النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ باب ١٢٠ / ح ١٧١٦ كتاب الحج بعضه فقال: ((عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنس)) وقال في بعضه: ((عن أيوب، عن رجل، عن أنس)). قال الداوودي: لو كان كلّه عند أيوبَ عن أبي قِلابةَ ما أبهَمَه، وقال ابن التِّين: يُحْتَمَلُ أن يكون إسماعيلُ شكَّ فيه أو نسيه، ووُهَيب ثقة، فقد جَزَمَ بأنَّ جميعَ الحديث عنه، وقد تقدَّم الكلام على شيء من هذا في ((باب التسبيح والتحميد)) في أوائل الحج (١٥٥١). تنبيه: حكى ابن بَطَّال عن المهلَّبِ أنَّه وقع عنده هنا: ((فلمَّا أهلَّ لنا بهما جميعاً)) قال: ومعناه: أمَّ مَن أهلَّ بالقِرَان، لأنَّه هو كان مُفرِداً، فمعنى: ((أهلَّ لنا)) أي: أباحَ لنا الإهلال، فكان ذلك أمراً وتعليماً لهم كيف يُهِلّونَ، وإلَّا فما معنى ((لنا)) في هذا الموضع! انتهى. ولم أقف في شيء من الروايات التي اتَّصّلَت لنا في هذا الحديث ولا في غيره على ما ذَكَر، وإنَّما الذي في أُصولِنا: «فلمَّا عَلَا على البَيداء لّى بهما جميعاً))، ولعلَّه وقع في نسخَتِه: «فلمَّا علا على البيداء أهلَّ»، وفي أُخرى ((لِی)) فُتِبَت «لبّا)) بألف فصارت صورتها ((لنا)» بنونٍ خفيفة، وجُمِعَ بينها وبين الرواية الأُخرى فصارت ((أهلَّ لنا»، ولا وجودَ لذلك في شيءٍ من الطّرق. ١٢٠ - بابٌ لا يُعطي الجزّارَ من الهدي شيئاً ١٧١٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي كثيرٍ، أخبَرَنا سفيانُ، قال: أخبَرَني ابنُ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، عن عليٍّ﴾، قال: بَعَثَنِي النبيُّ وَّهِ فَقُمْتُ على البُدْنِ، فأمَرَني فَقَسَمْتُ لحومَها، ثمَّ أُمَرَني فقَسَمْتُ جِلالَها وجُلُودَها. قال سفيانُ: وحدَّثني عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى، عن عليّ قال: أُمَرَ في النبيُّ ◌َّ أَن أَقُومَ على البُّدْنِ ولا أُعْطِيَ عليها شيئاً في جِزَارتها. قوله: ((باب لا يُعْطي الجزّارَ من الهَذْي شيئاً) فاعل ((يُعطي)) محذوف، أي: صاحبُ الهَذْي، والجزّارَ منصوب على المفعولية، وروي بفتح الطاء، والجزّارُ بالرفع. قوله: ((أخبرنا سُفْيان)) هو النَّوري. ٥٨٢ باب ١٢٠ / ح ١٧١٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عبد الرحمن)) سيأتي في الباب الذي بعده التصريح بالإخبار بين مجاهد وعبد الرحمن، وبين عبد الرحمن وعلي. قوله: ((وقال سُفْيان)) هو المذكورُ بالإسناد المذكور وليس مُعلَّقاً، وقد وَصَلَه النَّسائي (ك٤١٣٨) قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا عبد الرحمن - هو ابن مَهْدي - حدَّثنا سفيان. وعبد الكريم المذكورُ: هو الجَزَري كما في الرواية التي في الباب بعدَه (١٧١٧). قوله: ((فقُمْت على البُدْن)) أي: التي أرصُدُها للهَدْي، وفي الرواية الأُخرى: ((أن أقومَ على البُدن)) أي: عند نَحْرِها للاحتفاظِ بها، ويحتملُ أن يريدَ ما هو أعمُّ من ذلك، أي: على مَصالِحِها في عَلِفِها ورَعْيِها وسَقْيِها وغير ذلك، ولم يقع في هذه الرواية عدد البُدنِ لكن وقع في الرواية الثالثة (١٧١٨) أنَّها متَّةُ بَدَنة. ولأبي داود (١٧٦٤) من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: نَحَرَ النبي بَيّ ثلاثين بَدَنةً، وأمَرَني فنَحَرتُ سائرَها(١). وأصحّ منه ما وقع عند مسلم (١٢١٨) في حديث جابر الطّويل، فإنَّ فيه: ثمَّ انصَرَفَ النبيِ وَّةٍ إلى المَنحَر فَنَحَرَ ثلاثاً وستِّين بَدَنة، ثمَّ أعطى علياً فنَحَرَ ما غَبَرَ وأشَرَكَه في هَدِهِ، ثمَّ أمَرَ من كلِّ بَدَنة بَبَضْعة فجُعِلَت في قِدْرٍ فطُبِخَت، فأكَلا من لحمِها وشَرِبا من مَرَقِها. فعُرِفَ بذلك أنَّ البُدنَ كانت مئةَ بَدَنة، وأنَّ النبيِوَّ نَحَرَ منها ثلاثاً وستّينَ ونَحَرَ عليٌّ الباقي. ٥٥٦/٣ والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق: أنَّ وََّ نَحَرَ ثلاثين ثمَّ أمَرَ/ عليّاً أن يَنحَرَ، فَنَحَر سبعاً وثلاثين مثلاً، ثمَّ نَحَرَ النبيّ وََّ ثلاثاً وثلاثين، فإن ساغَ هذا الجمعُ وإلَّا فما في ((الصحيح)) أصڅُ. (١) هذه الرواية ضعيفة من أجل عنعنة ابن إسحاق فهو مدلِّس، وقد اختلف عليه فيه، فقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٥٩) من طريق إبراهيم بن سعد عنه قال: حدثني رجل عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل، فلا داعي بعد هذا إلى تكلّف الجمع بين هذه الرواية وبين رواية جابر التي سيذكرها الشارح لاحقاً. ٥٨٣ باب ١٢١ / ح ١٧١٧ كتاب الحج قوله: ((ولا أُعْطي عليها شيئاً في جِزَارتها)» وكذا قوله في الرواية التي في الباب بعدَه: (ولا يُعْطي في جِزَارتها شيئاً» ظاهر هما أن لا يُعْطي الجزّارَ شيئاً البثَّةَ، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يُعْطي الجزّارَ منها شيئاً كما وَقَعَ عند مسلم، وظاهرُه مع ذلك غير مراد، بل بيَّنَ النَّسائي (ك٤١٢٩) في روايتِه من طريق شعيب بن إسحاق عن ابن جُرَيج أنَّ المرادَ مَنْعُ عطيّة الجزّار من الهَدْي ◌ِوَضاً عن أُجْرتِهِ، ولفظُه: ((ولا يُعْطي في جِزَارتها منها شيئاً)). واختُلِفَ في الجِزارة، فقال ابن التِّين: الجِزارةُ بالكسر اسم للفِعْل، وبالضمِّ اسم للسَّواقط، فعلى هذا فينبغي أن يُقرَأ بالكسر وبه صَحَّت الرِّواية، فإن صَحَّت بالضمِّ جازَ أن يكون المراد: لا يُعْطي من بعض الجَزُور ◌ُجْرة الجزّارِ. وقال