النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
أبواب العمرة
أولها: حديث ابن أبي أوفى، وهو مُشتَمِل على ثلاثة أحاديث.
قوله: «حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، عن جَرِیر)» إسحاق: هو ابن راهويه، وقد أورده في
((مسنده) بلفظ: ((أخبرنا جَرِير)) وهو ابن عبد الحميد، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد.
وسيأتي الكلام على حديث عبد الله ابن أبي أوفى في المغازي (٤١٨٨) وعلى ما يَتعلَّق
بخديجة في مناقبها (٣٨١٦) إن شاء الله تعالى، وتقدَّم الكلام على قوله: ((أدَخَل الكعبةَ؟» في
((باب مَن لم يدخل الكعبة في أثناء الحج)) (١٦٠٠).
وقوله: ((لا)) في جواب ((أدَخَل الكعبةَ؟)) معناه: أنَّه لم يدخلها في تلك العمرة.
الثاني: حديث عَمْرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً، وعن جابر موقوفاً.
قوله: ((عن عَمْرو بن دينار)) تقدَّم هذا الحديث بهذا الإسناد عن الحميدي في کتاب
الصلاة في أبواب القِبْلة (٣٩٥) بلفظ: حدَّثنا سفيان قال: حدَّثنا عَمْرو بن دينار؛ فعَبَّرَ
بالتحديث هناك والعنعنة هنا، وساق الإسناد والمتن جميعاً بغير زيادة، ووقوع مثل هذا
نادر جِدّاً.
قوله: ((عن رجل طافَ بالبيت في عمرة)) في رواية أبي ذرٍّ: ((عن رجل طافَ في عمرَته»
وقد تقدَّم بعض الكلام على هذا الحديث في الصلاة، وأنَّ ابن عمر أشارَ إلى الاتِّباع، وأنَّ
جابراً أفتاهم بالحكم، وهو قول الجمهور إلَّا ما رُويَ عن ابن عبّاس أنَّه يَحِلّ من جميع ما
حَرُمَ عليه بمجرَّد الطَّواف. ووقع عند النَّسائي (٢٩٦٦) من طريق غُندَر عن شُعْبة عن
عَمْرو بن دينار أنَّه قال: وهو سُنّة، وكذا أخرجه أحمد (٥٥٧٣) عن محمد بن جعفر- وهو
غُندر- به.
قوله: ((أيأتي امرأته)) أي: يُجامِعها، والمراد: هل حَصَلَ له التَّحَلَّل من الإحرام قبل السعي
أم لا؟
وقوله: ((لا يَقْرَبَنَّها)) بنون التأكيد، المراد: نهي المباشرة بالجِماع ومقدِّماته لا مجرَّد
القُرّب منها.

٤٢
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وطافَ بين الصَّفا والمَرْوَة)) أي: سَعَى، وإطلاق الطَّواف على السعي إمّا
للمُشاكَلة وإمّا لكَونِه نوعاً من الطَّواف، ولِوقوعِه في مُصاحبة طواف البيت.
قوله: ((إِسوَة)) بكسر الهمزة، ويجوز ضَمّها.
قوله: ((وسألْنا جابراً)) القائل هو عَمْرو بن دينار، وقد تقدَّم هذا الحدیث في ((باب مَن
صلَّى ركعتَي الطَّواف خلف المقام)) (١٦٢٧) من طريق شُعْبة، وفي ((باب السعي)) (١٦٤٧)
من طريق ابن جُرَيج، كلاهما عن عَمْرو بن دينار عن ابن عمر بالحديث دون السُّؤالَينِ
لا بن عمر وجابر.
٦١٧/٣
وفي الحديث أنَّ السعي واجب في العمرة، وكذا صلاة ركعتَي الطَّواف. وفي تعيينهما
خلف المقام خُلفٌ سَبَقَ في بابه المشار إليه، ونَقَلَ ابن المنذر الاتِّفاق على جوازهما في أيّ
موضع شاءَ الطائف، إلَّا أنَّ مالكاً كَرِهَهما في الحِجر، ونَقَلَ بعض أصحابنا عن الثَّوري أنَّه
كان يُعيِّنهما خلف المقام.
الثالث: حديث أبي موسى في إهلاله كإهلال النبي ◌َّ، وشاهد الترجمة منه قوله:
((طُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروة ثمَّ أحِلَّ)) فإنَّه يقتضي تأخيرَ الإحلال عن السَّعي، وقد تقدَّم
الكلام عليه مُستوفَّى في ((باب مَن أهلَّ في زمن النبي ◌َّ) (١٥٥٩).
قوله: ((يأمرُنا بالتَّام)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: يأمُر.
قوله: ((حتَّى يَبلُغ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: (بَلَغَ)) بلفظ الفعل الماضي.
وقوله في أوله: ((أحَجَجتَ؟)) أي: هل أحرَمتَ بالحج أو نَوَيت الحج؟ وهذا كقوله له
بعد ذلك: ((بما أهلَلت؟)) أي: بما أحرَمْتَ؟ أي: بحَجِّ أو عمرة؟
الرابع: حدیث أسماء بنت أبي بكر.
قوله: «حدثنا أحمد» کذا للأکثر غیر منسوب، وفي روایة کریمة: حدّثنا أحمد بن عیسی،
وفي رواية أبي ذرٍّ: حدَّثنا أحمد بن صالح، وقد أخرجه مسلم (١٢٣٧) عن أحمد بن عيسى
عن ابن وَهْب.

٤٣
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
أبواب العمرة
قوله: ((أخبَرَنا عَمْرو)) هو ابن الحارث، وعبد الله مَولى أسماء تقدَّم له حديث عنها غير
هذا في (باب مَن قَدَّمَ ضَعَفة أهله)) (١٦٧٩)، وليس له عنده غيرهما. وهذا الإسناد نصفه
مِصریُّونَ ونصفه مدنُّون.
قوله: ((بالحَجُون)) بفتح المهمَلة وضم الجيم الخفيفة: جبل معروف بمگَّة، وقد تكرّر
ذِكْره في الأشعار، وعنده المقبرة المعروفة بالمَعْلاة على يسار الداخل إلى مكَّة ويمين الخارج
منها إلى مِنَّى، وهذا الذي ذَكَرنا مُحُصَّل ما قاله الأزرَقي والفاكهي وغيرهما من العلماء،
وأغرَبَ السُّهَيلي فقال: الحجُون على فَرسَخ وثُلُث من مكَّة، وهو غَلَط واضح، فقد قال
أبو عُبيد البَكْري: الحجون الجبل المشرف بحِذاء المسجد الذي يَلي شِعْب الجرّارين، وقال
أبو عليّ القالي: الحجون: ثَنّة المدنيينَ - أي: مَن يَقدَم من المدينة - وهي مقبرة أهل مكَّة عند
شِعب الجرّارين. انتهى، ويدلّ على غَلَط السُّهَيلي قولُ الشاعر(١):
سَنَبكيكَ ما أرْسَى ثَبِيرٌ مكانَهُ وما دام جاراً للحَجُونِ المحصَّبُ
وقد تقدَّم ذِكر المحصَّب وحده وأنَّه خارج مكَّة، وروى الواقدي عن أشياخه أنَّ قُصَيّ
ابن كِلاب لمَّا ماتَ دُفِنَ بالحجون، فتَدافَنَ الناس بعده، وأنشَدَ الزُّبَير لبعض أهل مکَّة:
كم بالحَجُونِ وبينه من سَيِّدِ بالشِّعبِ بين دَكادِكٍ وأُكَامِ
والجزّارين التي تقدَّم ذكرها(٢): جمع جَرّار، بجيم وراء ثقيلة، ذَكَرها الرَّضي الشاطبي،
وكَتَبَ على الراء: صح صح، وذكر الأزرَقي أنَّه شِعب أبي دُبّ رجل من بني عامر. قلت:
وقد جُهِلَ هذا الشِّعب الآن، إلَّا أنَّ بين سور مكَّة الآن وبين الجبل المذكور مكان يُشبِهِ
الشِّعب، فلعلَّه هو.
قوله: ((ونحن يومئذٍ خِفاف)) زاد مسلم (١٢٣٧) في روايته: ((خِفاف الحَقَائب)»،
(١) هو قيس بن ذَرِيح الليثي.
(٢) لفظة ((ذكرها)) سقطت من (أ) و(س)، ووقعت في (ع): ((ذكرهم))، والصواب ما أثبتنا. والجرّار: صانعُ
الجَرِّ، وحِرفته الجِرَارة.

