النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
باب ٩٧ / ح ١٦٧٥
كتاب الحج
لیس فیه ذِكْر أذان ولا إقامة، لأنَّ جابراً - وإن كان ضعيفاً - فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن
عَديٌّ على ذِكْر الإقامة فيه عند الطبراني أيضاً (٤/ ٣٨٧١) فيقوى كلّ واحد منهما بالآخر.
٩٧ - باب من أذّن وأقام لكلّ واحدةٍ منهما
١٦٧٥ - حدَّثْنَا عَمرُو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا أبو إسْحاقَ، قال: سمعتُ عبد الرحمن
ابنَ يزيدَ، يقول: حجَّ عبدُ الله ﴾، فأتينا المزْدَلِفةَ حينَ الأَذان بالعَتَمةِ أو قريباً من ذلك، فأمَرَ
رجلاً فأذَّنَ وأقامَ، ثمَّ صَلَّى المغرِبَ وصَلَّى بعدَها رَكْعتَينِ، ثُمَّ دَعا بعَشائه فتَعَذَّى، ثمَّ أُمَرَ - أُرَى -
رجُلاً فأذَّنَ وأقامَ - قال عَمْرٌّو: لا أعلمُ الشَّكَّ إلا من زُهَيرٍ - ثمَّ صَلَّى العِشاءَ رَكْعَتَينِ، فلمَّا طَلَعَ
الفَجْرُ قال: إنَّ النبيَّ ◌ََّ كان لا يُصلِّ هذه الساعةَ إلا هذه الصلاةَ في هذا المكان من هذا اليومِ.
قال عبدُ الله: هما صلاتان تُحوَّلان عن وقْتِهما: صلاةُ المغرِبِ بعدَما يأتي الناسُ المزْدَلِفةَ،
والفَجْرُ حينَ يَبْزُغُ الفَجْر. قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّ يفعلُه.
[طرفاه في: ١٦٨٢، ١٦٨٣]
قوله: ((باب مَن أَذَّنَ وأقامَ لِكُلِّ واحدة منهما)) أي: من المغرِبِ والعِشاء بالمزدَلِفة.
قوله: ((زُهَير)) هو الجُعفي، وأبو إسحاق: هو السَّبيعي، وشيخُه: هو النَّخَعِي، وعبدُ الله:
هو ابن مسعود.
قوله: ((حَجّ عبد الله)) في رواية أحمد (٤٣٩٩) عن حسن بن موسى، وللنَّسائي (ك٤٠٣٠)
من طريق حسين بن عيَّاش، كلاهما عن زهير بالإسناد: حَجّ عبد الله بن مسعود، فأمَرَني
عَلَقَمة أن ألزَمَه فَلَزِمتُه فكنت معه. وفي رواية إسرائيلَ الآتية بعدَ باب (١٦٨٣): خَرَجتُ مع
عبد الله إلى مكَّةَ ثمَّ قَدِمنا جمعاً.
قوله: ((حينَ الأذان بالعَتَمةِ أو قريباً من ذلك)) أي: من مَغِيب الشَّفَقِ.
قوله: ((فأمَرَ رجلاً)) لم أقف على اسمه، ويحتملُ أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد، فإنّ
في رواية حسن وحسين المذكورتين: فكنت معه فأتينا المزدَلِفة، فلمَّا كان حينَ طَلَعَ الفجرُ
قال: قُم. فقلت له: إنَّ هذه الساعةَ ما رأيتُك صَلَّيت فيها.

٥٢٢
باب ٩٧ / ح ١٦٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ أَمَرَ أُرى رجلاً فأذَّنَ وأقامَ، قال عَمرٌو: لا أعلمُ الشكّ إلّا من زُهَيٍ)) أُرى بضم
الهمزة، أي: أظنُّ، وقد بيَّن عَمرٌّو: وهو ابن خالد شيخ البخاري فيه أنَّه من شیخِه زهیر،
وأخرجه الإسماعيلي من طريق الحسن بن موسى عن زهير مثلَ ما رواه عنه عَمْرو، ولم يقل
ما قال عمرو.
وأخرجه البيهقي (١٢١/٥) من طريق عبد الرحمن بن عَمْرو عن زهير، وقال فيه: ((ثُمَّ
أمَرَ، قال زهير: أُرى، فأذَّنَ وأقام))، وسيأتي بعدَ باب رواية إسرائيلَ عن أبي إسحاق
٥٢٥/٣ بأصرَحَ ثَمَّا قال زهير، ولفظه: «ثمَّ قَدِمنا جمعاً/ فصلَّى الصلاتَينِ كلّ صلاة وحدَها بأذان
وإقامة، والعَشاء بينهما))، والعَشاء بفتح العين.
ورواه ابن خُزيمة (٢٨٥٢) وأحمد (١) من طريق ابن أبي زائدة عن أبي إسحاق بلفظ:
فأَذَّنَ وأقام ثمَّ صلَّى المغرِب، ثمَّ تَعَشّى، ثمَّ قام فأذَّنَ وأقام وصلَّى العِشاء، ثمَّ باتَ بجمعِ
حتَّى إذا طَلَعَ الفجرُ فأذَّنَ وأقام.
ولأحمد (٣٨٩٣) من طريق جَرِير بن حازم عن أبي إسحاق: فصلَّ بنا المغرِب، ثمَّ دَعَا
بعَشاء فتَعَشّى، ثمَّ قام فصلّى العِشاءَ ثمَّ رَقَدَ. ووقع عند الإسماعيلي من رواية شَبَابة عن ابن
أبي ذِئب في هذا الحديث: ولم يَتَطَوَّع قبلَ كلٌّ واحدة منهما ولا بعدَها. ولأحمد (٤٣٩٩) من
رواية زهير: فقلت له: إنَّ هذه لَساعةٌ ما رأيتُك صَلَّيت فيها.
قوله: ((فلمَّا طَلَعَ الفَجْر)) في رواية المُستَمْلي والكُشْمِيهني: ((فلمَّا حينَ طَلَعَ الفجر))،
وفي رواية الحسين بن عيَّاش عن زهير: ((فلمَّا كان حينَ طَلَعَ الفجر))(٢).
قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن مسعود.
قوله: ((عن وقْتِهما)) كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخْسي: ((عن وقتها)» بالإفراد، وسيأتي في
رواية إسرائيلَ (١٦٧٣) بعدَ بابِ رفع هذه الجملة إلى النبي وَلّ.
(١) ليس هو عنده بهذه الطريق، وإنما بالطريق التي سيذكرها الحافظ بعد قليل.
(٢) أخرجها النسائي في ((الكبرى)) برقم (٤٠٣٠)، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر في أول الباب.

