النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
باب ١٤٥ / ح ١٧٥٧
كتاب الحج
قوله: ((تابَعَه الليثُ)) أي: تابَعَ عمرو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قَتَادةَ
بطريقٍ أُخرى إلى قَتَادة، وقد وَصَلَه البَزَّار (٧٢٢٩) والطبراني(١) من طريق عبد الله بن
صالح كاتب الليث عن الليث، وخالدٌ شيخ الليث: هو ابن يزيد، وذكر البَزَّار والطبراني
أنَّه تفرَّد بهذا الحديث عن سعيد، وأنَّ الليث تفرَّد به عن خالد، وأنَّ سعيد بن أبي هلال لم
يَروِ عن قَتَادةَ عن أنس غير هذا الحديث.
١٤٥ - باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت
١٧٥٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه،
عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ صَفِيَّة بنتَ حُبِيٍّ زوجَ النبيِّ ◌َِّ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذلك
لرسولِ اللهِوَل﴿ فقال: ((أحابسَتْنَا هِيَ؟)) قالوا: إنَّها قد أفاضَت، قال: ((فلا إذاً)).
قوله: ((باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضَت)) أي: هل يجب عليها طواف الوداع أو ٥٨٧/٣
يَسقُط، وإذا وَجَبَ هل يُبَرَ بدَمِ أم لا؟ وقد تقدَّم معنى هذه الترجمة في كتاب الحيض
بلفظ: ((باب المرأة تَحيضُ بعد الإفاضة))(٢).
قال ابن المنذر: قال عامّة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضَت طوافُ
وداع، ورُوِّينا عن عمر بن الخطّاب وابن عمر وزيد بن ثابت: أنَّهم أمروها بالمقام إذا كانت
حائضاً لطواف الوداع، وكأنَّهم أوجَبُوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ لو
حاضَت قبله لم يَسقُط عنها. ثمَّ أسنَدَ عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال:
طافَت امرأةٌ بالبيت يوم النَّحر ثمَّ حاضَت، فأمَرَ عمر بحَبسِها بمكَّة بعد أن يَنْفِر الناس
حتَّی تَطھُر وتطوف بالبيت، قال: وقد ثَبَتَ رجوعُ ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك،
وبقي عمر فخالَفناه لُبوتِ حديث عائشة. يشير بذلك إلى ما تَضَمَّنَته أحاديث هذا الباب.
(١) في ((الأوسط)) برقم (٨٧٥٥)، ووصله من هو أعلى طبقةً منهما، وهو الدارمي، فقد أخرجه في ((مسنده))
(١٨٧٣) عن عبد الله بن صالح، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان أيضاً في ((صحيحه)) (٣٨٨٤) من
طریق شعیب بن اللیث، عن أبيه، به.
(٢) هو الباب رقم (٢٧) من كتاب الحيض.

٦٤٢
باب ١٤٥ / ح ١٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد روى ابن أبي شَيْبة(١) من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون: إذا أفاضَت
المرأة قبل أن تحيض فقد فَرَغَت، إلَّا عمرَ فإنَّه كان يقول: يكون آخر عهدِها بالبيت.
وقد وافق عمرَ على رواية ذلك عن النبي ◌َِّ غيرُه، فروى أحمد (١٥٤٤٠) وأبو داود
(٢٠٠٤) والنَّسائي (ك٤١٧١) والطَّحاوي (٢٣٢/٢) - واللفظ لأبي داود - من طريق
الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثَّقَفي قال: أتيتُ عمر فسألته عن
المرأة تطوف بالبيت يومَ النَّحر ثمَّ تحيض، قال: ليكُن آخرُ عهدها بالبيت. فقال الحارث:
كذلك أفتاني - وفي رواية أبي داود: هكذا حدَّثني - رسولُ الله ◌َل.
واستَدَلَّ الطَّحاوي بحديث عائشة وبحديث أُمّ سُلَيم على نَسْخ حديث الحارث في
حقّ الحائض.
قوله: ((حاضَتْ)) أي: بعد أن أفاضَت يوم النَّحر كما تقدَّم (١٧٣٣) في ((باب الزيارة يوم
النَّحر)).
قوله: ((فذُكِرَ)) كذا في هذه الرواية بضم الذّال على البناء للمجهول، وقد تقدَّم (١٧٣٣)
في الباب المذكور من وجه آخر: أنَّ عائشة هي التي ذكرت له ذلك.
قوله: ((أحابسَتُنا)) أي: مانعَتُنا من التوجُّه من مكَّة في الوقت الذي أرَدْنا التوجُّه فيه، ظنّاً
منه رَ﴿ أَنَّهَا ما طافَت طواف الإفاضة، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان لا يَترُكها ويَتَوجَّه، ولا
يأمرُها بالتوجُّه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يُقيمَ حتَّى تَطْهُر وتطوف وتَحِلّ
الحِلَّ الثاني.
قوله: ((قالوا)) سيأتي في الطَّريق التي في آخر الباب أنَّ صَفيَّة هي قالت: (بلى))، وفي
رواية الأعرج عن أبي سَلَمةَ عن عائشة التي مَضَت في باب الزيارة يوم النَّحر (١٧٣٣):
حَجَجْنا فأفَضْنا يوم النَّحر، فحاضَت صَفيَّة، فأراد النبي ◌َّ منها ما يريد الرجل من أهله
فقلت: يا رسول الله إنَّها حائض ... الحديث، وهذا مُشكِلٌ، لأنَّ وَّو إن كان عَلِمَ أنَّهَا
(١) في ((المصنف)) (١٣٣٢٥) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٤٣
باب ١٤٥ / ح ١٧٥٩،١٧٥٨
كتاب الحج
طافَتْ طواف الإفاضة فكيف يقول: ((أحابستنا هي؟))، وإن كان ما عَلِمَ فكيف يريد
وِقاعَها قبل التحلُّل الثاني؟!
ويُجاب عنه بأنَّه وَِّ ما أراد ذلك منها إلَّا بعد أن استأذنَه نِساؤُه في طواف الإفاضة
فأذِنَ لهنَّ، فكان بانياً على أنَّها قد حَلَّت، فلمَّا قيل له: إنَّها حائض، جَوَّزَ أن يكون وقع لها
قبل ذلك حتَّى مَنَعَها من طواف الإفاضة، فاستفهَمَ عن ذلك فأعلمَته عائشة أنَّها طافَت
معهُنَّ، فزالَ عنه ما خشيه من ذلك، والله أعلم. وقد سَبَقَ في كتاب الحيض (٣٢٨) من
طريق عَمْرة عن عائشة أنَّه قال لهم: ((لعلَّها تَحبِسنا، ألم تكن طافَت معكُنَّ؟ قالوا: بلى))
وسأذكُرُ بقيَّة اختلاف ألفاظ هذه القصَّة في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فلا إذاً) أي: فلا حبسَ علينا حينئذٍ، أي: إذا أفاضَت، فلا مانع لنا من التوجُّه،
لأنَّ الذي يجب عليها قد فعَلَته.
١٧٥٨، ١٧٥٩ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن أيوبَ، عن عِكْرمة: أنَّ أهلَ المدينةِ
سألُوا ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن امرأةٍ طافَت، ثمَّ حاضَتْ، قال لهم: تَنْفِرُ، قالوا: لا نأخُذُ
بقولِكَ ونَدَعَ قولَ زيدٍ، قال: إذا قَدِمْتُمُ المدينةَ فسَلُوا، فقَدِمُوا المدينةَ فسألُوا فكان فيمن سألُوا
◌ُّ سُلَیم، فَذَكَرَت حديثَ صَفِيَّة.
رواه خالدٌ وقَتَادةُ عن عِكْرمةَ.
قوله: «حمّاد)) هو ابن زید.
قوله: ((أنَّ أهل المدينة)) أي: / بعض أهلها، وقد رواه الإسماعيلي من طريق عبد الوهّاب ٥٨٨/٣
الثَّقَفي عن أيوب بلفظ: أنَّ ناساً من أهل المدينة.
قوله: ((قال لهم: تَنْفِرِ)) زاد الثَّقَفي: فقالوا: لا نُبالي أفتَيتنا أو لم تُفِنا، زيد بن ثابت يقول:
لا تَنفِر.
قوله: ((فكان فيمن سألُوا أُمّ سُلَيم)) في رواية الثَّقَفي: فسألوا أُمّ سُلَيم وغيرها.