ابن الجَوْزي وتَبِعَه المحِبُّ الطَّبَري: الجُزارةُ بالضمّ: اسم لما يُعْطِى كالعُمَالَة وَزْناً ومعنّى، وقيل: هو بالكسر كالحِجامةِ والخِياطَة. وجَوَّزَ غيرُه الفتحَ. وقال ابن الأثير: الجُزارةُ بالضمِّ كالعُمالَة: ما يأخُذُه الجزّارُ من الذَّبيحة عن أُجْرتِهِ، وأصلُها أطراف البعيرِ: الرَّأسُ واليدان والرِّجْلان، سُمّيَت بذلك لأنَّ الجزّارَ كان يأخُذُها عن أُجْرته. ١٢١ - بابٌ يتصدّق بجلود الهدي ١٧١٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني الحسنُ بنُ مسلم وعبدُ الكريمِ الجَزَريُّ أَنَّ مجاهداً أخبَرَهما، أنَّ عبد الرحمن بنَ أبي ليلى أخبَرَه، أنَّ عليّاً ﴿ه أخبَرَه: أنَّ النبيَّ وَّهِ أَمَرَه أن يقومَ على بُدْنِهِ، وأن يَقْسِمَ بُدْنَه كلَّها لحومَها وجُلُودَها وجِلالَها، ولا يُعْطِيَ في جِزَارتها شيئاً. قوله: ((بابٌ يتصدَّقُ بِجُلُود الهَدْي)) أورَدَ فيه حديث عليٍّ من رواية ابن جُرَيج عن عبد الكريم الجَزَري: وهو ابن مالك، والحسن بن مسلم: وهو المكِّي، جميعاً عن مجاهد، وساقه بلفظ الحسن بن مسلم. ٥٨٤ باب ١٢١ / ح ١٧١٧ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا لفظُ عبد الكريم فقد أخرجه مسلم (٣٤٨/١٣١٧) من طريق ابن أبي خَيْثَمة زهير بن معاوية عنه نحوَه وزاد: وقال: «نحنُ نُعطیه من عندنا)». قوله: ((وأن يَقْسِمَ بُدْنَه)» بسكون الدال المهمَلة، ويجوزُ ضَمُّها. قوله: ((لحومَها وجلودَها وچِلالها)) زاد ابن خُزيمة (٢٩٢٠) من هذا الوجه في روايته: على المساكين. قوله: ((ولا يُعْطي في جِزَارتها شيئاً)) زاد مسلم (٣٤٩/١٣١٧) وابن خُزيمة (٢٩٢٠ و٢٩٢٣): ولا يُعطي في جِزَارتها منها شيئاً. قال ابن خُزيمة: المرادُ بقوله: ((يَقسِمها كلَّها)) على المساكينِ إِلَّا ما أمَرَ به من كلِّ بَدَنة بيبَضْعة فطُبِخَت كما في حديث جابر - يعني: الطَّيلَ عند مسلم (١٢١٨) كما تقدَّم التنبيه عليه - قال: والنَّهيُ عن إعطاء الجزّار، المرادُ به: أن لا يُعطى منها عن أُجرَتِهِ. وكذا قال الْبَغَوي في ((شرح السُّنّة)) قال: وأمَّا إذا أُعطي أُجرتَه كاملة ثمَّ تَصدَّقَ عليه إذا كان فقيراً كما يَتصدَّقُ على الفقراء، فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاءُ الجزّار على سبيل الأُجرة ممنوع لكَونِهِ مُعاوَضة، وأمَّا إعطاؤه صدقة أو هديّة أو زيادة على حَقِّ فالقياس الجواز، ولكنَّ إطلاق الشارع ذلك قد يُفهَمُ منه منعُ الصَّدَقة، لئلّا تَقَعَ مُسامحةٌ في الأُجرة لأجلِ ما يأخُذُه، فَيَرجِعُ إلى المعاوضة. قال القُرطُبي: ولم يُرخّص في إعطاء الجزّار منها في أُجرَتِه إلَّا الحسن البصري وعبد الله ابن عُبيد بن عُمَیر. واستُدِلَّ به على منع بيع الجِلْد، قال القُرطُبي: فيه دليل على أنَّ جلود الهَدْي وجِلالها لا تُباعُ لعطفِها على اللَّحمِ وإعطائها حُكمَه، وقد اتَّفَقوا على أنَّ لحمَها لا يُباعُ فكذلك الجلود والجِلال، وأجازَه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر، وهو وجه عند الشافعية قالوا: ويُصرَفُ ثمنه مَصِفَ الأُضحِيَّة. واستَدَلَّ أبو ثَوْر على أنَّهم اَنَّفَقوا على جواز الانتفاع به، وكلَّ ما جازَ الانتفاعُ به جاز بيعُه. ٥٨٥ باب ١٢٢ -١٢٤ / ح ١٧١٨ كتاب الحج وعُورِضَ باتِّفاقهم على جواز/ الأكل من لحم هَدْي التطوُّع، ولا يَلزَمُ من جواز أكلِه ٥٥٧/٣ جواز بيعِه. وسيأتي الكلام على الأكلِ منها في الباب الذي بعده. وأقوى من ذلك في ردِّ قوله ما أخرجه أحمد (١٦٢١٠) في حديث قَتَادة بن النُّعمان مرفوعاً: ((لا تبيعوا لحومَ الأضاحي والهَدْي، وتَصدَّقوا وكُلوا واستَمتِعوا بجلودِها ولا تَبيعوا، وإن أُطعِمتُم من لحومِها فكُلُوا إِن شِئْتُم))(١). ١٢٢ - بابٌ يتصدّق بحِلال البُدْن ١٧١٨ - حدَّثنا أبو نُعَیم، حدَّثنا سَیفُ بنُ أبي سلیمانَ، قال: سمعتُ مجاهداً یقول: حدّثني ابنُ أبي ليلى: أنَّ عليّاً له حدَّثه قال: أهدى النبيُّ ◌َِّ مِئَةَ بَدَنةٍ، فأمَرَني بلحومِها فقَسَمْتُها، ثمَّ أمَرَني بچِلالها فقَسَمْتُها، ثمَّ بجُلُودِها فَقَسَمْتُها. قوله: «بابٌ یتصدّقُ بچِلال البُدْن» أورد فيه حدیث عليّ من طريق أُخرى عن مجاهد، وقد تقدَّم الكلام عليه قبلَ أبواب في ((باب الجِلال والبُدن)) (١٧٠٧). وفي حديث عليّ من الفوائد: سَوقُ الهَدْي والوكالةُ في نَحْر الهدي والاستئجار عليه والقيام عليه وتَفرِقَته والإشراك فيه، وأنَّ مَن وَجَبَ عليه شيء لله فله تَخْليصُه، ونَظِيره الَّرع يُعطي عُشرَه ولا يَحِسِبُ شيئاً من نَفَقِتِه على المساكين. ١٢٤،١٢٣ - بابٌ ﴿وَإِذْ بَوَّْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ الآياتِ إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٢٦-٣٠]، وما يأكل من البُدْن وما يتصدّق وقال عُبيدُ الله: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: لا يُؤْكَلُ من جَزاءِ الصَّيد والنَّذْرِ ویُؤكَلُ ممّا سوى ذلك. وقال عطاءٌ: يأكلُ ويُطْعِمُ من المُتْعِةِ. (١) في إسناده مقال كما هو مفصّل في التعليق عليه في ((مسند أحمد)). ٥٨٦ باب ١٢٣، ١٢٤ / ح ١٧١٩ فتح الباري بشرح البخاري ١٧١٩ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيج، حدَّثنا عطاءٌ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: كَّ لا نأكُلُ من لحومِ بُدْنِنا فوقَ ثلاثٍ مِنِّى، فَرَخَّصَ لنا النبيُّ ◌َّ فقال: («كُلُوا وتَزَوَّدُوا)) فأَكَلْنا وتَزَوَّدْنا. قلتُ لِعطاءٍ: أقال: حتَّى جِئْنا المدينةَ؟ قال: لا. [أطرافه في: ٥٤٢٤،٢٩٨٠، ٥٥٦٧] قوله: ((باب ﴿وَإِذِّ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ. عِندَ رَبِّهِ،﴾)) وقع سياق الآيات كلِّها في رواية كَرِيمة، والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآَيِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولذلك عَطَفَ عليها في الترجمة ((وما يأكلُ من البُدْنِ وما يَتصدَّق)) أي: بيان المراد من الآية. قوله: ((وقال عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَري ((أخبَرَني نافع عن ابن عمر: لا يُؤْكَلُ من جزاء الصَّيد والنَّذْر، ويُؤْكَلُ ممّ سوى ذلك)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبةٍ(١) عن ابن نُمَير عنه بمعناه قال: إذا عَطِبَتِ البَدَنة أو كُسِرَت أكَلَ منها صاحبها ولم يُبدِلها إلَّا أن تكون نَذراً أو جزاءً صيدٍ. ورواه الطَّبَري (٢/ ٢٤١) من طريق القَطّان عن عُبيد الله بلفظ التعليق المذكور. وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمدَ، وهو قول مالك وزاد: إلَّا فِدْيةَ الأذى. والروايةُ الأُخرى عن أحمد: ولا يُؤْكَّلُ إلَّا من هدي التطوُّع والتمتُّع والقِرَان، وهو قول الحنفيَّة بناء على أصلِهم: أنَّ دم التمتّع والقِرَان دم نُسُك لا دمُ جُبْران. قوله: ((وقال عطاء: يأكلُ ويُطْعِمُ من المُتْعة)) هذا التعليق وَصَلَه عبد الرزاق(٢) عن ابن جُریج عنه. وروى سعيد بن منصور من وجه آخرَ عن عطاء: لا يُؤكَلُ من جزاء الصَّيد ولا ممّاً يُعَلُ للمساكينِ من النَّذْرِ وغير ذلك ولا من الفِدية، ويُؤكَلُ ممَّا سوى ذلك. (١) في ((المصنف)) برقم (١٣٣٤٧) بتحقيق الجمعة واللحيدان. (٢) لم نقف عليه في المطبوع من ((مصنفه)) و((تفسيره))، وانظر ((تغليق التعليق)) ٩٤/٣. ٥٨٧ باب ١٢٤،١٢٣ / ح ١٧٢٠ كتاب الحج وروى عبد بن حُميد من وجه آخرَ عنه: إن شاءَ أكلَ من الهَدْي والأُضحيَّة وإن شاءً میأکل. ولا تَخَالُفَ بين هذه الآثار عن عطاء، فإنَّ حاصلها ما دَلَّ عليه الأثرُ الثاني. وزَعَمَ ابن القَصَّار المالكي أنَّ الشافعي تفرَّد بمنع الأكلِ من دم التمتّع. تنبيه: وقع في رواية كَرِيمة بعدَ قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ وقبلَ قوله: ((وما يأكلُ من البُدنِ وما يَتَصدَّق)) لفظُ ((باب))، وسَقَطَ من رواية أبي ذرٍّ وهو الصواب. قوله: ((كنَّا لا نأكُلُ من لحومِ بُدْنِنا فوقَ ثلاثٍ مِنَّى)) بإضافة ((ثلاث)) إلى ((مِنَّی))، وسیأتي الكلام عليه مُستوفّى إن شاء الله تعالى في أواخر كتاب الأضاحي (٥٥٦٧)، وهو من الحُكم المتَّفَق على نَسْخه. ١٧٢٠- حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثني يحيى قال: حدَّثْنِي عَمْرةُ، قالت: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها تقولُ: خَرَجْنا مع رسولِ الله وَ له لخمسٍ بَقِينَ من ذي القَعْدِةِ، ولا نُرَى إِلَّ الحَجَّ، حتَّى إذا دَنَّوْنا/ من مكَّةَ أمَرَ رسولُ الله وَلِّ مَن لم يكن معه هَدْيٌّ إذا ٥٥٨/٣ طافَ بالبيتِ ثمَّ يَحِلُّ. قالت عائشةُ رضي الله عنها: فدُخِلَ علينا يومَ النَّحْرِ بلحم بقرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ النبيُّ وَّ﴿ عن أزواجِه. قال يحيى: فذَكَرْتُ هذا الحديثَ للقاسم، فقال: أتتْكَ بالحديثِ على وَجْهِه. قوله: ((سلیمان)) هو ابن بلال، ويحيى: هو ابن سعيد الأنصاري، والإسناد كلّه مدنُّون، وخالدٌ وإن كان أصلُهُ كوفيّاً، فقد سَكَنَ المدينةَ مدّةً. وقد تقدَّم الكلام على حديث عائشة هذا في ((باب ذبح الرجل البقرَ عن نسائه)) (١٧٠٩). وقوله في رواية سليمانَ هذه: ((حتَّى إذا دَنَونا من مكَّةَ أمَرَ رسولُ اللهِوَّهِ مَن لم يكن معه هَذْي إذا طافَ بالبيت ثمَّ يَحِلَّ)) كذا للأكثر من طريق الفِرَبْري، وكذا وقع في رواية النَّسَّفي لكن جعل على قوله: ((ثُمَّ)) ضَبّة. ووقع في رواية أبي ذرِّ بلفظ: ((أنْ)) بدل ((ثمَّ)) ولا إشكالَ ٥٨٨ باب ١٢٥ / ح ١٧٢١ - ١٧٢٢ فتح الباري بشرح البخاري فيها، وكذا أخرجه مسلم (١٢١١/ ١٢٥) عن القَعنَبي عن سليمان بن بلال بلفظ: ((أن يَحِلّ)» وزاد قبلها: إذا طافَ بالبيت وبين الصَّفا والمروة. وقد شَرَحَه الكِرْماني على لفظ ((ثمَّ)) فقال: جواب ((إذا)) محذوف، والتقديرُ: يُتِمُّ عمرتَه ثمَّ يَحِلُّ. قال: ويجوزُ أن یکون جواب «ثمَّ))(١) محذوفاً، ويجوزُ أن تكون «ثمَّ)) زائدة، کما قال الأخفَش في قوله تعالى: ﴿أَنْ لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]: إنّ ((تابَ)) جواب ((حتَّی إذا)). قلت: وكلُّه تكلُّف، وقد تَبَّن من رواية مسلمٍ أنَّ التَّغييرَ من بعض الرُّواة ولا سيَّما وقد وقع مثلُه في رواية أبي ذرِّ الْهَرَوي، وتقدَّمت رواية مالك قريباً (١٧٠٩) ومثلُها في الجهاد (٢٩٥٢)، وكذا للإسماعيلي من وجه آخرَ عن يحيى بن سعيد، وهو الصواب. ٥٥٩/٣ ١٢٥ - باب الذّبح قبل الحلق ١٧٢١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا منصورُ بنُ زاذانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: سُئِلَ النبيُّ ◌َّهِ عَمَّن حَلَقَ قبلَ أن يَذْبَحَ . ونحوِه، فقال: ((لا حَرَجَ لا حَرَجَ)). ١٧٢٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، أخبرنا أبو بكرٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيع، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: قال رجلٌ للنبيِّ وَّهُ زُرْتُ قبلَ أن أرمِيَ؟ قال: ((لا حَرَجَ)) قال: حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ، قال: ((لا حَرَجَ)) قال: ذَبَحْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ، قال: ((لا حَرَجَ)). وقال عبدُ الَّحيم بنُ سليمان: عن ابنِ خُفَيم، أخبرني عطاءٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َلچ. وقال القاسمُ بنُ يحيى: حدَّثني ابنُ خُثَيِم، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ يَّ. وقال عَفّانُ - أُراه عن وُهَيبٍ - حدَّثنا ابنُ خُثَيم، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّه. (١) في (س): من ثمّ، بزيادة ((من)) ولا معنى لها، وليست في (أ) و(ع). ٥٨٩ باب ١٢٥ / ح ١٧٢١ -١٧٢٣ كتاب الحج وقال حمّادٌ: عن قيسِ بنِ سعدٍ وعبَّاد بنِ منصورٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ﴾، عن النبيِّ وَّل. ١٧٢٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: سُئِلَ النبيُّ نَّه فقال: رَمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: ((لا حَرَجَ)) قال: حَلَقْتُ قبلَ أن أنحَرَ؟ قال: (لا خَرَجَ)). قوله: ((باب الذَّبْح قبلَ الحلق)) أورَدَ فيه حديث السُّؤال عن الحلق قبلَ الذَّبح، ووجه الاستدلال به لمَّ ترجم له: أنَّ السُّؤالَ عن ذلك دالٌّ على أنَّ السائلَ عَرَفَ أنَّ الْحُكْمَ على عکسِه، وقد أوردَ حدیثَ ابن عبّاس من طرق ثمَّ حديث أبي موسى. فأمَّا الطَّريقُ الأولى لحديث ابن عبّاس: فمن طريق منصور بن زاذانَ عن عطاء عنه بلفظ: سُئِلَ عَمَّن حَلَقَ قبلَ أن يَذْبَحَ ونحوه. والثانية: من طريق أبي بكر - وهو ابن عيَّاش - عن عبد العزيز بن رُفيع، عن عطاء، عن ابن عبّاس، فذكر فيه الزّيارةَ قبلَ الرَّمي، والحلقَ قبلَ الذَّبِحِ، والذَّبِحَ قبلَ الرَّمي، وعُرِفَ به المراد بقوله في رواية منصور: ((ونحوه)). والثالثة: من رواية ابن خُثَيم عن عطاء. ٥٦٠/٣ قوله: ((وقال عبد الرحيم بن سليمان عن ابن خُثَيم)) وهو عبد الله بن عثمان. وهذه الرواية المعلّقة وَصَلها الإسماعيلي من طريق الحسن بن حمَّد عنه ولفظه: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، طُفْتُ بالبيت قبلَ أن أرمي، قال: ((ارمٍ ولا حَرَجَ))، وَصَلَه الطبراني في ((الأوسط)) (٥١٨٢) من طريق سعيد بن عَمْرو(١) الأشعَتي عن عبد الرحيم وقال: تفرَّد به عبد الرحيم عن ابن خُثَيم. كذا قال، والرواية التي تلي هذه تَرُدُّ عليه، وعُرِفَ بهذا أنَّ مراد البخاري أصل الحديث لا خصوصُ ما ترجم به من الذَّبحِ قبلَ الحلق. (١) في (س): سعيد بن محمد بن عمرو، بزيادة ((بن محمد)) وهو خطأ. وسعيد بن عمرو هذا ثقة من رجال مسلم في ((صحیحه)). ٥٩٠ باب ١٢٥ / ح ١٧٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال القاسم بن يحيى: حدَّثني ابن خُثَيم)) لم أقف على طريقه موصولة(١). قوله: ((وقال عَفّان : - أُراه عن وُهَيب - حدَّثنا ابن خُثَيم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس)) القائل: ((أُراه)) هو البخاري، فقد أخرجه أحمد (٣٠٣٦) عن عَفّان بدونها ولفظُه: جاء رجل فقال: يا رسول الله، حَلَقتُ ولم أنحَر، قال: ((لا حَرَجَ فانحَر)) وجاءه آخرُ فقال: يا رسول الله، نَحَرَتُ قبلَ أن أرمي، قال: «فارْمِ ولا حَرَجَ)). وزَعَمَ خَلَفٌ أنَّ البخاري قال فيه: حدَّثنا عَفّان. والمراد بهذا التعليق بيان الاختلاف فيه على ابن خُثَيم هل شيخه فيه عطاء أو سعيد بن جُبَير، كما اختُلِفَ فيه على عطاء هل شيخه فيه ابن عبّاس أو جابر، فالذي يَتَبَّنُ من صَنِيع البخاري ترجيح كَونِه عن ابن عبّاس ثمَّ كَونِه عن عطاء، وأنَّ الذي يخالفُ ذلك شاذٍّ، وإِنَّمَا قَصَدَ بإيراده بيانَ الاختلاف. وفي رواية عَفّان هذه الدّلالةُ على تعدُّد السائلينَ عن الأحكام المذكورة. قوله: ((وقال حمّاد) يعني: ابن سَلَمَةَ ... إلى آخره، هذه الطَّرِيقُ وَصَلها النَّسائي (ك٤٠٩٠) والطَّحاوي (٢٣٧/٢) والإسماعيلي وابن حِبَّان (٣٨٧٨) من طرق عن حمّاد بن سَلَمَةَ به نحوَ سياق عبد العزيز بن رُفَيع. والطَّريق الرّابعة من طريق عِكْرمةً عن ابن عبّاس. قوله: ((عبد الأعلى)) هو ابن عبد الأعلى، وخالد: هو الحَذّاءُ، وكأنَّ البخاري استَظهَرَ به لما وقع في طريق عطاء من الاختلاف، فأراد أن يُبيِّنَ أنَّ لحديث ابن عبّاس أصلاً آخر. وفي طريق عِكْرمةَ هذه زيادة حُكْم الرَّمي بعدَ المساء، فإنَّ فيه إشعاراً بأنَّ الأصلَ في الَّمي أن يكون نهاراً، وسيأتي الكلام على حُكم هذه المسألة بعدَ أربعة أبواب (١٧٣٥). ١٧٢٤ - حدَّثنا عَبْدَانُ، قال: أخبرني أَبي، عن شُعْبةَ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقٍ بنِ (١) وصلها البزار في («مسنده)) (٥١٩١) عن مقدَّم بن محمد بن يحيى بن عطاء بن مقدم، عن عمه القاسم بن یحیی، به. ٥٩١ باب ١٢٦ / ح ١٧٢٥ كتاب الحج شِهابٍ، عن أبي موسى قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِوَله وهو بالبَطْحاء فقال: ((أحَجَجْتَ؟» قلتُ: نعم، قال: ((بما أهلَلْتَ؟)) قلتُ: لَبَّكَ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ وَِّ، قال: ((أحسنْتَ، انطَلِقْ فطُفْ بالبيتٍ، وبالصَّفَا والمَرْوِ»، ثمَّ أتيتُ امرأةً من نساء بني قيسٍ، فقَلَتْ رأسي ثمَّ أهلَلْتُ بالحجِّ، فكنتُ أُقْتِي به