النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب ٧٦ / ح ١٦٣٦ - ١٦٣٧
كتاب الحج
من رواية غيره عند البيهقي (٢٠٢/٥) من طريق إبراهيم بن طَهْمانَ ومن طريق حمزة
الزَّيّات(١)، كلاهما عن أبي الزُّبَير بن سعيد عن جابر (٢)، ووقع في ((فوائد ابن المقرئ)) من
طريق سُوَيد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي المَوَال، عن ابن المنكَدِر عن جابر،
وزَعَمَ الدِّمياطي أنَّه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيثُ الرجال، إلَّا أنَّ سُوَيداً
وإن أخرج له مسلم، فإِنَّه خَلَّطَ وطَعَنوا فيه، وقد شَلَّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك
عن ابن المؤَمَّل، وقد جمعت في ذلك جُزءاً، والله أعلم.
وسُمّيت زَمزَم لكثرتها، يقال ماء زَمزَم أي: كثير، وقيل: لاجتماعها، نُقِلَ عن ابن
هشام، وقال أبو زيد: الزَّمزَمة من الناس خمسونَ ونحوهم.
وعن مجاهد: إنَّما سُمّيت زَمزَم، لأنَّهَا مُشتَقّة من الهَزْمة، والهَزْمة: الغَمْزِ بالعَقِبِ في
الأرض، أخرجه الفاکھي (١٠٥٦) بإسناد صحيح عنه.
وقيل: لَخَرَكَتها، قاله الحربي، وقيل: لأنَّها زُمَّت بالميزان لئلا تأخذ يميناً وشمالاً،
وستأتي قِصَّتها في شَأن إسماعيل وهاجَر في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) وقصّة حفر عبد
المطَّلِب لها في أيام الجاهلية (٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وقال عَبْدانُ)) سيأتي في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٢) أتمَّ منه بلفظ: ((وقال لي
عبدان))، وأورَدَه هنا مختصراً، وقد وَصَلَه الجَوزَقي بتمامه عن الدَّغولي عن محمد بن الليث
عن عبدان بطولِهِ، وقد تقدَّم الكلام عليه في أوائل الصلاة (٣٤٩). والمقصود منه هنا قوله:
((ثُمَّ غَسَله بماء زَمَزَم)».
قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) في رواية أبي ذرٍّ: هو ابن سَلَامٍ، والفَزَاري: هو مروان بن معاوية،
وغَلِطَ مَن قال: هو أبو إسحاق، وعاصم: هو ابن سليمان الأحوَل.
(١) لم نجد رواية حمزة الزيات عند البيهقي، وهي عند الطبراني في «الأوسط)) (٣٨٢٧)، وابن عدي في
«الكامل)» ٤/ ١٤٥٥.
(٢) وانظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد)) برقم (١٤٨٤٩).
(٣) باب (٢٦) من مناقب الأنصار.

٤٦٢
باب ٧٧ / ح ١٦٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطَّال وغيره: أراد البخاري أنَّ الشُّرب من ماء زَمَزَم من سُنَن الحج.
وفي ((المصنَّف)) عن طاووسٍ قال: شُربُ نَبيذِ السِّقاية من تمام الحج(١)، وعن عطاء:
لقد أدرَكتُه وإنَّ الرجل لَيَشْرَبُه فتَلَزَق شَفَتَاه من حَلاوَته(٢)، وعن ابن جُرَيج عن نافع:
أنَّ ابن عمر لم يكن يَشرَب من النبيذ في الحج(٣)، فكأنَّه لم يَتْبُت عنده أنَّ النبيِِّ شَرِبَ
منه، لأنَّه كان كثير الاتِّباع للآثار، أو خشي أن يَظُنّ الناس أنَّ ذلك من تمام الحج كما
نُقِلَ عن طاووسٍ.
قوله: «فحَلَفَ عِكْرمة ما كان يومَئذٍ إلّا على بعير)» عند ابن ماجَهْ (٣٤٢٢) من هذا
الوجه قال عاصم: فذكرتُ ذلك لعِكْرمة، فحَلَفَ بالله ما فَعَلَ - أي: ما شَرِبَ قائماً - لأنَّه
کان حينئذٍ راکباً، انتھی.
