النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ باب ٩ / ح ١٨٣٣ أبواب جزاء الصيد ونحوه وفي حديث أبي شُرَيح من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثِقَته وضَبْطُه لِمَا سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يُغيِّرِه من أمر الدّين، والموعِظةُ بلطفٍ وتَدريج، والاقتصار في الإنكار على اللُّسان إذا لم يستطع باليد، ووقوع التأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأُمور الدِّينية، وجواز النَّسخ، وأنَّ مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حُجّةً على مجتهد. وفيه: الخروج عن عُهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع بُدّاً من ذلك، وتمسّكَ به من قال بأنَّ مكَّة فُتِحَت عَنوة. قال النَّووي: تأوَّلَ من قال فُتِحَت صُلحاً بأنَّ القتال كان جائزاً له لو فعله، لكن لم يَحتَج إليه، وتُعُقِّبَ بأنَّه خلاف الواقع، وسيأتي البحث فيه في المغازي (٤٢٩٥). وقد تقدَّمت تسمية القاتل والمقتول في قصَّة أبي شُرَيح في الكلام على حديث أبي هريرة (١١٢). ٤٦/٤ ٩- بابٌ لا يُنفَّر صيد الحرم ١٨٣٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ وَ ◌ّه قال: إنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فلم تَحِلَّ لأحدٍ بعدي، وإِنَّا أُحِلَّت لي ساعةً من نهارٍ، لا يُخْتَلَى خَلاها، ولا يُعضَدُ شجرُها، ولا يُنفَّرُ صيدُها، ولا تُلَقَطُ لُقَطَتُها إلا المُعرِّفٍ)). وقال العبّاسُ: يا رسولَ الله، إلا الإذخِرَ لصاغَتِنا وقُبُورِنا؟ فقال: ((إلا الإذخِرَ)). وعن خالٍ، عن عِكْرمةً، قال: هل تَدري ما ((لا يُنفَّرُ صيدُها))؟ هو أن يُتَحِّيَه من الظُّلِّ، یَنزِلُ مكانه. قوله: ((بابٌ لا يُنفَّر صيد الحَرَم» بضمٍّ أوَّله وتشديد الفاء المفتوحة، قيل: هو کِناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره كما سيأتي. قال النَّووي: يَجِرُم التنفير - وهو الإزعاج - عن موضعه، فإن نَفَّرَه عصى، سواء تَلِفَ أو لا، فإن تَلِفَ في ◌ِفاره قبل سكونه ضمِنَ، وإلَّا فلا، قال العلماء: يُستَفاد من النَّهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأَولى. قوله: ((حدَّثنا عبد الوهَّاب)): هو الثَّقفي، وخالد: هو الحَذّاء. ١٤٢ باب ٩ / ح ١٨٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إنَّ الله حَرَّمَ مَّة فلم تَحِلّ لأحدٍ بعدي))(١) في رواية الكُشْمِيهنيّ ((فلا تَحِلٌ»، وهو أليَق بقَصد الأمر الآتي، وقد ذُكِر في الباب الذي بعده بلفظ: ((وإنَّه لم يَحِلّ القتال فيه لأحدٍ قبلي))، وهو عند المصنّف في أوائل البيع (٢٠٩٠) من طريق خالد الطَّحّان عن خالد الحَذّاء بلفظ: ((ولم تَحِلّ لأحدٍ قبلي ولا تَحِلّ لأحدٍ بعدي))(٢)، ومثله لأحمد (٢٢٧٩) من طريق وُهَيب عن خالد الطحان. قال ابن بَطَّال: المراد بقوله: ((ولا تَحِلّ لأحدٍ بعدي)): الإخبار عن الحكم في ذلك، لا الإخبار بما سَيقعُ، لوقوع خلاف ذلك في الشاهد كما وقع من الحجّاج وغيره، انتهى. ومُحُصَّله: أنَّه خبر بمعنى النَّهي، بخلاف قوله: ((فلم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي)) فإنَّه خبر مَضّ، أو معنى قوله: ((ولا تَحِلّ لأحدٍ بعدي)» أي: لا يُحِلّها الله بعدي، لأنَّ النَّسْخِ يَنْقَطِعِ بعده، لکونِه خاتم النبيِّين. قوله: ((وعن خالد)) هو بالإسناد المذكور، وسيأتي في أوائل البيوع (٢٠٩٠) بأوضح ممَّاً هنا. قوله: ((هل تدري ما: لا يُنفَّر صيدها؟ ... )) إلى آخره، قيل: نَبَّه ◌ِكْرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وقد خالَفَ عِكْرمةَ عطاءٌ ومجاهدٌ فقالا: لا بأس بطَردِه، ما لم يُفضِ إلى قتله. أخرجه ابن أبي شَيْبة، وروى ابن أبي شَيْبة أيضاً من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكَّة: أنَّ حَماماً كان على البيت فذَرَقَ على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مگَّة، فجاءت حَيَّة فأكَلَته، فحكم عمر على نفسه بشاةٍ. وروي من طریق أُخرى عن عثمان نحوه. (١) كذا وقع للحافظ ابن حجر والعيني: ((فلم تحل لأحد بعدي)) مقتصرةً نسختاهما عليها، والذي في روايات (صحيح البخاري)) دون إشارة في النسخة اليونينية إلى اختلاف بينها: ((فلم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي))، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في موضعين من طريق عبد الوهاب الثقفي؛ في هذا الموضع باللفظ الذي أشرنا إليه، وفي الجنائز (١٣٤٩) بلفظ: ((فلم تحلَّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي)). (٢) كذا وقع للحافظ أيضاً: ((ولا تحل لأحد بعدي)) بزيادة كلمة ((تحل))، ولم ترد في شيء من روايات البخاري حسب النسخة اليونينية. ١٤٣ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه ١٠ - باب لا يحلّ القتال بمكّة وقال أبو شُرَيح ◌َّه، عن النبيِّ ◌َّ: ((لا يَسِفِكُ بها دَماً». ١٨٣٤ - حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ يومَ افَتَحَ مَكَّةَ: «لا هجرةَ ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُثِفِرتُم فانِفِروا،/ فإنَّ هذا بَلَدٌ حَرَّمَه الله يومَ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ، وهو حرامٌ ٤٧/٤ بحُرمة الله إلى يومِ القِيامةِ، وإِنَّه لا تَحِلُّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحُرمة الله إلى يومِ القِيامةِ، لا يُعضَدُ شَوكُه، ولا يُنفَّرُ صيدُه، ولا يَلتَقِطُ لُقَطَتَه إلا مَن عَرَّفَها، ولا يُخْتَلَى خَلَاها)) فقال العبّاسُ: يا رسولَ الله، إلا الإذخِرَ؛ فإنَّه لِقَيِهم ولِبُيُوتِهِم؟ قال: قال: ((إلّا الإذخِرَ)». قوله: ((باب لا يَحِلّ القتال بمكَّة» هكذا ترجم بلفظ: القتال، وهو الواقع في حديث الباب، ووقع عند مسلم (١٣٥٣) في رواية كذلك، وفي أُخرى بلفظ: القتل، بدل: القتال، وللعلماءِ في كلّ منهما اختلاف سنذكره. قوله: ((وقال أبو شُرَيح)) إلى آخره، تقدَّم موصولاً قبل باب (١٨٣٢)، ووجه الاستدلال به لتحريم القتال من جهة أنَّ القتال يُفضي إلى القتل، فقد وَرَدَ تحريم سَفك الدَّم بها بلفظ النَّكِرة في سياق النَّفي فيَعُمّ. قوله: ((عن مجاهد عن طاووس)) كذا رواه منصور موصولاً، وخالَفَه الأعمش فرواه عن مجاهد عن النبي ◌َِّ مُرسلاً، أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضاً عن سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد مُرسلاً، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوَصِلِه. قوله: ((يوم افتَتَحَ مكَّة)) هو ظرفٌ للقول المذكور. قوله: «لا هجرة)» أي: بعد الفتح، وأفصحَ بذلك في رواية عليّ بن المديني عن جَرِير في كتاب الجهاد (٣١٨٩). قوله: ((ولكن جهاد ونية)) المعنى أنَّ وجوب الهجرة من مكَّة انقَطَعَ بفتحها إذ صارت ١٤٤ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ فتح الباري بشرح البخاري دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسَّرَه بقوله: ((فإذا استُثِفِرتُم فانفروا)) أي: إذا دُعيتُم إلى الغَزو فأجيبوا. قال الطِّيبي: قوله: ((ولكن جهاد)» عَطْف على محل مَدخول ((لا هجرة)) أي: الهجرة إمّا فِراراً من الكُفّار، وإمّا إلى الجهاد، وإمّا إلى نحو طلب العلم، وقد انقَطَعَت الأولى فاغتَنِموا الأُخرَيين. وتَضمَّنَ الحديث بشارة من النبي وَ ل﴿ بأنَّ مكَّة تَستَمِرّ دار إسلام، وسيأتي البحث في ذلك مُستولّى في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى. قوله: ((فإنَّ هذا بَلَد حَرَّمَ، الفاء جواب شرطٍ محذوف تقديره: إذا عَلِمتُم ذلك فاعلَموا أنّ هذا بَلَد حرام، وكأنَّ وجه المناسَبة أنَّه لمَّا كان نَصْبُ القتال عليه حراماً كان التنفير يقع منه لا إليه، ولمَّا روى مسلم (١٣٥٣) هذا الحديث عن إسحاق عن جَرِير، فَصَلَ الكلام الأوَّل من الثاني بقوله: ((وقال يوم الفتح: إنَّ الله حَرَّمَ)) إلى آخره، فجَعَله حديثاً آخر مُستقلًا، وهو مُقتَضی صنیع من اقتَصَرَ علی الکلام الأوَّل کعليّ بن المديني عن جَرِیر، كما سيأتي في الجهاد. قوله: (حَرَّمه الله)) سَبَقَ مشروحاً في حديث أبي شُرَيح (١٨٣٢)، ووقع في رواية غير الكُشْمِيهنيّ ((حَرَّمَ الله)) بحذفِ الهاء. قوله: ((وهو حرام بحُرمة الله)) أي: بتحريمِه، وقيل الحُرمة: الحقّ، أي: حرام بالحقِّ المانع من تَحليله، واستدلَّ به على تحريم القتل والقتال بالحَرَم، فأمَّا القتل فنقل بعضهم الاتّفاق على جواز إقامة حَدّ القتل فيها على من أوقَعَه فيها، وخَصَّ الخلاف بمِن قتلَ في الحِلّ ثمَّ لجأ إلى الحَرَم، ومَمَّن نقل الإجماع على ذلك ابن الجَوْزي، واحتَجَّ بعضهم بقتل ابن خَطَل بها، ولا حُجّة فيه لأنَّ ذلك كان في الوقت الذي أُحِلَّت فيه للنبي وَّرِ كما تقدَّم، وزَعَمَ ابن حَزْم أنَّ مُقتَضى قول ابن عمر وابن عبَّاس وغيرهما أنَّه لا يجوز القتل فيها مُطلَقاً، ونقل التفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يُقْتَل في الحَرَم حتَّى يَخْرُج إلى الحِّ باختياره، لكن لا يُجالَس ولا يُكلَّم، ويوعَظ ويُذَكَّرِ حَتَّى يَخْرُج. وقال أبو يوسف: يُخْرَج مُضطَرّاً إلى الحِلّ، وفَعَله ابن الزُّبَير، وروى ابن أبي شَيْبة من طريق طاووس عن ابن ١٤٥ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه عبَّاس: من أصاب حَدّاً ثمَّ دخل الحَرَم لم يُجالَس ولم يُبايَع، وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحَدّ مُطلَقاً فيها، لأنَّ العاصيِ هَتَكَ حُرمة نفسه فأبطَلَ / ما جعل الله له من الأمن. ٤٨/٤ وأمَّا القتال فقال الماوردي: من خصائص مكَّة أن لا يُحارب أهلها، فلو بَغَوا على أهل العَدل فإن أمكَنَ رَدّهم بغير قتال لم يَجُزْ، وإن لم يُمكِن إلَّا بالقتال، فقال الجمهور: يُقاتَلون، لأنَّ قتال البُغاة من حقوق الله تعالى، فلا يجوز إضاعتها. وقال آخرون: لا يجوز قتالهم بل يُضَيَّق عليهم إلى أن يَرجِعوا إلى الطاعة. قال النَّووي: والأوَّل نَصَّ عليه الشافعي، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم نصب القتال بما يَعُمّ أذاه كالمَنجَنيق، بخلاف ما لو تَحَصَّنَ الكُفّار في بَلَد، فإنَّه يجوز قتالهم على كلّ وجه. وعن الشافعي قول آخرُ بالتحريم، اختاره القَفّل، وجَزَمَ به في ((شَرَحَ التلخيص))، وقال به جماعة من علماء الشافعية والمالكية. قال الطَّبري: من أتى حَدّاً في الحِلّ واستجار بالحرم فللإمام إجاؤه إلى الخروج منه، ولیس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يُحاصره ويُضَيِّق عليه حتَّى يُذْعِن للطّاعة، لقوله وَّةِ: ((وإنَّما أُحِلَّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حُرمَتها اليوم كحُرمَتها بالأمس)) (١) فعُلِمَ أنَّها لا تَحِلّ لأحدٍ بعده بالمعنى الذي حَلَّت له به وهو مُحاربة أهلها والقتل فيها. ومال ابن العربي إلى هذا. وقال ابن المنيِر: قد أكَّدَ النبي (٢) التحريم بقوله: ((حَرَّمَه الله)) ثمَّ قال: ((فهو حرام بخُرْمة الله))، ثمَّ قال: ((ولم تَحِلّ لي إلَّا ساعة من نهار))، وكان إذا أراد التأكيد ذكَر الشيء ثلاثاً، قال: فهذا نَصّ لا يحتمل التأويل. وقال القُرطُبي: ظاهر الحديث يقتضى تخصيصه وَّه بالقتال؛ لاعتذاره عَّا أُبِيحَ له من ذلك مع أنَّ أهل مكَّة كانوا إذ ذاكَ مُستَحقّين للقتال والقتل لصَدِّهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهلَه منه وكُفرهم، وهذا هو الذي فَهِمَه أبو شُرَيح كما تقدَّم، وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكَّد القول بالتحريم (١) تقدم من حديث أبي شريح برقم (١٨٣٢). (٢) تحرف في الأصلين إلى: قد أكد الله. ١٤٦ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ فتح الباري بشرح البخاري بأنَّ الحديث دالٌّ على أنَّ المأذون للنبي وَّر فيه لم يُؤْذَن لغيره فيه، والذي وقع له إنَّما هو مُطلَق القتال لا القتال الخاصّ بما يَعُمّ كالمَنجَنيقِ، فكيف يَسوغ التأويل المذكور؟ وأيضاً فسياق الحديث يدلّ على أنَّ التحريم لإظهار حُرمة البُقعة بتحريم سَفك الدِّماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يُستأصَل، واستدلَّ به على اشتراط الإحرام على من دخل الحَرَم. قال القُرطُبي: معنى قوله: ((حَرَّمَه الله)) أي: يَجِرُم على غير المحرِمِ دخوله حتَّى يُحِرِم، ويجري هذا مَجَرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي: وَطْؤُهنّ، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: أكلُها، فعُرْف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف. قال: وقد دلَّ على صِحّة هذا المعنى اعتذارُه عن دخوله مكَّة غير مُحِرِمِ مُقاتلاً بقوله: ((لم تَحِلّ لي إلَّا ساعة من نهار)) الحديث، قال: وبهذا أخذ مالك والشافعي في أحد قوليهما، ومن تَبِعَهما في ذلك فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكَّة إلَّا مُحرِماً، إلَّا إن كان ممَّن يُكثِر التكرار. قلت: وسيأتي بسطُ القول في ذلك بعد سبعة أبواب (١). قوله: ((وإنَّه لا يَحِلّ القتال)) الهاء في ((إنَّه)) ضمير الشَّأن، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لم يَحِلّ)) بلفظ ((لم)) بدل ((لا))، وهي أشبَهُ لقوله: ((قبلي)). قوله: ((لا يُعضَد شَوْكِه)) تقدَّم البحث فيه في حديث أبي شُرَيح (١٨٣٢). قوله: ((ولا يَلتَقِطِ لُقَطَتَه إلَّا مَن عَرَّفَها)) سيأتي البحث فيه في كتاب اللَّقَطة (٢٤٣٣) إن شاء الله تعالى. قوله: ((ولا يُخْتَلى خَلاها)) بالخاءِ المعجمة، والخَلا مقصور، وذكر ابن التِّين أنَّه وقع في رواية القابسي بالمدّ، وهو الرَّطْب من النَّبات، واختلاؤُه قطعه واحتشاشه، واستدلَّ به على تحريم رَعْيه لكونِه أشدَّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون واختاره الطَّبري. وقال الشافعي: لا بأس بالرَّعي لمصلحة البهائم وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش فإنَّه المنهي عنه، فلا يَتَعدّى ذلك إلى غيره. وفي تخصيص التحريم بالرَّطْبِ إشارة إلى جواز (١) باب (١٨) دخول الحرم ومكة بغير إحرام. ١٤٧ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه رَعْي اليابس واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشافعية، لأنَّ النَّبت اليابس كالصَّيد الميِّت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخِر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أنَّ في بعض طرق حديث أبي هريرة: ((ولا يُحْتَشّ حشيشُها))(١) قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استَنْبَتَه الناس في الحَرَم من بَقْل وزَرْعٍ ومَشمُوم، فلا بأس برَعِه واختلائه. قوله: ((فقال العبّاس)) أي: ابن عبد المطَّلِب كما وقع مُبَيَّناً في المغازي (٤٣١٣) من ٤٩/٤ وجه آخر. قوله: ((إلّا الإذخِر)) يجوز فيه الرفع والنَّصب، أمَّا الرفع فعلى البدل ممّا قبله، وأمَّا النَّصب فلكونِه استثناءً واقعاً بعد النَّفي، وقال ابن مالك: المختار النَّصب لكونِ الاستثناء وقع مُتَراخياً عن المستثنى منه، فبَعُدَت المشاكلة بالبَدلية، ولكونِ الاستثناء أيضاً عَرَضَ في آخر الكلام ولم يكن مقصوداً. والإذخِرُ: نبتٌ معروف عند أهل مكَّة طيِّب الرّيح له أصل مُندَفِن وقُضبان دِقاق يَنْبُت في السَّهل والحَزْن، وبالمغرِبِ صِنفٌ منه فيما قاله ابن البيطار، قال: والذي بمكّة أجوَدُه، وأهل مكَّة يَسقُفُونَ به البيوت بين الخشب ويَسُدّونَ به الخَلَل بين اللَّبِنات في القُبور ويستعملونه بَدَلاً من الحَلْفاء في الوَقُود، ولهذا قال العبّاس: فإنَّه لِقَينهم، وهو بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون أي: الحَدّاد، وقال الطَّبري: القَيْن عند العرب كلّ ذي صِناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية المغازي (٤٣١٣): فإنَّه لا بُدّ منه للقين والبيوت، وفي الرواية التي في الباب قبله (١٨٣٣): فإنَّه لصاغَتِنا وقُبورنا، ووقع في مُرسَل مجاهد عند عمر بن شَبّة الجمع بين الثلاثة (٢)، ووقع عنده أيضاً (٣): فقال العبَّاس: يا رسول الله، إنَّ أهل مكَّة لا صبرَ لهم عن الإذخِر لِقَينهم وبيوتهم، وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يُرِد به أن (١) في السفر الثالث من ((تاريخ ابن أبي خيثمة)) (٢٨٦)، ووقع عند أبي يعلى (٥٩٥٤) بلفظ: ((ولا يحتش خلاها». (٢) وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٤٨٩/١٤ - ٤٩٠. (٣) وعند ابن أبي شيبة كذلك ١٤ / ٤٩٧. ١٤٨ باب ١٠ / ح ١٨٣٤ فتح الباري بشرح البخاري يَستَئِني هو وإنَّما أراد به أن يُلَقِّنَ النبيِ نَّهِ الاستثناء، وقوله ◌َله في جوابه: ((إلّا الإذخِر)» هو استثناء بعض من كلّ، لدخول الإذخِر في عموم ما يُخْتَلى. واستدلَّ به على جواز النَّسخ قبل الفعل وليس بواضحٍ، وعلى جواز الفَصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتّصال إمّا لفظاً وإمّا حُكماً، لجواز الفَصل بالتنفّسِ مثلاً، وقد اشتُهِرَ عن ابن عبَّاس الجواز مُطلَقاً، ويُمكِن أن يُحتَجّ له بظاهر هذه القصَّة، وأجابوا عن ذلك بأنَّ هذا الاستثناء في حُكم المتَّصِل لاحتمال أن يكون وله أراد أن يقول: ((إلَّ الإذخِرِ)) فشَغَله العبَّاس بكلامه، فَوَصَلَ كلامه بكلام نفسه فقال: إلَّا الإذخِر، وقد قال ابن مالك: يجوز الفَصل مع إضمار الاستثناء مُتَّصِلاً بالمستثنى منه. واختَلَفوا هل كان قوله ◌َاهِ: ((إلَّ الإذخِرِ)) باجتهادٍ أو وحي؟ وقيل: كأنَ الله فوَّضَ له الحكم في هذه المسألة مُطلَقاً، وقيل: أوحى إليه قبل ذلك أنَّه إن طلبَ أحدٌ استثناء شيء من ذلك فأچِب سؤاله. وقال الطَّبري: ساغَ للعبَّاس أن يَستثني الإذخِر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكَّة تحريم القتال دون ما ذُكِرَ من تحريم الاختلاء، فإنَّه من تحريم الرَّسول باجتهاده، فساغَ له أن يَسأله استثناءَ الإذخِرِ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الرَّسول كان له أن يَجتَهِد في الأحكام. وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره لفر للعبّاس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ، وحكى ابن بَطَّال عن المهلَّب أنَّ الاستثناء هنا للضَّرورة كَتَحليل أكل الميتة عند الضَّرورة، وقد بيَّن العبَّاس ذلك بأنَّ الإذخِر لا غِنى لأهل مكَّة عنه، وتعقّبه ابن المنيِّر بأنَّ الذي يُباح للضَّرورة يُشتَرَط حصولها فيه، فلو كان الإذخِرِ مثل الميتة لامتَنَعَ استعمالُه إلَّا فيمن تَحقَّقَت ضرورته إليه، والإجماع على أنَّه مُباح مُطلَقاً بغير قَيد الضَّرورة. انتهى، ويحتمل أن يكونَ مراد المهلَّب بأنَّ أصل إباحته كانت للضَّرورة وسبِها، لا أنَّه يريد أنَّه مُقَيَّد بها. قال ابن المنيِر: والحقّ أنَّ سؤال العبَّاس كان على معنى الضَّراعة، وترخيصُ النبي وعليه كان تَبليغاً عن الله إمّا بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن اذَّعى أنَّ نزول الوحي يحتاج إلى أمَد مُتَّسِع فقد وَهِمَ. ١٤٩ باب ١١ / ح ١٨٣٥ - ١٨٣٦ أبواب جزاء الصيد ونحوه وفي الحديث بيان خَصُوصية النبيِ وَبِما ذُكِرَ في الحديث، وجواز مُراجعة العالِم في المصالح الشَّرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العبّاس عند النبي ۋ، وعنايته بأمر مگَّة لكونه كان بها أصله ومنشؤُه، وفيه رفع وجوب الهجرة عن مگَّة إلى المدينة، وإبقاء حُكمها من بلاد الكُفر إلى يوم القيامة، وأنَّ الجهاد يُشتَرَط أن يُقصد به الإخلاص، ووجوب النَّفير مع الأئمَّة. ١١ - باب الحجامة للمحرم ٥٠/٤ و کوی ابنُ عمرَ ابنَه وهو مُحِمٌ، ویتَداوَی ما لم یکن فیه طِبٌ. ١٨٣٥- حدَّثنا عليّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال لنا عَمْرٌو: أوَّلُ شيءٍ سمعتُ عطاءً يقول: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: احتَجَمَ رسولُ اللهِ وَِّ وهو مُحرِمٌ. ثمَّ سمعتُهُ يقول: حدَّثني طاووس، عن ابنِ عِبَّاسٍ، فقلتُ: لعلَّه سمعه منهما. [أطرافه في: ١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠١،٥٧٠٠] ١٨٣٦ - حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عَلْقمة بنِ أبي عَلْقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابنِ بُحَينَ ﴾، قال: احتَجَمَ النبيُّنَ ◌ّهِ وهو مُحرِمٌ بَلَحْيِ جملٍ، في وَسَط رأسِه. [طرفه في: ٥٦٩٨] قوله: ((باب الحِجامة للمُحرِم)) أي: هل يُمنَع منها أو تُباح له مُطلَقاً أو للضَّرورة؟ والمراد في ذلك كلّه: المحجوم لا الحاجم. قوله: (و گوی ابن عمر ابنه وهو محرم)) هذا الابن اسمه واقد، وصَلَ ذلك سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: أصاب واقدَ بن عبد الله بن عمر بِرْسام في الطريق وهو مُتَوَجِّه إلى مكَّة، فكَواه ابن عمر، فأبانَ أنَّ ذلك كان للضَّرورة. قوله: ((ويَتَداوى ما لم يكن فيه طيب)) هذا من تَتِمّة الترجمة، وليس في أثر ابن عمر كما تری. ١٥٠ باب ١١ / ح ١٨٣٥ - ١٨٣٦ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قول الكِرْماني: فاعل ((يَتَداوى)): إمّا المحرِم وإمّا ابن عمر، فكلام مَن لم يَقِف على أثر ابن عمر، وقد سَبَقَ في أوائل الحج في ((باب الطّيب عند الإحرام))(١) قولُ ابن عبّاس: ويَتَداوى بما يأكل، وهو موافق لهذا، والجامع بين هذا وبين الحِجامة عموم التداوي. وروى الطَّبري من طريق الحسن قال: إن أصاب المحرِمَ شَجّةٌ، فلا بأس بأن يأخُذ ما حَوها من الشَّعر، ثمَّ يُداویها بما ليس فيه طيب. قوله: ((قال لنا عَمْرو: أوَّل شيء)) أي: أوَّل مرّة، في رواية الحميدي (٥٠٠) عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو وهو ابن دينار، أخرجه أبو نُعيم وأبو عَوَانة (٣٦٤١) من طريقه. قوله: ((ثمَّ سمعته)) هو مَقُول سفيان، والضمير لعَمرو، وكذا قوله: فقلت: لعلَّه سمعه، وقد بيَّن ذلك الحميدي عن سفيان فقال: حدَّثنا بهذا الحديث عَمْرو مرَّتین فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما أو كانت إحدى الروايتينِ وهماً، زاد أبو عَوَانة: قال سفيان: ذُكر لي أنَّه سمعه منهما جميعاً. وأخرجه ابن خُزيمة (٢٦٥١) عن عبد الجبّار بن العلاء عن ابن عُيَينَةَ نحو رواية عليّ بن عبد الله، وقال في آخره: فظَنَنت أنَّه رواه عنهما جميعاً. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق سليمانَ بن أيوب عن سفيان قال: عن عَمْرو عن عطاء، فذكره، قال: ثمَّ حدَّثنا عَمْرو عن طاووس به، فقلت لعَمرو: إنَّما كنتَ حدَّثْتنا عن عطاء، قال: اسكُت يا صَبي، لم أغلَط، كلاهما حدَّثني. قلت: فإن كان هذا محفوظاً فلعلَّ سفيان تَرَدَّدَ في كون عَمْرو سمعه منهما لمَّا خَشِي من كون ذلك صَدَرَ منه حالةَ الغَضَب، على أنَّه قد حَدَّث به فجمعهما. قال أحمد في «مسنده)) (١٩٢٢): حدَّثنا سفيان قال: قال عَمْرو أوَّلاً: فحَفِظناه، قال(٢) طاووس عن ابن عبّاس فذكره، قال أحمد (١٩٢٣): وقد حدَّثنا به سفيان فقال: قال عَمْرو: عن عطاء وطاووس عن ابن عبّاس. قلت: وكذا جمعهما عن سفيان مُسدَّدٌ عند المصنّف في الطِّبّ (٥٦٩٥)، وأبو بكر بن أبي شَيْبة وأبو خَيْئمة وإسحاق ابن راهويه عند مسلم (١٢٠٢)، وقُتَيبة عند التِّرمِذي (٨٣٩) والنَّسائي (٢٨٤٦). وتابع (١) باب رقم (١٨). (٢) الذي في نسخنا من ((مسند أحمد)»: عن طاووس. ١٥١ باب ١١ / ح ١٨٣٥ -١٨٣٦ أبواب جزاء الصيد ونحوه سفيانَ على روايته/ له عن عَمْرو لكن عن طاووس وحده: زكريا بنُ إسحاق، أخرجه ٥١/٤ أحمد (٣٥٢٤) وأبو عَوَانة (٣٦٣٩) وابن خُزيمة (٢٦٥٧) والحاكم (٤٥٣/١)، وله أصل عن عطاء أيضاً، أخرجه أحمد (٢٦٦٦) والنَّسائي (٢٨٤٥) من طريق الليث عن أبي