٥٢٣
باب ٩٧ / ح ١٦٧٥
كتاب الحج
قوله: ((حينَ يَبْزُغْ)) بزاٍ مضمومة وغينٍ معجمة، أي: يَطلُعُ.
وفي هذا الحديث مشروعيةُ الأذان والإقامة لكلّ من الصلاتَينِ إذا جُمِعَ بينهما، قال ابن
خَزْم: لم نَجِده مرويّاً عن النبيِ نَّهِ، ولو ثَبَتَ عنه لَقلتُ به. ثمَّ أخرج من طريق عبد الرزاق
عن أبي بكر بن عيَّاش عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرتُه لأبي جعفر
محمد بن عليّ، فقال: أمَّا نحنُ أهلَ البيت فهكذا نَصنَعُ.
قال ابن حَزْم: وقد روي عن عُمرَ من فعلِهِ. قلت: أخرجه الطَّحاوي (٢١١/٢) بإسناد
صحيح عنه، ثمَّ تأوله بأنَّه محمول على أنَّ أصحابَه تَفَرَّقوا عنه فأذَّنَ لهم ليَجتَمِعوا ليَجمَع
بهم، ولا يخفى تكلَّفه، ولو تأتَّى له ذلك في حَقِّ عمرَ - لكَونِه كان الإمام الذي يُقيمُ للناس
حَجَّهم - لم يَتَأتَّ له في حقّ ابن مسعود؛ لأنَّه إنما كان معه ناس من أصحابه لا يحتاجُ في
جمعِهم إلى مَن يُؤْذنهم(١)، وقد أخذَ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاري.
وروى ابن عبد البَرِّ عن أحمد بن خالد أنَّه كان يَتَعَجَّبُ من مالك حيثُ أخذَ بحديث
ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع کَونِه موقوفاً ومع کَونِه لم یَروِه، ویَترُدُ ما روی
عن أهل المدينة وهو مرفوع. قال ابن عبد البَرِّ: وأعجَبُ أنا من الكوفيين حيثُ أخذوا بما
رواه أهلُ المدينة وهو أن يُجمَع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتَرَكوا ما رَوَوا في ذلك عن ابن
مسعود مع أنَّهم لا يَعدِلونَ به أحداً.
قلت: الجوابُ عن ذلك: أنَّ مالكاً اعتَمَدَ على صَنِيع عمرَ في ذلك وإن كان لم يَروِه في
((الموطّا))، واختارَ الطَّحاوي ما جاء عن جابر يعني في حديثه الطّويل الذي أخرجه مسلم
(١٢١٨) أنَّه جمع بينهما بأذان واحدٍ وإقامتَين، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن
أحمد، وبه قال ابن الماحِشُون وابن خَزْم، وقَوّاه الطَّحاوي بالقياس على الجمع بين الظّهرِ
والعصِرِ بعَرَفة. وقال الشافعي في الجديد والثَّوري وهو رواية عن أحمد: يُجمَعُ بينهما
بإقامتَينِ فقط، وهو ظاهر حديث أُسامةَ الماضي قريباً(٢) حيثُ قال: فأقام المغرِبَ ثمَّ أناخَ
(١) في (س): يؤذِّن لهم.
(٢) عند شرحه للحديث (١٦٦٩)، وهذه الرواية عند مسلم (١٢٨٠) (٢٧٩).

٥٢٤
باب ٩٧ / ح ١٦٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
الناس ولم يَحُلّوا حتَّى أقام العِشاء. وقد جاء عن ابن عمر كلّ واحدة من هذه الصِّفات،
أخرجه الطَّحاوي وغيره، وكأنَّه كان يَراه من الأمر الذي يَتخيَّرُ فيه الإنسانُ، وهو
المشهورُ عن أحمدَ.
واستُدِلَّ بحديث ابن مسعود على جواز التنفّل بين الصلاتَينِ لمَن أراد الجَمْع بينهما،
لكون ابن مسعود تَعَشّى بين الصلاتين، ولا حُجَّةَ فيه لأنَّه لم يَرفَعه، ويحتملُ أن لا يكون
قَصَدَ الجمعَ، وظاهر صَنِيعِه يدلُّ على ذلك لقوله: إنَّ المغرِبَ تُحوَّلُ عن وقتها، فرأى أنَّه
وقتُ هذه المغرِبِ خاصَّة، ويحتملُ أن يكون قَصَدَ الجمعَ وكان يَرى أنَّ العملَ بين
الصلاتَينِ لا يقطعُه إذا كان ناوياً للجمع. ويُحِمَلُ قوله: ((تُحوَّلُ عن وقتها)) أي: المعتاد.
وأمَّا إطلاقُه على صلاة الصبح أنَّها تُحوَّلُ عن وقتها، فليس معناه أنَّه أوقع الفجرَ قبلَ
طُلوعِها، وإنَّما أراد أنَّها وقعت قبلَ الوقت المعتاد فعلُها فيه في الحَضَر، ولا حُجَّةَ فيه لمن
٥٢٦/٣ مَنَعَ التَّغليس بصلاة الصبح؛ لأنَّه ثَبَتَ/ عن عائشة وغيرها كما تقدَّم في المواقيت (٥٧٨)
التَّغليسُ بها، بل المراد هنا أنَّه كان إذا أتاه المؤذِّنُ بطلوع الفجرِ صلَّى ركعتَي الفجرِ في بيتِه
ثمَّ خرج فصلَّى الصبح مع ذلك بغَلَس، وأمَّا بِمُزدَلِفة فكان الناس مُجْتَمِعينَ والفجرُ نُصْبَ
أعيُنِهم، فبادرَ بالصلاة أولَ ما بَزَغَ، حتَّى إنَّ بعضَهم كان لم يَتَبِيَّن له طُلوعه، وهو بيِّنٌ في
رواية إسرائيلَ الآتية (١٦٨٣) حيثُ قال: ثمَّ صلَّى الفجرَ حينَ طَلَعَ الفجر، قائلٌ يقول:
طَلَعَ الفجرُ، وقائلٌ يقول: لم يَطلُع.
واستَدَلَّ الحنفيَّة بحديث ابن مسعود هذا على تَرْك الجمع بين الصلاتَينِ في غير يومٍ
عَرَفَةَ وَجَمْعٍ، لقول ابن مسعود: ما رأيت رسولَ الله وَّهِ صلَّى صلاةً لغير ميقاتها إلَّا
صلاتَين. وأجاب المجَوِّزونَ بأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحَفَظ، وقد ثَبَتَ الجمعُ بين
الصلاتَينِ من حديث ابن عمر (١١٠٦) وأنس (١١٠٨) وابن عبَّاس (١١٠٧) وغيرهم،
وتقدَّم في موضعه بما فيه كفاية، وأيضاً فالاستدلال به إنَّما هو من طريق المفهوم وهم لا
يقولونَ به، وأمَّا مَن قال به فشرطُه أن لا يعارضَه منطوق، وأيضاً فالحصر فيه ليس على
ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظّهرِ والعصرِ بعَرَفة.

٥٢٥
باب ٩٨ / ح ١٦٧٦
كتاب الحج
٩٨ - باب من قدَّم ضَعَفةَ أهله بليلٍ فيقفون بالمزدلفة
وَيَدْعُونَ، ويُقدِّمُ إذا غابَ القَمَرُ
١٦٧٦ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال سالم: وكان
عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه، فيَقِفُونَ عندَ المشْعَرِ الحرام بالمزْدَلِفةِ بليلٍ،
فِيَذْكُرُونَ اللهَ ما بَدا لهم، ثمَّ يَرجِعُونَ قبلَ أن يَقِفَ الإمامُ وقبلَ أن يَدْفَعَ، فمنهم مَن يَقْدَمُ مِنَّى
لِصلاةِ الفَجْرِ، ومنهم مَن يَقْدَمُ بعدَ ذلك، فإذا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرةَ.
وكان ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما يقول: أرخَصَ في أُولَئِكَ رسولُ اللهِهِ.
قوله: ((باب مَن قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهلِه)) أي: من نساءٍ وغيرهم. ((بليلٍ)) أي: من منزله بجمعٍ. ٥٢٧/٣
((فِيَقِفُونَ بالمزْدَلِفَةِ ويَدْعُونَ ويُقدِّم)) ضَبَطَه الكِرْماني بفتح القاف وكسر الدَّال، قال:
وحُذِفَ الفاعلُ للعلمِ به، وهو مَن ذُكِرَ أولاً، وبفتح الدَّال على البناء للمجهول.
وقوله: ((إذا غابَ القَمَر)) بيان للمراد من قوله في أول الترجمة: ((بليلٍ))، ومَغيبُ القَمَرِ
تلك الليلةَ يقعُ عند أوائل الثُّلث الأخير، ومن ثَمَّ قَيَّدَه الشافعي ومَن تَبِعَه بالنِّصف الثاني.
قال صاحب ((المغني)): لا نَعلَمُ خلافاً في جواز تقديم الضَّعَفة بليل من جمع إلى مِنَّى.
ثم ذكر المصنّف في الباب أربعة أحاديث:
الأوَّل: حديثُ ابنِ عمرَ:
قوله: ((قال سالم)) في رواية ابن وَهْب عند مسلم (١٢٩٥) عن يونس عن ابن شهاب:
أنَّ سالم بن عبد الله أخبَرَه.
قوله: ((المشْعَر)) بفتح الميمِ والعين، وحكى الجوهري كسرَ الميم، وقيل: إنَّه لغةُ أكثر
العرب، وقال ابن قُرقولٍ: كسرُ الميم لغة لا روايةٌ. وقال ابن قُتَيبة: لم يُقرأ بها في الشَّواذّ،
وقيل: بل قُرِئَ، حكاه الهُذَلي.
وسُمّي المشعَر لأنَّه مَعْلَم للعبادة، والحرام لأنَّه من الحَرَمِ أو حُرمَتِه.
وقوله: ((ما بَدَا لهم)) بغير همز، أي: ظَهَرَ لهم، وأشعَرَ ذلك بأنَّه لا توقيفَ لهم فيه.