٦٤٤
باب ١٤٥ / ح ١٧٥٨، ١٧٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله(١): ((فَذَكَرَت صَفيَّةَ)) كذا ذَكَره مختصراً، وساقه الثَّقَفي بتمامه قال: فأخبَرَتهم أنَّ
عائشة قالت لصَفيَّة: أفي الخَيْبة أنتِ؟ إنَّكِ لحابسَتُنا، فقال رسول الله وَّهِ: ((ما ذاكَ؟))
قالت عائشة: صَفيَّةُ حاضَت، قيل: إنَّها قد أفاضَت، قال: ((فلا إذاً)، فَرَجَعوا إلى ابن
عبَّاس فقالوا: وَجَدنا الحديث كما حَدَّثْتناه.
قوله: ((رواه خالد)) يعني: الحَذّاء ((وقَتَادة عن عِكْرمة)) أمَّا رواية خالد فوَصَلها البيهقي
(١٦٤/٥) من طريق مُعلَّى بن منصور، عن هُشَيم، عنه، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال:
إذا طافَتْ يومَ النَّحر ثمَّ حاضت فلتَنْفِرِ. وقال زيد بن ثابت: لا تَنِفِرُ حتَّى تَطهُر وتطوف
بالبيت، ثمَّ أرسَلَ زيدٌ بعد ذلك إلى ابن عبّاس: إنّ وجدتُ الذي قلتَ كما قلتَ.
وأمَّا رواية قَتَادَةَ فَوَصَلها أبو داود الطَّيالسي في ((مسنده)) (١٧٥٦) قال: حدَّثنا هشام
- هو الدَّستُوائي - عن قَتَادة، عن عِكْرمة قال: اختَلَفَ ابن عبّاس وزيد بن ثابت في المرأة
إذا حاضت وقد طافَت بالبيت يوم النَّحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن
عبَّاس: تَنْفِرُ إن شاءَت، فقالت الأنصار: لا نتابعُك يا ابن عبّاس وأنت تُخالف زيداً، فقال:
سَلُوا صاحبَتَكم أُمَّ سُلَيم - يعني فسألوها - فقالت: حِضتُ بعدَما طُفت بالبيت، فأمَرَني
رسول الله و الله أن أنفِر، وحاضت صَفيَّة فقالت لها عائشة: حَبَسْتِنا، فأمَرَها النبي ◌ِّ
أن تَنفِر.
ورواه سعيد بن أبي عَرُوبة في ((كتاب المناسك)) الذي رُوِّيناه من طريق محمد بن يحيى
القُطَعي، عن عبد الأعلى عنه، قال: عن قَتَادة عن عِكْرمة نحوه، وقال فيه: لا نُتابعك إذا
خالفتَ زيد بن ثابت، وقال فيه: وأُنْبِئت: أنَّ صَفيَّة بنت حُبَيٍّ حاضَت بعدَما طافَت
بالبيت يوم النَّحر، فقالت لها عائشة: الخَيْبة لكِ حَبَسْتنا، فَذَكَروا ذلك للنبيِوَّهِ فأمَرَها أن
تَنْفِر، وهكذا أخرجه إسحاق في («مسنده» (٢١٨٧) عن عَبْدة عن سعيد وفي آخره: وكان
ذلك من شَأن أُمّ سُلَيم أيضاً.
(١) لفظ ((قوله)) سقط من (س)، فصار ما بعده متصلاً بما قبله وكأنه من رواية الثقفي، وهو خطأ واضح.

٦٤٥
باب ١٤٥ / ح ١٧٦٠- ١٧٦١
كتاب الحج
تنبيه: طريق قَتَادةَ هذه هي المحفوظة، وقد شَذَّ عبَّادُ بن العَوَّام فرواه عن سعيد بن أبي
عَرُوبة عن قَتَادة عن أنس مختصراً في قصَّة أُمّ سُلَيم، أخرجه الطَّحاوي (٢٣٣/٢) من
طريقه. انتهى.
ولقد اختصر البخاري حديث عِكْرمة جدّاً، ولولا تخريج هذه الطّرق لمَا ظَهَرَ المراد
منه، فلله الحمد على ما أنعَمَ به وتَفَضَّل.
وقد روى هذه القصَّة طاووسٌ عن ابن عبّاس مُتابعاً لعِكْرمة، أخرجه مسلم
(١٣٢٨ / ٣٨١) والنَّسائي (٤١٨٧) والإسماعيلي من طريق الحسن بن مسلم عن
طاووس: كنت مع ابن عبّاس إذ قال له زيد بن ثابت: تُفتي أن تَصدُرَ الحائض قبل أن
يكون آخر عهدها بالبيتِ؟ فقال ابن عبّاس: أمَّا لا، فسَلْ فلانةَ الأنصارية: هل أمَرَها
النبي ◌َّرُ؟ قال: فَرَجَعَ إليه فقال: ما أراك إلَّا قد صَدَقتَ. لفظ مسلم، وللنَّسائي: كنت
عند ابن عبَّاس فقال له زيد بن ثابت: أنت الذي تُفتي، وقال فيه: فسألها، ثمَّ رَجَعَ وهو
يضحك، فقال: الحديث كما حَدَّثتَني.
وللإسماعيلي بعد قوله: أنت الذي ... إلى آخره: قال: نعم، قال: فلا تُفتِ بذلك، قال:
فسَلْ فلانةَ؛ والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن جُرَيج قال: وقال عِكْرمة بن
خالد عن زيد وابن عبّاس نحوه، وزاد فيه: فقال ابن عبّاس: سَلْ أُمّ سُلَيم وصواحبها: هل
أمَرَهُنَّ رسول الله وَ ◌ّهِ بذلك؟ فسألهُنّ، فقُلن: قد أمَرَنا رسول اللهَوَ ﴿ بذلك. وقد عُرِفَ
برواية عِكْرمة الماضية أنَّ الأنصارية هي أُمّ سُلَيم، وأمَّا صواحبها فلم أقف على تسميتهنّ.
١٧٦٠ - حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما قال: رُخِّصَ للحائضِ أن تَنْفِرَ إذا أفاضَتْ.
١٧٦١ - قال: وسمعتُ ابنَ عمرَ يقول: إنَّها لا تَتْفِرُ، ثمَّ سمعتُه يقول بعدُ: إِنَّ النبيَّ ◌َِله
رَخَّصَ هنَّ.
قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وؤُهَيب: هو ابن خالد، وابن طاووس: هو
عبد الله.