الناسَ حتَّى خِلافٍ عمرَ ﴾ فَذَكَرتُه له فقال: إنْ نأخُذْ بكتاب الله فإنَّه يأمرُنا بالتَّام، وإن نأخُذْ بسُنَّةِ رسولِ الله وَّه فإنَّ رسولَ الله وََّ لم يَحِلَّ حتَّى بَلَغَ الهَدْيُ حِلَّ. حديث أبي موسى تقدَّم الكلام عليه في ((باب التمتُّع والقِرَان))(١). ومُطابَقَته للترجمة من قول عمر فيه: ((لم يَحِلَّ حتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه))، لأنَّ بلوغَ الهَدْي مَحِلَّه يدلُّ على ذبح الهَدْي، فلو تقدَّم الحلق عليه لصار مُتَحلَّلاً قبلَ بلوغ الهدي مَحِلَّه، وهذا هو الأصلُ وهو تقديم الذَّبح على الحلق، وأمَّا تأخيرُه فهو رُخْصة كما سيأتي(٣). قوله: ((ففَلَتْ)) بفاء التعقيب بعدَها فاء ثمَّ لام خفيفة مفتوحتَينِ ثمَّ مُثنَّاة، أي: تَتَبَّعَت القَمْل منه. ١٢٦ - باب من لبَّد رأسه عند الإحرام وحلق ١٧٢٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةَ رضي الله عنهم أنَّها قالت: يا رسولَ الله، ما شَأنُ الناس حَلُّوا بعُمْرةٍ، ولم تَحْلِلْ أنتَ من عُمْرتِكَ؟ قال: ((إنّي لَبَّدْتُ رأسي وقَلَّدْتُ هَذْبِي، فلا أَحِلُّ حتَّى أَنَحَرَ)). قوله: «باب مَن لَبَّدَ رأسَه عند الإحرام وحَلَقَ» أي: بعدَ ذلك عند الإحلال، قيل: أشارَ بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لَبَّدَ: هل يَتَعيَّنُ عليه الحلقُ أو لا؟ (١) في هذا الباب ذكره مختصراً، وأحال على ((باب من أهلَّ في زمن النبي ◌ِّ لي﴿ كإهلال النبي ◌َّ) حديث رقم (١٥٥٩) وشرحه فیه. (٢) انظر الباب الآتي برقم (١٣١). ٥٩٢ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٦ - ١٧٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦١/٣ فَتَقَلَ ابن بَطَّل عن الجمهور تَعُّنَ ذلك حتَّى عن الشافعي، وقال أهل الرَّأي: / لا يَتَعيَّنُ بل إن شاءَ قَصَّرَ. انتهى، وهذا قول الشافعي في الجديد وليس للأولِ دليل صريح، وأعلى ما فيه ما سيأتي في اللباس (٥٩١٤) عن عمر: مَن ضَفَّرَ رأسَه فليَحلِقِ. وأورَدَ المصنّفُ في هذا الباب حديث حفصة (٥٩١٦) وفيه: ((إنّي لَبَّدَتُ رأسي)) وليس فيه تَعرُّض للحلق إلَّا أنَّه معلوم من حاله وَ ل ◌ِ أنَّه حَلَقَ رأسَه في حَجِّه، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً في حديث ابن عمر كما في أول الباب الذي بعده، وأردَفَه ابن بَطَّل بحديث حفصة فجعله من هذا الباب لمناسَيَّتِه للترجمة، وقد قلتُ غير مرَّة: إنَّه لا يَلزَمُه أن يأتي بجميع ما اشتمل عليه الحديث في الترجمة، بل إذا وُجِدَت واحدة كَفَتْ، وقد تقدَّم الكلام على حديث حفصة في ((باب التمتُّع والقِرَان)» (١٥٦٦). ١٢٧ - باب الحلق والتقصير عند الإحلال ١٧٢٦ - حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، قال نافعٌ: كان ابنُ عمر رضي الله عنهما يقول: حَلَقَ رسولُ الله ◌َّهِ فِي حَجَّتِهِ. [أطرافه في: ٤٤١٠، ٤٤١١] ١٧٢٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((اللّهمَّ ارْحَمِ المحلِّقِينَ)) قالوا: والمقصِّرِينَ يا رسولَ الله؟ قال: ((اللهمَّ ارْحَمِ المحلِّقِينَ)) قالوا: والمقصِّرِينَ يا رسولَ الله؟ قال: ((والمقصِّرِينَ)). وقال الليثُ: حدَّثني نافعٌ: ((رَحِمَ الله المحلِّقِينَ)) مرَّةً أو مَّتينِ. قال: وقال عُبيدُ الله: حدَّثني نافعٌ: وقال في الرّابعة: ((والمقصِّرِينَ)). قوله: ((باب الحَلْق والتقصير عند الإحلال) قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): أفهَمَ البخاريُّ بهذه الترجمة أنَّ الحلقَ نُسُك لقوله: ((عند الإحلال)) وما يُصنَعُ عند الإحلال وليس هو نفسَ التحلُّل، وكأنَّه استَدَلَّ على ذلك بدعائه وَِّ لفاعلِهِ، والدُّعاءُ يُشعِرُ بالثَّواب، ٥٩٣ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٦ - ١٧٢٧ كتاب الحج والثَّوابُ لا يكون إلَّا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلقَ على التقصير يُشعِرُ بذلك، لأنَّ المباحات لا تَتفاضَلُ، والقول بأنَّ الحلقَ نُسُك قول الجمهور إلَّ روايةً مُضَعَّفة عن الشافعي أنَّه استباحة محظور، وقد أوهَمَ كلامُ ابن المنذر أنَّ الشافعي تفرَّد بها، لكن حُكيَت أيضاً عن عطاء وعن أبي يوسف، وهي روايةٌ عن أحمد وعن بعض المالكية، وسيأتي ما فيه بعدَ بابينِ. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب لابن عمر ثلاثةَ/ أحاديثَ، ولأبي هريرة حديثاً، ولابن ٥٦٢/٣ عبَّاس حديثاً. فالحديثُ الأولُ لابن عمر من طريق شعيب بن أبي حمزة قال: قال نافع: كان ابن عمر يقول: حَلَقَ رسول الله وَّه فِي حَجَّتِه. وهذا طرف من حديث طويل أوله: ((لمَّا نزل الحجاجُ بابن الزُّبَير)) الحديثَ، نَبَّه على ذلك الإسماعيلي. والحديثُ الثاني لابن عمر في الدُّعاء للمُحلِّقينَ، وسيأتي بسطه. والحديثُ الثالثُ لابن عمر من طريق جُوَيريَة بن أسماء عن نافع أنَّ عبد الله - وهو ابن عمر - قال: ((حَلَقَ النبيِ وَ سُ﴿ وطائفة من أصحابه وقَصَّرَ بعضهم))، وكأنَّ البخاري لم يقع له على شرطِه التصريحُ بمحلّ الدُّعاء للمُحلِّقِينَ، فاستنَبَطَ من الحديث الأولِ والثالثِ أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع، لأنَّ الأول صَرَّحَ بأنَّ حِلَاقه وقع في حَجَّتِهِ، والثالث لم يُصرِّح بذلك إلَّا أنَّه بيَّن فيه أنَّ بعضَ الصحابة حَلَقَ، وبعضهم قَصَّرَ، وقد أخرجه في المغازي (٤٤١١) من طريق موسى بن عُقْبة عن