النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب ١٤ / ح ١٨٤٠
أبواب جزاء الصيد ونحوه
الأندَلُسي، فأدخَلَ بين زيد وإبراهيم نافعاً(١)، قال ابن عبد البَرِّ: وذلك معدود من خَطَئِهِ.
قوله: ((عن إبراهيم)، في رواية ابن عُيَينَةَ عن زيد: أخبرني إبراهيم، أخرجه أحمد
(٢٣٥٢٩)(٢) وإسحاق والحميدي (٣٧٩) في مسانيدهم عنه، وفي رواية ابن جُرَيج عند
أحمد (٢٣٥٧٨) عن زيد بن أسلمَ: أنَّ إبراهيم بن عبد الله بن حُنَينٍ مولى ابن عبّاس (٣)
أخبره. كذا قال: مولى ابن عبّاس، وقد اختُلِفَ في ذلك، والمشهور أنَّ حُنَيناً كان مولَى
للعبّاس وهبه له النبي ټ، فأولاده موالٍ له.
قوله: ((أنَّ ابن عبّاس)) في رواية ابن ◌ُرَيج عند أبي عَوَانة: كنت مع ابن عبّاس
والمِسوَر.
قوله: ((بالأبواء)) أي: وهما نازلان بها، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: بالعَرْج، وهو بفتح أوَّله
وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء.
قوله: ((إلى أبي أيوب)) زاد ابن جُرَيج فقال: قُل له: يَقرأ عليك السلامَ ابنُ أخيك
عبد الله بن عبّاس ويسألك.
قوله: ((بين القَرَين)) أي: قَرنَي البئر، وكذا هو لبعضٍ رواة ((الموطَّأ)»، وكذا في رواية ابن
عُيَينة، وهما العودان - أو: العَمودان - المنتَصِبان لأجل عُود البَكَرة.
قوله: ((أرسَلَني إليك ابن عبّاس يَسألك كيف كان ... )) إلى آخره، قال ابن عبد البَرِّ:
الظاهر أنَّ ابن عبَّاس كان عنده في ذلك نَصّ عن النبي ◌َِّ أخَذَه عن أبي أيوب أو غيره،
ولهذا قال عبد الله بن حُنَينٍ لأبي أيوب: يَسألك كيف كان يَغسِل رأسه؟ ولم يَقُل: هل كان
يَغسِل رأسه أو لا؟ على حَسَب ما وقع فيه اختلاف بين المِسوَر وابن عبّاس. قلت: ويحتمل
(١) هو في ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي الأندلسي ١/ ٣٢٣، وليس في المطبوع منه ذكرُ نافع، وعندنا منه نسخة
خطية نفيسة من مخطوطات القرن الثامن الهجري، وفيها ذِكرُ نافع عن إبراهيم. وانظر كلام ابن عبد البر
على هذه الرواية في ((التمهيد)) ٢٦١/٤.
(٢) الذي في نسخنا من ((المسند)) بالعنعنة.
(٣) الذي في نسخنا في هذا الموضع من («المسند»: مولى آل عباس.

١٦٢
باب ١٤ / ح ١٨٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
أن يكون عبد الله بن حُنَينٍ تَصَرَّفَ في السُّؤال لِفِطنته، كأنَّه لمَّا قال له: سَلْه هل يَغْتَسِل
المحرِمِ أو لا؟ فجاء فَوَجَدَه يَغْتَسِل، فَهِمَ من ذلك أنَّه يَغْتَسِل، فأحبَّ أن لا يَرجِعَ إلَّا
بفائدة، فسأله عن كيفية الغُسل، وكأنَّه خَصَّ الرأس بالسُّؤال لأنها موضعُ الإشكال في
هذه المسألة، لأنها مَحَلّ الشَّعر الذي يُخشى انتافُه بخلاف بقية البَدَن غالباً.
قوله: ((فطَاطَأْه)) أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عُيَينةَ: جمع ثيابه إلى صدره حتَّى
نظرتُ إليه، وفي رواية ابن جُرَيج: حتَّى رأيت رأسه ووجهه.
قوله: ((لإنسانٍ)) لم أقف على اسمه، ثمّ قال - أي: أبو أيوب -: هكذا رأيته - أي: النبي
وَ له - يفعل؛ زاد ابن عُيَينةَ: فرجعتُ إليهما فأخبرتهما، فقال المِسوَر لابن عبَّاس: لا أُماريك
أبداً، أي: لا أُجادلك. وأصل المِراء: استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرَى فلانٌ فلاناً:
إذا استَخرَجَ ما عنده، قاله ابن الأنباري، وأُطلِقَ ذلك في المجادلة لأنَّ كلَّ من المتَجادلَينِ
يَستَخرِج ما عند الآخر من الحُجّة.
٥٧/٤ وفي هذا الحديث من الفوائد: مُناظَرة الصحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النُّصوص،
وقَبُولهم لخبر الواحد ولو كان تابعياً، وأنَّ قول بعضهم ليس بحُجّةٍ على بعض، قال ابن
عبد البَرِّ: لو كان معنى الاقتداء في قوله {َّ: ((أصحابي كالنُّجوم))(١) يُراد به الفتوى لمَا
احتاجَ ابن عبّاس إلى إقامة البَيِّنة على دَعواه، بل كان يقول للمِسوَر: أنا نَجم وأنتَ نَجم،
فبأيِّنا اقتَدى مَن بعدنا كَفاه، ولكنَّ معناه كما قال المُزَني وغيره من أهل النَّظَرِ: أنَّه في
النَّقل، لأنَّ جميعهم عُدول.
وفيه اعتراف للفاضل بفضلِه، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضاً. وفيه استتار الغاسل
عند الغُسل، والاستعانة في الطَّهارة، وجواز الكلام والسلام حالة الطَّهارة، وجواز غَسل
المحِرِمِ وتَشريبِه شعرَه بالماءِ ودَلكِهِ بيدِه إذا أمِنَ تَناثُره، واستَدلَّ به القُرطُبي على وجوب
(١) حديث ضعيف جداً، رُوي عن غير ما صحابي بأسانيد واهية، انظر ((التلخيص الحبير)) ١٩٠/٤-١٩١
للحافظ ابن حجر.

١٦٣
باب ١٥ / ح ١٨٤١ - ١٨٤٢
أبواب جزاء الصيد ونحوه
الدَّلك في الغُسل، قال: لأنَّ الغُسل لو كان يَتِمّ بدونه لكان المحرِم أحقّ بأن يجوز له تَركُه،
ولا يخفى ما فيه.
واستدلَّ به على أنَّ تخليل شعر اللِّحية في الوُضوء باقٍ على استحبابه، خلافاً لمن قال:
يُكرَه، كالمتولِّ من الشافعية خَشْية انتتاف الشَّعر، لأنَّ في الحديث: «ثمَّ حَرَّكَ رأسه بیدیه»،
ولا فرق بين شعر الرأس واللِّحية إلّا أن يقال: إنَّ شعر الرأس أصلَب، والتحقيق أنَّه
خلاف الأَولى في حقّ بعضٍ دون بعض، قاله السُّبكي الكبير، والله أعلم.
١٥ - باب لبس الخفّين للمحرم إذا لم يجدِ النّعلين
١٨٤١ - حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَمْرو بنُ دِينارٍ، سمعتُ جابرَ بنَ
زيدٍ، سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ وَّه يَخْطُبُ بعرفاتٍ: ((مَن لم يَجِد
التَّعَلَيْنِ فليَلبَسِ الخُفَّينِ، ومَن لم يَجِد إزاراً فليَلبَس السراويل)) للمُحرِم.
١٨٤٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن سالم، عن
عبد الله عَهُ: سُئِلَ رسولُ الله ◌َّةِ: ما يَلْبَسُ المحرِمُ من التَّاب؟ فقال: ((لا يَلْبَسِ القميصَ ولا
العَمَائِمَ ولا السَّراوِيلات ولا البُرُنُسَ، ولا ثَوباً مَسَّه زَعفَرانٌ ولا ورسٌ، وإن لم يَجِدٍ نَعَلَيْنِ
فليَلبَسِ الخُفَّيْنِ، وليَقطَعْهما حتَّى يكونا أسفَلَ من الكعبَين)).
قوله: ((باب لُبس الخُفَّينِ للمُحرِمِ إذا لم يَجِدِ النَّعلَين)) أي: هل يُشتَرَط قطعهما أو لا؟
وأورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وحديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم الكلام عليه في («باب ما
لا يَلْبَس المحرِم من الثّياب)) (١٥٤٢)، ووقع في رواية أبي زيد المروَزي: عن سالم بن
عبد الله بن عمر سُئِلَ رسول بَّهَ. قال الجَيَّاني: الصواب ما رواه ابن السَّكَن وغيره،
فقالوا: عن سالم عن ابن عمر. قلت: تَصَحَّفَت ((عن)) فصارت ((ابن)).
وقوله في حديث ابن عبّاس: ((ومن لم يَجِدْ إزاراً فليَلبَس السَّراويل - للمُحرِم)) أي: هذا
الحكم للمُحرِم لا الحلال، فلا يتوقّف جواز لُبسه السَّراويل على فَقْد الإزار. قال القُرطُبي:
أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد فأجاز لُبس الخُفّ والسَّراويل للمُحرِمِ الذي لا يَجِد النَّعلَينِ

١٦٤
باب ١٦-١٧ / ح ١٨٤٣-١٨٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
والإزار على حالهما. واشتَرَطَ الجمهور قطع الخُفّ وفَتق السَّراويل، ولو لَبِسَ شيئاً منهما
على حاله لَزِمَته الفِذْية، والدَّليل لهم قوله في حديث ابن عمر: ((وليَقطَعهما حتَّى يكونا
أسفَل من الكعبين))، فيُحمَل المطلَق على المقيَّد، ويُلحَق النَّظير بالنَّظير لاستوائهما في
الحكم. وقال ابن قدامة: الأَولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح وخروجاً من الخلاف.
٥٨/٤ انتهى،/ والأصحّ عند الشافعية والأكثر جواز لُبس السَّراويل بغير فتق كقول أحمد،
واشتَرَطَ الفَتَقَ محمد بنُ الحسن وإمام الحرمين وطائفة، وعن أبي حنيفة منع السَّراويل
للمُحِرِمِ مُطلَقاً، ومثله عن مالك، وكأنَّ حديث ابن عبَّاس لم يَبلُغه، ففي ((الموطَّأ)»
(٣٢٥/١) أنَّه سُئِلَ عنه: فقال: لم أسمع بهذا الحديث. وقال الرازي من الحنفيَّة: يجوز
لُبسه وعليه الفِذْية، كما قاله أصحابهم في الخُفَّين، ومن أجاز لُبس السَّراويل على حاله قَيِّدَه
بأن لا يكون في حالة لو فَتَقَه لكان إزاراً لأنه في تلك الحالة يكون واجد الإزار.
١٦ - بابٌ إذا لم يجد الإزار فليلبس السّراويل
١٨٤٣ - حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِينارِ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَطَبنا النبيُّ ◌َّهِ بعرفاتٍ، فقال: ((مَن لم يَجِدِ الإزار فليَلبَسِ
السَّراوِيلَ، ومَن لم يَجِدِ النَّعَلَينِ فليَلبَسِ الخُفَّين)).
قوله: ((باب إذا لم يَجِد الإزار فليَلبَس السَّراويل)) أوردَ فيه حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم
البحث فيه في الباب الذي قبله، وجَزَمَ المصنّف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوّة
دليلها وتصريح المخالف بأنَّ الحديث لم يَبلُغه، فيتعيَّن على من بَلَغَه العمل به.
١٧ - باب لبس السلاح للمحرم
وقال عِكْرمةُ: إذا خَشِيَ العدوَّ لَبِسَ السّلاحِ وافتَدَى. ولم يُتَابَع عليه في الفِذْية.
١٨٤٤- حدَّثْنَا عُبيد الله، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ﴾: اعتَمَرَ النبيُّ ◌ِلّ
في ذي القَعْدةِ، فأبى أهلُ مكَّةَ أن يَدَعوه يدخلُ مكََّ حتَّى قاضاهم: لا يُدخِلُ مگَّةَ سِلاحاً إلا
في القراب.

١٦٥
باب ١٨ / ح ١٨٤٥ - ١٨٤٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
قوله: ((باب لُبْس السِّلاح للمُحرِم)) أي: إذا احتاج إلى ذلك.
قوله: ((وقال عِكْرمة: إذا خَشي العدوَّ لَبِسَ السِّلاح وافتَدى)) أي: وَجَبَت عليه الفِدْية،
ولم أقف على أثر عِكْرمة هذا موصولاً.
وقوله: ((ولم يتابَع عليه في الفِذْية)) يقتضي أنَّه توبعَ على جواز لُبس السِّلاح عند الخَشْية،
وخولفَ في وجوب الفِدْية، وقد نقل ابن المنذر عن الحسن أنَّ كَرة أن يَتَقَلَّد المحرم
السَّيف، وقد تقدَّم في العيدَينِ (٩٦٦) قولُ ابن عمر للحَجّاج: أنتَ أمرت بحمل السِّلاح
في الخَرَم، وقوله: وأدخَلتَ السِّلاح في الحَرَم ولم يكن السِّلاح يُدخَل فيه، وفي رواية
(٩٦٧): أمرت بحمل السِّلاح في يومٍ لا يَحِلّ فيه حمله. وتقدَّم الكلام على ذلك مُستولّى في
(«باب من كّره حمل السِّلاح في العيد» (٩٦٦) وذِكْر من روى ذلك مرفوعاً.
ثمَّ أورد المصنّف في الباب حديث البراء في عمرة القضاء مختصراً، وسيأتي بتمامه في
كتاب الصُّلح (٢٦٩٩) عن عبيد الله بن موسى بإسناده هذا، ووهم المِّي في ((الأطراف))
فزعَمَ أنَّ البخاري أخرجه في الحج بطوله، وليس كذلك.
١٨ - باب دخول الحرم ومكّة بغير إحرامٍ
ودخل ابنُ عمَرَ، وإِنَّا أمَرَ النِيُّ ◌ِ لَه بالإهلال لمِّن أراد الحجّ والعمرةَ، ولم يَذْكُر الحطّابين
وغيرهم.
١٨٤٥ - حدّثنا مسلمٌ، حدَّثْنَا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُّ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي ٥٩/٤
الله عنهما: أنَّ النبيَّلَهُ وَقَّتَ لأهلِ المدينة ذا الخُلّفةِ، ولأهلِ نَجدٍ قَرْنَ المنازلِ، ولأهلِ اليمنِ
يَلَملّمَ، هنَّ هنَّ ولگُلُّ آتٍ أَنی علیھنَّ من غيرهم، ممن أراد الحجّ والعمرة، فمن كان دونَ ذلك
فمِن حيثُ أَنشَأَ، حتَّى أهلٌ مَكَّةً من مكّةً.
١٨٤٦ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ يوسف، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ
: أنَّ رسولَ اللهلَله دخل عامَ الفَتح وعلى رأسِه المِغِفَرُ، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجلٌ فقال: إنَّ ابنَ

