النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ باب ٩٠ / ح ١٦٦٣ كتاب الحج قوله: ((وقال الليثُ ... )) إلى آخره، وَصَلَه الإسماعيلي من طريق يحيى بن بُكَيرٍ وأبي صالح جميعاً عن الليث. قوله: (سألَ عبد الله)) يعني: ابن عمر. قوله: ((فَهَجِّر بالصلاة)) أي: صَلِّ بالهاجرة، وهي شِدّةُ الخرّ. قوله: ((إِنَّهم كانوا يجمعونَ بين الظَّهرِ والعصرِ في السُّنَّة)) بضم المهملة وتشديد النون، أي: سُنَّة النبي ◌َّه، وكأنَّ ابن عمر فَهمَ من قول ولِدِه سالم: ((فهَجِّر بالصلاة)) أي: الظّهرِ والعصرِ معاً، فأجاب بذلك فطابَقَ كلام ولدِه. وقال الطِّيبي: قولُه: ((في السُّنّة)) هو حال من فاعل ((يجمعونَ)) أي: مُتَوغُّلينَ في السُّنّة، قاله تعريضاً بالحجاج. قوله: ((فقلت لِسالم)) القائل: هو ابن شِهاب وقوله: ((أَفَعَلَ)) بهمزة استفهام. وقوله: ((هل يَتَّبِعونَ في ذلك)) بتشديد المثنَّاة وكسر الموحَّدة بعدَها مُهمَلة، كذا للأكثر، من الأتِباعِ، وللكُشْمِيهني: ((يَبْتَغونَ في ذلك)) بسكون الموحَّدة وفتح المثنَّة بعدَها غين معجمة، من الابتغاء، أي: لا يَطلُبُونَ في ذلك الفعل إلَّا سُنَّةَ النبيََِّ، وفي رواية الحَمُّوِيّ: بحذف ((في)) وهي مُقدَّرة. ٩٠ - باب قصر الخطبة بعرفة ١٦٦٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله: أنَّ عبد الملِكِ بنَ مروانَ كَتَبَ إلى الحجّاج أن يأتمَّ بعبدِ الله بنِ عمرَ في الحجِّ، فلمَّا كان يومُ عَرَفَةَ جاء ابنُ عمرَ رضي الله عنهما وأنا معه حينَ زاغَتِ الشَّمسُ أو زالَت، فصاحَ عندَ فُسْطاطه: أينَ هذا؟ فخَرَجَ إليه، فقال ابنُ عمر: الرَّواحَ! فقال: الآنَ؟ قال: نعم، قال: أنظِرْني أُفِيض عليَّ ماءً، فنزلَ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما حتَّى خَرَجَ، فسارَ بيني وبين أبي، فقلتُ: إن كنتَ تُرِيدُ أن تُصِيبَ السُّنّةَ اليومَ فاقْصِرِ الخُطْبةَ وعَجِّلِ الوقوفَ، فقال ابنُ عمر: صَدَقَ. ٥٠٢ باب ٩٠ / ح ١٦٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قَصْرِ الخُطْبةِ بِعَرَفَة)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عمر الماضي قريباً (١٦٦٠)، وفيه قول سالم: إن كنت تريدُ السُّنّةَ اليومَ فاقصِر الخُطبة، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى. وقَيَّدَ المصنّف قَصرَ الخُطبة بعَرَفة اتِّباعاً للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم (٨٦٩) الأمرَ باقتصار الخُطبة في أثناء حديثٍ لعَّار أخرجه في الجمعة. قال ابن التِّين: أطلقَ أصحابُنا العراقيونَ أنَّ الإمام لا يَخْطُبُ يومَ عَرَفَةَ. وقال المدنيونَ والمغاربةُ: يَخْطُبُ، وهو قول الجمهور، ويُحمَلُ قول العراقيينَ على معنى أنَّه ليس لما يأتي به من الخُطبة تعلُّق بالصلاة كَخُطبة الجمعة، وكأنَّهم أخذوه من قول مالك: كلُّ صلاة يُخْطَبُ لها يُجُهَرُ فيها بالقراءة، فقيل له: فعَرَفة يُخْطَبُ فيها ولا يُجْهَرُ بالقراءة، فقال: إنَّما تلك للتعليم. ٥١٥/٣ باب التَّعْجِيلِ إلى الموقِفِ قوله: ((باب التَّعْجيل إلى الموقِف)) كذا للأكثر هذه الترجمة بغير حديث، وسَقَطَ من رواية أبي ذرِّ أصلاً، وذَكَرَ الكِرْماني أنَّه رأى في بعض النُّسَخِ عَقِبَ هذه الترجمة: ((قال أبو عبد الله - هو: المصنّف -: يُزادُ في هذا الباب هَمْ حديثُ مالك، - يعني المذكور قبله يُذكَر هنا - ولكِنِّي لا أُريدُ أن أُدخِلَ فيه مُعاداً» أي: مُكرَّراً. قلت: كأنَّه لم يَحَضُرِه حينئذٍ طريقٌ للحديث المذكور عن مالك غير الطَّريقَين اللَّتَيْنِ ذكرهما، وهذا يدلُّ على أنَّه لا يُعيدُ حديثاً إلَّا لفائدة إسناديةٍ أو مَتْنيةٍ كما قرَّرناه غير مرَّة، وما وقع له ممّا سوى ذلك فبغير قَصْدٍ، وهو مع ذلك نادرٌ جدّاً(١). ووقع في نسخة الصَّغَاني هنا ما لفظُه: ((يَدخُلُ في الباب حديث مالك عن ابن شِهاب - يعني الذي رواه عن سالم وهو المذكورُ في الباب الذي قبلَ هذا - ولكِنِّي أُريدُ أن أُدخِلَ فيه غيرَ مُعاد)) يعني حديثاً لا يكون تكرَّرَ كلُّه سنداً ومتناً. (١) من قوله: ((وذكر الكرماني)) إلى هنا تأخر في (ع) و(س) إلى ما بعد قوله: ((بعداً شديداً». ٥٠٣ باب ٩١ / ح ١٦٦٤ كتاب الحج قلت: وهذا يقتضي أنَّ أصلّ قَصدِه أن لا يُكرِّرَ، فيُحمَلّ على أنَّ كلَّ ما وقع فيه من تكرار الأحاديثِ إنَّما هو حيثُ يكون هناك مُغايرة، إمّا في السنّدِ وإمّا في المتن، حتَّى إنّه لوأخرج الحديثَ في الموضعين عن شيخَينِ حدَّثاه به عن مالكٍ لا يكون عنده مُعاداً ولا مُكرَّراً، وكذا لوأخرجه في موضعَينٍ بسند واحد لكن اختصر من المتنِ شيئاً أو أورَدّه في موضع موصولاً وفي موضع مُعلَّقاً، وهذه الطَّريقُ لم يُخالفها إلَّا في مواضعَ يسيرة مع طول الكتاب إذا بَعُدَ ما بين البابينِ بُعداً شديداً. وأمَّا قوله في هذه الزيادة التي نقلها الكِرْماني: ((هَمْ)) فهي بفتح الهاء وسكون الميم، قال الكِرْماني: قيل: إنَّها فارسية، وقيل: عربيَّة، ومعناها قريب من معنى (أيضاً)). قلت: صَرَّحَ غيرُ واحد من عُلَماء العربية ببغداد بأنَّها لفظةٌ اصطَلَحَ عليها أهلُ بغداد، وليست بفارسية ولا هي عربيّة قطعاً، وقد دلَّ كلام الصَّغَاني في نسخَتِه التي أتقَنّها وحَرَّرَها - وهو من أثمَّة اللُّغة - خُلوّ كلام البخاري عن هذه اللفظة. ٩١ - باب الوقوف بعرفة ١٦٦٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرٌو، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه: كنتُ أطلُبُ بعيراً لي ... وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، سمعَ محمَّدَ بنَ جُبير، عن أبيه ◌ُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: أضْلَلْتُ بعيراً، فذهبتُ أطلُبُهُ يومَ عَرَفَةَ، فرأيتُ النبيَّلَه واقفاً بعَرَفَةَ، فقلتُ: هذا والله من الحُمْسِ فما شَأْنُه هاهُنا؟ قوله: ((باب الوقوف بعَرَفَة)) أي: دون غيرها مما دُونَها أو فوقَها. وأورد المصنّف في ذلك حدیثین: الأول: قوله: «حدّثنا سُفْیان» هو ابن عُيّینة، وعَمْرو: هو ابن دینار. قوله: ((أضْلَلْت بعيراً)) كذا للأكثر في الطَّريق الثانية، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((لي)) كما في الأولى. ٥١٦/٣ ٥٠٤ باب ٩١ / ح ١٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فذهبْتُ أطلبُهُ يومَ عرَفَ)» في رواية الحميدي في («مسنده)) (٥٥٩) ومن طريقه أخرجه أبو نُعَيم: أضلَلتُّ بعيراً لي يومَ عرَفَةَ، فخَرَجتُ أطلبُه بعَرَفة. فعلى هذا فقوله: (يومَ عَرَفَةَ)) يَتعلَّقُ بأضلَلتُ، فإنَّ جُبَيراً إنَّما جاء إلى عَرَفة ليطلُب بعیرہ لا لیقِف بها. قوله: ((من الخُمْس)) بضم المهمَلة وسكون الميمِ بعدَها مُهمَلة، سيأتي تفسيره. قوله: ((فما شَأنه هاهنا)» في رواية الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شَيْبة وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان: ((فما له خَرَج من الحَرَم))، وزاد مسلم (١٢٢٠) في روايته عن عَمْروٍ الناقدِ وأبي بكر بن أبي شَيْبة عن سفيان بعدَ قوله: «فما شَأنه هاهنا»: «وكانت قُرَيش تُعَدُّ من الحُمْس))، وهذه الزيادة تُوهِم أنَّها من أصل الحديث، وليس كذلك بل هي من قول سفيان، بيَّنْه الحميدي في («مسنده)) (٥٥٩) عنه، ولفظه متَّصلاً بقوله: ((ما شَأنه هاهنا)): قال سفيان: والأحمس: الشَّديد على دينِهِ، وكانت قُرَيش تُسمَّ الحُمس، وكان الشيطانُ قد استَهواهم فقال لهم: إنَّكم إن عَظَّمتُم غير حُرَمِكُم استَخَفَّ الناس بخُرَمِكم، فكانوا لا يخرجونَ من الحَرَم. ووقع عند الإسماعيلي من طريقَيه بعدَ قوله: ((فما له خرج من الخَرَم)): قال سفيان: الخُمس يعني: قُرَيشاً، وكانت تُسمَّى الخُمس، وكانت لا تُجَاوِزُ الْحَرَم ويقولونَ: نحنُ أهلُ الله لا نَخرُجُ من الْحَرَم، وكان سائر الناس يَقِفُ بعَرَفة، وذلك قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] انتهى. وعُرِفَ بهاتين الزيادتَينِ معنى حديث جُبَير، وكأنَّ البخاري حَذَفَهما استغناءً بالرواية عن عُزْوة، لكن في سياق سفيان فوائدُ زائدة. وقد روی بعض ذلك ابنُ خُزيمة (٢٨٢٣) وإسحاق بن راهويه في «مسنده)) موصولاً من طريق ابن إسحاق: حدَّثنا عبد الله بن أبي بكر عن عثمان بن أبي سليمان عن عَمِّه نافع ابن جُبَير عن أبيه قال: كانت قُرَيش إِنَّمَا تَدفَعُ من المزدَلِفة ويقولونَ: نحنُ الحُمس فلا نَخرُجُ من الْحَرَمِ، وقد تَرَكوا الموقِفَ بعَرَفة، قال: فرأيت رسولَ الله وَّه في الجاهلية يَقِفُ ٥٠٥ باب ٩١ / ح ١٦٦٤ كتاب الحج مع الناس بعَرَفة على جَمَل له، ثمَّ يُصبحُ مع قومِه بالمزدَلِفة، فيَقِفُ معهم ويَدفَعُ إذا دَفَعوا. ولفظ يونس بن بُكَير عن ابن إسحاق في ((المغازي)) مختصراً وفيه: ((توفيقاً من الله له)). وأخرجه إسحاق أيضاً عن الفَضْلِ بن موسى عن عثمان بن الأسوَد عن عطاء أنَّ جُبَير ابن مُطعِمٍ قال: أضلَلتُ حماراً لي في الجاهلية فوَجَدتُه بعَرَفة، فرأيت رسولَ الله ◌َّهِ واقفاً بعَرَفات مع الناس، فلمَّا أسلمتُ عَرَفتُ(١) أنَّ الله وَفَّقَه لذلك. وأمَّا تفسير الخُمس فروى إبراهيم الحربي في ((غريب الحديث)) من طريق ابن جُرَيج عن مجاهدٍ قال: الحُمْسُ: قُرَيش ومَن كان يأخُذُ مأخَذَها من القبائلِ كالأوسِ والخَرْرَج وخُزَاعة وثَقِيف وغَزْوان وبني عامر وبني صَعصَعة وبني كِنَانة إلَّا بني بكر. والأحمس في كلام العرب: الشَّديد، وسُمّوا بذلك لمَّا شَدَّدوا على أنفُسِهم؛ كانوا إذا أهَلّوا بحَجّ أو عُمْرة لا يأكلونَ لحماً ولا يَضرِبونَ وبَراً ولا شعراً، وإذا قَدِموا مكَّة وضَعوا ثيابهم التي کانت علیھم. وروى إبراهيمُ أيضاً من طريق عبد العزيز بن عِمْران المدني قال: سُمّوا حُمساً بالكعبة؛ لأنَّهَا خَمساءُ حجرُها أبيض يَضرِبُ إلى السواد. انتهى. والأولُ أشهَر وأكثر، وأنَّه من التَّحَمُّسِ وهو التَّشَدُّدُ. قال أبو عُبَيدة مَعمَر بن المثنَّى: تَحمَّسَ: تَشَدَّدَ، ومنه: حَمِسَ الوَغَى: إذا اشتَدَّ، وسيأتي مزيد لذلك في الكلام على الحديث الذي بعده. وأفادت هذه الروايةُ أنَّ رواية جُبَير له كذلك كانت قبلَ الهجرة، وذلك قبلَ أن يُسلِمَ جُبَير، وهو نَظِيرُ روايته أنَّه سمعه يقرأُ في المغرِبِ بالطّورِ، وذلك قبلَ أن يُسلِمَ جُبَير أيضاً كما تقدَّم، وتَضَمَّنَ ذلك التَّعَقُّب على السُّهَيلي حيثُ ظَنَّ أنَّ رواية جُبَير لذلك كانت في الإسلام في حَجَّة الوداع، فقال: انظُر كيف أنكَرَ جُبَير هذا وقد حجَّ بالناس عَتّابٌ سنة (١) في (س): علمتُ. ٥٠٦ باب ٩١ / ح ١٦٦٥ فتح الباري بشرح البخاري ثمانٍ وأبو بكر سنة تسع، ثمَّ قال: إمّا أن يكونا وقَفا بجَمْع كما كانت قُرَيش تَصنَعُ، وإمّا أن يكون مجُبَير لم يَشهَد معهما الموسم. ٥١٧/٣ وقال الكِرْماني: وقفةُ رسول الله وَ ﴿ بَعَرَفة كانت سنة عشر، وكان جُبَير حينئذٍ مسلماً، لأنَّه