٤٤
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
والحقائب: جمع حَقِيبة، بفتح المهمَلة وبالقاف وبالموحّدة، وهي ما احتَقَبَه الرّاكب خلفه
من حوائجه في موضع الرَّديف.
قوله: ((فاعتَمَرتُ أنا وأُختي)) أي: بعد أن فَسَخوا الحج إلى العمرة، ففي رواية صَفيَّة
بنت شَيْبة عن أسماء: قَدِمنا مع رسول الله وَِّ مُهِلِّينَ بالحج فقال: ((مَن كان معه هَدْي
فليُقِم على إحرامه، ومَن لم يكن معه هدي فليحِلٌ))، فلم يكن معي هدي فأحلَلت، وكان
مع الزُّبَيرِ هَدي فلم يَحِلّ. انتهى، وهذا مُغاير لِذِكْرِها الزُّبَير مع مَن أحَلَّ في رواية عبد الله
مَولى أسماء، فإنَّ قَضيّة رواية صَفيَّة عن أسماء أنَّه لم يَحِلَّ لكَونِه ممّن ساق الهدي، فإن ◌ُعَ
بينهما بأنَّ القصَّة المذكورة وقعت لها مع الزُّبَير في غيرِ حَجَّة الوداع - كما أشارَ إليه النَّوَوي
على بُعده - وإلّا فقد رَجَحَ عند البخاري رواية عبد الله مَولى أسماء، فاقتَصَرَ على إخراجها
دون رواية صَفيَّة بنت شَيْبة، وأخرجهما مسلم(١) مع ما فيهما من الاختلاف.
٦١٨/٣
ويُقوِّي صَنِيع البخاري ما تقدَّم في «باب الطَّواف على وُضوء» (١٦٤٢) من طريق
محمد بن عبد الرحمن - وهو أبو الأسوَد المذكور في هذا الإسناد - قال: سألت عُرْوة بن
الزُّبَير ... فذكر حديثاً، وفي آخره: وقد أخبَرَتني أُمّي: أنَّها أهلَّت هي وأُختها والزُّبَير وفلان
وفلان بعمرة، فلمَّا مَسَحوا الرُّكن حَلُّوا. والقائل ((أخبَرَتني)): عُرْوة المذكور، وأُمّه هي
أسماء بنت أبي بكر، وهذا موافق لرواية عبد الله مَولى أسماء عنها.
وفيه إشكالٌ آخر وهو ذِكْرِها لعائشة فيمَن طاف، والواقع أنَّها كانت حينئذٍ حائضاً،
وكنت أوَّلتُه هناك (١٦١٥) على أنَّ المراد أنَّ تلك العمرة كانت في وقتٍ آخر بعد النبي
وَلّ، لكنَّ سياق رواية هذا الباب تأباه، فإنَّه ظاهر في أنَّ المقصود العمرة التي وقعت لهم في
حَجَّة الوداع، والقول فيما وقع من ذلك في حقّ الزُّبَير كالقول في حقّ عائشة سواء، وقد
قال عِيَاض في الكلام عليه: ليس هو على عُمومه، فإنَّ المراد مَن عَدا عائشة، لأنَّ الطُّرق
(١) رواية صفية بنت شيبة ضعيفة أخرجها برقم (١٢٣٦) (١٩١)، ورواية عبد الله مولى أسماء أخرجها
برقم (١٢٣٧).

٤٥
باب ١١ / ح ١٧٩١ - ١٧٩٦
أبواب العمرة
الصحيحة فيها أنَّها حاضت فلم تَطُف بالبيت ولا تَحَلَّلَت من عمرَتها.
قال: وقيل: لعلَّ عائشة أشارت إلى عُمرَتها التي فَعَلَتها من التنعيم، ثمَّ حكى التأويل
السابق وأنَّها أرادت عمرة أُخرى في غير التي في حَجَّة الوداع، وخَطَّه ولم يُعَرِّج على ما
يَتعلَّق بالزُّبَير من ذلك.
قوله: ((وفلان وفلان)) كأنَّا سمَّت بعض مَن عَرَفَته ثمَّن لم يَسُق الهدي، ولم أقف على
تعيينهم، فقد تقدَّم من حديث عائشة (١٦١٤) أنَّ أكثر الصحابة كانوا كذلك.
قوله: ((فلمَّا مَسَحْنا البيت)) أي: طُفنا بالبيت فاستَلمنا الرُّكن، وقد تقدَّم في ((باب
الطَّواف على (١) وُضوء)) من حديث عائشة (١٦٤٢) بلفظ: ((مَسَحنا الرُّكن)) وساغَ هذا
المجاز، لأنَّ كلّ مَن طافَ بالبيت يَمسَح الرُّكن، فصار يُطلَق على الطّواف، كما قال عمر بن
أبي ربيعة:
ولمَّا قَضَيْنا من مِنَّى كلَّ حاجةٍ ومَسَّحَ بالأركان مَن هو ماسِحُ
أي: طافَ مَن هو طائف. قال عِيَاض: ويحتمل أن يكون معنى ((مَسَحوا)): طافوا وسَعَوا،
وحَذَفَ السعي اختصاراً لمَّا كان مَنوطاً بالطَّواف، قال: ولا حُجّة في هذا الحديث لمن لم
يُوجِب السعي، لأنَّ أسماء أخبَرَت أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع، وقد جاء مُفَسَّراً من
طرق أُخرى صحيحة أنَّهم طافوا معه وسَعَوْا، فيُحمَل ما أُجِلَ على ما بُيِّنَ، والله أعلم.
واستدلَّ به على أنَّ الحلق أو التقصير استباحةُ محظور، لقولها: إنَّهم أحَلّوا بعد الطَّواف،
ولم يُذكَر الحلق. وأجاب مَن قال بأنَّه نُسُكٌ، بأنَّهَا سَكَتَت عنه، ولا يَلزَم من ذلك تَرْك
فعله، فإنَّ القصّة واحدة، وقد ثَبَتَ الأمر بالتقصير في عدّة أحاديث، منها حديث جابر
المصَدَّر بذكره.
واختلفوا فيمَن جامع قبل أن يُقصِّر بعد أن طافَ وسَعَى، فقال الأكثر: عليه الهَدْي،
وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال الشافعي: تَفسُد عمرتَه، وعليه المضيُّ في فاسدها وقَضاؤُها.
(١) زاد هنا في (س) والأصلين لفظة ((غير))، وهو خطأ.