وقد تقدَّم أنَّ عند أبي داود (١٦١٩) من رواية عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّه أناخَ فصلَّى
ركعتَين. فلعلَّ شُربه من زَمَزَم كان بعدَ ذلك، ولعلَّ عِكْرمة إنَّما أنكَرَ شُربه قائماً لنَهِه عنه،
لكن ثَبَتَ عن عليٍّ عند البخاري (٥٦١٥): أنَّه ◌َ شَرِبَ قائماً، فيُحمَل على بيان الجواز.
٤٩٤/٣
٧٧- باب طواف القارن
١٦٣٨ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً
رضي الله عنها: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَّهِ فِي حَجّةِ الوداع، فأهلَلْنا بعُمْرةٍ، ثمَّ قال: ((مَن كان
معه هَذْيٌّ فلْيُهِلَّ بالحجِّ والعُمْرةِ، ثمَّ لا يَحِلُّ حتَّى تَحِلَّ منهما)) فقَدِمْتُ مكَّةَ وأنا حائضٌ، فلمَّا
قَضَينا حَجَّنا، أرسَلَني مع عبدِ الرحمن إلى التَّنْعِيمِ، فاعتَمَرْتُ، فقال ◌َ: ((هذه مكانَ عُمْرَتِك))
فطافَ الذينَ أهَلُّوا بالعُمْرةِ ثمَّ حَلُّوا، ثمَّ طافُوا طوافاً آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا من مِنِّى، وأمَّا الذينَ
جمعُوا بين الحجّ والعُمْرةِ فإنّما طافُوا طوافاً واحداً.
(١) وأخرجه من طريق عبد الرزاق: ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٢٠١، وليس هو في المطبوع من ((المصنَّف))،
وأخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (١١٤٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه.
(٢) أخرجه الفاكهي (١١٥١).
(٣) أخرجه الفاكهي (١١٥٠).

٤٦٣
باب ٧٧ / ح ١٦٣٨ - ١٦٤٠
كتاب الحج
١٦٣٩ - حدَّثْنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّة، عن أيوبَ، عن نافعٍ: أنَّ ابنَ عمرَ
رضي الله عنهما دخل ابنُه عبدُ الله بنُ عبدِ الله وظَهْرُه في الدَّار، فقال: إنّي لا آمَنُ أن يكونَ العامَ
بين الناس قتالٌ فَيَصُدُّوكَ عن البيتِ، فلو أقمْتَ؟ فقال: قد خَرَجَ رسولُ اللهِ وَِّ فِحالَ كَفَّارُ
قُرَيشٍ بينه وبين البيتِ، فإن حِيلَ بيني وبينه أفعَلُ كما فعل رسولُ اللهِ وَِّ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ثمَّ قال: أُشهِدُكم أنّي قد أو جَبتُ مع عُمْرَتِي حَجّاً،
قال: ثمَّ قَدِمَ فطافَ لهما طوافاً واحداً.
[أطرافه في: ١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣،
٤١٨٥،٤١٨٤]
١٦٤٠ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثْنا الليثُ، عن نافعٍ: أَنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما أرادَ الحجَّ عامَ
نزلَ الحجّاجُ بابنِ الزُّبَيرِ، فقيلَ له: إنَّ الناسَ كائنٌ بينهم قتالٌ، وإنّا نَخافُ أن يَصُدُّوكَ، فقال:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إذاً أصنَعَ كما صَنَعَ رسولُ اللهِ﴾
إنّ أُشهِدُكم أنّي قد أو جَبتُ عُمْرةً. ثمَّ خَرَجَ حتَّى إذا كان بظاهرِ البَيداء قال: ما شَأْنُ الحجِّ
والعُمْرةِ إلا واحدٌ، أُشهِدُكم أنّي قد أو جَبتُ حَجّاً مع عُمْرَني. وأهدَى هَذْياً اشتراه بقُدَيدٍ، ولم
يَزِد على ذلك، فلم يَنْحَر ولم يَحِلَّ من شيءٍ حَرُمَ منه، ولم يَحلِقِ ولم يُقصِّر حتَّى كان يومُ النَّحْرِ،
فَتَحَرَ وحَلَقَ، ورَأى أن قد قَضَى طوافَ الحجِّ والعُمْرةِ بطوافه الأوَّل.