٥٢٦
باب ٩٨ / ح ١٦٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (ثُمَّ يَرجِعُونَ)) في رواية مسلم (١٢٩٥): ((ثُمَّ يَدْفَعونَ)) وهو أوضحُ، ومعنى
الأول: أنَّهم يَرجِعونَ عن الوقوفِ إلى الدَّفع، ثمَّ يَقدَمونَ مِنَّى على ما فُصِّلَ في الخيرِ.
وقوله: (لِصلاةِ الفجر)) أي: عند صلاة الفجر.
قوله: ((وكان ابن عُمَر يقول: أرخَصَ في أُولَئِكَ رسولُ اللهِ وَّ) كذا وقع فيه ((أرخَصَ))،
وفي بعض الروايات: (رَخَّصَ)) بالتشديد، وهو أظهَرُ من حيثُ المعنى، لأنَّه من الترخيصِ
لا من الرَّخص.
واحتَجَّ به ابن المنذر لقول مَن أو جَبَ المبيتَ بمُزدَلِفة على غير الضَّعَفة، لأنَّ حُكمَ مَن
لم يُرخّص له ليس كَحُكمٍ مَن رُخِّصَ له، قال: ومَن زَعَمَ أنَّهما سواء لَزِمَه أن يُحِيزَ المبيتَ
على مِنَّى لسائر الناس؛ لكَونِه ◌ِ لَ أَرَخَصَ لأصحاب السِّقاية وللرِّعاء أن لا يَبِيتوا بِمِنَّی،
قال: فإن قال: لا تَعدُوا بالرُّخَصِ مواضعَها، فليُستَعمَل ذلك هنا، ولا يأذَن لأحد أن
يَتقدَّم من جمع إلَّا لمن رَخَّصَ له رسولُ الله ێے، انتھی.
وقد اختَلَفَ السلفُ في هذه المسألة.
فقال عَلقَمة والنَّخَعي والشَّعْبي: مَن تَرَك المبيت بمُزدَلِفة، فاتَه الحجّ.
وقال عطاء والزُّهْري وقَتَادة والشافعي والكوفيونَ وإسحاق: عليه دَمٌّ، قالوا: ومَن
باتَ بها لم يَجُزُ له الدَّفع قبلَ النِّصفِ.
وقال مالك: إن مرَّ بها فلم يَنْزِل فعليه دَمٌّ، وإن نزل فلا دَمَ عليه متی دَفَعَ.
وفي حديث ابن عمر دلالة على جواز رمي جَمْرة العَقَبة قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ؛ لقوله:
((إِنَّ مَن يَقدَمُ عند صلاة الفجر إذا قَدِمَ رمى الجَمْرةَ))، وسيأتي ذلك صريحاً من صَنِيع أسماء
بنت أبي بكر في الحديث الثالث من هذا الباب، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى.
١٦٧٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: بَعَثَني رسولُ الله وَّ من جمعٍ بليلٍ.
[طرفاه في: ١٦٧٨، ١٨٥٦]

٥٢٧
باب ٩٨ / ح ١٦٧٨ - ١٦٧٩
كتاب الحج
١٦٧٨ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ أبي يزيدَ، سمعَ ابنَ عَّاسٍ
رضي الله عنهما، يقول: أنا مَّنْ قَدَّمَ النبيُّنَّه ليلةَ المزدَلِفِ في ضَعَفةِ أهلِهِ.
الحديث الثاني: حديث ابن عبّاس:
وفائدته تعيين مَن أذِنَ لهم النبي ◌َّه من أهلِه في ذلك، وأورَدَه من وجهين، في الثاني
منهما: أنَّه ليس البعثُ المذكورُ خاصّاً له، لأنَّ اللفظَ الأولَ وهو قوله: ((بَعَثَني)) قد يُوهِم
اختصاصه بذلك، وفي الثاني: ((أنا مَمَّن قَدَّمَ)) فأفهَمَ أنَّه لم يَخْتَصَّ.
وقوله في الثاني: ((في ضَعَفة أهله)) قد أخرجه المصنّف في ((باب حجّ الصِّبيان)) (١٨٥٦)
من طريق حمّاد عن عُبَيد الله بن أبي يزيد بلفظ: ((في الثَّقَل))، زاد مسلم (١٢٩٣) من هذا
الوجه: ((وقال: في الضَّعَفة))، ولِسفيان/ فيه إسناد آخر أخرجه مسلم (٣٠٢/١٢٩٣) عن ٥٢٨/٣
أبي بكر بن أبي شَيْبة عنه عن عَمْرو بن دينار عن عطاء عن ابن عبّاس، مثله.
وقد أخرج طريق عطاء هذه مطوّلة الطَّحاوي (٢١٥/٢) من رواية إسماعيل بن
عبد الملك بن أبي الصُّفيراء عن عطاءٍ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَّه للعبَّاس ليلةً
المزدَلِفة: «اذهَب بضُعَفائنا ونسائنا فليُصلّوا الصبحَ بِمِنَّى، وليَرموا جَمْرةَ العَقَبة قبلَ أن
تُصيبَهم دَفعةُ الناس)) قال: فكان عطاء يفعلُه بعدَما كَبِرَ وضَعُف.
ولأبي داود (١٩٤١) من طريق حَبِيب عن عطاء عن ابن عبّاس: كان رسولُ الله وَلِ يُقدِّمُ
ضُعَفاءَ أهلِه بغَلَس. ولأبي عَوَانة في ((صحيحه)) (٣٥٢٦) من طريق أبي الزُّبَير عن ابن
عَّاس: كان رسولُ اللهِوَلَ يُقدِّمُ العيال والضَّعَفة إلى مِنَّى من المزدَلِفة.
١٦٧٩ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله مَوْلَى أسماءَ، عن
أسماء: أنَّها نزلَت ليلةَ جمع عندَ المزْدَلِفِةِ، فقامَت تُصَلّ فصَلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: يا بُنَيَّ، هل
غابَ القَمَر؟ قلتُ: لا، فصَلَّت ساعةً، ثمَّ قالت: هل غابَ القَمَر؟ قلت: نعم، قالت:
فارْتَحِلُوا، فارْتَحَلْنَا فِمَضَينا حتَّى رَمَتِ الجَمْرةَ، ثمَّ رَجَعَت فصَلَّتِ الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها:
يا هَنْتاه! ما أُرانا إلَّا قد غَلَّسْنا؟ قالت: يا بُنَّيَّ، إنَّ رسولَ الله وَّهِ أَذِنَ الظُّمُنِ.

