النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ باب ٧ / ح ١٨٢٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه قوله: ((قال عبد الله)) في رواية مسلم: قال لي عبد الله، وفي رواية الإسماعيلي: عن سالم عن أبيه، أخرجه من طريق إبراهيم بن المنذر عن ابن وَهْب. قوله: ((قالت حفصة)) في رواية الإسماعيلي: عن حفصة، وهذا والذي قبله قد يُوهِم أنَّ عبدَ الله بنَ عمر ما سمع هذا الحديث من النبي ◌َّ، لكن وقع في بعض / طرق نافع عنه: ٣٦/٤ سمعتُ النبيِ مَّ﴾، أخرجه مسلم (١١٩٩/ ٧٧) من طريق ابن جُرَيج قال: أخبرني نافع، وقال مسلم بعده: لم يَقُل أحد عن نافع عن ابن عمر: سمعت، إلّا ابنَ جُرَيج، وتابعه محمد ابن إسحاق؛ ثمَّ ساقه من طريق ابن إسحاق عن نافع كذلك، فالظاهر أنَّ ابن عمر سمعه من أُخته حفصة عن النبيِ وَلّه، وسمعه أيضاً من النبي ◌َ لِّ يُحدِّث به حين سُئِلَ عنه، فقد وقع عند أحمد (٥٣٢٤) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبي عَوَانة في ((المستخرَج)) (٣٦١٧) من هذا الوجه: أنَّ أعرابياً نادى رسول الله وَّ: ما نَقتُل من الذَّوابّ إِذا أحرَمنا؟ والظاهر أنَّ المبهمة في رواية زيد بن جُبَير هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة، وقد رواه ابن عُيَينةَ عن ابن شهاب فأسقَطَ حفصة من الإسناد(١)، والصواب إثباتها في رواية سالم، والله أعلم. الحديث الثاني: حديث عائشة في المعنى. ١٨٢٩ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((خمسٌ من الدَّوابِّ كلُّهنَّ فاسقٌ، يُقتَلْنَ في الحَرَمِ: الغُرابُ، والِحِدَأُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرةُ، والكلبُ العَقُور)). [طرفه في: ٣٣١٤] قوله: ((أخبرني يونس)) هو ابن يزيد أيضاً، وظهر بهذا أنَّ لابن وَهْب عنه عن الزُّهْري فيه إسنادينٍ: سالم عن أبيه عن حفصة، وعُرْوة عن عائشة، وقد كان ابن عُيَينةَ يُنكِر طريق الزُّهْري عن عُرْوة، قال الحميدي (٦١٩) عن سفيان: حدَّثنا والله الزّهْري عن سالم عن (١) رواية ابن عيينة أخرجها الحميدي (٦١٩)، وأحمد (٤٥٤٣)، ومسلم (١١٩٩)(٧٢) وغيرهم. ١٢٢ باب ٧ / ح ١٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري أبيه، فقيل له: إن مَعمَّراً يرويه عن الزُّهْري عن عُرْوة عن عائشة، فقال: حدَّثنا والله الزُّهْري لم يَذكُر عُرْوة. قلت: وطريق مَعمَر المشار إليها أوردَها المصنّف في بَدْء الخلق (٣٣١٤) من طريق يزيد بن زُرَيع عنه، ورواها النَّسائي (٢٨٩٠) من طريق عبد الرزاق، قال عبد الرزاق: ذكر بعضُ أصحابنا أنَّ مُعمَّراً كان يَذكُره عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه، وعن عُرْوة عن عائشة، وطريق الزُّهْري عن عُرْوة رواها أيضاً شعيب بن أبي حمزة عند أحمد (٢٤٥٦٩) وأبان بن صالح عند النَّسائي (٢٨٨٧)، ومن حَفِظَ حُجّة على من لم يَحَفَظ. وقد تابع الزُّهْريَّ عن عُرْوة هشامُ بن عُرْوة، أخرجه مسلم (١١٩٨ / ٦٨) أيضاً. قوله: ((خمس)) التقييد بالخمسِ وإن كان مفهومُه اختصاص المذكورات بذلك، لكنَّه مفهوم عَدَد، وليس بحُجّةٍ عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله وله أوَّلاً ثمَّ بيَّن بعد ذلك أنَّ غير الخمس يَشتَرِك معها في الحكم، فقد وَرَدَ في بعض طرق عائشة بلفظ: ((أربع))، وفي بعض طرقها بلفظ: ((ستّ)) فأمَّا طريق ((أربع)) فأخرجها مسلم (٦٦/١١٩٨) من طريق القاسم عنها، فأسقَطَ العَقرَبَ، وأمَّا طريق ((ستّ)) فأخرجها أبو عَوَانة في ((المستخرَج)) (٣٦٣٥) من طريق المحاربي عن هشام عن أبيه عنها، فأثبتَها، وزاد: الحيَّة، ويشهد لها طريق شَيْبانَ التي تقدَّمت من عند مسلم (١٢٠٠ / ٧٥) وإن كانت خالية عن العَدَد، وأغرَبَ عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذِكر الأفعى فصارت سبعاً، وتُعُقِّبَ بأنَّ الأفعى داخلة في مُسمَّى الحيَّة، والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عَوَانة في ((المستخرَجِ)) (٣٦٢١) من طريق ابن عَوْن عن نافع في آخر حديث الباب قال: قلت لنافع: فالأفعى؟ قال: ومن يَشُكّ في الأفعى؟ انتهى، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود (١٨٤٨) نحو رواية شَيْبانَ وزاد: السَّبُع العادي، فصارت سبعاً(١)، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خُزيمة (٢٦٦٦) وابن المنذر زيادة ذِكر الذِّئب والنَّمِر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعاً، لكن أفاد ابن خُزيمة عن (١) وإسناده ضعيف. ١٢٣ باب ٧ / ح ١٨٢٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه الذُّهلي أنَّ ذِكر الذِّئب والنَّمِر من تفسير الراوي للكلبِ العَقُور، ووقع ذِكر الذِّئب في حديثٍ مُرسَل أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤/ ٥٥) وسعيد بن منصور وأبو داود(١) من طريق سعيد بن المسيّب عن النبيِ وَ ل﴿ قال: ((يَقتُل المحرِمِ الحَيَّة والذُّئب))، ورجاله ثقات، وأخرج أحمد (٤٨٥١) من طريق حَجّاج بن أَرْطاةَ عن وَبَرة عن ابن عمر قال: أمَرَ رسول الله وَ﴿ بقتل الذُّئب للمُحرِم، وحجّاج ضعيف، وخالَفَه مِسعَر عن وَبَرة، فرواه موقوفاً أخرجه ابن أبي شَيْبة، فهذا جميع ما وقفتُ عليه في الأحاديث المرفوعة زيادةً على الخمس المشهورة، ولا يَخْلُو شيء من ذلك من مقال، والله أعلم. قوله: ((من الدَّواب)) بتشديد الموخَّدة، جمع دابّة: وهو ما دَبَّ من الحيوان. وقد أخرج بعضهم منها الطَّير، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨]،/ وهذا الحديث يردّ عليه، فإنَّه ذكر في الدَّوابّ الخمس الغُراب والحِدَأة، ويدلّ ٣٧/٤ على دخول الطَّير أيضاً عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِنِ مِّن دَابَّةٍ لَّا تَخْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٠]، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٧٨٩) في صفة بَدْء الخلق: ((وخَلَقَ الدَّوابّ يوم