وقال ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما: كذلك فعل رسولُ الله ◌ِت.
قوله: ((باب طواف القارِن)) أي: هل يَكتَفي بطوافٍ واحد، أو لا بُدَّ من طوافَين، أورَدَ
فيه حديث عائشة في حَجَّة الوداع وفيه: وأمَّا الذينَ جمعوا بين الحج والعمرة، فإنَّما طافوا
طوافاً واحداً.
وحديث ابن عمر في حَجَّة عام نزل الحَجّاج بابن الزُّبَير أورَدَه من وجهين، في كلِّ
منهما أنَّه: جمع بين الحج والعمرة، أهلَّ بالعمرة أولاً ثمَّ أدخَلَ عليها الحج، وطافَ لهما
طوافاً واحداً كما في الطَّريق الأولى، وفي الطَّريق الثانية: ورأى أن قد قَضَى طواف الحج

٤٦٤
باب ٧٧ / ح ١٦٣٨ - ١٦٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
والعمرة بطوافه الأول، وفي هذه الرواية رفع احتمال قد يُؤخَذ من الرواية الأولى: أنَّ المراد
بقوله: ((طوافاً واحداً)، أي: طافَ لكلِّ منهما طوافاً يُشِهِ الطَّواف الذي للآخر،
والحديثان ظاهران في أنَّ القارن لا يجب عليه إلَّا طواف واحد كالمفرِد.
وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر، أصرَح من سياق
حديثَي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبي ◌َّ قال: ((مَن جمع بين الحج والعمرة كَفاهُ لهما
طوافٌ واحد، وسَعيٍّ واحد)»، وأعَلَّه الطَّحاوي (٢/ ١٩٧) بأنَّ الدَّراوَردي أخطَأ فيه،
وأنَّ الصواب أنَّه موقوف، وتمسَّك في تَّخْطِئَتَه بما رواه أيوب والليث وموسى بن عُقْبَةَ
وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في الباب من أنَّ ذلك وقع لابن عمر، وأنَّه قال: إنَّ
٤٩٥/٣ النبي وي﴿ فعل ذلك، لا أنَّه روى/ هذا اللفظ عن النبي ◌َّ. انتهى، وهو تعليل مردود،
فالدَّراوَردي صدوق، وليس ما رواه مخالفاً لمَا رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث
عند نافع على الوجهين.
واحتَجَّ الحنفيَّة بما روي عن عليّ أنَّه جمع بين الحج والعمرة فطافَ لهما طوافَينِ وسَعَى
لهما سَعَيَينِ، ثمَّ قال: هكذا رأيت رسول الله وَ له فعَلَ. وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق
والدارَقُطني (٢٦٢٨ - ٢٦٣٠) وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج (٢٦٣١) من حديث ابن
مسعود بإسناد ضعیف نحوه.
وأخرج (٢٥٩٧) من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عُمارَة وهو متروك،
والمخَرَّج في ((الصحيحين)) وفي ((السُّنَن)) عنه(١) من طرق كثيرةٍ الاكتِفاءُ بطوافٍ واحد،
وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنَّه طافَ طوافَين، فيُحمَل على طواف القدوم وطواف
الإفاضة، وأمَّا السعي مرَّتینِ فلم يَثْبُت.
وقال ابن خَزْم: لا يَصِحّ عن النبي ◌َّ ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيءٌ أصلاً.
(١) وهو في ((مسند أحمد)) برقم (٥٣٥٠) و (٦٢٤٧)، وانظر تمام تخريجه والكلام عليه فيه بالموضعين.

