النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
باب ٢٦ / ح ١٨٦٣
أبواب جزاء الصيد ونحوه
إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والمشهور أنَّه لا يَلزَمه كالولي في
الحج عن المريض، فلو امتَنَعَ إلَّا بأُجرةِ لَزِمَها، لأنه من سبيلها، فصار في حقِّها كالمؤنة،
واستدلَّ به على أنَّه ليس للزَّوجِ منعُ امرأته من حجّ الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه
للشافعية، والأصحّ عندهم أنَّ له منعَها لكونِ الحج على التراخي. وأمَّا ما رواه الدّار قُطني
(٢٤٤١) من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً في امرأة لها زوج ولها
مال، ولا يأذن لها في الحج: ((ليس لها أن تَنطَلِقِ إلَّا بإذنِ زوجها))(١)، فأُجيب عنه بأنَّه
محمول على حجّ التطوُّع عملاً بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماعَ على أنَّ للرجل منعَ
زوجته/ من الخروج في الأسفار كلّها، وإنَّما اختلفوا فيما كان واجباً، واستَنْبَطَ منه ابن حَزْم
جوازَ سفر المرأة بغير زوج ولا تَحَرَم، لكونِهِ وَِّ لم يأمر برَدّها ولا عابَ سفرها، وتُعُقِّبَ
بأنَّه لو لم يكن ذلك شرطاً لمَا أمَرَ زوجها بالسَّفر معها وتركه الغَزو الذي كُتِبَ فيه، ولا
سيما وقد رواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد بلفظ: فقال رجل: يا رسول الله، إنِّي
نَذَرتُ أن أخرُج في جيش كذا وكذا، فلو لم يكن شرطاً ما رَخَّصَ له في تَرْك النَّذر.
٧٨/٤
قال النَّووي: وفي الحديث تقديم الأهمّ فالأهمّ من الأُمور المتَعارضة، فإنَّه لمَّا عَرَضَ
له الغَزو والحج، رَجَّحَ الحج، لأنَّ امرأته لا يقوم غيره مقامَه في السَّفر معها، بخلاف
الغَزو، والله أعلم.
الحديث الرابع: وله طريقان: موصول ومُعلَّق، وآخر مُعلَّق.
١٨٦٣ - حدَّثنا عبدانُ، أخبرنا يزيدُ بنُ زُرَيع، أخبرنا حبيبٌ المعلِّمُ، عن عطاءٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا رَجَعَ النبيُّ ◌َرَ من حجَّتِه قال لأمّ سِنانِ الأنصاريَّةِ: ((ما
مَنَعَكِ من الحجّ؟)) قالت: أبو فلان - تعني زوجَها - كان له ناضحانِ حَّ على أحدِهما، والآخرُ
يَسقي أرضاً لنا، قال: «فإنَّ عمرةً في رمضانَ تَقْضي حجَّةً معي)).
رواه ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ، سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ◌ِ﴾.
وقال عُبيد الله: عن عبد الكَرِيمِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌َّ.
(١) إسناده ضعيف.

٢٠٢
باب ٢٦ / ح ١٨٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا حبيب المعلِّم)) هو ابن أبي قريبة بقافٍ وموحَّدة، واسم أبي قريبة: زيد،
وقيل: زائدة، وهو غير حبيب بن أبي عَمْرةَ المذكور في ثاني أحاديث الباب.
قوله: ((قالت: أبو فلان - تعني زوجها -)) وقد تقدَّم أنَّه أبو سِنان، وتقدَّم الحديث
مشروحاً في ((باب عمرة في رمضان)) (١٧٨٢).
قوله: ((رواه ابن جُرَيج عن عطاء ... )) إلى آخره، أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة ابن
جُرَيج له عن عطاء، واستفيدَ منه تصريح عطاء بسماعه له من ابن عبّاس، وقد تقدَّمت
طريق ابن جُرَيج موصولةً (١٧٨٢) في الباب المشار إليه.
قوله: ((وقال عُبيد الله)) بالتصغير: وهو ابن عَمْرو الرَّقّي، ((عن عبد الكريم)): وهو ابن
مالك الجَزَري، ((عن عطاء عن جابر))، وأراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء،
وقد تقدَّم في ((باب عمرة في رمضان)) أنَّ ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافَقا حبيباً وابن
جُرَيج، فتَبَيَّن شُذوذ رواية عبد الكريم، وشَذَّ معقِل الْجَزَري أيضاً فقال: ((عن عطاء عن أُمّ
سُلَيم))، وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جُرَيج، ويُومِئ إلى أنَّ رواية عبد الكريم
ليست مُطَّرَحةً، لاحتمال أن يكون لعطاءٍ فيه شيخان، ويُؤيِّد ذلك أنَّ رواية عبد الكريم
خاليةٌ عن القصَّة مُقتصِرةٌ على المتن، وهو قوله: ((عمرة في رمضان تَعدِل حَجَّة))، كذلك
وَصَله أحمد (١٤٧٩٥) وابن ماجَهْ (٢٩٩٥) من طريق عُبيد الله بن عَمْرو، والله أعلم.
١٨٦٤ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبد الملك بنِ عُمَير، عن قَزَعةَ مولى
زيادٍ، قال: سمعتُ أبا سعيدٍ - وقد غَزا مع النبيِّ ◌َلاَ ثِنْتَي عَشرةَ غَزوةً - قال: أربعٌ سمعتُهنَّ
من رسولِ اللهِوَ﴿ - أو قال: يُحدِّثُهنَّ عن النبيِّ وَّهِ فأعجَبتَي وآنَقتَي: ((أن لا تُسافَرَ امرأةٌ
مَسِيرةَ يومين ليس معها زوجُها أو ذو تَحرَم، ولا صومَ يومين: الفِطْرِ والأضحى، ولا صلاةً
بعدَ صلاتَينِ: بعدَ العصرِ حتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وبعدَ الصُّبحِ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ، ولا تُشَدُّ
الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدِ الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى)).
الحديث الخامس: حديث أبي سعيد، تقدَّم الكلام عليه في («باب الصلاة في مسجد مكَّة