الخميس))، ولم يُفرِد الطَّير بذِكرٍ. وقد تَصَرَّفَ أهل العُرْف في الدّابّة، فمنهم من يَخُصّها بالحمار، ومنهم من يُخُصّها بالفَرَس، وفائدة ذلك تَظهَر في الحَلِف. قوله: ((كلّهنَّ فاسق، يُقتَلنَ)) قيل: فاسق صفة لكلّ، وفي ((يُقتَلْنَ)) ضمير راجعَ إلى معنى كلّ. ووقع في رواية مسلم (١١٩٨/ ٧١) من هذا الوجه: ((كلّها فواسق))، وفي رواية معمر التي في بَدْء الخلق (٣٣١٤): ((خمسُ فواسق))، قال النَّووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجَوَّزَ ابن دَقِيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني فإنَّه قال: رواية الإضافة تُشعِر بالتخصيصِ فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفِسقِ من جهة المعنى، فيُشعِر بأنَّ الحكم المَرَتَّب على ذلك وهو القتل مُعلَّل بما (١) في ((المراسيل)) (١٣٧). ١٢٤ باب ٧ / ح ١٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري جُعِلَ وصفاً وهو الفِسق، فيدخل فيه كلّ فاسق من الدَّوابّ، ويُؤيِّده رواية يونس التي في حديث الباب. قال النَّووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسقَ تسميةٌ صحيحة جارية في وَفْق اللُّغة، فإنَّ أصل الفِسق لغة: الخروج، ومنه فسَقَت الرُّطَبة: إذا خَرَجَت عن قِشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِعٍ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خَرَج، وسُمّي الرجل فاسقاً لخروجِه عن طاعة ربّه، فهو خروج مخصوص، وزَعَمَ ابن الأعرابي أنَّه لا يُعرَف في كلام الجاهلية ولا شِعرهم فاسق، يعني بالمعنى الشَّرعي. وأمَّا المعنى في وصف الدَّوابّ المذكورة بالفِسق، فقيل: لخروجها عن حُكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل: في حِلّ أكله، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقيل: لخروجها عن حُكْم غيرها بالإيذاءِ والإفساد وعَدَم الانتفاع. ومِن ثَمَّ اختلف أهل الفتوى: فمن قال بالأوَّل الحَق بالخمسِ كلَّ ما جازَ قتله للحلال في الحَرَمُ(١) وفي الحِلّ، ومن قال بالثاني ألْحَق ما لا يُؤْكَل إلَّا ما نُهي عن قتله، وهذا قد يُجامع الأوَّل، ومن قال بالثالثِ خصَّ الإلحاق بما يَحَصُل منه الإفساد. ووقع في حديث أبي سعيد (٣٠٨٩) عند ابن ماجه: قيل له: لمَ قيل للفَأرة فُوَيسِقة؟ فقال: لأنَّ النبي وَ ل﴿ استَقَظَ لها وقد أخَذَت الفَتيلة لتُحرِق بها البيت، فَهذا يُومِئ إلى أنَّ سبب تسمية الخمس بذلك لكونِ فعلها يُشبِهِ فعل الفُسّاق، وهو يُرجِّح القول الأخير، والله أعلم. قوله: ((يُقتَلنَ في الحَرَم)) تقدَّم في رواية نافع (١٨٢٦) بلفظ: ((ليس على المحرم في قتلهنَّ ◌ُناح))، وعُرِفَ بذلك أن لا إثم في قتلها على المحرِم ولا في الحَرَم، ويُؤخَذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحِلّ من باب الأَولى، وقد وقع ذِكر الحِلّ صريحاً عند مسلم (١١٩٨/ ٧٠) من طريق مَعمَر عن الزُّهْري عن عُرْوة بلفظ: ((يُقتَلنَ في الحِلّ والحَرَم))، ويُعرَف حُكم الحلال بكونِه لم يَقُم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى، ثمَّ إنَّه ليس في نفي الجناح (١) قوله: في الحرم، سقط من (أ) و(ع)، وأثبتناه من (س). ١٢٥ باب ٧ / ح ١٨٢٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه - وكذا الخَرَج في طريق سالم - دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن وَرَدَ في طريق زيد ابن جُبَير عند مسلم (٧٤/١٢٠٠) بلفظ: ((أمَرَ))، وكذا في طريق مَعمَر (١١٩٨/ ٧٠)، ولأبي عَوَانة (٣٦٣٦) من طريق ابن نُمَير عن هشام عن أبيه بلفظ: ((ليقتل المحرم))، وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل النَّب والإباحة، وروى البَزَّار (٣٨٨٧) من طريق أبي رافع قال: بينا رسول الله وَّهُ في صلاته إذ ضَرَبَ شيئاً، فإذا هي عَقرَب، فقتلها، وأمَرَ بقتل العَقرَب والحيَّة والفَأرة والحِدَأة للمُحرِم، لكنَّ هذا الأمر وَرَدَ بعد الحَظْر لعموم نهي المحرِم عن القتل فلا يكون للوجوب ولا للنَّدب، ويُؤيِّد ذلك رواية الليث عن نافع بلفظ: «أذِنَ)» أخرجه مسلم (١١٩٩/ ٧٧) والنَّسائي (٢٨٣٠) عن قُتَيبة عنه، لكن لم يَسُق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود (١٨٤٧) وغيره: ((خمسٌ قتلهنَّ حلال للمُحرِم(١)). قوله: ((الغُراب)) زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم (٦٧/١١٩٨): ٣٨/٤ ((الأبقَع))، وهو الذي في ظَهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القَيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثمَّ وجدت ابن خُزيمة قد صَرَّحَ باختياره، وهو قضية حمل المطلَق على المقيَّد، وأجاب ابن بَطَّال بأنَّ هذه الزِّيادة لا تَصِحّ لأنها من رواية قَتَادةَ عن سعيد، وهو مُدَلِّس وقد شَذَّ بذلك، وقال ابن عبد البَرِّ: لا تَتْبُت هذه الزّيادة. وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التعليل نظر، أمَّا دعوى التدليس فمردودة بأنَّ شُعْبة لا يروي عن شيوخه المدَلِّسين إلَّا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شُعْبة، بل صَرَّحَ النَّسائي (٢٨٨٢) في روايته من طريق النَّضر بن شُمَيلٍ عن شُعْبة بسماع قَتَادةَ، وأمَّا نفي الثَّبوت فمردود بإخراج مسلم، وأمَّا الترجيح فليس من شرط قَبُول الزّيادة بل الزِّيادة مقبولة من الثِّقة الحافظ وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يَلتَحِق بالأبقَع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. وقد اتَّفَقَ العلماء على إخراج الغُراب الصغير الذي يأكل الحَبّ من ذلك، ويقال له: غُراب الزَّرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عَداه من (١) لفظه في ((سنن أبي داود)): في الحرم، بدل: للمحرم. ١٢٦ باب ٧ / ح ١٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري الغِربان مُلتَحِقاً بالأبقَع، ومنها الغُداف على الصحيح