٤٦٥
باب ٧٧ / ح ١٦٣٨ - ١٦٤٠
كتاب الحج
قلت: لكن روى الطَّحاوي (٢٠٥/٢) وغيره موقوفاً (١) عن عليّ وابن مسعود ذلك
بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أرَ في الباب أصحّ من حديثَي ابن عمر وعائشة
المذكورَينِ في هذا الباب.
وقد أجاب الطَّحاوي عن حديث ابن عمر بأنَّه اختُلِفَ عليه في كيفية إحرام النبي
وَّه، وأنَّ الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنَّهِ وَلَ أَحرَمَ أولاً بحَجَّةٍ، ثمَّ فسَخَها
فصَيَّرَها عمرةً، ثمَّ تَمَّعَ بها إلى الحج، كذا قال الطَّحاوي مع جَزِه قبلَ ذلك بأنَّه ◌ِلَهـ
كان قارناً.
وهَبْ أنَّ ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول الله وَكليات، أي:
أمَرَ مَن كان قارناً أن يَقتَصِر على طواف واحد، وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنَّه وَه
كان قارناً، فإنَّه مع قوله فيه: تَتَّعَ رسول الله وَّةِ، وصف فعل القِرَان حيثُ قال: ((بَدَأ
فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحج))، وهذا من صوَر القِرَان، وغايته أنَّه سمّاه تمتُّعاً، لأنَّ الإحرام
عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يُسمَّى تَمتُّعاً.
ثمَّ أجاب عن حديث عائشة بأنّها أرادت بقولها: وأمَّا الذينَ جمعوا بين الحج والعمرة،
فإنَّما طافوا لهما طوافاً واحداً، يعني: الذينَ تَمَتَّعوا بالعمرة إلى الحج، لأنَّ حَجَّتهم كانت
مَكّية، والحجة المكِّية لا يُطاف لها إلَّا بعد عَرَفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج
والعمرة: جمع مُتعةٍ لا جمع قِران، انتھی.
وإنّ لكثيرُ التَّعَجُّب منه في هذا الموضع كيف ساغَ له هذا التأويل، وحديث عائشة
مُفَصِّل للحالَتَين، فإنَّهَا صَرَّحَت بفعلِ مَن تَمتَّعَ ثمَّ مَن قَرَنَ، حيثُ قالت: «فطافَ الذينَ
أهَلّوا بالعمرة ثمَّ حَلّوا طوافاً آخر بعد أن رَجَعوا من مِنَّى)) فهؤلاء أهل التمتُّع، ثمَّ قالت:
((وأمَّا الذينَ جمعوا ... )) إلى آخره، فهؤلاء أهل القِرَان، وهذا أبيَنُ من أن يحتاج إلى إيضاح،
والله المستعان.
(١) في (س): مرفوعاً، وهو خطأ، والمثبت من الأصلين.
-

٤٦٦
باب ٧٧ / ح ١٦٣٨ - ١٦٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقد روى مسلم (١٢٧٩/ ٢٦٥) من طريق أبي الزُّبَير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يقول:
لم يَطُف النبيِ نَّ ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلَّا طوافاً واحداً. ومن طريق طاووسٍ
عن عائشة (١٢١١ /١٣٢): أنَّ النبي ◌َِّ قال لها: ((يَسَعُكِ طوافُكِ لحجِّك وعمرَتِك))
وهذا صريح في الإجزاء وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة مُحُرِمة به، قال
عبد الرزاق عن سفيان الثَّوري عن سَلَمةَ بن كُهَيلِ قال: حَلَفَ طاووسٌ: ما طافَ أحد من
أصحاب رسول الله وَله لحجِّه وعمرَته إلَّا طوافاً واحداً. وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان
ضَعف ما روي عن عليّ وابن مسعود من ذلك.
