَني النبي وَي﴿ لحاجةٍ، ثمَّ لقيني وأنا خارج من بعض طرق المدينة، فأخذ بيدي حتَّى أتينا أُحُداً، ثمَّ (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: فيعوي، والتصويب من ((موطأ مالك))، ومصادر التخريج التي أخرجت الحديث من طريقه. وقوله: ((يغذّي)) أي: يَبُول. ٢٢٨ باب ٥ / ح ١٨٧٤ فتح الباري بشرح البخاري أقبلَ على المدينة فقال: ((ويلُ امِّها (١) قرية يوم يَدَعها أهلها کاینع ما یکون» قلت: يا رسول الله، من يأكل ثمرها؟ قال: ((عافية الطَّر والسِّباع)). وروى عمر بن شَبّة (٢٨١/١) بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك قال: دخل رسول الله وَ﴿ المسجد ثمَّ نظرَ إلينا، فقال: ((أما والله لَيَدَعَنَّها أهلها مُذَلَّلة أربعين عاماً للعَوافي، أتدرونَ ما العَوافي؟ الطَّير والسِّباع)). قلت: وهذا لم يقع قطعاً. وقال المهلَّب: في هذا الحديث أنَّ المدينة تُسكَن إلى يوم القيامة وإن خَلَت في بعض الأوقات لقَصد الراعيَينِ بغَنَمِهما إلى المدينة. قوله: ((وآخِرٍ مَن يُحْشَر راعيان من مُزَينة)) هذا يحتمل أن يكون حديثاً آخر مُستقلًّا لا تَعَلُّق له بالذي قبله، ويحتمل أن يكون من تَتِمّة الحديث الذي قبله، وعلى هذَينِ الاحتمالَينِ ٩١/٤ يَترتَّب الاختلاف الذي حَكَيته عن القُرطُبي والنَّووي، والثاني أظهَر / كما قال النَّووي. قوله: (يَنْعِقان)) بكسر المهمَلة بعدها قاف، النَّعيق: زَجْرِ الغَنَم، يقال: نَعَقَ يَنعِق بكسر العين وفتحها، نَعيقاً ونُعاقاً ونَعْقاً ونَعَقاناً: إذا صاح بالغَنَم، وأغرَبَ الدَّاوودي فقال: معناه: يَطلُب الكَلَا، وكأنَّه فسَّرَه بالمقصود من الزَّجر لأنه يَزجُرها عن المرعى الوَبيل إلى المرعى الوَسیم. قوله: ((فِيَجِدانها وُحوشاً)) أو يَجِدانها ذات وُحوشٍ، أو تَجِدان أهلها قد صاروا وُحوشاً، وهذا على أنَّ الرواية بفتح الواو، أي يَجِدانها خالية. وفي رواية مسلم (٤٩٩/١٣٨٩): (فيَجِدانها وَحْشاً) أي: خالية ليس بها أحد، والوَحْش من الأرض: الخَلاء، أو كثيرة الوَحش لمَّا خَلَت من سُكّانها. قال النَّووي: الصحيح أنَّ معناه: يَجِدانها ذات وُحوش، قال: وقد يكون وحشاً بمعنى وُحوش، وأصل الوَحش كلّ شيء توَخَّشَ من الحيوان وجمعه وُحوش، وقد يُعبَّر بواحدِه عن جمعه. وحُكي عن ابن المرابط أنَّ معناه: أنَّ غَنَم الراعيَينِ المذكورينِ تصير وُحوشاً إمّا بأن تَنْقَلِب ذاتُها، وإمّا أن تَتَوَخَّش وتَنِفِر منهما. وعلى (١) تحرفت في (أ) إلى: ويل انها، وفي (ع) إلى: ويل لها، وجاءت على الصواب في (س) كما في مصادر التخريج. ٢٢٩ باب ٥ / ح ١٨٧٤ فضائل المدينة هذا فالضمير في ((يَجِدانها)) يعود على الغَنَم والظاهر خلافه. قال النَّووي: الصواب الأوَّل. وقال القُرطُبي: القُدرة صالحة لذلك. انتهى، ويُؤيِّده أنَّ في بقية الحديث أنَّما يَخِرّان على وجوههما إذا وصلا إلى ثَنية الوداع، وذلك قبل دخولهما المدينة بلا شكّ، فيدلّ على أنَّهما وجَدَا التَوَخّش المذكور قبل دخول المدينة، فيقوي أنَّ الضمير يعود على غَنَمهما، وكأنَّ ذلك من علامات قيام الساعة. ويوضح هذا رواية عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (٢٧٨/١-٢٧٩) من طريق عطاء بن السائب عن رجل من أشجَع عن أبي هريرة موقوفاً قال: آخر من يُحِشَر رجلان: رجل من مُزَينة وآخر من جُهَينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يَرَيان إلَّا الثَّعالب، فيَنزِل إليهما مَلَكانٍ فَيَسحَبانهما على وجوههما حتَّى یُلحِقاهما بالناس. قوله: ((وآخر من يُحْشَر)) في رواية مسلم (٤٩٩/١٣٨٩) من طريق عُقَيل عن الزُّهْري: (ثمَّ يَخْرُج راعيان من مُزَينة يريدان المدينة)) لم يَذْكُر في الحديث حَشْرَهما، وإنَّما ذكر