٥٢٨
باب ٩٨ / ح ١٦٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الثالث: حدیث أسماء بنت أبي بكر الصديق:
قوله: ((حدَّثني عبد الله مَوْلى أسماء)» هو ابن كَيسانَ المدني، يُكنى أبا عمر، ليس له في
البخاري سوى هذا الحديث، وآخرَ سيأتي في أبواب العمرة (١٧٩٦)، وقد صَرَّحَ ابن جُرَيج
بتحديث عبد الله له هكذا في رواية مُسدَّد هذه عن يحيى، وكذا رواه مسلم (١٢٩١/ ٢٩٧)
عن محمد بن أبي بكر المقدَّمي، وابن خُزيمة (٢٨٨٤) عن بُندار، وكذا أخرجه أحمد في
«مسنده)) (٢٦٩٤١)، کلّھم عن یحیی.
وأخرجه مسلم (٢٩٨/١٢٩٢) من طريق عيسى بن يونس، والإسماعيلي من طريق
داود العَطّار، والطبراني (٢٦٩/٢٤) من طريق ابن عُيَينة، والطَّحاوي (٢١٦/٢) من
طريق سعيد بن سالم، وأبو نُعَيم من طريق محمد بن بُكَير، كلّهم عن ابن جُرَيج.
وأخرجه أبو داود (١٩٤٣) عن محمد بن خَلّاد عن يحيى القَطّان عن ابن جُرَيج عن
عطاء أخبرني مُبِرٍ عن أسماء، وأخرجه مالك (١/ ٣٩١) عن يحيى بن سعيد عن عطاء أنَّ
مولى أسماء أخبَرَه، وكذا أخرجه الطبراني (٢٤/ ٢٦٥) من طريق أبي خالد الأحمرِ عن يحيى
ابن سعيد، فالظاهر أنَّ ابن جُرَيج سمعه من عطاء، ثمَّ لَقي عبد الله فأخذَه عنه، ويحتملُ أن
یکون مولی أسماء شیخ عطاء غير عبد الله.
قوله: «قالت: فارْتَحِلُوا)) في رواية مسلم (١٢٩١/ ٢٩٧): «قالت: ارْحَلْ بي)).
قوله: ((فمَضَينا حتَّى رَمَت الجَمْرةَ)) في رواية ابن عُيَينة: ((فَمَضَينا بها)).
قوله: ((يا هَتْتاه)) أي: يا هذه، وقد سَبَقَ ضبطُه في ((باب ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾
[البقرة: ١٩٧])) (١٥٦٠).
قوله: ((ما أُرانا)) بضم الهمزة، أي: أظنُّ، وفي رواية مسلم (١٢٩١) بالجزم: ((فقلت لها:
لقد غَلَّسْنا»، وفي رواية مالك (٣٩١/١): «لقد جئنا مِنَّى بغَلَس))، وفي رواية داود العَطّار:
((لقد ارتحلنا بليل))، وفي رواية أبي داود (١٩٤٣): ((فقلت: إنّا رَمَينا الجَمْرة بليلِ وغَلَّسْنا))
أي: چِئنا بغَلَس.

٥٢٩
باب ٩٨ / ح ١٦٧٩
كتاب الحج
قوله: ((أذِنَ الظُّعُن)) بضم الظاء المعجَمة، جمعُ ظَعِينة: وهي المرأةُ في الهَودَجِ، ثمَّ أُطلِقَ
على المرأة مُطلَقاً، وفي رواية أبي داود المذكورة: إنّ كنَّا نَصنَعُ هذا على عَهِدِ رسول الله وَّةِ،
وفي رواية مالك: ((لقد كنّا نفعلُ ذلك مع مَن هو خير منك)) تعني: النبي ◌َلّ.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على جواز الرَّمي قبلَ طُلوع الشَّمسِ عند مَن خَصَّ التعجيل
بالضَّعَفة، وعند مَن لم يُخَصِّص، وخالَفَ في ذلك الحنفيَّة، فقالوا: لا يَرمي جَمْرةَ العَقَبة
إلَّا بعدَ طُلوع الشَّمس، فإن رمى قبلَ طُلوع الشَّمسِ وبعدَ طُلوع الفجرِ جازَ، وإِن رَماها
قبلَ الفجرِ أعادها. وبهذا قال أحمدُ وإسحاقُ والجمهورُ، وزاد إسحاق: ولا يَرمِيها قبلَ
طُلوع الشَّمس، وبه قال النَّخَعي ومجاهد والثَّوري وأبو ثَوْر. ورأى جواز ذلك قبلَ طُلوع
الفجرِ عطاء وطاووس والشَّعْبي والشافعي.
واحتَجَّ الجمهورُ بحديث ابن عمر الماضي قبلَ هذا، واحتَجَّ إسحاق بحديث ابن
عِبَّاس: أنَّ النبي ◌َّ قال لغِلمان بني عبد المطلب: ((لا تَرِمُوا الْجَمْرةَ حتَّى تَطلُعَ الشَّمس)»
وهو حديث حسنٌ أخرجه أبو داود (١٩٤٠) والنَّسائي (٣٠٦٤) والطَّحاوي (٢١٧/٢)
وابن حبَّان (٣٨٦٩) من طريق الحسن العُرَني - وهو بضم المهمَلة وفتح الراء بعدَها نونٌ -
عن ابن عبّاس، وأخرجه الثِّرمِذي (٨٩٣) والطَّحاوي (٢١٧/٢) من طرق عن الحَكم عن
مِقْسَمٍ عنه، وأخرجه أبو داود (١٩٤١) من طريق حبيب عن عطاء، وهذه الطّرق يُقوِّي
بعضها بعضاً، ومن ثَمَّ صَخَّحَه التِّرمِذي وابن حِبَّان.
وإذا كان مَن رُخّصَ له مُنِعَ أن/ يَرمي قبلَ طُلوع الشَّمسِ، فمَن لم يُرخّص له أولى. ٥٢٩/٣
واحتَجَّ الشافعي بحديث أسماء هذا.
ويُجمَعُ بينه وبين حديث ابن عبّاس بحمل الأمر في حديث ابن عبّاس على النَّدب،
ويؤيِّدُه ما أخرجه الطَّحاوي (٢١٥/٢) من طريق شُعْبة مولى ابن عبّاس عنه قال: بَعَثَني
النبي ◌َّ مع أهلِه، وأمَرَني أن أرمي مع الفجر.
وقال ابن المنذر: السُّنّةُ أن لا يَرْمي إلَّا بعدَ طُلوع الشَّمسِ، كما فعل النبي ◌َِّ، ولا

٥٣٠
باب ٩٨ / ح ١٦٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
يجوزُ الرَّمي قبلَ طُلوع الفجر، لأنَّ فاعله مخالف للسُّنّة، ومَن رَمَى حينِئِذٍ فلا إعادةَ عليه؛
إذ لا أعلمُ أحداً قال: لا يُزِتُه.
واستُدِلَّ به أيضاً على إسقاط الوقوف بالمشعَر الحرام عن الضَّعَفة، ولا دلالةَ فيه، لأنَّ
رواية أسماء ساكتة عن الوقوفِ، وقد بيَّنته روايةُ ابن عمر التي قبلها.
وقد اختَلَفَ السلفُ في هذه المسألة، فكان بعضهم يقول: ومَن مَرَّ بمُزدَلِفة فلم يَنزِل
بها فعليه دَم، ومَن نزل بها ثمَّ دَفَعَ منها في أيِّ وقتٍ كان من الليلِ، فلا دَمَ عليه ولو لم يَقِف
مع الإمام.
وقال مجاهد وقَتَادة والزُّهْري والثَّوري: مَن لم يَقِف بها فقد ضَيَّعَ نُسُكاً، وعليه دَمٌّ،
وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثَوْر. ورُوي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي: لا دَمَ
عليه مُطلَقاً، وإنَّما هو منزلٌ، مَن شاءَ نزل به ومَن شاءً لم يَنزِل به.
وروى الطَّبَري بسند فيه ضَعفٌ عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((إنَّما جَمْعٌ منزل لِدَلَج
المسلمین)).
وذهب ابن بنت الشافعي وابن خُزَيمة إلى أنَّ الوقوفَ بها رُكنٌ لا يَتِمُّ الحجّ إلَّ به،
وأشارَ ابن المنذر إلى ترجيحِه، ونقله ابن المنذر عن عَلقَمَةَ والنَّخَعي، والعَجَبُ أنَّهم قالوا:
مَن لم يَقِف بها فاته الحجُّ، ويجعل إحرامه عمرةً.
واحتَجَّ الطَّحاوي بأنَّ الله لم يَذكُر الوقوفَ، وإنَّما قال: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ
اَلْمَشْعَرِ الْحَرَّامِ ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد أجْمَعُوا على أنَّ مَن وَقَفَ بها بغيرِ ذِكْر: أنَّ حَجَّه تامّ،
فإذا كان الذِّكر المذكور في الكتاب ليس من صُلْب الحجّ، فالموطِن الذي يكون الذِّكرُ فيه،
أحْرى أن لا يكون فرضاً.
قال: وما احتَجُّوا به من حديث عُروة بن مُضرِّس - وهو بضمِّ الميمِ وفتحِ المعجَمة
وتشديد الراء المكسورةِ بعدَها مُهمَلة - رَفَعَه قال: ((مَن شَهِدَ معنا صلاة الفَجْر بالمزدَلِفَةِ،

