النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ باب ٥ / ح ١٨١٤ أبواب المحصر وجزاء الصيد الصيام والإطعام، وإن لم يَجِده، أعلمَه أنَّه مُخيّر بينهما، ومُحصَّله: أنَّه لا يَلزَم من سؤاله عن وِجْدان الذَّبح تعيينُهُ، لاحتمال أنَّه لو أعلمَه أنَّه يَجِده لَأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام والصوم. ومنها ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي ◌َّ لمَّا أذِنَ له في حلق رأسه بسبب الأذى، أفتاه بأن يُكفِّرَ بالذَّبحِ على سبيل الاجتهاد منه وَ ﴿ أو بوَحي غير مَتلوٍّ، فلمَّا أعلمَه أنَّه لا يَجِد نزلت الآية بالتخيير بين الذَّبح والإطعام والصيام، فخَيََّه حينئذٍ بين الصيام والإطعام، العِلمِه بأنَّه لا ذَبحَ معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يُطعِمه، ويوضح ذلك رواية مسلم (٨٥/١٢٠١) في حديث عبد الله بن معقِل المذكور حيثُ قال: ((أتجِدُ شاة؟)) قلت: لا، فنزلت هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ ◌ُكٍ﴾ فقال: ((صُم ثلاثة أيام أو أطعِم))، وفي رواية عطاء الخُراساني(١): قال: ((صُم ثلاثة أيام أو أطعِم ستّةَ مساكين)) وقد كان عَلِمَ أنَّه ليس عندي ما أنسُك به. ونحوه في رواية محمد بن كعب القُرَظي عن كعب (٢). وسياق الآية يُشعِر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونِه أفضلَ في هذا المقام من غيره، بل السِّرُّ فيه أنَّ الصحابة الذين خُوطِبوا شِفاهاً بذلك كان أكثرُهم يَقدِر على الصيام أكثر ممّا يَقدِر على الذَّبح والإطعام. وعُرِفَ من رواية أبي الزُّبَير (٣) أنَّ كعباً افتَدى بالصيام. ووقع في رواية ابن إسحاق(٤) ما يُشعِر بأنَّه افتَدى بالذَّبح، لأنَّ لفظه: ((صُمْ أو أطعِم أو انسُك شاة)) قال: فحَلَقتُ رأسي ونَسَكتُ. وروى الطبراني (٣٤٩/١٩) من طريقٍ ضعيفةٍ عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث: فقلت: يا رسول الله، خِرْ لي، قال: ((أطعِم ستّة مساكين))، وسيأتي البحث فيه في الباب الأخير(٥)، وفيه بقية مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى. (١) عند مالك في ((الموطأ)) ١ / ٤١٧-٤١٨، ومن طريقه الطبراني ١٩/ (٢٥٦). (٢) عند ابن ماجه (٣٠٨٠). (٣) عند الطبراني ١٩/ (٢١٧). (٤) عند أبي داود (١٨٦٠). (٥) في باب (٨): النسك شاة. ٨٢ باب ٦ / ح ١٨١٥ فتح الباري بشرح البخاري ١٦/٤ ٦ - باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام ستّة مساكين ١٨١٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سَيفٌ، قال: حدَّثني مجاهدٌ، قال: سمعتُ عبد الرحمن بنَ أبي ليلى، أنَّ كعبَ بنَ عُجْرة حدَّثَه قال: وَقَفَ عليَّ رسولُ الله ◌ََّ بِالحُدَيِيَة ورأسي يَتَهافَتُ قَملاً، فقال: ((يُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟)) قلتُ: نعم. قال: ((فاحلِقْ رأْسَكَ - أو احلِقْ -)) قال: فيَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ، أَذَّى مِّن رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها، فقال النبيُّ وَّ: ((صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بينَ سِتّةٍ، أو نُسُكٍ بِما تَيسَّر)». قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام سِنَّة مساكين)) يشير بهذا إلى أنَّ الصَّدقة في الآية مُبهَمة فسَّرَتها السُّنّة، وبهذا قال جُمهور العلماء. وروى سعيد بن منصور(١) بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصَّدَقة على عشرة مساكين. وروى الطَّبري عن عِكْرمة ونافع نحوه، قال ابن عبد البَرِّ: لم يَقُل بذلك أحد من فقهاء الأمصار. قوله: (حدّثنا سیْف)) هو ابن سلیمان أو ابن أبي سليمان. قوله: ((يَتَهافَت)) بالفاء، أي: يتساقط شيئاً فشيئاً. قوله: ((فاحلِقِ رأسك، أو احلِقٍ)) بِحذفِ المفعول، وهو شكٌّ من الراوي. قوله: ((بفَرَق)) بفتح الفاء والراء وقد تُسَكَّن - قاله ابن فارس، وقال الأزهري: كلام العرب بالفتح، والمحدِّثونَ قد يُسَكِّنونَه - وآخره قاف: مِكْيال معروف بالمدينة وهو ستّة عشر رِطلاً. ووقع في رواية ابن عُيَينةَ عن ابن أبي نجيح عند أحمد(٢) وغيره: والفَرَق ثلاثة آصُعٍ، ولمسلم (١٢٠١ / ٨٤) من طريق أبي قلابةً عن ابن أبي ليلى: ((أو أطعِم ثلاثة آصُعٍ من تمر على ستّة مساكين))، وإذا ثبت أنَّ الفَرَق ثلاثة آصُع، اقتضى أنَّ الصاع خمسة أرطال وثُلُث، خلافاً لمن قال: إنَّ الصاع ثمانية أرطال. (١) في التفسير من «سننه» (٢٩٥). (٢) رواية ابن عيينة عند أحمد (١٨١٢٥) ليس فيها هذه العبارة، وإنما هي في الرواية التي قبلها عنده (١٨١٢٤) من طريق الشعبي عن كعب بن عجرة، ولعله سبقُ نظر من الحافظ رحمه الله. ٨٣ باب ٧ / ح ١٨١٦ أبواب المحصر وجزاء الصيد قوله: ((أو نسكٍ بما تيسّر)) كذا لأبي ذرِّ والأكثر، وفي رواية كَرِيمة: ((أو انسُك بما تيسَّر)) بصيغة الأمر وبالموحّدة، وهي المناسبة لمَا قبلها، وتقدير الأوَّل: أو انسُك بنُسُكٍ، والمراد به: الذَّبح. ٧- باب الإطعام في الفِذیة نصف صاعٍ ١٨١٦ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبد الرحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن عبد الله بنِ مَعقِلٍ، قال: جَلستُ إلى كعبٍ بنِ عُجْرة ﴾ فسألتُه عن الفِذْية، فقال: نزلت فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامّةً، مُلتُ إلى رسولِ الله ◌ِّهِ والقَمَلُ يَتَنَاثَرُ على وجهي، فقال: ((ما كنتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ ما أَرَى - أو ما كنتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ بكَ ما أَرَى - تَجِدُ شاةً؟)) فقلتُ: لا، فقال: ((فصُم ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ بِتَّةَ مساكين لكُلِّ مِسكينٍ نِصفَ صاعٍ)). قوله: (باب الإطعام في الفِذْية نصف صاع)) أي: لكلِّ مِسكين، من كلّ شيء، يشير بذلك إلى الردّ على من فرَّقَ في ذلك بين القمح وغيره. وقال ابن عبد البَرِّ: قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف صاع من قمح، وصاع من تمر وغيره. وعن أحمد رواية تُضاهي قولهم. قال عياض: وهذا الحديث يَرُدُّ عليهم. قوله: ((عن عبد الرحمن بن الأصبهاني)) هو ابن عبد الله، مَرَّ في الجنائز وأنَّه كوفي ثقة. ولشُعْبة في هذا الحديث إسناد آخر أخرجه الطبراني (٢١٨/١٩) من طريق حفص بن عمر عنه عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن کعب. قوله: ((عن عبد الله بن مَعقِل)) في رواية أحمد: سمعت عبد الله بن مَعقِل، أخرجه عن ١٧/٤ عَفّان (١٨١١٠) وعن بَهْز (١٨١١١) - فرَّقَهما - عن شُعْبة: حدَّثنا عبد الرحمن. وهو بفتح الميم وسكون المهمَلة وكسر القاف: هو ابن مُقرِّن بالقاف وزن مُحمّد لكن بكسر الراء، المُزَني، لأبيه صحبة، وهو من ثقات التابعين بالكوفة، وليس له في ((البخاري)) سوى هذا الحديث وآخر عن عدي بن حاتم، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة، يَلتَبِس بعبد الله ابن مُغفَّل بالغين المعجمة، وزن محمد، ويَجْتَمِعان في أنَّ كلَّ منهما مُزَني، لكن يَفتَرِقان بأنَّ الراوي عن ٨٤ باب ٧ / ح ١٨١٦ فتح الباري بشرح البخاري كعب تابعي والآخر صحابي، وفي التابعين من اتَّفَقَ مع الراوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة: أحدهم يروي عن عائشة وهو محاربي، والآخر يروي عن أنس في المسح على العمامة وحديثه عند أبي داود(١)، والثالث أصغر منهما أخرج له ابن ماجَهْ (٤٠٥٨). قوله: ((جلستُ إلى كعب بن عُجْرة)) زاد مسلم (١٢٠١/ ٨٥) في روايته من طريق غُندَر عن شُعْبة: وهو في المسجد، ولأحمد (١٨١١١) عن بَهْز: قعدتُ إلى كعب بن عُجْرة في هذا المسجد، وزاد في رواية سليمان بن قَرْم عن ابن الأصبهاني (١٨١٢٠): يعني مسجد الكوفة. وفيه: الجلوس في المسجد ومُذاكَرة العلم، والاعتناء بسبب النُّزول لمَا يَترتَب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن. قوله: ((ما كنت أُرَى الوَجَعِ بَلَغَ بك ما أَرى)»، في رواية المُستَمْلِي والحَمُّوِيّ: ((يَبلُغ بك»، و ((أُرى)) الأولى بضمِّ الهمزة، أي: أظنّ، و((أَرى)) الثانية بفتح الهمزة: من الرُّؤية، وكذا في قوله: ((أو ما كنت أُرى الْجَهْدَ بَلَغَ بك))، وهو شكٍّ من الراوي هل قال: الوَجَع أو الجَهد، والجَهد: بالفتح: المشقّة، قال النَّووي: والضمّ لغة في المشقّة أيضاً، وكذا حكاه عياض عن ابن دُرَيد، وقال صاحب ((العين)): بالضمِّ: الطاقة، وبالفتح: المشقّة؛ فيتعيَّن الفتحُ هنا بخلاف لفظ الجَهْد الماضي في حديث بَدْء الوحي (٣) حيثُ قال: ((حَتَّى بَلَغَ مِنّي الجَهدَ)» فإنَّه مُحُتمِل للمعنيين. قوله: ((فقلت: لا)) زاد مسلم (١٢٠١ / ٨٥) وأحمد (١٨١٠٩): فنزلت هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ فقال: ((صوم ثلاثة أيام)) الحديث. قوله: ((لكلِّ مسكين نصف صاع)) زاد مسلم (١٢٠١/ ٨٥): ((نصف صاع)) (٢)، كَرَّرَها (١) الذي يروي حديث المسح على العمامة عن أنس عند أبي داود (١٤٧) هو أبو معقل، وهو مجهول، ولا يُعرَف اسمه، فقد ذكره المزي في (تهذيب الكمال)) ١٧١/١٦ في الأوهام، وقال: هكذا ذكره صاحب ((الأطراف)) وهو وهمٌ، والصواب: عن أبي معقل، هكذا هو في الأصول الصحيحة القديمة من ((سنن أبي داود))، وهكذا هو في كتاب ابن ماجه أيضاً على الصواب، وهكذا ذكره غير واحد في الكنى فيمن لا يُعرَف. (٢) قوله: ((زاد مسلم: نصف صاع)) سقط من (س) وطبعة بولاق، وأثبتناه من (أ) و(ع)، ولم ترد زيادة = ٨٥ باب ٧ / ح ١٨١٦ أبواب المحصر وجزاء الصيد مرَّتين، وللطَّبراني عن أحمد بن محمد الخُراعي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه: ((لكلِّ مسكين نصف صاع تمر)) (١)، ولأحمد (١٨١١١) عن بَهْز عن شُعْبة: ((نصف صاع طعام)، ولبشر بن عمر عن شُعْبة: ((نصف صاع حنطة))، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنَّه نصف صاع من زَبيب، فإنَّه قال: ((يُطعِمِ فَرَقاً من زَبيب بين ستّة مساكين)). قال ابن حَزْم: لا بُدّ من ترجيح إحدى هذه الروايات، لأنها قصَّة واحدة في مقام واحد في حقّ رجل واحد. قلت: المحفوظ عن شُعْبة أنَّه قال في الحديث: ((نصف صاع من طعام))، والاختلاف عليه في كونه تمراً أو حنطة لعلَّه من تصرُّف الرُّواة، وأمَّا الَّبيب فلم أرَهُ إلَّا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود (١٨٦٠) وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حُجّة في المغازي لا في الأحكام إذا خالَف، والمحفوظ رواية التمر؛ فقد وقع الجَزم بها عند مسلم (٨٤/١٢٠١) من طريق أبي قِلابةَ كما تقدَّم ولم يُخْتَلَف فيه على أبي قلابةَ. وكذا أخرجه الطَّبري (٢/ ٢٣٠) من طريق