النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
باب ٢٣ / ح ١٨٥٣ - ١٨٥٤
أبواب جزاء الصيد ونحوه
فأخبر الفضلُ أنَّه لم يَزَل يُلبّي حتَّى رَمَى الجَمْرةَ، فكأنَّ الفضل حدَّثَ أخاه بما شاهده في
تلك الحالة. ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رَمْي جَمْرة العَقَبة فحَضَرَه ابن
عبَّاس، فنقله تارةً عن أخيه لكونِه صاحبَ القصَّة وتارةً عَّا شاهده، ويُؤيِّد ذلك ما وقع
عند التِّرمِذي (٨٨٥) وأحمد (٥٦٢) وابنه عبد الله (٥٦٤) والطّبري (٢٩٠/٢) من حديث
عليّ، ممّاً يدلّ على أنَّ السُّؤال المذكور وقع عند المَنحَر بعد الفراغ من الرَّمي، وأنَّ العبَّاس
كان شاهداً، ولفظ أحمد عندهم من طريق عُبيد الله بن أبي رافع عن عليّ قال: وَقَفَ
رسولُ الله ◌َّهِ بِعَرَفة فقال: ((هذه عَرَفةُ وهذا الموقِف)) فذكر الحديث، وفيه: ثمَّ أتى الجَمْرة
فَرَماها، ثمَّ أتى المنحَر، فقال: ((هذا المنحَر وكلُّ مِنِّى مَنحَرٌ)) واستَفتَتْه، وفي رواية عبد الله:
ثُمَّ جاءته جارية شابّة من خَتْعَمَ، فقالت: إنَّ أبي شيخ كبير قد أدرَكَته فريضة الله في الحج،
أفْيُجزِئ أن أحجّ عنه؟ قال: ((حُجّي عن أبيك))، قال: ولَوَى عُنُق الفضل، فقال العبَّاس:
يا رسول الله، لَوَيتَ عنقَ ابن عمِّك، قال: ((رأيت شابّاً وشابة فلم آمَنْ عليهما الشيطانَ))،
وظاهر هذا أنَّ العبّاس كان حاضراً لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضاً كان معه.
تنبيه: لم يَسُق المصنِّف لفظ رواية ابن جُرَيج، بل تَحوَّلَ إلى إسناد عبد العزيز بن أبي
سَلَمة، وساق الحديث على لفظه كعادته، وبقية حديث ابن جُرَيج: أنَّ امرأة جاءت إلى
النبيِ رَله فقالت: إنَّ أبي أدرَكَه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يَركَب البعير، أفأحجُّ
عنه؟ قال: ((حُجّي عنه))، أخرجه أبو مسلم الكَجّي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه،
والطبراني (١٨/ ٧٢٠) عن أبي مسلم كذلك، وأخرجه مسلم (١٣٣٥) من وجه آخر عن
ابن جُرَيج فقال: إنَّ امرأة من خَتعَمَ قالت: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله
في الحج ... الحديث.
قوله: ((عام حجَّة الوداع)) في رواية شعيب الآتية في الاستئذان (٦٢٢٨): ((يوم النَّحر))،
وللنَّسائي (٢٦٣٥) من طريق ابن عُيَينةَ عن ابن شهاب: ((غَدَاة جمع))، وسيأتي بقية الكلام
علیه في الباب الذي بعده.

١٨٢
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤ - باب حجِّ المرأة عن الرجل
١٨٥٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالك، عن ابنِ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن
عبد الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان الفضلُ رَدِيفَ النبيِّ وَّةِ، فجاءتِ امرأةٌ من
خَتعَمَ، فجَعَلَ الفضلُ يَنظُرُ إليها وتَنظُرُّ إليه، فَجَعَلَ النبيُّ ◌ِلَ يَصِرِفُ وجهَ الفضلِ إلى الشِّقِّ
الآخرِ، فقالت: إنَّ فريضةَ الله أدرَكَت أبي شيخاً كبيراً، لا يَثْبُتُّ على الراحلةِ، أفأحجُ عنه؟
قال: ((نعم))، وذلك في حجَّة الوداع.
قوله: ((باب حجّ المرأة عن الرجل)) تقدَّم نقل الخلاف فيه قبل باب.
قوله: ((كان الفضل)) يعني ابن عبّاس، وهو أخو عبد الله، وكان أكبر ولد العبَّاس، وبه
كان يُكنى.
قوله: ((ردِیف)) زاد شعيب (٦٢٢٨): على عَجُز راحلته.
قوله: ((فجاءته امرأة من خَتْعَمَ)) بفتح المعجمة وسكون المثلَّثة: قبيلة مشهورة.
قوله: ((فجعل الفضل يَنظُر إليها)) في رواية شعيب: وكان الفضل رجلاً وضيئاً - أي
جميلاً - وأقبلَت امرأة من خثعمَ وَضِيئةٌ، فطَفِقَ الفضل يَنظُر إليها وأعجبَه حُسْنُها.
٦٨/٤
قوله: ((يَصِرِف وجه الفضل)) في رواية شعيب: فالتَفَتَ النبي ◌َّهِ والفضل يَنظُر إليها،
فأخلَفَ بيدِه فأخذ بذَقَنِ الفضل فدَفَعَ وجهه عن النَّظَر إليها، وهذا هو المراد بقوله في
حديث عليّ(١): فَلَوَى عُنُق الفضل، ووقع في رواية الطَّبري في حديث علي: وكان الفضل
غلاماً جميلاً، فإذا جاءت الجارية من هذا الشِّقّ صَرَفَ رسول الله وَّه وجه الفضل إلى
الشِّقّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشِّقّ الآخر صَرَفَ وجهه عنه - وقال في آخره -: ((رأيت
غلاماً حَدَثاً وجارية حَدَثة فخَشِيتُ أن يدخل بينهما الشيطان)).
قوله: ((إنَّ فريضة الله أدرَكَت أبي شيخاً كبيراً)) في رواية عبد العزيز (١٨٥٤) وشعيب
(٦٢٢٨): إنَّ فريضة الله على عباده في الحج، وفي رواية النَّسائي (٥٣٩٣) من طريق يحيى بن
(١) سلف تخريجه عند الحافظ في الباب الذي قبله.