أسلَمَ يومَ الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكاراً أو تَعَجُّباً فلعلَّه لم يَبلُغه نزولُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وإن كان للاستفهام عن حِكْمَة المخالفة عمَّا كانت عليه الحُمْس فلا إشكالَ، ويحتملُ أن يكون لرسول الله إليه وقفةٌ بعَرَفة قبلَ الهجرة، انتهى مُلخَّصاً. وهذا الأخيرُ هو المعتمَدُ كما بيَّتُه قبلُ بدَلائِلِهِ، وكأنَّه تَبعَ السُّهَيلي في ظنِّه أنَّهَا حَجَّةُ الوداع، أو وقع له اتِّفاقاً. ودَلَّ هذا الحديث على أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: الإفاضة من عَرَفة، وظاهر سياق الآية أنَّها الإفاضةُ من مُزْدَلِفة، لأنَّهَا ذُكِرَت بلفظة ((ثمَّ)) بعدَ ذِكر الأمر بالذِّكرِ عند المشعر الحرام. وأجاب بعض المفسّرينَ بأنَّ الأمرَ بالذِّكرِ عند المَشعَر الحرام بعدَ الإفاضة من عَرَفات التي سِيقَت بلفظ الخيرِ، لما وَرَدّ تنبيهٌ(١) على المكان الذي تُشرَعُ الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أَفَضتُم اذكُرُوا، ثمَّ لتكُن إفاضَتُكم من حيثُ أفاضَ الناسُ لا من حيثُ كان الخُمس يُفيضونَ، أو التقدير: فإذا أُفَضتُم من عَرَفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده، ولتُن إفاضَتُكم من المكان الذي يُفِيضُ فيه الناس غير الحُمس. ١٦٦٥- حدَّثْنَا فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليُّ بنُ مُسهٍِ، عن هشام بنِ عُرْوَةَ، قال عُرْوةُ: كان الناسُ يَطُوفُونَ في الجاهليَّةِ عُرَاةً إلا الحُمْسَ - والحُمْسُ قُرَيشٌ وما وَلَدَت - وكانتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ على الناس، يُعْطي الرجلُ الرجلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فيها، وتُعْطي المرأةُ (١) تحرفت في (س) إلى: منه. ٥٠٧ باب ٩١ / ح ١٦٦٥ كتاب الحج المرأةَ الثِّيابَ تَطُوفُ فيها، فمَن لم يُعْطِهِ الخُمْسُ طافَ بالبيتِ عُزْياناً، وكان يُفِيضُ جماعةٌ الناس من عَرَفاتٍ، ويُفِيضُ الحُمْسُ من جَمْعٍ. قال: وأخبرني أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ هذه الآيةَ نَزلَت في الخُمْسِ ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قال: كانوا يُفِيضُونَ من جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إلى عرفاتٍ. [طرفه في: ٤٥٢٠] قوله: ((قال عُرْوة)) في رواية عبد الرزاق عن مَعمَر: ((عن هشام بن عُرْوة عن أبيه، فذكره)). قوله: ((والخُمْس: قُرَيش وما ولَدَت)) زاد مَعمَر: ((وكان ممَّن ولدَت قُرَيش: خُزاعةٌ وبنو كِنَانة وبنو عامر بن صَعصَعة))، وقد تقدَّم في أثرٍ مجاهد: أنَّ منهم أيضاً غَزْوانَ وغيرهم. وذكر إبراهيم الحربي في ((غريبه)) عن أبي عُبَيدة مَعمَر بن المثنَّى قال: كانت قُرَيش إذا خَطَبَ إليهم الغريب اشتَرَطوا عليه أنَّ ولدَها على دينِهم، فدخل في الخُمسِ من غير قُرَيش: ثَقِيف ولَيْث وخُزَاعة وبنو عامر بن صَعصَعة، يعني: وغيرهم. وعُرِفَ بهذا أنَّ المراد بهذه القَبائلِ مَن كانت له من أُمَّهاته قُرَشيّة، لا جميع القبائل المذكورة. قوله: ((فأخبَرَني أبي)» القائل: هو هشام بن عُرْوة، والموصول من الحديث هذا القَدْر في سببٍ نزولِ هذه الآية، وسيأتي في تفسير البقرة (٤٥٢٠) من وجه آخرَ أتمَّ من هذا. وقوله: ((فُفِعوا إلى عَرَفات)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فُرُفِعوا)) بالراء، ولمسلم (١٢١٩/ ١٥٢) من طريق أبي أسامة عن هشام: ((رُجِعوا إلى عَرَفات))، والمعنى: أنَّهم أُمِروا أن يَتَوجَّهوا إلى عَرَفات ليَقِفوا بها ثمَّ يُفيضُوا منها، وقد تقدَّم في طريق جُبَير سببُ امتناعهم من ذلك، وتقدَّم الكلام على قصَّة الطَّواف عُزْياناً في أوائل الصلاة(١)، وعُرِفَ برواية عائشة أنَّ المخاطَبَ بقوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا﴾ النبيُّ ◌ََّ، والمراد به: مَن كان لا يَقِفُ بعَرَفة من قُرَيش وغيرهم. (١) سلف تحت ((باب وجوب الصلاة في الثياب)) عند الحديث رقم (٣٥١). ٥٠٨ باب ٩٢ / ح ١٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الضَّحّاك: أنَّ المراد بالناس هنا: إبراهيم الخليل عليه السَّلامُ، وعنه: المراد به: الإمام، وعن غيره: آدم، وقُرِئَ في الشَّواذّ: ((الناسي)) بكسر السّينِ بوزن القاضي، والأولُ أصحّ. نعم، الوقوف بعَرَفَة مَورُوث عن إبراهيم، كما روى التِّرمِذي (٨٨٣) وغيرُه(١) من طريق يزيد بن شَيْبان قال: كنَّا وقوفاً بعَرَفة، فأتانا ابن مِربَع فقال: إنّي رسولُ رسول الله وَله إليكم يقول لكم: ((كونوا على مَشاعرٍ كم، فإنَّكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم)) الحديث. ولا يَلْزَمُ من ذلك أن يكون هو المراد خاصَّة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بل هو الأعمُّ من ذلك والسبب فيه ما حَكَته عائشة رضي الله عنها. وأمَّا الإتيانُ في الآية بقوله: (ثمّ)) فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطّحاوي، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفَضتُم من عَرَفات فاذكروا الله عند المشعَر الحرام، ثمَّ اجعَلوا الإفاضةَ التي تُفيضوتَها من حيثُ أفاضَ الناسُ لا من حيثُ كنتُم تُفيضونَ. قال الَّتَشَري: ومَوقِع (ثمَّ) هنا مَوقِعها من قولِك: أحسِن إلى الناس ثمَّ لا تُحسِن إلى غير كريم. فتأتي (ثمَّ)) لتفاؤُت ما بين