نافع بلفظ: حَلَقَ في حَجَّة الوداع وأُناسٌ من أصحابه وقَصَّرَ بعضُهم، وأخرج مسلم (٣١٦/١٣٠١) من طريق الليث بن سعد عن نافع مثلَ حديث جُوَيرِيَة سواء وزاد فيه أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((يَرحَمُ الله المحلِّقِينَ))، فأشعَرَ ذلك بأنَّ ذلك وقع في حَجَّة الوداع، وسنذكر البحثَ فيه مع ابن عبد البَرِّ هنا إن شاء الله تعالى. تنبيه: أفاد ابن خُزيمة في «صحيحه)) (٢٩٣٠) من الوجه الذي أخرجه البخاري منه في ٥٩٤ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٦ - ١٧٢٧ فتح الباري بشرح البخاري المغازي من طريق موسى بن عُقْبة عن نافع متَّصلاً بالمتن المذكور قال: وزَعَموا أنَّ الذي حَلَقَه مَعمَر بن عبد الله بن نَضْلَةَ. وبيَّن أبو مسعود في ((الأطراف)) أنَّ قائل: ((وزَعَموا)) ابن جُرَيج الراوي له عن موسى بن عُقْبة. قوله: ((قالوا: والمقصِّرينَ يا رسول الله)) لم أقف في شيء من الطّرق على الذي تولَّى السُّؤال في ذلك بعد البحث الشَّديد، والواو في قوله: ((والمقصِّرينَ)) معطوفة على شيء محذوف تقديره: قُل: والمقصِّرينَ، أو قل: وارحَم المقصِّرين، وهو يُسمَّى العطف التَّلقيني، وفي قوله وَله: ((والمقصِّرينَ)) إعطاءُ المعطوف حُكمَ المعطوف عليه ولو تَخْلَّلَ بينهما السُّكوت لغير عُذْر. قوله: ((قال: والمقصِّرينَ)) كذا في مُعظَم الروايات عن مالك إعادة ذلك الدُّعاء للمُحلِّقينِ مرَّتين، وعَطَف المقصِّرينَ عليهم في المرّة الثالثة، وانفَرَدَ يحيى بن بكير دون رواة ((الموطَّأ)) بإعادة ذلك ثلاث مرَّات، نَبَّه عليه ابن عبد البَرِّ في ((التقصِّي)) وأغفَله في ((التَّمھید»، بل قال فيه: إنَّهم لم يختلفوا على مالك في ذلك. وقد راجَعتُ أصل سماعي من ((موطَّأ)) يحبى ابن ◌ُگیر فوجدته كما قال في ((التقصِّي)). قوله: ((وقال الليث)) وَصَلَه مسلمٌ (٣١٦/١٣٠١) ولفظُه: ((رَحِمَ الله المحلِّقينَ مرَّةً أو مَّتين، قالوا: والمقصِّرين، قال: والمقصِّرينَ)) والشكُّ فيه من الليثِ وإلَّا فأكثرُهم موافقٌ لمَا رواه مالكٌ. قوله: ((وقال عُبيدُ الله)) بالتَّصغير: وهو العُمَري، وروايتُهُ وَصَلها مسلمٌ (٣١٩/١٣٠١) من رواية عبد الوهّاب الثَّقَفي عنه باللفظ الذي عَلَّقَه البخاري، وأخرجه أيضاً (٣١٨/١٣٠١) عن محمد بن عبد الله بن نُمَير عن أبيه عنه بلفظ: (رَحِمَ الله المحلِّقِينَ، قالوا: والمقصِّرينَ)) فذكر مثلَ رواية مالكِ سواءً وزاد: ((قال: رَحِمَ الله المحلِّقين، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ الله، قال: والمقصِّرينَ))، وبيانُ أنَّ كَونَها في الرّابعة أنَّ قوله: ((والمقصِّرينَ)) معطوفٌ على مُقدَّرٍ تقديرُه: يَرحَمُ الله المحلِّقين، وإنَّما قال ذلك بعدَ أن دَعَا للمُحلِّقينَ ثلاث مرَّاتٍ صريحاً، فيكون دعاؤُه للمُقصِّرينَ في الرابعة. ٥٩٥ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٨ -١٧٢٩ كتاب الحج وقد رواه أبو عَوَانَةَ في ((مُستَخرَجِه)) من طريق الثَّوري عن عُبيد الله بلفظ: ((قال في الثالثة: والمقصِّرينَ)). والجمعُ بينهما واضحٌ بأنَّ مَن قال: في الرّابعة، فعلى ما شَرَ حناه، ومَن قال: في الثالثة، أراد أنَّ قوله: ((والمقصِّرينَ)) معطوفٌ على الدَّعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة مسألةَ السائلينَ في ذلك، وكان ◌ََّ لا يُراجَعُ بعدَ ثلاثٍ كما ثَبَت(١)، ولو لم يدعُ لهم بعدَ ثالثِ مسألةٍ ما سألوه ذلك. وأخرجه أحمدُ (٤٨٩٧ و٦٣٨٤) من طريق أيوبَ عن نافعٍ بلفظ: ((اللهمَّ اغْفِر للمُحلِّقين، قالوا: وللمُقصِّرينَ - حتَّى قالها ثلاثاً أو أربعاً - ثمَّ قال: والمقصِّرينَ))، وروايةٌ مَنْ جَزَمَ مُقدَّمةٌ على رواية مَن شكَّ. ١٧٢٨ - حدَّثْنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيل، حدَّثْنَا عُمارةُ بنُ القَعْقاع، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((اللهمَّ اغفِرْ للمُحلِّقِينَ)» قالوا: وللمُقصِّرِينَ؟ قال: ((اللهمَّ اغفِرْ للمُحلِّقِينَ)) قالوا: وللمُقصِّرِينَ؟ قالها ثلاثاً، قال: ((وللمُقصِّرِينَ)). ١٧٢٩ - حدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أسماءَ، حدَّثنا جُوَيِرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، أنَّ عبد الله ابنَ عمرَ قال: حَلَقَ النبيُّ ◌َ﴿ وطائفةٌ من أصحابِهِ، وقَصَّرَ بعضُهم. قوله: ((حدَّثْنا عيَّاشُ بنُ الوليد)»/ هو الرَّامُ، بالتحتانية والمعجَمة، ووقع في رواية ابن ٥٦٣/٣ السَّكَن بالموخَّدة والمهمَلة، وقال أبو عليّ الجَيَّاني: الأولُ أرجَحُ بل هو الصواب، وكان القابِسِي يَشُكُّ عن أبي زيدٍ فيه فيُهمِلُ ضبطَه فيقول: عبَّاسٌِ أو عيَّاشٌ. قلت: لم يُخُرِّج البخاري للعبَّاس - بالموحّدة والمهمَلة - بن الوليد إلَّ ثلاثةَ أحاديثَ نَسَبَه في كلٍّ منهما ((النَّرْسي))، أحدُها في علامات النُّبوّة (٣٦٣٤)، والآخرُ في المغازي (٤٣٤٦)، والثالثُ في الفتن (٧٠٩٠) ذكره مُعلَّقاً قال: ((وقال عبَّاسٌ النَّرسي))، وأمَّا الذي بالتحتانية والمعجَمة فأكثرَ عنه، وفي الغالبِ لا يَنسُبُه، والله أعلم. (١) أخرجه أحمد (١٤٨٦٤) ضمن قصة بيع جابر جمله للنبي ◌َلّ، وسنده صحيح. ٥٩٦ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٨ -١٧٢٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قالها ثلاثاً) أي: قوله: ((اللهمَّ اغفِر للمُحلِّقينَ))، وهذه