وقد روى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق عن أبيه: إنَّه كان
يَحَفَظ عن عليّ: ((للقارنِ طواف واحد)) خلاف ما يقول أهل العراق، وممّا يُضَعِّف ما روي
عن عليّ من ذلك أنَّ أمثَل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذَينة عنه، وقد ذكر فيها: أنَّه
يمتنع على مَن ابْتَدَأ الإهلال بالحجِّ أن يُدخِل عليه العمرة، وأنَّ القارن يطوف طوافَينِ
٤٩٦/٣ ويَسعى سَعَيَين. والذينَ احتَجّوا بحديثه/ لا يقولونَ بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن
كانت الطَّريق صحيحة عندهم لَزِمَهم العمل بما دَلَّت عليه، وإلَّا فلا حُجَّة فيها.
وقال ابن المنذر: احتَجَّ أبو ثور(١) من طريق النَّر بأنّا أجَزنا جميعاً للحجِّ والعمرة
سَفَراً واحداً وإحراماً واحداً وتلبية واحدة، فكذلك يُجزئ عنهما طواف واحد وسَعيٌ
واحد؛ لأنَّهما خالَفا في ذلك سائر العبادات.
وفي هذا القياس مباحث كثيرة لا نُطيل بها. واحتَجَّ غيره بقوله ◌َّهِ: (دَخَلَت العمرة في
الحج إلى يوم القيامة))، وهو صحيح كما سَلَفَ (٢)، فدَلَّ على أنَّها لا تحتاج بعدَ أن دَخَلَت فيه
إلى عمل آخر غير عمله، والحقّ أنَّ المتَّبَع في ذلك السُّنّة الصحيحة وهي مُستَغنية عن
غيرها، وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة حديث عائشة (١٥٦١)، وسيأتي الكلام على حديث ابن
عمر في أبواب المحصَرِ (١٨٠٦) إن شاء الله تعالى، ونُنَبِّه هناك على اختلاف الرواية فيه.
(١) وقع في (س): أبو أيوب، وهو خطأ، والمثبت من (أ) و(ع).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٤١).

٤٦٧
باب ٧٨ / ح ١٦٤١
كتاب الحج
قوله: ((لا آمَنَ)) كذا للأكثر بالمدِّ وفتح الميم الخفيفة، أي: أخاف، وللمُستَمْلي: ((لا أيمَنُ))
بياء ساكنة بين الهمزة والميم، فقيل: إنَّها إمالة، وقيل: لغة تميميّة وهي عندهم بكسر الهمزة.
قوله: ((فإن حِيلَ)) كذا للأكثر، وللكُشمِيهَني: ((وإن يُحَل)) بضم الياء وفتح المهمَلة
واللّام ساكنة.
وقوله في الطَّريق الثانية: ((بطوافه الأول)) أي: الذي طافَه يوم النَّحر للإفاضة، وتَوَهَّمَ
بعضهم أنَّه أراد طواف القدوم، فحَمَله على السعي.
وقال ابن عبد البَرِّ: فيه حُجَّة لمالك في قوله: إنَّ طواف القدوم إذا وُصِلَ بالسعي
يُجْزِئ عن طواف الإفاضة لمن تَرَكَه جاهلاً، أو نَسِيَه حتَّى رَجَعَ إلى بلده، وعليه الهَدْي،
قال: ولا أعلم أحداً قال به غيره وغير أصحابه، وتُعقِّبَ بأنَّه إن حُلَ قوله: ((طوافه الأول))
على طواف القدوم، فإنَّه أجزأ عن طواف الإفاضة، كان ذلك دالًّا على الإجزاء مُطلَقاً ولو
تَعَمَّدَه لا بقَيد الجهل والنِّسيان، لا إذا حَمَلنا قوله: ((طوافه الأول)) على طواف الإفاضة يوم
النَّحر أو على السعي، ويؤيِّد التأويل الثاني حديث جابر عند مسلم (٢٦٥/١٢٧٩): لم
يَطُف النبي ◌َّه ولا أصحابه بين الصَّفا والمروة إلَّ طوافاً واحداً طوافه الأول. وهو محمول
على ما ◌ُلَ عليه حديث ابن عمر المذكور، والله أعلم.
