النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ باب ٢ / ح ١٨٢١ أبواب جزاء الصيد ونحوه أبي النَّضر (٥٤٩٢): حتَّى عَقَرتُه فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتَمِلوا، فقالوا: لا نَمَسّه، فحَمَلته حتَّی جئتهم به. قوله: ((فأكَلْنا من لحمه)) في رواية فُضَيل (٢٨٥٤) عن أبي حازمٍ: فأكَلوا فنَدِموا، وفي رواية محمد بن جعفر (٥٤٠٧) عن أبي حازم: فوَقَعوا يأكلون منه، ثمَّ إنَّهم شكُّوا في أكلهم إياه وهم حُرُم، فرُحْنا وخَبَّأت العَضُد معي. وفي رواية مالك (٢٩١٤) عن أبي النَّضر: فأكَلَ منه بعضهم وأَبى بعضهم، وفي حديث أبي سعيد: فجَعَلوا يَشؤُونَ منه. وفي رواية المطَّلِب عن أبي قَتَادةَ عند سعيد بن منصور: فظَلَلنا نأكل منه ما شِئنا طبيخاً وشِواء، ثمَّ تزوَّدنا منه. قوله: ((وخَشِينا أن نُقْتَطَع)) أي: نَصِير مقطوعين عن النبي وَِّ، مُنْفَصِلين عنه لكونه سَبَقَهم، وكذا قوله بعد هذا: ((وخَشُوا أن يُقتَطَعوا دونك))، وبيَّن ذلك روايةٌ عليّ بن المبارَك عن يحيى عند أبي عَوَانة (٣٦١٠) بلفظ: وخَشِينا أن يَقتَطِعنا العدوّ. وفيها عند المصنّف (١٨٢٢): وأنَّهم خَشُوا أن يَقتَطِعهم العدوّ دونك، وهذا يُشعِر بأنَّ سبب إسراع أبي قَتَادَةَ لإدراك النبي وََّ خَشْيَةً على أصحابه أن يَنالهم بعضُ أعدائهم، وفي رواية أبي النَّضر الآتية في الصَّيد (٥٤٩٢): فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقِف لكم النبي وَلَّه، فأدرَكته فحدَّثته الحديث، ففي هذا أنَّ سبب إدراكه أن يَستفتيَه عن قصَّة أكل الحمار، ويُمكِن الجمع بأن یکون ذلك بسبب الأمرین. قوله: ((أرفَعُ)) بالتخفيف والتشديد، أي: أُكَلِّفْه السّير، ((وشَأْوا) بالشّينِ المعجمة بعدها همزة ساكنة، أي: تارةً، والمراد أنَّه يَركُضه تارةً ويسير بسهولةٍ أُخرى. قوله: ((فَلَقِيت رجلاً من بني غِفار» لم أقف على اسمه. قوله: ((تَرَكْتُه بتِعِهِنَ وهو قائلٌ السُّقيا)) السُّقيا بضمِّ المهمَلة وإسكان القاف بعدها تحتانية مقصورة: قرية جامعة بين مكَّة والمدينة، و((تِعهِنُ)) بكسر المثنَّة وبفتحها بعدها عين مُهمَلة ساكنة ثمَّ هاء مكسورة ثمَّ نون، ورواية الأكثر بالكسر، وبه قَيَّدَها البَكْري في ١٠٢ باب ٢ / ح ١٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري (مُعجم البلاد))، ووقع عند الگُشْمِيهنيّ بكسر أوَّله وثالثه، ولغيره بفتحهما، وحكى أبو ذرِّ الهَروي أنَّه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يَضُمّ التاء ويَفتَح العين ويَكِر الهاء، قيل: وهو من تغييراتهم، والصواب الأوَّل، وأغرَبَ أبو موسى المديني فضَبَطَه بضمٍّ أوَّله وثانيه وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يُسكِّنونَ العين، ووقع في رواية الإسماعيلي: ((بدِعِهِنَ)) بالدّال المهمَلة بدل المثنَّاة. وقوله: ((قائلٌ)) قال النَّووي: روي بوجهين أصحّهما وأشهرهما بهمزةٍ بين الألف واللام من القيلولة، أي: تَرَكته في الليل بتِعِهِنَ وعَزمه أن يَقيل بالسُّقیا، فمعنى قوله: ((وهو قائل)) أي سيقيل. والوجه الثاني: أنَّه ((قابل)) بالباءِ الموحّدة، وهو غريب وكأنّه تصحيف، فإن صَخَّ فمعناه: أنَّ تِعِهِن موضع مُقابل للسُّقيا، فعلى الأوّل الضمير في قوله: (وهو)) للنبي وَّ، وعلى الثاني الضمير للموضع وهو (تِعهِن))، ولا شكَّ أنَّ الأوَّل أصوَبُ وأكثر فائدةً. وأغرَبَ القُرطُبي فقال: قوله: ((وهو قائلٌ)) اسم فاعل من القول أو من القائلة، والأوَّل هو المراد هنا، والسُّقيا مفعول بفعلِ مُضمَر، كأنَّه كان بتِعِهِنَ وهو يقول لأصحابه: اقصِدوا السُّقيا. ووقع عند الإسماعيلي من طريق ابن عُلَيَّة عن هشام: وهو قائم بالسُّقيا، فأبدَلَ اللّام في ((قائل)) ميماً، وزاد الباء في ((السُّقيا))، قال الإسماعيلي: الصحيح ((قائل)) باللّام. قلت: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور. قوله: «فقلتُ» في السِّیاق حذف تقديره: فِرْتُ فأدركته فقلت، ويوضحه روايةٌ عليّ بن ٢٦/٤ المبارَك في الباب الذي يليه بلفظ: فلَحِقتُ برسول الله وَ ل﴿ حتَّى أتيته، فقلت: يا رسول الله. قوله: ((إنَّ أهلك يقرؤونَ عليك السلام)) المراد بالأهل هنا: الأصحاب، بدليل رواية مسلم (٥٩/١١٩٦)، وأحمد (٢٢٥٦٩) وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: إنَّ أصحابك. قوله: ((فانتَظِرهم)) بصيغة فعل الأمر من الانتظار، زاد مسلم من هذا الوجه: فانتَظَرَهم، بصيغة الفعل الماضي منه، ومثله لأحمد عن ابن عُليَّة (٢٢٥٦٩)، وفي رواية عليّ بن المبارَك: فانتَظِرِهم، ففَعَلَ. ١٠٣ باب ٣ / ح ١٨٢٢ أبواب جزاء الصيد ونحوه قوله: ((أصَبتُ حمارَ وحش وعندي منه فاضلة)) كذا للأكثر بضادٍ مُعجَمة، أي: فَضْلة. قال الخطَّابي: قِطعة فضَلَت منه فهي فاضلة، أي: باقية. قوله: ((فقال للقوم: كُلوا)) سيأتي الكلام عليه وعلى ما في الحديث من الفوائد بعد بابين. ٣- بابٌ إذا رأى المحرِمون صيداً فضحكوا فقَطِنَ الحلال ١٨٢٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ الرَّبِيع، حدَّثنا عليُّ بنُ المبارَكِ، عن يحيى، عن عبد الله بنِ أبي قَتَادةَ: أَنَّ أباه حدَّثَه قال: انطلقنا مع النبيِّ پڼ عامَ الحُدیِیة، فأحرَمَ أصحابُه ولم اُحرِے، وأُنبئتا بعدوِّ بغَيْقةَ، فَتَوَجَّهنا نحوَهم، فبَصُرَ أصحابي بحمارِ وَحشٍ، فَجَعَلَ بعضُهم يَضحَكُ إلى بعضٍ، فَتَظَرتُ فرأيتُه فحَمَلتُ عليهِ الفَرَسَ، فطَعتُهُ فأثبتُّه، فاستَعنتُهم فأبَوْا أن يُعِينوني، فأكَلنا منه، ثمَّ لَحِقتُ برسولِ اللهِ وَِّ، وَخَشِينا أن نُقْتَطَعَ، أرفَعُ فَرَسِي شَأْواً وأسِيرُ عليه شَأْواً، فَلَقِيتُ رجلاً من بني غِفارٍ في جوفِ الليلِ، فقلتُ: أين تَرَكتَ رسولَ الله وَّ؟ فقال: تَرَكتُهُ بتِعِهِنَ وهو قائلٌ السُّقْيا. فلَحِقتُ بِرسولِ اللهِ وَّةِ حَتَّى أتيتُه، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ أصحابَكَ أرسَلوا يَقْرُؤُونَ عليكَ السلامَ ورحمةَ الله وبَرَكاتِهِ، وإنَّهم قد خَشُوا أن يَقتَطِعَهم العدوُّ دُونَكَ، فانظُرهم، ففَعَلَ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّا اصَّدْنا حمارَ وَحْشٍ، وإنَّ عندَنا فاضلةً، فقال رسولُ الله ◌َيَات لأصحابه: ((كُلوا))، وهم مُحرِمونَ. قوله: ((بابٌّ إذا رأى المحرِمونَ صيداً فضَحِكوا ففَطِنَ الحلالُ)) أي: لا يكون ذلك إشارة منهم له إلى الصَّيد فيَحِلّ لهم أكل الصَّيد، ويجوز كسر الطاء من ((فَطِنَ)) وفتحها. قوله: (عن یحیی)) هو ابن أبي کثیر. قوله: ((وُنِنا)) بضمٌّ أوَّله، أي: أُخبِرِنا. قوله: (فَبَصُرَ)) بفتح الموحَّدة وضمّ المهمَلة، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: فنَظَرَ، بنونٍ وظاء مُشَالة، وعلى هذا فدخول الباء في قوله: ((بحمار وحش)) مُشكِل، إلَّا أن يقال: ضُمِّنَ ((نظرً)) معنى (بَصُر))، أو الباء بمعنى ((إلى)) على مذهب من يقول: إنَّها تَتَناوَب. ١٠٤ باب ٤ / ح ١٨٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إنّ اصَّدْنا)) بتشديد المهمَلة والدّال للأكثر بالإدغام، وأصله: اصطَدنا، فأُبدِلَت الطاء مُثَنَّاة ثمَّ أُدغِمَت، ولبعضهم بتخفيفِ الصاد وسكون الدّال، أي: أثَّرْنا، من الإصَاد: وهو الإثارة(١)، ولبعضِهم: صِدْنا، بغير ألف. ٤ - بابٌ لا يُعِين المحرمُ الحلالَ في قتل الصّيد ١٨٢٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن أبي محمَّدٍ نافعٍ مولى أبي قَتَادةَ، سمع أبا قَتَادةَ ، قال: كَّا مع النبيِّ بَله بالقاحة من المدينة على ثلاثٍ (ح) ٢٧/٤ وحدَّثنا عليٌّ بنُ عبد الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن أبي محمَّدٍ، عن أبي قَتَادَةَ ◌َُه، قال: كنَّا مع النبيِّ وَّه بالقاحةِ، ومِنّا المحرِمُ وغيرُ المحرِمِ، فرأيتُ أصحابيٍ يَتَرَاءَونَ شيئاً، فتَظَرتُ فإذا حمارُ وحشٍ - يعني: وقَعَ سَوطُه - فقالوا: لا نُعِينُكَ عليه بشيءٍ، إِنّا مُحِرِمونَ، فتَنَاوَلتُه فأخذتُه، ثمَّ أتيتُ الحمار من وراءٍ أَكَمَةٍ، فعَقَرتُه، فَأَنَيتُ به أصحابي، فقال بعضُهم: كُلوا، وقال بعضُهم: لا تأكُلُوا، فَأَتَيْتُ النبيَّ وَلَه وهو أمامَنا، فسألتُه فقال: ((كُلوه، حلالٌ)). قال لنا عَمْرٌو: اذهبوا إلى صالحٍ، فسَلوه عن هذا وغيره، وقَدِمَ علينا هاهنا. قوله: ((بابٌ لا يُعِين المحرِمُ الحلالَ في قتل الصَّيد» أي: بفعلٍ ولا قول، قيل: أراد بهذه الترجمة الردّ على من فرَّقَ من أهل الرَّأي بين الإعانة التي لا يَتِمّ الصَّيد إلّ بها فتَحرُم، وبين الإعانة التي يَتِمّ الصَّيد بدونها فلا تَحُرُم. قوله: ((حدّثنا عبد الله بن محمد)): هو الجُعْفيّ المُسنَدي، وسفيان: هو ابن عُيَينَةَ. قوله: ((عن صالح) في رواية كَرِيمة وغيرها: حدّثنا صالح. قوله: ((بالقاحة)) بالقاف والمهمَلة: وادٍ على نحو ميل من السُّقيا إلى جهة المدينة، ويقال لواديها: وادي العَباديد. وقد بيَّن المصنِّ في الطريق الأولى أنَّها من المدينة على ثلاثٍ، أي: (١) ذكر العيني في ((عمدة القاري)) ١٧١/١٠ أنه يقال: أصَدْتُ الصيدَ، أي: أثَرتُه، وأن الإصادة: إثارة الصيد، وخطًأ من قال: من الإصاد. ١٠٥ باب ٤ / ح ١٨٢٣ أبواب جزاء الصيد ونحوه ثلاث مَراحل، قال عِيَاض: رواه الناس بالقاف إلَّ القابِسِيَّ فضَبَطوه عنه بالفاء، وهو تصحيف. قلت: ووقع عند الجَوزَقي من طريق عبد الرحمن بن بشر عن سفيان: بالصِّفاح، بدل القاحَةِ، والصِّفاح بكسر المهمَلة بعدها فاءَ وآخره مُهمَلة، وهو تصحيف، فإنَّ الصِّفاح موضع بالزَّوحاء، وبين الرَّوحاء وبين السُّقيا مسافة طويلة، وقد تقدَّم أنَّ الرَّوحاء هو المكان الذي ذهب أبو قَتَادةَ وأصحابه منه إلى جهة البحر، ثمَّ التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصَّيد المذكور، وكأنَّه تأخّرَ هو ورُفْقتُه للراحة أو غيرها، وتقدَّمهم النبيِ نَّه إلى السُّقيا حتَّى لَحِقوه. قوله: ((وحدَّثنا عليّ بن عبد الله)) هو ابن المَدِيني، هكذا حَوَّلَ المصنِّف الإسناد إلى رواية عليّ للتَّصريح فيه عن سفيان بقوله: حدَّثنا صالح بن كَيْسانَ، وقد اعتَبرتُه فوجدته ساق المتن على لفظ عليٍّ خاصَّة، وهذه عادة المصنّف غالباً؛ إذا تَحوَّلَ إلى إسنادٍ ساق المتنَ على لفظ الثاني . . قوله: ((عن أبي محمد)) هو نافع مولى أبي قَتَادةَ الذي روى عنه أبو النَّضر، وسيأتي في كتاب الصَّيد (٥٤٩٠) من طريق مالك وغيره عنه، ووقع عند مسلم (١١٩٦/ ٥٦) عن ابن أبي عمر عن سفيان عن صالح: سمعت أبا محمد مولى أبي قَتَادةَ، وكذا وقع هنا في رواية كَرِيمة، ولأحمد (٢٢٦٢٤) من طريق سعد بن إبراهيم: سمعت رجلاً كان يقال له: مولى أبي قَتَادةَ، ولم يكن مولَّى، أي لأبي قَتَادةَ. وفي رواية ابن إسحاق (٣٠٦/٥) عن عبد الله بن أبي سَلَمة: أنَّ نافعاً مولى بني غِفار، فتَحصَّلَ من ذلك أنَّه لم يكن مولى أبي قَتَادةَ حقيقة، وقد صَرَّحَ بذلك ابن حِبَّان فقال: هو مولى عَقِيلة بنت طَلْقِ الغِفَارية، وكان يقال له: مولی أبِي قَتَادةَ، نُسِبَ إليه ولم يكن مولاه. قلت: فيحتمل أنَّه نُسِبَ إليه لكونه كان زوج مولاته، أو للزومِه إياه أو نحو ذلك، كما وقع لِقِسَم مولى ابن عبّاس وغيره، والله أعلم. قوله: (يَتَرَاءَونَ)) يَتَفاعَلُون من الرُّؤية. قوله: ((فإذا حمارُ وحشٍ - يعني وقع سَوْطه - فقالوا: لا نُعينُك)) كذا وقع هنا، والشكّ فيه ١٠٦ باب ٤ / ح ١٨٢٣ فتح الباري بشرح البخاري من البخاري، فقد رواه أبو عَوَانة (٣٦٠٩) عن أبي داود الحرّاني عن عليّ بن المديني بلفظ: فإذا حمار وحش، فركبْتُ فَرَسي وأخذت الرُّمح والسَّوط، فسَقَطَ مِنّي السَّوط، فقلت: ناوِلوني، فقالوا: ليس نُعينُك عليه بشيءٍ، إنّا