٢٠٣
باب ٢٧ / ح ١٨٦٥ - ١٨٦٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
والمدينة)) (١١٨٨)، وأنَّه مُشتَمِل على أربعة أحكام: أحدها: سفر المرأة، وقد تقدَّم البحث
فيه في هذا الباب، ثانيها: مَنْع صوم الفِطْر والأضحى، وسيأتي في الصيام (١٩٩٢
و١٩٩٥)، ثالثها: مَنْع الصلاة بعد الصُّبح والعصر، وقد تقدَّم في أواخر الصلاة (٥٨٦)،
رابعها: مَنْعِ شَدّ الرَّحل إلى غير المساجد الثلاثة، وقد تقدَّم في أواخر الصلاة (١١٨٩) أيضاً.
قوله: ((أو قال: يُحدِّثهنَّ)) وقع عند الكُشْمِيهنيّ بلفظ: ((أو قال: أخذْتُهُنَّ) بالخاءِ والذّال
المعجَمَتَين، أي: حَلتُهنَّ عنه.
قوله: ((وآنَقْنَني)) بفتح النّونَينِ وسكون القاف بوزنِ أعجَبنَي ومعناه، أي: الكلمات،
يقال: آنَقَني الشيءُ بالمدّ، أي: أعجَبَني. وذِكر الإعجاب بعده من التأكيد.
قوله: ((أو ذو تَحرَم)) كذا للأكثر، وفي بعض النُّسَخ عن أبي ذرٍّ: ((أو ذو مَحَرَم مُحَّم))،
الأوَّل بفتح أوَّله وثالثه وسكون ثانیه، والثاني بوزنٍ محمد، أي: عليها.
٢٧ - باب مَن نَذَرَ المشي إلى الكعبة
١٨٦٥ - حَّثنا ابنُ سَلَام، أخبرنا الفَزَاريُّ، عن مُميدِ الطَّويل، قال: حدَّثْني ثابتٌ، عن
أنسٍ ◌َُ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ رأى شيخاً يُهادَى بينَ ابنَيه، قال: ((ما بالُ هذا؟» قالوا: نَذَرَ أن يمشيَ،
قال: ((إنَّ اللهَ عن تعذيبٍ هذا نفسَه لَغَنِيٌّ))، أمره أن يَركَبَ.
[طرفه في: ٦٧٠١]
١٨٦٦ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبرهم،
قال: أخبرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، أنَّ يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ أخبَرَه، أنَّ أبا الخيرِ حدَّثَه، عن عُقْبَةَ بنِ
عامٍ قال: نَذَرَت ◌ُختي أن تمشيَ إلى بيت الله، وأمُرَتْني أن أستَفْتِيَ لها النبيَّ ◌َِّ، فاستَفتَيْتُهُ،
فقال: (لِتَمشِ ولتَركَبْ)).
قال: وكان أبو الخيرِ لا يُفارِقُ عُقْبَةَ.
قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن يحيى بنِ أيوبَ، عن يزيدَ، عن أبي
الخيرِ، عن عُقْبة ... فذكر الحديثَ.

٢٠٤
باب ٢٧ / ح ١٨٦٥ - ١٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب من نَذَرَ المشي إلى الكعبة)) أي: وغيرها من الأماكن المعظَّمة، هل يجب عليه
٧٩/٤
الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وَجَبَ فتَرَكَ قادراً أو عاجزاً ماذا يَلزَمه؟ وفي كلّ ذلك اختلافٌ
بين أهل العلم، سيأتي إيضاحه في كتاب النَّذر (٦٧٠١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أخبرنا الفَزَاري)» هو مروان بن معاوية كما جَزَمَ به أصحاب الأطراف
والمستخرجات، وقد أخرجه مسلم (١٦٤٢) عن ابن أبي عمر عن مروان هذا، بهذا
الإسناد. وقال ابن حَزْم: هو أبو إسحاق الفَزاري أو مروان.
قوله: ((حذَّثني ثابت)) هكذا قال أكثر الزُّواة عن حميدٍ، وهذا الحديث ممّا صَرَّحَ حميدٌ فيه
بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حَذَفَه في وقت آخر، فأخرجه النَّسائي (٣٨٥٤) من طريق
يحيى بن سعيد الأنصاري، والتِّرمِذي(١) من طريق ابن أبي عَدي، كلاهما عن حميدٍ عن
أنس، وكذا أخرجه أحمد (١٢٠٣٨) عن ابن أبي عَدي ويزيد بن هارون(٢) جميعاً عن حميد
بلا واسطة، ويقال: إنَّ غالب رواية حميدٍ عن أنس بواسطةٍ، لكن قد أخرج البخاري من
حديث حميدٍ عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة، مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد
وافق عِمرانُ القطّانُ عن حميدِ الجماعةَ على إدخال ثابت بينه وبين أنس، لكن خالَفَهم في
المتن، أخرجه التِّرمِذي (١٥٣٦)(٣) من طريقه بلفظ: نَذَرَت امرأة أن تمشي إلى بيت الله،
فِسُئِلَ نبِيُّ اللهَوَ ◌ِّ عن ذلك فقال: ((إنَّ الله لَغَني عن مشيها، مُروها فلتَركَب)).
قوله: ((رأى شيخاً يُهادَى)) بضمٌّ أوَّله، من المهاداة: وهو أن يمشي مُعتَمِداً على غيره.
وللتِّمِذي (١٥٣٧) من طريق خالد بن الحارث عن حميدٍ: يَتَهادى، بفتح أوَّله ثمَّ مُننَّة.
قوله: ((بين ابنَيه)) لم أقف على اسم هذا الشيخ ولا على اسم ابنَه، وقرأت بخَطِّ
(١) في ((جامعه)) بإثر الحديث رقم (١٥٣٧).
(٢) رواية يزيد بن هارون ليست في شيء من النسخ الخطية للمسند التي بين أيدينا، وتفرد الحافظ فذكرها
في «أطراف المسند)» ١/ ٣٧١.
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم يقع ((ثابت)) في رواية الترمذي (١٥٣٦) عن عمران القطان، ولم يذكره
أيضاً المزي في ((تحفة الأشراف)) ١/ ٢٠٠، ولا استدركه الحافظ عليه هناك.

٢٠٥
باب ٢٧ / ح ١٨٦٥ - ١٨٦٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
مُغَلْطاي: الرجل الذي يُهادَى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل. كذا قال، وتَبِعَه ابن الملقِّن،
وليس ذلك في كتاب الخطيب، وإنَّما أورد في حديث مالك: عن حميد بن قيس وثَوْر أنَّهما
أخبره: أنَّ رسول الله وَّه رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: ((ما بالُ هذا؟)) قالوا: نَذَرَ أن
لا يَسْتَظِلّ ولا يَتكلّم، ويصوم ... الحديث. قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثمَّ
ساق حديث عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ النبي وَلّه كان يَخْطُب يوم الجمعة، فرأى رجلاً
يقال له: أبو إسرائيل: فقال: ((ما باله؟» قالوا: نَذَرَ أن يصوم ويقوم في الشمس ولا
يَتكلَّم ... الحديث، وهذا الحديث سيأتي في الأيمان والنُّذور (٦٧٠٤) من حديث ابن
عبَّاس، والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عِدّة أوجُه، فيحتاج من وَخَّدَ بين
القِصَّتَينِ إلى مُستنَد، والله المستعان.
قوله: ((قال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ أن يمشي)» في حديث أبي هريرة عند مسلم (١٦٤٣)
أنَّ الذي أجاب النبيَّ ◌َّل عن سؤاله ولدا الرجل، ولفظه: فقال: ((ما شأنُ هذا؟)) قال ابناه:
یا رسول الله، کان علیه نَذْر.
قوله: «أمره» في رواية الگُشْمِيهنيّ: «وأمره» بزيادة واو.
قوله: ((أن يَركَب)) زاد أحمد (١٢٠٣٩) عن الأنصاري عن حميدٍ: فَرَكِب، وإنَّما لم يأمره
بالوفاء بالنَّذر إمّا لأنَّ الحج راكباً أفضلُ من الحج ماشياً، فنَذْر المشي يقتضي إلزام تَرْك
الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونِهِ عَجَزَ عن الوفاء بنَذْره، وهذا هو الأظھَر.
قوله: «عن عُقبة بن عامر» هو اجُهَني، کذا وقع عند أحمد (١٧٣٨٦) ومسلم (١٦٤٤/
١٢) وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه.
قوله: ((نَذَرَت أُختي)) قال المنذري وابن القَسطَلّاني والقُطب الحلبي ومن تَبِعَهم: هي أُمّ ٨٠/٤
حِبّان بنت عامر، وهي بكسر المهمَلة وتشديد الموخَّدة، ونسبوا ذلك لابن ماكولا، فإنَّ ابن
ماكولا إنَّما نقله عن ابن سعد، وابنُ سعد إنَّما ذكر في طبقات النِّساء أُمّ حِبّان بنت عامر بن
نابي - بنونٍ وموخَّدة - بن زيد بن حَرَام - بمُهمَلتَينِ - الأنصارية، قال: وهي أُخت عُقْبة بن