١٦٦
باب ١٨ / ح ١٨٤٥ - ١٨٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بأستار الكعبةِ، فقال: ((اقتُلوه)).
[أطرافه في: ٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨]
قوله: ((باب دخول الحَرَم ومكَّةَ بغير إحرام)» هو من عَطْف الخاصّ على العامّ، لأنَّ المراد
بمكَّة هنا: البلد، فيكون الحَرَم أعمّ.
قوله: ((ودخل ابن عمر)) وَصَله مالك في ((الموطَّأ)) (٤٢٣/١) عن نافع قال: أقبلَ عبد الله
ابن عمر من مكَّة حتَّى إذا كان بقُدَيد - يعني بضمِّ القاف - جاءه خبر عن الفِتنة، فَرَجَعَ
فدخل مگَّة بغیر إحرام.
قوله: ((وإنَّما أمُرَ النبي ◌َّ بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة ولم يَذكُر الحطّابين وغيرهم))
هو من كلام المصنِّف، وحاصله أنَّه خَصَّ الإحرام بِمن أراد الحج والعمرة، واستَدَلَّ
بمفهوم قوله في حديث ابن عبّاس: ثمّن أراد الحج والعمرة، فمفهومه أنَّ المتَرَدِّد إلى مكَّة
لغير قَصد الحج والعمرة لا يَلزَمه الإحرام. وقد اختلف العلماء في هذا، فالمشهور من
مذهب الشافعي عَدَم الوجوب مُطلَقاً، وفي قولٍ: يجب مُطلَقاً، وفيمن يتكرَّر دخوله
خلاف مُرتَّب، وأَولى بعَدَم الوجوب، والمشهور عن الأئمّة الثلاثة الوجوبُ، وفي رواية
عن كلٌّ منهم: لا يجب، وهو قول ابن عمر والزّهْري والحسن وأهل الظاهر، وجَزَمَ
الحنابلة باستثناءِ ذوي الحاجات المتكرِّرة، واستثنى الحنفيَّة من كان داخل الميقات، وزَعَمَ
ابن عبد البَرِّ أنَّ أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب.
ثمّ أورد المصنّف في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث ابن عبّاس وقد تقدَّم الكلام عليه في المواقيت (١٥٢٤).
الثاني: حديث أنس في المِغفَر، وقد اشتهر عن الزُّهْري عنه، ووقع لي من رواية یزید
الرَّقَاشي عن أنس في ((فوائد أبي الحسن الفَرّاء الموصِلي))، وفي الإسناد إلى يزيدَ مع ضعفه
ضعف، وقيل: إنَّ مالكاً تفرَّد به عن الزُّهْري، ومَمَّن جَزَمَ بذلك ابن الصلاح في ((علوم
الحديث)) له في الكلام على الشاذّ، وتعقّبه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي بأنَّه وَرَدَ من

١٦٧
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
طريق ابن أخي الزُّهْري وأبي أُوَيس ومَعمَر والأوزاعي، وقال: إنَّ رواية ابن أخي الزُّهْري
عند البَزَّار (٦٢٩١)، ورواية أبي أويس عند ابن سعد (١٣٩/٢- ١٤٠)، وابن عَديّ
(٤/ ١٨٣)، وإنَّ رواية مَعمَر ذكرها ابن عدي وإنَّ رواية الأوزاعي ذكرها المزي ولم يَذكُر
شيخنا من أخرج روايتهما، وقد وجدت رواية مَعمَر في ((فوائد ابن المقرئ))، ورواية الأوزاعي
في ((فوائد تمَم)) (٦٣٤). ثمَّ نقل شيخنا عن ابن مُسْدي أنَّ ابن العربي قال حين قيل له: لم يروِه
إلَّا مالك: قد رويته من ثلاثة عشرَ طريقاً غير طريق مالك، وأنَّه وَعَدَ بإخراج ذلك ولم يُرِج
شيئاً، وأطالَ ابن مُسْدي في هذه القصَّة وأنشَدَ فيها شعراً، وحاصلها أنَّهم التَّهَموا ابن العربي
في ذلك ونسبوه إلى المجازَفة، ثمَّ شَرَعَ ابنُ مُسْدي يَقدَح في أصل القصَّة ولم يُصِبْ في ذلك،
فراوي القصَّة عَدْل مُتَقِن، والذين التَّهَموا/ ابن العربي في ذلك هم الذين أخطؤوا لِقِلّة ٦٠/٤
اطِّلاعهم، وكأنَّه بَخِلَ عليهم بإخراج ذلك لِمَا ظهر له من إنكارهم وتَعتُّهم(١).
وقد تَتَبَّعت طرقه حتَّى وقفتُ على أكثر من العَدَد الذي ذكره ابن العربي - ولله الحمد -
فوجدته من رواية اثني عشرَ نفساً غيرِ الأربعة التي ذكرها شيخنا، وهم: عُقَيل في ((مُعجَم
ابن ◌ُميع))، ويونس بن يزيد في ((الإرشاد)) للخليلي، وابن أبي حفصة في ((الزُّواة عن مالك))
للخطيب، وابن عُيَينةَ في ((مُسنَد أبي يعلى)) (٣٥٤٠)، وأُسامة بن زيد في ((تاريخ نيسابور))،
وابن أبي ذئب في ((الحِلية)) (٢٩٠/١٠-٢٩١)، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي الموالي في
((أفراد الدّار قُطني))، وعبد الرحمن ومحمد ابنا عبد العزيز الأنصاريان في ((فوائد عبد الله بن
إسحاق الخُراساني))، وابن إسحاق في ((مُسنَد مالك)) لابن عَديّ، وبَحرٌّ السَّقّاء ذكره جعفر
الأندَلُسي في تخريجه للجِيزي بالجيم والزاي، وصالح بن أبي الأخضر ذكره أبو ذرِّ العَروي
عَقِب حديث يحيى بن قَزَعة عن مالك المخَرَّج عند البخاري في المغازي (٤٢٨٦)، فتَبيَّن
بذلك أنَّ إطلاق ابن الصلاح مُتَعَقَّب، وأنَّ قول ابن العربي صحيح، وأنَّ كلام من التََّمَه
مردود، ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصحيح إلّا طريق مالك، وأقربها رواية ابن
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٢٠/ ٢٠٢.

١٦٨
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
أخي الزُّهْري فقد أخرجها النَّسائي في ((مُسنَد مالك))، وأبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٣١٥٠)،
وتليها رواية أبي أوَيس أخرجها أبو عَوَانة أيضاً (٣١٤٨)، وقالوا: إنَّه كان رَفيق مالك في
السَّماع من الزُّهْري، فيُحمَل قول من قال: انفَرَدَ به مالك، أي بشرط الصِّحّة، وقول من
قال: تُوبِعَ، أي: في الجملة. وعِبارة التِّرمِذي (١٦٩٣) سالمة من الاعتراض، فإنَّه قال بعد
تخريجه: حسن صحيح غريب لا نعرفُ كبيرَ أحدٍ رواه غيرَ مالك عن الزُّهْري، فقوله: کبیر
أحدٍ، يشير إلى أنَّه تُوبِعَ في الجملة.
قوله: ((عن أنس)) في رواية أبي أوَيس عند ابن سعد: أنَّ أنس بن مالك حدَّثَه.
قوله: ((عام الفتح وعلى رأسه المِغفَر)) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء: زَرَد
يُنسَج من الدُّروع على قَدْر الرأس، وقيل: هو رَفَرَف البيضة، قاله في ((المحكم)). وفي
(المشارق)): هو ما يُجعَل من فضل دِرْع الحديد على الرأس مثل القلنسوة، وفي رواية زید بن
الحُباب عن مالك: يوم الفتح وعليه مِغفَر من حديد، أخرجه الدّار قُطني في ((الغرائب))،
والحاكم في «الإکلیل)، و کذا هو في رواية أبي أویس.
قوله: ((فلمَّا نَزَعَه جاءه رجل)» لم أقف على اسمه، إلّا أنَّه يحتمل أن يكون هو الذي باشَرَ
قتْله، وقد جَزَمَ الفاكهي في («شرح العُمدة)» بأنَّ الذي جاء بذلك هو أبو بَرْزة الأسلمي،
وكأنَّه لمَّا رَجَحَ عنده أنَّه هو الذي قتله رأى أنَّه هو الذي جاء مُبِراً بقِصَّته، ويُرشِّحُه قوله
في رواية يحيى بن قَزَعة في المغازي (٤٢٨٦): فقال: ((اقتُله)) بصيغة الإفراد. على أنَّه اختُلِفَ
في اسم قاتِلِه، ففي حديث سعيد بن يَربوع عند الدّار قُطني (٢٧٩٣) والحاكم أن
رسول الله وَ ﴿ قال: «أربعة لا أُؤَمِّنُهم في حِلِّ ولا حَرَم: الحوَيرِث بن نُقَيد - بالنّونِ والقاف
مُصغَّر - وهلال بن خَطَل، ومِقيَس بن صُبابة، وعبد الله بن أبي سَرْح)) قال: فأمَّا هلال بن
خَطَل فقتله الزُّبَير ... الحديث. وفي حديث سعد بن أبي وقَّاص عند البَزَّار (١١٥١)
والحاكم (٥٤/٢) والبيهقي في ((الدَّلائل)) (٥٩/٥) نحوه لكن قال: أربعةَ نَفَر وامرأتين،
وقال: ((اقتلوهم وإن وجدتُوهم مُتعلِّقين بأستار الكعبة))، فذكرهم، لكن قال: عبد الله بن