٦٤٦
باب ١٤٥ / ح ١٧٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((رُخِّصَ)) بضم الراء على البِناء لمَا لم يُسمَّ فاعله، ووقع في رواية يحيى بن حَسَّان
عن وُهَيب عند النَّسائي (ك٤١٨٦): رَخَّصَ رسول الله ◌َّهِ.
٥٨٩/٣ قوله: ((قال: وسمعت ابن عُمَر)) القائل ذلك هو طاووسٌ/ بالإسناد المذكور، بيَّنْه
النَّسائي في روايته المذكورة.
قوله: (ثُمَّ سمعته يقول بعدُ)) سيأتي أنَّ ذلك كان قبل موت ابن عمر بعامٍ.
قوله: ((أنَّ النبي ◌َِّ رَخَّصَ لهنَّ) هذا من مراسيل الصحابة، وكذا ما أخرجه النَّسائي
(ك٤١٨٢) والتِّرمِذي (٩٤٤) وصَحَّحَه والحاكم (٤٦٩/١-٤٧٠) من طريق عُبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ((مَن حجَّ فليكن آخر عهده بالبيت، إلَّا الْخُيَّ رَشخّصَ
لهنَّ رسول الله وَّ)) فإنَّ ابن عمر لم يسمعه من النبيِ وَ ﴿ وسنوضحُ ذلك، فعند النَّسائي
(ك٤١٨٣) من طريق إبراهيم بن مَيسَرة عن طاووسٍ عن ابن عمر: أنَّه كان يقول قريباً من
سَنَتَينِ عن الحائض: لا تَنْفِرِ حتَّى يكون آخر عهدها بالبيت. ثمَّ قال بعدُ: إنَّه رَخَّصَ
للنِّساء، وله (ك٤١٨٤) وللطَّحاوي (٢٣٥/٢) من طريق عُقَيل عن الزّهْري عن طاووس:
أنَّه سمع ابن عمر يُسألُ عن النِّساء إذا حِضنَ قبل النَّفر وقد أفَضْنَ يوم النَّحر، فقال: إنَّ
عائشة كانت تَذكُر عن رسول الله وَلِّ رُخْصَةً لهنَّ، وذلك قبل موته بعامٍ. وفي رواية
الطَّحاوي: قبل موت ابن عمر بعامٍ. وروى ابن أبي شَيْبة (١): أنَّ ابن عمر كان يُقيم على
الحائض سبعة أيام حتَّى تطوف طواف الوداع.
قال الشافعي: كأنَّ ابن عمر سمع الأمرَ بالوداع ولم يسمع الرُّخصة أولاً، ثمَّ بَلَغَته
الرُّخصة فعَمِلَ بها. وقد تقدَّم شيء من الكلام على هذا الحديث في أواخر الحيض (٣٣٠).
١٧٦٢ - حدَّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن
عائشةَ رضي الله عنها قالت: خَرَجْنا مع النبيِّوَّهِ ولا نُرَى إلا الحِجَّ، فَقَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ فِطافَ
بالبيتٍ، وبين الصَّفا والمَرْوةِ، ولم يَحِلَّ وكان معه الهَدْيُ، فطافَ مَن كان معه من نسائِه
(١) في ((المصنف)) (١٣٣٢٨) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٦٤٧
باب ١٤٥ / ح ١٧٦٢
كتاب الحج
وأصحابِهِ، وحَلَّ منهم مَن لم يكن معه الهَدْيُ، فحاضَتِ هِيَ، فَنَسَكْنا مَناسكَنا من حَجِّنا، فلمَّا
كان ليلةُ الحَصْبةِ ليلةُ النَّفْرِ قالت: يا رسولَ الله، كلُّ أصحابكَ يَرجِعُ بحَجٍّ وعُمْرةٍ غيري!
قال: ((ما كنتِ تَطُوفِينَ بالبيتِ لياليَ قَدِمْنا؟)» قلتُ: لا، قال: «فاخرُجي مع أخيكِ إلى التَّنْعِيمِ،
فأهِلِّي بِعُمْرةٍ ومَوْعِدُكِ مكانَ كَذا وكذا)) فخَرَجْتُ مع عبدِ الرحمن إلى التَّنْعِيمِ، فأهلَلْتُ بعُمْرةٍ،
وحاضَت صَفِيَّةُ بنتُ حُبَيٍّ، فقال النبيُّ ◌َّه: «عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحابسَتُنا، أما كنتِ طُفْتِ
يومَ النَّحْرِ؟)) قالت: بلى، قال: ((فلا/ بأسَ، انفِرِي)) فَلَقِيتُهُ مُصْعِداً على أهلِ مكَّةَ وأنا مُنهَِطةٌ، ٥٨٧/٣
أو أنا مُصْعِدةٌ وهو مُنْهَِطٌ.
وقال مُسدَّدٌ: قلتُ: لا.
تابعه جَرِيرٌ عن منصورٍ في قوله: لا.
قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعي، والأسوَد: هو خاله، وهو
نَخَعي أيضاً، وقد سَبَقَ الكلامُ على حديث عائشة فيما يتعلَّق بطواف الحائض في ((باب
تقضي الحائض المناسك إلَّ الطَّواف)) (١٦٥١)، ويأتي الكلام على حديث عُمرتها في أبواب
العمرة (١٧٨٣).
قوله: ((ليلة الحَصْبة)) في رواية المُستَمْلي: («ليلة الخَصْباء)) وقوله بعده: ((ليلة النَّفْرِ))
عطف بيانٍ لليلة الخَصْباء، والمراد بتلك الليلة التي يتقدَّم النَّفْرُ من مِنّى قبلها، فهي شبيهة
بليلة عَرَفة، وفيه تَعقُّب على مَن قال: كلُّ ليلة تَسبِقِ يومَها إلَّ ليلة عَرَفة فإنَّ يومها
يَسْبِقها، فقد شارَكَتها ليلة النَّفر في ذلك.
قوله فيه: «ما كنت تَطُوفینَ بالبيت لياليٍ قَدِمْنا مَگَّة؟ قلت: لا» کذا للأكثر، وفي رواية أبي
ذرِّ عن المُستَمْلي: ((قلت: بلى)) وهي محمولة على أنَّ المراد: ما كنتُ أطوف.
قوله: ((وحاضَت صَفيَّة)) أي: في أيام مِنِّى، سيأتي في أبواب الإدلاج من المحصَّب
(١٧٧١): أنَّ حيضها كان ليلة النَّفْر، زاد الحكم عن إبراهيم عند مسلم (١٣٢٨/ ٣٨٧):
لمَّا أراد النبي وَّهِ أن يَنْفِرَ إذا صَفيَّةُ على باب خِبائها كَئِيبة حزينة، فقال: ((عَقْرِى))