تنبيه: وقع هنا عَقِبَ الطَّريق الثانية لحديث ابن عمر المذكور في نسخة الصَّغَاني تعلية
السنَد المذكور لبعض الرُّواة، ولفظه: قال أبو إسحاق: حدَّثنا قُتَيبة ومحمد بن رُمْح قالا:
حدَّثنا الليث مثله، وأبو إسحاق هذا إن كان هو المُستَمْلي، فقد سَقَطَ بينه وبين قُتَيبة
وابن رُمح رجل، وإن كان غيره، فيحتمل أن يكون إبراهيمَ بن مَعِقِل النَّسَفي الراوي عن
البخاري، والله أعلم.
٧٨- باب الطّواف على وضوءٍ
١٦٤١ - حدّثنا أحمدُ بنُ عيسى، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن محمَّدٍ
ابن عبد الرحمن بنِ نَوْفَلِ القُرَشِيّ: أَنَّه سألَ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ، فقال: قد حجَّ النبيُّ ◌َِّ، فأخبرتْني
٤٩٧/٣

٤٦٨
باب ٧٨ / ح ١٦٤١ - ١٦٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
عائشةُ رضي الله عنها: أَنَّه أوَّلُ شيءٍ بَدَأْ به حينَ قَدِمَ أَنَّه تَوضَّأْ، ثمَّ طافَ بالبيتِ، ثمَّ لم تكن عُمْرً، ثمَّ
حَجَّ أبو بكرٍ ، فكان أوَّلَ شيءٍ بَدَأ به الطَّوافُ بالبيتِ، ثمَّ لم تكن عُمْرةً، ثمَّ عُمَرُ مِثلُ ذلك.
ثُمَّ حِجَّ عثمانُ ﴾ فرأيتُهُ أوَّلُ شيءٍ بَدَأ به الطَّوافُ بالبيتِ، ثمَّ لم تكن عُمْرةً، ثمَّ مُعاوِية
وعبدُ الله بنُ عمر، ثمَّ حَجَجْتُ مع أبي - الزُّبَيرِ بنِ العَوّام - فكان أوَّلَ شيءٍ بَدَأ به الطَّوافُ
بالبيتٍ، ثمَّ لم تكن عُمْرةً، ثمَّ رأيتُ المهاجرِينَ والأنصار يفعلُونَ ذلك، ثمَّ لم تكن عُمْرةً، ثمَّ
آخِرُ مَن رأيتُ فعل ذلك ابنُ عمرَ، ثمَّ لم يَنقُضْها عُمْرةً، وهذا ابنُ عمرَ عندَهم فلا يَسْألُونَه،
ولا أحدٌ مَّن مضى ما كانوا يَبْدَؤُونَ بشيءٍ حينَ يَضَعون أقدامَهم من الطَّواف بالبيتِ، ثمَّ لا
يَجِلُونَ، وقد رأيتُ أُمّي وخالَتي حينَ تَقْدَمان لا تَبْتَدِئان بشيءٍ أوَّلَ من البيتِ تَطُوفان به، ثمَّ
إِنَّمَا لا تَمِلّانِ.
١٦٤٢ - وقد أخبَرَتْني أُمّي: أنَّها أهلَّت هي وأُختُها والزُّبَيرُ وفُلانٌ وفُلانٌ بعُمْرةٍ، فلمَّا
مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
قوله: ((باب الطَّواف على وُضُوء)) أورَدَ فيه حديث عائشة: ((أنَّ أول شيء بَدَأ به النبي ◌َّ-
حينَ قَدِمَ أنَّه تَوضَّأ ثمَّ طافَ)) الحديث بطولِه، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلَّا إذا انضَمَّ
إليه قوله {وَالَ: ((خُذوا عنِّي مَناسكَكم))(١)، وباشتراط الوُضوء للطَّواف قال الجمهور،
وخالَفَ فيه بعض الكوفيين، ومن الحُجَّة عليهم قولُه وَّهِ لعائشةَ لمَّا حاضَت: ((غير أن لا
تطوفي بالبيت حتَّى تَطُري))، وسيأتي بیان الدّلالة منه بعد بابین (١٦٥٠).