١٨٣
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
أبواب جزاء الصيد ونحوه
أبي إسحاق عن سليمان بن يَسار: إنَّ أبي أدرَكَه الحج، واتَّفَقَت الروايات كلّها عن ابن شهاب
على أنَّ السائلة كانت امرأةً وأنَّها سألت عن أبيها، وخالَفَه يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان،
فاتَّفَقَ الرُّواة عنه على أنَّ السائل رجلٌ، ثمَّ اختَلَفوا عليه في إسناده ومتنه، أمَّا إسناده فقال
مُشَیم عنه: عن سلیمان عن عبد الله بن عباس، وقال محمد بن سیرین عنه: عن سليمان عن
الفضل، أخرجهما النَّسائي (٥٣٩٣, ٥٣٩٤)، وقال ابن عُليَّة عنه: عن سليمان حدَّثني أحد
ابنَي العبّاس إمّا الفضل وإمّا عبد الله، أخرجه أحمد (٣٣٧٧). وأمَّا المتن فقال هُشَيم: إنَّ
رجلاً سأل فقال: إنَّ أبي مات، وقال ابن سيرين: فجاء رجل فقال: إنَّ أُمّي عَجوز كبيرة،
وقال ابن عُليَّة: فجاء رجل فقال: إنَّ أبي أو أُمّي، وخالَفَ الجميع مَعمَرٌ (١) عن يحيى بن أبي
إسحاق فقال في روايته: إنَّ امرأة سألت عن أُمّها، وهذا الاختلاف كلّه عن سليمان بن يسار.
فأحبَبْنا أن نَنظُر في سياق غيره، فإذا كُرَيب قد رواه عن ابن عبّاس عن حُصَين بن
عوف الخَفْعَمي قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ أبي أدرَكَه الحج، وإذا عطاء الخُراساني قد
روى عن أبي الغَوْث بن حُصَين الخَثْعَمي: أنَّه استَفتى النبيَّ ◌َّه عن حجَّة كانت على أبيه،
أخرجهما ابن ماجه (٢٩٠٨ و٢٩٠٥). والرواية الأولى أقوى إسناداً(٢)، وهذا يوافق رواية
هُشَيم في أنَّ السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبراني (٧٥٩/١٨)
من طريق عبد الله بن شَدّاد عن الفضل بن عبَّاس: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ أبي
شيخ كبير، ويوافقهما مُرسَل الحسن عند ابن خُزيمة (٣٠٣٧) فإنَّه أخرجه من طريق عوف
عن الحسن قال: بَلَغَني أنَّ رسول الله وَّل أتاه رجل فقال: إنَّ أبي شيخ كبير أدرَكَ الإسلامَ
لم يحجّ ... الحديث، ثمَّ ساقه (٣٠٣٨) من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة،
قال مثله. إلَّا أنَّه قال: إنَّ السائل سأل عن أُمّه. قلت: وهذا يوافق رواية ابن سيرين أيضاً
عن يحيى بن أبي إسحاق كما تقدَّم.
(١) أخرجه أبو يعلى (٦٧٣٧).
(٢) الرواية الأولى في إسنادها محمد بن كريب، قال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف، وفي الثانية: عثمان بن
عطاء الخراساني وهو ضعيف أيضاً.

١٨٤
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
والذي يَظهَر لي من مجموع هذه الطّرق أنَّ السائل رجلٌ وكانت ابنتُه معه فسألت
أيضاً، والمسؤول عنه أبو الرجل وأُمّه جميعاً، ويُقرِّب ذلك ما رواه أبو يعلى (٦٧٣١) بإسناد
قوي من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس عن الفضل بن عبّاس قال: كنت رِدْف النبي
وَلَه وأعرابيُّ معه بنت له حَسْناء، فجعل الأعرابي يَعرِضها لرسول الله وَ له رجاء أن
يتزوَّجها، وجَعَلتُ التَفِتُ إليها، ويأخُذ النبي ◌َِّ برأسي فيَلويه، فكان يُلِّ حتَّى رَمی
جَمْرة العَقَبة، فعلى هذا فقول الشابّة: إنَّ أبي، لعلَّها أرادت به جَدّها، لأنَّ أباها كان معها،
وكأنَّه أمرها أن تَسأل النبي ◌َّهِ ليسمع كلامها ويَراها رجاء أن يتزوَّجها، فلمَّا لم يَرضَها
سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يَسأل أيضاً عن أُمّه. وتَحصَّلَ من هذه الروايات أنَّ اسم
الرجل حُصَيْنُ بن عوف الْخَثْعَمي، وأمَّا ما وقع في الرواية الأُخرى أنَّه أبو الغَوث بن
حُصَين فإنَّ إسنادها ضعيف، ولعلَّه كان فيه: عن أبي الغَوث حُصَين، فزيدَ في الرواية:
ابن، أو أنَّ أبا الغَوث أيضاً كان مع أبيه حُصَين، فسأل كما سأل أبوه وأُخته، والله أعلم.
٦٩/٤
ووقع السُّؤال عن هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رَزِين - بفتح الراء وكسر
الزاي - العُقَيلي بالتصغير، واسمه: لَقِيط بن عامر، ففي ((السُّنن))(١) و ((صحيح ابن خُزيمة))
(٣٠٤٠) وغيرهما من حديثه أنَّه قال: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا
العمرةَ، قال: ((حُجَّ عن أبيك واعتَمِر))، وهذه قصَّة أُخرى، ومن وحَّدَ بينها وبين حديث
الخَفْعَمي فقد أبعَد وتكلَّفَ.
قوله: ((شيخاً كبيراً لا يَثبُت على الراحلة)) قال الطِّيبي: ((شيخاً)) حال، و((لا يَثبُت)) صفة
له، ويحتمل أن يكون حالاً أيضاً ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى: أنَّه وَجَبَ عليه
الحج بأن أسلمَ وهو بهذه الصِّفة. وقوله: لا يَثبُت، وقع في رواية عبد العزيز (١٨٥٤)
وشعيب (٦٢٢٨): لا يستطيع أن يَستوي، وفي رواية ابن عُيَينةَ(٢): لا يَستَمسِك على
(١) أبو داود (١٨١٠)، وابن ماجه (٢٩٠٦)، والترمذي (٩٣٠)، والنسائي (٢٦٢١) و(٢٦٣٧)، وانظر
تتمة تخريجه في «مسند أحمد)) (١٦١٨٤).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٩٠) وانظر تتمة تخريجه فيه.

١٨٥
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
أبواب جزاء الصيد ونحوه
الرَّحل، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق(١) من الزِّيادة: وإن شَدَدتُه خَشِيتُ أن يموت، وكذا
في مُرسَل الحسن، وحديث أبي هريرة عند ابن خُزيمة بلفظ: وإن شَدَدتُه بالحبل على
الراحلة خَشيتُ أن أقتُلَه، وهذا يُفهَم منه أنَّ من قَدَرَ على غير هذَينِ الأمرَينِ من الثَّبوت
على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو رُبِطَ، لم يُرخَّص له في الحج عنه، كمن يَقدِر على
تَحمِلٍ موطًا كالِحَفّة(٢).
قوله: ((أفأحجُ عنه؟)) أي: أيجوز لي أن أنُوبَ عنه فأحُجَّ عنه، لأنَّ ما بعد الفاء الدّاخلة
عليها الهمزة معطوف على مقدَّر، وفي رواية عبد العزيز وشعيب: فهل يقضي عنه، وفي
حديث عليّ(٣): هل يُزِئ عنه.
قوله: ((قال: نعم)) في حديث أبي هريرة فقال: ((احجُج عن أبيك)).
وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير، واستدلَّ الكوفيون بعمومه على
جواز صِحّة حجٍّ من لم يحجَّ نيابةً عن غيره، وخالَفَهم الجمهور فخَصُّوه بمن حجّ عن
نفسه، واستَدلّوا بما في ((السُّنن))(٤) و((صحيح ابن خُزيمة)) (٣٠٣٩) وغيره من حديث ابن
عبَّاس أيضاً: أنَّ النبيِ ◌ّه رأى رجلاً يُلّي عن شُبْرُمةَ، فقال: ((أحَجَجتَ عن نفسك؟))
فقال: لا، قال: ((هذه عن نفسِك ثمَّ احجُجْ عن شُبْرُمةَ)).
واستُدلَّ به على أنَّ الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنَّفس، وعَكَسَهُ بعض المالكية
فقال: من لم يَستَطِع بنفسه لم يُلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّ ذلك وقع من
السائل على جهة التبرُّع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوبُ، وبأنَها عبادة بَدَنية
فلا تَصِحّ النّيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطَّبري وغيرُه الإجماع على أنَّ النّيابة لا تَدخُل في
الصلاة، قالوا: ولأنَّ العبادات فُرِضَت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجَد في العبادات
(١) عند النسائي (٥٣٩٣).
(٢) المحفة: مركب من مراكب النساء كالهودج، إلا أنها تُقَبّب كما تقبَّب الهوادج.
(٣) سلف تخريجه عند الحافظ تحت الحديث رقم (١٨٥٤).
(٤) أخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وانظر تتمة تخريجه في ((صحيح)) ابن حبان (٣٩٨٨).