٦٤٨
باب ١٤٥ / ح ١٧٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث، وهذا يُشعِرِ بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجلُ من أهله كان بالقُربِ من
وقتِ النَّفْر من مِنَّى، واستَشكَله بعضهم بناءً على ما فَهِمَه أنَّ ذلك كان وقتَ الرَّحيل،
وليس ذلك بلازمٍ، لاحتمال أن يكون الوقتُ الذي أراد منها ما أراد، سابقاً على الوقت
الذي رآها فيه على باب خِبائها الذي هو وقت الرَّحيل، بل ولو اَحَدَ الوقتُ لم يكن ذلك
مانعاً من الإرادة المذكورة.
قوله: ((عَقْرِى حَلْقى)) بالفتح فيهما ثمَّ السُّكون وبالقَصْر بغير تنوين في الرواية، ويجوز
في اللُّغة التنوين وصَوَّبَه أبو عُبيد، لأنَّ معناه الدُّعاء بالعَقرِ والحلق، كما يقال: سَقياً
ورَعياً، ونحو ذلك من المصادر التي يُدعَى بها، وعلى الأول هو نَعتٌ لا دعاء، ثمَّ معنى
((عَقْرى)): عَقَرَها الله، أي: جَرَحَها، وقيل: جعلها عاقراً لا تَلِد، وقيل: عَقَرَ قومها.
ومعنى ((حَلْقَى)): حَلَق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابَها وَجَعٌ في حَلْقها، أو حَلَقَ قومَها
بشُؤمِها، أي: أهلكَهم. وحكى القُرطُبي أنّها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل
هاتَين الكَلِمِتَين، ثمَّ اتَّسَعَ العربي في قولهما بغير إرادةِ حقيقتهما، كما قالوا: قاتَله الله،
وتَرِبَت يَدَاه، ونحو ذلك.
قال القُرطُبي وغيره: شَتّانَ بين قوله ◌ِوَ لِّ هذا لصَفيَّة، وبين قوله لعائشة لمَّا حاضت
معه في الحج: ((هذا شيء كَتَبه الله على بنات آدم))(١) لمَا يَشعُر به من الميل لها والحُوِّ عليها
بخلاف صَفيَّة.
قلت: وليس فيه دليل على اتِّضاع قَدْر صَفيَّة عنده، لكن اختَلَفَ الكلام باختلاف
المقام، فعائشةُ دخل عليها وهي تبكي أسَفاً على ما فاتها من النُّسُك فسَلّها بذلك،
٥٩٠/٣ وصفيةُ أراد منها ما يريد الرجلُ من / أهله، فأبدَت المانعَ، فناسَبَ كلَّ منهما ما خاطَبَها به
في تلك الحالة.
قوله: ((فلا بأس، انفِري)» هو بيانٌ لقوله في الرواية الماضية أول الباب (١٧٥٧): ((فلا
(١) سلف برقم (٢٩٤).
٠٠

٦٤٩
باب ١٤٥ / ح ١٧٦٢
كتاب الحج
إذاً)، وفي رواية أبي سَلَمةَ(١): ((قال: اخرجوا))، وفي روايةٍ عَمْرةٍ(٢): ((قال: اخرُجي))، وفي
رواية الزّهْري عن عُرْوة عن عائشة في المغازي (٤٤٠١): ((فلتَنِفِرْ)) ومعانيها مُتَقارِبة،
والمراد بها كلِّها الرَّحيلُ من مِنَّى إلى جهة المدينة.
وفي أحاديث الباب أنَّ طواف الإفاضة رُكْن، وأنَّ الطَّهارة شرط لصِحَّة الطَّواف، وأنَّ
طواف الوداع واجبٌ وقد تقدَّم ذلك.
واستُدِلَّ به على أنَّ أمير الحاجّ يَلزَمه أنَّ يُؤِّر الرَّحيل لأجلِ مَن تحيضُ مَّن لم تَطُف
للإفاضة، وتُعقِّبَ باحتمال أن تكون إرادته وَل﴿ تأخيرَ الرَّحيل إكراماً لصَفيَّة، كما احتَبَسَ
بالناس على عِقْد عائشة.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه البَزَّار(٣) من حديث جابر، وأخرجه الثَّقفي(٤) في ((فوائده))
من طريق أبي هريرة مرفوعاً: ((أميران وليسا بأميرَين: مَن تَبِعَ جِنازة فليس له أن يَنصَرِف
حتَّى تُدفَنَ أو يأذَنَ أهلُها، والمرأة تَحُجّ أو تَعتَمِر مع قوم فتحيض قبل طواف الرُّكن،
فليس لهم أن يَنصَرِفوا حتَّى تَطْهُر أو تأذَنَ لهم))، فلا دلالة فيه على الوجوب إن كان
صحيحاً، فإنَّ في إسناد كلٌّ منهما ضَعفاً شديداً. وقد ذكر مالك في ((الموطأ)) أنَّه يَلزَم الجَّال
أن يَجِبِس لها إلى انقضاء أكثر مُدّة الحيض، وكذا على النُّفساء. واستَشكَله ابن الموّاز بأنَّ
فيها تعريضاً للفساد كقطع الطَّريق، وأجاب عياضٌ بأنَّ محلّ ذلك مع أَمْن الطَّريق كما أنَّ
محلَّ أنَّ يكون مع المرأة تَحرَم.
(١) سلفت برقم (١٧٣٣).
(٢) سلفت برقم (٣٢٨).
(٣) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (١١٤٤).
(٤) تحرف في (س) إلى: البيهقي. والثقفي هذا صاحب ((الفوائد)) وتسمَّى ((الثقفيَّات)) أيضاً: هو العالم
المعمّر أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي الأصبهاني المتوفى سنة ٤٨٩هـ. ((سير أعلام النبلاء))
٨/١٩-١١. والحافظ ابن حجر سماعه لهذه الفوائد بإسناده إلى السِّلفي عن الثقفي كما في ((المعجم
المفهرس» له (١٠٥٠).

٦٥٠
باب ١٤٦ / ح ١٧٦٣ - ١٧٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال مُسدَّد: قلت: لا. وتابَعَه جَرِير عن منصور في قوله: لا)) هذا التعليق لم يقع
في رواية أبي ذرِّ وثَبَتَ لغيره، فأمَّا رواية مُسدَّد فرُوِّيناها كذلك في ((مسنده» روايةً أبي خَلِيفة
عنه قال: «حدّثنا أبو عوانة)) فذكر الحديث بسنده ومتنه وقال فيه: «ما کنتِ طُفتِ لیالي
قَدِمنا؟ قلت: لا)).
وأمَّا رواية جَرِير فَوَصَلها المصنِّف في («باب التمتّع والقِرَان)) (١٥٦١) عن عثمان بن
أبي شَيْبة عنه وقال فيه: ((ما كنتِ طُفْتِ ليالي قَدِمنا مكَّة؟ قلت: لا)) وهذا يؤيِّد صِحَّة ما
وقع في رواية المُستَمْلي حيثُ وقع عنده: بلى، موضع ((لا)) كما تقدَّم، وتقدَّم توجيهه.
١٤٦ - باب من صلّى العصر يوم النَّر بالأبطَح
١٧٦٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حذَّثنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ الثَّوْرِيُّ، عن
عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيَعِ قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ: أخبِرْني بشيءٍ عَقَلْتَه عن النبيِّ وَّهِ أَيْنَ صَلَّى
الظّهرَ يومَ الثَّوِيةِ؟ قال: بمِنَّى، قلتُ: فأينَ صَلَّى العصرَ يومَ النَّفْرِ؟ قال: بالأبطَحِ، افعَلْ كما
يفعلُ أُمراؤُكَ.
١٧٦٤ - حدَّثنا عبدُ المُتَعال بنُ طالبٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمُرُو بنُ الحارث:
أنَّ قَتَادةَ حدَّثه، عن أنسٍ بنِ مالكِ حدَّثه عن النبيِّ ◌َّهِ: أنَّه صَلَّى الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ
والعِشاءَ، ورَقَدَ رَقْدةً بالمحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلى البيتِ فطافَ به.
قوله: ((باب مَن صلَّى العصر يوم النَّفْر بالأبطَح)) أي: البَطْحاء التي بين مكَّة ومِنَّى، وهي
ما انبَطَحَ من الوادي واتَّسَع، وهي التي يقال لها: المحصَّب والمعرَّس، وحدُّها ما بين
الجبلَينِ إلى المقبرة.
وقد تقدَّم الكلام على حديث أنس الأول (١٦٥٣) في ((باب أينَ يُصلِّي الظُّهر يوم
الثَّروية)) وهو مُطابق لما ترجم به هنا.
وفي سياق حديث أنس الثاني ما يُشعِر بأنَّه صلَّى بالأبطَح - وهو المحصَّب - مع ذلك