٤٦
باب ١٢ - ١٣ / ح ١٧٩٧ - ١٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
واستدلَّ به الطَّبَري على أنَّ مَن تَرَك التقصير حتَّى يخرج من الحَرَم لا شيء عليه،
بخلاف من قال: علیه دَم.
١٢ - باب ما يقول إذا رَجَعَ من الحجّ أو العمرة أو الغزو
١٧٩٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌َّ كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ أو حَجِّ أو عمرةٍ، يُكبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ
من الأرضِ ثلاثَ تَكْبِيراتٍ، ثمَّ يقول: ((لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمدُ
وهو على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تائبُونَ عابدُونَ ساجدُونَ لِرَبِّنا حامدُونَ، صَدَقَ الله وَعْدَه،
ونَصَرَ عبده، وهَزَمَ الأحزابَ وحده)).
[أطرافه في: ٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥]
٦١٩/٣
قوله: ((باب ما يقول إذا رَجَعَ من الحجّ أو العمرة أو الغَزْو)) أوردَ المصنِّف هنا تراجم
تَتَعَلَّق بآداب الراجع من السفر؛ لتعلَّقِ ذلك بالحاجِّ والمعتمِر، وهذا في حقّ المعتمِر الآفاقيّ،
وقد ترجم لحديث الباب حديثٍ نافع عن ابن عمر في الدَّعَوات (٦٣٨٥): ((ما يقول إذا
أراد سفراً أو رَجَع))، ويأتي الكلام عليه مُستوّ هناك إن شاء الله تعالى.
١٣ - باب استقبال الحاجّ القادمِينَ، والثّلاثةَ على الدَّابّة
١٧٩٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، حدّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا قَدِمَ النبيُّ ◌َِّ مِكَّةَ اسْتَقْبَتْه أُغَيِمةُ بني عبدِ المطَّلِبِ، فَحَمَلَ
واحداً بين يديه وآخَرَ خَلْفَه.
[طرفاه في: ٥٩٦٥، ٥٩٦٦]
قوله: ((باب استِقْبال الحاجّ القادِمِينَ، والثَّلاثةَ على الدّابَّة)) اشتملت هذه الترجمة على
حُكمَين، وأوردَ فيها حديث ابن عبّاس: لمَّا قَدِمَ النبي ◌ََّ اسْتَقَبَله أُغَيِمة بني عبد المطَّلِّب،
أي: صِبيانُهم، ودلالة حديث الباب على الثاني ظاهرة، وقد أفرَدَها بالذِّكرِ قُبَيل كتاب الأدب
(٥٩٦٥) وأوردَ فيها هذا الحديث بعينه، ويأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى، وبيان

٤٧
باب ١٤ - ١٥ / ح ١٧٩٩ - ١٨٠٠
أبواب العمرة
أسماءِ مَن حمله من بني عبد المطَّلِب.
وقوله: ((أُغَيلِمة)) تصغير غِلْمة بكسر الغَين المعجمة، وغِلْمة: جمع غلام.
وأمَّا الحكم الأول فأخذَه من حديث الباب من طريق العُموم، لأنَّ قدومه وَّةِ مِكَّة
أعمّ من أن یکون في حَجّ أو عمرة أو غزو.
وقوله: ((القادمِينَ)) صفة للحاجّ، لأنَّه يقال للمُفرَدِ وللجمع، وكَون الترجمة لتَلَقّي
القادم من الحج، والحديث دالٍّ على تَلَقّي القادم للحَجِّ، ليس بينهما تَخَالُف لاتِّفاقهما من
حيثُ المعنى، والله أعلم.
١٤ - باب القُدُوم بالغداة
١٧٩٩ - حدَّثنا أحمدُ بنُ الحجّاج، حذَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وََّ كان إذا خَرَجَ إلى مكَّةَ يُصلِّ في مسجدِ الشَّجَرةِ، وإذا
رَجَعَ صَلَّى بذي الحُلَيفةِ بَبَطْنِ الوادي، وباتَ حتَّى يُصْبِحَ.
قوله: (باب القُدُوم بالغَداة)) أوردَ فيه حديث ابن عمر في خروجه وٍَّ إلى مكَّة من
طريق الشَّجَرة، ومَبيتِه بذي الحُلَيفة إذا رَجَع، فيه ما ترجم له. وقد تقدَّم الكلام على هذا
الحديث في أوائل الحج (١٥٣٢ و١٥٣٣).
١٥ - باب الدُّخول بالعَشِيّ
١٨٠٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا هَمَّامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ،
عن أنسٍ﴾ قال: كان النبيُّ ◌ََّ لا يَطْرُقُ أهلَه، كان لا يَدْخُلُ إلا غُدْوةً أو عَشِيَّةً.
قوله: ((باب الدُّخُول بالعَشي)) قال الجوهري: العَشِيَّة: من صلاة المغرب إلى العَتَمة،
وقيل: هي من حين الزّوال. قلت: والمراد هنا الأول، وكأنَّه عَقَّبَ الترجمة الأولى بهذه
ليبيِّنَ أنَّ الدُّخول في الغَداة لا يَتَعيَّن، وإنَّما المنهي عنه الدُّخول ليلاً، وقد بيَّن عِلّة ذلك في
حديث جابر حيثُ قال: ((لِتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في
كتاب النكاح (٥٠٧٩).