٥٣١
باب ٩٨ / ح ١٦٨٠
كتاب الحج
وكان قد وقَفَ قبلَ ذلك بعَرَفَة ليلاً أو نهاراً، فقد تَمَّ حَجُّه))، لإجماعهم أنَّه لو باتَ بها
ووَقَفَ ونامَ عن الصلاةِ فلم يُصلِّها مع الإمام حتَّى فاتتْه أنَّ حجّه تامّ. انتهى.
وحديث عُرْوة أخرجه أصحابُ ((السُّنَن))(١) وصحَّحه ابن حبَّان (٣٨٥١) والدَّارَ قُطني
(٢٥١٤) والحاكم (٤٦٣/١)، ولفظ أبي داود عنه: أتيت رسولَ الله وَّ بالموقِفِ - يعني
بِجْمَع - قلتُ: جئتُ يا رسول الله من جبلٍ طَيِّي، فأكلَلْتُ مَطيَّتَي وأتعَبتُ نفسي، والله ما
تَرَكتُ من جَبَلٍ إلّا وقَفْت عليه، فهل لي من حَجّ؟ فقال رسول الله وَّةَ: «مَن أدرَكَ مَعَنا
هذه الصلاةَ وأتى عَرَفات قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تَمَّ حَجُّه وقَضَى نَفَته)).
ولِلنَّسائي (٣٠٤٠): ((مَن أدرَكَ جَمعاً مع الإمام والناس حتَّى يُفيضُوا، فقد أدرَكَ
الحجّ، ومَن لم يُدْرِك مع الإمام والناس، فلم يُدْرِك))، ولأبي يَعْلِى (٩٤٦): ((ومَن لم يُدْرِك
جَمعاً فلا حَّ له)).
وقد صَنَّف أبو جعفر العُقَيلي جُزءاً في إنكارِ هذه الزّيادة، وبيَّنَ أنَّها من رواية مُطرِّف
عن الشَّعْبي عن عُرْوةَ، وأن مُطرِّفاً كان ◌َهِم في المتُون.
وقد ارتكَبَ ابن خَزْمِ الشَّطَط، فَزَعَمَ أنَّه مَن لم يُصلِّ صلاة الصُّبْحِ بِمُزدَلِفَة مع الإمام
أنَّ الحَجَّ يَفُوتُه؛ التزاماً لما ألزَمَه به الطَّحاوي، ولم يَعتَبِ ابن قُدَامة مُخَالَفَته هذه، فحَكَى
الإجماع على الإجزاء كما حَكَاه الطَّحاوي، وعند الحنفيَّةِ: يَجِبُ بتَرْكِ الوقوفِ بها دمٌّ لمن
ليس به عُذْر، ومن ◌ُملَةِ الأعذارِ عندهم: الزِّحام.
١٦٨٠ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الرحمن هو ابنُ القاسمِ، عن
القاسمِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: استأذنَتْ سَوْدةُ النبيَّ وَّ ليلةَ جَمْع - وكانت ثَقيلةً
شَبِطَةً - فَأَذِنَ لها.
[طرفه في: ١٦٨١]
(١) أخرجه أبو داود (١٩٥٠)، وابن ماجه (٣٠١٦)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٣٠٤٠-٣٠٤٣).

٥٣٢
باب ٩٨ / ح ١٦٨٠ -١٦٨١
فتح الباري بشرح البخاري
١٦٨١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّنا أفلَحُ بنُ مُميدٍ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: نزلْنا المزْدَلِفةَ، فاستأذنَتِ النبيَّ وَل ◌َ سَوْدَةُ أَن تَدْفَعَ قبلَ حَطْمَةِ الناس، وكانتٍ
امرأةً بَطِيئَةً، فأذِنَ لها، فدَفَعَت قبلَ حَطْمةِ الناس، وأقمْنا حتَّى أصبَحْنا نحنُ، ثمَّ دَفَعْنا بدَفْعِه،
فلأنْ أَكُونَ استَأْذَنْتُ رسولَ اللهِوَ لَ كما استأذنَتْ سَوْدةُ أَحَبُّ إليَّ من مَفْرُوحِ بِهِ.
الحديث الرابع: حديثُ عائشة، أورده من طريقين:
قوله: ((عن القاسم)) هو ابن محمد بن أبي بكر والد عبد الرحمن الراوي عنه.
قوله: ((استأذنَت سَوْدة)) أي: بنت زَمْعة أُمّ المؤمنين.
قوله: ((ثَقِيلة)) أي: من عِظَمِ جِسمِها.
قوله: (شَبِطَة)) بفتح المثلَّثة وكسر الموحّدة بعدَها مُهمَلة خفيفة، أي: بطيئة الحَرَكة كأنّها
تَشِطُ بالأرض، أي: تَشَبَّثُ بها، ولم يَذكُر محمد بن كثير شيخُ البخاري فيه عن سفيان
٥٣٠/٣ - وهو الثَّوري - ما استأذنَتْه سَوْدةُ فيه، فلذلك عَقَّبَه بطريق أفلَحَ/ عن القاسم المبيِّنَة
لذلك، وقد أخرجه ابن ماجَهْ (٣٠٢٧) من طريق وكيع عن الثَّوري، فبيَّن ذلك، ولفظه:
أنَّ سَوْدَةَ بنت زَمْعة كانت امرأة شَبِطة، فاستأذنَت رسولَ الله ◌َ ◌ّ﴿ أَن تَدفَعَ من جَمَعٍ قبلَ دَفْعةٍ
الناس، فَأَذِنَ لها.
ولأبي عَوَانة من طريق قَبيصة عن الثَّوْري: قَدَّمَ رسولُ اللهِوَّ سَوْدَةَ ليلةً جمعٍ. وأخرجه
مسلم (١٢٩٠) من طريق وكيع، فلم يَسُق لفظَه، ومن طريق عبد الله بن عمر العُمَري عن
عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: وَدِدتُ أنّي كنت استأذَنت رسولَ الله و الله كما استأذنَته سَوْدة،
فأُصَلّي الصبح بمِنَّى، فأرمي الجَمْرَ قبلَ أن يأتي الناس. فذكر بقيَّة الحديث مثلَ سياق
محمد بن كثير، وله نحوُه من طريق أيوبَ عن عبد الرحمن بن القاسم، وفيه من الزيادة:
وكانت عائشة لا تُفيضُ إلَّا مع الإمام.
قوله: («حدَّثنا أفلَحُ بن مُميد عن القاسم)) في رواية الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن
أفلَحَ: ((أخبرنا القاسم))، وله من طريق أبي بكر الحنفي عن أفلَحَ: سمعتُ القاسم.