٢٠٦
باب ٢٧ / ح ١٨٦٥ - ١٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
عامر بن نابي، شَهِدَ بدراً، وهي زوج حرام بن مُحيِّصة، وكان ذكرَ قبل ذلك عُقْبة بن عامر
ابن نابي الأنصاري، وأنَّه شَهِدَ بدراً، ولا رواية له، وهذا كلُّه مُغاير للجُهَني، فإنَّ له روایة
كثيرة، ولم يشهد بدراً وليس أنصارياً، فعلى هذا لم يُعرَف اسم أُخت عُقْبة بن عامر الجُهَني،
وقد كنت تَبِعتُ في المقدِّمة مَن ذكرتُ، ثمَّ رجعتُ الآن عن ذلك، وبالله التوفيق.
قوله: ((أن تمشي إلى بيت الله)) زاد مسلم (١٦٤٤ / ١١) من طريق عبد الله بن عيَّاش
- بالتحتانية والمعجمة - عن يزيد: حافية، ولأحمد (١٧٣٠٦) وأصحاب ((السُّنن))(١) من
طريق عبد الله بن مالك عن عُقْبة بن عامر الجُهَني: أنَّ أُخته نَذَرَت أن تمشي حافية غير
مُخْتِمِرة، وزاد الطَّبري من طريق إسحاق بن سالم، عن عُقْبة بن عامر: وهي امرأة ثقيلة،
والمشي يَشُقّ عليها، ولأبي داود (٣٢٩٦) من طريق قَتَادةَ عن ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ
عُقْبة بن عامر سأل النبي ◌َّه فقال: إنَّ أُخته نَذَرَت أن تمشي إلى البيت، وشَكَا إليه ضعفَها.
قوله: ((فقال: لتَمشِ ولَركَبْ)) في رواية عبد الله بن مالك: ((مُرْها فلتَخْتَمِر ولتَركَب
ولتَصُم ثلاثة أيام))، وروى مسلم (١٦٤٥) عَقِبَ هذا الحديث حديثَ عبد الرحمن بن
شِماسة - وهو بكسر المعجمة وتخفيف الميم بعدها مُهمَلة - عن أبي الخير عن عُقْبة بن عامر
رَفَعَه: ((كفَّارة النَّذر كفَّارة اليمين))، ولعلَّه مُختصَر من هذا الحديث، فإنَّ الأمر بصيام ثلاثة
أيام هو أحد أوجُه كفَّارة اليمين، لكن وقع في رواية عِكْرمة المذكورة: قال: ((فلتَركَب
ولتُهدِ بَدَنة))، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب النَّذر (٦٧٠١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال: وكان أبو الخير لا يُفارق عُقْبة)) هو مَقُولُ يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي
الخير، والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عُقْبة.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
قوله: ((عن ابن جُرَيج عن يحيى بن أيوب)) كذا رواه أبو عاصم، ووافقه روح بن عُبادةَ
(١) أبو داود (٣٢٩٣) و(٣٢٩٤)، وابن ماجه (٢١٣٤)، والترمذي (١٥٤٤)، والنسائي (٣٨١٥)، وإسناده
ضعيف.

٢٠٧
باب ٢٧ / ح ١٨٦٥ - ١٨٦٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
عند مسلم (١٦٤٤ / ١٢) والإسماعيلي، جعلا شيخ ابن جُرَيج في هذا الحديث هو يحيى بن
أيوب، وخالَفَهما هشام بن يوسف، فجعل شيخ ابن جُرَيج فيه سعيد بن أبي أيوب، ورَجَحَ
الأوَّل الإسماعيلي لاتُّفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام، لكن يُعكِّر عليه أنَّ
عبد الرزاق وافق هشاماً، وهو عند أحمد (١٧٣٨٦) ومسلم (١٦٤٤ /١٢)، ووافقهما محمد
ابن بكر عن ابن جُرَيج(١) وحجّاج بن محمد عند النَّسائي (٣٨١٤)، فهؤلاءِ أربعة حُفّاظ،
رووه عن ابن جُرَيج عن سعيد بن أبي أيوب، فإن كان الترجيح هنا بالأكثرية فروايتهم
أولى. والذي ظهر لي من صنيع صاحبَي ((الصحيح)) أنَّ لابن جُرَيج فيه شيخين، وقد عَبَّرَ
مُغَلْطاي وتَبِعَه الشيخ سِراجُ الدِّين عن كلام الإسماعيلي ما لا يُفهَم منه المراد، والله أعلم.
خاتمة: اشتَمَلَت أبواب المحصَر وجزاء الصَّيد وما مع ذلك إلى هنا على أحد وستّين
حديثاً، المعلَّق منها ثلاثةَ عشر حديثاً والبقية موصولة، المكرّر منها فيه وفيما مضى ثمانية
وثلاثون حديثاً والخالص ثلاثة وعشرون، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر
في النِّقاب والقُفّاز موقوفاً ومرفوعاً، وحديث ابن عبَّاس: احتَجَمَ وهو مُرِم، وحديثه في
التي نَذَرَت أن تحجَّ عن أُمّها، وحديث السائب بن يزيد أنَّه حُجَّ به، وحديث جابر: ((عمرة
في رمضان».
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنا عشر أثراً، والله أعلم بالصواب.
(١) رواية محمد بن بكر عن ابن جريج لم يخرجها النسائي، وإنما هي عند أحمد في (المسند)) (١٧٣٨٦).