٤٨
باب ١٦-١٧ / ح ١٨٠١ - ١٨٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
٦٢٠/٣
قوله: ((لا يَطْرُق أهله))، أي: لا يدخل عليهم ليلاً إذا قَدِمَ من سفر، يقال: طَرَقَ
يَطُرُق بضم الراء، وأمَّا قوله في حديث جابر في الباب الذي بعده: ((أن يَطرُق أهله ليلاً))
فللتأكيد لأجل رفع المجاز، لاستعمال ((طَرَقَ)) في النهار، وقد حكى ابن فارس ((طَرَقَ
بالنهار» وهو مجاز.
١٦ - بابٌ لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة
١٨٠١ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن محارِبٍ، عن جابرٍ، قال: نهى النبيُّ ◌َله
أن يَطْرُقَ أهلَە ليلاً.
قوله: ((إذا بَلَغَ المدينة)) في رواية السَّرَخْسي: ((إذا دخلَ))، والمراد بالمدينة: البلد الذي
يَقصِد دخولها، والحِكْمة في هذا النَّهي مُبيَّنة في حديث جابر المذكور في الباب، حيثُ أوردَه
مطوَّلاً في أبواب عِشرة النِّساء من كتاب النكاح (٥٠٧٩)، ويأتي الكلام عليه مُستوفّى هناك
إن شاء الله تعالى.
١٧ - باب مَن أسرعَ ناقته إذا بلغ المدينة
١٨٠٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، قال: أخبرني مُميدٌ، أنَّه سمعَ
أنساً ﴾ يقول: كان رسولُ الله ◌َ﴿ إذا قَدِمَ من سفرٍ، فأبصَرَ دَرَجاتِ المدينةِ أُوضَعَ ناقتَه، وإن
کانت دابّةً حَرَّگھا.
قال أبو عبد الله: زادَ الحارثُ بنُ عُمَيرٍ، عن مُميدٍ: حَرَّكَها؛ من حُبِّها.
١٨٠٢ م - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن مُميدٍ، عن أنس قال: جُدُراتِ.
تابَعَه الحارثُ بنُ عُمَير.
[طرفه في: ١٨٨٦]
قوله: ((باب مَن أسرَعَ ناقته إذا بَلَغَ المدينة)) قال الإسماعيلي: قوله: ((أسرَعَ ناقته)) ليس
بصحيحٍ، والصواب: أسرَعَ بناقته، يعني: أنَّه لا يَتَعَدّى بنفسه، وإنَّما يَتَعَدّى بالباء. وفيما
قاله نظر؛ فقد حكى صاحب ((المحكم)) أنَّ ((أسرَعَ)) يَتَعَدّى بنفسه ويَتَعَدّى بحرف الجرّ،

٤٩
باب ١٧ / ح ١٨٠٢
أبواب العمرة
وقال الكِرْماني: قول البخاري: ((أسرَعَ ناقته)) أصله: أسرَعَ بناقته، فنُصِبَ بنَزْع الخافض.
قوله: ((محمَّد بن جعفر)) أي: ابن أبي كثير المدني أخو إسماعيل.
قوله: ((فأبصَرَ دَرَجات)) بفتح المهمَلة والراء، بعدها جيم، جمع: درجة، كذا للأكثر،
والمراد: طُرُقها المرتَفِعة، وللمُستَمْلي: ((دَوْحات)) بفتح المهمَلة وسكون الواو بعدها مُهمَلة،
جمع دَوْحة: وهي الشَّجَرة العظيمة، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن حميدٍ: ((جُدُرات))
بضم الجيم والدال، کما وقع في هذا الباب، وهو جمع جُدُر۔ بضَمَّتینِ - جمع چِدار، وقد
رواه الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: ((جُدْران)) بسكون الدال وآخره نون، جمع جِدار،
وله من رواية أبي ضَمْرة عن حميدٍ بلفظ: ((جُدُر)).
قال صاحب ((المطالع)): جُدُرات أرجح من دَوْحات ومن درجات. قلت: وهي رواية
التِّرمِذي(١) من طريق إسماعيل بن جعفر أيضاً.
قوله: ((أوضَعَ)) أي: أسرَعَ السير.
قوله: ((زادَ الحارِث بن عُمَير عن مُميدٍ)) يعني: عن أنس ((من حُبّها)) وهو متعلِّق بقوله:
حَرَّكَها، أي: حَرَّك دابَّته بسبب حُبّه المدينة.
ثُمَّ قال المصنِّف: ((حدَّثنا قُتَيبة، حدَّثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن حميدٍ، عن أنس ٦٢١/٣
قال: جُدُراتٍ، تابَعَه الحارث بن عُمَير)) يعني في قوله: ((جُدُرات))، ورواية الحارث بن عُمَير
هذه وَصَلها الإمام أحمد (١٢٦٢٣) قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثنا الحارث بن
عُمَير، عن حميدِ الطَّويل، عن أنس: أنَّ النبي ◌ََّ كان إذا قَدِمَ من سفر فَنَظَرَ إلى جُدُرات
المدینة أوضع ناقته، وإن کان علی دابة حرَّگها من حُبّها.
وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق خالد بن تَخَلَد، عن محمد بن جعفر بن أبي
كثير والحارث بن عُمَير جميعاً، عن حميدٍ، وقد أوردَ المصنّف طريق قُتَيبة المذكورة في
فضائل المدينة (١٨٨٦) بلفظ الحارث بن عُمَير، إلّا أنَّه قال: ((راحلته)) بدل («ناقته)).
(١) برقم (٣٤٤١)، لكن في المطبوع: ((جدران)).

٥٠
باب ١٨ / ح ١٨٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
ووقع في نسخة الصَّغَاني: ((وزاد الحارث بن عُمَير وغيره عن حميدٍ))، وقد نبّهتُ على
مَن رواه كذلك موافقاً للحارثِ بن عُمَير في الزيادة المذكورة.
وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حُبّ الوَطَن والحنين إليه.
١٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وَأَتُوْ اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾
١٨٠٣ - حدّثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء ﴾ يقول:
نزلت هذه الآيةُ فينا، كانت الأنصارُ إذا حَجُّوا فجاؤُوا لم يَدْخُلُوا من قِبَلِ أبواب بُيُوتِهِم
ولكن من ظُهُورِها، فجاء رجلٌ من الأنصار فدخل من قِبَلِ بابه، فكأنَّه عُيِّرَ بذلك، فنزلتْ:
﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَثَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ
أَبْوَبِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
[طرفه في: ٤٥١٢]
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾)) أي: بيان نزول هذه الآية.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعي.
قوله: ((كانت الأنصار إذا حَجُّوا فجاؤُوا)) هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار،
ولكن سيأتي في حديث جابر أنَّ سائر العرب كانوا كذلك إلَّا قُرَيشاً، ورواه عبد بن حميد
من مُرسَل قَتَادةَ كما قال البَرَاءِ، وكذلك أخرجه الطَّبَري (١٨٨/٢) من مُرسَل الَّبيع بن
أنس نحوه.
قوله: ((إذا حَجُّوا)) سيأتي في تفسير البقرة (٤٥١٢) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق
بلفظ: إذا أحرَموا في الجاهلية.
قوله: ((فجاء رجل من الأنصار)) هو قُطْبة، بضم القاف وإسكان المهمَلة بعدها موحّدة،
ابن عامر بن حَدِيدة - بمُهمَلاتٍ وزن كبيرة - الأنصاري الخزرجي السُّلمي، کما أخرجه ابن
خُزيمة والحاكم (٤٨٣/١) في ((صحيحيهما)) من طريق عَّار بن زُرَيق عن الأعمش عن أبي
سفيان عن جابر قال: كانت قُرَيش تُدعى الحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام،