١٨٦
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
البَدَنية إلَّا بإتعاب البَدَن، فِه يَظهَر الانقياد أو النُّفُور، بخلاف الزكاة فإنَّ الابتلاء فيها
بنقصِ المال، وهو حاصل بالنَّفْسِ وبالغير. وأُجيب بأنَّ قياس الحج على الصلاة لا يَصِحّ،
لأنَّ عبادة الحج مالية بَدَنية معاً، فلا يَترجَّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال
المازَرِيّ: من غَلَّبَ حُكم البَدَن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حُكم المال ألحقه
بالصَّدَقة. وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به، ولم يحيزوا ذلك في الصلاة. وبأنَّ
حَصْر الابتلاء في المباشَرة ممنوع، لأنه يوجَد مِن الآمِر من بَذْلِه المال في الأُجرة.
وقال عياض: لا حُجّة للمخالفِ في حديث الباب لأنَّ قوله: إنَّ فريضة الله على عباده،
إلى آخره، معناه: أنَّ إلزام الله عباده بالحجِّ الذي وقع بشرط الاستطاعة صادفَ أبي بصفةٍ
مَن لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟ أي هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجر ومَنفَعة؟ فقال:
(نعم). وتُعُقِّبَ بأنَّ في بعض طرقه التصريح بالسُّؤال عن الإجزاء فيَتِمّ الاستدلال، وتقدَّم
في بعض طرق مسلم (١٣٣٤): إنَّ أبي عليه فريضة الله في الحج، ولأحمد (١٦١٢٥) في
رواية: والحج مكتوب عليه.
وادَّعى بعضهم أنَّ هذه القصَّة مُخْتَصّة بالخَثْعَمية كما اختصَّ سالم مولى أبي حُذَيفة
بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البَرّ، وتُعُقِّبَ بأنَّ الأصل عَدَم الخصوصيّة، واحتَجَّ
بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب ((الواضحة)) بإسنادينِ مُرسَلَينِ، فزاد
في الحديث: ((حُجَّ عنه، وليس لأحدٍ بعده))، ولا حُجّة فيه لضعف الإسنادينِ مع إرسالهما.
٧٠/٤ وقد عارضَه قوله في حديث الجُهَنية (١٨٥٢)/ الماضي في الباب: ((اقضوا الله، فالله أحقّ
بالوفاء)»، وادَّعى آخرون منهم أنَّ ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه، ولا يخفى أنَّه ◌ُود.
وقال القُرطُبي: رأى مالك أنَّ ظاهرَ حديث الخثعَمية مخالف لظاهر القرآن فَرَجَّحَ ظاهر
القرآن، ولا شكَّ في ترجيحه من جهة تواتُره ومن جهة أنَّ القول المذكور قول امرأة ظَنَّت
ظنّاً، قال: ولا يقال: قد أجابها النبي ◌َّ على سؤالها، ولو كان ظَنّها غَلَطاً لَبيَّنْه لها، لأنَّا
نقول: إنَّما أجابها عن قولها: أفأحجُّ عنه؟ فقال: ((حُجّي عنه)) لمَا رأى من حِرصِها على
إيصال الخير والثَّواب لأبيها. انتهى، وتُعُقِّبَ بأنَّ في تقرير النبي ◌َّ لها على ذلك حُجّة

١٨٧
باب ٢٤ / ح ١٨٥٥
أبواب جزاء الصيد ونحوه
ظاهرة، وأمَّا ما رواه عبد الرزاق(١) من حديث ابن عبّاس فزاد في الحديث: ((حُجّ عن أبيك
فإن لم يَزِده خيراً لم يَزِدِه شَرّاً) فقد جَزَمَ الحُفّاظ بأنَّها رواية شاذّة، وعلى تقدير صِحَّتها فلا
حُجّة فيها للمخالف.
ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقرَّ الوجوبُ في ذِمَّته قبل العَضْب أو طَرَأ
عليه، خلافاً للحنفية، وللجُمهور ظاهر قصَّة الخثعَمية. وأنَّ من حجّ عن غيره وقع الحج
عن المستَنيب، خلافاً لمحمد بن الحسن فقال: يقع عن المباشِر، وللمحجوج عنه أجر النَّفقة.
واختَلَفوا فيما إذا عُوفي(٢) المعضوب، فقال الجمهور: لا يُحِزِئه، لأنه تَبيَّن أنَّه لم يكن
میؤوساً منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تَلزَمه الإعادة لئلا يُفضي إلى إيجاب حجَّتين.
واتَّفَقَ من أجاز النّيابة في الحج على أنَّها لا تُجزِئ في الفرض إلَّا عن موت أو عَضْب،
فلا يدخل المريض لأنه يُرجى بُرؤُه، ولا المجنون لأنه تُرجى إفاقَته، ولا المحبوس لأنه
يُرجى خَلاصُه، ولا الفقير لأنه يُمكِن استغناؤه، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: جواز الارتِداف، وسيأتي مبسوطاً قُبَيل كتاب الأدب
(٥٩٦٧)، وارتدافُ المرأة مع الرجل، وتواضُع النبي ◌ََّ، ومنزلة الفضل بن عبّاس منه،
وبيان ما رُكِّبَ في الآدمي من الشَّهوة وُجُبِلَت طِباعُه عليه من النَّظَر إلى الصّوَر الحسنة.
وفيه منع النَّظَر إلى الأجنبيات وغَضّ البَصَر، قال عياض: وزَعَمَ بعضهم أنَّه غير واجب
إلَّا عند خَشْية الفتنة، قال: وعندي أنَّ فِعلَه ◌َّهِ إِذ غَطّى وجه الفضل أبلَغُ من القول، ثمَّ
قال: لعلَّ الفضل لم يَنظُر نظراً يُنكَرِ، بل خَشِيَ عليه أن يؤولَ إلى ذلك، أو كان قبل نزول
الأمر بإدناءِ الجَلابيب. ويُؤخَذ منه التفريق بين الرجال والنِّساء خَشْيةَ الفتنة، وجواز كلام
المرأة وسماع صوتها للأجانبِ عند الضَّرورة كالاستفتاءِ عن العلم والترافُع في الحكم
والمعاملة.
(١) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن ماجه (٢٩٠٤)، والطبراني (١٣٠٠٩)، وأبو نعيم في ((الحلية))
١٠٠/٤.
(٢) تحرف في (س) إلى: أذاعوا في.