٢٠٩
باب ١ / ح ١٨٦٧
فضائل المدينة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فضائل المدينة
٨١/٤
١ - باب حرم المدينة
١٨٦٧ - حدَّثنا أبو التُّعمان، حذَّثنا ثابتُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا عاصمٌ أبو عبد الرحمن الأحوَلُ،
عن أنسٍ ◌َُه، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((المدينةُ حَرَمٌ من كَذا إلى كَذا، لا يُقْطَعُ شجرُها، ولا يُحدَثُ
فيها حَدَثٌ، مَن أحدَثَ حَدَثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ)).
[طرفه في: ٧٣٠٦]
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. فضائل المدينة. باب حَرَم المدينة)) كذا لأبي ذرِّ عن
الحَقُّوِيّ، وسَقَطَ للباقين سوى قوله: ((باب حَرَم المدينة))، وفي رواية أبي عليّ الشَّبُّوِي:
(باب ما جاء في حَرَم المدينة)). والمدينة: اسمُ عَلَم على البلدة المعروفة التي هاجَرَ إليها النبي
وَلَّهُ ودُفِنَ فيها، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآَ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] فإذا أُطلِقَت
تَبادرَ إلى الفَهم أنَّهَا المراد، وإذا أُريدَ غيرها بلفظ المدينة فلا بُدّ من قَيد، فهي كالنَّجم للُّزیّا،
وكان اسمها قبل ذلك يَثِرِب،/ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ تَابِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ﴾ ٨٢/٤
[الأحزاب: ١٣] ويَثِرِب: اسم لموضعٍ منها سُمّيت كلّها به، قيل: سُمّيت بيثرِب بن قانية من
ولد إرَم بن سام بن نوح، لأنه أوَّل من نزلها، حكاه أبو عُبيد البكري، وقيل غير ذلك، ثمَّ
سَّاها النبيِوَّ طَيبة وطابة كما سيأتي في باب مُفرَد (١٨٧٢)، وكان سُكّانها العَماليق، ثمَّ
نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل: أرسَلَهم موسى عليه السلام، كما أخرجه الزُّبَير بن بكّار
في «أخبار المدينة)) بسندٍ ضعيف، ثمَّ نزلها الأوسُ والخَزَرَج لمَّا تفرَّقَ أهل سَبأ بسبب سيل
العَرِم، وسيأتي إيضاح ذلك في كتاب المغازي (٣٥٢٠) إن شاء الله تعالى.
ثمَّ ذكر المصنِّف هنا أربعة أحاديث:

٢١٠
باب ١ / ح ١٨٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الأول: حديث أنس.
قوله: ((عن أنس)) في رواية عبد الواحد عن عاصم: قلت لأنسٍ، وسيأتي في الاعتصام
(٧٣٠٦)، وليزيد بن هارون عن عاصم: سألت أنساً، أخرجه مسلم (١٣٦٧).
قوله: ((المدينة حَرَم من كذا إلى كذا)) هكذا جاء مُبهَاً، وسيأتي في حديث عليٍّ رابع
أحاديث الباب: ((ما بين عائر إلى كذا)) فعَيَّنَ الأوَّل وهو بمُهمَلةٍ وزن فاعل، وذكره في
الجزية (٣١٧٢) وغيرها بلفظ: ((عَيْر)) بسكون التحتانية: وهو جبل بالمدينة كما سنوضحُه،
واتَّفَقَت روايات البخاري كلّها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم (١٣٧٠): ((إلى ثَوْر))،
فقيل: إنَّ البخاري أبهَمَه عمداً لما وقع عنده أنَّه وهمٌّ، وقال صاحب ((المشارق))
و((المطالع)): أكثر رواه البخاري ذكروا ((عَيراً))، وأمَّا ((ثَوْر)) فمنهم من كَنّى عنه بكذا،
ومنهم من تَرَكَ مكانه بياضاً، والأصل في هذا التوقُّف قولُ مُصعَب الزُّبَيري: ليس بالمدينة
عَيْرِ ولا ثَوْر، وأثبَتَ غيرُه عَيراً ووافقه على إنكار ثَور.
قال أبو عُبيد: قوله: ((ما بين عَيْرِ إلى ثَوْر)) هذه رواية أهل العراق، وأمَّا أهل المدينة فلا
يَعرِفونَ جبلاً عندهم يقال له: ثَوْر، وإنَّما ثَور بمكَّة، ونرى أنَّ أصل الحديث: ((ما بين غَير
إلى أُحُد)). قلت: وقد وقع ذلك في حديث عبد الله بن سَلام عند أحمد (٢٣٧٨٠) والطبراني
(١٤٩٩١)(١).
وقال عياض: لا معنى لإنكار ((عَيرِ)) بالمدينة، فإنَّه معروف، وقد جاء ذِكْره في
أشعارهم، وأنشَدَ أبو عُبيد البَكْري في ذلك عِدّة شواهد، منها قول الأحوَص المدني
الشاعر المشهور:
فقلتُ لِعَمرٍو تلك يا عَمْرُو نارُهُ تَشِبُّ قَفَا عَيْرِ فهل أنتَ ناظِرُ
وقال ابن السِّيد في ((المثلّث)): عَيْرِ اسم جبل بقُربِ المدينة معروف. وروى الزُّبَير في
(١) وهو عنده بلفظ: ((ما بين عير وأحد حرام، حرّمه رسول الله وَلّ، ما كنت لأقطع منه شجراً، ولا أصيدَ
طیراً))، ووقع في رواية أحمد: «ما بین کذا واحد ... ))

٢١١
باب ١ / ح ١٨٦٧
فضائل المدينة
((أخبار المدينة)) عن عيسى بن موسى قال: قال سعيد بن عَمْرو لبشر بن السائب، أتدري
لِمَ سَكَنّا العَقَبة؟ قال: لا. قال: لأنَّا قتلنا منكم قتيلاً في الجاهلية، فأُخرِجنا إليها. فقال:
ودِدتُ لو أنَّكم قتلتُم منَّا آخر وسَكَنتُم وراء عَير، يعني جبلاً. كذا في نفس الخبر.
وقد سَلَكَ العلماء في إنكار مُصعَب الزُّبَيري لعَيرٍ وثَور مسالك: منها ما تقدَّم، ومنها:
قول ابن قُدَامةَ: يحتمل أن يكون المراد مِقدار ما بين عَير وثَور لا أنَّهما بعينِهما في المدينة، أو
سمَّى النبيُّ وَّهِ الجبلَينِ اللذَينِ بطرفَي المدينة عَيراً وثَوراً ارتجالاً. وحكى ابن الأثير كلام
أبي عُبيد مُختصَراً ثمَّ قال: وقيل: إنَّ عَيراً جبل بمكَّة، فيكون المراد أُحرِّمَ من المدينة مقدار ما
بين عَيْر وثَوْر بمكة من مكة(١)، فكأنه قال: أُحرِّم من المدينة مثل تحريم ما بين عير وثور
بمكة (٢) على حذف المضاف ووَصفِ المصدَر المحذوف. وقال النَّووي: يحتمل أن يكون
ثَور كان اسمَ جبل هناك، إمّا أُحُد وإمّا غيره.
وقال المحِبّ الطَّبري في ((الأحكام)) بعد حكاية كلام أبي عُبيد ومن تَبِعَه: قد أخبرني
الثَّقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أنَّ حذاء أُحُد عن يساره جانحاً إلى ورائه جبل
صغير يقال له: ثَور، وأخبر أنَّه تكرَّر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك
الأرض وما فيها من الجِبال، فكلُّ أخبر أنَّ ذلك الجبل اسمه ثَور، وتواردوا على ذلك.
قال: فعلِمنا أنَّ ذِكر ثَور في الحديث صحيح، وأنَّ عَدَم عِلم أكابر العلماء به لعَدَم شُهرَته
وعدم بحثهم عنه، قال وهذه فائدة جلیلة، انتھی.
وقرأت بخَطِّ شيخ شيوخنا القُطب الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد ٨٣/٤
عبد السلام بن مَزْروع البصري: أنَّه خرج رسولاً إلى العراق، فلمَّا رَجَعَ إلى المدينة كان
معه دليل، فكان يَذكُر له الأماكن والجِبال، قال: فلمَّا وصَلْنا إلى أُحُد إذا بقُرِبِه جُبيل
صغير، فسألته عنه فقال: هذا يُسمّى ثَوراً. قال: فعلِمت صِحّة الرواية. قلت: فكأنَّ هذا
(١) قوله: ((بمكة من مكة)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع).
(٢) من قوله: ((فكأنه قال)) إلى هنا سقط من (س) والنسخ المطبوعة الأخرى من ((الفتح)). وانظر ((النهاية))
لابن الأثير ٢٢٩/١ -٢٣٠.

٢١٢
باب ١ / ح ١٨٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
كان مَبدأ سؤاله عن ذلك. وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مُختصَره
الأخبار المدينة: أنَّ خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفهم: أنَّ خَلْف أُحُد من جهة الشَّمال
جبلاً صغيراً إلى الحُمرة بتدويرٍ يُسمّى ثَوراً، قال: وقد تَحَقَّقتُه بالمشاهَدة.
وأمَّا قول ابن التِّين: إنَّ البخاري أبهَمَ اسم الجبل عمداً لأنه غَلَط، فهو غَلَط منه، بل
إبهامه من بعض رواته، فقد أخرجه في الجِزية (٣١٧٢) فسمّاه، والله أعلم. ومما يدلّ على
أنَّ المراد بقوله في حديث أنس: ((من كذا إلى كذا)» جبلان، ما وقع عند مسلم (١٣٦٥/
٤٦٢) من طريق إسماعيل بن جعفر عن عَمْرو بن أبي عَمْرو عن أنس مرفوعاً: ((اللهمَّ إنِّي
أُحَرِّم ما بين جبلَيها)) لكن عند المصنّف في الجهاد وغيره من طريق محمد بن جعفر
(٢٨٨٩) ويعقوب بن عبد الرحمن (٢٨٩٣) ومالك (٣٣٦٧) كلهم عن عَمْرو بلفظ: ((ما
بين لابَتَيها))، وكذا في حديث أبي هريرة ثالث أحاديث الباب، وسيأتي بعد أبوابٍ من
وجه آخر (١٨٧٣)، وكذا في حديث رافع بن خَدِيج (١٣٦١) وأبي سعيد (١٣٧٤ / ٤٧٨)
وسعد (١٣٦٣) وجابر (١٣٦٢) وكلّها عند مسلم، وكذا رواه أحمد من حديث عُبادةَ
الزُّرَقي(١)، والبيهقي (١٩٨/٥) من حديث عبد الرحمن بن عوف، والطبراني من حديث
أبي اليَسَر (٣٨٤/١٩) وأبي حسن(٢)، وكعب بن مالك(٣)، كلهم بلفظ: ((ما بين لا بتيها))،
واللّابَتان، جمع لابة بتخفيفِ الموحّدة: وهي الحَرّة، وهي الحِجارة السُّود، وقد تكرَّر
ذكرها في الحديث.
ووقع في حديث جابر عند أحمد (١٥٢٣٣): ((وأنا أُحَرِّم المدينة ما بين حَرَّتَيها)) فادَّعى
(١) ذكر الشارح في كتابه ((الإصابة)) ٦٢٨/٣ ترجمة لعبادة الزرقي، وأورد الخلاف في اسمه وصحبته، وأما
الإمام أحمد فلم يذكر في ((مسنده)) لعبادة هذا حديثاً، والحديث الذي نسبه إليه الشارح، قد أخرجه في
((مسنده)) (٢٢٧٠٨) من طريق عبد الله بن عبّاد الزرقي، عن عبادة بن الصامت.
(٢) كان الأَولى عزوها للمسند، فقد أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد («المسند» (١٦٧١١)، وأما رواية
الطبراني في «الكبير» ٢٢/ (٩٨١) فمختصرة ليس فيها المطلوب.
وأبو حسن تحرف في (أ) إلى: أبي حسین، وفي اع) إلى: أبي حنين.
(٣) في ((الأوسط)) (٢٦١).

٢١٣
باب ١ / ح ١٨٦٧
فضائل المدينة
بعض الحنفيَّة أنَّ الحديث مُضطرِب، لأنه وقع في رواية: ((ما بين جبلَيها)» وفي رواية: ((ما
بين لابَتَيها)) وفي رواية: ((مأزِمَيها))، وتُعُقِّبَ بأنَّ الجمع بينها واضح، وبمثل هذا لا تُرَدّ
الأحاديث الصحيحة، فإنَّ الجمع لو تَعذَّرَ أمكَنَ الترجيح، ولا شكَّ أنَّ رواية: ((ما بين
لا بَتَيها)) أرجح لتوارُد الرُّواة عليها، ورواية: ((جبلَيها)) لا تُنافيها فيكون عند كلّ لابة
جبل، أو لابَتَيها من جهة الجنوب والشَّمال وجبلَيها من جهة الشَّرق والغرب، وتسمية
الجبلَينِ في رواية أُخرى لا تَضُرّ، وأمَّا رواية: ((مأزِمَيها)) فهي في بعض طرق حديث أبي
سعيد(١)، والمأزِم: بكسر الزاي: المضيق بين الجبلَين، وقد يُطلَق على الجبل نفسه.
واحتَجَّ الطَّحاوي بحديث أنس في قصَّة ((أبي عُمَير ما فعلَ النُّغير))(٢) قال: لو كان
صيدها حراماً ما جازَ حَبْس الطَّير، وأُجيب باحتمال أن يكون من صيد الحِلّ، قال أحمد: من
صاد من الحِلّ، ثمَّ أدخَله المدينة لم يَلزَمه إرساله، لحديث أبي عُمَير، وهذا قول الجمهور،
ولكن لا يرد ذلك على الحنفيَّة، لأنَّ صيد الحِلِّ عندهم إذا دخل الحَرَم كان له حُكْم
الحَرَم، ويحتمل أن تكون قصَّة أبي عُمَير كانت قبل التحريم، واحتَجَّ بعضهم بحديث أنس
في قصَّة قطع النَّخل لبناءِ المسجد(٣)، ولو كان قطعُ شجرها حراماً ما فعله بَّهِ. وتُعُقِّبَ بأنَّ
ذلك كان في أوَّل الهجرة كما سيأتي واضحاً في أوَّل المغازي(٤)، وحديث تحريم المدينة كان
بعد رجوعه وَل﴿ من خَيْبر كما سيأتي في حديث عَمْرو بن أبي عَمْرو عن أنس في الجهاد
(٢٨٨٩)، وفي غزوة أُحُد من المغازي (٤٠٨٤) واضحاً.
وقال الطَّحاوي: يحتمل أن يكون سبب النَّهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كونَ الهجرة
کانت إليها، فكان بقاء الصَّید والشَّجَر ممّا یزید في زینتها ويَدعُو إلی ◌ُلفَتها، کما روى ابن عمر:
أنَّ النبي ◌َّهِ نهى عن هدم آطام المدينة، فإنَّها من زينة المدينة(٥)، فلمَّا انقَطَعَت الهجرة زالَ
(١) عند مسلم (١٣٧٤) (٤٧٥).
(٢) سيأتي عند البخاري برقم (٦١٢٩).
(٣) هو الحديث الثاني من أحاديث الباب.
(٤) هو في كتاب مناقب الأنصار (٣٩٣٢) قبل المغازي بأبواب.
(٥) أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) ١٩٤/٤.