٥١
باب ١٨ / ح ١٨٠٣
أبواب العمرة
وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله وَّه في بستان
فخَرَجَ من بابه، فخَرَجَ معه قُطْبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إنَّ قُطْبة رجل
فاجر، فإنَّه خَرَجَ معك من الباب، فقال: ((ما حَمَلك على ذلك؟)) فقال: رأيتُك فعلته ففَعَلت
كما فعلت، قال: ((إنِّي أحمسُ)»، قال: فإنَّ دِيني دِينُك، فأنزَلَ الله الآية. وهذا الإسناد وإن كان
على شرط مسلم لكن اختُلِفَ في وصله على الأعمش عن أبي سفيان، فرواه عبيدة(١) بن حُميدٍ
عنه فلم يَذكُر جابراً، أخرجه بَقيُّ وأبو الشَّيخ في ((تفسيرهما)) من طريقه، وكذا سمّاه الكلبي
في ((تفسيره)) عن أبي صالح عن ابن عبّاس، وكذا ذكر مُقاتل بن سليمانَ في «تفسيره).
وجَزَمَ البَغَوي وغيره من المفسِّرين بأنَّ هذا الرجل يقال له: رِفاعة بن تابوت، واعتَمَدوا
في ذلك على ما أخرجه عبد بن حميد وابن جَرِیر (١٨٦/٢ -١٨٧) من طريق داود بن أبي
هند عن قيس بن جُبَير النَّهشَلي قال: كانوا إذا أحرَموا لم يأتوا بيتاً من قِبَل بابه، ولكن من
قِبَل ظَهْره، وكانت الخُمس تفعله، فدخل رسول الله بَّهِ حائطاً فاتَّبَعَه رجل يقال له:
رِفاعة بن تابوت ولم يكن من الخُمس ... فذكر القصّة، وهذا مُرسَل،/ والذي قبله أقوى
إسناداً، فيجوز أن يُحِمَل على التَّعَدُّد في القصَّة، إلَّا أنَّ في هذا المرسَل نظراً من وجه آخر،
لأنَّ رِفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هَبَّت الرّيح العظيمة لموتِه، كما وقع
مُبِهَاً في ((صحيح مسلم)) (٢٧٨٢) ومُفسَّراً في غيره (٢) من حديث جابر، فإن لم يُحمَل على
أَّهما رجلان تَوافَقَ اسمهما واسم أبَوَيهما وإلّ فكَونُه قُطْبة بن عامر أولى، ويؤيِّده أنَّ في
مُرسَل الزُّهْري عند الطَّبَري (١٨٧/٢): ((فدخل رجل من الأنصار من بني سَلِمةَ))، وقُطْبة
من بني سَلِمة بخلاف رِفاعة، ويدلّ على التَّعَدُّد اختلاف القول في الإنكار على الداخل،
فإنَّ في حديث جابر: فقالوا: إنَّ قُطبة رجل فاجر، وفي مُرسَل قيس بن جُبَير: فقالوا: يا
رسول الله، نافَقَ رِفاعة، لكن ليس بمُمتَنِعِ أن يَتَعَدَّد القائلون في القصَّة الواحدة.
٦٢٢/٣
(١) تحرف في (س) إلى: عبد. وأخرجه من طريق عبيدة بن حميد غير مَن ذكره الشارح: أبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) (٥٧٦٢).
(٢) انظر ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٥٢٧-٥٢٨.

٥٢
باب ١٩ / ح ١٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد وقع في حديث ابن عبّاس عند ابن جُرَيج أنَّ القصَّة وقعت أولَ ما قَدِمَ النبي ◌ِّل
المدينة، وفي إسناده ضَعف، وفي مُرسَل الزُّهْري: أنَّ ذلك وقع في عمرة الحُدَيبية، وفي
مُرسَل السُّدّي عند الطَّبَري أيضاً (٢/ ١٨٨): أنَّ ذلك وقع في حَجَّة الوداع، وكأنَّه أخذَه
من قوله: كانوا إذا حَجّوا، لكن وقع في رواية الطََّري: كانوا إذا أحرَموا، فهذا يتناول الحج
والعمرة، والأقرب ما قال الزُّهْري.
وبيَّ الزّهْري السبب في صَنِيعهم ذلك فقال: كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة
لم يَحُلّ بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلَّ فبَدَتْ له حاجة في بيته لم يدخل من
الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء.
واتَّفَقَت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلَّا ما أخرجه عبد بن حميد
بإسناد صحيح عن الحسن قال: كان الرجل من الجاهلية يَهمّ بالشيءٍ يصنعه فيُحبَس عن
ذلك، فلا يأتي بيتاً من قِبل بابه حتَّى يأتي الذي كان هَمَّ به. فجعل ذلك من باب الطِّيَرة،
وغيرُه جعل ذلك بسبب الإحرام، وخالَفَهم محمد بن كعب القُرَظي فقال: كان الرجل إذا
اعتكَفَ لم يدخل منزله من باب البيت، فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٣٢٤) بإسناد
ضعيف، وأغرَبَ الَّجّاج في ((مَعانيه)) فجَزَمَ بأنَّ سبب نزولها ما روي عن الحسن، لكن ما
في ((الصحيح) أصحّ، والله أعلم.
واتَّفَقَت الروايات على أنَّ الحُمْس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعَكَسَ
ذلك مجاهد فقال: كان المشركونَ إذا أحرَمَ الرجل منهم ثَقَبَ كُوّةً في ظهر بيته فدخل منها،
فجاء رسول الله ◌َو ذات يوم ومعه رجل من المشركينَ فدخل من الباب، وذَهَبَ المشرك
ليدخُل من الكوّة، فقال له رسول الله وَله: ((ما شأنك؟)) فقال: إنّي أحمسُ، فقال: ((وأنا
أحمسُ))، فنزلت، أخرجه الطَّبَري (١٨٧/٢).
١٩ - بابٌ السفر قطعةٌ من العذاب
١٨٠٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي

٥٣
باب ١٩ / ح ١٨٠٤
أبواب العمرة
هريرةَ ، عن النبيِّ وَّهِ قال: السَّفرُ قِطْعةٌ من العذابِ؛ يَمْنَعُ أحدَكم طعامَه وشرابَه ونومَه،
فإذا قَضَى نَهْمَتَه، فَلْيُعجِّلْ إلى أهلِه.
[طرفاه في: ٣٠٠١، ٥٤٢٩]
قوله: ((بابٌّ السَّفر قِطْعة من العذاب)» قال ابن المنيِر: أشارَ البخاري بإيراد هذه الترجمة
في أواخر أبواب الحج والعمرة أنَّ الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة. انتهى، وفيه نظر
لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون المصنّف أشارَ بإيراده في الحج إلى حديث عائشة بلفظ: ((إذا
قَضَی أحدکم حَجّه فلیُعجِّل إلى أهله))، وسيأتي بیان من أخرجه.
قوله: ((عن سُمَيّ)) كذا لأكثر الرُّواة عن مالك، وكذا هو في ((الموطّا)) (٢/ ٩٨٠)، وصَرَّحَ ٦٢٣/٣
يحيى بن يحيى النَّيسابوري عن مالك(١) بتحديثِ سُميّ له به، وشَذَّ خالد بن ◌َلَد عن مالك
فقال: ((عن سُهَيل)) بدل سُميّ، أخرجه ابن عَدِيّ (٤٦٢/٣)، وذكر الدارَقُطني أنَّ ابن
الماجشونِ رواه عن مالك عن سُهَيل أيضاً فتابَعَ خالد بن مَخَلَد، لكن قال الدارَقُطني: إنَّ
أبا عَلْقمة الفَرْوي تَفرَّدَ به عن ابن الماجشونِ وأنَّه وهِمَ فيه، ورواه الطبراني (٢) عن أحمد بن
بشير الطَّيالسي، عن محمد بن جعفر الوَرْكاني، عن مالك، عن سُهَيل، وخالَفَه موسى بن
هارون فرواه عن الوَرْكاني عن مالك عن سُميّ، قال الدارَقُطْني، حدَّثنا به دَعلَج عن
موسى، قال: والوَهْم في هذا من الطبراني أو من شيخه، وسُمَيّ هو المحفوظ في رواية
مالك، قاله ابن عَدي والدارَقُطْني وغيرهما.
ولم يَروِه عن سُميّ غيرُ مالك، قاله ابن عبد البَرّ(٣)، ثمَّ أسنَدَ عن عبد الملك بن
الماحِشُونِ قال: قال مالك: ما لأهل العراق يَسألونَني عن حديث: ((السفر قِطعة من
العذاب)»؟ فقيل له: لم يَروِه عن سُميّ أحد غيرك، فقال: لو عرفتُ ما حَدَّثتُ به، وكان
مالك ربّما أرسله لذلك.
(١) وهي عند مسلم برقم (١٩٢٧).
(٢) في ((المعجم الأوسط)) (٧٦٣).
(٣) انظر ((التمهيد)) ٣٣/٢٢-٣٦، و((الاستذكار)) ٢٧٩/٢٧-٢٨١.

٥٤
باب ١٩ / ح ١٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك، عن أبي النَّضر، عن أبي صالح، ووَهِمَ فيه أيضاً على
مالك، أخرجه الطبراني والدارَقُطني (١)، ورواه رَوّاد بن الجرّاح عن مالك فزاد فيه إسناداً
آخر، فقال: عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، وعن سُميّ بإسناده فذكره(٢)، قال
الدارَقُطني: أخطَاً فيه رَوّاد بن الجرّاح، وأخرجه ابن عبد البَرِّ (٣٥/٢٢-٣٦) من طريق
أبي مُصعَب عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدي، عن سُهَيل، عن أبيه، وهذا يدلّ على أنَّ له في
حديث سُهَيل أصلاً وأنَّ سُميّاً لم ينفرد به.
وقد أخرجه أحمد في («مسنده)) (١٠٤٤٥) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة،
وأخرجه ابن عَدِيّ (١٢٦/٤) من طريق جُهان عن أبي هريرة أيضاً، فلم ينفرد به أبو
صالح، وأخرجه الدارَقُطني، والحاكم (١ / ٤٧٧) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن
عائشة بإسناد جيِّد، فلم ينفرد به أبو هريرة، بل في الباب عن ابن عبّاس (١/ ٣٠٧) وابن
عمر (٢٥/٥) وأبي سعيد (٤٥٤/٣) وجابر (١٥٧/٦) عند ابن عَدِيّ بأسانيد ضعيفة.
قوله: ((السَّفر قِطْعة من العذاب)) أي: جزء منه، والمراد بالعذاب: الألم الناشئ عن
المشقّة، لمَا يَحَصُّل في الركوب والمشي من تَرْك المألوف.
قوله: ((يَمْنَع أحدكم)) كأنَّ فَصَله عمّا قبله بياناً لذلك بطريق الاستئناف، كالجواب لمن
قال: لِمَ(٣) كان كذلك؟ فقال: ((يمنع أحدكم نومه ... )) إلى آخره، أي: وجه التَّشبيه الاشتمال
على المشقّة، وقد وَرَدَ التعليل في رواية سعيد المقبري(٤) ولفظه: ((السفر قِطعة من العذاب،
لأَنَّ الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه)) فذكر الحديث، والمراد بالمنع في الأشياء
المذكورة منع كمالها لا أصلها، وقد وقع عند الطبراني بلفظ: ((لا يَهنّأ أحدكم بنومِه ولا
(١) أشار إلى ذلك الطبراني في ((الأوسط)) بإثر الحديث (٧٦٣)، والدار قطني في (العلل)) ١١٩/١٠، ولم يخرجاه.
وأخرجه من هذا الطريق تمام في «فوائده)) (١١٣٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤٤/٦.
(٢) وهو بالإسنادين عند أبي عوانة (٧٥٢٠)، والطبراني في ((الصغير)) (٦١٣) وفي («الأوسط)) (٤٤٥١).
(٣) لفظ ((لِمَ)) سقط من (س).
(٤) وهي عند أحمد في ((المسند)) برقم (١٠٤٤٥)، كما أشار إليها الحافظ ابن حجر قبل قليل.

٥٥
باب ١٩ / ح ١٨٠٤
أبواب العمرة
طعامه ولا شرابه))، وفي حديث ابن عمر عند ابن عَدِيّ (٢٦/٥): ((وأنَّه ليس له دَواء إلَّا
سُرعة السَّير)).
قوله: (فَهْمتَه)) بفتح النون وسكون الهاء، أي: حاجته من وجهه، أي: من مَقصِده،
وبيانه في حديث ابن عَدِيّ (١/ ٣٠٧) بلفظ: ((إذا قَضَى أحدكم وَطَرَه من سفره))، وفي
رواية رَوّاد بن الجرّاح (١): «فإذا فَرَغَ أحدكم من حاجته)).
قوله: ((فلْيُعجِّلْ إلى أهله)) في رواية عَتِيق وسعيد المقبري: ((فليُعجِّل الرُّجوع إلى أهله))،
وفي رواية أبي مُصعَب: ((فليُعجِّل الكَرّة إلى أهله))، وفي حديث عائشة (٢): ((فليُعجِّل الرِّحلة
إلى أهله، فإنَّه أعظم لأجره)».
قال ابن عبد البَرِّ: زاد فيه بعض الضُّعَفاء عن مالك: ((وليَتَّخِذ لأهلِه هديَّة وإن لم يَجِد
إلَّا حجراً)) يعني حجر الزّناد، قال: وهي زيادة مُنكَرة.
وفي الحديث كراهة التغرُّب عن الأهل لغير حاجة، واستحبابُ استعجال الرُّجوع ولا
سيما مَن يُحشى عليهم الضَّيعة بالغَيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الرّاحة المعينة على
صلاح الدّين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوّة على العبادة.
قال ابن بَطَّال: ولا تَعارُض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعاً: ((سافروا
تَصِحّوا)»، فإنَّه لا يَلزَم من الصِّحّة بالسفرِ لما فيه من الرّياضة أن لا يكون قطعة من العذاب
لما فيه من المشقّة، فصار كالدَّواء المرِّ المعقِب للصِّحّة وإن كان في تَناؤُله الكراهة.
واستَنَبَطَ منه الخطَّبي تغريب الزّاني، لأنَّه قد أُمِرَ بتعذيبِه، والسفر من جملة العذاب؛
ولا يخفى ما فيه.
لطيفة: سُئِلَ إمام الحرمين حين جَلَسَ موضعَ أبيه: لِمَ كان السفر قِطعةً من العذاب؟ ٦٢٤/٣
فأجاب على الفَوْر: لأنَّ فيه فراقَ الأحباب.
(١) وقد أشار إليها قبل قليل.
(٢) وهو عند الحاكم ١/ ٤٧٧.