قوله: ((ما كانوا يَبْدَؤُونَ بشيءٍ حينَ يَضَعُونَ أقدامهم من الطَّواف بالبيت)) قال ابن بَطَّال:
لا بُدَّ من زيادة لفظ: ((أول)» بعدَ لفظ: ((أقدامهم)). وأجاب الكِرْماني بأنَّ معناه: ما كانوا
يَبدَؤونَ بشيءٍ آخر حينَ يَضَعونَ أقدامهم في المسجد لأجل الطَّواف. انتهى.
وحاصله: أنَّه لم يَتَعيَّن حذف لفظ ((أول))، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر، لكنَّ
الأول أولى؛ لأنَّ الثاني يحتاج إلى جعل ((من)) بمعنى: من أجل، وهو قليل، وأيضاً فلفظ: ((أول))
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).

٤٦٩
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
كتاب الحج
قد ثَبَتَ في بعض الروايات، وثَبَتَ أيضاً في مكان آخر من الحديث نفسه (١٦١٤ و١٦١٥)،
ووقع في رواية الكُشْمِيهني: ((حتَّى يَضَعوا)) بدلَ: ((حينَ يَضَعونَ)) وتوجيهه واضح.
قوله: ((ثُمَّ إنَّهما لا تَحِلّان)) أي: سواء كان إحرامهما بالحجِّ وحده أو بالقِرَان، خلافاً لمن
قال: إنَّ مَن حجَّ مُفرِداً فطافَ، حَلَّ بذلك، كما تقدَّم عن ابن عبّاس.
وقوله: ((أُمّي)) يعني: أسماء بنت أبي بكر، وخالَته هي عائشة، وقد تقدَّم الكلام على
فوائد هذا الحديث في ((باب مَن طافَ إذا قَدِمَ)) (١٦١٤ و ١٦١٥).
تنبيه: قال الداوودي: ما ذُكِرَ من حَجِّ عثمان هو من كلام عُرْوة، وما قبله من كلام
عائشة. وقال أبو عبد الملِك: مُنتَهى حديث عائشة عند قوله: ((ثمَّ لم تكن عمرةً))، ومن
قوله: ((ثمَّ حجَّ أبو بكر)) إلى آخره، من كلام عُرْوة. انتهى، فعلى هذا يكون بعض هذا
مُنْقَطِعاً؛ لأنَّ عُرْوة لم يُدرِك أبا بكر ولا عمر، نعم أدرَك عثمان، وعلى قول الداوودي يكون
الجميع متَّصلاً، وهو الأظهَر.
٧٩ - باب وجوب الصّفا والمروة وجُعِلا من شعائر الله
١٦٤٣- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال عُرْوةُ: سألتُ عائشةَ
رضي الله عنها فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ فَمَنْ حَتَّ
الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فوالله ما على أحدٍ جُنَاحٌ أن
لا يَطُوفَ بالصَّفا والمَرْوةِ! قالت: بئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أُختي! إنَّ هذه لو كانت كما أوَّلْتَها
عليه كانتْ: لا جُناحَ عليه أن لا يَتَطَوَّفَ بهما، ولكنَّها أُنزِلَت في الأنصار؛ كانوا قبلَ أن
يُسلِمُوا يُمِلُّونَ لمَنَةَ الطّاغِيَةِ التي كانوا يَعْبُدُونَها عندَ المشَلَّلِ، فكان مَن أهلَّ يَتَحَرَّجُ أن
يَطُوفَ بالصَّفا والمَرْوةِ، فلمَّا أسلَمُوا سألُوا رسولَ الله وَلِّ عن ذلك، قالوا: يا رسولَ الله، إنّا
كنَّا نَتَحَرَّجُ أن نَطُوفَ بين الصَّفا والمَرْوةِ، فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ﴾
الآية، قالت عائشةُ رضي الله عنها: وقد سَنَّ رسولُ اللهَ وَِّ الطَّوافَ بينَهما، فليس لأحدٍ أن
يَتْرُكَ الطَّوافَ بينَهما.