١٨٨
باب ٢٥ / ح ١٨٥٦ - ١٨٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه أنَّ إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كَشفُه في الإحرام، وروى أحمد (٣٠٤١)
وابن خُزيمة (٢٨٣٤) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّ النبي ◌َّ قال للفضل حين غَطّى
وجهه يوم عَرَفة: «هذا يومٌ مَن مَلَكَ فيه سمعَه وبصرَه ولسانَه غُفِرَ له)).
وفي هذا الحديث أيضاً النِّيابة في السُّؤال عن العلم حتَّى من المرأة عن الرجل، وأنَّ
المرأة تحجّ بغير تَحَرَم، وأنَّ المَحْرَم ليس من السَّبيل المشتَرَط في الحج، لكنَّ الذي تقدَّم من
أنَّها كانت مع أبيها قد یرد على ذلك.
وفيه بُّ الوالدَينِ والاعتناء بأمرهما والقيام بمَصالحهما من قضاء دَين وخدمة ونَفَقة
وغير ذلك من أُمور الدّين والدُّنيا.
واستدلَّ به على أنَّ العمرة غير واجبة لكونِ الخثعمية لم تَذكُرها، ولا حُجّة فيه: لأنَّ
مُجرَّد تَرْك السُّؤال لا يدلّ على عَدَم الوجوب لاستفادة ذلك من حُكم الحج، ولاحتمال أن
يكون أبوها قد اعتمَرَ قبل الحج، على أنَّ السُّؤال عن الحج والعمرة قد وقع في حديث أبي
رَزين كما تقدَّم.
وقال ابن العربي: حديث الخثعَمية أصل مُتَّفَق على صِحَّته في الحج، خارجٌ عن القاعدة
المستَقِّة في الشَّريعة من أنه ليس للإنسان إلَّا ما سَعَى، رِفقاً من الله في استدراك ما فَرَّطَ فيه
المرء بوَلَدِه وماله، وتُعُقِّبَ بأنَّه يُمكِن أن يدخل في عموم السَّعي، وبأنَّ عمومَ السَّعي في
الآية مخصوص اتّفاقاً.
٢٥- باب حجّ الصِّبيان
٧١/٤
١٨٥٦ - حدَّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن عُبيد الله بنِ أبي يزيدَ، قال: سمعتُ
ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: بَعَثَنِي - أو قَدَّمَني - النبيُّبِ ◌ّهِ فِي النَّقَلِ من جَمْعٍ بليلٍ.
١٨٥٧ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهابٍ، عن
عمِّه، أخبرني عُبيد الله بنُ عبد الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما
قال: أقبَلتُ وقد ناهَزتُ الخُلُمَ أسِيرُ على أتانٍ لي، ورسولُ الله ◌ِّ قائمٌ يُصلِّی بمِنْی، حتَّى

١٨٩
أبواب جزاء الصيد ونحوه
◌ِرتُ بينَ يَدَي بعضِ الصَّفِّ الأوَّلِ، ثمَّ نزلتُ عنها فَرَتَعَتْ، فصَفَفتُ مع الناس وراءَ
رسول الله آل﴾.
وقال يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ: بمِنّى في حجّة الوَدَاعِ.
١٨٥٨- حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يونسَ، حذَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمَّد بنِ يوسفَ،
عن السائبِ بنِ يزيدَ، قال: حُجَّ بي مع رسولِ الله ◌ِّه وأنا ابنُ سَبِعٍ سنينَ.
١٨٥٩ - حدَّثنا عَمْرو بنُ زُرارةَ، أخبرنا القاسمُ بنُ مالكِ، عن الجُعَيد بنِ عبد الرحمن،
قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبد العزيزِ يقول للسائبِ بنِ يزيدَ، وكان قد حُجَّ به في ثَقَلِ النبيِّ ◌َِّهِ.
[طرفاه في: ٦٧١٢، ٧٣٣٠]
قوله: ((باب حجّ الصِّبيان)) أي: مشروعيته، وكأنَّ الحديث الصَّريحَ فيه ليس على شرط
المصنّف، وهو ما رواه مسلم (١٣٣٦) من طريق كُرَيب عن ابن عبّاس قال: رَفَعَتِ امرأةٌ
صبياً لها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حجّ؟ قال: ((نعم، ولك أجر)). قال ابن بَطَّل: أجمع
أئمَّة الفتوى على سقوط الفرض عن الصَّبي حتَّى يَبلُغ، إلَّا أنَّه إذا حُجَّ به كان له تطوُّعاً
عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يَصِحّ إحرامه ولا يَلزَمه شيء بفعل شيء من محظورات
الإحرام، وإنَّما يُحُجّ به على جهة التدريب. وشَذَّ بعضهم فقال: إذا حجّ الصَّبي أجزأه ذلك
عن حجَّة الإسلام، لظاهر قوله: ((نعم)) في جواب: ألهذا حجّ. وقال الطَّحاوي (٢٥٧/٢):
لا حُجّة فيه لذلك، بل فيه حُجّة على من زَعَمَ أنَّه لا حجّ له، لأنَّ ابن عبّاس راوي الحديث
قال: أیّما غلام حجّ به أهله ثمَّ بَلَغَ فعلیه حجّة أُخرى، ثمَّ ساقه بإسناد صحيح.
ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عبّاس قال: بَعَثَني النبي وَله في الثَّقَل، بفتح المثلثة والقاف، ويجوز
إسكانها، أي: الأمتعة، وقد تقدَّم الكلام عليه (١٦٧٧) في ((باب من قَدَّمَ ضعَفة أهله).
ووجه الدلالة منه هنا أنَّ ابن عيَّاس كان دون البلوغ، ولهذه النُّكتة أردَفَه المصنِّف بحديثه
الآخر المصرِّح فيه بأنَّه كان حينئذٍ قد قاربَ الاحتلام، ثمَّ بيَّن بالطريق المعلّقة أنَّ ذلك وقع

١٩٠
باب ٢٥ / ح ١٨٥٦ - ١٨٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
في حجَّة الوداع، وقد تقدَّم الكلام عليه (٧٦) في ((باب متى يَصِحُّ سماع الصغير)) من كتاب
العلم، وفي ((باب سُترة المصلِي)) من كتاب الصلاة (٤٩٣).
وقوله فيه: ((حدَّثنا إسحاق)) نَسَبه الأَصِيلي وابن السَّكَن: ابن منصور، وقد أخرجه إسحاق
ابن راهويه في («مسنده)) عن يعقوب أيضاً، ومن طريقه أبو نُعيم في ((المستخرَج)) (١١١٦)،
لكن يُرجِّح كونه ابن منصور، أنَّ ابن راهويه لا يُعبِّر عن مشايخه إلَّا بصيغة ((أخبرنا)).
ورواية يونس المعلّقة وَصَلها مسلم (٢٥٥/٥٠٤) من طريق ابن وَهْب عنه، ولفظه: أنَّه
أقبلَ يسير على حمارٍ ورسولُ اللهِ وَلَهِ يُصلِّ بِمِنَّى في حجَّة الوداع ... الحديث، وهو الثاني.
الحديث الثالث:
٧٢/٤
قوله: ((عن محمد بن يوسف)) في رواية الإسماعيلي: حدَّثنا محمد بن يوسف - وهو
الكندي - حَفيد شيخه السائب، وقيل: سِبطه، وقيل: ابن أخيه عبد الله بن يزيد، والسائب
ابن يزيد، أي: ابن سعيد ابن ثُمامة بن الأسوَد الكندي، حَليف بني عبد شَمْس، ويُعرَف
بابن أُخت النَّمِر، والنَّمِر رجل حَضرَمي.
قوله: ((حُجَّ بي)) كذا للأكثر بضمٍّ أوَّله على البناء لمَا لم يُسمَّ فاعله، وقال ابن سعد عن
الواقدي عن حاتم: حجَّت بي أُمّي، وللفاكهي من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن
السائب: حجّ بي أبي، ويُجمع بينهما بأنَّه كان مع أبَوَيه، زاد التِّرمِذي (٩٢٥) عن قُتَيبة عن
حاتم: في حجّة الوداع.
قوله: ((عن الجُعَيد)) بالجيم مُصغَّراً، والقاسم بن مالك: هو المُزَني.
قوله: ((سمعت عمر بن عبد العزيز يقول السائب بن يزيد، وكان قد حُجَّ به في ثَقَل النبي
وَلِ﴾)، لم يَذْكُر مَقُولَ عمر ولا جوابَ السائب، وكأنَّه كان قد سأله عن قَدْر المُدِّ، فسيأتي
في الكفَّارات (٦٧١٢) عن عثمان بن أبي شَيْبة عن القاسم بن مالك، بهذا الإسناد: كان
الصاع على عهد رسول الله وَّ مُدّاً وثُلُناً، فزيدَ فيه في زمن عمر بن عبد العزيز. زاد
الإسماعيلي من هذا الوجه: قال السائب: وقد حُجَّ بي في ثَقَل النبي ◌ََّ وأنا غلام. وقال