١٦٩
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
خَطَل، بدلَ هلال، وقال: عِكْرمة، بدلَ الحَوَيرِث، ولم يُسمِّ المرأتينِ، وقال: فأمَّا عبد الله بن
خَطَل فأُدرِكَ وهو مُتعلِّق بأستار الكعبة فاستَبَقَ إليه سعيد بن حُرَيث وعَّار بن ياسر،
فسَبَقَ سعيدٌ عمَّراً وكان أشبَّ الرجلين فقتله، الحديث. وفي زيادات يونس بن بُكَير في
(المغازي)) من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه نحوه. وروى ابن أبي شَيْبة
(١٤/ ٥٠٠)، والبيهقي في ((الدَّلائل)) (٦٠/٥) من طريق الحكم بن عبد الملك عن قَتَادةَ
عن أنس: أمَّنَ رسول الله بَّهَ الناسَ يوم فتح مكَّة إلَّ أربعة من الناس: عبد العُزّى بن
خَطَل، ومِقيَس بن صُبابة الكناني، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرح، وأُمّ سارة، فأمَّا عبد
العُزّى بن خَطَل فَقُتِلَ وهو مُتعلِّق بأستار الكعبة. / وروى ابن أبي شَيْبة (٤٩٢/١٤) من ٦١/٤
طريق أبي عثمان النَّهدي: أنَّ أبا بَرْزة الأسلمي قتلَ ابن خَطَل وهو مُتعلِّق بأستار الكعبة،
وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في «البِرّ والصِّلة)) من حديث أبي
بَرزة نفسه، ورواه أحمد (١٩٧٩٤) من وجه آخر، وهو أصحّ ما وَرَدَ في تعيينِ قاتِلِه، وبه
جَزَمَ البَلاذُري وغيرُه من أهل العلم بالأخبار، وتُحمَل بقية الروايات على أنَّهم ابتَدَروا قتله
فکان المباشر له منهم أبو برزة، ویحتمل أن یکون غيره شاركه فیه، فقد جَزَمَ ابن هشام في
((السّيرة)) بأنَّ سعيد بن حُرَيث وأبا بَرزة الأسلمي اشتَرَكا في قتله، ومنهم من سمَّى قاتلَه
سعيدَ بن ذُؤَيب، وحكى المحِبّ الطَّبري أنَّ الزُّبَير بن العوَّام هو الذي قتلَ ابن خَطَّل.
وروى الحاكم (٣/ ٦٣٧) من طريق أبي معشَر عن يوسف بن يعقوب عن السائب بن يزيد
قال: فأُخِذَ عبد الله بن خَطَل من تحت أستار الكعبة فقُتِلَ بين المقام وزَمزَم (١). وقد جمع
الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يُؤَمَّن يوم الفتح وأُمِرَ بقتله عشرة أنفُس: ستّة رجال
وأربع نِسوة.
والسبب في قتل ابن خَطَل وعَدَم دخوله في قوله: ((من دخل المسجد فهو آمِنٌ)) ما روى
ابن إسحاق في «المغازي)): حدثني عبد الله بن أبي بکر وغيره: أنَّ رسول الله ټ حین دخل
(١) في المطبوع من ((المستدرك)) بدل قوله: ((فقتل بين المقام وزمزم)) وقعت العبارة: ((فقتله صبراً».

١٧٠
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
مكَّة قال: ((لا يُقتَل أحدٌ إلَّا مَن قاتَلَ، إلَّا نَفَراً - سَّهم فقال -: اقتُلوهم وإن وجدتُوهم
تحت أستار الكعبة)) منهم عبد الله بن خَطَل وعبد الله بن سعد، وإنَّما أُمِرَ بقتل ابن خَطَل لأنه
كان مسلماً، فَبَعَثَه رسول الله وَِّ مُصَدِّقاً وبَعَثَ معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولَّى تَخِدُمه
وكان مسلماً، فنزل منزلاً، فأمَرَ المولى أن يَذْبَحَ تَيساً ويصنع له طعاماً، فنامَ واستَيقَظَ ولم يصنع
له شيئاً، فعَدا عليه فقتله، ثمَّ ارتَدَّ مُشرِكاً، وكانت له قَيْنتانِ تُغَنّيان بهجاءِ رسول الله ◌َّ.
وروى الفاكهي من طريق ابن جُرَيج قال: قال مولى ابن عبّاس: بَعَثَ رسول الله وَله
رجلاً من الأنصار ورجلاً من مُزَينةَ وابنَ خَطَل وقال: ((أطيعا الأنصاريَّ حتَّى تَرجِعا))،
فقتلَ ابنُ خَطَل الأنصاريَّ وهَرَبَ المُزَني، وكان مَمَّن أهدَرَ النبي ◌َِّ دَمَه يوم الفتح.
ومن النَّفْر الذين كان النبي وَّ أهدَرَ دمَهم قبل الفتح غير من تقدَّم ذِكرُه: هَبّار بن
الأسوَد وعِكْرمة بن أبي جهل وكعب بن زُهَير ووَحْشِي بن حَرْب وأَسِيد بن إياس بن أبي
زُنَيم(١) وقَيْنتا ابن خَطَل وهند بنت عُتبة.
والجمع بين ما اختُلِفَ فيه من اسمه أنَّه كان يُسمّى عبدَ العُزّى فلمَّا أسلمَ سُمّي
عبدَ الله، وأمَّا من قال: هلال، فالتَبَسَ عليه بأخ له اسمه هلال، بيَّن ذلك الكَلْبي في
(النسب))، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خَطَل، وقيل: غالب بن عبد الله بن خَطَل،
واسم خَطَل: عبد منافٍ، من بني تَیْم بن فِهْر بن غالب.
وهذا الحديث ظاهره أنَّه ◌ِِّ لمَّ دخل مكَّة يوم الفتح لم يكن مُرِماً، وقد صَرَّحَ بذلك
مالك راوي الحديث كما ذكره المصنّف في المغازي (٤٢٨٦) عن يحيى بن قَزَعة عن مالك
عَقِبَ هذا الحديث، قال مالك: ولم يكن النبي ◌َِّ فيما نُرى - والله أعلم - يومئذٍ مُحُرِماً.
انتهى، وقول مالك هذا رواه عبد الرحمن بن مَهدي عن مالك جازماً به، أخرجه
الدّار قُطني في ((الغرائب))، ووقع في ((الموطَّأ)) (١٤٤٧) من رواية أبي مُصعَب وغيره قال
(١) كذا جاء مسمى هنا في الأصلين و(س)، والمعروف في اسمه: أَسِيد بن أبي أُناس بن زُنَيم، كما جاء في
(الإكمال)) لابن ماكولا ٥٤/١، و((أُسد الغابة)) لابن الأثير ١٠٨/١ - ١٠٩، و ((تبصير المنتبه)) لابن حجر
٢٨/١ وغيرها.