٥٣٣
باب ٩٩ / ح ١٦٨٢ - ١٦٨٣
كتاب الحج
قوله: ((أن تَدْفَعَ قبل حَطْمة الناس)) في رواية مسلم (١٢٩٠/ ٢٩٣) عن القَعنَبي عن أفْلَحَ:
((أن تَدفَعَ قبله وقبلَ حَطْمة الناس))، والحَطْمة بفتح الحاء وسكون الطاء المهمَلتَين: الَّحمة.
قوله: ((فَلَأَّن أكُونَ)) بفتح اللَّام، فهو مُبتَدَأُ، وخبره ((أحَبّ)).
وقولها: ((مَفْرُوح به)) أي: ما يُفرَحُ به من كلِّ شيء.
تنبيه: وقع عند مسلم (١٢٩٠/ ٢٩٣) عن القَعنَبي عن أفلَحَ بن حُميد ما يُشعِرُ بأنَّ
تفسير الشَّبِطة بالثَّقيلة من القاسمِ راوي الخبرِ، ولفظه: ((وكانت امرأة تَبِطة، يقول القاسم:
والشَّبِطّةُ: الثَّقيلة))، ولأبي عَوَانة (٣٥٣٥) من طريق ابن أبي فُدَيكٍ عن أفلَحَ، بعدَ أن ساق
الحديثَ بلفظ: وكانت امرأة شَبِطة، قال: الشَّبِطَةُ: الثَّقيلة. وله (٣٥٣٣) من طريق أبي عامر
العَقَدي عن أفلحَ: و کانت امرأة ثبطة، يعني: ثقيلة. فعلى هذا فقوله في رواية محمد بن کثیر
عند المصنّف: ((وكانت امرأة ثَقيلة ثَبِطة)) من الإدراج الواقع قبلَ ما أُدْرِجَ عليه، وأمثِلَته
قليلة جدّاً، وسببه أنَّ الراوي أدرَجَ التفسير بعدَ الأصل، فظَنَّ الراوي الآخرُ أنَّ اللفظَينِ
ثابتان في أصل المتن، فقَدَّمَ وأخَّر، والله أعلم.
٩٩ - باب متى يُصلَّى الفجر بجمعٍ
١٦٨٢ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثنی
عُمارةُ، عن عبدِ الرحمن، عن عبدِ الله ﴾، قال: ما رأيتُ النبيَّ وَّهِ صَلَّى صلاةً لِغَيرٍ مِیقاتها إلا
صلاَين: جمع بين المغرِبِ والعِشاءِ، وصَلَّى الفَجْرَ قبلَ مِيقاتها.
١٦٨٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ رجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبد الرحمن بنِ
يزيدَ، قال: خرجتُ مع عبدِ الله ﴾ إلى مكَّةَ، ثمَّ قَدِمْنا جمعاً، فصَلَّى الصَّلاَينِ كلَّ صلاةٍ وَحْدَها
بأذانٍ وإقامةٍ، والعَشاءُ بينَهما، ثمَّ صَلَّى الفَجْرَ حينَ طَلَعَ الفَجْرُ، قائلٌ يقول: طَلَعَ الفَجْرُ، وقائلٌ
يقول: لم يَطْلُعِ الفَجْرُ، ثُمَّ قال: إنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إنَّ هاتَينِ الصَّلاَتَينِ حُوِّلَتَا عن وقْتِهِما في
هذا المكان، المغرِبَ والعِشاءَ))، فلا يَقْدَمُ الناسُ جمعاً حتَّى يُعْتِمُوا، وصلاةَ الفَجْرِ هذه الساعةَ.

٥٣٤
باب ٩٩ / ح ١٦٨٢ - ١٦٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ وقَفَ حتَّى أسفَرَ، ثمَّ قال: لو أنَّ أمِيرَ المؤمنينَ أفاضَ الآنَ أصابَ السُّنّةَ. فَما أدري أقولُه
كان أسرَعَ أم دَفْعُ عثمانَ ﴾؟ فلم يَزَلْ يُلِّي حتَّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ.
قوله: ((باب متى يُصلَّى الفَجْر بجمع)) ذكرَ فيه حديث ابن مسعود مختصراً ومطوَّلاً.
٥٣١/٣
قوله: ((حدَّثني عُمَّارة) هو ابن عُمَير، وعبد الرحمن: هو ابن يزيد النَّخَعي، والإسناد كلّه
کوفیون.
قوله: ((لِغيرِ ميقاتها)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((بغير)) بالموخَّدة بدلَ اللَّام، والمرادُ: في غير
وقتها المعتاد، كما بيَّنّه في الكلام عليه قبلَ باب.
قوله: (خَرَجْت)) في رواية غير أبي ذرٍّ: «خَرَجنا».
قوله: ((والعَشاء بينهما)) بفتح المهمَلة لا بكسرها، أي: الأكل، وقد تقدَّم إيضاحُهُ
(١٦٧٥).
قوله: ((فلا یَقْدَم)) بفتح الدال.
قوله: ((حتَّى يُعْتِمُوا)) أي: يَدخُلوا في العَتَمة: وهو وقتُ العِشاء الآخرة، كما تقدَّم بيانه
في المواقيت (٥٦٤).
قوله: ((لو أنَّ أميرَ المؤمنينَ أفاضَ الآنَ)) يعني: عثمان، كما بيَّن في آخر الكلام.
وقوله: ((فما أدري)) هو كلامُ عبد الرحمن بن يزيد، الراوي عن ابن مسعود، وأخطَأَ مَن
قال: إنّه كلامُ ابن مسعود، والمراد: أنَّ السُّنّةَ الدَّفِعُ من المشعر الحرام عند الإسفار قبلَ
طُلوع الشَّمسِ، خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية، كما في حديث عمرَ الذي بعده.
فائدة: وقع في رواية جَرِير بن حازم عن أبي إسحاق عند أحمد (٣٨٩٣) من الزيادة في
هذا الحديث: أنَّ نَظِيرَ هذا القول صَدَرَ من ابن مسعود عند الدَّفع من عَرَفة أيضاً، ولفظه:
((فلمّا وقَفْنا بعَرَفة غابَت الشَّمسُ، فقال: لو أنَّ أميرَ المؤمنين أفاضَ الآنَ كان قد أصابَ،
قال: فما أدري أكلامُ ابن مسعود أسرَع أو إفاضة عثمان، قال: فأوضَعَ الناس. ولم يَزِد ابن

٥٣٥
باب ١٠٠ / ح ١٦٨٤
كتاب الحج
مسعود على العَنَق حتَّى أتى جمعاً))، وله(١) من طريق زكريًّا عن أبي إسحاق في هذا الحديث:
أفاضَ ابن مسعود من عَرَفة على هِينَتِّهِ لا يَضرِبُ بعيرَه، حتَّى أتى جمعاً.
وقال سعيد بن منصور: حدَّثنا سفيان وأبو معاوية عن الأعمَش عن عمارة بن عُمَير
عن عبد الرحمن بن يزيد: أنَّ ابن مسعود أوضَعَ بعيرَه في وادي مُسِّر. وهذه الزيادة
مرفوعة في حديث جابر الطَّويلِ في صفة الحج عند مسلم (١٢١٨).
قوله: ((فلم يَزَلْ يُلبّ حتَّى رمى جَمْرةَ العَقَبة)) سيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه إن
شاء الله تعالى.
١٠٠ - باب متیيُدفَع من جمعِ
١٦٨٤ - حدَّثْنا حَجّاجُ بنُ منهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، سمعتُ عَمرَو بنَ میمونٍ،
يقول: شَهِدْتُ عمرَ صَلَّى بجَمْعِ الصُّبِحَ، ثمَّ وَقَفَ فقال: إنَّ المشركِينَ كانوا لا يُفِضُونَ حتَّى
تَطلُعَ الشَّمسُ، ويقولون: أشِرِق تَبِيرُ، وأنَّ النبيَّ ◌َّهِ خالَفَهم، ثمَّ أفاضَ قبلَ أن تَطلُعَ الشَّمس.
[طرفه في: ٣٨٣٨]
قوله: ((باب متى يُدْفَعُ من جمعٍ)) أي: بعدَ الوقوفِ بالمشعَر الحرام.
قوله: ((عن أبي إسحاق)) هو السَّبيعي.
قوله: ((لا يُفيضُونَ)) زاد يحيى القَطّان عن شُعْبة: ((من جمع)) أخرجه الإسماعيلي، وكذا
هو للمصنّف في أيام الجاهلية (٣٨٣٨) من رواية سفيان الثّوري عن أبي إسحاق، وزاد
الطَّبريّ(٢) من رواية عُبَيد الله بن موسى عن سفيان: ((حتَّى يَرَوا الشَّمسَ على ثَبِيرٍ)).
قوله: ((ويقولون: أشرِق ◌َبير)) أشرِق بفتح أوله فعل أمر من الإشراق، أي: ادخُل في
الشُّروقِ. وقال ابن التِّين: وضَبَطَه بعضهم بكسر الهمزة، كأنَّ ثُلاثي من: شَرَقَ، وليس
(١) لم نقف عليه في ((المسند)) بهذه الطريق وهذا السياق كما سبق بيان ذلك، وهو عند ابن خزيمة في
«صحیحہ)) (٢٨٥٢).
(٢) في (تهذيب الآثار)) في مسند عمر ٢/ ٨٨٢. وتحرف الطبري في (س) إلى: الطبراني.