الإحسان إلى الكريمِ والإحسان إلى غيره، فكذلك ٥١٨/٣ حينَ أمَرَهم بالذِّكرِ عند الإفاضة من عَرَفات، بيَّن لهم مكان الإفاضة/ فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾؛ لتفاوت ما بين الإفاضَتَين، وأنَّ إحداهما صواب والأُخرى خطأ. قال الخطّابي: تَضَمَّنَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الأمرَ بالوقوفِ بِعَرَفة، لأنَّ الإفاضةَ إنَّما تكون عند اجتماع قبلَه، وكذا قال ابن بَطَّال، وزاد: وبيَّن الشارع مُبتَدَأ الوقوف بعَرَفة ومُنتَهاه. ٩٢ - باب السَّير إذا دَفَعَ من عَرَفة ١٦٦٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه بأنَّه قال: (١) وأخرجه أحمد (١٧٢٣٣)، وأبو داود (١٩١٩)، وابن ماجه (٣٠١١). ٥٠٩ باب ٩٢ / ح ١٦٦٦ كتاب الحج سُئِلَ أُسامةُ وأنا جالسٌ: كيفَ كان رسولُ الله ◌َّهِ يَسِيرُ في حَجّةِ الوداعِ حينَ دَفَعَ؟ قال: كان يَسِيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجْوةً نصَّ. قال هشامٌ: والنَّصُّ: فوقَ العَنَقِ. قال أبو عبد الله: فَجْوةٌ: مُتَّسَعٌ، والجميعُ: فَجَواتُ وفِجاءٌ، وكذلك رَكْوةٌ ورِ کاءٌ. مَنَاصِ: لیس حینَ فِرار. [طرفاه في: ٤٤١٣،٢٩٩٩] قوله: ((باب السَّير إذا دَفَعَ من عَرَفَةٌ)) أي: صِفَته. قوله: ((عن أبيه)) في رواية ابن خُزيمة (٢٨٤٥) من طريق سفيان عن هشام: («سمعتُ أبي)». قوله: ((سُئِلَ أُسامةُ وأنا جالسٌ)) في رواية النَّسائي (٣٠٥١) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك: وأنا جالس معه، وفي رواية مسلم (٢٨٣/١٢٨٦) من طريق حمّاد بن زيد عن هشام عن أبيه: سُئِلَ أُسامةُ وأنا شاهد، أو قال: سألتُ أُسامة بن زيد. قوله: ((حينَ دَفَعَ)) في رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن مالك في ((الموطّا)) (١/ ٣٩٢): حينَ دَفَعَ من عَرَفة(١). قوله: ((العَنَقِ)) بفتح المهمَلة والنون: هو السَّيرُ الذي بين الإبطاء والإسراع، قال في ((المشارق)): هو سَيرٌ سَهْل في سرعة، وقال القَزّاز: العَنَقُ سَيرٌ سريع، وقيل: المشيُ الذي يَتَحرَّكُ به عُنُقُ الدابّة، وفي ((الفائق)»: العَنَقُ الْخَطْوِ الفَسِيحِ. وانتَصَبَ العَنَق على المصدر المؤكِّد من لفظ الفعل. قوله: ((فَجْوَة)) بفتح الفاء وسكون الجيم: المكان المتَّسِع، كما سيأتي تفسيره في آخر الباب، (١) ((من عرفة)) ليست في المطبوع منه، ولا في الأصل الخطي الذي بين أيدينا. ولكنها موجودة في نسخة ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٠١/٢٢. ٥١٠ باب ٩٢ / ح ١٦٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ورواه أبو مُصعَب ويحيى بن بُكَير وغيرُهما عن مالك بلفظ: ((فُرْجة))(١) بضم الفاء وسكون الراء، وهو بمعنى الفَجْوة. قوله: ((نصَّ)) أي: أسرَعَ، قال أبو عُبَيد: النَّصُّ: تحريك الدابة حتَّى يُستخرَجَ به أقصى ما عندها، وأصل النَّصِّ: غاية المشي، ومنه: نَصَصتُ الشيء: رَفَعته، ثمَّ استُعمِلَ في ضَربٍ سريع من السَّیر. قوله: ((قال هشام)) يعني: ابن عُزْوة الراوي، وكذا بيَّن مسلم (١٢٨٦ / ٢٨٤) من طريق ◌ُمَيد بن عبد الرحمن وأبو عَوَانة من طريق أنس بن عياض، كلاهما عن هشام، أنَّ التفسيرَ من كلامه، وأدرَجَه يحيى القَطّان فيما أخرجه المصنّف في الجهاد (٢٩٩٩)، وسفيان فيما أخرجه النَّسائي (٤٠١٨)، وعبد الرحيم بن سليمان ووكيع فيما أخرجه ابن خُزيمة (٢) (٢٨٤٥)، كلّهم عن هشام، وقد رواه إسحاق في ((مسنده)) عن وكيع، ففَصَله وجعل التفسير من كلام وكيع، وقد رواه ابن خُزيمة (٢٨٤٥) من طريق سفيان، ففَصَله وجعل التفسير من كلام سفيان، وسفيان ووكيع إنَّما أخذا التفسيرَ المذكورَ عن هشام، فَرَجَعَ التفسيرُ إليه، وقد رواه أكثرُ رواة ((الموطّأ)) عن مالك فلم يذكروا التفسيرَ، وكذلك رواه أبو داود الطَّيالسي (٦٥٨) عن حمّاد بن سَلَمةَ، ومسلم (١٢٨٦ / ٢٨٣) من طريق حمّاد بن زيد، كلاهما عن هشام. قال ابن خُزيمة: في هذا الحديث دليل على أنَّ الحديثَ الذي رواه ابن عبَّاس عن أُسامةَ أنَّه قال: «فما رأيت ناقته رافعة يَدَھا حتَّى أتى جمعاً» أنَّه محمول على حال الزّحام دونَ غيره. انتهى. وأشارَ بذلك إلى ما أخرجه هو (٣) من طريق الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس عن (١) في رواية أبي مصعب عنده برقم (١٣٥١)، ورواية يحيى الليثي عنده ٣٩٢/١ وفي المطبوع منهما: ((فجوة» وليس: ((فرجة))، وفي الأصل الخطي الذي بين أيدينا لرواية يحيى: ((فرجة))، وكتب في هامشها: ((فجوة) وأشير عليها بأنها نسخة صحيحة. وأخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (١٩٣٣) من طريق أبي مصعب بلفظ: ((فرجة». (٢) لم يدرجها عبد الرحيم بن سليمان، في المطبوع من ابن خزيمة. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: حفص. ٥١١ باب ٩٣ / ح ١٦٦٧ كتاب الحج أسامةَ: أنَّ النبي ◌َّ أردَفَه حينَ أفاضَ من عَرَفة، وقال: ((أيُّها الناسُ، عليكم بالسّكِينة، فإنَّ البِرَّليس بالإيجاف))، قال: فما رأيت ناقتَه رافعةً يَدَها حتَّى أتى جمعاً. الحديث. وأخرجه أبو داود (١٩٢٠)، وسيأتي للمصنّف بعدَ باب (١٦٧١) من حديث ابن عبَّاس، ليس فيه أُسامة، ويأتي الكلام عليه هناك. وأخرج مسلم (١٢٨٦/ ٢٨٢) من طريق عطاء عن ابن عبَّاس عن أسامةَ في أثناء حديث، قال: فما / زالَ يسيرُ على هِينَتِهِ حتَّى أتى جمعاً. وهذا يُشعِرُ بأنَّ ابن عبَّاس إنَّما أخذَه ٥١٩/٣ عن أسامةَ كما ستأتي الحُجَّة لذلك. وقال ابن عبد البَرِّ: في هذا الحديث كيفية السير في الدَّفع من عَرَفة إلى مُزدَلِفة لأجل الاستعجال للصلاة، لأنَّ المغرِبَ لا تُصلَّى إلَّا مع العِشاء بالمزدَلِفة، فيُجمَعُ بين المصلحتينِ من الوَقار والسكينة عند الَّحمة، ومن الإسراع عند عَدَم الزِّحام. وفيه أنَّ السلفَ كانوا يَحِرِ صونَ على السُّؤال عن كيفية أحواله ◌َّه في جميع حَرَكاته وسكونِه ليقتَدوا به في ذلك. قوله في رواية المُستَمْلي وحدَه: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّف ((فَجْوَة: مُتَّسَع والجمعُ فَجَوات)) أي: بفتحتَين ((وفِجَاء)) أي: بكسر الفاء والمدّ((وكذلك رَكْوَة ورِ كَاء» وَرَكَوات. قوله: ((مَنَاصِّ: ليس حينَ فِرار)) أي: هَرَب، أي: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَّنَاصٍ﴾ [ص: ٣] وإنَّما ذَكَرَ هذا الحَرْف هنا لقوله: ((نصَّ))، ولا تعلُّقَ له به إلّا لِدَفْع وَهْمٍ مَن يَتَوهُّمُ أنَّ أحدَهما مُشتَقٌ من الآخَر، وإلّا فماذَّة ((نصَّ)) غير مادَّة ((ناصَ))، قال أبو عُبِيدَة في ((المجاز)): المناصُ مَصْدَر من قولهم: ناصَ يَنُوص. ٩٣ - باب النّزول بين عرفة وجمعٍ ١٦٦٧- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن كُرِيبٍ مَوَ ابنِ عبَّاسٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّلَّه حيثُ أفاضَ من عَرَفَةَ مالَ إلى الشِّعْبِ، فَقَضَى حاجَتَه فَتَوضَّأ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أتصَلّى؟ فقال: ((الصلاةُ أمامَكَ)). ٥١٢ باب ٩٣ / ح ١٦٦٧ -١٦٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٦٦٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافع، قال: كان عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما يَجْمَعُ بين المغرِبِ والعِشاء بجمع، غيرَ أنَّه يَمُّ بالشِّعْبِ الَّذِي أخذَه رسولُ الله ◌ِ فَيَدخُلُ فِيَنْتَقِضُ ويَتَوضَّأُ، ولا يُصلِّ حتَّى يُصلَِّ بجمعٍ. قوله: ((باب التُّزُول بين عَرَفَة وجمع)) أي: لقضاء الحاجة ونحوها، وليس من المناسك. قوله: ((عن يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري، وروايته عن موسى بن عُقْبة من رواية الأقران، لأنَّها تابعيان صغيران، وقد حَمَله موسى عن كُرَيب، فصار في الإسناد ثلاثة من التابعين. ٥٢٠/٣ قوله: ((حيثُ أفاضَ)) في رواية أبي الوَقْت: ((حين)) وهي أولى؛ لأنَّها ظرف زمان، و«حیثُ)) ظرف مكان. نُكْنة: في ((حيثُ)) ستّ لُغات: ضم آخرها وفتحه وكسره وبالواو بدل الياء مع الحَرَكات. قوله: ((مالَ إلى الشِّعْب)» بيَّن محمد بن أبي حَرْمَلة في روايته الآتية (١٦٦٩) بعدَ حدیثٍ عن كُرَيب: أنَّه قُربَ المزدَلِفة. وأردَفَ المصنّف بهذا الحديث حديثَ ابن عمر: أنَّه كان يَقتَدي برسول الله وَّهِ فِي ذلك في كَونِه يقضي الحاجةَ بالشِّعبِ ويَتَوضَّأُ، لكنَّه لا يُصلِّي إلَّا بالمزدَلِفة. وقوله: ((فَيَنتَفِض)) بفاء وضاد معجمة، أي: يستجمِرُ، وقد سَبَقَ بيانُه في كتاب الطَّهارةَ (١٥٥ و١٦١)، وأخرجه الفاكهي (٢٨١٢) من وجهٍ آخرَ عن ابن عمر من طريق سعيد بن جُبَير قال: دَفَعتُ مع ابن عمر من عَرَفة، حتَّى إذا وازَينا الشِّعب الذي يُصلِّي فيه الخلفاءُ المغرِبَ، دَخَله ابن عمر فتَنَفَّضَ فيه ثمَّ تَوضَّأ وكَبَّرَ، فانطلقَ حتَّى جاء جمعاً، فأقام فصلّى المغرب، فلمَّا سَلَّمَ قال: الصلاةَ، ثمَّ صلَّى العِشاء. وأصلُه في الجمع بجَمْع عند مسلم (١٢٨٨) وأصحاب ((السُّنَن))(١). (١) وأخرجه أبو داود (١٩٢٩) و(١٩٣٠) و(١٩٣١) و(١٩٣٢) و(١٩٣٣)، والترمذي (٨٨٧) و(٨٨٨)، والنسائي (٤٨١) و(٦٠٦) و(٦٥٧) و(٣٠٣٠). وانظر تمام تخريجه في ((المسند)) (٤٤٥٢). وانظر حديث ابن عمر الآتي (١٦٧٣). ٥١٣ باب ٩٣ / ح ١٦٦٩ - ١٦٧٠ كتاب الحج وروى الفاكهي (٢٨١٢) أيضاً من طريق ابن جُرَيج قال: قال عطاء: أردَفَ النبيُّ وَل أسامة، فلمَّا جاء الشّعبَ الذي يُصلِّي فيه الخلفاءُ الآنَ المغرِبَ نزل فأهرَقَ الماء ثمَّ تَوضَّأ. وظاهرُ هذين الطَّريقَينِ أنَّ الخلفاءَ كانوا يُصلّونَ المغرِبَ عند الشِّعب المذكور قبلَ دخول وقت العِشاء، وهو خلافُ السُّنّة في الجمع بين الصلاتَينِ بمُزدَلِفة. ووقع عند مسلم (١٢٨٠ / ٢٨٠) من طريق محمد بن عُقْبة عن كُرَيب: لمَّا أتى الشّعبَ الذي يَنزِلُه الأُمراء، وله (٢٧٩/١٢٨٠) من طريق إبراهيم بن عُقْبة عن كُرَيب: الشِّعب الذي يُنیخُ الناسُ فيه للمغرب. والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث: بنو أُميَّة، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك. وقد جاء عن ◌ِكْرمةَ إنكار ذلك، وروى الفاكهي (٢٨١١) أيضاً من طريق ابن أبي نَجِيح: سمعت عِكْرمةَ يقول: اتَّخَذَه رسولُ اللهِوَّهِ مَبالاً والنَّخَذُوه مُصَلَّ! وكأنَّه أنكَرَ بذلك على مَن تَرَك الجمعَ بين الصلاتَينِ لمُخالَفَتِهِ السُّنّة في ذلك. وكان جابر يقول: لا صلاةَ إلَّا بجمع، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح. ونُقِلَ عن الكوفيين وعبد الرحمن(١) ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلَّى أجزاًه، وهو قول أبي یوسف والجمهور. ١٦٦٩ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن محمَّدٍ بنِ أبي حَرْمَلَةَ، عن كُرَيْبٍ مَولَی ابنِ عبَّاسٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: رَدِفْتُ رسولَ الله وَّةِ مِن عَرَفاتٍ، فلمَّا بَلَغَ رسولُ الله ◌َّهِ الشِّعْبَ الأيسَرَ الَّذي دُونَ المزدَلِفِ أناخَ فبالَ، ثمَّ جاء فصَبَتُ عليه الوَضُوءَ، فَتَوضَّأَ وُضُوءاً خفيفاً، فقلتُ: الصلاةَ يا رسولَ الله، قال: ((الصلاةُ أمامَكَ))، فَرَكِبَ رسولُ اللهِ وَِّ حتَّى أتى المزْدَلِفَةَ فصَلَّى، ثمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رسولَ الله ◌ِ لَ غَدَاةَ جَمْعٍ. ١٦٧٠- قال كُرَيبٌ: فأخبرني عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن الفَضْلِ: أنَّ رسولَ اللهِوَه لم يَزَل يُلِّ حَتَّى بَلَغَ الجَمْرةَ. (١) تحرَّف في (س) إلى: وعند ابن. ٥١٤ باب ٩٣ / ح ١٦٦٩ - ١٩٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن محمَّد بن أبي حَرْمَلَة)) هو المدني مولى آلِ حُوَيطِبٍ، ولا يُعرَفُ اسمُ أبيه، وكان خُصَيف يروي عنه فيقول: ((حدَّثني محمد بن حُوَيطِبٍ))، فذكر ابن حِبَّان أنَّ خُصيفاً كان يَنْسُبُهُ إِلى جَدِّ مَوَاليه. والإسناد من شيخ قُتَيبة إلى آخره كلّهم مدنيُّون. قوله: ((رَدِفتُ رسول اللهِ وَ)) بكسر الدال، أي: رَكِيتُ وراءَه. وفيه الركوبُ حالَ الدَّفع من عَرَفة، والارتِدافُ على الدابّة، ومحلُّه إذا كانت مُطِيقة، وارتِدافُ أهل الفضل، ويُعَدُّ ذلك من إكرامهم للَّديفِ لا من سوءِ أدبِهِ. قوله: ((فصَبَيتُ عليه الوَضُوء)) بفتح الواو، أي: الماءَ الذي يُتَوضَّأُ به، ويُؤْخَذُ منه الاستعانة في الوضوء، وللفقهاء فيها تفصيل، لأنَّها إمّا أن تكون في إحضار الماء مثلاً، أو في صَبِّه على المتَوضِّىء، أو مُباشَرة غَسْل أعضائه، فالأول جائز، والثالث مكروه إلَّا إن كان لعُذر، واختُلِفَ في الثاني، والأصحّ أنَّه لا يُكرَه بل هو خلافُ الأولى، فأمَّا وقوع ذلك من النبي ◌َّ فهو إمّا لبيان الجواز - وهو حينئذ أفضلُ في حَقِّه - أو للضَّرورة. قوله: ((وُضُوءاً خَفيفاً)) أي: خَفَّفَه بأن تَوضَّأ مرَّة مرَّة، وخَفَّفَ استعمالَ الماء بالنّسبة إلى غالب عادته، وهو معنى قوله في رواية مالك الآتية (١٦٧٢) بعدَ باب بلفظ: ((فلم يُسبخ الوضوءَ))، وأغرَبَ ابن عبد البَرِّ فقال: معنى قوله: «فلم يُسبغ الوضوءَ)) أي: استنجی به، وأطلقَ عليه اسم الوُضوء اللُّغَوي؛ لأنَّه من الوَضَاءة وهي النَّظافةُ، ومعنى الإسباغ: الإكمال، أي: لم يُكمِل وُضوءَه فيَتَوضَّأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنَّه تَوضَّأ وضوءاً خفيفاً، ٥٢١/٣ ولكنَّ الأُصولَ تَدفَعُ هذا لأنَّه لا يُشرَعُ الوُضوء لصلاةٍ واحدة مرَّتينٍ، / وليس ذلك في رواية مالك. ثمَّ قال: وقد قيل: إنَّ معنى قوله: ((لم يُسبغ الوضوءَ)) أي: لم يَتَوضَّأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتَصَرَ على بعضها، واستَضعَفَه. انتهى. وحكى ابن بَطَّل أنَّ عيسى بن دينار من قُدَماء أصحابهم سَبَقَ ابنَ عبد البَرِّ إلى ما اختارَه أولاً، وهو مُتَعقَّب بهذه الرواية الصَّريحة، وقد تابَعَ محمد بن أبي حَرمَلة عليها محمدُ ابن عُقْبة أخو موسى، أخرجه مسلم (١٢٨٠ / ٢٨٠) بمثلٍ لفظه، وتابَعَهما إبراهيم بن عُقْبة ٥١٥ باب ٩٣ / ح ١٦٦٩ - ١٦٧٠ كتاب الحج أخو موسى أيضاً، أخرجه مسلم أيضاً (٢٧٨/١٢٨٠) بلفظ: فتَوضَّأ وُضُوءاً ليس بالبالغ، وقد تقدَّم في الطَّهارة (١٨١) من طريق يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن موسى بن عُقْبة بلفظ: (فجعلت أصُبُّ علیه ویَتَوضَّا))، ولم تكن عادته پێۇ أن يُباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء، ويوضحُه ما أخرجه مسلم أيضاً (١٢٨٠/ ٢٨١) من طريق عطاء مولى ابن سِباع عن أسامةَ في هذه القصَّة قال فيها أيضاً: ذهب إلى الغائطِ، فلمَّا رَجَعَ صَبَبتُ عليه من الإداوة. قال القُرطُبي: اختَلَفَ الشُّرّاحُ في قوله: ((ولم يُسبغ الوضوءَ)) هل المرادُ به اقتَصَرَ على بعض الأعضاء فيكون وُضوءاً لُغَويّاً، أو اقتَصَرَ على بعض العددِ فيكون وُضوءاً شرعياً؟ قال: وكلاهما مُحتمَل، لكن يَعضُدُ مَن قال بالثاني قوله في الرواية الأُخرى: «وُضوءاً خفيفاً)) لأنَّه يقال في الناقصِ: خفيف، ومن مُوضِحات ذلك أيضاً قول أُسامةَ له: ((الصلاة)) فإنَّه يدلُّ على أنَّه رآه يَتَوضَّأُ وُضوءَه للصلاة، ولذلك قال له: أتصَلّي؟ كذا قال ابن بَطَّال، وفيه نظر، لأنَّه لا مانع أن يقولَ له ذلك، لاحتمال أن يكون مراده: أتريدُ الصلاةَ، فِلِمَ لم تَتَوضَّأ وُضوءَها؟ وجوابُه بأنَّ الصلاةَ أمامك، معناه أنَّ المغرِبَ لا تُصلَّى هنا فلا تحتاجُ إلى وُضُوء الصلاة، وكأنَّ أُسامةَ ظَنَّ أَنَّه وَّه ◌َسِي صلاة المغربِ ورأى وقتَها قد كاد أن يخرجَ أو خرج، فأعلَمَه النبي ◌َِّ أنَّها في تلك الليلة يُشرَعُ تأخيرها لتُجمَع مع العِشاء بالمزدَلِفة، ولم يكن أُسامةُ يَعِرِفُ تلك السُّنّة قبلَ ذلك. وأمَّا اعتلال ابن عبد البَرِّ بأنَّ الوضوءَ لا يُشرَعُ مرَّتينِ لصلاة واحدة، فليس بلازم؛ لاحتمال أنَّه تَوضَّأ ثانياً عن حَدَث طارئ، وليس الشَّرط بأنَّه لا يُشرَعُ تجديد الوضوءِ إلَّا لمن أدّى به صلاة فرضاً أو نَفلاً مُتَّفَقاً (١) عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه وإن كان الأصحّ خلافَه، وإنَّما تَوضَّأ أولاً ليستَدیمَ الطَّهارة، ولا سيَّما في تلك الحالة لگْرة الاحتیاج إلی ذِكْر الله حينِذ، وخَفَّفَ الوضوءَ لقِلّة الماء حينئذ، وقد تقدَّم شيء من هذا في أوائل الطَّهارة. (١) في