٥٦
باب ٢٠ / ح ١٨٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٢٠ - باب المسافر إذا جَدَّ به السّير ويعجّل إلى أهله
١٨٠٥ - حدَّثْنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدُ بنُ أسلمَ،
عن أبيه قال: كنتُ مع عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما بطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَه عن صَفِيَّةَ بنتٍ أبي
◌ُبِيدٍ شِدّةُ وَجَعٍ، فأسرَعَ السَّيرَ، حتَّى كان بعدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نزل فصَلَّى المغرِبَ والعَتَمَةَ، جَمَعَ
بينَهما، ثمَّ قال: إِنِّي رأيتُ النبيَّ ◌َهَ إِذا جَدَّ به السَّيرُ أَخَّرَ المغرِبَ وجَمَعَ بينَهما.
قوله: ((باب المسافر إذا جَدَّ به السّير ويُعجِّل إلى أهله)) أي: ماذا يصنع؟ كذا ثَبَتَت الواو
في رواية الكُشْمِيهنيّ، وهي رواية النَّسَفي.
وأوردَ المصنّف فيه قصَّة ابن عمر حين بَلَغَه عن صَفيَّة شِدّة الوَجَع فأسرَعَ السير، وقد
تقدَّم الكلام عليه في أبواب تقصير الصلاة (١٠٩١)، وسيأتي من هذا الوجه في أبواب
الجهاد (٣٠٠٠)، وبالله التوفيق.
خاتمة: اشتملت أبواب العمرة وما في آخرها من آداب الرُّجوع من السفر من الأحاديث
المرفوعة على أربعينَ حديثاً، المعلَّق منها أربعة والبقية موصولة، المكرّر منها فيها وفيما مضى
أحد وعشرونَ حديثاً، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في الاعتمار قبل
الحج، وحديث البَراء فيه، وحديث عائشة: ((العُمرة على قَدْر النَّصَب))، وحديث ابن
عبّاس في إرداف اثنین.
وفيه من الموقوفات خمسة آثار، منها ثلاثة موصولة في ضِمن حديث البراء. والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

٥٧
أبواب المحصر وجزاء الصيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبواب المحصَر وجزاء الصَّيد
٣/٤
وقولِ الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُهُوسَكُمْ حَتَّى بَلُغَ اَلْهَدْىُ
◌َِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال عطاءٌ: الإحصارُ: من كلِّ شيءٍ يَجِسُه.
قال أبو عبد الله: حَصُوراً (١): لا يأتي النِّساءَ.
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. أبواب المحصَر وجزاء الصَّيد)) ثبتت البسملة للجميع،
وذكر أبو ذرِّ ((أبواب)) بلفظ الجمع، وللباقین («باب» بالإفراد.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾)) أي: وتفسير المراد من قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾،
وأمَّا قوله: ﴿وَلَا تَخْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ فسيأتي في الباب الذي يليه.
وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنَّه اختار القول بتَعمِيم الإحصار، وهي مسألة
اختلاف بين الصحابة وغيرهم، فقال كثير منهم: الإحصار من كلّ حابس حَبَسَ الحاجّ من
عدوّ ومرض وغير ذلك، حتَّى أفتى ابنُ مسعود رجلاً لُدِغَ بأنَّه مُصَر، أخرجه ابن جَرِیر
(٢٢٢/٢) بإسناد صحيح عنه. وقال النَّخَعي والكوفيون: الحصر: الكسر والمرض والخوف،
واحتَجُّوا بحديث حجّاج بن عَمْرو الذي سنذكره في آخر الباب.
وأثر عطاء المشارُ إليه وَصَلَه عبد بن حميدٍ عن أبي نُعيم عن الثَّوري عن ابن جُرَیج عنه،
قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: الإحصار: من كلّ شيء يَحِسه.
وكذا رُوّيناه في ((تفسير الثَّوري)) روايةَ أبي حُذَيفة عنه. وروى ابن المنذر من طريق عليّ بن
أبي طلحة عن ابن عبّاس نحوه، ولفظه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، قال: من أحرَمَ بحجّ أو عمرة، ثمَّ
(١) يشير إلى ما في سورة آل عمران [٣٩]: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾.

٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
حُبِسَ عن البيت بمرضٍ يُجهِده أو عدوِّ يَجِبِسه فعليه ذَبحُ ما استَسَرَ من الهَدي، فإن كانت
حجَّةَ الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجَّةً بعد الفريضة فلا قضاء عليه.
وقال آخرون: لا حَصْر إلَّا بالعدوّ، وصَحَّ ذلك عن ابن عبّاس، أخرجه عبد الرزاق
عن مَعمَر، وأخرجه الشافعي (٢/ ١٧٨) عن ابن عُيَينةَ، كلاهما عن ابن طاووس عن أبيه
عن ابن عبّاس، قال: لا حَصر إلَّا من حَبَسَه عدوّ، فيَحِلّ بعمرةٍ، وليس عليه حجٌّ ولا
عمرة. وروى مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٦١) والشافعي (١٧٨/٢) عنه عن ابن شهاب عن
سالم عن أبيه قال: من حُبِسَ دون البيت بالمرضِ فإنَّه لا يَحِلّ حتَّى يطوف بالبيت. وروى
مالك (٣٦١/١) عن أيوب عن رجل من أهل البصرة، قال: خرجتُ إلى مكَّة حتَّى إذا
كنت بالطريق كُسِرَت فَخِذي، فأرسلت إلى مكَّة - وبها عبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن
عمر والناس - فلم يُرخِّص لي أحد في أن أحِلّ، فأقمت على ذلك الماءِ تسعةَ أشهر، ثمَّ
حَلَلت بعمرةٍ، وأخرجه ابن جَرِير (٢٢٦/٢) من طرق، وسمَّى الرجلَ يزيدَ بنَ عبد الله بن
الشِّخِّير، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
قال الشافعي: جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلَّل للمُحصَر
رخصةً، وكانت الآية في شأن منع العدوِّ، فلم نَعْدُ بالرُّخصة موضعَها.
وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جَرِير وغيره، وهو أنَّه لا حصرَ بعد النبيّ، وروى
مالك في ((الموطَّأ)) (١/ ٣٦١) عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: المحرِم لا يَحِلّ حتَّى يطوف.
أخرجه في ((باب ما يفعل من أُحِصِرَ بغير عدوّ))، وأخرج ابن جَرِير (٢٢٤/٢) عن عائشة
بإسناد صحيح قالت: لا أعلم المحرِمِ يَحِلّ بشيءٍ دون البيت، وعن ابن عبّاس بإسناد
ضعيف قال: لا إحصار اليوم، وروي ذلك عن عبد الله بن الزُّبَير.
والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل
٤/٤
اللُّغة - منهم الأخفَش والكِسَائي والفَرّاء وأبو عُبيدة وأبو عُبيدٍ وابن السِّكّيت وثَعلَب(١)
(١) زاد في (س): وابن قتيبة.