٥٣٦
باب ١٠٠ / ح ١٦٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
ببيِّن، والمشهور أنَّ المعنى: لتَطلُع عليك الشَّمس، وقيل: معناه أضِئ يا جبل، وليس ببٍِّ
أيضاً. وثَبِيرُ بفتح المثلَّثة وكسر الموحّدة: جبل معروف هناك، وهو على يسار الذّاهب إلى
مِنِّى، وهو أعظَمُ جِبال مكَّةَ، عُرِفَ برجل من هُذَيلِ اسمُه ◌َبِيرٌ دُفِنَ فيه. زاد أبو الوليد عن
شُعْبة: ((كَيْما نُغير)) أخرجه الإسماعيلي، ومثلُه لابن ماجَهْ (٣٠٢٢) من طريق حَجّاج بن
٥٣٢/٣ أرطاةَ عن أبي إسحاق، وللطَّبَري(١) من طريق / إسرائيلَ عن أبي إسحاق: ((أشِرِقَ ثَبِيرُ لعلَّنا
نُغير)) قال الطََّري: معناه: كَيما نَدفَعُ للنَّحر، وهو من قولهم: أغارَ الفَرَسُ: إذا أسرَعَ في
عَدْوِه (٢). قال ابن التِّين: وضَبَطَه بعضهم بسكون الراء في (ثَبير))، وفي ((تُغير) لإرادة السجع.
قوله: ((ثُمَّ أفاضَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمس)) الإفاضة: الدَّفعة، قاله الأصْمَعي، ومنه: أفاضَ
القوم في الحديث: إذا دَفَعوا فيه، ويحتملُ أن يكون فاعل ((أفاضَ)): عمر، فيكون انتهاء
حديثه ما قبلَ هذا، ويحتملُ أن يكون فاعل ((أفاضَ)): النبيَّ وَّ، لعطفِه على قوله:
((خالَفَهم)»، وهذا هو المعتمد.
وقد وقع في رواية أبي داود الطَّيالسي عن شُعْبة عند التِّرمِذي (٨٩٦): فأفاضَ، وفي
رواية الثَّوري(٣): فخالَفَهم النبي ◌َِّ فأفاضَ. وللطَّبَري(٤) من طريق زكريّا عن أبي إسحاق
بسندِهِ: كان المشركونَ لا يَنِفِرونَ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وإنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّلَ كَرِهَ ذلك فنَفَرَ
قبلَ طُلوع الشَّمس. وله(٥) من رواية إسرائيلَ: فدَفَعَ لقَدْرِ صلاة القوم المسِفِرِينَ لصلاة
الغَدَاة.
وأوضح من ذلك ما وقع في حديث جابر الطّويلِ عند مسلم (١٢١٨): ثمَّ رَكِبَ
القَصْواء حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستَقبَلَ القِبلةَ فدعا الله تعالى، وكَبَّرَه وهَلَّله ووَحَّدَه،
(١) في ((تهذيب الآثار)) ٢/ ٨٨٢.
(٢) انظر ((تهذيب الآثار)) له ٢/ ٨٩٢.
(٣) ستأتي برقم (٣٨٣٨).
(٤) في مسند عمر من ((تهذيب الآثار)) ٢/ ٨٨٢.
(٥) في ((تهذيب الآثار)) ٢/ ٨٨٢.

٥٣٧
باب ١٠١ / ح ١٦٨٥
كتاب الحج
فلم يَزَل واقفاً حتَّى أسفَرَ جدّاً، فدَفَعَ قبلَ أن تَطلُعَ الشَّمس. وقد تقدَّم حديث ابن مسعود
في ذلك وصَنِیع عثمان بما يوافقُه.
وروى ابن المنذر من طريق الثَّوري عن أبي إسحاق: سألت عبد الرحمن بن يزيد: متى
دَفَعَ عبد الله من جمعٍ؟ قال: كانصراف القوم المسفِرِينَ من صلاة الغداة.
وروى الطََّري(١) من حديث عليّ قال: لمَّا أصبح رسول الله وَّهَ بالمزدَلِفة، غَدا فوَقَفَ
على قُرَح وأردَفَ الفضل، ثمَّ قال: ((هذا الموقِفُ وكلّ المزدَلِفِةِ مَوقِف)) حتَّى إذا أسفَرَ دَفَعَ،
وأصلُه في الثِّرمِذي (٨٨٥) دونَ قوله: حتَّى إذا أسفَرَ.
ولابن خُزيمة (٢٨٣٨)، والطَّبَري(٢) من طريق ◌ِكْرمةَ عن ابن عبّاس: كان أهل
الجاهلية يَقِفُونَ بالمزدَلِفة، حتَّى إذا طَلَعَت الشَّمسُ فكانت على رُؤوس الجِبال كأنَّهَا العَمَائِمُ
على رُؤوس الرجال دَفَعوا، فدَفَعَ رسول الله وَ ◌ّهِ حِينَ أسفَرَ كلّ شيء قبلَ أن تَطلُعَ
الشَّمس. وللبيهقي (١٢٥/٥) من حديث المِسْوَر بن مَخَرَمةً نحوُه.
وفي هذا الحديث فضلُ الدَّفع من الموقِفِ بالمزدَلِفة عند الإسفار، وقد تقدَّم بيان
الاختلاف فيمن دَفَعَ قبلَ الفجر. ونَقَلَ الطَّبَري الإجماع على أنَّ مَن لم يَقِف فيه حتَّى
طَلَعَتِ الشَّمسُ فاتَه الوقوف.
قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولونَ بظاهر هذه الأخبار، وكان
مالك يَرى أن يَدْفَعَ قبلَ الإسفار، واحتَجَّ له بعض أصحابه بأنَّ النبي ◌َّه لم يُعجِّل الصلاة
مُغَلِّساً إِلَّا ليدفَع قبلَ الشَّمسِ، فكلّ مَن بَعُدَ دَفعُه من طُلوع الشَّمسِ كان أولى.
١٠١ - باب التّلبية والتكبير غداة النّحر حتَّى يرمي
الجَمْرةَ والارْتِداف في السّيرِ
١٦٨٥- حدَّثنا أبو عاصم الضَّحّاكُ بنُ تَخَلَدٍ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، عن عطاءِ، عن ابنِ
(١) في «تفسيره)) ٢/ ٢٩٠، وفي ((تهذيب الآثار)) ٨٨٣/٢.
(٢) في مسند عمر من ((تهذيب الآثار)) ٥٨٥/٢.