الزُّبَير، ومن طريق ابن جُرَيج(١) كلاهما عنه. تنبيه: زَعَمَ الكِرْماني أنَّ مراد البخاري بالسِّياق المذكور: أنَّ عَمراً حدَّثَ به سفيانَ أوَّلاً عن عطاء عن ابن عبَّاس بغير واسطة، ثمَّ حدَّثَه به ثانياً عن عطاء بواسطة طاووس. قلت: وهو كلام من لم يَقِف على طريق مُسدَّد التي في الكتاب الذي شَرَحَ(٢) فيه فضلاً عن بقية الطُّرق التي ذكرناها، ولا تُعرَف مع ذلك لعطاءٍ عن طاووس رواية أصلاً، والله المستعان. قوله: (وهو محرم)) زاد ابن جُرَيج عن عطاء: صائم بلَحْي جمل، وزاد زكريا: على رأسه، وستأتي رواية ◌ِكْرمة في الصوم (١٩٣٨ و ١٩٣٩)، وهذه الزّيادات موافقة لحديث ابن بُحینة ثاني حدیثَي الباب دون ذِکر الصيام. قوله: ((عن عَلْقمة بن أبي عَلْقمة)) في رواية النَّسائي (ك٣٨١٩) من طريق محمد بن خالد عن سليمان: أخبرني عَلْقمة، واسم أبي عَلْقمة: بلال، وهو مدني تابعي صغير سمع أنساً، وهو عَلْقمة بن أُمّ عَلْقمة، واسمها مَرْجانة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. قوله: ((عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنة))، في رواية المصنّف في الطِّبّ (٥٦٩٨): عن إسماعيل - وهو ابن أبي أوَيس - عن سليمان عن عَلْقمة أنَّه سمع عبد الرحمن الأعرج أنَّه سمع عبدَ الله بن بُحَینة. قوله: ((بلَحْىٍ جَمَلٍ)) بفتح اللّام - وحُكي كسرها - وسكون المهمَلة، وبفتح الجيم والميم: موضع بطريق مكَّة، وقد وقع مُبيّناً في رواية إسماعيل المذكورة: بلَحي جمل من طريق مكَّة، ذكر البَكْري في (مُعجَمه)) في رَسْم العَقِيق قال: هي بئر جمل، التي وَرَدَ ذِكْرها (١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٣١٩٦). (٢) يعني الكرماني في شرحه على البخاري. ١٥٢ باب ١٢ / ح ١٨٣٧ فتح الباري بشرح البخاري في حديث أبي جَهْم(١)، يعني الماضي في التيمُّم (٣٣٧). وقال غيره: هي عَقَبة الجُحفة، على سبعة أميال من السُّقيا. ووقع في رواية أبي ذرٍّ: بلَحيَي جمل، بصيغة التثنية، ولغيره بالإفراد. ووهم من ظَنَّه: فكَّي الجمل، الحيوان المعروف، وأنَّه كان آلَةَ الحَجْم، وجَزَمَ الحازمي وغيره بأنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع، وسيأتي البحث في أنَّه هل كان صائماً؟ في كتاب الصيام (١٩٣٨). قوله: ((فِي وَسَط)) بفتح المهمَلة أي: مُتَوَسِّطه، وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القَرنَين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس، وأمَّا التي في أعلاه فلا، لأنها ربَّما أعمَت، وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب الطُّبّ (٥٦٩٨) إن شاء الله تعالى. قال النَّووي: إذا أراد المحرِم الحجامة لغير حاجة، فإن تَضمَّنت قطع شعر، فهي حرام لقطع الشَّعر، وإن لم تتضمَّنه جازَت عند الجمهور، وكَرِهَها مالك. وعن الحسن: فيها الفِدْية وإن لم يَقطَع شعراً. وإن كان لضَرورةٍ جازَ قطع الشَّعر وتجب الفِذْية، وخَصَّ أهل الظاهر الفِدْيَةَ بشعر الرأس. وقال الدَّاوودي: إذا أمكنَ مَسْك المحاجم بغير حلق لم يَجُز الحلق. استدلَّ بهذا الحديث على جواز الفَصد وبَطّ الْجُرح والدُّمَّل وقطع العِرق وقَلع الضّرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نُهي عنه المحرِمُ من تَناوُل الطِّيب وقطع الشَّعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك، والله أعلم. ١٢ - باب تزويج المحرم ١٨٣٧- حدَّثنا أبو المغيرة عبدُ القُدّوسِ بنُ الحجّاج، حدَّثنا الأوزاعيُّ، حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّلَهُ تَزوَّجَ ميمونةَ وهو مُحِمٌ. [أطرافه في: ٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤] قوله: ((باب تزويج المحرم)) أورد فيه حديث ابن عبّاس في تزويج ميمونة، وظاهر صنيعه (١) الأشهر في اسمه: أبو جُهَيم، بالتصغير، ويقال: أبو جهم. انظر ((الاستيعاب)) (٢٨٦٨)، و(«أسد الغابة» ٥٩/٦. ١٥٣ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ أبواب جزاء الصيد ونحوه أنَّه لم يَثْبُت عنده النَّهي عن ذلك،/ ولا أنَّ ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح: ((باب ٥٢/٤ نكاح المحرم)) (٥١١٤) ولم يَزِدْ على إيراد هذا الحديث، ومراده بالنكاح التزويج، للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع. وقد اختُلِفَ في تزويج ميمونة، فالمشهور عن ابن عبّاس أنَّ النبي ◌َّ تَزوَّجها وهو مُحرِم، وصَحَّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنَّه كان حلالاً، وعن أبي رافع مثله، وأنَّه كان الرَّسولَ إلیھا، وسيأتي الكلام على ذلك مُستوفّى في ((باب عمرة القضاء)) (٤٢٥٨) من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى(١). واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع، لحديث عثمان: ((لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح)) أخرجه مسلم (١٤٠٩)، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنَّه اختُلِفَ في الواقعة كيف كانت، ولا تقوم بها الحُجّة، ولأنَّها تحتمِل الخصوصية، فكان الحديث في النَّهي عن ذلك أولى بأن يُؤخَذ به. وقال عطاء وعِكْرمة وأهل الكوفة: يجوز للمُحرِم أن يتزوَّج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوَطْء، وتُعُقِّبَ بأنَّه قياس في معارضة السُّنّة فلا يُعتَبر به. وأمَّا تأويلهم حديثَ عثمان بأنَّ المراد به الوَطْء فمُتَعقَّب بالتصريح فيه بقوله: ((ولا يُنكِح)) بضمٌّ أوَّله، وبقوله فيه: ((ولا يَخْطُب)). ١٣ - باب ما يُنهَى من الطِّيب للمحرم والمحرمة وقالت عائشةُ رضي الله عنها: لا تَلبَسُ المحرِمةُ ثَوباً وَرْسٍ أو زَعفَراٍ. ١٨٣٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا الليثُ، حدَّثنا نافعٌ، عن عبد الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، قال: قامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نَلبَسَ من الثِّاب في الإحرام؟ فقال النبيُّ وََّ: ((لا تَلَبَسوا القميصَ ولا السَّراوِيلات، ولا العَمَائِمَ ولا البَرَانسَ، إلا أن يكونَ أحدٌ ليسَت له نَعلان فليَلبَسِ الخُفَّينِ، وليَقطَعْ أسفَلَ من الكعبَينِ، ولا تَلبَسوا شيئاً مَسَّه زَعَفَرانٌ ولا الوَرْسُ، ولا تَنْتَقِبِ المرأةُ المحرِمةُ، ولا تَلبَسِ القُفّزَين». تابَعَه موسى بنُ عُقْبَةَ وإسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ وُجُوَيِيةُ وابنُ إسحاقَ: في النِّقاب والقُفّازَين. (١) وهناك أحال إلى كتاب النكاح، وهو فيه عند الحديث (٥١١٤). ١٥٤ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ -١٨٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال عُبيد الله: ولا وَرْسٌ، وكان يقول: لا تَتَنَقَّبِ المحرِمةُ ولا تَلبَسِ القُفّازَين. وقال مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: لا تَتَقَّبِ المحرِمةُ. وتابَعَه ليثُ بنُ أبي سُلَیم. ١٨٣٩ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن سعيد بنِ جُبير، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: وَقَصَت برجُلٍ مُحرِمِ ناقتُهُ فقتلَتْه، فأُتي به رسولُ الله ◌َّةِ، فقال: («اغسِلوه وكَفِّنوه، ولا تُغَطُّوا رأسَه ولا تُقَرِّبوه طِيباً، فإنَّه يُبعَثُ مُهِلٌ)). قوله: ((باب ما يُنهى)) أي: عنه ((من الطّيب للمُحرِمِ والمحرِمة)) أي: إنَّهما في ذلك سواء، ولم يختلفِ العلماء في ذلك، وإنَّما اختَلَفوا في أشياء هل تُعَدّ طيباً أو لا؟ والحِكْمة في منع المحرِم من الطّيب أنَّه من دَوَاعي الجِماع ومقدِّماته التي تُفسِد الإحرام، وبأنَّه ينافي حال المحرِم، فإنَّ المحرِمِ أشعَثُ أغبَرُ. قوله: ((وقالت عائشة: لا تَلبَس المحرِمة ثَوباً بوَرْسٍ أو زَعفَران)) وَصَله البيهقي (٤٧/٥) ٥٣/٤ من طريق معاذة (١) عن عائشة قالت: المحرِمة تَلبَس من الثّياب ما شاءَت / إِلَّ ثَوباً مَسَّه ورس أو زَعفَران، ولا تَبَرَقَع ولا تَلَثَّم، وتُسدِل الثوب على وجهها إن شاءَت. وقد تقدَّم في أوائل الباب أنَّ المرأة كالرجل في منع الطّيب إجماعاً. وروى أحمد (٤٧٤٠) وأبو داود (١٨٢٧) والحاكم (١/ ٤٨٦) أصل حديث الباب من طريق ابن إسحاق حدَّثني نافع عن ابن عمر بلفظ: أنَّه سمع رسول الله وَ ◌ّه يَنهى النِّساء في إحرامهنَّ عن القُفّزَينِ والنَّقاب، وما مَسَّ الوَرْس والَّعفَران من الثّياب، ولْتَلبَس بعد ذلك ما أحبَّت من ألوان الّياب. ثمَّ أوردَ المصنِّف حديث ابن عمر: قامَ رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمُرنا أن نَلبَس؟ الحديث. وقد تقدَّم في أوائل الحج (١٥٤٢) مع سائر مباحثه في ((باب ما يَلبَس المحرِم من الثّياب))، وزاد فيه هنا: ((ولا تَنتَقِب المرأة المحرمة، ولا تَلبَس القُفّازَين))، وذِكرُ الاختلاف في رفع هذه الزّيادة ووَقْفها، وسأُبيِّن ما في ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: ((تابَعَه موسى بن عُقْبة)) وَصَله النَّسائي (٢٦٨١) من طريق عبد الله بن المبارك عنه (١) تحرفت في (س) إلى: معاذ. ١٥٥ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ -١٨٣٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه عن نافع، في آخره (١) الزِّيادةُ المذكورة قبلُ. قوله: ((وإسماعيل بن إبراهيم)) أي: ابن عُقْبة، وهو ابن أخي موسى المذكور قبله، وقد رُوِّيناه من طريقه موصولاً في ((فوائد عليّ بن محمد المصري)) من رواية السِّلَفي عن الثَّقفي عن ابن بشران عنه عن يوسف بن یزید عن يعقوب بن أبي عبَّاد عن إسماعيل عن نافع به. قوله: ((وجُوَيرية)) أي: ابن أسماء، وَصَله أبو يعلى عن عبد الله بن محمد بن أسماء عنه عن نافع، وفيه الزِّيادة. قوله: ((وابن إسحاق)) وَصَله أحمد (٤٧٤٠) وغيره كما تقدَّم في أوَّل الباب. قوله: ((في النِّقاب والقُفّزَين)) أي: في ذِكْرهما في الحديث المرفوع. والقُفّاز، بضمِّ القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي: ما تَلبَسه المرأة في يدها فيُغطّي أصابعها وكفَّها عند مُعاناة الشيء كَغَزْلٍ ونحوه، وهو لليَد كالُفِّ للرَّجل. والنِّقاب: الخِمار الذي يُشدّ على الأنف أو تحت المحاجر، وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكنَّ الرجل في القُفّاز مثلها لكونه في معنى الخُفّ، فإنَّ كلَّ منهما مُحيط بجزءٍ من البَدَن، وأمَّا النَّقاب فلا يَجِرُم على الرجل من جهة الإحرام، لأنه لا يَجِرُم عليه تغطية وجهه على الراجح كما سيأتي الكلام عليه في حديث ابن عبّاس في هذا الباب (١٨٣٩). قوله: ((وقال عُبيد الله)) يعني ابن عمر العُمَري: ((ولا ورس، وكان يقول: لا تَتَنَقَّبِ المحرِمة ولا تَلبَسِ القُفّازَين)) يعني أنَّ عُبيد الله المذكور خالَفَ المذكورِين قبلُ في رواية هذا الحديث عن نافع، فوافقهم على رفعه إلى قوله: ((زَعفَران ولا ورس))، وفَصَلَ بقية الحديث فجَعَله من قول ابن عمر. وهذا التعليق عن عُبيد الله وَصَله إسحاق بن راهويه في (مسنده)) عن محمد بن بشر وحَمَّاد بن مَسعَدة، وابن خُزيمة (٢٥٩٧) من طريق بشر بن المفضَّل، ثلاثتهم عن عُبيد الله بن عمر عن نافع، فساق الحديث إلى قوله: ((ولا ورس))، قال: وكان عبد الله - يعني ابن عمر - يقول: ولا تَنْتَقِب المحرِمة ولا تَلبَس القُفّازَين. ورواه يحيى (١) في الأصلين و(س): آخر، بلا هاء، وهو خطأ. ١٥٦ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ -١٨٣٩ فتح الباري بشرح البخاري القطّانُ عند النَّسائي (٢٦٧٠)، وحفصُ بن غِيَاث عند الدّار قُطْني (٢٤٧٨)(١)، كلاهما عن عُبيد الله، فاقتَصَرَ على المتَّفَق على رفعه. قوله: ((وقال مالك ... )) إلى آخره، هو في ((الموطَّأ)) (٣٢٨/١) كما قال، والغرض أنَّ مالكاً اقتَصَرَ على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية عُبيد