١٧١
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
أبواب جزاء الصيد ونحوه
مالك: قال ابن شهاب: ولم يكن رسول الله وَ ل* يومئذٍ مُرِماً، وهذا مُرسَل، ویشهد له ما
رواه مسلم (١٣٥٨) من حديث جابر بلفظ: دخل يوم فتح مكّة وعليه عِمامة سوداء بغير
إحرام، وروى ابن أبي شَيْبة (١٣٦٨٠) بإسناد صحيح عن طاووس قال: لم يدخل النبي ◌ّ
صَلى الله
وسام
مكَّة إلّا مُحُرِماً إلَّا يوم فتح مكَّة، وزَعَمَ الحاكم في ((الإكليل)) أنَّ بين حديث أنس في المِغْفَر
وبين حديث جابر في العمامة السَّوداء معارضةً، وتَعَقَّبوه باحتمال أن یکون أوَّل دخوله كان
على رأسه الِغْفَرُ ثمَّ أزاله ولَبِسَ العِمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ منهما ما رآه، ويُؤيِّده أنَّ في
حديث عَمْرو بن حُرَيث: أنَّه خَطَبَ الناسَ وعليه عِمامة سوداء، أخرجه مسلم (١٣٥٩)
أيضاً، وكانت الخُطبة عند باب الكعبة وذلك بعد تمام الدُّخول، وهذا الجمع لعياضٍ.
وقال غيره: يُجمع بأنَّ العِمامة السَّوداء كانت مَلفوفةً فوق المِغْفَر، أو كانت تحت المِغِفَر ٦٢/٤
وقايةً لرأسِه من صَدأ الحديد، فأراد أنس بذِكر الِغِفَر كونه دخل مُتَهَيِّئاً للحَرب، وأراد
جابر بذِكر العِمامة كونه دخل غيرَ مُحرِم، وبهذا يَندَفِع إشكال من قال: لا دلالة في الحديث
على جواز دخول مكَّة بغير إحرام، لاحتمال أن يكون ◌َّال كان مُحرِماً، ولكنَّه غَطّى رأسه
لعُذرٍ، فقد اندَفَعَ ذلك بتصريحِ جابر بأنَّه لم يكن مُرِماً، لكن فيه إشكال من وجه آخر،
لأنه وَ لَه كان مُتأهِّباً للقتال ومَن كان كذلك جازَ له الدُّخول بغير إحرام عند الشافعية،
وإن كان عياض نقل الاتِّفاق على مُقابلِه.
وأمَّا من قال من الشافعية كابن القاصّ: دخول مكَّة بغير إحرام من خصائص النبي
وَهِ، ففيه نظرٌّ، لأنَّ الخصوصية لا تَثْبُت إلّا بدليلٍ، لكن زَعَمَ الطَّحاوي أنَّ دليل ذلك
قوله وَّ في حديث أبي شُرَيح(١) وغيره: إنَّها لم تَحِلّ إلا له (٢) ساعةً من نهار، وأنَّ المراد
بذلك جواز دخولها له بغير إحرام، لا تحريم القتل والقتال فيها، لأنهم أجمعوا على أنَّ
المشركين لو غَلَبوا - والعياذ بالله تعالى - على مكَّة حَلَّ للمسلمين قتالهم وقتلُهم فيها، وقد
عَكَسَ استدلاله النَّووي فقال: في الحديث دلالة على أنَّ مَكَّة تَبقى دارَ إسلام إلى يوم
(١) تقدم برقم (١٨٣٢).
(٢) في (س): له إلا.

١٧٢
باب ١٨ / ح ١٨٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
القيامة. فبَطَلَ ما صَوَّرَه الطَّحاوي، وفي دَعواهُ الإجماعَ نظر، فإنَّ الخلاف ثابت كما تقدَّم،
وقد حكاه القَفّال والماوَزْدي وغيرهما.
واستدلَّ بحديث الباب على أنَّه ◌ِوَّهِ فَتَحَ مَّة عَنوة، وأجاب النَّوي بأنَّه ◌َِّ كان
صالَّهم، لكن لمَّا لم يأمن غَدْرهم دخل مُتأهِّباً، وهذا جواب قوي إلَّ أنَّ الشَّأن في ثبوت
كونه صالَّهم، فإنَّه لا يُعرَفُ في شيء من الأخبار صريحاً كما سيأتي إيضاحه في الكلام على
فتح مگَّة من المغازي (٤٢٨٠) إن شاء الله تعالى.
واستدلَّ بقصَّة ابن خَطَل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حَرَم مگَّة، قال ابن
عبد البَرِّ: كان قتل ابن خَطَل قَوَداً من قتله المسلمَ. وقال السُّهَيلي: فيه أنَّ الكعبة لا تُعيذ
عاصياً ولا تَمنَع من إقامة حَدّ واجب. وقال النَّووي: تأوَّلَ من قال: لا يُقْتَلُ فيها، على أنَّه
وَ ل قتله في الساعة التي أُبيحَت له، وأجاب عنه أصحابُنا بأنَّهَا إِنَّا أُبِيحَت له ساعة
الدُّخول حتَّى استولى عليها وأذعَنَ أهلُها، وإِنَّا قُتِلَ ابنُ خَطَل بعد ذلك. انتهى، وتُعُقِّبَ
بما تقدَّم في الكلام على حديث أبي شُرَيح أنَّ المراد بالساعة التي أُحِلَّت له: ما بين أوَّل
النَّهار ودخول وقت العصر، وقتل ابن خَطَل كان قبل ذلك قطعاً، لأنه قُيِّدَ في الحديث
بأنَّه كان عند نَزعِه المِغْفَر وذلك عند استقراره بمكّة، وقد قال ابن خُزيمة: المراد بقوله في
حديث ابن عبّاس: ((ما أُحِلَّ (١) لأحدٍ فيه القتلُ غيري)) أي: قتلُ النَّفر الذين قُتِلوا يومئذٍ؛
ابنِ خَطَل ومن ذُكِرَ معه. قال: وكان الله قد أباح له القتال والقتل معاً في تلك الساعة،
وقتلُ ابن خَطَل وغيره بعد تَقَضّي القتال.
واستُدلَّ به على جواز قتل الذِّمّي(٢) إذا سَبَّ رسولَ الله ◌َّ)، وفيه نظر كما قاله ابن عبد
البَرّ، لأنَّ ابن خَطَل کان حربیاً ولم يُدخِله رسول الله ێ في أمانه لأهل مگَّة، بل استثناه
(١) في (س): ما أحل الله.
(٢) تحرف في (أ) إلى: البدعي، وأثبتناه على الصواب من (ع) و(س)، وكذلك جاء بذكر الذمي في ((الاستذكار))
لابن عبد البر عند شرحه حديث أنس هذا من ((الموطأ)».