٦٥١
باب ١٤٧ / ح ١٧٦٥ - ١٧٦٦
كتاب الحج
المغربَ والعِشاء ورَقَدَ، ثمَّ رَكِبَ إلى البيت فطافَ به، أي: طواف / الوداع، وأمَّا قوله فيه:
((أَنَّه صلَّى الظُّهر)) فلا يُنافي أنَّه وَلِّ لم يَرْم إلَّا بعد الزَّوال، لأنَّه رَمَى فَنَفَر، فنزل المحصَّب ٥٩١/٣
فصلَّ الظُّهر به.
١٤٧ - باب المحصّب
١٧٦٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:
إِنَّما كان مَنزِلٌ يَنْزِلُه النبيُّ ◌ِلَّه ليكونَ أسمَحَ لخروجِه؛ تعني: بالأبطَحِ.
١٧٦٦ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، قال عَمرٌّو: عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما قال: ليس التَّحْصِيبُ بشيءٍ، إِنَّما هو مَنْزِلُ نزلَه رسولُ الله ◌ٍَّ.
قوله: ((باب المحَصَّب)) بمُهمَلَتَينِ ثمَّ موخَّدة بوَزْن «محمَّد)» أي: ما حُكْم الُّزول به؟
وقد نَقَلَ ابن المنذر الاختلافَ في استحبابه مع الاتّفاق على أنَّه ليس من المناسك.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوري.
قوله: «عن هشام» هو ابن عُروة، وفي رواية الإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن
سفیان: حدّثنا هشام.
قوله: ((إنَّما كان منزلاً)) في رواية مسلم (٣٣٩/١٣١١) من طريق عبد الله بن نُمَير عن
هشام: نزولُ الأبطَح ليس بسُنَّة، إنَّما نزله ... الحديث.
قوله: (أسمَحَ)) أي: أسهَلَ لتَوجّهِه إلى المدينة ليستويَ في ذلك البَطيء والمعتَدِل،
ويكون مَبِيتهم وقيامهم في السَّحَر ورحيلهم بأجمعِهم إلى المدينة.
قوله: ((تعني بالأبطَح)) في رواية الكُشْمِيهني: ((تعني الأبطَحَ)) بحذف الموحَّدة، وفي
رواية مسلم المذكورة: كان أسمحَ لخروجه إذا خرج.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَ ((قال عَمْرو)) هو ابن دينار، وعطاء: هو ابن أبي
رَبَاح، قال الدارَقُطني: هذا الحديث سمعه سفيان من الحسن بن صالح عن عَمْرو بن

٦٥٢
باب ١٤٧ / ح ١٧٦٥ -١٧٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
دينار، يعني أنَّه دَلَّسَه هنا عن عَمْرو، وتُعقّبَ بأنَّ الحميدي أخرجه في ((مسنده)» (٤٩٨) عن
سفيان قال: حدَّثنا عَمْرو، وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي خَيثَمَةَ عن سفيان،
فانتَفَت ◌ُهمة تدليسه.
قوله: ((ليس التَّحْصيبُ بشيءٍ)) أي: من أمر المناسك الذي يَلزَم فعلُه، قاله ابن المنذر،
وقد روى أحمد (٢٦٠٨٥) من طريق ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: ثمَّ ارتَلَ حتَّى نزل
الحَصْبة، قالت: والله ما نزلها إلَّا من أجلي.
وروى مسلم (١٣١٣) وأبو داود (٢٠٠٩) وغيرهما من طريق سليمان بن يَسَار عن أبي
رافع قال: لم يأمرْني رسول الله ﴿ أَنَّ أنزِل الأبطَحَ حين خرج من مِنِّى، ولكن جئت
فضَرَبتُ قُبَّته فجاء فنزل. انتهى.
لكن لمَّا نزله النبي ◌َّ كان التُّزول به مُستَحَبّاً اتِّباعاً له لتقريره على ذلك، وقد فعله
الخلفاءُ بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر قال: كان النبي ◌َِّ وأبو بكر وعمر يَنْزِلونَ الأَبَطَح(١)، وسيأتي للمصنِّف في
الباب الذي يليه (١٧٦٨)، لكن ليس فيه ذِكْر أبي بكر، ومن طريق أُخرى(٣) عن نافع عن
ابن عمر: أنَّه كان يرى التحصيب سُنَّة، قال نافع: وقد حَصَّبَ رسول الله وَّهِ والخلفاء
بعده. فالحاصل أنَّ مَن نَفى أنَّه سُنَّة كعائشة وابن عبَّاس، أراد أنَّه ليس من المناسك فلا
يَلْزَم بتَركِه شيء، ومَن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عُموم التأسّي بأفعاله ◌َّ، لا
الإلزامَ بذلك، ويُستَحَبّ أن يُصلِّي به الظُّهر والعصر والمغرب والعِشاء، ويَبِيت به بعضَ
الليل كما دَلَّ عليه حديث أنس (١٧٥٦ و١٧٦٤)، ويأتي نحوُه من حديث ابن عمر في
الباب الذي يليه.
(١) لم يخرجه مسلم من هذا الطريق، وإنما هو عند الترمذي برقم (٩٢١)، وابن ماجه (٣٠٦٩)، وأخرجه
مسلم (١٣١٠) (٣٣٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره.
(٢) أي: عند مسلم برقم (١٣١٠) (٣٣٨).

٦٥٣
باب ١٤٨ / ح ١٧٦٧ -١٧٦٨
كتاب الحج
٥٩٢/٣
١٤٨ - باب التُّزول بذي الطُّوَى قبل أن يدخل مكّة والتُّزول بالبطحاء
الّتي بذي الحُلَيفة إذا رجع من مكّة
١٧٦٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ: أنَّ
ابنَ عمرَ رضي الله عنهما كان يَبِيتُ بذي طُوَّى بين الثَّنِيَّتَيْنِ، ثمَّ يَدخُلُ من الثَّيَّةِ التي بأعلى
مِكَّةَ، وكانَ إذا قَدِمَ مكّةَ حاجّاً أو معتمراً لم يُنِجْ ناقته إلَّا عندَ بابِ المسجدِ، ثمّ يَدخُلُ فيأتي
الرُّكنَ الأسودَ فيَبدأُ به، ثمّ يطوفُ سبعاً، ثلاثاً سَعْياً، وأربعاً مَشْياً، ثمّ ينصرفُ فيصلِي
سجدتينٍ، ثمّ ينطلقُ قبلَ أن يَرجِعَ إلى منزله فيطوفُ بين الصَّفَا والمَزْوة، وكان إذا صَدَرَ عن
الحجِّ أو العُمْرةِ أناخَ بالبَطْحاء التي بذي الحُلَيفةِ التي كان النبيُّ وَلاَ يُنِيخُ بها.
١٧٦٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ قال: سُئِلَ عُبيدُ الله عن
المُحَصَّب، فحدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافع قال: نزلَ بها رسولُ الله ◌َّهِ وعمرُ وابنُ عمرَ.
وعن نافعٍ: أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما كان يُصلِّ بها - يعني: المحَصَّبَ - الظُّهرَ
والعصرَ، أحسِبُه قال: والمغربَ - قال خالدٌ: لا أشُكُّ في العِشاءِ - ويَهْجَعُ هَجْعٌ، ويَذْكُرُ
ذلك عن النبيِّ وَيّ.
قوله: ((باب التُّزُول بذي الطُّوى قبل أن يَدخُل مَكَّة، والنُّزول بالبَطْحاء التي بذي
الحُلَيفة)) أي: قبل أن يَدخُل المدينة، والمقصود بهذه الترجمة الإشارة إلى أنَّ اتِّباعه وَلي في
التُّزول بمنازلِه لا يَخْتَصّ بالمحصَّب، وقد تقدَّم الكلام على مكان الدُّخول إلى مكَّة في أوائل
الحج، والتُّزول ببطحاء ذي الحليفة صريح في حديث الباب.
قوله: ((بذي الطَّوَى)) كذا للمُستَمْلي والسَّرَخْسي بإثبات الألف واللَّام، ولغيرهما
بحذفھما.
قوله: ((بين الثَّيْتَين)) أي: التي بين الشَّيْتَين.
قوله: ((لم يُنِخْ ناقتَه إلّ عند باب المسجد)) أي: إذا باتَ بذي طُوِى ثمَّ أصبح رَكِبَ ناقته
فلم يُنِخها إلَّا بباب المسجد.
:

٦٥٤
باب ١٤٩ / ح ١٧٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فيُصلِّ سَجْدتَين))، وفي رواية الكُشْمِيهني: ركعتَين.
قوله: ((وكان إذا صَدَرَ)) أي: رَجَعَ مُتوجِّهاً نحو المدينة.
قوله: ((سُئِلَ عُبيد الله)) يعني: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العُمري.
قوله: ((نزلَ بها رسول الله ◌ِّ وعمر وابن عُمَر)) هو عن النبي ◌َّ مُرْسَل، وعن عمر
مُنقطع، وعن ابن عمر موصول، ويحتمل أن یکون نافع سمع ذلك من ابن عمر، فیکون
الجميع موصولاً، ويدلّ عليه رواية عبد الرزاق التي قَدَّمتها في الباب الذي قبله.
قوله: ((وعن نافع)) هو معطوف على الإسناد الذي قبله وليس بمُعلَّق، وقد رواه
البيهقي (١٦٠/٥) من طريق حُميد بن مَسْعَدة عن خالد بن الحارث مثله.
قوله: ((يُصلِّي بها، يعني: المحَصَّب)) قيل: فسَّرَ الضَّمير المؤنَّث بلفظٍ مُذكَّر وأراد البُقْعة،
ولأنَّ من أسمائها البَطْحاء.
قوله: ((قال خالد)) هو ابن الحارث راوي أصل الإسناد، وهو مُؤيِّد للعَطْف الذي قبله.
قوله: ((لا أشُكّ في العِشاء)) يريد أنَّه شكَّ في ذِكر المغرب، وقد رواه سفيان بن عُيَينةَ
بغير شكٌّ في المغرب ولا غيرها عن أيوب وعن عُبيد الله بن عمر، جميعاً عن نافع: أنَّ ابن
عمر كان يُصلِّ بالأبطَحِ الظُّهرَ والعصر والمغرب والعِشاء ثمَّ يَهَجَع هَجْعة، أخرجه
الإسماعيلي، وهو عند أبي داود (٢٠١٢) من طريق حمَّد بن سَلَمةَ، عن حُميد، عن بكر بن
عبد الله المُزَني، وعن أيوب، عن نافع، كلاهما عن ابن عمر.
١٤٩ - باب من نزل بذي طُوی إذا رجع من مكّة
٥٩٣/٣
١٧٦٩ - وقال محمَّدُ بنُ عيسى: حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما: أنَّه كان إذا أقبَلَ باتَ بذي طُوَى حتَّى إذا أصبَحَ دَخَلَ، وإذا نَفَرَ مَرَّ بذي طُوَى وباتَ
بها حتَّى يُصبِحَ، وكان يَذْكُرُ أنَّ النبيَّ ◌َ لِّ كان يفعلُ ذلك.

٦٥٥
باب ١٥٠ / ح ١٧٧٠
كتاب الحج
قوله: ((باب مَن نزلَ بذي طُوَى إذا رَجَعَ من مَكَّةٌ)) تقدَّم الكلام على التُّزول بذي طُوَّى
والمبيت بها إلى الصبح لمن أراد أن يَدخُل مكَّة في أوائل الحج (١٥٧٤)، والمقصود بهذه
الترجمة مشروعية المبيت بها أيضاً للرّاجع من مكَّة، وغَفَلَ الداوودي فظَنَّ أنَّ هذا المبيت
مُتَّحِد بالمبيت بالمحصَّب، فجعل ذا طُوَى هو المحصَّب، وهو غلطٌ منه، وإنَّما يقع المبيت
بالمحصَّبِ في الليلة التي تلي يومَ النَّهْر من مِنَّى، فيُصبح سائراً إلى أن يَصِلَ إلى ذي طُوَى
فینزِلَ بها ویبیت، فهذا الذي يدلّ علیه سياقُ حديث الباب.
قوله: ((وقال محمَّد بن عيسى)) هو ابن الطَّاع أخو إسحاق البصري ((حدَّثنا حَمَّاد)) اختُلِفَ في
حَمَّادٍ هذا، فجَزَمَ الإسماعيلي بأنَّه ابن سَلَمة، وجَزَمَ الِزّي بأنَّه ابن زيد، فلم يَذْكُرِ حَمَّادَ بن سَلَمَةَ في
شيوخ محمد بن عيسى، وذكر حمَّدَ بن زيد، ولم تَقَع لي رواية محمد بن عيسى موصولةً.
وقد أخرج الإسماعيلي وأبو نُعَيم من طريق حمَّاد بن زيد عن أيوب طرفاً من الحديث وليس
فيه مقصودُ الترجمة، وهذا الطَّرَف تقدَّم في ((باب الاغتسال لدخولِ مَّة)) (١٥٧٣) من طريق
إسماعيل ابن عُليَّة عن أيوب، وأخرجه الإسماعيلي هنا عن الحسن بن سفيان عن محمد بن أبانَ
عن حَمَّد بن سَلَمَةَ عن أيوب، ولم يَذكُر مقصود الترجمة، فلم يَتَّضِحْ لي صِحَّة ما قال: إنَّ حَمَّاداً في
التعليق عن محمد بن عيسى هذا هو ابن سَلَمة، بل الظاهر أنَّه ابن زيد، والله أعلم.
وليس لمحمد بن عيسى هذا في البخاري سوى هذا الموضع وآخرَ في كتاب الأدب
(٦٠٧٢) سيأتي بسطُ القول فيه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وإذا نَفَر مَرَّ بذي طُوَى)) في رواية الكُشْمِيهني: ((وإذا نَفَر مرَّ من ذي طُوَى)) إلى
آخره، قال ابن بَطَّل: وليس هذا أيضاً من مَناسِك الحج. قلت: وإنَّما يُؤخَذ منه أماكنُ
نزوله وَالّ ليُتأسَّى به فيها، إذ لا يَخْلُو شيء من أفعاله عن حِكْمة.
١٥٠ - باب التِّجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهليّة
١٧٧٠ - حذَّثنا عثمانُ بنُّ الهيثمِ، أخبرنا ابنُ مُرَيجٍ، قال عَمُرُو بنُ دينارٍ: قال ابنُ عبَّاسِ
رضي الله عنهما: كان ذو المَجَازِ وعُكَاظٌ مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليَّةِ، فلمَّا جاء الإسلامُ كأنَّهم