الله، وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكَلَ ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لوُرود النَّهي عن النِّقاب والقُفّاز مُفرَداً مرفوعاً، وللابتداءِ بالنَّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المقدَّم ذِكْرها، وقال في ((الاقتراح)): دعوى الإدراج في أوَّل المتن ضعيفة. وأُجيب بأنَّ الثِّقات إذا اختَلَفوا وكان مع أحدهم زيادة قُدِّمَت، ولا سيما إن كان حافظاً ولا سيما إن كان أحفَظَ، والأمر هنا كذلك فإنَّ عُبيد الله بن عمر في نافع أحفَظ من جميع من خالَفَه، وفد فصَلَ المرفوع من الموقوف، وأمَّا الذي اقتَصَرَ على الموقوف فرَفَعَه فقد شَذَّ بذلك، وهو ضعيف، وأمَّا الذي ابتَدَأ في المرفوع بالموقوفِ فإنَّه من التصرُّف في الرواية بالمعنى، وكأنَّه رأى أشياء مُتَعاطفة فَقَدَّمَ وأَخَّرَ لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصَلَ زيادة عِلم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في ((شرح التِّرمِذي)). ٥٤/٤ وقال الكِرْماني: فإن قلت: لِمَ قال بلفظ ((قال))، وثانياً بلفظ: ((كان يقول)»؟ قلت: لعلَّه قال ذلك مرَّة، وهذا كان يقوله دائماً مُكَرَّراً، والفَرق بين المرويينِ إمّا من جهة حذف المرأة، وإمّا من جهة أنَّ الأوَّل بلفظ: ((لا تَتَّقَّب)) من التَفَعُّل، والثاني من الافتِعال، وإمّا من جهة أنَّ الثاني بضمِّ الباء على سبيل النَّفي لا غير، والأُوَّل بالضمِّ والكسر نفياً ونهياً. انتهى کلامه، ولا يخفى تكلُّفُه. قوله: ((وتابَعَه ليثُ بن أبي سُلَيم)) أي: تابع مالكاً في وقفه، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبةٍ (٢) من طريق فُضَيل بن غَزْوانَ عن نافع موقوفاً على ابن عمر. للطنـ (١) ومن طريق حفص بن غياث أخرجه أيضاً ابن خزيمة (٢٥٩٨). (٢) في ((مصنفه)) برقم (١٤٤٢١) طبعة مكتبة الرشد، بتحقيق الجمعة واللحيدان. ١٥٧ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ -١٨٣٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه ومعنى قوله: ((ولا تَنتَقِب)) أي: لا تَستُر وجهها كما تقدَّم. واختلف العلماء في ذلك، فمَنَعَه الجمهور، وأجازه الحنفيَّة، وهو رواية عند الشافعية والمالكية، ولم يختلفوا في منعها(١) من سَتر وجهها وكَفَّيِها بما سوى النِّقاب والقُفّازَين. قوله: ((مَسَّه وَرْس ... )) إلى آخره، مفهومُه جواز ما ليس فيه ورس ولا زَعفَران، لكن أَحَقَ العلماءُ بذلك أنواع الطّيبِ للاشتراك في الحكم، واختلفوا في المصبوغ بغير الزَّعفَران والوَرس، وقَد تقدَّم ذلك، والوَرْس: نبات باليمن، قاله جماعةٌ، وجَزَمَ بذلك ابن العربي وغيرُه، وقال ابن البيطار في ((مُفرَداته)): الوَرْس يُؤتى به من اليمن والهند والصين، وليس بنّبَاتٍ بل يُشبِهِ زَهْر العُصفُر، ونَبْتُه شيء يُشبِه البَنفسَج، ويقال: إنَّ الُركمَ عُروقُه(٢). قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمر، والتَكّم: هو ابن عُتَيبة. قوله: ((وَقَصَت)) بفتح القاف والصاد المهملة، تقدَّم تفسيره في ((باب كَفَن المحرِمِ)) (١٢٦٧)، ويأتي في ((باب المحرِم يموت بعَرَفة)) (١٨٤٩) بيان اختلافٍ في هذه اللَّفْظة، والمراد هنا قوله: ((ولا تُقرِّبوه طيباً)) وهي بتشديد الراء، وسيأتي قريباً (١٨٤٩) بلفظ: ((ولا تُنِّطوه))، وهو من الخيوط بالمهمَلة والنّون: وهو الطّيب الذي يُصنَع للميِّت. وقوله: ((يُبعَث مُلبّاً(٣) أي: على هيئته التي مات عليها. واستُدلَّ بذلك على بقاء إحرامه، خلافاً للمالكية والحنفيَّة، وقد تمسَّكوا من هذا الحديث بلفظةٍ اختُلِفَ في ثبوتها، وهي قوله: ((ولا تُحُمِّروا وجهه))، فقالوا: لا يجوز للمُحرِم تغطية وجهه، مع أنَّهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات مُحرِماً، وأمَّا الجمهور فأخذوا بظاهر الحديث وقالوا: إنَّ في ثبوت ذِكر الوجه مقالاً، وتَرَذَّدَ ابن المنذِر في صِحَّته، وقال البيهقي: ذِكر الوجه غريب، (١) كذا قال الحافظ، والذي نراه الأنسبَ هنا أن يقول: لم يختلفوا في عدم منعها، بإضافة كلمة «عدم)) فقد حكى جماعةٌ الإجماع على عدم منع المرأة من أن تُسدِل على وجهها شيئاً تستتر به عن نظر الرجال، شريطة أن يكون متجافياً عن وجهها. وممن حكى ذلك ابنُ عبد البر وابن قدامة وغيرهما. (٢) الكركم: هو الزعفران. (٣) كذا وقع للحافظ هنا: ((ملبياً))، وليست في شيء من روايات "الصحيح)) هنا، وإنما فيها: ((يُعَثِ يُهُّ))، وأما هذه الرواية التي شرح عليها فستأتي عند البخاري قريباً برقم (١٨٥٠) و(١٨٥١). ١٥٨ باب ١٣ / ح ١٨٣٨ -١٨٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وهو وهم من بعض رواته، وفي كلّ ذلك نظر، فإنَّ الحديث ظاهره الصِّحّة، ولفظه عند مسلم (١٢٠٦ / ١٠٢ ١٠٣) من طريق إسرائيل عن منصور، وأبي الزُّبَير(١)، كلاهما عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس، فذكر الحديث. قال منصور: ((ولا تُغَطّوا وجهه))، وقال أبو الزُّبَير: ((وأن(٢) تَكشِفوا وجهه))، وأخرجه النَّسائي (٢٧١٤) من طريق عَمْرو بن دينار عن سعيد بن جُبَير بلفظ: ((ولا تُحُمِّروا وجهه ولا رأسه))، وأخرجه مسلم (١٢٠٦ / ١٠١) أيضاً من حديث شُعْبة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبَير بلفظ: ((ولا يُمَسّ طيباً، خارجٌ رأسُه))، قال شُعْبة: ثمَّ حدَّثني به بعد ذلك فقال: ((خارجٌ رأسُه ووجهُه))، انتهى. وهذه الرواية تتعلَّق بالتطيُّبِ لا بالكشفِ والتغطية، وشُعْبة أحفظُ من كلّ من روی هذا الحديث، فلعلَّ بعض رواته انتَقَلَ ذِهنه من التطيُّب إلى التغطية. وقال أهل الظاهر: يجوز للمُحرِم الحيّ تغطية وجهه ولا يجوز للمُحرِم الذي يموت؛ عملاً بالظاهر في الموضعين. وقال آخرون: هي واقعة عين لا عموم فيها، لأنه عَلَّلَ ذلك بقوله: ((لأنه يُبعَث يوم القيامة مُلبّياً))، وهذا الأمر لا يَتَحقّق وجوده في غيره فيكون خاصّاً بذلك الرجل، ولو استَمرَّ بَقاؤه على إحرامه لَأُمِرَ بقضاءٍ بقية مَناسكه، وسيأتي ترجمة المصنّف بنفسِهِ(٣). وقال أبو الحسن بن القَصّار: لو أُريدَ تَعميم الحكم في كلّ مُحُرِمِ لقال: «فإنَّ المحرِم))، كما جاء «أنَّ ٥٥/٤ الشَّهيد يُبعَث وجُرْحه يَنْعَب دَماً)(٤)،/ وأُجيب بأنَّ الحديث ظاهر في أنَّ العِلّة في الأمر المذكور كونُه كان في النُّسُك وهي عامّة في كلّ مُحُرِم، والأصل أنَّ كلّ ما ثبت لواحدٍ في زمن النبي وَ ﴿ ثبت لغيره حتَّى يَتَّضِح التخصيص. واختُلِفَ في الصائم يموت هل يَبطُل صومه بالموتِ حتَّى يجب قضاء ذلك اليوم عنه أو لا يَبطُل؟ وقال النَّووي: يُتَأوَّل هذا الحديث على أنَّ النَّهي عن تغطية وجهه ليس لكونِ (١) قوله: وأبي الزبير غير معطوف على قوله: عن منصور، لأن الذي رواه عن أبي الزبير عند مسلم زهير بن معاوية، لا إسرائيل. (٢) تحرف في (س) إلى: ولا تكشفوا، وبه ينقلب المعنى. (٣) باب (٢٠) المحرم يموت بعرفة، ولم يأمر النبي وَلّ أن يؤدّى عنه بقية الحج. (٤) أخرجه مسلم (١٨٧٦) (١٠٥) من حديث أبي هريرة. ١٥٩ باب ١٤ / ح ١٨٤٠ أبواب جزاء الصيد ونحوه المحرِم لا يجوز تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنَّهم لو غَطَّوا وجهه لم يُؤمن أن يُغطُّوا رأسه. انتهى، وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: يُغطّي المحرم من وجهه ما دون الحاجبين، أي: من أعلى، وفي روايةٍ: ما دون عينَيهِ، وكأنَّه أراد مَزيد الاحتياط لكشفٍ الرأس، والله أعلم. تكملة: كان وقوع المحرِم المذكور عند الصَّخَرات من عَرَفة. وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب، واستحباب دَوام التلبية في الإحرام، وأنَّها لا تَنْقَطِع بالتوَجُّه لعَرَفة، وجواز غسل المحرِمِ بالسِّدر ونحوه ممّا لا يُعَدّ طيباً. وحكى المُزَني عن الشافعي أنَّه استَدَّ على جواز قطع ◌ِدْر الْحَرَم بهذا الحديث، لقوله فيه: ((واغسِلوه بماءٍ وسِدْر))، والله أعلم .. . تنبيه: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخّرين فَزَعَمَ أنَّ اسمه واقدُ بن عبد الله، وعَزاه لابن قُتَيبة في ترجمة عمر من (كتاب المغازي))، وسبب الوَهْم أنَّ ابن قُتَيبة لمَّا ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر، ثمَّ ذكر أولاد عبد الله بن عمر فذكر فيهم واقدَ بن عبد الله بن عمر، فقال: وقع عن بعيره وهو مُحُرِم فهَلَك، فظَنَّ هذا المتأخِّر أنَّ لواقد بن عبد الله بن عمر صحبة وأنَّه صاحب القصَّةِ التي وَقَعَت في زمن النبي ◌ِّه، وليس كما ظَنَّ فإنَّ واقداً المذكور لا صحبة له، فإِنَّ أُمّه صَفيّة بنت أبي عُبيد إنَّما تَزوَّجها أبوه في خلافة أبيه عمر، واختُلِفَ في صحبتها، وذكرها العِجلي وغيره في التابعين، ووجدتُ في الصحابة واقدَ بن عبد الله آخر لكن لم أرَ في شيء من الأخبار أنَّه وقع عن بعيره فهَلَكَ، بل ذكر غير واحد منهم ابن سعد أنَّه مات في خلافة عمر، فبَطَل تفسير المبهم بأنَّه واقد بن عبد الله من كلّ وجه. ١٤ - باب الاغتسال للمحرم وقال ابنُ عبَّاسٍٍ: يدخلُ المحرِمُ الحَّمَ، ولم يَرَ ابنُ عمَرَ وعائشةُ بالحكِّ بأساً. ١٨٤٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن زيد بنِ أسلمَ، عن إبراهيمَ بنِ عبد الله بنِ حُنَينٍ، عن أبيه: أنَّ عبد الله بنَ عبَّاس والمِسوَرَ بنَ مَخْرَمةَ اختَلَفا بالأبواءِ، فقال ١٦٠ باب ١٤ / ح ١٨٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ: يَغسِلُ المحرِمُ رأسَه، وقال المِسوَرُ: لا يَغِلُ المحرِمُ رأسَه، فأرسَلَني عبدُ الله ابنُ عبّاس إلى أبي أيوبَ الأنصاريِّ، فوجدتُهُ يَغتَسِلُ بينَ القَرِنَينِ، وهو يُستَُّ بِثَوبٍ، فسَلَّمتُ عليه، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ الله بنُ حُنَينٍ، أرسَلَني إليكَ عبدُ الله بنُ عبّاس يسألُكَ: كيفَ كان رسولُ اللهِ وَلّهِ يَغْسِلُ رأسَه وهو ◌ُحرِمٌ؟ فوَضعَ أبو أيوبَ يدَه على الثوبِ، فَطَاطَاً. حتَّى بَدا لي رأسُه، ثمَّ قال لإنسانٍ يَصُبُّ عليه: اصبُب، فصَبَّ على رأسِه، ثمَّ حَرَّكَ رأسَه بَيَدَيه، فأقبلَ بهما وأدبَرَ، وقال: هكذا رأيتُه ◌َالا يفعل. قوله: ((باب الاغتسال للمُحرِم)) أي: تَرَفُّهاً وتَتَظُّفاً وتَطَهُّراً من الجنابة، قال ابن المنذر: ٥٦/٤ أجمعوا على أنَّ للمُحرِمِ أن يَغتَسِل من الجنابة،/ واختَلَفوا فيما عدا ذلك. وكأنَّ المصنّف أشار إلى ما روي عن مالك أنَّه كَرِهَ للمُحرِم أن يُغطّي رأسه في الماء، وروى في ((الموطَّ)» (١/ ٣٢٤) عن نافع: أنَّ ابن عمر كان لا يَغسِل رأسه وهو مُحرِم إلّا من احتلام. قوله: ((وقال ابن عبَّاس: يدخل المحرِمِ الحَّام)) وَصَله الدّار قُطني (٢٤٨٠) والبيهقي (٦٣/٥) من طريق أيوب عن عِكْرمة عنه، قال: المحرِم يدخل الحَّام، ويَنزِعِ ضِرسه، وإذا انكَسَرَ ظُفْرُه طَرَحَه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإنَّ الله لا يصنع بأذاكم شيئاً. وروى البيهقي (٦٣/٥) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّه دخل حَمّاماً بالجُحفة وهو مُرِم، وقال: إنَّ الله لا يَعبأ بأوساخِكم شيئاً. وروى ابن أبي شَيْبة كراهة ذلك عن الحسن وعطاء. قوله: ((ولم يَرَ ابن عمر وعائشة بالحكِّ بأساً)) أمَّا أثر ابن عمر فوَصَله البيهقي (٦٤/٥) من طريق أبي مِجلَز قال: رأيت ابن عمر يَحُكّ رأسه وهو مُحِرِمِ، ففَطِنت له، فإذا هو يَحُكّ بأطراف أنامله. وأمَّا أثر عائشة فوَصَله مالك (٣٥٨/١) عن عَلْقمة بن أبي عَلْقمة عن أُمّه واسمها مَرْجانة، سمعَتْ عائشة تُسأل عن المحرِم، أيحُكُّ جَسَده؟ قالت: نعم، وليُشدِّد. وقالت عائشة: لو رُبِطَت يَدايَ ولم أجِد إلَّا أن أحُكَ بِرِجْلي لحككت)). انتهى، ومُناسَبة أثر ابن عمر وعائشة للترجمة بجامع ما بين الغُسل والحكِّ من إزالة الأذى. قوله: ((عن زيد بن أسلمَ عن إبراهيم)) كذا في جميع الموطّآت، وأغرَبَ يحيى بن يحيى