في ((الرَّوضة)) بخلاف تصحيح الرافعي، وسمَّى ابن قُدامةَ الغُدافَ غُرابَ البَيْن، والمعروف عند أهل اللُّغة أنَّه الأبقَع، قيل: سُمّي غُرابَ البَيْن لأنه بانَ عن نوح لمَّا أرسَله من السَّفينة ليكشِفَ خبر الأرض، فلقي جِيفةً فوقع عليها ولم يَرجِع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يَتَشاءَمونَ به فكانوا إذا نَعَبَ مرَّتين قالوا: آذَنَ بشَرِّ، وإذا نَعَبَ ثلاثاً قالوا: آذَنَ بخيرٍ، فأبطَلَ الإسلام ذلك، فكان ابن عبّاس إذا سمع الغُراب قال: اللهمَّ لا طَيرٍ إلَّا طَيرك ولا خير إلَّا خيرك ولا إله غيرك. وقال صاحب ((الهِداية)): المراد بالغُراب في الحديث: الغُداف والأبقَع، لأنهما يأكلان الجيف، وأمَّا غُراب الزَّرع فلا. وكذا استثناه ابن قُدامة، وما أظنّ فيه خلافاً، وعليه يُحمَل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود (١٨٤٨) إن صحّ، حيثُ قال فيه: ((ويرمي الغُراب ولا يَقتُله))، وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ ومجاهد، قال ابن المنذر: أباح كُلُّ من يُحِفَظ عنه العلم قتلَ الغُراب في الإحرام إلَّا ما جاء عن عطاء قال في مُحرِمِ كَسَرَ قَرن غُراب، فقال: إن أدماه فعليه الجزاء، وقال الخطّابي: لم يتابع أحد عطاءً على هذا. انتهى، ويحتمل أن يكون مراده غُراب النَّرع. وعند المالكية اختلاف آخر في الغُراب والحِدَأة: هل يتقيَّد جواز قتلهما بأن يَبْتَدِئا بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكِبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاسٍ(١) - لا فرق، وفاقاً للجمهور. ومن أنواع الغِربان: الأعصَمُ، وهو الذي في رِجلَيه أو جناحيه أو بطنه بياض أو حُمرة، وله ذِكر في قصَّة حَفر عبد المطَّلِب لزَمَزَم، وحُكمه حُكم الأبقَع، ومنها: العَقعَق، وهو قَدْر الحمامة على شكل الغُراب، قيل: سُمّي بذلك لأنه يَعُقّ فِراخه فيَتْرُكها بلا طُعم، وبهذا يَظهَرُ أنَّه نوع من الغِربان، والعرب تَتَشاءَم به أيضاً. ووقع في ((فتاوى قاضي خان)) الحنفي: من خرج لسفرٍ فسمع صوت العَقْعَق فَرَجَعَ كفر، وحُكمه حُكم الأبقَع على الصحيح، (١) تصحف في الأصلين إلى: ابن شاش، والمثبت على الصواب من (س). ١٢٧ باب ٧ / ح ١٨٢٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه وقيل: حكم غُراب الَّرع. وقال أحمد: إن أكَلَ الجيَفَ وإلَّا فلا بأس به. قوله: ((والحِدَأ)) بكسر أوَّله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مَدّ، وحكى صاحب ((المحكم)) المدّ فيه نُدوراً، ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ في حديث عائشة: ((الحِدَأة)) بزيادة هاء بلفظ الواحدة، وليست للتأنيث، بل هي كالهاءٍ في التمرة، وحكى الأزهَري فيها: حِدَوة، بواوِ بدل الهمزة، وسيأتي في بَدْء الخلق (٣٣١٤) من حديثها بلفظ: ((الحُدَيّا)) بضمٍّ أوَّله وتشديد التحتانية مقصور، ومثله لمسلم (٦٨/١١٩٨) في رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه. قال قاسم ابن ثابت: الوجه فيه الهمز، وكأنَّه سُهِّلَ ثمَّ أُدغِم، وقيل: هي لغة حِجازية، وغيرهم يقول: حُدَيَّة، وقد تقدَّم ذِكْرها في الكلام على الغُراب. ومن خَواصّ الِحِدَأة أنَّها تَقِف في الطَّيَران، ويقال: إنَّها لا تَّخْطَفُ الناس إلَّا من جهة اليمين، وقد مضى لها ذِكر في الصلاة (٤٣٩) في قصَّة صاحبة الوِشاح. ٣٩/٤ تنبيه: يَلْتَبِس بالحِدَأ: الحَدَأة بفتح أوَّله: فأس له رأسان. قوله: ((والعَقرَب)) هذا اللَّفظ للذَّكَر والأُنثى، وقد يقال: عَقرَبة وعَقرَباء، وليس منها العُقْرُبان (١)، بل هي دُوَيَّة طويلة كثيرة القوائم، قاله صاحب ((المحكم))، ويقال: إنَّ عينَيَها في ظَهرها، وإنَّها لا تَضُرّ ميّاً ولا نائماً حتَّى يَتَحرَّك. ويقال: لَدَغَته العَقرَب، بالغين المعجمة وَسَعَته بالمهمَلتَين. وقد تقدَّم اختلاف الرّواة في ذِكر الحيَّة بَدَها في حديث الباب، ومن جمعهما، والذي يَظهَر لي أنَّه ◌َلِّ نَبَّه بإحداهما على الأُخرى عند الاقتصار وبيَّن حُكمهما معاً حيثُ جمع. قال ابن المنذر: لا نَعلَمهم اختلفوا في جواز قتل العَقرَب. وقال نافع لمَّا قيل له: فالحيَّة؟ قال: لا يُخْتَلَف فيها، وفي رواية: ومن يَشُكّ فيها؟ وتعقَّبه ابن عبد البَرِّ بما أخرجه ابن أبي شَيْبة من طريق شُعْبة أنَّه سأل الحَكَم وحمَّاداً فقالا: لا يَقتُّل المحرِم الحيَّة ولا العقرب. قال: ومن ◌ُجَّتھما أنَّهما من هوام الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر (١) في ((اللسان)) و((القاموس)) العُقْرُبان: ذكر العقرب، وفي (القاموس)): أو العقرب. ثم ذكر في ((اللسان)» نحواً مما ذكره الحافظ هنا. ١٢٨ باب ٧ / ح ١٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحيَّة والعَقرَب التي لا تتمگَّن من الأذى. قوله: ((والفَأْرة)) بهمزةٍ ساكنة ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلفِ العلماء في جواز قتلها للمُحرِمِ إلَّا ما حُكي عن إبراهيم النَّخَعي فإِنَّه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرِم، أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السُّنّة وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقي (٢١١/٥) بإسناد صحيح عن حمّاد بن زيد قال لمَّا ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحَشَ رَدّاً للآثار من إبراهيم النَّخَعي لقِلّة ما سمع منها، ولا أحسنَ اتِّباعاً لها من الشَّعبي لكَثْرة ما سمع. ونقل ابن شاسٍ عن المالكية خلافاً في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكَّن من الأذى. والفَأْر أنواع: منها الجُرَذ بالجيم بوزن عمر، والخُلْد بضمِّ المعجمة وسكون اللّام، وفأرة الإبل، وفأرة المِسْك، وفأرة الغَيط، وحُكمها في تحريم الأكل وجواز قتلها سواء، وسيأتي في الأدب(١) إطلاق الفُوَيسِقة عليها من حديث جابر، وتقدَّم سبب تسميتها ذلك من حديث أبي سعيد، وقيل: إنَّما سُمّيت بذلك لأنها قَطَعَت حِبال سفينة نوح، والله أعلم. قوله: ((والكلب العقُور)) الكلب معروف والأُنثى گلبة، والجمع آگلُب وكلاب وگَلیب بالفتح، كأعبُدٍ وعِباد وعَبيد. وفي الكلب بَهيميّة وسَبُعيّة كأنَّه مُركَّب، وفيه منافع للحِراسة والصَّيد كما سيأتي في بابه. وفيه من اقتفاء الأثر وشَمّ الرائحة والحِراسة وخِفّة النَّوم والتوَدُّد وقَبُول التعليم ما ليس لغيره. وقيل: إنَّ أوَّل من اتَّخَذَه للحِراسة نوح عليه السلام. وقد سَبَقَ البحثُ في نجاسته في كتاب الطَّهارة (١٧٢)، ويأتي في بَدْء الخلق (٣٢٢٥) جملةٌ من خِصاله. واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوَصِفِه بكونِهِ عَقوراً مفهومٌ أو لا؟ فروی سعید ابن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العَقُور: الأسَد. وعن سفيان عن زید ابن أسلمَ، أنَّهم سألوه عن الكلب العَقُور، فقال: وأيّ كلب أعقَرُ من الحيَّة؟ وقال زُفَر: (١) بل في الاستئذان برقم (٦٢٩٥). ١٢٩ باب ٧ / ح ١٨٢٩ أبواب جزاء الصيد ونحوه المراد بالكلبِ العَقُور: هنا الذِّئب خاصَّة. وقال مالك في ((الموطَّأ)»: كلّ ما عَقَرَ الناسَ وعَدا عليهم وأخافهم مثل الأسَد والنَّمِر والفَهْد والذّئب هو العَقُور. وكذا نقل أبو عُبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: المراد بالكلبِ هنا: الكلب خاصَّة، ولا يَلْتَحِقِ به في هذا الحكم سوى الذُّئب، واحتَجَّ أبو عُبيد للجمهور بقوله وَّ: ((اللهمَّ سَلِّط عليه كلباً من كِلابك)) فقتله الأسَد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم (٥٣٩/٢) من طريق أبي نَوفَل بن أبي عَقْرَب عن أبيه، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِِّينَ﴾ [المائدة : ٤] فاشتَقَّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلِّ جارح: عَقُور. واحتَجَّ الطَّحاوي للحنفية بأنَّ العلماء اتَّفَقوا على تحريم قتل البازي والصَّقر، وهما من سِباع الطَّير، فدَلَّ ذلك على اختصاص التحريم بالغُراب والحِدَأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلبِ وما شاركَه في صِفَته وهو الذِّئب. / وتُعُقِّبَ بَرَدِّ الاتّفاق، فإنَّ مخالفيهم أجازوا قتل ٤٠/٤ كلّ ما عَدا وافتَرَس، فيدخل فيه الصَّقر وغيره، بل مُعظَمهم قال: يَلتَحِقِ بالخمسِ كلّ ما نُهي عن أكله إلَّ ما تُهي عن قتله. واختلف العلماء في غيرِ العَقُور ممَّا لم يُؤمَر باقتنائه، فصَرَّحَ بتحريم قتله القاضيان حسين والماوَزْدي وغيرهما، ووقع في ((الأُمّ) للشافعي الجواز، واختلف كلام النَّووي فقال في البيع من ((شرح المهذَّب)): لا خلاف بين أصحابنا في أنَّه مُحْتَرَم لا يجوز قتله، وقال في التيقُّم والغَصْب: إنَّه غير مُحْتَرَم، وقال في الحج: يُكرَه قتله كراهة تنزيه. وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتَصَرَ الرافعي وتَبِعَه في ((الزَّوضة))، وزاد: إنَّها كراهة تنزيه، والله أعلم. وذهب الجمهور كما تقدَّم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم، إلّا أنَّهم اختلفوا في المعنى، فقيل: لكونها مُؤذية فيجوز قتل كلّ مُؤذٍ، وهذا قضية مذهب مالك. وقيل: لكونها مَّا لا يُؤكَل، فعلى هذا كلّ ما يجوز قتله لا فِديةَ على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي. وقد قَسَّمَ هو وأصحابه الحيوان بالنِّسبة للمُحرِم إلى ثلاثة أقسام: ١٣٠ باب ٧ / ح ١٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري قسم يُستحَبّ کالخمسِ وما في معناها ممّا يُؤذي. وقسم يجوز كسائر ما لا يُؤكَل لحمه، وهو قسمان: ما يَحَصُل منه نَفْع وضَرَر، فيُباح لمَا فيه من مَنفَعة الاصطياد، ولا يُكرَه لما فيه من العُدوان، وقِسم ليس فيه نَفع ولا ضَرٌّ فيُكرَه قتله ولا تَحُم. والقسم الثالث ما أبيحَ أكله أو نُهي عن قتله فلا يجوز، وفيه الجزاء إذا قتله المحرم. وخالَفَ الحنفيَّة فاقتَصَروا على الخمس إلَّا أنَّهم الحَقُوا بها الحيَّة لثبوتِ الخبر، والذِّئب لمُشاركَته للكلبِ في الكلبية، وألحَقُوا بذلك من ابتَدَأ بالعُدوان والأذى من غيرها، وتُعُقِّبَ بظُهور المعنى في الخمس وهو الأذى الطَّبيعي والعُدوان المَرَكَّب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه، تَعَدّى الحكم إلى كلّ ما وُجِدَ فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه في مسائل الرِّبا. قال ابن دَقِيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مُؤذٍ، قوي بالإضافة إلى تصرُّف أهل القياس، فإنَّه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحَدّ، وأمَّا التعليل بحُرمة الأكل ففيه إبطال لمَا دَلَّ عليه إيماء النصّ من التعليل بالفسق، انتهى. وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفِسق، فمن فسَرَّه بأنَّه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى عَلَّلَ به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل عَلَّل به، وقال من عَلَّلَ بالأذى: أنواع الأذى مُتَلِفة، فكأنَّه نَبَّه بالعَقرَبِ على ما يشاركها في الأذى باللّسع ونحوه من ذَوَات السُّموم كالحِيَّة والزُّنبور، وبالفَأرة على ما يشاركها في الأذى بالنَّقْبِ والقَرْض كابن عِرْس، وبالغُراب والحِدَأة على ما يشاركهما في الأذى بالاختطاف كالصَّقر، وبالكلبِ العَقُور على ما يشاركه في الأذى بالعُدوان والعَقر كالأسَد والفَهد. وقال من عَلَّلَ بتحريم الأكل وجواز القتل: إنَّما اقتَصَرَ على الخمس لكَثْرة مُلاَبَسَتها للناس بحيثُ يَعُمّ أذاها، والتخصيص بالغَلَبة لا مفهوم له. تكملة: نقل الرافعي عن الإمام أنَّ هذه الفواسق لا مِلك فيها لأحدٍ ولا اختصاص، ١٣١ باب ٧ / ح ١٨٣٠ أبواب جزاء الصيد ونحوه ولا يجب رَدّها على صاحبها، ولم يُذكَر مثل ذلك في غير الخمس ممّا يَلتَحِق بها في المعنى، فليُتأمَّل. واستدلَّ به على جواز قتل من لجَأْ إلى الحَرَم مَمَّن