الأصلين و(س): ((متفق)) بالرفع، والصواب ما أثبتناه، فإنها خبر (ليس)) منصوب. ٥١٦ باب ٩٣ / ح ١٦٦٩ - ١٦٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال الخطَّابي: إنَّما تَرَك إسباغه حينَ نزل الشِّعبَ ليكون مُستصحِباً للطَّهارة في طريقه، وتجوّز فيه لأنَّه لم يُرِدِ أن يُصلِّي به، فلمَّا نزل وأرادها أسبَغَه. وقول أُسامةَ: ((الصلاةَ)) بالنصب على إضمار الفعل، أي: تَذَكَّرِ الصلاةَ، أو صَلِّ، ويجوزُ الرفعُ على تقدير: حَضَرَت الصلاةُ مثلاً. قوله: ((الصلاةُ أمامَكَ)» بالرفع، و «أمامك)) بفتح الهمزة وبالنصب على الظَّرفية، أي: الصلاةُ سَتُصلَّى بين يَدَيك، أو أطلقَ الصلاة على مكانها، أي: المصلَّى بين يديك، أو معنى ((أمامك)): لا تَفوتُك وسَتُدرِكُها. وفيه تذكيرُ التابع بما تَرَكَه مَتبوعُه لیفعَلَه، أو يَعتَذِرَ عنه، أو يُبيِّنَ له وجه صوابه. قوله: ((حتَّى أتى المزْدَلِفَة فصلَّى)) أي: لم يَبدَأ بشيءٍ قبلَ الصلاة، ووقع في رواية إبراهيم ابن عُقْبة عند مسلم (١٢٨٠ / ٢٧٨): ثمَّ سارَ حتَّى بَلَغَ جَمْعاً فصلَّى المغرِبَ والعِشاءَ، وقد بَّنه في رواية مالك (١٦٧٢) بعدَ باب بلفظ: حتَّى جاء المزدَلِفة فتَوضَّأ فأسبَغَ الوُضوءَ، ثمَّ أُقيمت الصلاةُ فصلَّى المغرب، ثمَّ أناخَ كلُّ إنسان بعيرَه في منزلِه، ثمَّ أُقيمت الصلاةُ فصلَّی ولم يُصلِّ بينهما. وبيَّن مسلم (٢٧٩/١٢٨٠) من وجه آخرَ عن إبراهيم بن عُقْبة عن كُرَيب: أَّهم لم يزيدوا بين الصلاتَينِ على الإناخة، ولفظه: «فأقام المغرب ثمَّ أناخَ الناس، ولم يَحُلّوا حتَّى أقام العِشاء، فصَلَّوا ثمَّ حَلُّوا))، وكأنَّهم صَنَعوا ذلك رِفقاً بالدَّوابُّ أو للأمنِ من تشویشِھم بها. وفيه إشعار بأنَّه خَفَّفَ القراءةَ في الصلاتَين، وفيه أنَّه لا بأسَ بالعمل اليسير بين الصلاَتَين اللَّنَينِ يُجمَعُ بينهما ولا يَقطعُ ذلك الجمعَ، وسيأتي البحث في ذلك بعدَ ثلاثة ٥٢٢/٣ أبواب (١٦٧٥). وقوله في رواية/ مالك (١٦٧٢): ((ولم يُصَلِّ بينهما)) أي: لم يَتَنَفَّل، وسيأتي حديثُ ابن عمر في ذلك بعدَ بابين (١٦٧٣). قوله: (ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ)) أي: رَكِبَ خلفَ رسول الله وَّةِ، وهو الفضلُ بن العبّاس بن عبد المطَّلِب، ووقع في رواية إبراهيم بن عُقْبة عند مسلم (٢٧٩/١٢٨٠): ((قال كُرَيب: فقلت ٥١٧ باب ٩٤ / ح ١٦٧١ كتاب الحج الأُسامة: كيف فعَلتُم حين أصبَحْتُم؟ قال: رَدِفَه الفضل بن العَبَّاس، وانطلقت أنا في سُبّاق قُرَيش على رِجليّ))، يعني: إلى مِنَّى. وسيأتي الكلام على التَّلبية بعدَ سبعة أبواب (١٦٨٥). واستُدِلَّ بالحديث على جمع التأخير، وهو إجماعٌ بمُزدَلِفة، لكنَّه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفيَّة والمالكية بسبب النُّسُك، وأغرَب الخطّابي فقال: فيه دليل على أنَّه لا يجوزُ أن يُصلِّيّ الحامُجُ المغْرِبَ إذا أفاضَ من عَرَفة حتَّى يَبلُغَ المزدَلِفة، ولو أجزأته في غيرها لمَا أَخَّرَها النبيِ نَّه عن وقتها المؤَقَّتِ لها في سائر الأيام. ٩٤ - باب أمر النبيّ ◌َله بالسّكينة عند الإفاضة وإشارَتِهِ إليهم بالسَّوْطِ ١٦٧١ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدّثنا إبراهيمُ بنُ سُوَيدٍ، حدَّثني عمرُو بنُ أبي عَمٍو مَوْلَى المطَّلِبِ، أخبرني سعيدُ بنُ مُبَيرٍ مَوْلَى والبةَ الكُوِيُّ، حدَّثني ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّه دَفَعَ مع النبيِّ وَّهِ يومَ عَرَفَةَ، فسمعَ النبيُّ ◌َّه وراءَه زَجْراً شديداً وضَرْباً للإبل، فأشارَ بسَوْطِه إليهم، وقال: ((أيُّها الناسُ عليكم بالسَّكِينةِ، فإنَّ البِرَّليس بالإيضاع)). أَوضَعوا: أسرَعُوا. ﴿خِلَلَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] من التَّخَلُّلِ: بينكُمْ، ﴿ وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا﴾ [الكهف: ٣٣]: بينهما. قوله: ((باب أمر النبي وَّ بالسَّكينةِ عند الإفاضة)) أي: من عَرَفة. قوله: ((حدَّثنا إبراهيم بن سُوَيد)) هو المدني وهو ثقة، لكن قال ابن حِبَّان: في حديثه مناکیر. انتھی، وهذا الحدیثُ قد تابعه علیه سلیمان بن بلال عند الإسماعيلي، والراوي عنه إبراهيم بن سُوَيد مَدَني أيضاً، واسم جَدِّه: حِبّان، ووَهمَ الأَصِيلِي فسمّاه مَولَّى، حكاه الجيَّاني وخَطَّزوه فيه. قوله: ((مَوْلى المطَّلِب)) أي: ابن عبد الله بن حَنطَبٍ. قوله: ((مَوْلى والِبةَ)) بكسر اللَّام بعدَها موحّدة خفيفة: بطن من بني أسد. ٥١٨ باب ٩٥ / ح ١٦٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّه دَفَعَ مع النبي ◌َِّ يومَ عَرَفَ)) أي: من عَرَفة. قوله: ((زَجْراً) بفتح الزّاي وسكون الجيمِ بعدَها راء، أي: صياحاً؛ لِحَتِّ الإبل. قوله: ((وضَرْباً) زاد في رواية كَرِيمة: ((وصوتاً))، وكأنَّها تصحيف من قوله: وضَرباً، فظُنَّت معطوفة. قوله: ((عليكم بالسَّكينة)) أي: في السير، والمراد: السير بالرِّفق وعَدَم المزاحَمة. قوله: ((فإنَّ البِرَّ ليس بالإيضاع)) أي: السير السريع، ويقال: هو سَيْرِ مثلُ الخَبَب، فبيَّن وَ﴿ أَنَّ تكلُّفَ الإسراع في السير ليس من البِرّ، أي: ممَّا يُتَقَرَّبُ به، ومن هذا أخذَ عمر بن عبد العزيز قوله لمَّا خَطَبَ بعَرَفة: ليس السابقُ مَن سَبَقَ بعيرُه وفَرَسُه، ولكنَّ السابقَ مَن غُفِرَ له. وقال المهلَّب: إنَّما نهاهم عن الإسراع إبقاءً عليهم؛ لئلا يُحُحِفوا