مُحرِمونَ. وفي قولهم: إنّا مُحرِمونَ، دلالة على أنَّهم كانوا قد عَلِموا أنَّه يَجِرُم على المحرِم الإعانة على قتل الصَّيد. قوله: ((فتَناوَلته)) زاد أبو عَوَانة (٣٦٠٩): بشيءٍ، وبهذا يَندَفِع إشكال من قال: ذِكر التناول بعد الأخذ(١) تَكْرار، أو معناه: تكلَّفت الأخذ فأخذتُه. ٢٨/٤ قوله: ((من وراء أَكَمَة)) بفَتَحاتٍ: هي التّ من حجر واحد، وقد تقدَّم ذِكْرِها في الاستسقاء. قوله: ((فقال بعضهم: كُلوا)) قد تقدَّم من عِدّة أوجُه أنَّهم أكَلوا، والظاهر أنَّهم أكَلوا أوَّل ما أتاهم به، ثمَّ طَرأ عليهم الشكّ، كما في رواية عثمان بن مَوهَب في الباب الذي يليه: فأكَلنا من لحمها ثمَّ قلنا: أنآكلُ لحم صيد ونحن مُرِمونَ؟! وأصرّح من ذلك رواية أبي حازم في الهِبة (٢٥٧٠) بلفظ: ثمَّ جئت به فوَقَعوا فيه يأكلون، ثمَّ إنَّهم شكّوا في أكلِهم إياه وهم حُرُم. وفي حديث أبي سعيد(٢): فجَعَلوا يَشؤُونَ منه، ثمَّ قالوا: رسول الله بين أظهُرنا - وكان تَقدَّمَهم - فلَحِقوه فسألوه. قوله: ((وهو أَمامنا)) بفتح أوَّله. قوله: ((فقال: كُلوه، حلالٌ)) كذا وقع بحذفِ المبتَدَأ، وبيَّن ذلك أبو عَوَانة فقال: ((كُلوه، فهو حلال»، وفي رواية مسلم فقال: «هو حلال فكُلوه)). قوله: ((قال لنا عَمْرو)) أي: ابن دينار، وصَرَّحَ به أبو عَوَانة في روايته (٣٦٠٩)، والقائل: سفيان، والغرض بذلك تأكيد ضبطه له وسماعه له من صالح - وهو ابن كَيْسان - (١) كذا قال: التناول بعد الأخذ، والذي في متن الحديث: الأخذ بعد التناول. (٢) عند البزار (١١٠١- كشف الأستار)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٧٣/٢، وابن حبان (٣٩٧٦). ١٠٧ باب ٥ / ح ١٨٢٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه وقوله: ((هاهنا)) يعني مكَّة. فالحاصل أنَّ صالح بنَ كَيْسانَ كان مدنياً فقَدِمَ مكَّة فدَلَّ عَمرُو ابن دینار أصحابه علیه لیسمعوا منه. وقرأت بخَطِّ بعض من تكلّمَ على هذا الحديث ما نصّه: في قول سفيان: قال لنا عَمْرو، إلى آخره، إشكال، فإنَّ سفيان روى ذلك عن صالح، فكيف يقول له عَمْرو ولمن معه: اذهبوا إلى صالح؟ فيحتمل أنَّه قال ذلك تأكيداً في تجدید سماع سفيان ذلك منه مرَّة بعد أُخرى، ويُؤخذ منه أنَّ سفیان حدَّثَ بذلك عن صالح في حال حیاته. انتهى، وهو احتمال بعيد جِدّاً. وزَعَمَ أنَّ عَمْرو بن دينار قال لهم ذلك حين قَدِمَ عليهم الكوفةَ، قال: وكأنَّه سمع سفيان يُحدِّث به عن صالح فصَدَّقَه وأكَّدَه بما قال. وقوله: اذهبوا إليه، أي: إلى صالح بالمدينة. انتهى، وهذا أبعدُ من الأوَّل، وما سمعه سفيان من صالح إلَّا بمكَّة، ولم يَقْدَم عَمْرو الكوفة، وإنَّما قال ذلك لسفيان وهما بمكَّة، وما حدَّثَ به سفيان لعليّ إلَّا بعد موت صالح وعَمْرو بمُدّةٍ طويلة، وأراد بقوله: قال لنا عَمْرو: اذهبوا، إلى آخره كيفية تَحمُّله له من صالح وأنَّه بدلالة عَمْرو، والله أعلم. ٥ - بابٌ لا يشير المحرم إلى الصّيد لكي يصطاده الحلال ١٨٢٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، حدَّثنا عثمانُ - هو ابنُ مَوهَبٍ - قال: أخبرني عبدُ الله بنُ أبي قَتَادةَ، أنَّ أباه أخبره: أنَّ رسولَ الله وَ لَ خرج حاجّاً، فخَرَجوا معه، فصَرَفَ طائفةً منهم فيهم أبو قَتَادةَ، فقال: ((خُذوا ساحلَ البَحرِ حتَّى نَلتَقِيَ))، فأخَذوا ساحلَ البَحرِ، فلمَّ انصَرَ فوا أحرَموا كلُّهم إلا أبو قَتَادَةَ لم يُحرِم، فبينما هم يَسِيرونَ إِذ رأوا حُرَ وَحشٍ، فحمل أبو قَتَادةَ على الحُمُرِ فعَقَرَ منها أتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمِها،/ وقالوا: أنأكلُ لحمَ ٢٩/٤ صيدٍ ونحن ◌ُحِرِمونَ؟ فحَمَلْنا ما بَقِيَ من لحم الأنان. فلمَّا أتَوْا رسولَ اللهِ وَالِ﴿ قالوا: يا رسولَ الله، إنّا كَّا أحرَمنا، وقد كان أبو قَتَادةَ لم يُحِرِمِ، فرأينا حُرَ وحشٍ، فحمل أبو قَتَادةَ على الحُمُر، فعَقَرَ منها أتاناً، فنزلنا فأكَلنا من لحمِها، ثمَّ قلنا: أنأكلُ لحمَ صيدٍ ونحن مُحرِمونَ؟ فحَمَلنا ما بَقِيَ من لحم الأنان، قال: ((منكم أحدٌ أمره أن يَحمِلَ عليها أو أشار إليها؟)) قالوا: ١٠٨ باب ٥ / ح ١٨٢٤ فتح الباري بشرح البخاري لا، قال: «فگُلوا ما بَقِيَ من لحمِها». قوله: ((بابٌ لا يشير المحرِم إلى الصَّيد لكَيْ يَصطادَه الحلال)» أشار المصنِّف إلى تحريم ذلك، ولم يتعرَّض لوجوب الجزاء في ذلك، وهي مسألة خلاف، فاتَّفَقوا - كما تقدَّم - على تحريم الإشارة إلى الصَّيد أيضاً ليُصادَ، وعلى سائر وجوه الدَّلالات على المحرم، لكن قَيَّدَه أبو حنيفة بما إذا لم يُمكِن الاصطياد بدونها، واختَلَفوا في وجوب الجزاء على المحرِم إذا دَلَّ الحلالَ على الصَّيد بإشارةٍ أو غيرها أو أعانَ عليه، فقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يَضمن المحرم ذلك. وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه كما لو دَلَّ الحلالُ حلالاً على قتل صيد في الخَرَم، قالوا: ولا حُجّة في حديث الباب، لأنَّ السُّؤال عن الإعانة والإشارة إنَّما وقع ليبيِّنَ لهم هل يَحِلّ لهم أكله أو لا؟ ولم يتعرَّض لِذِكر الجزاء. واحتَجَّ الموَفَّق بأنَّه قول عليّ وابن عبّاس ولا نعلم لهما مخالفاً من الصحابة. وأُجيب بأنَّه اختُلِفَ فيه على ابن عبّاس، وفي ثبوته عن عليّ نظر، ولأنَّ القاتل انفَرَدَ بقتله باختياره مع انفصال الدّالّ عنه، فصار كمن دَلَّ مُحرِماً أو صائماً على امرأة فوَطِئَها، فإنَّه يأثَم بالدلالة ولا يَلزَمه كفَّارة ولا يُفطِر بذلك. قوله: ((حدَّثنا عثمان، هو ابن مَوهَب)) بفتح الهاء، ومَوهَب جَدّه، وهو عثمان بن عبد الله التيمي مدني تابعي ثقة، روى هنا عن تابعي أكبر منه قليلاً. قوله: ((خرج حاجًّا)) قال الإسماعيلي: هذا غَلَط، فإنَّ القصَّة كانت في عمرة، وأمَّا الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير، وكانوا كلهم على الجادّة لا على ساحل البحر، ولعلَّ الراوي أراد: خرج مُحرِماً، فعَبَّرَ عن الإحرام بالحجِّ غَلَطاً. قلت: لا غَلَط في ذلك، بل هو على المجاز السائغ، وأيضاً فالحج في الأصل قَصْد البيت، فكأنَّه قال: خرج قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، ثمَّ وجدتُ الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدَّمي عن أبي عَوَانة بلفظ: خرج حاجّاً أو معتمراً، أخرجه البيهقي (١٨٩/٥)، فتَبيَّن أنَّ الشكَّ فيه من أبي عَوَانة، وقد جَزَمَ يحيى بن أبي كثير بأنَّ ذلك كان في عمرة الحديبية، ١٠٩ باب ٥ / ح ١٨٢٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه وهذا هو المعتمد. قوله: ((إلّا أبا قَتَادَةَ)) كذا للكُشْمِيهنيّ، ولغيره: ((إلَّا أبو قَتَادةَ))، بالرفع، ووقع بالنَّبِ عند مسلم (٦٠/١١٩٦) وغيره من هذا الوجه، قال ابن مالك في ((التوضيح)): حقَّ المستثنى بإلَّا من كلام تامّ مُوجَب أن يُنصَب مُفرَداً كان أو مُكمَّلاً معناه بما بعده، فالمفرَد نحو قوله تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّهُ يَوْمَيِِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، والمكمَّل نحو: ﴿إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ﴾ [الحجر: ٥٩-٦٠]، ولا يَعرِف أكثر المتأخّرين من البصريين في هذا النَّوع إلَّا النَّصب، وقد أغفَلوا وُرودَه مرفوعاً بالابتداءِ مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمِن أمثلة الثابت الخبر قول ابن أبي قَتَادَةَ: أحرَموا كلهم إلَّا أبو قَتَادةَ لم يُحِرِم، فإلَّا بمعنى: لكن، وأبو قَتَادةَ مُبتدَأ، ولم يُحِم خبره، ونظيره من كتاب الله تعالى: ((ولا يَلتَفِتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك(١) إنه مُصيبُها ما أصابهم)) فإنَّه لا يَصِحّ أن يُجُعَل ((امرأتك)) بَدَلاً من ((أحد)) لأنها لم تَسِرِ معهم فيَتَضمَّنها ضمير المخاطَبين، وتكلَّفَ بعضهم بأنَّه وإن لم يَسِر بها لكنَّهَا شَعَرَت بالعذاب فتَبِعَتهم ثمَّ التَفَتَت فهَلَكَت، قال: وهذا على تقدير صِحَّته لا يُوجِب دخولها في المخاطَبين. ومن أمثلة المحذوف الخبر/ قوله وَل﴾: ((كلُّ أُمَّتِي مُعافى إلَّا المجاهرونَ))(٢) أي: لكن المجاهرونَ ٣٠/٤ بالمعاصي لا يُعافَون، ومنه من كتاب الله تعالى قوله عز وجل: ((فشربوا منه إلا قليلٌ(٣) منهم)) أي: لكن قليل منهم لم يشربوا. قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر وهو أن يَجَعَلوا ((إلَّا)) حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها. انتهى، وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قَتَادَةَ دون أبي قَتَادةَ نظر، فإنَّ سياق الحديث ظاهر في أنَّ قوله قول أبي (١) بالرفع، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، كما في ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحیح» لابن مالك ص٤٢. (٢) سيأتي عند البخاري برقم (٦٠٦٩)، وانظر الكلام على ضبطها هناك. (٣) ((قليل)) بالرفع هي قراءة عبد الله بن مسعود وأُبيّ والأعمش، كما في ((تفسير البحر المحيط)) لأبي حيان الأندلسي ٢/ ٢٦٦. ١١٠ باب ٥ / ح ١٨٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قَتَادةَ حيثُ قال: إنَّ أباه أخبره أنَّ رسول الله وَّهِ خرج حاجّاً فخَرَجوا معه، فصَرَفَ طائفةً منهم فيهم أبو قَتَادَ - إلى أن قال: أحرَموا كلهم إلَّا أبو قَتَادَةَ. وقول أبي قَتَادةَ: فيهم أبو قَتَادَةَ، من باب التجريد، وكذا قوله: إلَّا أبو قَتَادةَ، ولا حاجة إلى جَعْله من قول ابنه، لأنه يَسْتَلِزِم أن يصير الحديث مُرسلاً. ومن توجيه الرواية المذكورة، وهي قوله: إلَّا أبو قَتَادةَ، أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب. قوله: ((فحمل أبو قَتَادةَ على الحُمُر فعَقَرَ منها أتاناً) في هذا السِّياق زيادة على جميع الروايات، لأنها مُتَّفِقة على إفراد الحمار بالرُّؤية، وأفادت هذه الرواية أنَّه من جملة حُمُر، وأنَّ المقتول كان أتاناً، أي: أُنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تَجُّزٌ. قوله: ((فحَمَلْنا ما بقي من لحم الأنان)) في رواية أبي حازم الآتية للمصنِّف في الهِبة (٢٥٧٠): فُرُحْنا وخَبَّأْت العَضُد معي، وفيه: ((معكم منه شيءٌ؟)) فناوَلتُه العَضُد فأكلها حتَّى تَعَرَّقَها(١)، وله في الجهاد (٢٨٥٤) قال: معنا رِجله، فأخَذَها فأكلها، وفي رواية المطَّلِّب: قد رَفَعنا لك الذِّراع، فأكَلَ منها. قوله: ((قال: أمنكم أحد أمَرَه أن يَحمِل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا)) وفي رواية مسلم (١١٩٦/ ٦٠): ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيءٍ؟))، وله (٦١/١١٩٦) من طريق شُعْبة عن عثمان: ((هل أشَرتُم أو أعنتُم أو اصطَدتُم؟))، ولأبي عَوَانة (٣٦٠٥) من هذا الوجه: ((أَشَرتُم أو اصطَدتُم أو قتلتُم؟)). قوله: ((قال: فكُلوا ما بَقيَ من لحمها)) صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب، لأنها وَقَعَت جواباً عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوَقَعَت الصيغة على مُقتَضى السُّؤال، ولم يَذكُر في هذه الرواية أنَّه ◌َ وَ أَكَلَ من لحمها، وذكره في روايتَي أبي حازم (٢٥٧٠ و٢٨٥٤) عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ كما تَراه، ولم يَذكُر ذلك أحد من الرُّواة عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ (١) وقع في الرواية التي أشار إليها المصنف هنا لفظ: ((نفدها))، أما لفظة ((تعرفها)) فستأتي عند البخاري في الأطعمة برقم (٥٤٠٧). ١١١ باب ٥ / ح ١٨٢٤ أبواب جزاء الصيد ونحوه غيره، ووافقه صالح بن حسَّان(١) عند أحمد (٢٢٦١٢) وأبي داود الطَّيالسي (٦٣٠) وأبي