٢١٤
باب ١ / ح ١٨٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
ذلك. وما قاله ليس بواضح، لأنَّ النَّسخ لا يَتْبُت إلَّا بدليلٍ، وقد ثبت على الفتوى بتحريمها
سعدٌ وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم(١)، وقال ابن قدامة: يَحِرُم صيد
المدينة وقطع شجرها، وبه قال مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يَحِرُم.
٨٤/٤
ثمَّ من فعلَ ممّا حَرُمَ عليه فيه (٢) شيئاً أثِمَ ولا جزاء عليه في رواية لأحمد، وهو قول
مالك والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم، وفي رواية لأحمد، وهو قول الشافعي في
القديم وابن أبي ذئب، واختاره ابن المنذر وابن نافع من أصحاب مالك، وقال القاضي
عبد الوهّاب: إنَّه الأقيَس، واختاره جماعة بعدهم: فيه الجزاء، وهو كما في حَرَم مكّة.
وقيل: الجزاء في حَرَم المدينة أخْذُ السَّلَب، لحديثٍ صَخَّحَه مسلم (١٣٦٤) عن سعد
ابن أبي وقَّاص، وفي رواية لأبي داود (٢٠٣٧): ((من وَجَدَ أحداً يصيد في حَرَم المدينة
فليَسلُبه)). قال القاضي عياض: لم يَقُل بهذا بعد الصحابة إلَّا الشافعي في القديم. قلت:
واختاره جماعة معه وبعده لصِحّة الخبر فيه، ولمن قال به اختلاف في كيفيته ومَصرِفه،
والذي دَلَّ عليه صنيع سعد عند مسلم وغيره أنَّه كَسَلبِ القتيل، وأنَّه للسالب، لكنَّه لا
يُخْمَّس. وأغرَبَ بعض الحنفيَّة فادَّعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السَّلَب، ثمَّ
استدلَّ بذلك على نَسخ أحاديث تحريم المدينة، ودعوى الإجماع مردودة فبَطَلَ ما تَرَتَّبَ
عليها. قال ابن عبد البَرِّ: لو صَحَّ حديث سعد لم يكن في نَسْخ أخذ السَّلب ما يُسقِط
الأحاديث الصحيحة.
ويجوز أخذ العَلَف، لحديث أبي سعيد في مسلم (١٣٧٤ /٤٧٥): ((ولا يُبَط فيها شجرة
إلَّا لِعَلَفٍ))، ولأبي داود (٢٠٣٥) من طريق أبي حسَّان عن عليّ نحوه، وقال المهلَّب: في
حديث أنس دلالة على أنَّ المنهي عنه في الحديث الماضي مقصور على القطع الذي يَحصُل به
الإفساد، فأمَّا من يَقصِد الإصلاح كمن يَغرِس مثلاً بستاناً فلا يَمتَنِع عليه قطع ما كان
(١) فتوى سعد عنده برقم (١٣٦٤)، وفتوى أبي سعيد برقم (١٣٧٤) (٤٧٨)، وأما فتوى زيد بن ثابت لم
نجدها في مسلم، وهي عند أحمد في «المسند» (٢١٥٧٦).
(٢) كلمة ((فيه)) أثبتناها من (س)، ولم ترد في الأصلين.

٢١٥
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٦٩
فضائل المدينة
بتلك الأرض من شجر يَضُرّ بَقاؤُه. قال: وقيل: بل فيه دلالة على أنَّ النَّهي إنَّما يَتَوَجَّه إلى ما
أنبَتَه الله من الشَّجَر ممَّا لا صُنْع للآدمي فيه، كما ◌ُلَ عليه النَّهي عن قطع شجر مگَّة. وعلى
هذا يُحِمَل قطعُهُ وَّهِ النَّخْلِ وجَعْلُهُ قِبلةَ المسجد، ولا يَلزَم منه النَّسخ المذكور.
قوله: ((لا يُقطَع شجرها)) في رواية يزيد بن هارون: ((لا يُحْتَلَى خَلَاها)»، وفي حديث
جابر عند مسلم (١٣٦٢): ((لا يُقطَع عِضاهُها ولا يُصاد صيدها))، ونحوه عنده (١٣٦٣)
عن سعد.
قوله: ((من أحدَثَ فيها حَدَثاً)) زاد شُعْبة وحَمَّاد بن سَلَمة عن عاصم عند أبي عَوَانة: ((أو
آوى مُحدِثاً))، وهذه الزّيادة صحيحة، إلَّا أنَّ عاصماً لم يسمعها من أنس كما سيأتي بيان ذلك
في كتاب الاعتصام (٧٣٠٦).
قوله: ((فعليه لعنة الله)) فيه جواز لَعْن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لَعْن
الفاسق المعيَّن. وفيه أنَّ المحدِث والمؤوي للمُحدِثِ في الإثم سواء. والمراد بالحَدَثِ
والمحدِث: الظُّلم والظالم على ما قيل، أو ما هو أعمّ من ذلك. قال عياض: واستدلُّوا بهذا
على أنَّ الحَدَث في المدينة من الكبائر، والمراد بلَعْنة الملائكة والناس: المبالَغة في الإبعاد عن
رحمة الله. قال: والمراد باللَّعنِ هنا: العذاب الذي يَستَحِقّه على ذَنْبه في أوَّل الأمر، وليس
هو كلَعْن الكافر.
١٨٦٨ - حذَّثنا أبو مَعمَرٍ، حذَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي التَّاحِ، عن أنسٍ ﴾: قَدِمَ النبيُّ
وَّ المدينةَ وأمَرَ بيناءِ المسجدِ، فقال: ((يا بني النَّجّار، ثامِنُوني)) فقالوا: لا نَطلُبُ ثَمَنَه إلا إلى
الله، فأمَرَ بقُبورِ المشرِكِين فُتُبِشَت، ثمَّ بالخِرَبِ فسوِّيَت، وبِالنَّخلِ فقُطِعَ، فصَفْوا النَّخْلَ قِلةً
المسجد.
١٨٦٩ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن عُبيد الله بنِ
عمَرَ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هريرةَ عَّ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((حُرِّمَ ما بينَ لابَتَي المدينة على
لساني)) قال: وأتى النبيُّ ◌َّه بني حارثةَ، فقال: ((أَراكم يا بني حارثةَ قد خرجتُم من الحَرَم)»،