٥٩
باب ١ / ح ١٨٠٦- ١٨٠٧
أبواب المحصر وجزاء الصيد
وغيرهم -: أنَّ الإحصار إنَّما يكون بالمرض، وأمَّا بالعدوِّ فهو الحَصْر، وبهذا قَطَعَ النَّحّاس،
وأثبَتَ بعضهم أنَّ أُحِصِرَ وحُصِرَ بمعنَّى واحد، يقال في جميع ما مَنَع الإنسان من
التصرُّف، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ
ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وإنَّما كانوا لا يستطيعونَ من منع العدوّ إياهم، وأمَّا
الشافعي ومن تابعه فحُجَّتهم في أن لا إحصار إلَّا بالعدوِّ(١): انِّفاق أهل النَّقل على أنَّ
الآيات نزلت في قصَّة الحُدَيبية حين صُدَّ النبيُّنَّه عن البيت(٢)، فسَمَّى الله صَدَّ العدوّ
إحصاراً، وحُجّة الآخرين التمسُّك بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
قوله: ((قال أبو عبد الله: حَصُوراً لا يأتي النِّساء)» هكذا ثبت هذا التفسير هنا في رواية
المُستَمْلي خاصَّة، ونقله الطَّبري عن سعيد بن جُبَير وعطاء ومجاهد، وقد حكاه أبو عُبيدة
في ((المجاز))، وقال: إنَّ له معاني أُخرى فذكرها، وهو بمعنى: محصور، لأنه مُنِعَ مَمَّا يكون
من الرجال، وقد وَرَدَ فَعُول بمعنى مفعول كثيراً. وكأنَّ البخاري أراد بذكر هذه الآية
الإشارةَ إلى أنَّ المادّة واحدة، والجامع بين معانيها المنع، والله أعلم.
١ - بابٌ إذا أُحصر المعتمر
١٨٠٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله
عنهما حين خرج إلى مكَّةَ مُعتَمِراً في الفِتنة، قال: إن صُدِدتُ عن البيت صَنَعتُ كما صَنَعنا مع
رسولِ الله وَلِّ، فأهلَّ بعمرةٍ من أجل أنَّ رسولَ الله وَّلَ كان أهلَّ بعمرةٍ عامَ الحُدَيِيَةِ.
١٨٠٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّد بنِ أسماءَ، حدَّثنا جوَيرِيةُ، عن نافع، أنَّ عُبيد الله بنَ
عبد الله وسالم بنَ عبد الله أخبراه: أنَّمَا كَلَّما عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما لياليَ نزل الجيشُ
بابنِ الزُّبَير، فقالا: لا يَضُرُّكَ أن لا تحجَّ العامَ، وإنّا نَخافُ أن تُحَالَ بينَكَ وبينَ البيت، فقال:
خَرَجنا مع رسولِ اللهِ وَّةِ، فحالَ كُفَّارُ قُرَيشِ دونَ البيتِ، فَتَحَرَ النبيُّ نَّهِ هَدْيَه، وحَلَقَ
(١) المثبت من (س)، وفي (أ) و(ع): في أن الإحصار إلا بالعدوّ. ويجوز هذا على تقدير محذوف.
(٢) سيأتي الحديث قريباً برقم (١٨٠٧).

٦٠
باب ١ / ح ١٨٠٦ - ١٨٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
رأسَه، وأُشهِدُكم أنّي قد أو جَبتُ العمرةَ، إن شاء الله أنطَلِقُّ، فإن خُلِّ بيني وبينَ البيت طُفْتُ،
وإن حِيلَ بيني وبينَه فعلتُ كما فعلَ النبيُّ وَِّ وأنا معه، فأهلَّ بالعمرة من ذي الحُلَيفةِ، ثمَّ سار
ساعةً، ثمَّ قال: إنَّما شأتُهما واحدٌ، أُشهِدُ كم أنّ قد أو جَبتُ حَجَّةً مع عمرَني، فلم يَحِلَّ منهما حتَّى
حَلَّ يومَ النَّحرِ وأهدى، وكان يقول: لا يَحِلُّ حتَّى يطوفَ طوافاً واحداً يومَ يدخلُ مكَّةً.
١٨٠٨ - حذَّثني موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافعٍ: أنَّ بعضَ بني عبد الله قال
له: لو أقمتَ ... بهذا.
١٨٠٩ - حدَّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا يحيى بنُ صالح، حدَّثنا معاويةُ بنُ سلَّام، حدَّثنا يحيى
ابنُ أبي كثيرٍ، عن عِكْرمةَ قال: فقال ابنُ عبَّاسِ: قد أُحصِرَ رسولُ الله ◌َ﴿ فِحَلَقَ رأسَه، وجامَعَ
نساءَه، ونَحَرَ هَدْیَه حتَّى اعتَمَرَ عاماً قابلاً.
٥/٤ قوله: ((بابٌ إذا أُحِصِرَ المعتَمِر)) قيل: غرض المصنّف بهذه الترجمة الردّ على من قال:
التحلُّل بالإحصار خاصٌّ بالحاجِّ بخلاف المعتمر، فلا يَتحلَّل بذلك بل يَستمِرّ على إحرامه
حتَّى يطوف بالبيت، لأنَّ السَّنة كلّها وقتٌ للعمرة، فلا يُحشى فواتُها بخلاف الحج، وهو
محكيٌّ عن مالك، واحتَجَّ له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابةَ قال:
خرجت معتمراً، فوقعتُ عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عبّاس وابن عمر،
فقالا: ليس لها وقت كالحجّ، يكون على إحرامه حتَّى يَصِلَ إلى البيت.
قوله: ((أنَّ عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكَّة مُعتَمِراً في الفِتنة)) هذا السِّياق يُشعِر بأنَّه
عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة، لكن رواية جُوَيريةَ التي بعده تقتضي أنَّ نافعاً حمل
ذلك عن سالم وعُبيد الله ابنَي عبد الله بن عمر عن أبيهما، حيثُ قال فيها: عن جُوَيريةَ،
عن نافع، أنَّ عُبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنَّهما كلَّما عبد الله بن عمر، فذكر
القصَّة والحديث، هكذا قال البخاري عن عبد الله بن محمد بن أسماء، ووافقه الحسن بن
سفيان وأبو يعلى كلاهما عن عبد الله، أخرجه الإسماعيلي عنهما، وتابعهم معاذُ بن المثنَّى
عن عبد الله بن محمد بن أسماء، أخرجه البيهقي (٢١٦/٥). لكن في رواية موسى بن