١٧٣
باب ١٩ / ح ١٨٤٧
أبواب جزاء الصيد ونحوه
مع من استُثني، وخرج أمرُه بقتله مع أمانه لغيره مَخَرَجاً واحداً، فلا دلالة فيه لما ذكره.
انتهى. ويُمكِنُ أن يُتمسَّك به في جواز قتل من فعلَ ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه
ذِمّياً، لكنَّ ابن خَطَل عَمِلَ بموجِبات القتل، فلم يَتَحَتَّم أنَّ سببَ قتله السَّبّ.
واستُدلَّ به على جواز قتل الأسير صَبراً لأنَّ القُدرة على ابن خَطَل صَيََّته كالأسير في
يَد الإمام وهو مُخيَّر فيه بين القتل وغيره، لكن قال الخطَّبي: إنَّه وَّ قتله بما جَناه في
الإسلام. وقال ابن عبد البَرِّ: قتله قَوَداً من دم المسلم الذي غَدَرَ به وقتله، ثمَّ ارتَدَّ كما
تقدَّم.
واستُدلَّ به على جواز قتل الأسير من غير أن يُعرَضَ عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو
داود (٢٦٨٥).
وفيه مشروعية لُبسِ المِغفَر وغيره من آلات السّلاح حالَ الخوف من العدوّ، وأنَّه لا
ينافي التوكُّل، وقد تقدَّم في ((باب متى تَحِلّ المعتمِرُ)) (١٧٩١) من أبواب العمرة من حديث
عبد الله بن أبي أوفى: اعتمَرَ رسول الله وَّةِ، فلمَّا دخل مكَّة طافَ وطُفنا معه، ومعه من
يَستُرُه من أهل مكَّة أن يَرميه أحدٌ ... الحديث،/ وإنَّما احتاجَ إلى ذلك لأنه كان حينئذٍ مُرِماً ٦٣/٤
فخَشِيَ الصحابة أن يَرميَه بعض سُفَهاء المشركين بشيءٍ يُؤذيه، فكانوا حولَه يَستُرُونَ رأسَه
ويحفظونه من ذلك.
وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر، ولا يكون ذلك من الغِيبة المحرَّمة
ولا النَّميمة.
١٩ - باب إذا أحرم جاهلاً وعلیه قميص
وقال عطاءٌ: إذا تَطَيِّبَ أو لَبِسَ جاهلاً أو ناسياً فلا كفَّارةَ عليه.
١٨٤٧ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا عطاءٌ، قال: حدَّثني صفوانُ بنُ يَعْلى، عن
أبيه، قال: كنتُ مع رسولِ الله وَّةِ، فأتاه رجلٌ عليه جُبَّةٌ فيه أثرُ صُفرةٍ أو نحوه، كان عمرُ

١٧٤
باب ١٩ / ح ١٨٤٧ - ١٨٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
يقول لي: تُحِبُّ إذا نزل عليه الوحيُّ أن تَراه؟ فنزل عليه، ثمَّ سُرِّيَ عنه، فقال: ((اصنَعْ في
عمرَتِكَ ما تَصنَعُ في حجِّكَ)).
١٨٤٨ - وعَضَّ رجلٌ يَدَ رجلٍ، يعني: فانتَزَعَ ثَنِيَتَه، فأبطَلَه النبيُّ ◌َله.
[أطرافه في: ٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣]
قوله: ((باب إذا أحرَمَ جاهلاً وعليه قَميص)) أي: هل يَلزَمه فِدية أو لا؟ وإنَّما لم يَجِزِم
بالحكم لأنَّ حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفِذْية، ومن ثَمَّ استَظهَرَ المصنِّف
للراجحِ بقول عطاء راوي الحديث، كأنَّه يشير إلى أنَّه لو كانت الفِدْية واجبة لمَا خفيت
عن عطاء وهو راوي الحديث. قال ابن بَطَّال وغيره: وجه الدلالة منه أنَّه لو لَزِمَته الفِدْية
لَبَّنْها ◌َِّ، لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرَّقَ مالك فيمن تَطَيَّبَ أو لَبِسَ
ناسياً، بين من بادرَ فنزَعَ وغَسَلَ وبين من تمادى، والشافعي أشدّ موافقة للحديث، لأنَّ
السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى، ومع ذلك لم يُؤمَر بالفِدْية،
وقول مالك فيه احتياط، وأمَّا قول الكوفيين والمُزَني فخلاف لهذا الحديث. انتهى،
وأجاب ابن المنيِّر في الحاشية بأنَّ الوقت الذي أحرَمَ فيه الرجل في الجُبَّة كان قبل نزول
الحكم، ولهذا انتَظَرَ النبي ◌َّ الوحي، قال: ولا خلاف أنَّ التكليف لا يَتَوَجَّه على المكلّف
قبل نزول الحكم، فلهذا لم يُؤمَر الرجل بفِديةٍ عَّا مضى، بخلاف من لَبِسَ الآن جاهلاً فإنَّه
جَهِلَ حُكماً استقرَّ وقَصَّرَ في عِلم كان عليه أن يَتعلَّمه لكونِهِ مُكلَّفاً به وقد تمكَّنَ من تَعَلُّمه.
قوله: ((وقال عطاء ... )) إلى آخره، ذكره ابن المنذر في ((الأوسط)) ووَصَلَه في ((الكبير))(١)،
وأمَّا حديث يعلى فقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى في ((باب غَسل الخَلوق)) في أوائل الحج
(١٥٣٦).
(١) هكذا في الأصلين الخطيّين على الصواب، ووقع في (س) والنسخ المنقولة عنها - ومنها طبعتا نظر الفاريابي
وشيبة الحمد -: ووصله الطبراني في ((الكبير))؛ بزيادة ((الطبراني)) وهو خطأ، لأن المقصود أن ابن المنذر
هو نفسه وصله في ((الكبير))، يعني: في كتابه الكبير الذي اختصر منه كتاب ((الأوسط))، واسم كتابه
الكبير: ((المبسوط))، كما هو مبيَّن في مقدمة د. صغير حنيف لكتاب ((الأوسط)).

١٧٥
باب ٢٠ / ح ١٨٤٩ - ١٨٥٠
أبواب جزاء الصيد ونحوه
قوله في الإسناد: «صفوان بن یعلی بن أُميّة قال: کنت مع النبي پټ)) هذا وقع في رواية أبي
ذرِّ، وهو تصحيف، والصواب ما ثبت في رواية غيره: ((صفوان بن يعلى، عن أبيه))
فَتَصَحَّفَت ((عن)) فصارت: بن، و((أبيه)) فصارت: أُميَّة، أو سَقَطَ من السَّنَد: عن أبيه،
ولیست لصفوان صحبة ولا رواية.
قوله: ((وعَضَّ رجل يدَ رجل)) هذا حديث آخر وسيأتي مبسوطاً مع الكلام عليه في
أبواب الدّية (٦٨٩٢) إن شاء الله تعالى.
٢٠ - باب المحرم يموت بعرفة
ولم يأمرِ النبيُّ ◌َّ أَن يُؤَدَّى عنه بقيَّةُ الحجّ.
١٨٤٩ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، عن سعيد بنِ
جُبَير، / عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بَيْنا رجلٌ واقِفٌ مع النبيِّ وَّ بِعَرَفَةَ، إذ وقَعَ ٦٤/٤
عن راحلته فوَقَصَته - أو قال: فأقعَصَته - فقال النبيُّ ◌َّهِ: «اغسِلوه بماءٍ وسِدٍ، وكَفِّوه في ثوبَينِ
- أو قال: ثوبَيه - ولا تُحِنِّطُوه، ولا تُحمِّروا رأسَه، فإنَّ اللهَ يَبعَثُه يومَ القيامة يُلِّي)).
١٨٥٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن أيوبَ، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بَيْنا رجلٌ واقِفٌ مع النبيِّ ◌َ بِعَرَفَةَ، إذ وَقَعَ عن راحلتِهِ فَوَقَصَتْه
- أو قال: فأوقَصَتْه - فقال النبيُّ ◌َلّ: ((اغسِلوه بماءٍ وسِدرٍ، وكَفِّنوه في ثوبَينِ، ولا تُمِسُّوه طِيباً،
ولا تُحُمِّروا رأسَه ولا تُحتِّطوه، فإنَّ اللهَ يَبعَثُه يومَ القِيامة مُلبِياً)).
قوله: ((باب المحرِم يموت بعَرَفة، ولم يأمر النبي ◌َّ أَن يُؤَدّى عنه بقية الحج)) يعني: لم
يُنقَل ذلك. وذكر فيه حديث ابن عبّاس في الرجل المحرم الذي وقع عن بعيره بعَرَفة
فمات، وقد تقدَّم التنبيه عليه في ((باب ما يُنهى عن الطّيب للمُحرِم)) (١٨٣٩).
وأوردَه المصنّ من حديث حمّاد بن زيد عن عَمْرو بن دينار، وعن أيوب - فرَّقَهما -
كلاهما عن سعيد بن جُبَير، ووقع في رواية عَمْرو: ((فوَقَصَته أو قال: فأقعَصَته)»، وفي رواية
أيوب: ((فَوَقَصَته أو قال: فأوقَصَته))، وكلّها بمعنَّى، وزاد في رواية أيوب: ((ولا تُمُسُّوه