الروايةُ شاهدةٌ لأنَّ عبيد الله العُمَري حَفِظَ الزيادة. تنبيه: لم أرَ حديث أبي هريرة من طريق أبي زُرْعةَ بن عمرو بن جَرِيرٍ عنه إلَّا من رواية محمد بن فُضَيل هذه بهذا الإسناد في جميع ما وقفتُ عليه من السُّنَن والمسانيد، فهي من أفراده عن عُمارةَ، ومن أفراد عُمارةَ عن أبي زُرْعة، وتابَعَ أبا زُرْعةَ عليه عبدُ الرحمن بن يعقوب، أخرجه مسلمٌ (٣٢٠/١٣٠٢) من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ولم يَسُق لفظَه، وساقه أبو عَوَانة، وروايةُ أبي زُرْعةَ أتمّ. واختَلَفَ المتكلِّمونَ على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسولُ الله ◌َّ ذلك، فقال ابن عبد البَرِّ(١): لم يَذكُر أحد من رواة نافع عن ابن عمر أنَّ ذلك كان يوم الحُدَيبية، وهو تقصير وحذف، وإنَّما جَرَى ذلك يوم الْحُدَيبية حين صُدَّ عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عبَّاس وأبي سعيد وأبي هريرة وحُبْشي بن جُنادةَ وغيرهم. ثمَّ أخرج حديث أبي سعيد بلفظ: سمعت رسولَ الله وَلَه يستغفر لأهل الحُدَيبية للمُحلِّقينَ ثلاثاً وللمُقصِّرينَ مرَّة، وحديث ابن عبّاس بلفظ: حَلَقَ رجال يوم الحُدَيبية وقَصَّرَ آخرون، فقال رسول الله وََّ: (( رَحِم الله المحلِّقينَ)) الحديث، وحديث أبي هريرة من طريق محمد بن فُضَيل الماضي ولم يَسُق لفظه بل قال: ((فذكر معناه)) وتجوّز في ذلك، فإنَّه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريحُ بسماعه لذلك من النبي ◌َّ، ولو وقع لقَطَعنا بأنَّه كان في حَجَّة الوداع، لأَنَّ شَهِدَها ولم يشهد الحُدَيبية، ولم يَسُق ابن عبد البَرِّ عن ابن عمر في هذا شيئاً، ولم أقف على تعيين الحُدَيبية في شيء من الطُرق عنه، وقد قَدَّمتُ في صَدْر الباب أنَّه مُخرَّج من مجموع الأحاديث عنه أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع كما يُومِىُّ إلیه صَنِیعُ البخاري. (١) في ((التمهيد)) ٢٣٤/١٥. ٥٩٧ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٨ -١٧٢٩ كتاب الحج وحديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن عبد البَرِّ، أخرجه أيضاً الطَّحاوي(١) من طريق الأوزاعي، وأحمد (١١١٤٩) وابن أبي شَيْبة(٢) وأبو داود الطَّيالسي (٢٢٢٤) من طريق هشام الدَّستُوائي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم الأنصاري، عن أبي سعيد، وزاد فيه أبو داود: أنَّ الصحابة حَلَقوا يوم الحديبية إلَّا عثمان وأبا قَتَادة. وأمَّا حديث ابن عبّاس فأخرجه ابن ماجة (٣٠٤٥) من طريق ابن إسحاق: حدَّثني ابن أبي نَجِيح عن مجاهد عنه. وهو عند ابن إسحاق في المغازي(٣) بهذا الإسناد، وأنَّ ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد (٣٣١١) وغيره من طريقه. وأمَّا حديث حُبْشِيٍّ بن جُنادةَ فأخرجه ابن أبي شَيْبة (١٣٧٧٩) من طريق أبي إسحاق عنه، ولم يُعيِّن المكان، وأخرجه أحمد (١٧٥٠٧) من هذا الوجه وزاد في سياقه: ((عن حُبْشِي وكان مَمَّن شَهِدَ حَجَّة الوداع)) فذكر هذا الحديث، وهذا يُشعِر بأنَّه كان في حَجَّة الوداع. وأمَّا قول ابن عبد البرِّ: وغيرهم(٤)؛ فقد وَرَدَ تعیین الحُدیبیة من حديث جابر عند أبي قُرّة في ((السُّنَن))، ومن طريقه الطبراني في (الأوسط)) (٩١٩٨)، ومن حديث المِسوَر بن تَخَرَمَةَ عند ابن إسحاق في ((المغازي))، ووَرَدَ تعيين حَجَّة الوداع من حديث أبي مريم السَّلُولِيِّ عند أحمد (١٧٥٩٨) وابن أبي شَيْبة(٥)، ومن حديث أُمّ الحُصَين عند مسلم (١٣٠٣)، ومن حديث قارب بن الأسوَد الثَّقَفي عند أحمد (٢٧٢٠٢) وابن أبي شَيْبة (١٣٧٧٤)، ومن حديث أُمّ عُمارة عند الحارث (٣٨١)، فالأحاديث التي فيها تعيين حَجَّة الوداع أكثرُ عدداً وأصحّ إسناداً ولهذا قال النَّوَوي عَقِب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة (١) في ((شرح المشكل)) (١٣٦٩). (٢) في ((المصنف)) برقم (١٣٧٧٥) بتحقيق الجمعة واللحيدان. (٣) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٣٣٤/٣. (٤) في (أ): وغيره، وتحرف في (س) إلى: فوهم، والمثبت من (ع) وهو الصواب. (٥) في ((المصنف)) برقم (١٣٧٩٧) بتحقيق محمد عوّامة، وبرقم (١٣٧٨٠) بتحقيق الجمعة واللحيدان، لكن سقط من سند هذه الطبعة الأخيرة اسم أبي مريم صحابيُّ الحديث. ٥٩٨ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٨ -١٧٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦٤/٣ وأُمّ / الحُصَين: هذه الأحاديث تَدُلّ على أنَّ هذه الواقعةَ كانت في حَجَّة الوداع، قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان في الْحُدَيبية، وجَزَمَ بأنَّ ذلك كان في الحُدَيبية إمامُ الحرمين في ((النِّهاية)). ثمّ قال النَّوَوي: لا يَبعُد أن يكون وقع في الموضعين. انتهى، وقال عياض: كان في الموضعين. ولذا قال ابن دقيق العيد: إنَّه الأقرب. قلت: بل هو المتَعيِّن لتَظاهر الروايات بذلك في الموضعين كما قَدَّمناه، إلَّا أنَّ السبب في الموضعين مُخْتلِف، فالذي في الحُدَيبية كان بسبب تَوقّف من توقّف من الصحابة عن الإحلال، لمَا دخل عليهم من الحُزن لكَونِهِم مُنِعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفُسهم على ذلك، فخالَفَهم النبي ◌ََّ وصالَحَ قُرَيشاً على أن يَرجِعَ من العام المقبل، والقصَّة مشهورة كما ستأتي في مكانها (٢٧٣١). فلمَّا أمَرَهم النبي ◌َّ بالإحلال تَوقَّفوا، فأشارَت أُمّ سَلَمَةَ أن يَحِلَّ هو ◌َِّ قبلهم ففَعَل، فَتَبِعوه، فحَلَقَ بعضهم وقَصَّرَ بعض، وكان مَن بادرَ إلى الحلق أسرَعَ إلى امتثال الأمر ممَّن اقتَصَرَ على التقصير. وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عبّاس المشار إليه قبلُ، فإنَّ في آخره عند ابن ماجَهْ (٣٠٤٥) وغيره(١) أنَّهم قالوا: يا رسول الله، ما بالُ المحلِّقينَ ظاهرتَ لهم بالرّحمة؟ قال: ((لأنَّهم لم يَشُكّوا)). وأمَّا السبب في تكرير الدُّعاء للمُحلِّقينَ في حَجَّة الوداع فقال ابن الأثير في «النِّهاية»: كان أكثر مَن حجّ مع رسول الله وَّه لم يَسُقَ الْهَدْي، فلمَّا أمَرَهم أن يَفسَخوا الحج إلى العمرة ثمَّ يَتَحلَّلوا منها ويَحِلِقوا رؤوسهم شَقَّ عليهم، ثمَّ لمَّا لم يكن لهم بُدُّ من الطاعة كان التقصير في أنفُسهم أخفَّ من الحلق، ففعله أكثرهم، فَرَجَّحَ النبيِنَ ◌ّفِعلَ مَن حَلَقَ لكَونِه أبينَ في امتثال الأمر. انتهى. (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (٣٣١١)، وابن هشام في ((السيرة)) ٣٣٤/٣، كما أشار إليه الحافظ قبل قلیل، وسنده حسن. ٥٩٩ باب ١٢٧ / ح ١٧٢٨ -١٧٢٩ كتاب الحج وفيما قاله نظر وإن تابَعَه عليه غير واحد، لأنَّ المتَمتِّع يُستَحَبّ في حَقّه أنَّ يُقصِّر في العمرة ويَحِلِقَ في الحج إذا كان ما بين النُّسُكَين مُتَقارباً، وقد كان ذلك في حَقّهم كذلك، والأَولى ما قاله الخطَّابي وغيره: أنَّ عادة العرب أنَّها كانت تُحِبّ توفير الشَّعر والتزُّن به، وكان الحلق فيهم قليلاً وربّما كانوا يَرَوْنه من الشُّهرة ومن زيِّ الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتَصَروا على التقصير. وفي حديث الباب من الفوائد: أنَّ التقصير يُجْزِئ عن الحلق، وهو مُجمَع عليه إلَّا ما روي عن الحسن البصري: أنَّ الحلق يَتَعيَّن في أول حَجَّة، حكاه ابن المنذر بصيغة التَّمريض، وقد ثَبَتَ عن الحسن خلافُه. قال ابن أبي شَيْبةٍ(١): حدَّثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن في الذي لم يحجَّ قَطُّ: إن شاءَ حَلَقَ وإن شاءَ قَصَّر. نعم، روى ابن أبي شَيْبة عن إبراهيم النَّخَعي قال: إذا حجّ الرجل أولَ حَجّة حَلَق، فإن حجّ أُخرى فإن شاءَ حَلَقَ وإن شاءَ قَصَّر. ثمَّ روى عنه أنَّه قال: كانوا يُحِبّونَ أن يَجلِقوا في أول حَجَّة وأول عمرة. انتهى، وهذا يدلّ على أنَّ ذلك للاستحباب لا للُّزوم. نعم، عند المالكية والحنابلة: أنَّ محلّ تعيين الحلق والتقصير أن لا يكون المحرِم لَبَّدَ شعره أو ضَفَرَه أو عَقَصَه، وهو قول الثَّوري والشافعي في القديم والجمهور، وقال في الجديد وِفاقاً للحنفية: لا يَتَعيَّن إلَّا إن نَذَرَه، أو كان شعره خفيفاً لا يُمكِن تقصيره، أو لم یکن له شعر فیُمِرُّ الموسى على رأسه. وأغرَبَ الخطَّابي فاستَدَلَّ بهذا الحديث لتَعُّن الحلق لمن لَبَّد، ولا حُجَّة فيه. وفيه أنَّ الحلق أفضلُ من التقصير، ووجهه أنَّه أبلَغُ في العبادة وأبيَنُ للخضوع والذّة وأدَلّ على صِدْق النّية، والذي يُقصِّر يُبقي على نفسه شيئاً مَّا يُتَزِيَّن به، بخلاف الحالق فإنَّه يُشعِر بأنَّه تَرَك ذلك لله تعالى. (١) في ((المصنف)) (١٣٧٦٥) بتحقيق الجمعة واللحيدان. ٦٠٠ باب ١٢٧ / ح ١٧٣٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيه إشارة إلى التَّجَرُّد، ومن ثَمَّ استَحَبَّ الصُّلَحاء إلقاءَ الشُّعور عند التوبة، والله أعلم. وأمَّا قول النَّوَوي تَبَعاً لغيره في تعليل ذلك بأنَّ المقصِّر يُبقي على نفسه الشَّعر الذي هو زينة والحاجُ مأمور بتَرْك الزِّينة، بل هو أشعَثُ أغبَرَ، ففيه نظر، لأنَّ الحلق إنَّما يقع بعد انقضاء زَمَن الأمر بالتَّقْشُّف، فإنَّه يَحِلّ له عَقِبَه كلُّ شيءٍ إلَّا النِّساء في الحج خاصَّة. واستُدِلَّ بقوله: ((المحلِّقينَ)) على مشروعية حَلْق جميع الرّأس لأنَّه الذي تقتضيه ٥٦٥/٣ الصِّيغة، وقال بوجوب حَلْق جميعه مالك وأحمد،/ واستَحَبَّه الكوفيونَ والشافعي، ويُجْزِئ البعضُ عندهم، واختلفوا فيه، فعن الحنفيَّة الرُّبُع، إلَّا أبا يوسف فقال: النِّصف. وقال الشافعي: أقلُّ ما يجب حلقُ ثلاث شَعَرات، وفي وجه لبعض أصحابه: شعرة واحدة، والتقصير كالحلق، فالأفضل أن يُقصِّر من جميع شعر رأسه، ويُستَحَبّ أن لا يَنقُص عن قَدْرِ الأَنْمُلة، وإن اقتَصَرَ على دونها أجزأ، هذا للشافعية وهو مُرتَّب عند غيرهم على الحلق، وهذا كلُّه في حقِّ الرجال. وأمَّا النِّساء، فالمشروع في حَقّهنَّ التقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عبّاس عند أبي داود (١٩٨٥) ولفظه: ((ليس على النِّساء حلقٌ، وإنَّما على النِّساء التقصير))، وللِّرمِذي (٩١٤) من حديث عليّ: نهى أن تَحِلِقَ المرأة رأسها. وقال جمهور الشافعية: لو حَلَقَت أجزأها ويُكرَه، وقال القاضيان أبو الطيِّب وحسين: لا يجوز، والله أعلم. وفي الحديث أيضاً مشروعية الدُّعاء لمن فعل ما شُرِعَ له، وتكرار الدُّعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخَيَّر فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرُّجحان، وطلب الدُّعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحاً. ١٧٣٠ - حدّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن الحسنِ بنِ مسلم، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن مُعاوِيَةَ رضي الله عنهم قال: قَصَّرْتُ عن رسولِ الله ◌َِّ بِمِشْقَصٍ.