وَجَبَ عليه القتل، لأنَّ إباحة قتل هذه الأشياء مُعلَّل بالفِسق، والقاتل فاسق فيُقتَل بل هو أولى، لأنَّ فِسق المذكورات طَبيعي، والمكلَّف إذا ارتَكَبَ الفِسق هاتكٌ لحُرمة نفسه فهو أولى بإقامة مُقْتَضى الفِسق عليه. وأشار ابن دقيق العيد إلى أنَّه بحث قابل للنّراع، وسيأتي بسطُ القول فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. الحديث الثالث: حديث ابن مسعود. ١٨٣٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني إبراهيمٌ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله ◌ُه، قال: بينما نحن مع النبيِّ وَّ في غارٍ بِمِنَّى إذ نزل عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ وإِنَّه لَيَتَلُوها، وإِنِّي لَأَتلقَّاها مِن فيهِ، وإنَّ فاهُ لَرَطبٌ بها، إذ وَثَبَت علينا حَيَّةٌ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اقْتُلوها))، فابتَذَرْناها فَذَهَبَتْ، فقال النبيُّ مَ: ((وُقِيَت شَرَّكم كما وُقِيْتُم شََها». [أطرافه في: ٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤] قوله: ((حدَّثني إبراهيم)) هو ابن يزيد النَّخَعي، والأسوَد: هو النَّخَعي خاله، وعبد الله: هو ابن مسعود. وقد اختُلِفَ على الأعمَش في إسناد هذا الحديث، كما سيأتي بيانه في بَدْء الخلق (٣٣١٧). قوله: ((في غارٍ بِمِنَّى)) وقع عند الإسماعيلي من طريق ابن نُمَير عن حفص بن غياث: أنَّ ذلك كان ليلة عَرَفة، / وبذلك يَتِمّ الاحتجاج به على مقصود الباب من جواز قتل الحيَّة ٤١/٤ للمُحرِم، كما دلَّ قوله: بمِنَّى على أنَّ ذلك كان في الحَرَم، وعُرِفَ بذلك الردّ على من قال: ليس في حديث عبد الله ما يدلّ على أنَّه أمَرَ بقتل الحيَّة في حال الإحرام، لاحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة، وقد رواه مسلم (٢٢٣٥) وابن خُزيمة (٢٦٦٨) - واللَّفظ له - عن أبي كُرَيب عن حفص بن غياث مُختصَراً ولفظه: أنَّ النبيِ نَّهِ أَمَرَ مُحرِماً بقتل حَيَّة في ١٣٢ باب ٧ / ح ١٨٣١ فتح الباري بشرح البخاري الخرم بمِنی، ووقع في رواية أبي الوَقْت عَقِب حديث الباب: قال أبو عبد الله - وهو المصنّف -: إنَّما أردنا بهذا أنَّ مِنَّى من الحَرَم، وأنَّهم لم يروا بقتل الحيّة - يعني فيه - بأساً. ووقع هذا الكلام عند أبي ذرٍّ في آخر الباب، ومَحَّه عَقِب حديث ابن مسعود. قوله: ((رَطْبة))(١) أي: لم تَجِفَّ ریقُه بها. قوله: ((كما وُقِيتُمْ شَرّها» بالنَّصبِ لأنه مفعول ثانٍ، وكذلك قوله: ((وُقَيَتْ شَرّكم)) أي أَنَّ الله سَلَّمها منكم كما سَلَّمَكم منها، وهو من مجاز المقابلة. قال ابن المنذر: أجمع من يُحِفَظ عنه من أهل العلم على أنَّ للمُحرِمِ قتلَ الحيَّة، وتُعُقِّبَ بما تقدَّم عن الحكم وحَّاد، وبما عند المالكية من استثناء ما صَغُرَ منها بحيثُ لم یتمكَّن من الأذى. الحديث الرابع: ١٨٣١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُزْوةَ بنِ الزُّبَير، عن عائشةً رضي الله عنها زوجِ النبيِّ ◌َلِهِ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال للوَزَعْ: «فُوَيسٌِ))، ولم أسمَعه أُمَرَ بقَتلِهِ. [طرفه في: ٣٣٠٦] قوله: ((حدَّثنا إسماعيل» هو ابن أبي أُوَيس. قوله: ((قال للوَزَغْ: فَوَيسِق)) اللّام بمعنى عن، والمعنى: أنَّه سمَّه فوَيسِقاً، وهو تصغير تَحقير، مُبالَغة في الذَّمَ. قوله: ((ولم أسمَعْه أُمَرَ بقَتلِه)) هو مَقُول عن عائشة، والضمير للنبي وَّه، وقضية تَسميته إياه فوَيسِقاً أن يكون قتلُهُ مُباحاً، وكونها لم تَسمعه لا يدلّ على منع ذلك، فقد سمعه غيرها كما سيأتي في بَدْء الخلق (٣٣٠٦) عن سعد بن أبي وقّاص وغيره، ونقل ابن عبد البَوِّ الاتّفاق على جواز قتله في الحِلّ والحَرَم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يَقتُل المحرِمِ الوَزَغَ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدَّق، لأنه ليس من الخمس المأمورٍ بقتلها. (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله هنا، والذي في ((الصحيح)) دون اختلاف بين رواياته: ((لَرَطْب))، وسيأتي عند البخاري (٣٣١٧)، ولفظه: وإنا لنتلقاها - يعني سورة المرسلات - من فيه رَطْبة. ١٣٣ باب ٨ / ح ١٨٣٢ أبواب جزاء الصيد ونحوه وروى ابن أبي شَيْبة أنَّ عطاء سُئِلَ عن قتل الوَزَغْ فِي الْحَرَم، فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله. وهذا يُفهِم توقُّف قتله على أذاه. ٨- بابٌ لا يُعضَد شجر الحرم وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّةِ: ((لا يُعضَدُ شَوكُه)). ١٨٣٢- حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثْنا الليثُ، عن سعيد بنِ أبي سعيد المقبريِّ، عن أبي شُرَيح العَدَوِيِّ: أنَّه قال لعَمرِو بنِ سعيدٍ وهو يَبعَثُ البُعوثَ إلى مكَّةَ: إِيْذَنْ لي أيُّها الأمِيرُ أُحَدِّثْكَ قولاً قامَ به رسولُ اللهَ وَّرِ الفَدَ من يومِ الفتح، فسمعَتْه أُذُنايَ ووَعاه قلبي وأبصَرَته عينايَ حين تكلَّمَ به، إنَّه ◌َمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: ((إنَّ مَكَّةَ حَّمها الله ولم يُحرِّمها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤمِنُ بالله واليوم الآخر أن يَسفِكَ بها دَماً، ولا يَعضُدَ بها شجرةً، فإن أحدٌ تَرَخَّصَ لقتال رسولِ اللهِوَ ل﴿ فقولوا له: إنَّ اللهَ أذِنَ لرسولِهِ وَّه ولم يأذنْ لكم، وإنَّما أذِنَ لي ساعةً من نهارٍ، وقد عادت حُرمَتُها اليومَ كحُرمَتها بالأمسِ، ولْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ)). فَقِيلَ لأبي شُرَيح: ما قال لكَ عَمْرٌو؟ قال: أنا أعلمُ بذلك منكَ يا أبا شُرَيح: إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصياً ولا فارّاً بدَمٍ، ولا فارّاً بخُربةٍ. خُربةٌ: بَلِيَّةٌ. قوله: ((بابٌ لا يُعضَد شجر الحَرَم)) بضمٍّ أوَّله وفتح الضّاد المعجمة، أي: لا يُقطَع. قوله: «وقال ابن عبّاس عن النبي ◌َّ: لا يُعضد شوكه)) سيأتي موصولاً بعد باب (١٨٣٣) ويأتي البحث فيه هناك. قوله: ((عن سعيد)) في رواية عبد الله بن يوسف عن الليث: حدَّثني سعيد، كما تقدَّم في العلم (١٠٤). قوله: ((عن أبي شُرَيح العَدَوي)) كذا وقع هنا، وفيه نظر لأنه خُزاعي من بني كعب بن ربيعة بن خُيّ، بطن من خُزاعة، ولهذا يقال له: الگَعْبي أيضاً، وليس هو من بني عديٌّ، لا عَدي قُرَيش ولا عَدي مُضَر، فلعلَّه كان حَليفاً لبني عَديٍّ بن كعب من قُرَیش، وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عدي، وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد: سمعت ٤٢/٤ ١٣٤ باب ٨ / ح ١٨٣٢ فتح الباري بشرح البخاري أبا شُرَيح، أخرجه أحمد (٢٧١٦٠). واختُلِفَ في اسمه، فالمشهور أنَّه خوَيلِد بن عَمْرو، وقيل: ابن صَخْر، وقيل: هانئ بن عَمْرو، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: كعب، وقيل: عَمْرو ابن خويلد، وقيل: مَطَر، أسلمَ قبل الفتح، وحمل بعض ألوية قومه، وسَكَنَ المدينة ومات بها سنة ثمان وستّين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين آخرين. قوله: (لعَمرو بن سعيد)) أي: ابن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة المعروف بالأشدَق، وقد تقدَّم ذلك مع شرح بعض الحديث في ((باب تَبليغ العلم)) من كتاب العلم (١٠٤). ووقع عند أحمد (١٦٣٧٧) من طريق ابن إسحاق عن سعيد المقبري زيادة في أوَّله توضح المقصود، وهي: لمَّا بَعَثَ عَمْرو بن سعيد إلى مكَّة بَعْثَه لغَزوِ ابن الزُّبَير، أتاه أبو شُرَيح فَكَلَّمَه وأخبره بما سمع من رسول الله وَّه، ثمَّ خرج إلى نادي قومه فجَلَسَ فيه، فقُمت إليه فجلست معه فحدَّثَ قومه. قال: قلت له: يا هذا، إنّ كنَّا مع رسول الله وَل حين افتَتَحَ مَكَّة، فلمَّا كان الغَد من يوم الفتح عَدَت خُزاعة على رجل من هُذَيل فقتلوه، وهو مُشرِك، فقامَ فينا رسول الله وَ له خطيباً، فذكر الحديث. وأخرج أحمد أيضاً (١٦٣٧٦) من طريق الزّهْري عن مسلم بن يزيد الليثي(١) عن أبي شُرَيح الخُزاعي أنَّه سمعه يقول: أذِنَ لنا رسول الله وَ له يوم الفتح في قتال بني بكر، حتَّى أصَبْنا منهم ثَأرَنا وهو بمكّة، ثمّ أمَرَ رسول الله وَِّ بوضع السَّيف، فلقي الغَدَ رَهطُ منَّا رجلاً من هُذَيل في الحَرَم يريد رسول الله وَ ﴿، وقد كان وَتَرَهم في الجاهلية وكانوا يَطلُبونه فقتلوه، فلمَّا بَلَغَ ذلك رسولَ الله وَلِّ غَضِبَ غَضَباً شديداً ما رأيته غَضِبَ أشدَّ منه، فلمَّا صلَّى قامَ فأثنى على الله بما هو أهله ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ، فإنَّ الله هو حَّمَ مگّة))، انتهى. وقد ذكر أبو هريرة في حديثه هذه القصّة مُختصَرة وتقدَّم الكلام عليها في ((باب كتابة العلم)) من كتاب العلم (١١٢)، وذكرنا أنَّ عَمْرو بن سعيد كان أميراً على المدينة من قِبل (١) وقع في ((مسند أحمد)»: مسلم بن يزيد أحد بني سعد بن بكر، وهو حجازي، من رجال ((التعجيل))، وهو غير مسلم بن يزيد السعدي الكوفي، ذكره المزي في ((تهذيب الكمال)) (٦٥٤١) تمييزاً. ١٣٥ باب ٨ / ح ١٨٣٢ أبواب جزاء الصيد ونحوه يزيد بن معاوية وأنَّه جَهَّزَ إلى مكَّة جيشاً لغزوٍ عبد الله بن الزُّبَير بمكَّة، وقد ذكر الطَّبري القصَّة عن مشايخه، فقالوا: كان قدوم عَمْرو بن سعيد والياً على المدينة من قِبل يزيد بن معاوية في ذي القَعْدة سنة ستّين، وقيل: قَدِمَها في رمضان منها، وهي السَّنة التي وَلي فيها يزيد الخلافةَ، فامتَنَعَ ابن الزُّبَير من بيعَته وأقامَ بمَّة، فجَهَّزَ إليه عَمْرو بن سعيد جيشاً وأمَّرَ علیهم عَمْرو بن الزُّبیر، وکان مُعادیاً لأخيه عبد الله، وكان عَمْرو بن سعید قد ولّاه شُرَطَته، ثمَّ أرسَله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عَمْرو بن سعيد فنهاه فامتَنَع، وجاءه أبو شُرَيح، فذكر القصَّة، فلمَّا نزل الجيش ذا طوَى خرج إليهم جماعة من أهل مكَّة فهَزَّموهم وأُسِرَ عَمْرو بن الزُّبَير، فسَجَنَه أخوه بسجنٍ عارم، وكان عَمْرو بن الزُّبَير قد ضَرَبَ جماعة من أهل المدينة ممَّن اتهَمَهُم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتَّى مات عَمْرو من ذلك الضَّرب. تنبيه: وقع في ((السّيرة)) لابن إسحاق و((مغازي الواقدي)) أنَّ المراجعة المذكورة وَقَعَت بين أبي شُرَيح وبين عَمْرو بن الزُّبَير، فإن كان محفوظاً احتُمِلَ أن يكون أبو شُرَیح راجعَ الباعث والمبعوث، والله أعلم. قوله: ((وهو يَبعَث البُعوث)): هي جمع بعث بمعنى مَبعوث، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به: الجيش المجَهَّز للقتال. قوله: ((إيذَنْ)) أصله: ائذَن، بهمزَتَينِ فقُلِبَت الثانية ياءً لسكونها وانكِسار ما قبلها . . قوله: ((أيها الأمير)) الأصل فيه: يا أيها الأمير، فحَذَفَ حرف النِّداء، ويُستَفاد منه حُسن التلطّف في مُخاطَبة السُّلطان ليكون أدعى لقَبُولهم النَّصيحة، وأنَّ السُّلطانِ لا يُخاطَب إلَّا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يُعتَرَض به عليه، فتَرْكُ ذلك والغلظة له قد يكون سبباً لإثارة نفسه ومُعانَدة من يخاطبه، وسيأتي في الحُدود (٦٨٢٧) قول والد العَسِيف: وائذن لي. قوله: ((قامَ به)) صفة للقول، والمقول هو: حَمِدَ الله ... إلى آخره. ٤٣/٤ ١٣٦ باب ٨ / ح ١٨٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((الغَدَ)) بالنَّصبِ، أي: ثاني يوم الفتح، وقد تقدَّم بيانه. قوله: ((سمعته أُذُنايَ)) إلى آخره، فيه إشارة إلى بيان حِفظه له من جميع الوجوه، فقوله: سمعته، أي: حَمَلَته عنه بغير واسطة، وذِكر الأُذُنينِ للتأكيد، وقوله: ووَعاه قلبي، تحقيق لِفَهِمِه وتَئِبُّته، وقوله: وأبصَرَته عينايَ، زيادة في تحقيق ذلك، وأنَّ سماعه منه ليس اعتماداً على الصَّوت فقط، بل مع المشاهَدة، وقوله: حين تكلَّمَ به، أي: بالقول المذكور، ويُؤخَذ من قوله: ((ووَعَاه قلبي)) أنَّ العقل