عَوَانة (٣٦١٢) ولفظه: فقال: ((كُلوا وأطعِموني))، وكذا لم يَذكُرُها أحد من الرُّواة عن أبي قَتَادَةَ نفسه إلَّ المطَّلِب عند سعيد بن منصور، ووقع لنا من رواية أبي محمد عطاء بن يسار (٥٤٠٧) وأبي صالح (٥٤٩٢) كما سيأتي في الصَّيد، ومن رواية أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عند إسحاق، ومن رواية عبَّاد بن تميم وسعد بن إبراهيم عند أحمد(٢). وتفرّد معمر عن يحيى بن أبي كثير بزيادةٍ مُضادّة لروايتي أبي حازم كما أخرجه إسحاق وابن خُزيمة (٢٦٤٢) والدّار قُطني (٢٧٤٩) من طريقه، فقال في آخره: فذكرت شأنه لرسول الله ﴿ ل﴿ وقلت: إنَّما اصطَدتُه لك، فأمَرَ أصحابه فأكَلوه، ولم يأكل منه حين أخبرته أنّي اصطَدته له. قال ابن خُزيمة وأبو بكر النَّيسابوري والدّار قُطني والجَوزَقي: تفرَّد بهذه الزِّيادة مَعمَر. قال ابن خُزيمة: إن كانت هذه الزِّيادة محفوظة احتُمِلَ أن يكون ◌َّ أَكَلَ من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلِمه أبو قَتَادةَ أنَّه اصطاده من أجله، فلمَّا أعلمه امتَنَعَ. انتهى، وفيه نظر، لأنه لو كان حراماً ما أُقِرَّ النبي ◌َّيهِ على الأكل منه إلى أن أعلمَه أبو قَتَادةَ بأنَّه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، وإنَّ الذي يَحرُم على المحرِمِ إنَّما هو الذي يعلم أنَّه صِيدَ من أجله، وأمَّا إذا أُتي بلحم ولا يدري ألحمُ صيد أو لا، فحَمَله على أصل الإباحة فأكَلَ منه، لم يكن ذلك حراماً على الآكِل. وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإنَّ الروايات المتقدِّمة ظاهرة في أنَّ الذي تأخّرَ هو العَضُد، وأنَّه ◌َّهِ أَكَلها حتَّى تَعَرَّقَها، أي: لم يُبقِ منها إلَّا العظم، / ووقع عند البخاري في الهِبة (٢٥٧٠): حتَّى نَفِدَها، أي: فرّغَها، فأيّ ٣١/٤ (١) وهكذا هو في «إتحاف المهرة)) (٤٠٥٧) و(«أطراف المسند)) (٨٧٦٥)، كلاهما للحافظ ابن حجر، وهو ذُهول منه رحمه الله، فإن الصحیح أن الراوي عن عبد الله بن أبي قتادة إنما هو صالح بن أبي حسان - وهو المدني - وقد جاء على الصواب في ((مسند أحمد)) (٢٢٦١٢)، و((مسند الطيالسي))، وقد تحرف في المطبوع من أبي عوانة إلى: صالح بن کیسان. (٢) أما رواية سعد بن إبراهيم فهي عند أحمد برقم (٢٢٦٢٤) عن رجل كان يقال له: مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة، وأما رواية عبّاد بن تميم فليست عند أحمد، ولكنها عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ١٧٣. ١١٢ باب ٥ / ح ١٨٢٤ فتح الباري بشرح البخاري شيء يبقى منها حينئذٍ حتَّى يأمر أصحابه بأكلِه؟ لكنَّ رواية أبي محمد الآتية في الصَّيد: ((أبقيَ معكم شيء منه؟)) قلت: نعم، قال: (كُلوا، فهو طُعْمة أطعَمَكموها الله))(١) فأشعَرَ بأنَّه بقيَ منها غيرُ العَضُد، والله أعلم. وسيأتي البحث في حُكم ما يصيده الحلال بالنّسبة إلى المحرم في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي قَتَادةَ من الفوائد أنَّ تَمَنِّي المحرِمِ أن يقع من الحلال الصَّيدُ ليأكل المحرِمِ منه لا يَقدَح في إحرامه، وأنَّ الحلال إذا صاد لنفسِه جازَ للمُحرِم الأكل من صيده، وهذا يُقوِّي من حمل الصَّيد في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ﴾ [المائدة: ٩٦] على الاصطياد. وفيه: الاستيهاب من الأصدقاء وقَبُول الهديَّة من الصَّديق. وقال عياض: عندي أنَّ النبي ◌َِّ طلب من أبي قَتَادةَ ذلك تطبيباً لقلبٍ من أكَلَ منه؛ بياناً للجواز بالقول والفعل، لإزالة الشُّبهة التي حَصَلَت لهم. وفيه: تسمية الفَرَس، وألحَقَ المصنّف به الحمار فترجم له في الجهاد (٢٨٥٤)، قال ابن العربي: قالوا: تجوز التسمية لمَا لا يَعِقِل، وإن كان لا يَتَفَطَّن له ولا يُجِيب إذا نودي، مع أنَّ بعض الحيوانات ربَّما أدمَنَ على ذلك بحيثُ يصير يُميِّز اسمه إذا دُعي به. وفيه: إمساك نصيب الرَّفيق الغائب ممَّن یتعیَّن احترامه أو تُرجی بَرَكَته أو يُتوقَّع منه ظُهور حُكم تلك المسألة بخصوصها. وفيه: تفريق الإمام أصحابَه للمصلحة، واستعمال الطَّليعة في الغَزو، وتبليغ السلام عن قُرب وعن بُعد، وليس فيه دلالة على جواز تَرك رَدّ السلام مَمَّن بَلَغَه لأنه يحتمل أن يكون وقع، وليس في الخبر ما ینفیه. وفيه: أنَّ عَقْرِ الصَّيد ذَكاتُه، وجواز الاجتهاد في زمن النبي ◌َّ، قال ابن العربي: هو اجتهادٌ بالقُربِ من النبي ◌ََّ لا في حَضْرته. وفيه: العمل بما أدّى إليه الاجتهاد، ولو تَضادّ المجتَهِدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك، لقوله: فلم يَعِبْ ذلك علينا، وكأنَّ الآكِل تمسَّك بأصل الإباحة، والممتَنِعَ نظرَ إلى الأمر الطارئ. وفيه: الرُّجوع إلى النصّ عند (١) هذا اللفظ ليس من رواية أبي محمد - وهو عطاء بن يسار -، وإنما هو من رواية نافع مولى أبي قتادة وأبي صالح مولى التوأمة في الصيد برقم (٥٤٩٢). ١١٣ باب ٦ / ح ١٨٢٥ أبواب جزاء الصيد ونحوه تَعارُض الأدَلَّة، وَرَكْضُ الفَرَس في الاصطياد، والتصيُّد في الأماكن الوَعِرة، والاستعانةُ بالفارس، وحمل الزاد في السَّفر، والرّفق بالأصحاب والرُّفَقاء في السَّير، واستعمالُ الكناية في الفعل كما تُستَعمَل في القول، لأنهم استَعمَلوا الضَّحِك في موضع الإشارة لِمَا اعْتَقَدوه من أنَّ الإشارة لا تَحِلّ. وفيه جواز سَوق الفَرَس للحاجة والرِّفق به مع ذلك، لقوله: وأسير شَأواً، ونزول المسافر وقت القائلة. وفيه: ذِكر الحكم مع الحِكْمة في قوله: ((إنَّما هي طُعْمة أطعمكموها الله تعالى)). تكملة: لا يجوز للمُحرِم قتل الصَّيد إلَّا إن صالَ علیه فقتله دفعاً فيجوز، ولا ضمان عليه. والله أعلم. ٦ - بابٌ إِذا أَهدى للمحرِم حماراً وحشيّاً حيّاً لم يقبل ١٨٢٥ - حدَّثْنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيد الله بنِ عبد الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن عبد الله بنِ عِبَّاسٍ، عن الصَّعبِ بنِ جَّامةَ اللَّيْثِيَّ: أنَّه أهدَى لرسولِ اللهِ وَلِّ حماراً وَحْشِيّاً وهو بالأبواءِ - أو بَوَدّانَ - فَرَدَّه عليه، فلمَّا رأى ما في وجهِه، قال: ((إنّا لم نَرُدَّه عليك إلا أنّا حُرُمٌ)). [طرفاه في: ٢٥٧٣، ٢٥٩٦] قوله: ((بابٌ إذا أَهدى)) أي: الحلال ((للمُحِم حماراً وحشياً حيّاً لم يقبل)) كذا قَيَّدَه في الترجمة بكونِه حيّاً، وفيه إشارة إلى أنَّ الرواية التي تدلُّ على أنَّه كان مذبوحاً مَوهُومة، وسأُبيِّن ما في ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن ابن شِهَاب ... )) إلى آخره، لم يُخْتَلَف على مالك في سياقه مُعنعناً وأنَّه من مُسنَد الصَّعب، إلَّا ما وقع في ((موطَّأ ابن وَهْب)) فإنَّه قال في روايته عن ابن عبّاس: إنَّ الصَّعب ابن جَثّمة أهدى، فجَعَله من مُسنَد ابن عبّاس، نَبَّه على ذلك الدّار قُطني في ((الموطَّآت))،/ وكذا أخرجه مسلم (١١٩٤) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: ٣٢/٤ أهدى الصَّعب، والمحفوظ في حديث مالك الأوَّل، وسيأتي للمصنِّف في الهبة (٢٥٩٦) من ١١٤ باب ٦ / ح ١٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري طريق شعيب عن الزُّهْري قال: أخبرني عُبيد الله، أنَّ ابن عبّاس أخبره أنَّه سمع الصَّعب - وكان من أصحاب النبي ◌َّه ــ يُبِرِ أنَّه أهدى، والصَّعب بفتح الصاد وسكون العين المهمَلتَينِ بعدها موحَّدة، وأبوه جَثّامة بفتح الجيم وتثقيل المثلَّثة، وهو من بني ليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة، وكان ابنَ أُخت أبي سفيان بن حَرْب، أُمّه زينب بنت حَرب بن ◌ُميّة، وكان النبي ◌ّ لټ آخى بينه وبين عوف بن مالك. قوله: ((حماراً وحشياً) لم تختلف الرُّواةُ عن مالك في ذلك، وتابعه عامّة الرُّواة عن الزُّهْري، وخالَفَهم ابن عُيَينَةَ عن الزُّهْري فقال: ((لحم حمار وحش)) أخرجه مسلم (٥٢/١١٩٣)، لكن بيَّن الحميدي (٧٨٣) صاحب سفيان أنَّه كان يقول في هذا الحديث: ((حمار وحش))، ثمَّ صار يقول: ((لحم حمار وحش))، فدَلَّ على اضطرابه فيه، وقد تُوبعَ على قوله: ((لحم حمار وحش)) من أوجُه فيها مقالٌ، منها ما أخرجه الطبراني (٧٤٣٥) من طريق عَمْرو بن دينار عن الزُّهْري لكنَّ إسناده ضعيف، وقال إسحاق في ((مسنده)): أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عَمْرو بن عَلْقمة عن الزّهْري، فقال: ((لحم حمار))، وقد خالَفَه خالد الواسطي(١) عن محمد بن عمرو فقال: «حمار وحش» کالأكثر. وأخرجه الطبراني (٧٤٤٢) من طريق ابن إسحاق عن الزّهْري فقال: ((رِجل حمار وحش))، وابن إسحاق حسن الحديث إلَّا أنَّه لا يُحتَجّ به إذا خولف، ويدلّ على وهم من قال فيه عن الزُّهْري ذلك، أن ابن جُرَيج قال: قلت للزّهري: الحمار عَقير؟ قال: لا أدري، أخرجه ابن خُزيمة (٢٦٣٧) وأبو عَوَانة في ((صحیحیھما)). وقد جاء عن ابن عبّاس من وجه آخر أنَّ الذي أهداه الصَّعب لحم حمار، فأخرجه مسلم (٥٤/١١٩٣) من طريق الحكم عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: أهدى الصَّعْب إلى النبي ◌َّهُ رِجل حمار، وفي رواية عنده (٥٤/١١٩٣): عَجُز حمار وحش يَقطُر دَماً، وأخرجه أيضاً (٥٣/١١٩٣) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد فقال تارة: ((حمار وحش))، (١) رواية خالد الواسطي أخرجها الطبراني أيضاً (٧٤٣٦)، وتابع خالداً أيضاً النضر بن شميل عن محمد بن عمرو، أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند)) (١٦٦٨٠). ١١٥ باب ٦ / ح ١٨٢٥ أبواب جزاء الصيد ونحوه وتارة: ((شِقّ حمار))، ويُقوِّي ذلك ما أخرجه مسلم (١١٩٥) أيضاً من طريق طاووس عن ابن عبّاس قال: قَدِمَ زيد بن أرقَم، فقال له عبد الله بن عبَّاس يَستَذكِرِه: كيف أخبرتني عن لحم صيد أُهدي لرسول الله وَل﴿ وهو حرام؟ قال: أُهدي له عُضو من لحم صيد، فَرَدَّه وقال: (إنّا لا نأكله، إنّا حُرُم))، وأخرجه أبو داود (١٨٥٠) وابن حِبَّان (٣٩٦٨) من طريق عطاء عن ابن عبّاس أنَّه قال: يا زيد بن أرقَم، هل عَلِمت أنَّ رسول الله وَّةِ، فذكره. واتَّفَقَت الرواياتُ كلُّها على أنَّه رَدَّه عليه، إلَّا ما رواه ابن وَهْب والبيهقي (١٩٣/٥) من طريقه بإسناد حسن من طريق عَمْرو بن أُمَيَّة: أنَّ الصَّعب أهدى للنبيِ وَّ عَجُز حمار وحش، وهو بالجُحْفة، فأكَلَ منه وأكَلَ القوم. قال البيهقي: إن كان هذا محفوظاً فلعلَّه رَدَّ الحيّ وقَبِلَ اللَّحم، قلت: وفي هذا الجمع نظر لمَا بيَّنَته، فإن كانت الطُّرق كلُّها محفوظة فلعلَّهِ رَدَّه حيّاً لكونِهِ صِيدَ لأجله، ورَدَّ اللَّحم تارة لذلك، وقَبِلِه تارة أُخرى حيثُ عَلِمَ أنَّه لم يُصَد لأجله، وقد قال الشافعي في ((الأُمّ)): إن كان الصَّعب أهدى حماراً حيّاً فليس للمُحِرِمِ أن يَذَبَح حمار وحش حَيّ، وإن كان أهدى له لحماً فقد يحتمل أن يكون عَلِمَ أنَّه صِيدَ له. ونقل التِّرمِذي عن الشافعي أنَّه رَدَّ لظنِّه أنَّه صِيدَ من أجله فتَرَكَه على وجه التنُّه، ويحتمل أن يُحِمَل القَبُول المذكور في حديث عَمْرو بن أُميَّة على وقت آخر وهو حال رجوعه وَّ﴾ من مكَّة، ويُؤيِّده أنَّه جازم فيه بوقوع ذلك بالجُحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواءِ أو بوَدّان، وقال القُرطُبي: يحتمل أن يكون الصَّعب أحضَرَ الحمار مذبوحاً، ثمَّ قَطَعَ منه عُضواً بحَضرة النبيِ نَّهِ فَقَدَّمَه له، فمَن قال: أهدى حماراً، أراد: بتمامه مذبوحاً لا حيّاً، ومن قال: لحم حمار، أراد: ما قَدَّمَه للنبي وََّ، قال: ويحتمل أن يكون من قال: حماراً، أطلقَ وأراد بعضه مجازاً، قال: ويحتمل أنَّه أهداه له حيّاً،/ فلمَّا رَدَّه علیه ذگًّا، وأتاه بعُضوٍ منه، ٣٣/٤ ظاناً أنَّه إِنَّمَا رَدَّه عليه لمعنَى