بأنفُسِهم مع بُعْد المسافة. قوله: ((أوضَعُوا: أسرَعُوا)) هو من كلام المصنّف، وهو قول أبي عُبيدَة في ((المجاز)). قوله: ((خِلالَكم، من الَّخَلَّلِ: بينكُمْ)) هو أيضاً من قول أبي عبيدةَ، ولفظُه: ﴿وَلَأَ وَضَعُواْ﴾ أي: لَأسرَعوا ﴿َِلَكُمْ﴾ أي: بينكم، وأصله من التَّخَلُّل. وقال غيره: المعنى: وليَسْعَوا بينكم بالنَّميمة، يقال: أوضَعَ البعيرَ: أسرَعَه، وخَصَّ الرّاكبَ لأنَّه أسرَعُ من الماشي. وقوله: (﴿ وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا﴾: بينهما)) هو قول أبي عُبِيدَة أيضاً، ولفظه: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا أي: وسَطَهما وبينهما. وإنَّما ذكر البخاري هذا التفسير لمناسبة ((أوضَعوا)) للفظ الإيضاع، ولمَّا كان مُتَعَلَّقُ ((أوضَعوا)): ((الِخِلال)) ذكر تفسيرَه تكثيراً للفائدة. ٥٢٣/٣ ٩٥ - باب الجمع بين الصّلاتين بالمزدلفة ١٦٧٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن كُرَيبٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما، أنَّه سمعَه يقول: دَفَعَ رسولُ الله وَلِّ مِن عَرَفَةَ، فنزلَ الشِّعْبَ ٥١٩ باب ٩٦ / ح ١٦٧٣ - ١٦٧٤ كتاب الحج فبالَ، ثمَّ تَوضَّأ ولم يُسْبِغ الوُضُوءَ، فقلتُ له: الصلاةَ؟ فقال: ((الصلاةُ أمامَكَ))، فجاء المزْدَلِفِةَ، فَتَوضَّأ فأسبَغَ، ثمَّ أُقِيمَتِ الصلاةُ فصَلَى المغرِبَ، ثمَّ أناَ كلُّ إِنْسانٍ بعيرَه فِي مَنزِلِهِ، ثمَّ أُقِيمَتِ الصلاةُ فصَلَّى، ولم يُصلِّ بينَهما. قوله: ((باب الجمعِ بين الصلاتَينِ بالمزْدَلِفَة)) أي: المغرب والعشاء، ذكر فيه حديث أُسامةً، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستوفَّى قبلَ باب (١٦٦٩). قوله: ((عن کریب، عن أسامة)) قال ابن عبد البر: رواه أصحاب مالك عنه هكذا، إلا أشهب وابن الماحِشُون، فإنهما أدخلا بين كريب وأسامة: عبدَ الله بن عباس، أخرجه النسائي (٦٠٩). ٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوّع ١٦٧٣ - حدَّثنا آدمُ، حَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: جمع النبيُّ ◌َ طار المغرب والعشاءَ بجمْع، كلَّ واحدةٍ منهما بإقامةٍ، ولم يُسبِّح بینھما، ولا على إثْرِ كلِّ واحدةٍ منهما. ١٦٧٤- حدَّثنا خالدُ بنُ مَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرني عَدِيُّ بنُ ثابتٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ يزيدَ الخَطْمِيُّ، قال: حدَّثني أبو أيوبَ الأنصاريُّ: أنَّ رسولَ الله وَّ جمع في حَجّةِ الوداع المغرِبَ والعِشاءَ بالمزْدَلِفِةِ. [طرفه في: ٤٤١٤] قوله: ((باب مَن جمع بينهما)) أي: بين الصلاتين المذكورتين. قوله: ((ولم يَتَطَوَّع)) أي: لم يَتَنَفَّل بينهما. قوله: ((جمع النبي ◌َُّ المغْرِبَ والعِشاءَ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((بين المغرِبِ والعِشاء)). قوله: ((بجَمْعٍ)) بفتح الجيمِ وسكون الميم، أي: المزدَلِفة، وسُمّيت جمعاً لأنَّ آدم اجتمع فيها مع حَوّاء وازدَلَفَ إليها، أي: دَنا منها. ٥٢٠ باب ٩٦ / ح ١٦٧٣ - ١٦٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وروي عن قَتَادة: أنَّهَا سُمّيت جمعاً لأنَّها يُجمَعُ فيها بين الصلاتَين، وقيل: وُصِفَت بفعلِ أهلِها، لأنَّهم يجتمعونَ بها ويَزِدَلِفُونَ إلى الله، أي: يَتَقَرَّبونَ إليه بالوقوفِ فيها. وسُمّيت المزدَلِفة إمّا لاجتماع الناس بها أو لاقترابهم إلى مِنّى، أو لازدِلاف الناس منها جميعاً، أو للتُّولِ بها في كلِّ زُلْفةٍ من الليلِ، أو لأنَّها منزلة وقُربةٌ إلى الله، أو لازدِلاف آدم إلى حَوّاء بها. قوله: ((بإقامةٍ)) لم يَذْكُر الأذانَ، وسيأتي البحث فيه بعدَ باب. قوله: ((ولم يُسبِّح بينهما)) أي: لم يَتَنَفَّل. وقوله: ((ولا على إِثْرِ كلِّ واحدة منهما)) أي: عَقِبَها، ويُستفادُ منه أنَّه تَرَك التنقُّل عَقِبَ المغرِبِ وعَقِبَ العِشاء، ولمَّا لم يكن بين المغرِبِ والعِشاء مُهْلٌ، صَرَّحَ بأنَّه لم يَتَنَفَّل بينهما، بخلاف العِشاء، فإنَّه يحتملُ أن يكون المراد أنَّه لم يَتَتَفَّل عَقِبَها، لكنَّه تَنَفَّلَ بعدَ ذلك في أثناء الليل، ومن ثَمَّ قال الفقهاء: تُؤَخَّرُ سُنَّة العِشاءَينِ عنهما. ٥٢٤/٣ ونَقَلَ ابن المنذر الإجماع على تَرْك التطوُّع بين الصلاتَينِ / بالمزدَلِفة، لأنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ السُّنّةَ الجمعُ بين المغرِبِ والعِشاء بالمزدَلِفة، ومَن تَنَفَّلَ بينهما لم يَصِحَّ أنَّه جمع بينهما. انتهى. ويُعكِّرُ على نقل الاتِّفاق فعلُ ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، وفي روايته عن عَديٍّ بن ثابت روایةٌ تابعي عن تابعي، وفي رواية عبد الله بن یزید شيخ عديّ فیه روایةٌ صحابي عن صحابي، والإسناد كلّه دائر بين مَدَني وكوفي، وزاد مسلم (١٢٨٧ / ٢٨٥) من رواية الليث عن يحيى عن عَدي عن عبد الله بن يزيد: وكان أميراً على الكوفة على عهد ابن الزُّبَير. قوله: ((بالمزْدَلِفَة)) مُبيِّ لقوله في رواية مالك عن يحيى بن سعيد التي أخرجها المصنِّف في المغازي (٤٤١٤) بلفظ: أنَّه صلَّى مع رسول الله وَ له في حَجَّة الوداع المغرِبَ والعِشاءَ جميعاً. وللطَّبراني (٤/ ٣٨٧٠) من طريق جابر الجُّعفي عن عَديٌّ بهذا الإسناد: صلَّى بجمع المغرب ثلاثاً والعِشاء ركعتين بإقامة واحدة. وفيه ردّ على قول ابن حزم: إنَّ حديث أبي أيوب