١٧٦
باب ٢١-٢٢ / ح ١٨٥١ -١٨٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
طيباً)، والباقي سواء. وقد وقع عند مسلم (٩٥/١٢٠٦) من رواية إسماعيل ابن عُليَّة في
هذا الحديث عن أيوب قال: ((نُبِّئْت عن سعيد بن جُبَير)) فالله أعلم.
٢١ - باب سُنّة المحرم إذا مات
١٨٥١ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنَا هُشَيم، أخبرنا أبو بشٍ، عن سعيد بنِ جُبَير،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً كان مع النبيِّ وَّهِ، فَقَصَته ناقتُه وهو مُحِمٌ نمات،
فقال رسولُ الله ◌َّهَ: ((اغسِلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنوه في ثوبَيه ولا تُمِسُّوه بطِيبٍ، ولا تُخُمِّروا
رأسَه، فإنَّه يُبعَثُ يومَ القيامة مُلِّيّا)).
قوله: «باب سُنّة المحرم إذا مات) ذکر فیه حديث ابن عبّاس المذكور من وجه آخر عن
سعيد بن جُبَير، وقد سَبَقَ.
٢٢ - باب الحجّ والتّذور عن الميّت، والرجلُ يحجّ عن المرأة
١٨٥٢ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بنِ حُبیر،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً من جُهَينةَ جاءت إلى النبيِّ ◌َّ، فقالت: إنَّ أُمّي
نَذَرَت أن تحجَّ فلم تحجَّ حتَّى ماتت، أفأحجُ عنها؟ قال: ((حُجّي عنها، أرأيتٍ لو كان على أُمُّكِ
دَينٌّ أكنتٍ قاضِيَتَه؟ اقضُوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاءِ».
[طرفاه في: ٧٣١٥،٦٦٩٩]
قوله: ((باب الحج والنُّذور عن الميّت)) كذا ثبت للأكثر بلفظ الجمع، وفي رواية النَّسَفي:
٦٥/٤
((النَّذر)) بالإفراد.
قوله: ((والرجل يحجّ عن المرأة» يعني أنَّ حدیث الباب يُستَدَلّ به على الحكمين، وفيه على
الحكم الثاني نظر، لأنَّ لفظ الحديث: أنَّ امرأة سألت عن نَذْر كان على أبيها. فكان حقّ
الترجمة أن يقول: والمرأة تحجّ عن الرجل، وأجاب ابن بَطَّال بأنَّ النبي ◌َِّ خاطَبَ المرأة
بخِطابٍ دخل فيه الرجال والنِّساء، وهو قوله: ((اقضوا الله))، قال: ولا خلاف في جواز حجّ
الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولم يخالف في جواز حجّ الرجل عن المرأة والمرأة عن

١٧٧
باب ٢٢ / ح ١٨٥٢
أبواب جزاء الصيد ونحوه
الرجل إلَّا الحسن بن صالح. انتهى، والذي يَظهَر لي أنَّ البخاري أشار بالترجمة إلى رواية
شُعْبة عن أبي بشر في هذا الحديث، فإنَّه قال فيها: أتى رجل النبيَّ وَّ فقال: إنَّ أُختي نَذَرَت
أن تحجّ ... الحديث، وفيه: ((فاقضِ الله فهو أحقّ بالقضاء)»، أخرجه المصنّف في كتاب
التُّذور (٦٦٩٩)، وكذا أخرجه أحمد (٢١٤٠) والنَّسائي (٢٦٣٢) من طريق شُعْبة.
قوله: «أن امرأة من جُھینة)» لم أقفْ على اسمها ولا على اسم أبيها، لكن روی ابن وَهْب
عن عثمان بن عطاء الخُراساني عن أبيه: أنَّ غاِئة أو غائية أتَتِ النبي ◌َّه فقالت: إنَّ أُمّي
ماتت وعليها نَذْر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: ((اقضي عنها))، أخرجه ابن مَندَهْ في حرف
الغَين المعجمة من الصحابيات، وتَرَدَّدَ هل هي بتقديم المثنَّة التحتانية على المثلَّثة أو
بالعكس، وجَزَمَ ابن طاهر في ((المبهَمات)) بأنَّه اسم الجُهَنية المذكورة في حديث الباب، وقد
روى النَّسائي (٢٦٣٣) وابن خُزيمة (٣٠٣٤) وأحمد (٢٥١٨) من طريق موسى بن سَلَمة
الهُذَلي عن ابن عبّاس قال: أمَرَت امرأةٌ سِنَان بن عبد الله الجُهَني أن يسألَ رسول الله وَلّ
عن أُمّها تُوقِّيت ولم تحجَّ ... الحديث، لفظ أحمد، ووقع عند النَّسائي: سِنان بن سَلَمة،
والأوَّل أصحُّ، وهذا لا يُفسَّر به المبهم في حديث الباب أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي هذا
أنَّ زوجها سأل لها، ويُمكِن الجمع بأن يكون نسبةُ السُّؤال إليها مَجَازيةً، وإنَّما الذي توَلّى لها
السُّؤال زوجُها، وغايته أنَّه في هذه الرواية لم يُصرِّح بأنَّ الحَجّة المسؤول عنها كانت نَذراً،
وأمَّا ما روى ابن ماجَهْ(١) من طريق محمد بن كُرَيب عن أبيه عن ابن عبّاس عن سِنان بن
عبد الله الجُهَني أنَّ عمَّته حدَّثَتَه: أنَّهَا أتت النبي وَِّ فقالت: إنَّ أُمّي تُوقِّيت وعليها مشيٌ
إلى الكعبة نَذراً، الحديث. فإن كان محفوظاً حُملَ على واقعتَينِ بأن تكون امرأته سألت على
لسانه عن حَجَّة أُمّها المفروضة، وبأن تكون عمَّته سألت بنفسها عن حَجَّة أُمّها المنذورة،
(١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، والذي أخرجه من هذا الطريق إنما هو ابن أبي شيبة ١٦٩/١٤-١٧٠،
ثم إن سنان بن عبد الله الجهني هذا وعمته ليس لهما رواية في الكتب الستة.
والذي عند ابن ماجه (٢٩٠٨) من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس عن حصين بن عوف
قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج إلا معترضاً، فصَمَتَ ساعة، ثم قال:
((حُجَّ عن أبيك)).