مَحَلّه القلب. قوله: ((إنَّه حَمِدَ الله)) هو بيان لقوله: تكلّم، ويُؤخَذ منه استحباب الثَّناء بين يدي تعلیم العلم وتَبيين الأحكام والخُطبة في الأُمور المهمّة، وقد تقدَّم من رواية ابن إسحاق أنَّه قال فيها: ((أمَّا بعد)). قوله: ((إنَّ الله حَرَّمَ مَّة)) أي: حَكمَ بتحريمها وقضاه، وظاهره أنَّ حُكم الله تعالى في مكَّة أن لا يُقاتل أهلها، ويُؤَمَّن من استَجار بها، ولا يُعْرَضُ له، وهو أحد أقوال المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ, كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّاً﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وسيأتي بعد باب في حديث ابن عبَّاس بلفظ: «هذا بَلَد حَرَّمَه الله يوم خَلَقَ السَّماوات والأرض»، ولا معارضة بين هذا وبين قوله الآتي في الجهاد (٢٨٩٣) وغيره من حديث أنس: ((إنَّ إبراهيم حَرَّمَ مكَّة)) لأنَّ المعنى: أنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَّة بأمر الله تعالى لا باجتهاده، أو أنَّ الله قضى يوم خَلَقَ السَّماوات والأرض أنَّ إبراهيم سيُحرِّمُ مَّة، أو المعنى: أنَّ إبراهيم أوَّلُ من أظهَرَ تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حراماً، وأولُ من أظهَرَه بعد الطّوفان، وقال القُرطُبي: معناه أنَّ الله حَرَّمَ مَّة ابتداء من غير سبب يُنسَب لأحدٍ ولا لأحدٍ فيه مَدخَل، قال: ولأجل هذا أكَّدَ المعنى بقوله: ((ولم يُحرِّمها الناسُ))، والمراد بقوله: ((ولم يُحُرِّمها الناس)): أنَّ تحريمها ثابت بالشَّرع لا مَدخَل للعقل فيه، أو المراد: أنَّها من مُحُرَّمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من مُحرَّمات الناس يعني في الجاهلية، كما حَرَّموا أشياء من عند أنفُسهم فلا يَسوغ الاجتهادُ في تركه. وقيل: معناه أنَّ حُرمَتَها مُستَمِّرّة من أوَّل الخلق، وليس ممّا اختَصَّت به شريعة النبي ◌َّ. ١٣٧ باب ٨ / ح ١٨٣٢ أبواب جزاء الصيد ونحوه قوله: ((فلا يَحِلّ ... )) إلى آخره، فيه تنبيه على الامتثال، لأنَّ من آمَنَ بالله لَزِمَته طاعتُه، ومن آمَنَ باليوم الآخر لَزِمَه امتثالُ ما أمَرَ به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب علیه، وقد تَعَلَّقَ به من قال: إنَّ الكُفّار غيرُ مُخاطَبين بفروع الشّريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأنَّ المؤمِن هو الذي ينقاد للأحكام ويَنزَجِر عن المحرَّمات، فجُعل الكلامُ معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره. وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنَّه من خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، فالمعنى أنَّ استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يُؤمِن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لِذِكر هذا الوَصْف، ولو قيل: لا يَحِلّ لأحدٍ مُطلَقاً، لم يَحصُل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحريم. قوله: ((أن يَسْفِك بها دَماً) تقدَّم ضَبطه في العلم (١٠٤)، واستُدلَّ به على تحريم القتل والقتال بمگّة، وسيأتي البحث فيه بعد باب في الكلام على حديث ابن عبّاس. قوله: ((ولا يَعضُد بها شجرة)) أي: لا يَقطَع. قال ابن الجَوْزي: أصحاب الحديث يقولونه: ((يَعضُد)) بضمِّ الضّاد، وقال لنا ابن الخَشّاب: هو بكسرها، والمِعضَد بكسر أوَّله: الآلة التي يُقْطَع بها. قال الخليل: المِعضَد: الممتَهَن من السُّيوف في قطع الشَّجَر، وقال/ ٤٤/٤ الطَّبري: أصله من عَضَدَ الرجلُ الرجلَ: إذا أصابه بسوءٍ في عَضُده، ووقع في رواية لعمر ابن شَبّة بلفظ: ((لا يَحْضِد)) بالخاءِ المعجمة بدل العين المهمَلة، وهو راجع إلى معناه، فإنَّ أصل الحَضْد: الكسر ويُستَعمَل في القطع. قال القُرطُبي: خَصَّ الفقهاء الشَّجَر المنهي عن قطعه بما يُنِته الله تعالى من غير صنيع آدمي، فأمَّا ما نَبَتَ بمُعالجة آدمي فاختُلِفَ فيه، والجمهور على الجواز، وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورَجَّحَه ابن قدامةَ. واختَلَفوا في جزاء ما قُطِعَ من النَّوعِ الأوَّل، فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثَم. وقال عطاء: يَستَغِفِر. وقال أبو حنيفة: يُؤْخَذ بقيمته هَديٍّ. وقال الشافعي: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. واحتَجَّ الطَّبري بالقياس على جزاء الصَّيد، وتعقّبه ابن القَصّار بأنَّه كان يَلزَمه أن يَجعَل الجزاء على المحرِمِ إذا قَطَعَ شيئاً من شجر الحِلّ، ولا قائلَ به. ١٣٨ باب ٨ / ح ١٨٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن العربي: اتَّفَقوا على تحريم قطع شجر الحَرَم، إلَّا أنَّ الشافعي أجاز قطع السِّواك من فروع الشَّجَرة، كذا نقله أبو ثَور عنه، وأجاز أيضاً أخذ الوَرَق والثَّمَر إذا كان لا يَضُرّها ولا يُهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشَّوك لكونِه يُؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومَنَعَه الجمهور بما سيأتي في حديث ابن عبّاس بعد باب بلفظ: ((ولا يُعضَد شَوكه))، وصَحَّحَه المتولِّ من الشافعية، وأجابوا بأنَّ القياس المذكور في مُقَابَلة النصّ، فلا يُعتَبر به، حتَّى ولو لم يَرِدِ النصُّ على تحريم الشَّوك لكان في تحريم قطع الشَّجَر دليلٌ على تحريم قطع الشَّوك، لأنَّ غالب شجر الحَرَم كذلك، ولقيام الفارق أيضاً، فإنَّ الفواسق المذكورة تقصِد بالأذى بخلاف الشَّجَر. قال ابن قُدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكَسَرَ من الأغصان وانقَطَعَ من الشَّجَر بغير صُنع آدمي، ولا بما يَسقُط من الوَرَق، نَصَّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافاً. قوله: ((فإن أحد)) هو فاعل بفعلٍ مُضمَر يُفسِّره ما بعده، وقوله: ((تَرَخَّصَ)) مُشتَقٌ من الرُّخصة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد (٢٧١٦٠): ((فإن