٢١٦
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ التَفَتَ فقال: ((بل أنتُم فيه)).
[طرفه في: ١٨٧٣]
١٨٧٠- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ بِشَارِ، حدَّثنا عبدُ الرحمن، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن
إبراهيمَ التَّيميِّ، عن أبيه، عن عليٍّ ﴾، قال: ما عندَنا شيءٌ إلا كتابُ الله وهذه الصحيفةُ عن
النبيِّ وَِّ: ((المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عائٍ إلى كذا، مَن أحدَثَ فيها حَدَثاً أو آوى تُحدِثاً، فعليه لعنةُ الله
والملائكة والناس أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ))، وقال: («زِمّةُ المسلمين واحدةٌ، فمَن
أخفَرَ مسلماً فعليه لَعنةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ، ومَن تَوَلَّى
قوماً بغيرِ إذنٍ مَواليهِ فعليه لَعنَةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ، لا يُقبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدلٌ)).
قال أبو عبد الله: عَدْلٌ: فداءٌ.
الحديث الثاني: حديث أنس في بناء المسجد، أوردَ منه طرفاً، وقد مضى في الصلاة
(٤٢٨)، وسيأتي بتمامه في أوَّل المغازي(١) إن شاء الله تعالى، وقد بيَّنتُ المراد بإيراده هنا في
الكلام على الحديث الأوَّل، وهو أنَّ ذلك كان قبل التحريم.
الحديث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله)) هو ابن أبي أُوَيس، وأخوه اسمه عبد الحميد،
وسلیمان: هو ابن بلال، وقد سمع إسماعيل منه، وروى كثيراً عن أخيه عنه، والإسناد كلّه
مدنیون.
قوله: ((عن سعيد المقبري عن أبي هريرة)) قال الإسماعيلي: رواه جماعة عن عُبيد الله
هكذا، وقال عبدة بن سليمان: عن عُبيد الله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، زاد فيه:
عن أبيه.
قوله: ((حُرِّمَ ما بين لابَتَي المدينة)) كذا للأكثر بضمٍّ أوَّل ((حُرِّمَ)) على البناء لمَا لم يُسمَّ
فاعله، وفي رواية المُستَمْلي: ((حَرَّمَ)) بفتحتَين، على أنَّه خبر مقدَّم، و((ما بين لابَتَي المدينة))
(١) هو في كتاب مناقب الأنصار كما أشرنا إلى ذلك قبل صفحتين.

٢١٧
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٧٠
فضائل المدينة
المبتَدَأ، ويُؤيِّد الأوَّل ما رواه أحمد (٨٨٨٧) عن محمد بن عُبَيد عن عُبَيد الله بن عمر في هذا
الحديث بلفظ: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ حَرَّمَ على لساني ما بين لابَتَي المدينة))، ونحوه للإسماعيلي
من طريق أنس بن عياض عن عُبَيد الله، وقد تقدَّم القول في اللّابَتَينِ في الحديث الأوَّل،
وزاد مسلم (٤٧٢/١٣٧٢) في بعض طرقه: وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حِى،/ ٨٥/٤
وروى أبو داود (٢٠٣٦) من حديث عَديِّ بن زيد قال: حَى رسول الله ◌َليل كلّ ناحية من
المدينة بريداً بَرِيداً، لا يُخْبَط شجره ولا يُعضَد إلَّ ما يُساق به الجمل.
قوله: ((وأتى النبي ◌َّ﴿ بني حارثة)) في رواية الإسماعيلي: ثمَّ جاء بني حارثة وهم في سند
الحَّة، أي: في الجانب المرتَفِع منها، وبنو حارثة بمُهمَلةٍ ومُثلَّثة: بطن مشهور من الأوس،
وهو حارثة بن الحارث بن الخَزَرَج بن عَمْرو بن مالك بن الأوس، وكان بنو حارثة في
الجاهلية وبنو عبد الأشهل في دارٍ واحدة، ثمَّ وَقَعَت بينهم الحَرْب، فانهزَمَت بنو حارثة إلى
خَيْبِر فسَكَنوها، ثمَّ اصطَلَحوا فَرَجَعَ بنو حارثة فلم يَنزِلوا في دار بني عبد الأشهَل،
وسكنوا في دارهم هذه، وهي غربي مَشهَد حمزة.
قوله: ((بل أنْتُم فيه)) زاد الإسماعيلي: ((بل أنتُم فيه)) أعادها تأكيداً. وفي هذا الحديث
جواز الْجَزْم بما يَغْلِب على الظنّ، وإذا تَبيَّن أنَّ اليقين على خلافه رَجَعَ عنه.
الحديث الرابع:
قوله: ((حدَّثنا عبد الرحمن)) هو ابن مَهْدي، وسفيان: هو الثَّوري.
قوله: ((عن أبيه)) هو يزيد بن شَرِيك بن طارق التيمي، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين
كوفيون في نَسَق، وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمَش عنه، وخالَفَهم شُعْبة، فرواه عن
الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي، أخرجه أحمد (١٢٩٧)
والنَّسائي (٤٢٧٧)، قال الدّار قُطْني في ((العلل)): والصواب رواية الثَّوري ومن تَّبِعَه.
قوله: ((ما عندنا شيءٌ)) أي: مكتوب، وإلَّا فكان عندهم أشياء من السُّنّة سوی الکتاب،
أو المنفيُّ شيء اختَصُّوا به عن الناس. وسبب قول عليٍّ هذا يَظهَر بما أخرجه أحمد (٩٥٩)

٢١٨
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق قتادة عن أبي حسَّان الأعرَجِ: أنَّ علياً كان يأمر بالأمر، فيقال له: قد فعلناه،
فيقول: صَدَقَ الله ورسوله، فقال له الأشتَر: إنَّ هذا الذي تقول، أهو شيء عَهِدَه إليك
رسول الله وَّ؟ قال: ما عَهِدَ إليَّ شيئاً خاصَّة دون الناس، إلَّا شيئاً سمعته منه، فهو في
صحيفة في قِرابٍ سَيفي، فلم يزالوا به حتَّى أخرج الصحيفة فإذا فيها ... فذكر الحديث،
وزاد فيه: ((المؤمنونَ تَتكافَأَ دِماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ألا
لا يُقتَل مُؤمِن بكافٍ، ولا ذو عهد في عهده))، وقال فيه: ((إنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَّة، وإِنِ أُحَرِّم
ما بين حَرَّتَيها وحِماها كلَّه، لا يُخْتَلَى خَلاها، ولا يُنفَّر صيدُها، ولا تُلَقَطْ لُقَطَتها، ولا يُقْطَع
منها شجرة إلَّا أن يَعلِف رجل بعيره، ولا يُحمَل فيها السِّلاح لقتالٍ))، والباقي نحوه،
وأخرجه الدّار قُطني(١) من وجه آخر عن قَتَادةَ عن أبي حسَّان عن الأشتَر عن علي.
ولأحمد (٩٩٣) وأبي داود (٤٥٣٠) والنَّسائي (٤٧٣٤) من طريق سعيد بن أبي عَروبَةَ
عن قَتَادةَ عن الحسن عن قيس بن عُبَاد قال: انطَلَقت أنا والأشتَر إلى عليّ فقلنا: هل عَهِدَ
إليك رسول الله وَل﴿ شيئاً لم يَعهَده إلى الناس عامّة؟ قال: لا، إلّا ما في كتابي هذا، قال:
وكتاب(٢) في قِراب سَيفه، فإذا فيه: ((المؤمِنونَ تَتكافَأَ دِماؤُهم)) فذكر مثل ما تقدَّم إلى قوله:
((في عهده من أحدَثَ حَدَثاً - إلى قوله - أجمعينَ))، ولم يَذْكُر بقية الحديث، ولمسلم
(٤٣/١٩٧٨) من طريق أبي الطَّفَيل: كنت عند عليّ فأتاه رجل، فقال: ما كان النبي وَّل
يُسِرّ إليك؟ فَغَضِبَ، ثمَّ قال: ما كان يُسِرّ إليَّ شيئاً يَكتُمه عن الناس، غير أنَّه حدَّثني
بكلماتٍ أربع، وفي رواية له (١٩٧٨ /٤٥): ما خَصَّنا بشيءٍ لم يَعُمَّ به الناس كافّة إلّا ما كان
في قِراب سَيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوباً فيها: ((لَعَنَ الله من ذَبَحَ لغير الله، ولَعَنَ الله
من سَرَقَ مَنارَ الأرض، ولَعَنَ الله من لَعَنَ والده، ولَعَنَ الله من آوى مُحدِثً»، وقد تقدَّم في
كتاب العلم (١١١) من طريق أبي جُحَيفةَ، قلت لعليٍّ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلَّا
(١) ذكره في ((العلل)) (س ٤٩٨).
(٢) في (أ): قال: فرأيت ما في قراب سيفه، والمثبت من (ع) و(س)، وهو الموافق لما في رواية الإمام أحمد في
((المسند)).