١٩١
باب ٢٦ / ح ١٨٦٠
أبواب جزاء الصيد ونحوه
الكِرْماني: اللّام في قوله: للسائب، للتَّعليل؛ أي: سمعت عمر يقول لأجل السائب،
والمقول: وكان السائب، إلى آخره. كذا قال، ولا يخفى بُعدُه، وسيأتي للسائبِ ترجمة في
ءِ
الكلام على خاتم النبوّة (٣٥٤١) إن شاء الله تعالى.
٢٦- باب حجّ النّساء
١٨٦٠ - وقال لي أحمدُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أَذِنَ عمرُ
لأزواج النبيِّ وَّه في آخر حجَّةٍ حجَّها، فبَعَثَ معهنَّ عثمانَ بنَ عَفّانَ وعبد الرحمن.
قوله: ((باب حجّ النِّساء)) أي: هل يُشتَرَط فيه قَدرٌ زائد على حجّ الرجال أو لا؟
ثمَّ أوردَ المصنّف فيه عِدّة أحاديث:
٧٣/٤
الأول: قوله: ((وقال لي أحمد بن محمد: حدَّثنا إبراهيم عن أبيه عن جَدّه قال: أذِنَ عمرُ))
أي: ابن الخطّاب (لأزواج النبي ◌َّ في آخر حجَّة حجّها، فَبَعَثَ معهنَّ عثمان بن عَفّان
وعبد الرحمن)) كذا أوردَه مُختصَراً، ولم يَستَخرِجِه الإسماعيلي ولا أبو نُعيم، ونقل
الحميدي عن البَرْقاني: أنَّ إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف. قال الحميدي: وفيه
نظر، ولم یذكره أبو مسعود. انتهى، والحديث معروف، وقد ساقه ابن سعد (٢٠٨/٨ -
٢٠٩) والبيهقي (٣٢٦/٤-٣٢٧) مُطوَّلاً، وجعل مُغَلْطاي تَنظير الحميدي راجعاً إلى
نسبة إبراهيم، فقال: مراد البَرْقاني بإبراهيم جَدُّ إبراهيم المبهم في رواية البخاري، فظَنَّ
الحميدي أنَّه عينُ إبراهيم الأوَّل، وليس كذلك بل هو جَدّه لأنه إبراهيم بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله: ((وقال لي أحمد بن محمد)) أي: ابن الوليد الأزرَقي.
وقوله: ((أَذِنَ عمر)) ظاهره أنَّه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمر
ومَن ذُكِرَ معه، وإدراكه لذلك يُمكِن لأنَّ عُمُره إذ ذاكَ كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبَتَ
سماعه من عمر يعقوبُ بن شَيْبة وغيره، لکن روی ابن سعد (٢٠٩/٨) هذا الحديث عن
الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جَدّه عن عبد الرحمن بن عوف قال: أرسَلَني

١٩٢
باب ٢٦ / ح ١٨٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
عمر. لكنَّ الواقديَّ لا يُحتَجّ به، فقد رواه البيهقي (٣٢٦/٤-٣٢٧) من طريق عَبْدان،
وابن سعد (٨/ ٢١٠) أيضاً عن الوليد بن عطاء بن الأغرّ المكّي، كلاهما عن إبراهيم بن
سعد، مثل ما قال الأزرقي، ويحتمل أن يكون إبراهيم حَفِظَ أصل القصَّة وحمل تفاصيلها
عن أبيه فلا تَتَخالَف الروايتان، ولعلَّ هذا هو النُّكتة في اقتصار البخاري على أصل
القصّة دون بقیتها.
قوله: ((وعبد الرحمن)) زاد عبدان: عبد الرحمن بن عوف، وكان عثمان يُنادي: ألا لا
يدنو أحد منهنَّ ولا يَنظُر إليهنّ، وهنَّ في الهوادج على الإبل، فإذا نزلنَ أنَزَلهنَّ بصَدْر
الشِّعب فلم يَصعَدْ إليهنَّ أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذَنَبِ الشِّعب، وفي رواية لابن
سعد (٢٠٩/٨): فكان عثمان يسير أمامهنَّ وعبد الرحمن خلفهنَّ، وفي رواية له (٢٠٩/٨-
٢١٠): وعلی هَوادِ جهنَّ الطَّیالسة الخُضر، في إسناده الواقدي، وروى ابن سعد (٢١٠/٩)
أيضاً بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السَّبيعي قال: رأيت نساء النبي ◌َ﴿ حَجَجنَ في
هَوادج عليها الطَّيالسة زمن المغيرة، أي: ابن شُعْبة، والظاهر أنَّه أراد بذلك زمن ولاية
المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها. ولابن سعد (٢٠٩/٨-٢١٠)
أيضاً من حديث أُمّ معبد الخُزراعية قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجّا
بنساءِ النبي ◌َّ﴿ فنزلنَ بِقُدَيد، فدخلت عليهنَّ وهنَّ ثمانٍ. وله (٢٠٩/٨) من حديث
٧٤/٤ عائشة: أنَّهنَّ استأذَنَّ عثمان في الحج، فقال: أنا أحجُ بكُنّ، / فحجّ بنا جميعاً إلَّا زينب كانت
ماتت، وإلَّا سَوْدة، فإنّها لم تَخرُج من بيتها بعد النبي ◌َّه.
وروى أبو داود (١٧٢٢) وأحمد (٢١٩٠٥) من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه،
أنَّ النبي ◌َّ قال لنسائه في حجَّة الوداع: ((هذه، ثمَّ ظُهورَ الحُصُر))، زاد ابن سعد
(٢٠٧/٨-٢٠٨) من حديث أبي هريرة(١): فكُنَّ نساءُ النبي ◌َلّ ◌َحِجُجن، إلَّا زينب وسَوْدة
فقالا: لا تُحرِّكُنا دابّةٌ بعد رسول الله وَّهَ، وإسناد حديث أبي واقد صحيح، وأغرَبَ المهلَّب
فَزَعَمَ أنَّه من وضع الرافضة لقَصْد ذمّ أُمّ المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح
(١) وأخرجه من حديث أبي هريرة أيضاً أحمد برقم (٩٧٦٥)، لكن دون الزيادة التي عند ابن سعد.