٦٥٦
باب ١٥٠ / ح ١٧٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
كَرِهُوا ذلك حتَّى نزلت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في
مواسِمِ الحَجِّ [البقرة: ١٩٨].
[أطرافه في: ٢٠٥٠، ٤٥١٩،٢٠٩٨]
قوله: ((باب التِّجارة أيام الموسِم والبيع في أسواق الجاهلية)) أي: جواز ذلك، والمَوسِم:
بفتح الميم وسكون الواو وكسر المهمَلة، قال الأزهَريُّ: سُمّي بذلك، لأنَّه مَعلَمُ يجتمع إليه
الناس مُشتَقّ من السِّمَة: وهي العَلامة. وذكر في حديث الباب من أسواق الجاهلية اثنين
وتَرَك اثنین سنذكرهما إن شاء الله تعالى.
قوله: ((قال عَمْرو بن دينار)) في رواية إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن عيسى بن
يونس عن ابن ◌ُریج: أخبرني عمرو بن دینار.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) هذا هو المحفوظ، ووقع عند الإسماعيلي عن المَنِيعيِّ، عن
عثمان بن أبي شَيْبة، عن يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن عَمْرو، عن ابن الزُّبَيرِ،
قال الإسماعيلي: كذا في كتابي وعليه ((صح)). قلت: وهو وهمٍّ من بعض رواته، كأنَّه
دخل عليه حديثٌ في حديث، فإنَّ حديث ابن الزُّبَير عند ابن عُيَينةَ وابن جُرَيج عن
٥٩٤/٣ عُبيد الله بن أبي يزيد عنه(١)، وهو أخصَرُ/ من سياق ابن عبّاس، وقد رواه ابن عُيَينةَ عن
عَمْرو عن ابن عبّاس ثمَّ لم يحتلَف عليه في ذلك، وكذلك رواه الإسماعيلي من وجه آخر
عن ابن أبي زائدة.
قوله: ((كان ذو المَجَاز)) بفتح الميم وتخفيف الجيم وفي آخره زاي، وهو بلفظ ضِدّ
الحقيقة، وعُكَاظ: بضم المهمَلة وتخفيف الكاف وفي آخره ظاء مُشَالة، زاد ابن عُيَينةَ عن
(١) رواية ابن عيينة أخرجها الطبري في ((تفسيره) ٢٨٤/٢، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣٥٩٥م)
و(٣٥٩٦)، وابن أبي داود في ((المصاحف)) (٢٢١) من طرق عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير،
وأما رواية ابن جريج فأخرجها ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٢٢٣) من طريق أبي عاصم النبيل عنه عن
عبيد الله بن أبي یزید به.

٦٥٧
باب ١٥٠ / ح ١٧٧٠
كتاب الحج
عمرو وكما سيأتي في أوائل البيوع (٢٠٥٠) وفي تفسير البقرة (٤٥١٩): ((ومَجِنّة)) وهي
بفتح الميم وکسر الجيم(١) وتشديد النون.
قوله: ((مَتْجَر الناس في الجاهلية)) أي: مكان تِجارَتهم، وفي رواية ابن عُيَينَةَ: ((أسواقاً في
الجاهلية))، فأمَّا ذو المجاز، فذكر الفاكهيُّ من طريق ابن إسحاق: أنَّها كانت بناحية عَرَفة
إلى جانبها، وعند الأزرقي من طريق هشام بن الكَلْبي: أنَّه كان لهُذَيلٍ على فَرسَخ من
عَرَفة، ووقع في ((شرح الكِرْماني): أنَّه كان بمِنّى، وليس بشيء، لمَا رواه الطَّبَري
(٢٨٢/٢-٢٨٣) عن مجاهد: أنَّهم كانوا لا يبيعونَ ولا يَبتاعونَ في الجاهلية بعَرَفة ولا
مِنَّى، لكن سيأتي عن تخريج الحاكم (١/ ٤٨١-٤٨٢) خلاف ذلك.
وأمَّا عُكَاظ، فعن ابن إسحاق: أنَّها فيما بين نَخْلة والطائف إلى بلد يقال له: الفُتُق،
بضم الفاء والمثنَّاة بعدها قاف، وعن ابن الكَلْبِي: أنَّها كانت وراء قَرْن المنازل بمَرحَلةٍ على
طريق صنعاء، وكانت لقيسٍ وثَّقِيف.
وأمَّا مَجَنّةُ، فعن ابن إسحاق: أنَّها كانت بمَرّ الظَّهْران إلى جبل يقال له: الأصفر،
وعن ابن الكلبي: کانت بأسفل مگّة على بريد منها غربيَّ البيضاء و كانت لكِنانة، وذكر من
أسواق العرب في الجاهلية أيضاً: حُبَاشة - بضم المهملة وتخفيف الموحّدة وبعد الألف
معجمة ۔ و کانت في ديار بارِق نحو قَنُونى - بفتح القاف وبضم النون الخفيفة وبعد الواو
نون مقصورة - من مكَّة إلى جهة اليمن على ستّ مراحلَ، قال: وإنَّما لم يَذكُر هذه السوق في
الحديث، لأنَّها لم تكن من مَواسِم الحج، وإنَّما كانت تُقام في شهر رَجَب.
قال الفاكهي: ولم تَزَل هذه الأسواق قائمةً في الإسلام إلى أن كان أول ما تُرِك منها
سوق عُكَاظ في زَمَن الخوارج سنة تسع وعشرينَ ومئة، وآخر ما تُرِك منها سوق حُبَاشة في
زمن داود بن عيسى بن موسى العبّاسي في سنة سبع وتسعينَ ومئة. ثمَّ أسنَدَ عن ابن
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم نرَ له سلفاً في ضبط الجيم بالكسر، والذي في كتب البلدان واللغة ضبطُها
بالفتح، والخلاف إنما وقع في ضبط الميم، فقيل بكسرها وقيل بفتحها وهو أشهرُ. انظر ((مشارق الأنوار))
للقاضي عياض ٣٩٤/١، و((عمدة القاري)) ٢٥٠/١٠، و((إرشاد الساري)) ٤/ ٣٧.