٢١٩
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٧٠
فضائل المدينة
كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه
الصحيفة؟ قال: العقل، وفِكاك الأسير، ولا يُقتَل مسلم بكافرٍ. والجمع بين هذه الأخبار
أنَّ الصحيفة المذكورة كانت مُشتَمِلة على مجموع ما ذُكِرٍ، فنقل كلَّ راوٍ بعضَها، وأتمّها
سياقاً طريق أبي حسَّان كما ترى، والله أعلم.
قوله: ((المدينة حَرَم)) كذا أوردَه مُختصَراً، وسيأتي في الجِزية (٣١٧٢) بزيادةٍ في أوَّله: قال: ٨٦/٤
فيها الجِراحات وأسنان الإبل.
قوله: ((من أحدَثَ فيها حَدَثاً)) يُقيَّد به مُطلَق ما تقدَّم في رواية قيس بن عُبَاد، وأنَّ ذلك
يَختصُّ بالمدينة لفضلها وشَرَفها.
قوله: ((لا يُقبل منه صَرْف ولا عَدْل)) بفتح أوَّلهما، واختُلِفَ في تفسيرهما، فعند الجمهور
الصَّرف: الفريضة، والعَدل: النافلة، ورواه ابن خُزيمة بإسناد صحيح عن الثَّوري، وعن
الحسن البصري بالعكس، وعن الأصمعي: الصَّرف: التوبة، والعَدل: الفِذْية، وعن يونس
مثله، لكن قال: الصَّرف: الاكتِساب، وعن أبي عُبيدة مثله، لكن قال: العَدل: الحيلة،
وقيل: المِثْل، وقيل: الصَّرف: الدّية، والعَدل: الزِّيادة عليها، وقيل بالعكس، وحكى
صاحب ((المحكم)) الصَّرف: الوزن، والعَدل: الكَيل، وقيل: الصَّرف: القيمة، والعَدل:
الاستقامة، وقيل: الصَّرف: الدّية، والعَدل: البديل، وقيل: الصَّرف: الشَّفاعة، والعَدل:
الفِدْية، لأنها تُعادل الدّية، وبهذا الأخير جَزَمَ البيضاوي، وقيل: الصَّرف: الرِّشوة،
والعَدل: الكَفيل، قاله أبان بن تَغْلِب(١) وأنشَد:
لا تَقبلُ الصَّرفَ وهاتوا عَدْلاً
فحَصَلْنا على أكثر من عشرة أقوال، وقد وقع في آخر الحديث في رواية المُستَمْلي:
((قال أبو عبد الله: عَدْل: فِداء))، وهذا موافق لتفسير الأصمعي، والله أعلم. قال عياض:
معناه: لا يُقبل قَبُولَ رِضاً وإن قُبِلَ قَبُولَ جزاء، وقيل: يكون القَبُول هنا بمعنى تكفير
(١) تصحفت في (س) إلى: ثعلب.

٢٢٠
باب ١ / ح ١٨٦٨ - ١٨٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
الذَّنب بهما، وقد يكون معنى الفِدْية أنَّه لا يَجِد يوم القيامة فِدِى يَفتَدي به، بخلاف غيره
من المذنبین بأن یفدیه من النار بيهودي أو نصراني، کما رواه مسلم (٢٧٦٧) من حديث أبي
موسى الأشعري.
وفي الحديث رَدّ لمَا تَدَّعيه الشّيعة بأنَّه كان عند عليّ وآل بيته من النبي ◌َّلِ أُمور كثيرة
أعلمَه بها سِرّاً تَشتَمِل على كثير من قواعد الدّين وأُمور الإمارة. وفيه جواز كتابة العلم.
قوله: ((ذِمَّة المسلمين واحدة)) أي أمانهم صحيح، فإذا أمَّنَ الكافرَ واحدٌ منهم حَرُمَ على
غيره التعَرُّض له. وللأمان شُروط معروفة. وقال البيضاوي: الذِّمّة: العهد، سُمّي بها لأنه
يُذَمّ مُتَعاطيها على إضاعتها.
وقوله: ((يَسعَى بها))(١) أي: يَتَوَلّاها ويذهب ويجيء، والمعنى: أنَّ ذِمّة المسلمين سواءٌ
صَدَرَت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمَّنَ أحد من المسلمين كافراً وأعطاه
ذِمَّتَه لم يكن لأحدٍ نَقضُه، فَيَستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحُرّ والعبد، لأنَّ المسلمين
كَنفسٍ واحدة، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الجِزية والموادعة (٣١٧٢).
وقوله: ((فمن أخفَرَ)) بالخاءِ المعجمة والفاء، أي: نَفَضَ العهد، يقال: خَفَرته بغير ألف،
أي: أمَّنته، وأخفَرتُه: نَقَضتُ عهدَه.
قوله: ((ومن تَوَلَّى قوماً بغير إذن موَاليه)) لم يَجَعَل الإذن شرطاً لجواز الادِّعاء، وإنَّما هو
التأكيد التحريم، لأنه إذا استأذنَهم في ذلك مَنَعوه وحالوا بينه وبين ذلك، قاله الخطَّابي
وغيره، ويحتمل أن يكون كَنّى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جازَ له الانتماء إلى مولاه
الثاني، وهو غير مولاه الأوَّل، أو المراد: موالاة الحِلف، فإذا أراد الانتقال عنه لا يَنتَقِّل إلَّا
بإذنٍ. وقال البيضاوي: الظاهر أنَّه أراد به ولاء العِتق، لعَطِفِه على قوله: ((من ادَّعى إلى غير
أبيه))، والجمع بينهما بالوعيد، فإنَّ العِتق من حيثُ إنَّه لحمة كَلُحمة النسب، فإذا نُسِبَ إلى
(١) هذه العبارة ستأتي عند البخاري في الحديث (٣١٧٩)، وآثر الحافظ بيانها هنا لاتصالها بالعبارة التي
قبلها: «ذمة المسلمین واحدة».