١٩٣
باب ٢٦ / ح ١٨٦٠
أبواب جزاء الصيد ونحوه
بين الناس في قصَّة وقعة الجمل، وهو إقدامٌ منه على رَدّ الأحاديث الصحيحة بغير دليل،
والعُذر عن عائشة أنَّها تأوَّلَتِ الحديث المذكور كما تأوَّله غيرها من صواحباتها على أنَّ
المراد بذلك أنَّه لا يجب عليهنَّ غير تلك الحجة، وتأيَّدَ ذلك عندها بقوله ◌ٍَّ: «لكنَّ أفضل
الجهاد الحج والعمرة))(١)، ومن ثَمَّ عَقَّبَه المصنّف بهذا الحديث في هذا الباب، وكأنَّ عمر
كان مُتوقُّفاً في ذلك، ثمَّ ظَهَرَ له الجواز، فأذِنَ لهنَّ، وتَبِعَه على ذلك من ذُكِرَ من
الصحابة، ومن في عصره من غیر نکیر، وروى ابن سعد (٢٠٨/٨) من مُرسَل أبي جعفر
الباقر قال: مَنَعَ عمر أزواج النبي ◌َِّ الحجّ والعمرة، ومن طريق أُمَّ دُرّة عن عائشة قالت:
مَنَعَنا عمرُ الحَجَّ والعمرة، حتَّى إذا كان آخر عام فأَذِنَ لنا، وهو موافق لحديث الباب، وفيه
زيادة على ما في مُرسل أبي جعفر، وهو محمول على ما ذكرناه.
واستدلَّ به على جواز حجّ المرأة بغير تَحَرَم، وسيأتي البحث فيه في الكلام على الحديث
الثالث.
تكملة: روى عمر بن شَبّة هذا الحديث عن سليمان بن داود الهاشمي عن إبراهيم بن
سعد بإسناد آخر، فقال: عن الزّهْري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أُمّ
كُلثوم بنت أبي بكر عن عائشة: أنَّ عمر أذِنَ لأزواج النبي ◌ِّ فحَجَجنَ في آخر حجَّة
حجّها عمر، فلمَّ ارَحَلَ عمر من الحَصْبة من آخر الليل أقبلَ رجل فسَلَّمَ وقال: أين كان
أمير المؤمنين يَنزِل؟ فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله، فأناخَ في منزل عمر، ثمَّ رَفَعَ
عَقِيرْتَهِ يَتَغْنَّى:
عليكَ سلامٌ من أميرٍ وباركَتْ يدُ الله في ذاكَ الأديمِ المُمَزَّقِ
الأبيات. قالت عائشة: فقلت لهم: اعلَموا لي عِلم هذا الرجل، فذهبوا فلم يروا أحداً،
فكانت عائشة تقول: إنّ لأحسبه من الجِنّ.
(١) زيادة لفظ ((العمرة)) ذهول من الحافظ رحمه الله، وإنما جاءت الرواية عند البخاري (١٥٢٠) بلفظ:
((أفضل الجهاد حج مبرور))، و(١٨٦١) بلفظ: ((أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور».

١٩٤
باب ٢٦ / ح ١٨٦١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثاني:
١٨٦١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الواحد، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي عَمْرةَ، قال: حدَّثَتنا عائشةُ
بنتُ طلحةَ، عن عائشةَ أُمّ المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، ألا نَغزُو أو
نُجاهدُ مَعَكم؟ فقال: ((لكُنَّ أحسنُ الجهادِ وأجملُه: الحجُّ، حجّ مَبرورٌ))، فقالت عائشةُ: فلا أدَعُ
الحجّ بعدَ إذ سمعتُ هذا من رسولِ الله ◌َّ﴾.
قوله: «حدّثنا عبد الواحد)» هو ابن زیاد.
قوله: ((عن عائشة)) في رواية زائدة عن حبيب عند الإسماعيلي: حدَّثَتني عائشة.
قوله: ((ألا نَغْزُو أو نجاهد)) هذا شكَّ من الراوي، وهو مُسدَّد شيخ البخاري، وقد
رواه أبو كامل عن أبي عَوَانة شيخ مُسدَّد بلفظ: ألا نَغْزُو معكم، أخرجه الإسماعيلي،
وأغرَبَ الكِرْماني فقال: ليس الغَزو والجهاد بمعنّى واحد، فإنَّ الغَزو القصد إلى القتال،
والجهاد بَذْل النَّفس في القتال، قال: أو ذكر الثاني تأكيداً للأوَّلِ. انتهى، وكأنَّه ظَنَّ أنَّ
الألف تتعلَّق بـ(نغزو)) فشَرَحَ على أنَّ الجهاد معطوف على الغَزْو بالواو، أو جعل ((أو))
بمعنى الواو. وقد أخرجه النَّسائي (٣٦٢٨) من طريق جَرِير عن حبيب بلفظ: ألا نَخرُج
فنُجاهدَ معك، ولابن خُزَيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله، وزاد: فإنّا نَجِد الجهاد
أفضل العمل، وللإسماعيلي من طريق أبي بكر بن عيَّاش عن حبيب: لو جاهَدْنا معك،
قال: ((لا جهاد، ولكن حجّ مبرور))، وقد تقدَّم في أوائل الحج (١٥٢٠) من طريق خالد
عن حبيب بلفظ: نرى الجهاد أفضل العمل، فظهر أنَّ التغاير بين اللَّفْظَينِ من الرُّواة،
فيقوى أنَّ((أو)) للشكّ.
قوله: ((لكُنَّ أحسنُ الجهاد)) تقدَّم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج، وهل هو بلفظ
الاستثناء، أو بلفظ خِطاب النِّسوة؟
قوله: (الحجُّ: حجّ مبرور)» في رواية جَرِیر: (حجّ البیت حج مبرور)»، وسيأتي في الجهاد
(٢٨٧٥) من وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ: استأذنَه نساؤُه في الجهاد، فقال:

١٩٥
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
أبواب جزاء الصيد ونحوه
((يكفيكُنَّ الحج))(١)، ولابن ماجَهْ (٢٩٠١) من طريق محمد بن فُضَيل عن / حبيب: قلت: يا ٧٥/٤
رسول الله، على النِّساء جهاد؟ قال: ((نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)).
قال ابن بَطَّل: زَعَمَ بعض من يُنَقِّص عائشةَ في قصَّة الجمل أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِى
بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يقتضي تحريم السَّفر عليهنَّ، قال: وهذا الحديث يردّ عليهم، لأنه
قال: ((لكنَّ أفضل الجهاد)) فدَلَّ على أنَّ لهنَّ جهاداً غير الحجِّ، والحج أفضل منه. انتهى،
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((لا)) في جواب قولهنَّ: ألا نَخرُج فنُجاهدَ معك، أي: ليس
ذلك واجباً عليكُنَّ كما وَجَبَ على الرجال، ولم يُرِد بذلك تحريمه عليهنّ، فقد ثبت في
حديث أُمّ عَطِيَّةٍ: أَهنَّ كُنَّ يَخْرُ جنَ فِيُداوين الْجَرحَى(٢)، وفَهِمَت عائشةُ ومَن وافقها من
هذا الترغيب في الحج إباحةَ تكريره لهنَّ كما أُبِيحَ للرجال تكرير الجهاد، وخُصَّ به عموم
قوله: ((هذه، ثمَّ ظُهورَ الحُصُر))، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾، وكأنَّ عمر كان مُتوقّفاً
في ذلك ثمَّ ظهر له قوّةُ دليلها، فأذِنَ لهنَّ في آخر خلافته، ثمَّ کان عثمان بعده يحجُّ بهنَّ في
خلافته أيضاً. وقد وقَفَ بعضهنَّ عند ظاهر النَّهي كما تقدَّم.
وقال البيهقي (٤/ ٣٢٧): في حديث عائشة هذا دليل على أنَّ المراد بحديث أبي واقد
وجوبُ الحج مرَّة واحدة كالرجال، لا المنعُ من الزِّيادة.
وفيه دليل على أنَّ الأمر بالقَرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب.
واستُدلَّ بحديث عائشة هذا على جواز حجّ المرأة مع من تَثِقُ به ولو لم يكن زوجاً ولا
محرماً، کما سيأتي البحث فيه في الذي یلیه.
الحديث الثالث:
١٨٦٢ - حدَّثنا أبو النُّعمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمرِو، عن أبي مَعبَدٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ،
عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((لا تُسافِرِ المرأةُ إلا مع ذي تَحَرَم، ولا
(١) هو بلفظ: ((جهادكن الحج)).
(٢) أخرجه مسلم (١٨١٢).

١٩٦
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
يدخلُ عليها رجلٌ إلا ومعها تَحرَمٌ)) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، إنِّي أُرِيدُ أن أخرُجَ في جيشٍ كذا
وكذا، وامرأتي تريدُ الحجّ؟ فقال: (اخرُجْ معها)).
[أطرافه في: ٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣]
قوله: (عن عَمْرو» هو ابن دینار.
قوله: ((عن أبي مَعبَد)) كذا رواه عبد الرزاق عن ابن جُرَيج وابنٍ عُيَينةَ، كلاهما عن
عمرو عن أبي معبد، به، ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره عن
ابن عُيَينةَ عنه عن عِكْرمة قال: جاء رجل إلى المدينة فقال له النبي ◌َّ: ((أين نزلت؟)) قال:
على فلانة. قال: ((أغلَقت عليها بابك؟ - مرَّتين - لا تحجَّن امرأة إلَّا ومعها ذو تَحَرَم))،
ورواه عبد الرزاق أيضاً عن ابن جُرَيج عن عَمْرو، أخبرني ◌ِكْرمة أو أبو معبد عن ابن
عبَّاس. قلت: والمحفوظ في هذا مُرسَل عِكْرمة، وفي الآخر رواية أبي معبد عن ابن عبَّاس.
قوله: ((لا تُسافر المرأة إلا)) كذا أطلقَ السَّفر، وقَيَّدَه في حديث أبي سعيد الآتي في الباب
فقال: ((مَسيرةَ يومين))، ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة (١٠٨٨) مُقَّداً بمَسيرة يوم
وليلة، وعنه روايات أُخرى، وحديث ابن عمر فيه (١٠٨٦) مُقِيَّداً بثلاثة أيام، وعنه
روايات أُخرى أيضاً، وقد عَمِلَ أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلَقِ، لاختلاف التقييدات.
وقال النَّووي: ليس المراد من التحديد ظاهرَه، بل كلّ ما يُسمّى سفراً فالمرأة مَنهيَّة عنه
إلَّا بالمحرَمِ، وإنَّما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يُعمَل بمفهومِه. وقال ابن المنيِّر: وقع
الاختلاف في مواطنَ بحَسَب السائلينَ.
وقال المنذري: يحتمل أن يقال: إنَّ اليوم المفرَد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة،
يعني: فمن أطلقَ يوماً أراد بليلته، أو ليلةً أراد بيومها، وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مُدّة
الذَّهاب والرُّجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قَدْر ما تُقضى فيه الحاجةُ. قال: ويحتمل أن
يكون هذا كلّه تمثيلاً لأوائل الأعداد، فاليوم أوَّل العَدَد، والاثنان أوَّل التكثير، والثلاث
أوَّل الجمع، فكأنه أشار إلى أنَّ مثل هذا في قِلّة الزَّمن لا يَحِلّ فيه السّفر فكيف بما زاد.

١٩٧
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
أبواب جزاء الصيد ونحوه
ويحتمل أن يكون ذِكرُ الثلاث قبل ذِكر ما دونها، فيُؤْخَذ بأقلِّ ما وَرَدَ في ذلك، وأقلّه
الرواية التي فيها ذِكر البَريد. فعلى هذا يتناول السَّفرُ طويلَ السَّير وقصيرَه.
ولا يتوقَّف امتناع سَيْر المرأة على مسافة القَصْر، خلافاً للحنفية، وحُجَّتهم بأنَّ المنع
المقيّد بالثلاث مُتَحقِّق وما عداه مَشكوك فيه فيُؤْخَذ بالمتيقَّن، ونُوقِضَ بأنَّ الرواية المطلقة
شاملةٌ لكلِّ سفر، فينبغي الأخذُ بها وطَرْحُ ما عداها فإنَّه مشكوك فيه، ومن قواعد
الحنفيَّة: تقديم الخبر العامّ على الخاصّ، وترك حمل المطلَق على المقيَّد، وقد خالَفوا ذلك
هنا، والاختلاف إنَّما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد، بخلاف حديث الباب فإنَّه
لم يُخْتَلَف على ابن عبّاس فيه، وفرَّقَ سفيان الثَّوري/ بين المسافة البعيدة فمَنَعَها دون ٧٦/٤
القريبة، وتَمَسَّك أحمد بعموم الحديث فقال: إذا لم تَجِدْ زوجاً أو مَحَرَماً لا يجب عليها الحج،
هذا هو المشهور عنه، وعنه رواية أخرى كقول مالك، وهو تخصيص الحديث بغير سفر
الفريضة، قالوا: وهو مخصوص بالإجماع. قال البَغَوي: لم يختلفوا في أنَّه ليس للمرأة السَّفر
في غير الفرض إلَّا مع زوج أو مَحَرَم إلَّا كافرة أسلمَت في دار الحرب أو أسيرة تَّخَلَّصَت.
وزاد غيره: أو امرأةٌ انقَطَعَت من الرُّفقة، فوَجَدَها رجل مأمون، فإنَّه يجوز له أن يَصحَبها
حتَّى يُبلِّغها الرُّفقة. قالوا: وإذا كان عمومه مخصوصاً بالاتّفاق فليُخَصَّ منه حجَّة
الفريضة، وأجاب صاحب ((المغني)) بأنَّه سفرُ الضَّرورة فلا يُقاس عليه حالةَ الاختيار،
ولأنَّها تَدفَعِ ضَرَراً مُتَيقَّناً بتَحمُّل ضَرَر مُتوهَّم ولا كذلك السَّفر للحج.
وقد روى الدّار قُطني (٢٤٤٠) - وصَحَّحَه أبو عَوَانة - حديثَ الباب من طريق ابن
جُرَيج عن عَمْرو بن دينار بلفظ: ((لا تحجَّن امرأةٌ إلَّا ومعها ذو مَحَرَم))، فَنَصَّ في نفس
الحديث على منع الحج، فكيف يُخَصّ من بقية الأسفار؟
والمشهور عند الشافعية اشتراط الزَّوج أو المحرَم أو النِّسوة الثُّقات، وفي قول: تكفي
امرأة واحدة ثقة، وفي قول نقله الكرابيسي وصَخَّحَه في ((المهذَّب)): تُسافر وحدها إذا كان
الطريق آمِناً. وهذا كلَّه في الواجب من حجّ أو عمرة، وأغرَبَ القَفّال فطَرَدَه في الأسفار

١٩٨
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
كلّها، واستَحسَنَه الرُّوياني، قال: إلّا أنَّه خلاف النصّ. قلت: وهو يُعكِّر على نفي الاختلاف
الذي نقله البَغَوي آنِفاً.
واختَلَفوا هل المحرَم وما ذُكِرَ معه شرط في وجوب الحج عليها، أو شرط في التمَكُّن
فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذِّمّة؟ وعبارة أبي الطيِّب الطَّبري منهم: الشَّرائط التي
يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تُؤَدّيه فلا يجوز لها إلَّا مع مَحَرَم
أو زوج أو نِسوة ثقات. ومن الأدلَّة على جواز سفر المرأة مع النِّسوة الثِّقات إذا أُمِنَ
الطريقُ أوَّلُ أحاديث الباب، لاتّفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي ◌َّ
على ذلك، وعَدَم نَكِير غيرهم من الصحابة عليهنَّ في ذلك، ومَن أبى ذلك من أُمَّهات
المؤمنين فإنَّما أباه من جهة خاصَّة كما تقدَّم، لا من جهة توقُّف السَّفر على المحرَم، ولعلَّ
هذا هو النُّكتة في إيراد البخاري الحديثين أحدهما عَقِبَ الآخر.
ولم يختلفوا أنَّ النِّساء كلَّهنَّ في ذلك سواءٌ، إلَّا ما نُقِلَ عن أبي الوليد الباجيِّ أنَّه خَصَّه
بغير العجوز التي لا تُشتَهى، وكأنَّه نقله من الخلاف المشهور في شُهُود المرأة صلاةَ
الجماعة. قال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنَّظَر إلى المعنى، يعني
مع مراعاة الأمر الأغلَب. وتَعقَّبوه بأنَّ لكلِّ ساقطة لاقطة، والمتَعَقِّب راعى الأمرَ النادرَ
وهو الاحتياط، قال: والمتَعَقِّب على الباجي يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها، فقد
نظرً أيضاً إلى المعنى، يعني: فليس له أن يُنكِرِ على الباجي، وأشار بذلك إلى الوجه المتقدِّم،
والأصحّ خلافه، وقد احتَجَّ له بحديث عَديٍّ بن حاتم مرفوعاً: ((يوشِك أن تَخْرُجِ الظَّعينة
من الحيرة تَؤُمّ البيت لا جوار معها)) الحديث، وهو في البخاري(١). وتُعُقِّبَ بأنَّه يدلّ على
وجود ذلك لا على جوازه، وأُجيب بأنَّه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيُحمَل
على الجواز.
وأمَّا ما قال النَّووي في شرح حديث جبريل في بيان الإيمان والإسلام عند قوله: ((أن
(١) برقم (٣٥٩٥) وليس فيه قوله: ((لا جوار معها))، وسيأتي في حديث أبي سعيد التالي في هذا الباب.