٦٥٨
باب ١٥٠ / ح ١٧٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
الكَلْبي: أنَّ كلّ شريف كان إنَّما يَحِضُر سوقَ بلده إلَّا سوق عكاظ، فإنَهم كانوا يَتَوافَونَ بها
من كلِّ جهة، فكانت أعظمَ تلك الأسواق.
وقد وقع ذِكْرها في أحاديث أُخرى: منها حديث ابن عبّاس: انطلقَ النبيُّ وََّ في
طائفة من أصحابه عامدينَ إلى سوق عُكَاظ ... الحديث في قصَّة الجِنّ، وقد مضى في
الصلاة (٧٧٣) ويأتي في التفسير (٤٩٢١).
وروى الزُّبَير بن بَكّار في ((كتاب النَّسَب)) من طريق حَكِيم بن حِزَامٍ: أنَّها كانت تُقام
صُبْحَ هلال ذي القَعْدة إلى أن يمضي عشرونَ يوماً، قال: ثمَّ يقوم سوق مَجِنّة عشرةَ أيام
إلى هلال ذي الحِجّة، ثمَّ يقوم سوق ذي المَجَاز ثمانية أيام، ثمَّ يَتَوَجَّهونَ إلى مِنّى للحَجّ.
وفي حديث أبي الزُّبَير عن جابر: أنَّ النبي ◌ََّلَبِثَ عشر سِنِينَ يَتَّبَّعَ الناسَ في منازلهم
في الموسِم بمَجنّةَ وعُكَاظ يُبلِّغ رِسالات رَبّه ... الحديث، أخرجه أحمد (١٤٤٥٦) وغيره.
قوله: ((كأنَّهم)) أي: المسلمين.
قوله: ((كَرِهُوا ذلك)) في رواية ابن عُيَينةَ: ((فكأنَّهم تأثَّموا)) أي: خَشُوا من الوقوع في
الإثم للاشتغال في أيام النُّسُك بغير العبادة، وأخرج الحاكم في ((المستدرَك)) (١ /٤٨١ -
٤٨٢) من طريق عطاء، عن عُبيد بن عُمَير، عن ابن عبَّاس: أنَّ الناس في أول الحج كانوا
يَتَبَايَعُونَ بِمِنَّى وعَرَفة وسوق المجاز ومواسم الحج، فخافوا البيع وهم خُرُم، فأنزَلَ الله
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ في مواسِم الحج، قال:
فحدّثني ◌ُبید بن عُمَیر: أنَّه كان يقرؤها في المصحف. ولأبي داود (١٧٣١) وإسحاق بن
راهويه من طريق مجاهد عن ابن عبّاس: كانوا لا يَتَّجِرونَ بمِنَّى، فأُمِروا بالتِّجارة إذا
أفاضوا من عَرَفات؛ وقرأ هذه الآية، وأخرجه إسحاق في ((مسنده)) من هذا الوجه بلفظ:
كانوا يمنعونَ البيع والتِّجارة في أيام الموسِم يقولون: إنَّها أيام ذِكْر، فنزلت. وله من وجه
آخر عن مجاهد عن ابن عبّاس: كانوا يَكرَهونَ أن يُدخِلوا في حَجِّهم التِّجارةَ حتَّى نزلت.

٦٥٩
باب ١٥١ / ح ١٧٧١ - ١٧٧٢
كتاب الحج
قوله: ((حتَّى نزلَت ... )) إلى آخره، سيأتي في تفسير البقرة(١) عن ابن عمر قول آخر في ٥٩٥/٣
سبب نزولها.
قوله: «في مواسِم)) قال الكرماني: هو کلام الراوي ذكره تفسیراً. انتهى، وفاته ما زاده
المصنّف في آخر حديث ابن عُيَينةَ في البيوع (٢٠٥٠): ((قرأها ابن عبّاس)) ورواه ابن أبي
عمر في «مسنده) عن ابن عيينةً وقال في آخره: (و کذلك كان ابن عبّاس يقرؤها»، وروى
الطَّبَري (٢/ ٢٨٣) بإسناد صحيح عن أيوب عن عِكْرمة: أنَّه كان يقرؤها كذلك، فهي
على هذا من القراءة الشاذَّة، وحكمها عند الأئمّة حُكْم التفسير.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز البيع والشِّراء للمُعتكِفِ قياساً على الحج، والجامع
بینھما العبادة، وهو قول الجمهور.
وعن مالك: كراهةٌ ما زاد على الحاجة كالخُبزِ إذا لم يَجِدْ مَن يكفيه، وكذا کَرِهَه عطاء
ومجاهد والزُّهْري، ولا رَيْب أنَّه خلاف الأَولِى، والآية إنَّمَا نَفَت الجُناح، ولا يَلزَم من نَفْيه
نفي أولَویة مُقابِله، والله أعلم.
١٥١ - باب الادِّلاج من المُخَصَّبِ
١٧٧١- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حَدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثني إبراهيمُ، عن
الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: حاضَتْ صَفِيَّةُ ليلةَ النَّفْرِ فقالت: ما أُراني إلا
حابسَتْكم، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((عَقْرَى حَلْقَى، أطافَتْ يومَ النَّحْرِ؟)) قيل: نعم، قال: ((فانفِي)).
١٧٧٢ - قال أبو عبد الله: وزادني محمَّدٌ: حدَّثنا مُحاضِرٌ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن إبراهيمَ، عن
الأسوَدِ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَلاَ لا نَذْكُرُ إلا الحجّ، فلمَّا
قَدِمْنا أمُرَنا أن نَحِلَّ، فلمَّا كانت ليلةُ النَّفْرِ حاضَتْ صَفِيَّةُ بنتُ حُبَيٍّ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((حَلْقَى
عَقْرَى، ما أُراها إلا حابسَتَكُم؟)) ثمّ قال: ((كنتِ طُفْتٍ يومَ النَّحْرِ؟)) قالت: نعم، قال:
(١) عند شرح الحديث رقم (٤٥١٩).

٦٦٠
باب ١٥١ / ح ١٧٧١ - ١٧٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
((فانفِرِي))، قلتُ: يا رسولَ الله، إنّي لم أكُن حَلَلْتُ، قال: ((فاعتَمِري من التَّنْعِيم)»، فخَرَجَ معها
أخُوها، فَلَقِيناه مُدَّلِجاً فقال: ((مَوْعِدُكِ مكانَ كَذا وكذا».
قوله: ((باب الادِّلاج من المحَصَّب)) وقع في رواية لأبي ذرِّ: ((الإذلاج)) بسكون الدال،
والصواب تشديدها، فإنَّه بالسُّكونِ: سَيْر أول الليل، وبالتشديد: سَيْر آخره، وهو المراد
هنا، والمقصود الرَّحيل من مكان المبيت بالمحصَّبِ سَحَراً، وهو الواقع في قصَّة عائشة،
ويحتمل أن تكون الترجمة لأجلٍ رحیل عائشة مع أخيها للاعتمار، فإنّها رَحَلَت معه من
أول الليل، فقَصَدَ المصنِّفُ التنبيه على أنَّ المبيت ليس بلازم، وأنَّ السير من هناك من أول
الليل جائزٌ، وسيأتي الكلام على حديث عائشة قريباً في أبواب العمرة (١٧٨٣).
قوله: «حدّثنا آبي)» هو حفص بن غِیات، والإسناد کلّه إلى عائشة کوفیون، وليس في
المتن الذي ساقه من طريق حفص مقصود الترجمة، وإنَّما أشارَ إلى أنَّ القصّة التي في
روايته وفي رواية محاضِر واحدة.
وقد تقدَّم الكلام على قصَّة صَفيَّة قريباً (١٧٥٧).
قوله: ((وزادني محمَّد)) وقع في رواية أبي عليّ بن السَّكّن: محمد بن سَلَام. ومُحاضِر: بضم
الميم وحاء مُهمَلة خفيفة وبعد الألف ضاد معجمة، لم يُرِّج عنه البخاري في كتابه إلَّا
تعليقاً، لكنَّ هذا الموضع ظاهره الوَصْل، ويأتي الكلام على حديث عائشة مُستوفّى إن شاء
الله تعالى.
وقوله: فیه«فخرج معها أخوها)) هو عبد الرحمن بن أبي بكر كما سيأتي.
٥٩٦/٣
وقوله فيه: ((فَلَقِيناه)) أي: أنَّهِمَا لَقِيا النبيَّ وَّلِ ((مُدَّلِجاً))/ هو بتشديد الدال، أي: سائراً
من آخر الليل، فإنَّهما لمَّا رَجَعا إلى المنزل بعد أن قَضَتْ عائشةُ العمرةَ صادفا النبيَّ وَّل
مُتوجِّهاً إلى طواف الوداع.
وقوله: ((مَوعِدُكِ كذا وكذا)) أي: موضع المنزلة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.