الشَّعبي عن كعب، وأحمد (١٨١٢٠) من طريق سليمان بن قَرْم عن ابن الأصبهاني، ومن طريق أشعَث وداود عن الشَّعبي عن كعب(٢)، وكذا في حديث عبد الله بن عَمْرو عند الطبراني، وعُرِفَ بذلك قوّةُ قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأنَّ الواجب ثلاثة آصُع، لكلِّ مسكين نصف صاع، ولمسلم (١٢٠١/ ٨٣) عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عُيَينةَ عن ابن أبي نَجيح وغيره عن مجاهد في هذا الحديث:/ ((وأطعِم فَرَقاً بين ستّة مساكين))، والفَرَق: ثلاثة آصُع. وأخرجه الطّبري ١٨/٤ (٢٣٢/٢) من طريق يحيى بن آدم عن ابن عُيَينةَ فقال فيه: قال سفيان: والفَرَق: ثلاثة = مسلم هذه في المطبوع، وهي ثابتة في أصلٍ صحيحٍ عندنا لمسلم مقروء على أبي العباس أحمد بن محمد الثُّمُنِّي، مُصحَّحاً عليها مكررةً. (١) الذي وقفنا عليه في ((معجم الطبراني الكبير)) ٢٩٩/١٩ عن أحمد بن محمد الخزاعي، عن حفص بن عمر الحوضي، وليس عن أبي الوليد الطيالسي، وفيه: ((نصف صاع حنطة)) وليس تمراً. (٢) وهم الحافظ رحمه الله، فطريق داود - وهو ابن أبي هند - عن الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب عند أحمد (١٨١٢٢)، وطريق أشعث - وهو ابن سوّار - عن الشعبي عن عبد الله بن معقل عن كعب عنده برقم (١٨١٢٣). ٨٦ باب ٨ / ح ١٨١٧ -١٨١٨ فتح الباري بشرح البخاري آصُع؛ فأشعَرَ بأنَّ تفسير الفَرَق مُدرَج، لكنَّه مُقتَضى الروايات الأُخَر، ففي رواية سليمان ابن قَرْم عن ابن الأصبهاني عند أحمد (١٨١٢٠): ((لكلِّ مِسکین نصف صاع»، وفي رواية يحيى بن جَعْدة عند أحمد (١٨١١٦) أيضاً: ((أو أطعِم ستّة مساكين مُدَّينٍ مُدَّين))(١). وأمَّا ما وقع في بعض النُّسَخ عند مسلم (٨٦/١٢٠١) من رواية زكريا عن ابن الأصبهاني: ((أو يُطعِم ستّة مساكين لكلِّ مِسكين صاع)) فهو تحريف ممَّن دون مسلم، والصواب ما في النُّسَخِ الصحيحة: ((لكلِّ مِسكينَين)) بالتثنية، وكذا أخرجه مُسدَّد في ((مسنده)) عن أبي عَوَانة(٢) عن ابن الأصبَهاني على الصواب. ٨- بابٌّ النُّسك شاءٌ ١٨١٧ - حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا روحٌ، حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، عن كعبٍ بنِ عُجْرة : أنَّ رسولَ الله وَلِّ رآه وإنّه يَسقُطُ على وجهه القَمْلُ، فقال: ((أيؤذِيكَ هَوامُّكَ؟)) قال: نعم، فأمره أن يَحِلِقَ وهو بالحُدَيِيَةِ، ولم يَتبيَّن لهم أنَّهم يَحِلّونَ بها، وهم على طَمَع أن يدخلوا مكَّةَ، فَأَنزَلَ الله الفِذْيَةَ، فأمره رسولُ اللهِ وَ﴿ أَنْ يُطِعِمَ فَرَقاً بينَ سِتّةٍ، أو يُهدِيَ شاةً، أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ. ١٨١٨- وعن محمَّد بنِ يوسفَ، حدَّثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، عن كعبٍ بنِ عُجْرة ◌ُ: أنَّ رسولَ الله وَلَ رآه وقَملُه يَسقُطُ على وجهه ... مثله. قوله: ((بابٌ النُّسُك شاة)) أي: النُّسُك المذكور في الآية حيثُ قال ﴿أَوٍُْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وروى الطَّبري (٢٣٢/٢) من طريق مغيرة عن مجاهد في آخر هذا الحديث: فأنزل الله ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ والنُّسُك شاة، ومن طريق محمد بن كعب القُرَظي عن كعب: أمَرَني أن أحلِقَ وأفتَديَ بشاةٍ. قال عياض ومن تَبِعَه تبعاً لأبي عمر: كلّ من ذكر (١) كلمة ((مدين)) جاءت في ((مسند أحمد)) هكذا مكررة، وجاءت كذلك في (س)، وجاءت في (أ) مرة واحدة غير مكررة، وسقطت الكلمةُ ومكرّرها من (ع). (٢) تحرف في الأصلين إلى: مسدّد في مسند أبي عوانة، والمثبت من (س) على الصواب. ٨٧ باب ٨ / ح ١٨١٧ - ١٨١٨ أبواب المحصر وجزاء الصيد النُّسُك في هذا الحديث مُفسَّراً فإنَّما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء. قلت: يُعكِّر عليه ما أخرجه أبو داود (١٨٥٩) من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عُجْرة: أنَّه أصابه أذّى فحَلَقَ، فأمره النبي ◌َِّ أن يُهدي بقرة، وللطَّبراني (١٩/ ٢١٠) من طريق عبد الوهّاب بن بُخْت عن نافع عن ابن عمر قال: حَلَقَ كعب بن عُجرة رأسه، فأمره رسول الله پڼ أن يفتدي، فافتَدی ببقرةٍ، ولعبد بن حميدٍ من طريق أبي مَعشَر عن نافع عن ابن عمر قال: افتَدى كعب من أذَّى كان برأسِه فحَلَقَه ببقرةٍ قَلَّدَها وأشعَرَها، ولسعيد بن منصور(١) من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار: قيل لابن كعب بن عُجْرة: ما صَنَعَ أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذَبَحَ بقرة، فهذه الطُّرق كلّها تدور على نافع، وقد اختُلِفَ عليه في الواسطة الذي بينه وبین کعب، وقد عارضَها ما هو أصحّ منها؛ من أنَّ الذي أُمِرَ به كعب وفَعَله في النُّسُك إنّما هو شاة. وروى سعيد بن منصور (٢) وعبد بن حميدٍ من طريق المقبُري عن أبي هريرة: أنَّ كعب بن عُجْرة ذَبَحَ شاة لأذّى كان أصابه، وهذا أصوَب من الذي قبله(٣). واعتمد ابن بَطَّال على رواية نافع عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفَع الكفَّارات، ولم يخالف النبي ◌ٍَّ فيما أمره به من ذَبح شاة، بل وافق وزاد. / ففيه أنَّ من أُقتي بأيسَر ١٩/٤ الأشياء فله أن يأخُذ بأرفَعها كما فعلَ كعب. قلت: هو فرع ثبوت الحديث، ولم يَثْبُت لمَا قَدَّمتُه، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعيم، وروح: هو ابن عُبادة، وشِبْل: هو ابن عبَّاد المكّي. (١) في التفسير من ((سننه)) (٢٩٦). (٢) في التفسير من ((سننه)) (٢٩٧). (٣) إنما صوَّب الحافظ ذكرَ الشاة لورودها من طرق صحاح، ولم يَعْنِ بقوله تصحيحَ حديث أبي هريرة، فإن فيه رجلاً مجهولاً، ويؤيد ذلك أنه ذكره عند شرح الحديث (١٨١٤) في جملة الأحاديث التي ورد فيها ذكر الفِدْية، وقال عنها: إنها لا تخلو عن مقال. ٨٨ باب ٨ / ح ١٨١٧ -١٨١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((رآه وإِنَّه يَسقُط)) كذا للأكثر، ولابن السَّكَن وأبي ذرٍّ: لَيَسقُط، بزيادة لام، والفاعل محذوف، والمراد: القَمْل، وثبت كذلك في بعض الروايات، ورواه ابن خُزيمة (٢٦٧٨) عن محمد بن مَعمَر عن روح بلفظ: رآه وقَملُه يَسقُط على وجهه، وللإسماعيلي من طريق أبي حُذَيفة عن شِبل: رأى قملَه يتساقط على وجهه. قوله: ((فأمره أن يَجلِقِ وهو بالحُدَيبية، ولم يَتبيَّن لهم أنَّهم يَحِلّونَ ... )) إلى آخره، هذه الزِّيادة ذكرها الراوي لبيان أنَّ الحلق كان استباحةَ محظور بسبب الأذى لا لقَصد التحلُّل بالحصر، وهو واضح. قال ابن المنذر: يُؤْخَذ منه أنَّ من كان على رَجاء من الوصول إلى البيت أنَّ عليه أن يُقيم حتَّى يَيأس من الوصول فيَحِلّ، واتَّفَقوا على أنَّ من يَئِسَ من الوصول وجازَ له أن يَحِلّ فتَمادى على إحرامه ثمَّ أمكَنَه أن يَصِل أنَّ عليه أن يَمضي إلى البيت ليتِمَّ نُسُكه. وقال المهلَّب وغيره ما معناه: يُستَفاد من قوله: ولم يَتَبَّن لهم أنَّهم يَحِلّونَ: أنَّ المرأة التي تَعرِف أوان حَيضها والمريضَ الذي يَعرِف أوان حُّاه، بالعادة فيهما، إذا أفطرا في رمضان مثلاً في أوَّل النَّهار ثمَّ يَنكَشِف الأمر بالحيضِ والحُمّى في ذلك النَّهار أنَّ عليهما قضاءَ ذلك اليوم، لأنَّ الذي كان في عِلم الله أَّهم يَحِلّونَ بالْحُدَيبية، لم يُسقِط عن كعب الكفَّارة التي وَجَبَت عليه بالحلقِ قبل أن يَنكَشِف الأمر، وذلك لأنه يجوز أن يَتخلَّف ما عَرَفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك. قوله: ((فأنزل الله الفِذْية)) قال عياض: ظاهره أنَّ التُّزول بعد الحكم. وفي رواية عبد الله ابن معقِل(١) أنَّ التُّزول قبل الحكم. قال: فيحتمل أن يكون حَكمَ عليه بالكفّارة بوَحي لا يُتلى، ثمَّ نزل القرآن ببيان ذلك. قلت: وهو يُؤيِّد الجمع المتقدِّم. قوله: ((وعن محمد بن يوسف)) الظاهر أنَّه عَطْف على: ((أخبرنا روح)) فيكون إسحاق قد رواه عن روح بإسناده، وعن محمد بن یوسف ۔ وهو الفِرْیابي - بإسناده، وكذا هو في ((تفسير إسحاق))، ويحتمل أن تكون العنعنة للبخاري، فيكون أورده عن شيخه الفِریابي (١) سلف برقم (١٨١٦)، والرواية التي عناها الحافظ هي عند مسلم برقم (١٢٠١) (٨٥). ٨٩ باب ٨ / ح ١٨١٧-١٨١٨ أبواب المحصر وجزاء الصيد بالعنعنة، كما يروي تارة بالتحديث وبلفظ قال، وغير ذلك، وعلى هذا فيكون شبيهاً بالتعليق. وقد أوردَه الإسماعيلي وأبو نُعيم من طريق هاشم بن سعيد عن محمد بن يوسف الفِرْيابي، ولفظه مثل سياق روح في أكثره، وكذا هو في ((تفسير الفِرْيابي)) بهذا الإسناد. وفي حديث كعب بن عُجْرة من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ السُّنّة مُبيِّنة لمُجمَل الكتاب، لإطلاق الفِذْية في القرآن وتقييدها بالسُّنّة، وتحريم حلق الرأس على المحرم، والرُّخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع. وفيه: تَلَطُّف الكبير بأصحابه وعِنايتُه بأحوالهم وتفقّده لهم، وإذا رأى ببعضٍ أتباعه ضَرَراً سأل عنه، وأرشَدَه إلى المخرج منه. واستَنبَطَ منه بعض المالكية: إيجاب الفِدْية على من تَعمَّدَ حلق رأسه بغير عُذر، فإنَّ إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يَلزَم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثَمَّ قال الشافعي والجمهور: لا يَتَخَيَّر العامد بل يَلْزَمه الدَّم، وخالَفَ في ذلك أكثر المالكية، واحتَجَّ لهم القُرطُبي بقوله في حديث كعب: ((أو اذبَح نُسُكا)(١) قال: فهذا يدلّ على أنَّه ليس بهَدي. قال: فعلى هذا يجوز أن يَذْبَحها حيثُ شاءَ. قلت: لا دلالة فيه؛ إذ لا يَلْزَم من تَسميتها نُسُكاً أو نَسيكة أن لا تُسمّى هَدياً أو لا تُعطى حُكم الهَدي، وقد وقع تَسميتها هَدياً في الباب الأخير (١٨١٧) حيثُ قال: أو يُهدي شاة، وفي رواية لمسلم: ((واهدِ هَديا)(٢)، وفي رواية للطَّبري (٢٣٠/٢): «هل لك هَذْي؟)) قلت: لا أجِدُ، فظهر أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة، ويُؤَيِّده قوله في رواية مسلم (٨٣/١٢٠١): ((أو اذبح شاة)). واستدلَّ به على أنَّ الفِذْية لا يتعيَّن لها مكان، وبه قال أكثر التابعينَ. وقال الحسن: تَتَعيَّن مكَّة. / وقال مجاهد: النُّسُك بمكَّة ومِنَى، والإطعام بمكّة، والصيام حيثُ شاءَ. ٢٠/٤ وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة: الدَّم والإطعام لأهل الحَرَم، والصيام حيثُ شاءَ (١) سلف برقم (١٨١٤). (٢) كذا نسبه الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ، وإنما وقعت نسبته عند العيني في ((عمدة القاري)) ١٥١/١٠ إلى الطبراني على الصواب، وهو في ((المعجم الكبير)) ١٩/ (٢١٧). ٩٠ باب ٩- ١٠ / ح ١٨١٩ - ١٨٢٠ فتح الباري بشرح البخاري إذ لا مَنفَعة فيه لأهل الحَرَم. وألحَقَ بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجَهم من المالكية الإطعام بالصيام. واستُدلَّ به على أنَّ الحج على التراخي، لأنَّ حديث كعب دلَّ على أنَّ نزول قوله تعالى: ﴿ وَأَتِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَِّ﴾ [البقرة:١٩٦] کان بالُديبية وهي في سنة ستِّ، وفيه بحث. ٩- باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٨١٩ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، سمعتُ أبا حازم، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َيِ: ((مَن حجَّ هذا البيتَ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ، رَجَعَ كَما وَلدَتْه ٩ أمّه)). ١٠ - باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا نُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجّ ﴾ ١٨٢٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ عُ قال: قال النبيُّ وَّ: ((مَن حجَّ هذا البيتَ فلم يَرفُثْ، ولم يَفسُقْ، رَجَعَ كيومَ وَلَدَتْه ◌ُه)». قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَ رَفَثَ﴾)) ذكر فيه حديث أبي هريرة: ((من حجّ البيت فلم يَرفُث)) أوردَه من طريق شُعْبة عن منصور عن أبي حازم عنه، ثمَّ قال: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجّ﴾)) وذكر الحديث بعينِه لكن من طريق سفيان - وهو الثَّوري - عن منصور بهذا السَّنَد. وليس بين السِّياقين اختلاف إلَّا في قوله في رواية شُعْبة: ((كما ولدَته أُمّه))، وفي رواية سفيان: ((كيومَ ولدَته ◌ُمّه)). وأبو حازم المذكور في الموضعين: هو سلمان مولى عَزّة الأشجَعية، وصَرَّحَ منصور بسماعه له مِن أبي حازم في رواية شُعْبة، فانتَفى بذلك تعليل من أعَلَّه بالاختلاف على منصور، لأنَّ البيهقي أوردَه (٥/ ٢٦٢) من طريق إبراهيم بن طَهْمان عن منصور عن هلال ابن پساف عن أبي حازم، زاد فیه رجلاً، فإن کان إبراهیم حَفِظَه فلعلَّه حمله منصور عن هلال ثمَّ لقي أبا حازم فسمعه منه، فحدَّثَ به على الوجهين. وصَرَّحَ أبو حازم بسماعه له ٩١ باب ٩- ١٠ / ح ١٨١٩ - ١٨٢٠ أبواب المحصر وجزاء الصيد من أبي هريرة، كما تقدَّم في أوائل الحج (١٥٢١) من طريق شُعْبة أيضاً عن سيّار عن أبي حازم. وقوله: ((كما ولدَته أُمَّه)) أي: عارياً من الذُّنوب. وللتِّرمِذي (٨١١) من طريق ابن عُيَينَةَ عن منصور: ((غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه))، ولمسلم (١٣٥٠) من رواية جَرِير عن منصور: ((من أتى هذا البيت))، وهو أعمُّ من قوله في بقية الروايات: ((من حجَّ))، ويجوز حمل لفظ: ((حجَ) على ما هو أعمّ من الحج والعمرة فتُساوي رواية: ((من أتى)) من حيثُ إنَّ الغالب أنَّ إتيانه إنَّما هو للحج أو العمرة. وقد تقدَّمت بقية مباحثه في ((باب فضل الحج المبرور)) في أوائل كتاب الحج (١٥٢١)، وتقدّم تفسیر الرَّفَت وما ذُكِرَ معه في آخر حدیث ابن عبّاس المذكور في ((باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦])) (١٥٧٢). ٩٣ باب ١ أبواب جزاء الصيد ونحوه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢١/٤ ١ - باب جزاء الصَّيد ونحوه وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَبَلَهُ مِنْكُم ◌ُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ ج النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِهِ، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِّمُ اللهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزٌِ ذُو أَنِقَامٍ ٥ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلِسَيّارَةِ وَُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٥-٩٦]. قوله: ((باب جزاء الصَّيد ونحوه، وقول الله تعالى: ﴿لَا نَّقْتُلُواْ الصَّيْدَ ﴾)» كذا في رواية أبي ذرّ، وأثبَتَ قبل ذلك البسملة، ولغيره: ((باب قول الله تعالى)) إلى آخره بحذفٍ ما قبله. قيل: السبب في نزول هذه الآية: أنَّ أبا اليَسَر - بفتح التحتانية والمهملة - قتلَ حمار وحش وهو مُحُرِم في عمرة الحديبية، فنزلت، حكاه مُقاتل في («تفسيره). ولم يَذكُر المصنّف في رواية أبي ذرٍّ في هذه الترجمة حديثاً، ولعلَّه أشار إلى أنَّه لم يَثْبُت على شرطه في جزاء الصَّيد حديثٌ مرفوع. قال ابن بَطَّل: اتَّفَقَ أئمّة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أنَّ المحرم إذا قتلَ الصَّيد عمداً أو خطأَّ فعليه الجزاء، وخالَفَ أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسّكوا بقوله تعالى: ﴿مُتَعَيِّدًا﴾ فإنَّ مفهومه أنَّ المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتينِ عن أحمد. وعَكَسَ الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطأ دون العمد، فيختصّ الجزاء بالخطأِ، والنِّقمة بالعمد، وعنهما: يجب الجزاء على العامد أوَّل مرَّة، فإن عاد كان أعظمَ لائمةً وعليه النِّقمة لا الجزاء. قال الموَفَّق في ((المغني)): لا نعلم أحداً خالَفَ في وجوب الجزاء على العامد غیرھما. ٩٤ باب ٢ / ح ١٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري واختَلَفوا في الكفَّارة فقال الأكثر: هو مُخيَّر، كما هو ظاهر الآية، وقال الثَّوري: يُقدِّم المِثْل، فإنَّ لم يَجِد أطعَمَ، فإن لم يَجِد صام. وقال سعيد بن جُبير: إنَّما الطعام والصيام فيما لا يَبلُغ ثَمن الصَّید. واتَّفَقَ الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم. وقال الحسن والثّوري وأبو ثور وطائفة: يجوز أكله، وهو كذَبيحة السارق، وهو وجه للشافعية. وقال الأكثر أيضاً: إنَّ الحكم في ذلك ما حَكمَ به السَّلَف لا يُتَجاوَز ذلك، وما لم يَحِكُموا فيه يُستأنَف فيه الحكم، وما اختَلَفوا فيه يُجْتَهَد فيه. وقال الثَّوري: الاختيار في ذلك للحَكمَينِ في كلّ زمن. وقال مالك: يُستأنَف الحكم، والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحَكمَينِ: لا تَحكُما عليَّ إلَّا بالإطعام. وقال الأكثر: الواجب في الجزاء نظير الصَّيد من النَّعَم. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صَرفها في المِثْل. وقال الأكثر: في الكبير كبير وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح وفي الكَسير كَسير. وخالَفَ مالك فقال: في الكبير والصغير كبير، وفي الصحيح والمعيب صحيح. واتَّفَقوا على أنَّ المراد بالصَّيد: ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوَحْشي، وأن لا شيء فيما يجوز قتلُه، واختَلَفوا في المتوَلِّد، فألحَقَه الأكثر بالمأكول. ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة جِدّاً فلنَقْتَصِر على هذا القَدْر هنا. ٢ - بابٌ إذا صاد الحلالُ فأهدى للمحرم الصّيد أكله ٢٢/٤ ولم يَرَ ابنُ عبَّاسٍ وأنسٌ بالذَّبِحِ بأساً، وهو في غيرِ الصَّيدِ، نحوُ الإبلِ والغَنَمِ والبَقَرِ والدَّجاج والخيل. يقال: ﴿عَدِّلُ﴾ [المائدة: ٩٥]: مِثْل، فإذا كُسِرَت عِدْلٌ فهو: زِنهُ ذلك، ﴿قِيَمًا﴾ [المائدة: ٩٧]: قِوَاماً، ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]: يجعلون له عَدْلاً. ١٨٢١ - حدَّثنا معاذُ بنُ فَضالةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن عبد الله بنِ أبي قَتَادةَ، قال: انطَلَقَ أَبي عامَ الحُدَيِيَة، فأحرَمَ أصحابُه ولم يُحرِمْ، وحُدِّثَ النبيُّ ◌َلَ أَنَّ عدوّاً يَغْزُوه، فانطَلَقَ ٩٥ باب ٢ / ح ١٨٢١ أبواب جزاء الصيد ونحوه النبيُّ وَّهِ، فِبَيْنا أَبي مع أصحابه يَضْحَكُ بعضُهم إلى بعضٍ؛ فَنَظَرَتُ فإذا أنا بحمارٍ وَحْشٍ فحَمَلتُ عليه فطَعتُهُ فأثبتُّه، واستَعنتُ بهم، فأبَوْا أن يُعِينوني، فأكَلنا من لحمِهِ، وخَشِينا أن نُقْتَطَعَ، فَطَلَبَتُّ النبيَّ وَّهِ، أَرفَعُ فَرَسِي شَأْواً وأسِيرُ شَأْواً، فَلَقِيتُ رجلاً من بني غِفارٍ في جوفٍ الليلِ، قلتُ: أين تَرَكتَ النبيَّ وََّ؟ قال: تَرَكتُهُ بِتِعْهِنَ، وهو قائلٌ السُّقيا، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ أهلَكَ يَقرؤونَ عليكَ السلامَ ورحمةَ الله، إنَّهم قد خَشُوا أن يُقْتَطَعوا دُونَكَ فانْتَظِرْهم، قلتُ: يا رسولَ الله، أصَبتُ حمارَ وَحشٍ وعندي منه فاضلةٌ، فقال للقوم: ((كُلُوا))، وهم تُحِرِمونَ. [أطرافه في: ١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧، ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢] قوله: ((باب إذا صاد الحلالُ فأهدى للمُحرم الصيد أكله)) كذا ثبت لأبي ذر، وسقط للباقين فجعلوه من جملة الباب الذي قبله. قوله: ((ولم يَرَ ابنُ عبَّاس وأنسُ بالذَّبح بأساً، وهو في غير الصَّيد، نحو الإبل والغَنَم والبَقَر والدَّجاج والخيل)) المراد بالذَّبحِ: ما يَذْبَحه المحرِم، والأمر ظاهره العموم، لكنَّ المصنّف خَصَّصَه بما ذكر تفقُّهاً، فإنَّ الصحيح أنَّ حُكم ما ذَبَحَه المحرم من الصَّيد حُكمُ الميتة، وقيل: يَصِحّ مع الحُرمة، حتَّى يجوز لغير المحرم أكله، وبه قال الحسن البصري. وأثر ابن عَبَّاس وَصَله عبد الرزاق (٨١٧١) من طريق عِكْرمة: أنَّ ابن عبّاس أمره أن يَذْبَح جَزوراً وهو مُحْرِم، وأمَّا أثر أنس فوَصَله ابن أبي شَيْبة من طريق الصَّاحِ البَجلي: سألت أنس بن مالك عن المحرِمِ، يَذْبَح؟ قال: نعم. وقوله: ((وهو)) أي: المذبوح إلى آخره من كلام المصنّف، قاله تفقُّهاً، وهو مُتَّفَق عليه فيما عَدَا الخيل، فإنَّه مخصوص بمِن يُبيح أكلَها. قوله: ((يقال: عَدْلٍ: مِثلُ، فإذا كُسِرَت عِدْلٌ فهو: زِنهُ ذلك)) أمَّا تفسير العَدْل بالفتح بالمثل والكسر بالزِّنة، فهو قول أبي عبيدة في ((المجاز)) وغيره، وقال الطَّبري: العَدْل في كلام العرب بالفتحِ: هو قَدْر الشيء من غير جنسه، والعِدْل بالكسر: قَدْره من جنسه، قال: ٩٦ باب ٢ / ح ١٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري وذهب بعض أهل العلم بكلام العرب إلى أنَّ العَدل: مصدر من قول القائل: عَدَلْتُ هذا بهذا، وقال بعضهم: العَدل: هو القِسْط في الحقّ، والعِدل بالكسر: المثل. انتهى، وقد تقدَّم شيء من هذا في الزكاة. قوله: ((قياماً: قِواماً))، هو قول أبي عبيدة أيضاً، وقال الطَّبري: أصله الواو فحوِّلَت عين الفعل ياء، كما قالوا في الصوم: صُمتُ صِياماً، وأصله: صِواماً، قال الشاعر: قِيامُ دُنيا وقِوامُ دِين فرَدّه إلى أصله. قال الطَّبري: فالمعنى: جعل الله الكعبة بمنزلة الرَّئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، يقال: فلان قِیامُ البيت وقوامه الذي يُقیم شأنهم. قوله: ((يَعدِلونَ: يَجِعَلونَ له عَدلاً» فهو مُتَّفَق عليه بين أهل التفسير، ومُناسَبة إیراده هنا ذِكرُ لفظ العَدل في قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وفي قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] فأشار إلى أنَّهما من مادّة واحدة، وقوله: ((يَجَعَلون له عَدْلاً)) أي: مثلاً، تعالى الله عن قولهم. ٢٣/٤ قوله: ((حدَّثنا هشام)): هو الدَّستُوائي، ويحيى: هو ابن أبي كثير. قوله: ((عن عبد الله بن أبي قَتَادة)» في رواية معاوية بن سلّام عن يحيى عند مسلم (١١٩٦/ ٦٢): أخبرني عبد الله بن أبي قَتَادة. قوله: (انطَلَقَ أَبي عام الحُدَيبية)) هكذا ساقه مُرسلاً، وكذا أخرجه مسلم (٥٩/١١٩٦) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه، وأخرجه أحمد (٢٢٥٦٩) عن ابن عُلِيَّة عن هشام، لكن أخرجه أبو داود الطَّالسي عن هشام عن يحيى فقال: عن عبد الله بن أبي قَتَادةً عن أبيه: أنَّه انطَلَقَ مع النبي ◌ِّ، وفي رواية عليّ بن المبارك عن يحيى المذكورة في الباب الذي يليه (١٨٢٢): أنَّ أباه حدَّثَه، وقوله: ((بالحديبية)» أصحّ من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ: أنَّ ذلك كان في عمرة القضيَّة. ٩٧ باب ٢ / ح ١٨٢١ أبواب جزاء الصيد ونحوه قوله: ((فأحرَمَ أصحابُه ولم يُحِرِمٍ)) الضمير لأبي قَتَادةَ، بَيَّنه مسلم: أحرَمَ أصحابي ولم أَحْرِم، وفي رواية عليّ بن المبارك: وأُنِنا بعدوِّ بغَيقة فتوَجَّهنا نحوهم، وفي هذا السِّياق حذْفٌ بَّنته رواية عثمان بن مَوهَب عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ وهي بعد بابَين (١٨٢٤) بلفظ: إنَّ رسول الله وَلّ خرج حاجّاً فخَرَجوا معه، فصَرَفَ طائفةً منهم فيهم أبو قَتَادةَ فقال: ((خُذوا ساحل البحر حتَّى نَلتَقي))، فأخذوا ساحل البحر، فلمَّ انصَرَفوا أحرَموا كلُّهم إِلَّا أبا قَتَادَةَ، وسيأتي الجمع هناك بين قوله في هذه الرواية: خرج حاجّاً، وبين قوله في حديث الباب: ((عام الحُدَيبية)) إن شاء الله تعالى. وبيَّن المطَّلِب عن أبي قَتَادَ عند سعيد ابن منصور مكان صَرْفهم، ولفظه: خرجنا مع رسول الله وَله حتَّى إذا بَلَغنا الرَّوحاء. قوله: ((وحُدِّثَ)) بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول، وقوله: ((بغَيقةَ)) أي: في غَيْقة وهي بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثمَّ قاف مفتوحة ثمَّ هاء، قال السَّكوني: هو ماء لبَني غِفار بين مكَّة والمدينة، وقال يعقوب: هو قَلِيب لبَنِي ثَعْلبة يَصُبّ فيه ماء رَضْوى، ويَصُبّ هو في البحر. وحاصل القصَّة: أنَّ النبي ◌ََّ لمَّ خرج في عمرة الحديبية فَبَلَغَ الرَّوحاء - وهي من ذي الحُلَيفة على أربعة وثلاثين ميلاً - أخبروه أنَّ عدوّاً من المشركين بوادي غَيْقة يُحْشَى منهم أن يَقصِدوا غِرَّتهم، فجَهَّزَ طائفةً من أصحابه فيهم أبو قَتَادةَ إلى جِهَتهم ليأمن شَرّهم، فلمَّا أمِنوا ذلك لَحِقَ أبو قَتَادةَ وأصحابه بالنبي ◌َِّ فأحرَموا، إلَّا هو فاستَمرَّ حلالاً لأنه إمّا لم يُجاوِزِ الميقات، وإمّا لم يَقصِد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجَّبونَ من هذا الحديث، ويقولون: كيف جازَ لأبي قَتَادةَ أن يُجاوِز الميقات وهو غير مُحرِم؟ ولا يَدرونَ ما وجهه، قال: حتَّى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﴿ ﴿ فأحرَمنا، فلمَّا كنَّا بمكانٍ كذا إذا نحن بأبي قَتَادَةَ وكان النبيِّهِ بَعَثَه في وجهٍ، الحديث. قال: فإذا أبو قَتَادةَ إنَّما جازَ له ذلك لأنه لم يخرُج یرید مگّة. قلت: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أنَّ أبا قَتَادةَ لم يَخْرُج مع النبي ◌َِّ من ٩٨ باب ٢ / ح ١٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري المدينة، وليس كذلك لمَا بَيَّنّاه. ثمَّ وجدتُ في ((صحيح ابن حِبَّان)) (٣٩٧٦) والبَزَّار(١) من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: بَعَثَ رسول الله وَّهِ أبا قَتَادَةَ على الصَّدَقة، وخرج رسول الله وَّةٍ وأصحابه وهم مُحرِمونَ حتَّى نزلوا بعُسفانَ. فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما، والذي يَظهَر أنَّ أبا قَتَادةَ إنَّما أخَّرَ الإحرام لأنه لم يَتَحقَّق أنَّه يدخل مكَّة فساغَ له التأخير. وقد استدلَّ بقصَّة أبي قَتَادةَ على جواز دخول الحَرَم بغير إحرام لمن لم يُرِد حجّاً ولا عمرة، وقيل: كانت هذه القصَّة قبل أن يُؤَقِّت النبي ◌ِّر المواقيت. وأمَّا قول عياض ومن تَبِعَه: إنَّ أبا قَتَادَةَ لم يكن خرج مع النبي وَّه من المدينة وإِنَّا بَعَثَه أهل المدينة إلى النبي ◌َِّ يُعلِمونه أنَّ بعض العرب قَصَدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن مَوهَب الآتية بعد بابين، كما أشرت إليها قبلُ. قوله: ((فبَيْنا أبي مع أصحابه يَضحَك بعضُهم إلى بعض)) في رواية عليّ بن المبارَكُ: فَبَصُرَ أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يَضحَك إلى بعض. زاد في رواية أبي حازم (٢٥٧٠): ٢٤/٤ وأحبّوا/ لو أنّي أبصَرتُه، هكذا في جميع الطُّرق والروايات، ووقع في رواية العُذْري(٢) في مسلم: فجعل بعضهم يَضحَك إليّ. فَشُدِّدَت الياء من ((إليَّ)، قال عياض: وهو خطأ وتصحيف، وإِنَّه سَقَطَ عليه لفظة ((بعض))، ثمَّ احتَجَّ لضعفها بأنَّهم لو ضَحِكوا إليه لكانت أكبرَ إشارة وقد قال لهم النبي ◌َّ: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟)) قالوا: لا(٣)، وإذا دَلَّ المحرِمُ الحلال على الصَّيد لم يأكل منه اتِّفاقاً، وإنَّما اختلفوا في وجوب الجزاء، انتهى. وتعقّبه النَّووي بأنَّه لا يُمكِن رَدّ هذه الرواية، لصِحَّتها وصِحّة الرواية الأُخرى، (١) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١١٠١). (٢) تحرف في الأصلين إلى: العدوي، والمثبت على الصواب من (س)، والعُذْري: هو أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس الأندلسي راوية ((صحيح مسلم))، ومن طريقه أخذ القاضي عياض ((صحيح مسلم)) كما في ((الغُنية)) ص ١٠٦، وروايته لمسلم هي أشهر روايات المغاربة. (٣) سيأتي عند البخاري برقم (١٨٢٤). ٩٩ باب ٢ / ح ١٨٢١ أبواب جزاء الصيد ونحوه وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة، فإنَّ مُجرَّد الضَّحِك ليس فيه إشارة. قال بعض العلماء: وإنَّما ضَحِكوا تَعَجُّباً من عُروض الصَّيد لهم ولا قُدرة لهم عليه. قلت: قوله: فإنَّ مُجرَّد الضَّحِك ليس فيه إشارة، صحيح، ولكن لا يكفي في رَدّ دعوى القاضي، فإنَّ قوله: يَضحَك بعضهم إلى بعض هو مُجرَّد ضَحِك، وقوله: ((يَضحَك بعضهم إليَّ)) فيه مزيد أمر على مُجرَّد الضَّحِك، والفرق بين الموضعين أنَّهم اشتَرَكوا في رُؤيَته فاستوَوْا فِي ضَحِك بعضهم إلى بعض، وأبو قَتَادةً لم یکن رآه، فیکون ضَحِكُ بعضهم إلیه بغیر سبب باعثاً له على التفَطَّن إلى رُؤيته. ويُؤيِّد ما قال القاضي عياض ما وقع في رواية أبي النَّضر عن مولى أبي قَتَادةَ كما سيأتي في الصَّيد (٥٤٩٢) بلفظ: إذ رأيتُ الناس مُتَشَوِّفين لشيءٍ، فذهبت أنظُر فإذا هو حمار وحش، فقلت لهم: ما هذا؟ قالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأيتَ، ووقع في حديث أبي سعيد عند البَزَّار (١١٠١) والطَّحاوي (١٧٣/٢) وابن حِبَّان (٣٩٧٦) في هذه القصّة: وجاء أبو قَتَادةَ وهو حِلّ فَنَكَّسوا رؤوسهم كراهية أن يُحِدّوا أبصارهم له فيَقطن فيَراه. انتهى، فكيف يُظَنّ بهم مع ذلك أنَّهم ضَحِكوا إليه؟ فَتَبيَّن أنَّ الصواب ما قال القاضي. وفي قول الشيخ: قد صَخَّت الرواية، نظر، لأنَّ الاختلاف في إثبات هذه اللَّفظة وحذفها لم يقع في طريقين مُتَلِفَين، وإنَّما وقع في سياق إسناد واحد ممّا عند مسلم، فكان مع من أثبَتَ لفظ ((بعض)) زيادةٌ عِلم سالمٌ من الإشكال فهي مقدَّمة، وبيَّن محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قَتَادةَ كما سيأتي في الهِبة (٢٥٧٠) أنَّ قصَّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي وسلم وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: كنت يوماً جالساً مع رجال من أصحاب النبي وَ له في منزل في طريق مكَّة ورسول الله (وَلآ نازل أمامنا والقوم مُحرِمونَ وأنا غير مُحُرِم. وبيَّن في هذه الرواية السبب الموجِب لرؤيتهم إياه دون أبي قَتَادةَ، بقوله: فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصِف نَعْلي، فلم يُؤذِنوني به، وأحبّوا لو أنّ أبصَرتُّه، فالتفَتُّ فأبصرتُه. ووقع في حديث أبي سعيد المذكور أنَّ ذلك وقع ١٠٠ باب ٢ / ح ١٨٢١ فتح الباري بشرح البخاري وهم بعُسفانَ، وفيه نظر، والصحيح ما سيأتي بعد باب (١٨٢٣) من طريق صالح بن كَيْسانَ عن أبي محمد مولى أبي قَتَادةَ عنه قال: كنَّا مع النبي وَّ بالقاحة، ومِنّا المحرم وغير المحرِم، فرأيت أصحابي يَتَراءَونَ شيئاً، فَنَظَرت فإذا حمار وحش ... الحديث. والقاحة، بقافٍ ومُهمَلة خفيفة بعد الألف: موضع قريب من السُّقیا، كما سيأتي. قوله: ((فَتَظَرت)) هذا فيه التِفات، فإنَّ السّياق الماضي يقتضى أن يقول: ((فَنَظَرَ)) لقوله: فبينا أبي مع أصحابه، فالتقدير: قال أبي: فَنَظَرت، وهذا يُؤيِّد الرواية الموصولة. قوله: ((فإذا أنا بحمار وحش)) قد تقدَّم أنَّ رُؤيَته له كانت مُتأخّرة عن رؤية أصحابه، وصَرَّحَ بذلك فُضَيل بن سليمان في روايته عن أبي حازم كما سيأتي في الجهاد (٢٨٥٤)، ولفظه: فرأوا حماراً وحشياً قبل أن يَراه أبو قَتَادة، فلمَّا رأَوه تَرَكوه حتَّى رآه، فَرَكِبَ. قوله: ((فحَمَلت عليه)) في رواية محمد بن جعفر (٥٤٠٧): فقُمت إلى الفَرَس فأسرَجته ثمَّ رَكِبْتُ ونسيتُ السَّوط والرُّمح، فقلت لهم: ناوِلوني السَّوط والرُّمح، فقالوا: لا والله لا نُعِينك عليه بشيءٍ، فغَضِبت فنزلت فأخذتُهما ثمَّ رَكِبت. وفي رواية فضيل بن سليمان (٢٨٥٤): فَرَكِبَ فَرَساً له يقال له: الجرادة، فسألهم أن يُناوِلوه سَوطه فأبَوْا، فتَناوَله. وفي ٢٥/٤ رواية أبي النَّضر (٥٤٩٢): وكنت نسيت سوطي فقلت لهم: ناوِلوني سَوطي،/ فقالوا: لا نُعِينك عليه، فنزلت فأخذته، ووقع عند النَّسائي (٢٨٢٦) من طريق شُعْبة عن عثمان بن مَوَهَب، وعند ابن أبي شَيْبة(١) من طريق عبد العزيز بن رُفيع، وأخرج مسلم (١١٩٦/ ٦١و٦٤) إسنادهما كلاهما عن ابن أبي قَتَادةَ: فاختَلَسَ من بعضهم سَوطاً، والرواية الأولى أقوى، ويُمكِن أن يُجمع بينهما بأنَّه رأى في سَوط نفسه تقصيراً فأخذ سَوط غيره، واحتاجَ إلى اختلاسه لأنه لو طلبَه منه اختياراً لامتَنَعَ. قوله: ((فطَعنتُه فأثبتُه)) بالمثلَّثة ثمَّ الموحّدة ثمَّ المثنَّاة أي: جَعَلته ثابتاً في مكانه لا حَرَاك به، وفي رواية أبي حازم (٥٤٠٧): فشَدَدت على الحمار فعَقَرُه ثمَّ جئت به وقد مات، وفي رواية (١) برقم (١٤٦٦١) طبعة دار الرشد، بتحقيق حمد الجمعة ومحمد اللحيدان.