٥٣٨
باب ١٠١ / ح ١٦٨٥ - ١٦٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَّهِ أَردَفَ الفَضْلَ، فأخبَرَ الفَضْلُ أنَّه لم يَزَل يُلبّي حَتَّى رَمَّى
الجَمْرةَ.
١٦٨٦، ١٦٨٧ - حذَّثنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثْنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدَّثنا أبي، عن يونسَ
الأيليِّ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ أُسامةَ بنَ زيدٍ
رضي الله عنهما كان رِدْفَ النبيِّ وَّهِ مِن عَرَفَةَ إلى المزْدَلِفِةِ، ثمَّ أردَفَ الفَضْلَ من المزْدَلِفِةِ إلى
مِنَّى، قال: فكِلاهما قالا: لم يَزَلِ النبيُّ نَّهِ يُّلِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
قوله: ((باب التَّلْبية والتَّكْبير غَدَاةَ النَّحْرِ حتَّى يَرْمي)) في رواية الكُشْمِيهني: ((حينَ يَرْمي)»
وهو أصوَب.
٥٣٣/٣ قال الكِرْماني: ليس في الحديث ذِكرُ التكبير، فيحتملُ أن يكون أشارَ إلى الذِّكر الذي في
خلال التَّلبية، وأراد أن يستدلَّ على أنَّ التكبيرَ غير مشروع حينئذ؛ لأنَّ قوله: ((لم يَزَل)» يدلُّ
على إدامة التَّلبية، وإدامتُها تَدُلُّ على تَرْك ما عداها، أو هو مختصر من حديثٍ فيه ذِكرُ
التكبير. انتهى، والمعتمَدُ أنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقِه كما جَرَت به عادتُه، فعند أحمد
(٣٩٦١) وابن أبي شَيْبة(١) والطَّحاوي (٢٢٥/٢) من طريق مجاهد عن أبي مَعمَر عن
عبد الله: خَرَجتُ مع رسول الله وَّهِ، فما تَرَك التَّلبيةَ حتَّى رمى جَمْرةَ العَقَبة، إلَّ أن
يخلِطَها بتکبیر.
قوله: «فأخبر الفَضْلُ» في رواية مسلم (١٢٨٠/ ٢٦٧) من طریق عیسی بن یونس عن
ابن جُرَيج عن عطاء: فأخبرني ابن عبّاس أنَّ الفضلَ أخبَرَه.
قوله في الطريق الثانية: ((فكلاهما)) أي: الفضل بن عبَّاس وأُسامة بن زيد، وفي ذِکرِ
أسامةَ إشكال؛ لما تقدَّم في ((باب النُّرول بين عَرَفة وجمع)) أنَّ عند مسلم (٢٧٩/١٢٨٠)
في رواية إبراهيم بن عُقْبة عن كُرَيب، أنَّ أُسامةَ قال: ((وانطلقت أنا في سُبّاق قُرَيش على
رِجِلَّ)، لأنَّ مُقتَضاه أن يكون أُسامة سَبَقَ إلى رمي الجَمْرة، فيكون إخباره بمثلِ ما أخبر به
(١) في ((المصنف)) برقم (١٤١٦٣) تحقيق الجمعة واللحيدان.

٥٣٩
باب ١٠١ / ح ١٦٨٥ - ١٦٨٧
كتاب الحج
الفضل من التَّلبية مُرسلاً، لكن لا مانعَ أنَّه يَرجِعُ مع النبي ◌َّ إلى الجَمْرة أو يُقيمُ بها حتَّى
یأتي النبي گلا.
وقد أخرج مسلم أيضاً (١٢٩٨ / ٣١٢) من حديث أمّ الحُصَينِ قالت: فرأيت أُسامة بن
زيد وبلالاً في حَجَّة الوداع، وأحدُهما آخذٌ بخِطام ناقة النبيِوَِّ، والآخرُ رافعٌ ثوبَه يَستُرُه
من الخَرِّ، حتَّى رمى جَمْرةَ العَقَبة.
تنبيه: زاد ابن أبي شَيْبة (١٤١٦٤) من طريق عليّ بن الحسين عن ابن عبّاس عن الفضل
في هذا الحديث: فَرَماها بسَبْعِ حَصَياتٍ يُكبِّرُ مع كلِّ حَصَاة. وسيأتي هذا الْحُكْم بعدَ نَيِّف
وثلاثین باباً (١٧٥٠).
وفي هذا الحديث أنَّ التَّلبيةَ تَستَمِرُّ إلى رَمْي الجَمْرة يومَ النَّحرِ، وبعدَها يَشرَعُ الحاجّ في
التحلُّل.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عبّاس أنَّه كان يقول: التَّلبية شِعارُ الحج، فإن
كنت حاجّاً فلَبِّ حتَّى بَدْءِ حِلِّك، وبَدْءُ حِلِّك: أن تَرْمِي جَمْرةَ العَقَبة.
وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عبّاس قال: حَجَجتُ مع عمرَ إحدى عشرةَ
حَجّةً، وكان يُلْبِّي حتَّى يَرْمي الجَمْرةَ.
وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثَّوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.
وقالت طائفة: يقطعُ المحرِمِ التَّلبية إذا دخل الحَرَمَ، وهو مذهبُ ابن عمر، لكن كان
يُعاوِدُ التَّبِيةَ إذا خرج من مكَّةَ إلى عَرَفة.
وقالت طائفة: يقطعُها إذا راحَ إلى الموقِف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيدَ
صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاصّ وعليّ، وبه قال مالك، وقَيَّدَه بزَوال الشَّمسِ يومَ
عَرَفَةَ، وهو قول الأوزاعي والليثِ، وعن الحسن البصري مثلُه، لكن قال: ((إذا صلَّى
الغَداةَ يومَ عَرَفةً)) وهو بمعنى الأول.

٥٤٠
باب ١٠٢ / ح ١٦٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد روى الطَّحاوي (٢٢٤/٢-٢٢٥) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال:
حَجَجتُ مع عبد الله، فلمَّا أفاضَ إلى جَمَعِ جعل يُلبّي، فقال رجل: أعرابيّ هذا؟ فقال
عبد الله: أنَسيَ الناسُ أم ضَلّوا؟! وأشارَ الطَّحاوي إلى أنَّ كَلَّ مَن رويَ عنه تَركُ التَّلبية من
يومٍ عَرَفةَ أنَّه تَرَكَها للاشتغال بغيرها من الذِّكرِ، لا على أنَّها لا تُشرَعُ، وجمع في ذلك بين
ما اختَلَفَ من الآثار، والله أعلم.
واختلفوا أيضاً هل يَقطعُ التَّلبيةَ مع رَمْي أولِ حَصَاة أو عند تمام الرَّمي؟ فذهب إلى
الأول الجمهورُ، وإلى الثاني أحمدُ وبعض أصحاب الشافعي، ويدلُّ لهم ما روى ابن خُزيمة
(٢٨٨٧) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن ابن عبَّاس عن الفضل
قال: أَفَضتُ مع النبي ◌َّهِ مِن عَرَفات، فلم يَزَّل يُلبّي حتَّى رمى جَمْرةَ العَقَبة، يُكبِّرُ مع
كلِّ حصاة، ثمَّ قَطَعَ التَّلبيةَ مع آخر حصاةٍ. قال ابن خُزيمة: هذا حديث صحيح مُفسِّر لمَا
أُبهمَ في الروايات الأُخرى، وأنَّ المراد بقوله: ((حتَّى رمى جَمْرةَ العَقَبة)» أي: أتمَّ رَمْيَها.
٥٣٤/٣
١٠٢ - بابٌ ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَّ فَ لَّمْ يَهِدْ
فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلٌ
ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِىِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
١٦٨٨ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبةُ، حدَّثنا أبو جَمْرةَ، قال:
سألتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن المْعةِ، فأمَرَني بها، وسألتُه عن الهَذْي فقال: فيها جَزُورٌ
أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِرْكٌ في دَم، قال: وكأنَّ ناساً كَرِهُوها، فِنِمْتُ فرأيتُ في المنام كأنَّ إنْساناً
يُنادي: حَجٌّ مَبْرورٌ ومُتْعَةٌ مُتَقَبَّلةٌ، فأتيتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فحَدَّثْتُه، فقال: الله أكبر!
سُنَّةُ أبي القاسمِ ◌ِلّ.
قال: وقال آدمُ ووَهْبُ بنُ جَرِيرٍ وغُنْدَرٌ، عن شُعْبة: عُمْرٌ مُتَقَبَّلةٌ وحَجِّ مَبْرورٌ.
قوله: ((باب ﴿فَنَ تَمَنَعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَاضِرِى
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة:١٩٦]» کذا في رواية أبي ذرً وأبي الوقت، وساق في طريق كَرِيمة ما