مقدِّمَته، لأنَّ الحشر إنَّما يقع بعد الموت، فذَكَر سبب موتهما، والحشرُ يَعقُبه. وقوله على هذا: (خَرًا على وجوههما)) أي سَقَطا ميِّتين، أو المراد بقوله: ((خَرًّا على وجوههما)) أي سَقَطا بمن أسقَطَهما، وهو الملَك كما تقدَّم في رواية عمر بن شَبّة. وفي رواية العُقيلي (١٦٣/٤): ((أَّهما كانا يَنْزِلان بجبل وَرِقان))، وله (١) من حديث حُذيفة بن أَسِيد: ((أَّهما يَفقدان الناس، فيقولان: نَنطَلِقٍ إلى بني فلان، فيأتيانهم فلا يَجِدان أحداً، فيقولان: نَنطَلِّقِ إلى المدينة، فَيَنطَلِقان فلا تَجِدان بها أحداً، فَيَنطَلِقان إلى البقيع فلا يَرَيان إلَّ السِّباع والثَّعالب))، وهذا يوضح أحد الاحتمالات المتقدِّمة، وقد روى ابن حِبّان (٦٧٧٦) من طريق عُرْوةً عن أبي هريرة رَفَعَه: ((آخر قرية في الإسلام خَراباً المدينة))(٢)، وهو يُناسب کون آخر من مُشر یکون منها. تنبيه: أنكَرَ ابن عمر على أبي هريرة تعبيره في هذا الحديث بقوله: ((خير ما كانت))، (١) أي: عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) ٢٨٢/٢. (٢) إسناده ضعيف. ٢٣٠ باب ٥ / ح ١٨٧٥ فتح الباري بشرح البخاري وقال: إنَّ الصواب: ((أعمَر ما كانت))، أخرج ذلك عمر بن شَبّة في ((أخبار المدينة)) (١/ ٢٧٧) من طريق مُساحِقٍ بن عَمْرو أنَّه كان جالساً عند ابن عمر، فجاء أبو هريرة فقال له: لمَ تَرُدّ عليَّ حديثي؟ فوالله لقد كنت أنا وأنتَ في بيتٍ حين قال النبي ◌َّ: ((يَخْرُج منها أهلها خير ما كانت)) فقال ابن عمر: أجَل، ولكن لم يَقُل: خير ما كانت، إنَّما قال: ((أعمَر ما كانت))، ولو قال: خير ما كانت، لكان ذلك وهو حَيّ وأصحابه، فقال أبو هريرة: صَدَقتَ، والذي نفسي بيده. وروى مسلم (٢٤/٢٨٩١) من حديث حُذَيفة أنَّه لم يسأل النبي وَلهعما يُخْرِج أهل المدينة من المدينة. ولعمر بن شَبّة (١/ ٢٧٧ -٢٧٨) من حديث أبي هريرة: قيل: يا أبا هريرة من يُرِجهم؟ قال: أُمَراء السّوء. الحديث الثاني: ١٨٧٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عبد الله بنِ الزُّبَيرِ، عن سفيانَ بنِ أبي زُهَيرٍ ◌َُ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله وَّل يقول: («تُقْتَحُ اليمنُ فيأتي قومٌ يَبْسُّون فيتَحمَّلونَ بأهلِهِم ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، وتُفتَحُ الشَّأم فيأتي قومٌ يَيُسُّون فيتَحمَّلونَ بأهلِيهم ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، وتُفْتَحُ العراقُ فيأتي قومٌ يَيُسُّون فيتَحمَّلونَ بأهلِيهم ومَن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ». قوله: ((عن أبيه)) هو عُزْوة بن الزُّبَير، وعبد الله بن الزُّبَير أخوه. وفي الإسناد صحابي عن صحابي، وتابعي عن تابعي، لأنَّ هشاماً قد لَقِي بعض الصحابة. ٩٢/٤ قوله: ((عن سفيان بن أبي زُهَير)) كذا للأكثر، ورواه/ حمَّد بن سَلَمة عن هشام عن أبيه كذلك، وقال في آخره: قال عُرْوة: ثمَّ لقيت سفيان بن أبي زُهَير عند موته فأخبرني بهذا الحديث. وذكر عليّ بن المديني أنَّه اختُلِفَ فيه على هشام اختلافاً آخر، فقال وُهَيب وجماعة كما قال مالك، وقال ابن عُيَينةَ عن هشام بسنده: عن سفيان بن الغَوث، وقال أبو معاوية عن هشام بسنده: عن سفيان بن عبد الله الثَّقفي. قلت: قد رواه الحميدي (٨٦٥) عن ٢٣١ باب ٥ / ح ١٨٧٥ فضائل المدينة سفيان على الصواب، ورواه أبو خَيْئمة عن جَرِير فقال: سفيان بن أبي فلانة(١)، كأنَّه عَرَفَ خطأ جَرِیر فگنّی عنه. واسم أبي زُهَيِرِ القَرِدُ بفتح القاف وكسر الراء بعدها مُهمَلة، وقيل: نُمَير، وهو الشَّئُوئي من أزد شَنُوءة بفتح المعجمة وضمّ النّون وبعد الواو همزة مفتوحة، وفي النَّسب كذلك، وقيل: بفتح النّون