يختصّ بجُملَته، فأعلمَه بامتناعه أنَّ حُكْم الجزء من الصَّيد حكم الکلِّ، قال: والجمع مهما أمكنَ أَولی من توهیم بعض الروايات. وقال النَّووي: ترجم البخاري بكونِ الحمار حيّاً، وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك، وهو باطل لأنَّ الروايات التي ذكرها مسلم ١١٦ باب ٦ / ح ١٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري صريحة في أنَّه مذبوح، انتهى. وإذا تأمَّلت ما تقدَّم لم يَحسُن إطلاقه بُطْلان التأويل المذكور ولا سيما في رواية الزُّهْري التي هي عُمْدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في ((الأُمّ)): حديث مالك أنَّ الصَّعب أهدى حماراً، أثبتُ من حديث من روى أنَّه أهدى لحم حمار، وقال التِّرمِذي: روى بعض أصحاب الزّهْري في حديث الصَّعب: ((لحم حمار وحش))، وهو غير محفوظ. قوله: ((بالأبواء)) بفتح الهمزة وسكون الموحّدة وبالمدِّ: جبل من عمل الفُرُع بضمِّ الفاء والراء بعدها مُهمَلة، قيل: سُمّي الأبواء لوَبائه على القلب، وقيل: لأنَّ السُّيول تَتَبوَّؤُه، أي: تَحُلُّ. قوله: ((أو بوَدّان)) شكٍّ من الراوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدّال وآخرها نون: موضع بقُربِ الْجُحْفة، وقد سَبَقَ في حديث عَمْرو بن أُميَّة أنَّه كان بالجُحْفة، ووَدّان أقرب إلى الجُحفة من الأبواء، فإنَّ من الأبواء إلى الجُحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين(١) ميلاً، ومن ودّان إلى الجُحفة ثمانية أميال، وبالشكِّ جَزَمَ أكثر الرُّواة، وجَزَمَ ابن إسحاق(٢) وصالح بن كَيْسانَ(٣) عن الزُّهْرِي بوَدّان، وجَزَمَ مَعمَر(٤) وعبد الرحمن بن إسحاق(٥) ومحمد بن عَمْرو(٦) بالأَبواء، والذي يَظهَر لي أنَّ الشكّ فيه من ابن عبّاس، لأنَّ الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشكّ أيضاً(٧). قوله: ((فلمَّا رَأَى ما في وجهه)) في رواية شعيب (٢٥٩٦): فلمَّا عَرَفَ في وجهي رَدَّه (١) وقع في الأصلين: ثلاثة وعشرون، والمثبت من (س)، وهو الجادّة. (٢) عند الطبراني (٧٤٤٢). (٣) عند عبد الله بن أحمد بن حنبل (١٦٦٧١) و(١٦٦٧٢)، والطبراني (٧٤٤٠). (٤) عند عبد الرزاق (٨٣٢٢)، وأحمد (١٦٤٢٧)، وابن خزيمة (٢٦٣٧)، والطبراني (٧٤٢٩). (٥) رواية عبد الرحمن بن إسحاق أخرجها الطبراني (٧٤٣٤) وفيها عنده: بودّان، لا بالأبواء. (٦) رواية محمد بن عمرو، عزاها الحافظ في شرح أول الحديث لإسحاق بن راهويه. (٧) رواية عطاء عن ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)) (٧٤٤٤)، وفيها ((بالأبواء)) فقط - كما في المطبوع - وليس فيها شك. ١١٧ باب ٦ / ح ١٨٢٥ أبواب جزاء الصيد ونحوه هديّتي، وفي رواية الليث عن الزُّهْري عند التِّرمِذي (٨٤٩): فلمَّا رأى ما في وجهه من الكراهية، وكذا لابن خُزيمة (٢٦٣٧) من طريق ابن جُرَيج المذكورة. قوله: ((إنّا لم نَرُدَّه عليك)) في رواية شعيب وابن جُرَيج: ((ليس بنا رَدّ عليك))، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزُّهْري عند الطبراني (٧٤٣٤): «إنّا لم نَرُدّه عليك كراهية له ولكنّا حُرُم))، قال عياض: ضَبطناه في الروايات: (لم نَرُدّه)) بفتح الدّال، وأبى ذلك المحقِّقونَ من أهل العربية، وقالوا: الصواب أنَّه بضمِّ الدّال، لأنَّ المضاعف من المجزوم يُراعى فيه الواو التي تُوجِبها له ضمّة الهاء بعدها، قال: وليس الفتح بغَلَطِ بل ذكره ثَعلب في ((الفَصيح)). نعم تَعَقَّبوه عليه بأنَّه ضعيف، وأوهمَ صنيعُه أنَّه فصيح، وأجازوا أيضاً الكسر وهو أضعَف الأوجُه. قلت: ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ بفَكِّ الإدغام: ((لم نَردُده)) بضمِّ الأولی وسکون الثانیة ولا إشکال فیه. قوله: ((إلّا أنَّا حُرُمٌ)) زاد صالح بن كَيْسانَ عند النَّسائي (٢٨٢٠): ((لا نأكل الصَّيد»، وفي رواية سعيد عن ابن عبّاس(١): (لولا أنَّا مُحُرِمونَ لَقَبِلناه منك)). واستُدلَّ بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصَّيد على المحرِمِ مُطلَقاً لأنه اقتَصَرَ في التعليل على كونه مُرِماً، فدَلَّ على أنَّه سبب الامتناع خاصَّة، وهو قول عليّ وابن عبّاس وابن عمر والليث والثَّوري وإسحاق؛ لحديث الصَّعب هذا، ولما أخرجه أبو داود (١٨٤٩) وغيره من حديث عليّ: أنَّه قال لناسٍ من أشجَع: أتعلمونَ أنَّ رسول الله وَّ أَهدَى له رجل حمار وحش وهو مُرِم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم. لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم (١١٩٧) أيضاً من حديث طلحة: أنَّه أُهدي له لحم طَير وهو مُحُرِم، فوَفَّقَ من أكَله، وقال: أكَلناه مع رسول الله وَّةِ، وحديث أبي قَتَادةَ المذكور في الباب قبله (١٨٢٤)، وحديث عُمَير بن سَلَمة: أنَّ البَهْزي أهدى لرسول الله وَ ه ظَبياً وهو مُحرِم، فأمَرَ أبا بكر أن يَقسِمه بين الرِّفاق، أخرجه مالك (٣٥١/١) وأصحاب (١) عند مسلم (١٩٣) (٥٣). ١١٨ باب ٦ / ح ١٨٢٥ فتح الباري بشرح البخاري السُّنن وصَخَّحَه ابن خُزَيمة وغيره(١)، وبالجواز مُطلَقاً قال الكوفيون وطائفة من السَّلَف، وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك: بأنَّ أحاديث القَبُول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسِه ثمَّ يُهدي منه للمُحرِم، وأحاديث الردّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرِم، ٣٤/٤ قالوا: والسبب في الاقتصار/ على الإحرام عند الاعتذار للصَّعبِ أنَّ الصَّيد لا يَرُم على المرء إذا صيدَ له إلَّا إذا كان مُحرِماً، فبيّن الشَّرطَ الأصلي وسَكَتَ عَّ عَداه فلم يدلّ على نفيه، وقد بيَّنه في الأحاديث الأُخَر. ويُؤيِّد هذا الجمع حديث جابر مرفوعاً: ((صيد البَرّ لكم حلال ما لم تَصيدوه أو يُصاد لكم)) أخرجه التِّرمِذي (٨٤٦) والنَّسائي (٢٨٢٧) وابن خُزيمة (٢٦٤١). قلت: وقد تقدَّم أنَّ عند النَّسائي من رواية صالح بن كَيْسانَ: ((إنّا خُرُم لا نأكل الصَّيد» فبيَّن العِلَتَيْنِ جميعاً. وجاء عن مالك تفصيلٌ آخر بين ما صِيدَ للمُحرِم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه أو بعد إحرامه فلا، وعن عثمان التفصيل بين من يُصاد لأجله من المحرِمين فيَمتَنِعِ عليه ولا يمتنع على محرم آخر. وقال ابن المنيِر في ((الحاشية)): حديث الصَّعب يُشكِل على مالك، لأنه يقول: ما صِيدَ من أجل المحرِمِ يَجِرُم على المحرِم وعلى غير المحرِم، فيُمكِن أن يقال: قوله: فَرَدَّه عليه، لا يَستَلزِمِ أنَّه أباح له أكله، بل يجوز أن يكون أمرَه بإرساله إن كان حیاً، وطَرْحِه إن كان مذبوحاً، فإنَّ السُّكوت عن الحكم لا يدلّ على الحكم بضِدِّه، وتُعُقِّبَ بأنَّه وقتُ البيان، فلو لم يَجُزْ له الانتفاع به لم يردّه علیه أصلاً، إذ لا اختصاص له به. وفي حديث الصَّعب الحكمُ بالعَلَامة، لقوله: فلمَّا رأى ما في وجهي. وفيه: جوازُ رَدّ (١) وقع للحافظ هنا وهمان: الأول: أن البهزي أهدى لرسول الله وَ ل﴿ ظبياً، والصواب أنه حمار وحشٍ، وأما الظبي ففي الحديث أنه كان حاقفاً في ظلِّ وفيه سهم، فأمر رسول الله وَ لّ رجلاً يقف عنده حتى لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه. والثاني: عزوه الحديث لأصحاب ((السنن))، والصواب أن النسائي انفرد بإخراجه من أصحاب السنن برقم (٢٨١٨)، والحديث أيضاً عند أحمد (١٥٧٤٤)، وصححه ابن حبان (٥١١١)، وليس هو في القسم المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة)). ١١٩ باب ٧ / ح ١٨٢٦ - ١٨٢٨ أبواب جزاء الصيد ونحوه الهديَّة لعِلّةٍ، وترجم له المصنّف (٢٥٩٦): ((مَن رَدَّ الهديَّة لعِّةٍ)). وفيه: الاعتذار عن رَدّ الهديَّة تطبيباً لقلبٍ المهدي، وأنَّ الهِبة لا تَدخُل في المِلك إلَّا بِالقَبُول، وأنَّ قُدرَته على تَمَلُّكها لا تُصَيِّه مالكاً لها، وأنَّ على المحرِم أن يُرسِل ما في يده من الصَّيد الممتَنِعِ عليه اصطياده. ٧- باب ما يَقتُل المحرمُ من الدّوابّ ١٨٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((خمسٌِّ من الدَّوابِّ ليس على المحرِمِ في قَتِلِهِنَّ جُنَاحٌ)). وعن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَّ قال ... [طرفه في: ٣٣١٥] ١٨٢٧ - حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن زيد بنِ جُبَير، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: حدَّثَتَنِي إحدَى نِسوة النبيِّ وَّهِ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((يَقتُّلُ المحرِمُ)). [طرفه في: ١٨٢٨] ١٨٢٨ - حدَّثنا أصبَغُ، قال: أخبرني عبدُ الله بنُ وَهْب، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم، قال: قال عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما: قالت حفصةُ: قال رسولُ الله وَّ: ((خمسٍّ من الدَّوابِّ لا حَرَجَ على مَن قتلهنَّ: الغُرابُ، والحِدَأُ، والفَأْرةُ، والعَقرَبُ، والكلبُ العَقُورِ)). قوله: ((باب ما يَقتُل المحرِم من الدّوابِ)) أي: ممّا لا يجب عليه فيه الجزاء، وذكر المصنِّف ٣٥/٤ فيه ثلاثة أحاديث، الأوَّل منها: اختُلِفَ فيه على ابن عمر، فساقه المصنّف على الاختلاف کما سأُبِّنه. قوله: ((خمس من الدَّوابّ ليس على المحرِم في قتلهنَّ جُناح)) كذا أوردَه مُختصَراً، وأحالَ به على طريق سالم، وهو في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٥٦)، وتمامه: ((الغُراب والحِدَأة والعَقرَب والفَأْرة والكلب العَقُور)». قوله: ((وعن عبد الله بن دينار)) هو معطوف على الطريق الأولى، وهو في ((الموطَّأ)) كذلك ١٢٠ باب ٧ / ح ١٨٢٦ - ١٨٢٨ فتح الباري بشرح البخاري عن نافع عن ابن عمر، وعن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد أوردَه المصنِّف في بَدْء الخلق (٣٣١٥) عن القَعْنبي عن مالك، وساق لفظَه مثله سواء، وكذا أخرجه مسلم (٧٩/١١٩٩) من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار، وأخرجه أحمد (٥١٣٢) من طريق شُعْبة عن عبد الله بن دينار فقال: ((الحيَّة)) بدل: العقرب. قوله: ((عن زيد بن جُبَير)): هو الطائي الكوفي، ليس له في ((الصحيح)) رواية عن غير ابن عمر، ولا له فيه إلَّا هذا الحديث وآخر تقدَّم في المواقيت (١٥٢٢)، وقد خالَفَ نافعاً وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر وبين النبي ◌َّ في هذا الحديث، ووافق سالماً، إلَّا أنَّ زيداً أبهَمها وسالماً سَّها. قوله: ((حدَّثَتني إحدى نِسوة النبي ◌َ ﴿ عن النبي وَ ﴿ قال: يَقتُل المحرم)» كذا ساق منه هذا القَدر وأحالَ به على الطريق التي بعده، وفيه إشارة منه إلى تفسير المبهمة فيه بأنَّها المسمّاة في الرواية الأُخرى، فقد وَصَله أبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق أبي خَليفة عن مُسدّد بإسناد البخاري، وبَقيّته كرواية حفصة إلَّا أنَّ فيه تقديماً وتأخيراً في بعض الأسماء. وأخرجه مسلم (١٢٠٠ / ٧٥) عن شَيْبانَ عن أبي عَوَانة فزاد فيه أشياء، ولفظه: سأل رجلٌ ابنَ عمر: ما يَقتُل الرجل من الدَّواب وهو مُحرِم؟ فقال: حدَّثَتَني إحدى نِسْوة النبي ◌ِّل أنَّه كان يأمر بقتل الكلب العَقُور والفَأرة والعَقرَب والحُدَيّا والغُراب والحيَّة، قال: وفي الصلاة أيضاً. فلم يَقُل في أوَّله: خمساً، وزاد: الحيَّة، وزاد في آخره ذِكر الصلاة لينِّه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال، وسأذكر البحث في ذلك، ولم أرَ هذه الزِّيادة في غير هذه الطريق، فقد أخرجه مسلم (٧٤/١٢٠٠) من طريق زُهَير بن معاوية، والإسماعيلي من طریق إسرائیل كلاهما عن زید بن جُبیر بدونها. قوله: (عن یونس)) هو ابن یزید. قوله: ((عن سالم)) في رواية مسلم (١٢٠٠/ ٧٣): أخبرني سالم، أخرجه عن حَرمَلة عن ابن وَهْب.