١٩٩
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
أبواب جزاء الصيد ونحوه
تَلِد الأمة ربَّتها)(١): فليس فيه دلالة على إباحة بيع أَمَّهات الأولاد ولا منع بيعهنّ، خلافاً
لمن استدلَّ به في كلّ منهما، لأنه ليس كلّ شيء أخبر النبي ◌َِّ بأنَّه سَيقعُ يكون مُحرَّماً ولا
جائزاً. انتهى، وهو كما قال، لكنَّ القرينة المذكورة تُقوِّي الاستدلال على الجواز.
ومن المستَظَرَف أنَّ المشهور من مذهب من لم يَشتَرِط المحرَم أنَّ الحج على التراخي،
ومن مذهب من يَشتَرِطه أنَّه حجّ على الفَوْر، وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس. قال
ابن دَقِيق العيد: هذه المسألة تتعلَّق بالعامَّينِ إذا تَعارضا، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] عامّ في / الرجال والنِّساء، فمُقتَضاه أنَّ ٧٧/٤
الاستطاعة على السَّفر إذا وُجِدَت وَجَبَ الحج على الجميع، وقوله وَّ: ((لا تُسافر المرأة إلَّ
مع مَرَم)) عامّ في كلّ سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خَصَّ الحديثَ بعموم الآية،
ومن أدخَله فيه خَصَّ الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج، وقد رُجِّحَ
المذهب الثاني بعموم قوله وَ له: ((لا تَمَنَعوا إماء الله مساجد الله))(٢)، وليس ذلك بجيِّدٍ،
لكونِه عامّاً في المساجد، فيَخرُج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السَّفر بحديث النَّهي.
قوله: ((إلّا مع ذي تَحَرَم)) أي: فيَحِلّ، ولم يُصرِّح بذِكْر الَّوج، وسيأتي في حديث أبي
سعيد في هذا الباب بلفظ: ((ليس معها زوجها أو ذو تَحَرَم منها))، وضابط المحرَم عند
العلماء: من حَرُمَ عليه نكاحها على التأبيد بسببٍ مُباح لحُرمَتها، فخرج بالتأبيد جمع الأخت
والعمة، وبالمباح أُمّ الموطوءة بشُبهةٍ وبنتها، وبحُرمَتها الملاعنة، واستثنى أحمد ممن حَرُمَت
على التأبيد مسلمةً لها أبٌ كِتابِيّ، فقال: لا يكون مَحَرَماً لها، لأنه لا يُؤمن أن يَفتِنها عن دينها
إذا خلا بها. ومن قال: إنَّ عبدَ المرأة مَحَرَمٌ لها، يحتاج أن يزيد في هذا الضّابط ما يُدخِله، وقد
روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعاً: «سفر المرأة مع عبدها ضَيْعة» لكن في
إسناده ضعف(٣)، وقد احتَجَّ به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يُقيِّده بما إذا كانا في
(١) هو في ((صحيح مسلم)) برقم (٨).
(٢) تقدم بر قم (٩٠٠) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه البزار (٥٩٩٣)، والطبراني في «الأوسط)) (٦٦٣٩)، وفي إسناده بزيع بن عبد الرحمن ضعفه أبو =

٢٠٠
باب ٢٦ / ح ١٨٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا، لهذا الحديث. وفي آخر حديث ابن عبّاس هذا ما
يُشعِر بأنَّ الَّوج يدخل في مُسمَّى المحرَم، فإنَّه لمَّا استثنى المحرَم، فقال القائل: إنَّ امرأتي
حاجّة، فكأنَّه فَهمَ حال الَّوج في المحرَم، ولم يردّ عليه ما فَهِمَه، بل قيل له: (اخرُج معها)).
واستثنى بعض العلماء ابن الزَّوج فكَرِهَ السَّفر معه لغَلَبة الفساد في الناس، قال ابن دقيق
العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتَّحريم ففيه بُعدٌ لمخالَفة الحديث، وإن كانت
للتَّزيه فيتوقَّف على أنَّ لفظ: ((لا يَحِلُّ)) هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية(١)؟
قوله: ((ولا يدخل عليها رجل إلَّا ومعها حَحرَم)) فيه منع الحلوة بالأجنبية، وهو إجماع،
لكن اختَلَفوا هل يقوم غير المحرَم مقامه في هذا كالنِّسوة الثُّقات؟ والصحيح الجواز
لضعف التُّهمة به. وقال القَفّال: لا بُدّ من المحرَم، وكذا في النِّسوة الثِّقات في سفر الحج لا
بُدّ من أن يكون مع إحداهنَّ مَحَرَم. ويُؤْيِّده نَصّ الشافعي أنَّه لا يجوز للرجل أن يُصلِّي
بنساءٍ منفرداتٍ إلَّا أن تكون إحداهنَّ مَحَرَماً له.
قوله: ((فقال رجل: يا رسول الله، إنِّ أُريدُ أن أخرج في جيش كذا وكذا)) لم أقف على اسم
الرجل ولا امرأته، ولا على تعيين الغزوة المذكورة، وسيأتي في الجهاد (٣٠٠٦) بلفظ: إنِّي
اكتَتَبت في غزوة كذا، أي: كَتَبْت نفسي في أسماء من عُيِّن لتلك الغَزَاة. قال ابن المنيِّر:
الظاهر أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، فيُؤخَذ منه أنَّ الحج على التراخي، إذ لو كان على
الفَوْر لمَا تأخّرَ الرجل مع رُفقَته الذين عُيِّنوا في تلك الغَزَاة. کذا قال، وليس ما ذكره بلازم
لاحتمال أن يكونوا قد حجُوا قبل ذلك مع من حجّ في سنة تسع مع أبي بكر الصِّدّیق، أو
أنَّ الجهاد قد تَعيَّنَ على المذكورين بتعيينِ الإمام، كما لو نزل عدوّ بقوم فإنَّه يتعيَّن عليهم
الجهاد ويتأخّر الحج اتِّفاقاً.
قوله: ((اخرُجْ معها)) أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجَبَ على الَّوج السَّفرَ مع امرأته
= حاتم كما في ((الجرح والتعديل)) ٤٢٠/٢.
(١) كلمة ((التنزيهية)) سقطت من (أ) و(ع) وأثبتناها من (س)، وهو الصواب الذي يحتمه سياق الكلام.