١٧٨
باب ٢٢ / ح ١٨٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
ويُفسَّر مَن في حديث الباب بأنَّها عمَّة سِنان واسمها غايِئة كما تقدَّم، ولم تُسمَّ المرأة ولا
العمّة ولا أُمّ واحدة منهما.
قوله: ((إنَّ أُمَّي نَذَرَت أن تحجَّ)) كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس من
رواية أبي عَوَانة عنه، وسيأتي في النُّذور (٦٦٩٩) من طريق شُعْبة عن أبي بشر بلفظ: أتى
رجلٌ النبيَّ وَّه فقال له: إنَّ أُختي نَذَرَت أن تحجَّ وإنَّها ماتت، فإن كان محفوظاً احتمل أن
يكون كلٌّ من الأخ سأل عن أُخته، والبنت سألت عن أُمّها، وسيأتي في الصيام (١٩٥٣)
من طريق أُخرى عن سعيد بن جُبَير بلفظ: قالت امرأة: إنَّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر،
وسيأتي بسطُ القول فيه هناك.
وزَعَمَ بعض المخالفين أنَّه اضطراب يُعلَّل به الحديث، ولیس کما قال، فإنّه محمول على
أنَّ المرأة سألت عن كلٌّ من الصوم والحج، ويدلّ عليه ما رواه مسلم (١١٤٩) عن بُرَيدةَ:
أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، إنِّي تصدَّقت على أُمّي بجاريةٍ وإنَّها ماتت، قال: ((وَجَبَ
أجرُك، ورَدَّها عليك الميراث)) قالت: إنَّه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال:
((صومي عنها)) قالت: إنَّها لم تحجَّ، أفأحجُ عنها؟ قال: ((حُجِّي عنها)). وللسُّؤال عن قصّة
الحج من حديث ابن عبّاس أصلٌ آخر(١) أخرجه النَّسائي (٢٦٣٤) من طريق سليمان بن
يَسَار عنه، وله شاهد من حديث أنس عند البَزَّار (٦٨٩١) والطبراني (٧٤٨) والدّار قُطْني
(٢٦١١).
واستُدلَّ به على صِحّة نَذْر الحج ممَّن لم يحجَّ، فإذا حجَّ أجزأه عن حجَّة الإسلام عند
الجمهور وعليه الحج عن النَّذر، وقيل: يُحِزِئ عن النَّذر ثمَّ يحجّ حجَّةَ الإسلام، وقيل:
◌ُزِئ عنهما.
(١) كذا في (س)، وجاء في الأصلين: والسؤال عن قصة الحج من حديث ابن عباس أصلٌ، وما في (س)
هو الأنسب لسياق الكلام، والله أعلم. والعجب من الحافظ رحمه الله عزوه رواية سليمان بن يسار هذه
للنسائي مع أنها ستأتي عند البخاري في الباب اللاحق برقم (١٨٥٤)، وهي عند مسلم أيضاً
(١٣٣٤)(٤٠٧)!

١٧٩
باب ٢٣ / ح ١٨٥٣
أبواب جزاء الصيد ونحوه
قوله: ((قال: حُجّي عنها))، في رواية موسى بن سَلَمة: أفيُجزِئ عنها أن أحجَّ عنها؟ ٦٦/٤
قال: ((نعم)).
قوله: ((أرأيتِ ... )) إلى آخره، فيه مشروعية القياس وضَرْب المثَل ليكون أوضحَ وأوقَعَ
في نفس السامع وأقربَ إلى سُرعة فهمه. وفيه تشبيه ما اختُلِفَ فيه وأشكَلَ بما اتُّفِقَ عليه.
وفيه أنَّه يُستَحَبّ للمُفتي التنبيه على وجه الدَّليل إذا تَرَتَّبَت على ذلك مَصلَحةٌ، وهو
أطيَب لنفسِ المستفتي وأدعى لإذعانه. وفيه أنَّ وفاء الدَّين المالي عن الميِّت كان معلوماً
عندهم مُقَرَّراً ولهذا حَسُنَ الإلحاق به. وفيه إجزاء الحج عن الميِّت، وفيه اختلاف: فروى
سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن أحد، ونحوه عن
مالك والليث، وعن مالك أيضاً: إن أوصى بذلك فليُحَجَّ عنه وإلَّا فلا، وسيأتي البحث
في ذلك في الباب الذي يليه.
قوله: ((أكنتِ قاضِيَتَه؟)) كذا للأكثر بضميرٍ يعود على الدَّين، وللكُشْمِيهنيّ: ((قاضيةً»
بوزنٍ فاعلة على حذف المفعول. وفيه أنَّ من مات وعليه حجّ وَجَبَ على وليه أن يُجهِّز من
يحجّ عنه من رأس ماله، كما أنَّ عليه قضاءَ ديونه، فقد أجمعوا على أنَّ دَين الآدمي من رأس
المال، فكذلك ما شُبِّهَ به في القضاء، ويَلتَحِق بالحجِّ كلُّ حقِّ ثبت في ذِمَّته من كفَّارة أو نَذْر
أو زكاة أو غير ذلك.
وفي قوله: ((فالله أحقُّ بالوفاء)» دليل على أنَّه مقدَّم على دَينِ الآدمي، وهو أحد أقوال
الشافعية، وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. قال الطِّيبي: في الحديث إشعار بأنَّ المسؤول
عنه خَلَّفَ مالاً، فأخبره النبي ◌َِّ أنَّ حقَّ الله مقدَّم على حقّ العباد، وأوجَبَ عليه الحج
عنه، والجامع عِلّة المالية. قلت: ولم يَتحتَّم من الجواب المذكور أن يكون خَلَّفَ مالاً كما
زَعَم، لأنَّ قوله: ((أكنتِ قاضيتَه؟)) أعمُّ من أن يكون المراد ممّا خَلَّفَه أو تبرُّعاً.
٢٣ - باب الحج عمَّن لا يستطيع الثَّبوت على الراحلة
١٨٥٣ - حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن

١٨٠
باب ٢٣ / ح ١٨٥٣ - ١٨٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
ابنِ عَّاسٍ، عن الفضلِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم: أنَّ امرأةً (ح)
١٨٥٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ،
عن سليمانَ بن يَسارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: جاءتِ امرأةٌ من خَتعَمَ عامَ حجَّة
الوداع، قالت: يا رسولَ الله، إنَّ فريضةَ الله على عبادِه في الحجِّ أدرَكَت أبي شيخاً كبيراً، لا
يستطيعُ أن يَستَوِيَ على الراحلة، فهل يَقضي عنه أن أحجَّ عنه؟ قال: ((نعم)).
قوله: ((باب الحج عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الراحلة)) أي: من الأحياء، خلافاً لمالك
في ذلك، ولمن قال: لا يحجّ أحد عن أحد مُطلَقاً، كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيرُه الإجماعَ
أنَّه لا يجوز أن يَستَنيب من يَقدِر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأمَّا النَّفل فيجوز عند
أبي حنيفة خلافاً للشافعي، وعن أحمد روايتان.
قوله: ((عن ابن شهاب عن سليمان)) في رواية التِّرمِذي (٩٢٨) من طريق رَوْح عن ابن
جُرَيج: أخبرني ابن شهاب حدَّثني سليمان بن يسار.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية شعيب الآتية في الاستئذان (٦٢٢٨) عن ابن شهاب:
أخبرني سلیمان أخبرني عبد الله بن عبّاس.
قوله: ((عن الفضل بن عبّاس)) كذا قال ابن جُرَيج وتابعه مَعمَر، وخالَفَهما مالك وأكثر
الزُّواة عن الزُّهْري، فلم يقولوا فيه: عن الفضل، وروى ابن ماجَهْ (٢٩٠٨) من طريق
٦٧/٤ محمد بن كُرَيب عن أبيه: عن ابن عبّاس أخبرني/ حُصَينُ بن عوف الَتْعَمي، قال: قلت:
يا رسول الله، إنَّ أبي أدرَكَه الحج ولا يستطيع أن يحجّ ... الحديث، قال التِّرمِذي: سألت
محمداً - يعني البخاري - عن هذا فقال: أصحُّ شيء فيه ما روى ابن عبّاس عن الفضل،
قال: فيحتمل أن يكون ابن عبّاس سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير واسطة.
انتهى، وإنَّما رَجَّحَ البخاري الرواية عن الفضل؛ لأنه كان رِدْف النبي ◌َّ حينئذٍ، وكان ابن
عبَّاس قد تقدَّم من مُزدَلِفة إلى مِنَّى مع الضَّعَفة كما سيأتي بعد باب، وقد سَبَقَ في ((باب
التلبية والتكبير)) (١٦٨٥) من طريق عطاء عن ابن عبّاس: أنَّ النبي ◌َّ أردَفَ الفضل،