تَرَخَّصَ مُتَرَخِّص فقال: أُحِلَّت لرسول الله، فإنَّ الله أحَلَّها لي ولم يُحِلَّها للناس))، وفي مُرسَل عطاء بن يزيد عند سعيد بن منصور: ((فلا يَستَنّ بي أحد فيقولَ: قتلَ فيها رسول الله)). قوله: ((وإنَّما أذِنَ لي)) بفتح أوَّله، والفاعل: الله، ويُروى بضمِّه على البناء للمفعول. قوله: ((ساعة من نهار)) تقدَّم في العلم أنَّ مِقدارها ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد (٦٦٨١) من طريق عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه: لمَّا فُتِحَت مكَّة قال: ((كُفّوا السِّلاح، إلَّا خُزاعة عن بني بكر))، فأذِنَ لهم حتَّى صلَّى العصر، ثمَّ قال: ((كُفّوا السِّلاح))، فلَقي رجل من خُزاعة رجلاً من بني بكر من غَدٍ بالمزدَلِفة فقتله، فَبَلَغَ ذلك رسول الله وَّهِ، فقامَ خطيباً، فقال، ورأيته مُسنِداً ظَهره إلى الكعبة، فذكر الحديث. ويُستَفاد منه أنَّ قتل من أذِنَ النبي ◌َّه في قتلهم - كابن خَطَل - وقع في الوقت الذي أُبيحَ فيه للنبي وَِّ القتالُ، خلافاً لمن حمل قوله: ((ساعةً من النَّهار)) على ظاهره فاحتاجَ إلى الجواب عن قصَّة ابن خَطَل. ١٣٩ باب ٨ / ح ١٨٣٢ أبواب جزاء الصيد ونحوه قوله: ((وقد عادت حُرمَتها)) أي: الحكم الذي في مُقابلة إباحة القتال، المستفادة من لفظ الإذن. وقوله: ((اليوم)) المراد به الزَّمن الحاضر، وقد بيَّن غايتَه في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله: ((ثمَّ هي حرام إلى يوم القيامة))، وكذا في حديث ابن عبّاس الآتي بعد باب بقوله: ((فهو حرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة)). قوله: ((فليُبلِّغ الشاهد الغائب)) قال ابن جَرِير: فيه دليل على جواز قَبُول خبر الواحد، لأنه معلوم أنَّ كلّ من شَهِدَ الْخُطبة قد لَزِمَه الإبلاغ، وأنَّه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلَّا وهو لازم له فرضٌ العملُ بما أبلَغَه كالذي لَزِمَ السامعَ سواء، وإلّا لم يكن للأمر بالتبليغ فائدة. قوله: ((فقيل لأبي شُرَيح)) لم أعرِف اسم القائل، وظاهر رواية ابن إسحاق أنَّه بعض قومه من خُزاعة. قوله: ((لا يُعيذ)) بالذّال المعجمة أي: لا يُجير ولا يَعصِم. قوله: ((ولا فارّاً)) بالفاء وتَثقيل الراء، أي: هارباً، والمراد: من وَجَبَ عليه حَدّ القتل ٤٥/٤ فَهَرَبَ إلى مكَّة مُستَجِيراً بالحَرَم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرَبَ عَمْرو بن سعيد في سياقه الحكم مَساق الدَّليل، وفي تخصيصه العمومَ بلا مُستنَد. قوله: ((بخُرْبةٍ)) تقدَّم تفسيره في العلم (١٠٤)، وأشار ابن العربي إلى ضبطه بكسر أوَّله وبالزاي بدل الراء والتحتانية بدل الموحّدة جَعَله من الخِزِي، والمعنى صحيح، لكن لا تُساعد عليه الرواية، وأغرَبَ الكِرْماني لمَّ حكى هذا الوجه، فأبدَلَ الخاء المعجمة جيماً جَعَله من الجِزْية. وذِكرُ الخُرْبة وكذا الدم بعد ذِكر العصيان من الخاصِّ بعد العامّ. قوله: ((خُربة: بَلِيّة)) هو تفسير من الراوي، والظاهر أنَّه المصنِّف، فقد وقع في المغازي (٤٢٩٥) في آخره: قال أبو عبد الله: الخُربة: البلية، وسَبَقَ في العلم (١٠٤) في آخره: يعني السَّرِقة، وهي أحد ما قيل في تأويلها، وأصلها سَرِقة الإبل، ثمَّ استُعمِلَت في كلّ سَرِقة. ١٤٠ باب ٨ / ح ١٨٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وعن الخليل: الخُربة: الفساد في الإبل، وقيل: العَيب، وقيل: بضمٍّ أوَّله: العَورة، وقيل: الفساد، ويفتحِه: الفَعلة الواحدة من الخِرابة، وهي السَّرِقة. وقد وَهِمَ من عَدَّ كلام عَمْرو بن سعيد هذا حديثاً واحتَجَّ بما تَضمَّنَه كلامُه. قال ابن حَزْم: لا كرامة للَطيم الشيطان أن يكون أعلمَ من صاحب رسول الله وَّه. وأغرَبَ ابن بَطَّال فَزَعَمَ أنَّ سُكوت أبي شُرَيح عن جواب عَمْرو بن سعيد دالٌ على أنَّه رَجَعَ إليه في التفصيل المذكور، ويُعكّر عليه ما وقع في رواية أحمد (١٦٣٧٧) أنَّه قال في آخره: قال أبو شُرَيح: فقلت لعَمرو: قد كنتُ شاهداً وكنتَ غائباً، وقد أُمِرنا أن يُبلِّغ شاهدُنا غائبنا، وقد بَلَّغْتُك. فهذا يُشعِر بأنَّه لم يوافقه، وإنَّما تَرَكَ مُشاقَقَته لعَجزِه عنه لمَا كان فيه من قوّة الشَّوكة. وقال ابن بَطَّل أيضاً: ليس قول عَمْرو جواباً لأبي شُرَيح، لأنه لم يختلف معه في أنَّ من أصاب حَدّاً في غيرِ الحَرَم ثمَّ لَجأ إليه، أنَّه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحَرَم، فإنَّ أبا شُرَيح أنكَرَ بعث عَمْرو الجيشَ إلى مَّة ونَصْبَ الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحادَ عَمْرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله. وتعقَّبه الطِّيبي بأنَّه لم يَجِد في جوابه، وإنَّما أجاب بما يقتضي القولَ بالموجِبِ، كأنَّه قال له: صَحَّ سماعُك وحِفظُك، لكنَّ المعنى المراد من الحديث: الذي ذكرتُّه، خلاف ما فهمتَه منه، فإنَّ ذلك الترَخّصَ كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استَحقَّ القتل خارجَ الْحَرَم ثمَّ استَجار بالْحَرَم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني. قلت: لكنَّها دعوى من عَمْرو بغير دليل، لأنَّ ابن الزُّبَير لم يجب عليه حَدٌّ فعاذَ بالحرم فراراً منه، حتّى يَصِحّ جواب عَمْرو، نعم كان عَمْرو یری وجوب طاعة يزيدَ الذي استَنابَه، وكان يزيد أمَرَ ابن الزُّبَير أن يُبابع له بالخلافة وتحضُر إليه في جامعةٍ، يعني مَغلولاً، فامتَنَعَ ابن الزُّبَير وعاذَ بالْحَرَم، فكان يقال له بذلك: عائذ الله، وكان عَمْرو يَعتَقِد أنَّه عاصٍ بامتناعه من امتثال أمر يزيد، ولهذا صَدَّرَ كلامه بقوله: إِنَّ الْخَرَم لا يُعيذ عاصياً، ثمَّ ذكر بقية ما ذكر استطراداً، فهذه شُبهة عَمْرو وهي واهية. وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شُرَيح وعَمْرو فيها اختلاف بين العلماء أيضاً، كما سيأتي بعد باب في الكلام على حديث ابن عبّاس.