بعدها همزة مكسورة بلا واو، وشَنُوءة: هو عبد الله بن کعب بن مالك بن نَصْر بن الأزد، وسُمّي شَنُوءة لشَنَآنٍ كان بينه وبين قومه. قوله: ((تُفتَح اليمن)) قال ابن عبد البَرِّ وغيره: افتُتِحَت اليمن في أيام النبي ◌َّ وفي أيام أبي بَكر، وافتِحَت الشام بعدها، والعراق بعدها. وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النُّبوّة، فقد وقع على وَفْق ما أخبر به النبي ◌َّ، وعلى ترتيبه، ووقع تفرُّق الناس في البِلاد لما فيها من السَّعة والرَّخاء، ولو صَبَرَوا على الإقامة بالمدينة لكان خيراً لهم. وفي هذا الحديث فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو أمر مُجمَع عليه. وفيه دليل على أنَّ بعض البِقاع أفضل من بعض، ولم يختلف العلماء في أنَّ للمدينة فضلاً على غيرها، وإنَّما اختَلَفوا في الأفضلية بينها وبين مكَّة. قوله: ((يَيُسّونَ)) بفتح أوَّله وضمّ الموحّدة وبكسرها من: بَسّ يَيُسّ. قال ابن عبد البَرِّ: في رواية يحيى بن يحيى: بكسر الموخَّدة، وقيل: إنَّ ابن القاسم رواه بضمّها، قال أبو عُبيد: معناه يَسوقونَ دَوابهم، والبَسّ سَوْق الإبل، تقول: بَسْ بَسْ، عند السَّوق وإرادة الشُّرعة. وقال الدَّاوودي: معناه يَزْجُرونَ دَوابهم فيفتِّتون ما يَطَؤونه من الأرض من شِدّة السَّير، فيصير غُباراً، قال تعالى: ﴿ وَبُسَتِ الْجِبَالُ بَسًا﴾ [الواقعة: ٥] أي: سالت سيلاً، وقيل : . معناه: سارت سَيراً. وقال ابن القاسم: البَسّ المبالَغة في الفَتّ، ومنه قيل للدَّقيقِ المصنوع (١) وقع في (س): قلابة، وألحقت في (أ) بخط مغاير، وهو خطأ، بدليل قوله بعده: كأنه عرف خطأ جرير فكنَّى عنه. ثم إنه ليس في الرواة من اسمه: سفيان بن أبي قلابة. وما أثبتناه هو الأقرب إلى الصواب، والله أعلم. ٢٣٢ باب ٥ / ح ١٨٧٥ فتح الباري بشرح البخاري بالدُّهنِ: بَسِيس. وأنكَرَ ذلك النَّووي، وقال: إنَّه ضعيف أو باطل. قال ابن عبد البَرِّ: وقيل: معنى ((يَيُسّونَ)) يَسأَلُون عن البِلاد ويَستَقِرِئونَ أخبارها ليسيروا إليها، قال: وهذا لا يَكاد يَعرِفه أهل اللُّغة. وقيل: معناه يُزيِّنونَ لأهلِهم البِلاد التي تُفْتَح ويَدْعونَهم إلى سُكناها، فيَتحمَّلون بسبب ذلك من المدينة راحلين إليها، ويشهد لهذا حديث أبي هريرة عند مسلم (١٣٨١): ((يأتي على الناس زمان يَدْعو الرجل ابنَ عَمِّه وقريبه: هَلُمَّ إلى الرَّخاء، والمدينةُ خير لهم لو كانوا يعلمونَ))، وعلى هذا فالذين يَتحمَّلون غير الذين يَيُسّون، كأنَّ الذي حَضَرَ الفتح أعجَبَه حُسْن البلد ورَخاؤُها فدَعَا قريبه إلى المجيء إليها لذلك، فيَتحمَّل المدعوّ بأهلِه وأتباعه. قال ابن عبد البَرِّ: ورُويَ ((يُبِسّونَ)) بضمِّ أوَّله و کسر ثانيه من الرُّباعي من أبَسَّ إيساساً، ومعناه: يُزيِّنونَ لأهلِهم البلد التي يَقصِدونها، وأصل الإبساس للَّتِي تُحُلَب حتَّى تَدِرَّ باللَّبَن، وهو أن يُجري يده على وجهها وصفحة عُنُقُها، كأنَّه يُزيِّن لها ذلك ويُحسِّنه لها، وإلى هذا ذهب ابن وَهْب، وكذا رواه ابن حبيب عن مُطرِّف عن مالك ((يُبِسّونَ)) من الرُّباعي، وفسَّرَه بنحو ما ذكرنا، وأنكَرَ الأوَّلَ غايةَ الإنكار. وقال النَّووي: الصواب أنَّ معناه الإخبار عمَّن خرج من المدينة مُتَحمِّلاً بأهلِه باسّاً في سَيْرِهِ مُسرِعاً إلى الرَّخاء والأمصار المفتَتَحة. قلت: ويُؤْيِّده رواية ابن خُزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام عن عُرْوة في هذا الحديث بلفظ: ((تُفتَح الشام، فيَخرُج الناس من المدينة إليها يَبْسُّون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمونَ))، ويوضح ذلك ما روى أحمد (١٤٦٨٠) من حديث جابر أنَّه سمع رسول الله وَ ﴿ يقول: ((لَيأتينَّ على أهل المدينة زمان يَنطَلِقِ الناس منها إلى الأرياف يَلْتَمِسونَ الرَّخاء فيَجِدونَ رَخاءً، ثمَّ يأتونَ فيَتحمَّلون بأهليهم إلى ٩٣/٤ الرَّخاء، والمدينةُ خير لهم لو كانوا يعلمونَ))،/ وفي إسناده ابن لَهِيعة ولا بأس به في المتابعات، وهو يوضح ما قلناه، والله أعلم. وروى أحمد (٢١٩١٤) في أوَّل حديث سفيان هذا قصَّةً أخرجها من طريق بسر بن سعيد أنَّه سمع في مجلس الليثيين يَذكُرون: أنَّ سفيان ابن أبي زُهَير أخبرهم أنَّ فرسَه أعْيَت بالعَقيقِ وهو في بعث بَعَثَهم رسول الله ◌َِّ، فَرَجَعَ إليه يَستَحمِله، فخرج معه يَبْتَغي له بعيراً فلم يَجِدِه إلَّا عند أبي جَهْم بن حُذَيفة العَدَوي، ٢٣٣ باب ٦ / ح ١٨٧٦ فضائل المدينة فسامَه له، فقال له أبو جَهْم: لا أبيعُكها يا رسول الله، ولكن خُذه فاحِل عليه مَن شئتَ. ثمَّ خرج حتَّى إذا بَلَغَ بئر إهاب قال: ((يوشِك البُنيان أن يأتي هذا المكان، ويوشِك الشام أن يُفْتَح، فيأتيه رجال من أهل هذا البلد فيُعجِبهم ريفُهُ ورَخاؤُه، والمدينةُ خير لهم)) الحديث. قوله: ((لو كانوا يعلمونَ)) أي: بفضلها من الصلاة في المسجد النَّبوي وثواب الإقامة فيها وغير ذلك، ويحتمل أن تكون ((لو)) بمعنى ليت، فلا يحتاج إلى تقدير، وعلى الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقَها وآثَّرَ غيرها، قالوا: والمراد به الخارجونَ من المدينة رغبة عنها كارهين لها، وأمَّا من خرج لحاجةٍ أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث. قال الطِّيبي: الذي يقتضيه هذا المقام أن يُنَزَّل ((لو (١) يعلمونَ)) منزلة اللازم لتَنتَفي عنهم المعرفة بالكلّية، ولو ذهب مع ذلك إلى التمنِّي لكان أبلَغ، لأنَّ التمنِّي طلبُ ما لا يُمكِن حصوله، أي: لَيتَهم كانوا من أهل العلم، تغليظاً وتشديداً. وقال البيضاوي: المعنى أنَّه يُفتَح اليمن فيُعجِب قوماً بلادُها وعَيشُ أهلها، فَيَحمِلهم ذلك على المهاجَرَة إليها بأنفُسِهم وأهليهم حتَّى يَخرجوا من المدينة، والحال أنَّ الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حَرَم الرَّسول وجِوارُه ومَهبط الوحي ومنزل البَرَكات، لو كانوا يعلمونَ ما في الإقامة بها من الفوائد الدّينية بالعَوائد الأخروية التي يُستَحقَر دونها ما يَجِدونه من الحُظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها. وقَوّاه الطِّيبي لتنكير «قوم)) ووَصْفُهم بكونهم يَيُسّون، ثمَّ توكيده بقوله: ((لو كانوا يعلمونَ))، لأنه يُشعِر بأنَّهم ممَّن رَكَنَ إلى الحُظوظ البَهيميَّة والحُطام الفاني، وأعرضوا عن الإقامة في جِوار الرَّسول، ولذلك گَرَّرَ ((قوماً) ووَصَفَه في كلّ قرينة بقوله: ((يَيُسّونَ)) استحضاراً لتلك الهيئة القبيحة، والله أعلم. ٦ - بابٌ الإيمان يأرِزُ إلى المدينة ١٨٧٦ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله، عن ◌ُبَيْبٍ بنِ عبد الرحمن، عن حفصِ بنِ عاصم، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ وَّمِ قال: ((إنَّ (١) في (أ) و(س): ((ما لا يعلمون)) وهو خطأ، والمثبت من (ع). : ٢٣٤ باب ٦ / ح ١٨٧٦ فتح الباري بشرح البخاري الإِيمانَ لَيَأرِزُ إلى المدينة كما تأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها)). قوله: ((بابٌ الإيمانُ أرِز» بفتح أوَّله وسكون الهمزة وكسر الراء - وقد تُضمّ - بعدها زاي، وحكى ابن التِّين عن بعضهم فتح الراء وقال: إنَّ الكسر هو الصواب، وحكى أبو الحُسَين(١) بن سِراج ضمَّ الراء، وحكى القابِسِيُّ الفتحَ ومعناه: يَنضمّ وتَجْتَمِع. قوله: ((حدَّثْنِي عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري. قوله: ((عن خُبَيَب)) بالمعجمة مُصغَّراً، وكذا رواه أكثر أصحاب عُبيد الله، وخُبيب هو خال عُبيد الله المذكور، وقد روي عنه بهذا الإسناد عِدّة أحاديث. وفي رواية يحيى بن سُلَيم: عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عمر، أخرجه ابن حِبّان (٣٧٢٧) والبَزَّار (٥٧٢٥)، وقال البَزَّار: إنَّ يحيى بن سُلَيم أخطَاً فيه. وهو كما قال، وهو ضعيف في عُبيد الله بن عمر. قوله: ((عن حفص بن عاصم)) أي: ابن عمر بن الخطّاب. قوله: ((كما تأرِز الحيَّة إلى جُحْرها)) أي: إنَّها كما تَنتَشِر من جُحْرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رَجَعَت إلى جُحْرِها، كذلك الإيمان انتَشَرَ في المدينة، فكلُّ مُؤمِن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبَّتَه في النبي وَّ، فيَشمَل ذلك جميعَ الأزمنة، لأنه في زمن النبي ٩٤/٤ ,* للتعلّم منه،/ وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعیھم للاقتداءِ بهَدِهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره وَّل﴿ والصلاة في مسجده والتبَرُّك بمشاهَدة آثاره وآثار أصحابه. وقال الدَّاوودي: كان هذا في حياة النبي ◌َّهِ والقَرنِ الذي كان منهم والذين يَلونَهم والذين يَلونَهم خاصَّة. وقال القُرطُبي: فيه تنبيه على صِحّة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البِدَع، وأنَّ عملهم حُجّة كما رآه مالك. انتهى، وهذا إن سُلِّمَ اختَصَّ بعَصر النبي ◌ِّهِ وَالْخُلَفاء الراشدين، وأمَّا بعد ظُهور الفِتَن وانتشار الصحابة في البلاد، ولا سيما في أواخر المئة الثانية وهَلُمَّ جَرّاً، فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبو الحسن. ٢٣٥ باب ٧ / ح ١٨٧٧ فضائل المدينة ٧- باب إثم مَن كاد أهلَ المدينة ١٨٧٧ - حدَّثنا حسينُ بنُ حُرَيثٍ، أخبرنا الفضلُ، عن جُعَيدٍ، عن عائشةَ - هي بنت سَعْد - قالت: سمعتُ سعْداً ظَ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّةِ، يقول: ((لا يَكِيدُ أهلَ المدينة أحدٌ إلا انماع کما ینماُ الملحُ في الماء». قوله: ((باب إثم مَن كاد أهل المدينة)) أي أراد بأهلها سوءاً، والكَيد: المكر والحيلة في المساءة. قوله: ((أخبرنا الفضل)) هو ابن موسى، و((الجُعَيد)): هو ابن عبد الرحمن، و((عائشة بنت سعد))، أي: ابن أبي وقّاص ((قالت: سمعت سعداً)) تعني أباها. قوله: ((إلّا انماع)) أي: ذاب، وفي رواية مسلم (١٣٨٧/ ٤٩٥) من طريق أبي عبد الله القَرّاظ عن أبي هريرة وسعد جميعاً، فذكر حديثاً فيه: ((من أراد أهلها بسوءٍ أذابَه الله كما يَذوب الملح في الماء)»، وفي هذه الطريق تَعَقُّب على القُطب الحلبي حيثُ زَعَمَ أنَّ هذا الحديث من أفراد البخاري، نعم في أفراد مسلم (١٣٦٣ / ٤٦٠) من طريق عامر بن سعد عن أبيه في أثناء حديث: ((ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوءٍ إلَّا أذابَه الله في النار ذَوْبَ الرَّصاص، أو ذَوْبَ المِلح في الماء))، قال عياض: هذه الزّيادة تَدفَعُ إشكال الأحاديث الأُخَر، وتوضح أنَّ هذا حُكمُه في الآخرة، ويحتمل أن يكون المراد: من أرادها في حياة النبيِ وَل﴿ بسوءِ اضمَحَلَّ أمره كما يَضمَحِلّ الرَّصاص في النار، فيكون في اللَّفظ تقديم وتأخير، ويُؤيِّده قوله: ((أو ذوب الملح في الماء))، ويحتمل أن يكون المراد: لمن أرادها في الدُّنيا بسوءٍ، وأنَّه لا يُمهَل بل يذهب سُلطانه عن قُرب، كما وقع لمسلم بن عُقْبة وغيره فإنَّه ◌ُوجِلَ عن قُرب، وكذلك الذي أرسَله، قال: ويحتمل أن يكون المراد: مَن كادها اغتيالاً وطلباً لِغِرَّتها في غَفْلةٍ فلا يَتِمُّ له أمر، بخلاف من أتی ذلك چِهاراً كما استباحها مسلم بن عُقْبة وغيره. وروى النَّسائي (٤٢٦٦) من حديث السائب بن خَلّاد رَفَعَه: ((من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم أخافه الله، وكانت عليه لَعنةُ الله)) الحديث، ولابن حِبّان (٣٧٣٨) نحوه من حديث جابر. ٢٣٦ باب ٨-٩ / ح ١٨٧٨ - ١٨٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ٨- باب آطام المدينة ١٨٧٨ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ، سمعتُ أُسامةَ قال: أشرفَ النبيُّ ◌َِّ على أُطُمِ من آطام المدينةِ، فقال: ((هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ إنِّ لَأَرَى مَواقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بيوتِكم كمَواقِعِ القَطْر». تَابَعَه مَعمَرٌ وسليمانُ بنُ كثيرٍ، عن الزُّهريّ. [أطرافه في: ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠] ٩٥/٤ قوله: ((باب آطام المدينة)) بالمدّ، جمع أُطُم بضمَّتَينِ: وهي الحصون التي تُبنى بالحجارة، وقيل: هو كلّ بيت مُرَبَّع مُسَطَّح، والآطام جمع قِلّة، وجمع الكَثْرة أُطوم، والواحدة أطَمة كأكَمة. وقد ذكر الزُّبَير بن بَكّار في (أخبار المدينة)) ما كان بها من الآطام قبل حُلول الأوس والخَزْرَج بها، ثمَّ ما كان بها بعد حُلولهم، وأطالَ في ذلك. قوله: ((أشرفَ)) أي: نظرَ من مكان مُرتفع. قوله: ((مَواقِع)) أي: مواضع السُّقوط، و((خِلَال)) أي: نواحيها، شَبَّهَ سقوط الفِتَن وكثرتها بسقوط القَطْر في الكَثْرة والعموم، وهذا من علامات النُّبوّة لإخباره بما سيكون، وقد ظهر مِصْداقُ ذلك من قتل عثمان وهَلُمَّ جَرّاً ولا سيما يوم الحَرّة، والرُّؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم، أو رؤية العين بأن تكون الفِتَن مَثُلَت له حتَّى رآها، كما مَثُلَت له الجنَّة والنار في القِبْلة حتَّى رآهما وهو يُصلِّي. قوله: (تَابَعَه مَعمَر وسليمان بن كثير)) أمَّا رواية مَعمَر فَوَصَلها المؤلِّف في الفِتَن (٧٠٦٠)، وأمَّا متابعة سليمان بن كثير فوَصَلها المؤلِّف في ((برّ الوالدين)) له خارج الصحيح(١)، وسيأتي بقيةُ الكلام على هذا الحديث في كتاب الفِتَن. ٩- بابٌ لا يدخل الدَّجّال المدينة ١٨٧٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبد الله، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن (١) وأخرجه الحافظ في ((تغليق التعليق)) ١٣٤/٢ -١٣٥ من طريق البخاري في كتاب ((بر الوالدين)). ٢٣٧ باب ٩ / ح ١٨٧٩- ١٨٨٢ فضائل المدينة جدِّه، عن أبي بَكرةَ عُ، عن النبيِّ وَِّ، قال: «لا يَدخُلُ المدينةَ رُعبُ المسيح الدَّجّال، لها يومئذٍ سَبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بابٍ مَلَكانٍ)). [طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦] ١٨٨٠ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نُعَيمِ بنِ عبد الله المُجمِرِ، عن أبي هريرةَ له، قال: قال رسولُ اللهِوَالَ: ((على أنقابِ المدينة ملائكةٌ، لا يدخلُها الطّاعونُ ولا الدَّجّالُ)). [طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣] ١٨٨١- حذَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا أبو عَمرو، حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: «ليس من بَلَدٍ إلا سَيَطَؤُه الدَّجّالُ إلا مَكَّةَ والمدينةَ، ليس له من نقابها نَقبٌ إلا عليه الملائكةُ صافِّين يَجِرُسونها، ثمَّ تَرجُفُ المدينةُ بأهلِها ثلاثَ رَجَفاتٍ، فُخرِجُ الله كلَّ كافٍ ومُنافقٍ)). [أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣] : ١٨٨٢ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهاب، قال: أخبرني عُبيد الله بنُ عبد الله بنِ عُتبةَ، أنَّ أبا سعيد الخدريَّ﴾ قال: حدَّثنا رسولُ الله ◌َّ﴿ حديثاً طويلاً عن الدَّجّال، فكان فيما حدَّثنا به أن قال: ((يأتي الَّجّالُ - وهو مُحرَّمٌ عليه أن يدخل نِقابَ المدينة - بعضَ السِّاخِ التي بالمدينةِ، فيَخرُجُ إليه يومئذٍ رجلٌ هو خيرُ الناس أو من خير الناس، فيقول: أشهَدُ أَنَّكَ الدَّجّالُ الذي حدَّثنا عنكَ رسولُ اللهِوَِّ حديثَه، فيقول الدَّجّالُ: أرأيتَ إن قتلتُ هذا ثمَّ أحييتُه، هل تَشُكّونَ في الأمرِ؟ فيقولون: لا، فيَقتُلُه ثمَّ ◌ُحِیه، فيقول حین مُحِیه: والله ما كنتُ قطَّ أَشَدَّ بَصِيرَةً منّي اليومَ، فيقول الذَّجّالُ: أقتُلُه، فلا يُسَلَّطُ(١) عليه)). (١) هكذا هي في بعض الأصول من ((الصحيح)) كما في حاشية النسخة السلطانية المطبوعة عن النسخة اليونينية، وهكذا هي في الأصل الذي شرح عليه القسطلَّاني في ((إرشاد الساري)) ٣٣٨/٣، وهو الموافق لما سيأتي عند البخاري في الأحكام برقم (٧١٣٢). وفي أصل اليونينية من ((الصحيح)): «أقتلُهُ فلا أُسلَّطُ عليه))، وفي حاشيتها: قال شيخ الإسلام: هو بتقدير همزة الإنكار في ((أقتله))، وفي نسخة بإظهارها، وكأنه ينكر إرادة القتل وعدم تسلطه عليه، فمعناه على هذا: ما أريد قتله فلا أُسلَّطُ عليه. انتهى، قلنا: ولا = ٢٣٨ باب ٩ / ح ١٨٧٩ - ١٨٨٢ فتح الباري بشرح البخاري [طرفه في: ٧١٣٢] ٩٦/٤ قوله: ((بابٌ لا يدخل الدَّجّال المدينة)) أوردَ فيه أربعة أحاديث: الأوَّل: حديث أبي بَكْرة، وسيأتي الكلام عليه مُستوقَى في كتاب الفِتَن (٧١٢٥). قوله: ((عن جَدّه)) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: ((على كلّ باب))، في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لكلِّ باب)). الثاني: حديث أبي هريرة. قوله: ((على أنقاب المدينة)) جمع نَقَب بفتح النّون والقاف، بعدها موحّدة، ووقع في حديث أنس وأبي سعيد اللذَينِ بعده: ((على نِقابها)) جمع نَقْب بالسُّكونِ، وهما بمعنَى. قال ابن وَهْب: المراد بها المداخل، وقيل: الأبواب. وأصل النَّقب الطريق بين الجبلَين، وقيل: الأنقاب: الطّرق التي يَسلُكها الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَقَبُواْ فِىِ الْبِلَدِ﴾ [ق: ٣٦]. قوله: ((لا يدخلها الطّاعون ولا الدَّجّال)) سيأتي في الطِّبّ (٥٧٣١) بيانُ مَن زاد في هذا الحديث مگَّة. الثالث: حديث أنس. قوله: ((حدَّثنا أبو عَمْرو)) هو الأوزاعي، وإسحاق: هو ابن عبد الله بن أبي طلحة. قوله: ((ليس من بَلَد إلَّا سَيَطَؤُه الدَّجّال)) هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشَذَّ ابن حَزْم فقال: المراد إلا يدخله بَعْتُهُ (١) وجُنوده، وكأنَّه استَبعَدَ إمكان دخول الدَّجّال جميع البلاد لِقِصَر مُدَّته، وغَفَلَ عمَّا ثبت في ((صحيح مسلم)) (٢٩٣٧) أنَّ بعض أيامه يكون قَدْر السَّنَة. قوله: ((ثُمَّ تَرَجُف المدينة)) أي: يَحِصُل بها زَلزلة بعد أُخرى ثمَّ ثالثة، حتَّى يَخْرُج منها من ليس مُحلِصاً في إيمانه، ويبقى بها المؤمِن الخالص، فلا يُسَلَّط عليه الدَّجّال. ولا يعارض هذا = يستقيم المعنى بذلك، والصواب - إن شاء الله - ما أثبتناه من بعض الأصول، والله تعالى أعلم. (١) تصحفت في (أ) إلى: بَغتَةً، وفي (ع) إلى: نفسه. ٢٣٩ باب ١٠ / ح ١٨٨٣ - ١٨٨٤ فضائل المدينة ما في حديث أبي بَكْرة الماضي (١٨٧٩) أنَّه لا يدخل المدينة رُعب الدَّجّال، لأنَّ المراد بالرُّعبِ: ما يَحَدُث من الفَزَع من ذِكْرِه والخوف من عُتُوّه، لا الرَّجفةُ التي تقع بالزَّلزلة لإخراج مَن ليس بمُخلِصٍ. وحمل بعض العلماء الحديث الذي فيه أنَّها تنفي الخَبَث على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدَّم أنَّ الصحيح في معناه أنَّه خاصٌّ بناسٍ وبزمانٍ، فلا مانع أن يكون هذا الَّمان هو المراد، ولا يَلزَم من كونه مراداً نفيُ غيره. الحديث الرابع: حديث أبي سعيد. قوله: ((بعض السِّباخ)) بكسر المهمَلة وبالموحَّدة الخفيفة وآخره مُعجَمة، وسيأتي الكلام عليه أيضاً في الفِتَن (٧١٣٢). وحاصل ما في هذه الأحاديث: إعلامه وَّل﴿ أَنَّ الدَّجّال لا يدخل المدينة ولا الرُّعب منه كما مضى. ١٠ - بابٌ المدينة تنفي الخَبَث ١٨٨٣- حدَّثْنا عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمن، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّد بنِ المنكَدِرِ، عن جابرٍ : جاء أعرابٌّ النبيَّ وَّةِ، فبايعَه على الإسلام، فجاء من الغَدِ محموماً، فقال: أُقِلْني، فأبى، ثلاثَ مِرارٍ، فقال: ((المدينةُ كالكِيرِ، تنفي خَبَثَها وتَنْصَعُ طَيَِّها)). [أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٣٢٢،٧٢١٦] ١٨٨٤ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربِ، حَدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، عن عبد الله بنِ یزیدَ، قال: سمعتُ زيدَ بنَ ثابتٍ ﴾ يقول: لمَّا خرج النبيُّ وَّهِ إِلى أَحُدٍ رَجَعَ ناس من أصحابه، فقالت فِرقةٌ: نَقتُلُهم، وقالت فِرقةٌ: لا نَقْتُلُهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِ اَلْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ [النساء: ٨٨]، وقال النبيُّ وَّ: ((إنَّهَا تنفي الرِّجالَ كما تنفي النارُ خَبَثَ الحديدِ)). [طرفاه في: ٤٥٨٩،٤٠٥٠] قوله: ((بابٌ)) بالتنوين ((المدينةُ تنفي الخَبَث)) أي: بإخراجه وإظهاره. ٩٧/٤ ٢٤٠ باب ١٠ / ح ١٨٨٣ - ١٨٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عبَّاس)) بالموخَّدة والمهمَلة، وعبد الرحمن: هو ابن مَهدي، وسفيان: هو الثَّوري. قوله: ((عن جابر)) وقع في الأحكام (٧٢١٦) من وجه آخر عن ابن المنكَدِر قال: سمعت جابراً. قوله: ((جاء أعرابي)) لم أقف على اسمه، إلّا أنَّ الََّشري ذكر في ((رَبيع الأبرار)) أنَّه قيس بن أبي حازم، وهو مُشكِل لأنه تابعي كبير مشهور صَرَّحوا بأنَّه هاجَرَ فوَجَدَ النبي وَّه قد مات، فإن كان محفوظاً فلعلَّه آخَر وافق اسمه واسمَ أبيه. وفي ((الذَّيل)) لأبي موسى: في الصحابة قيس بن أبي حازم المِنْقَري، فیحتمل أن يكون هو هذا. قوله: ((فبايعَه على الإسلام، فجاء من الغَد محموماً فقال: أقِلني)) ظاهره أنَّه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جَزَمَ عياض، وقال غيره: إنَّما استَقاله من الهجرة، وإلا لكان قتَلَه على الرِّدّة، وسيأتي الكلام على هذا الحديث مُستوقّ في كتاب الأحكام (٧٢١٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((ثلاث مِرار)) يتعلَّق بـ ((أَقِلْني)) وبـ ((قال)) معاً. قوله: ((تنفي خَبَثَها)) تقدَّم الكلام عليه في أول فَضْل المدينة (١٨٧١). قوله: ((وتَنْصَعُ)) بفتح أوَّله وسكون النّون وبالمهمَلتَينِ من النُّصوع، وهو الخُلوص، والمعنى: أنَّهَا إذا نَفَتِ الْخَبَثَ تَيَّز الطيِّب واستقرَّ فيها. وأمّا قوله: ((طيِّيها)) فضَبَطَه الأكثر بالنَّصبِ على المفعولية، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بالتحتانية أوَّلَه ورَفْع ((طيِّبها)) على الفاعلية، و((طيِّها)) للجميع بالتشديد، وضَبَطَه القَزّاز بكسر أوَّله والتخفيف، ثمَّ استَشكَله، فقال: لم أرَ للُّصوع في الطِّيبِ ذِكراً، وإنَّما الكلام ((يَتَضَوَّع)) بالضّاد المعجمة، وزيادة الواو الثَّقيلة، قال: ويُروى: ((تَنْضَخ)) بمُعجَمَتَين. وأغرَبَ الَّتَشري في ((الفائق)) فضَبَطَه بموخَّدة وضاد مُعجَمة، قال(١): وهو من أبضعَه بضاعة إذا دَفَعَها إليه، يعني أنَّ المدينة تُعطي طيبها لمن سَكَنها. وتعقَّبه الصَّغَاني بأنَّه خالَفَ جميع الرُّواة في ذلك. وقال ابن الأثير: المشهور بالنّونِ (١) تحرف في (أ) إلى: وقاف.