٤٩٨/٣

٤٧٠
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ أخبرتُ أبا بكرٍ بنَ عبدِ الرحمن، فقال: إنَّ هذا العِلْمَ ما كنتُ سمعتُهُ، ولقد سمعتُ
رِجالاً من أهلِ العِلْمِ يَذْكُرُونَ أنَّ الناسَ - إلا مَن ذَكَرَت عائشةُ - مَمَّنْ كان يُهِلُّ بمَناةَ، كانوا
يَطُوفُونَ كلُّهم بالصَّفا والمَرْوةِ، فلمَّا ذَكَرَ الله تعالى الطَّوافَ بالبيتِ ولم يَذكُرِ الصَّفا والمَرْوةَ
في القرآنِ قالوا: يا رسولَ الله، كنَّا نَطُوفُ بالصَّفا والمَرْوةِ، وإِنَّ اللهَ أَنزَلَ الطَّوافَ بالبيتِ فلم
يَذكُرِ الصَّفا، فهل علينا من حَرَج أن نَطَّوَّفَ بالصَّفا والمَروةِ؟ فأنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ.
قال أبو بكرٍ: فأسمَعُ هذه الآيةَ نزلَت في الفَرِيقَينِ كِلَيهما: في الذينَ كانوا يَتَحَرَّجُونَ أن
يَطُوفُوا بالجاهليّةِ بالصَّفا والمَرْوةِ، والذينَ يَطُوفُونَ ثمَّ تَحَرَّجُوا أن يَطُوفُوا بهما في الإسلام،
من أجْلٍ أنَّ اللهَ تعالى أمُرَ بالطَّواف بالبيتِ ولم يَذْكُرِ الصَّفا، حتَّى ذَكَرَ ذلك بعدَما ذَكَرَ
الطَّوافَ بالبيتِ.
[أطرافه في: ١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١]
قوله: ((باب وُجُوب الصَّفا والمرْوَة وجُعِلا من شعائر الله)) أي: وجوب السعي بينهما
مُستفاد من كونهما جُعِلا من شعائر الله، قاله ابن المنيِّر في ((الحاشية))، وتمام هذا نقل أهل
اللُّغة في تفسير الشَّعائر، قال الأزهَري: الشَّعائر: المقالة التي نَدَبَ الله إليها وأمَرَ بالقيام
عليها، وقال الجوهري: الشَّعائر: أعمال الحج وكلّ ما جُعِلَ عَلَماً لطاعة الله.
ويُمكِن أن يكون الوجوب مُستفاداً من قول عائشة: ما أتمَّ الله حجَّ امرِئٍ ولا عمرته لم
يَطُف بين الصَّفا والمروة، وهو في بعض طرق حديثها المذكور في هذا الباب عند مسلم
(٢٦٠/١٢٧٧).
واحتَجَّ ابن المنذر للوجوب بحديث صَفيَّة بنت شَيْبة عن حَبيبةَ بنت أبي تِجْراً - بكسر
المثنَّاة وسكون الجيم بعدها راء ثمَّ ألف ساكنة ثمَّ هاء - وهي إحدى نساء بني عبد الدار -
قالت: دخلت مع نِسْوة من قُرَيش دارَ آل أبي حسين، فرأيت رسول الله وَلَه يسعى وإنَّ
مِنْزَرَه لَيَدور من شِدّة السعي، وسمعته يقول: ((اسعَوْا، فإنَّ الله كَتَبَ عليكم السعيَ))

٤٧١
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
كتاب الحج
أخرجه الشافعي (٢٣١/٢) وأحمد (٢٧٣٦٧) وغيرهما، وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن
المؤَمَّل وفيه ضعف، ومن ثَمَّ قال ابن المنذر: إن ثَبَتَ فهو حُجَّة في الوجوب.
قلت: له طريق أُخرى في ((صحيح ابن خُزَيمةَ)) (٢٧٦٥) مختصرة، وعند الطبراني
(١١٤٣٧/١١) عن ابن عبّاس كالأولى، وإذا انضَمَّت إلى الأولى قويت، واختُلِفَ على
صَفيَّة بنت شَيْبة في اسم الصحابية التي أخبَرَتها به، ويجوز أن تكون أخذَته عن جماعة،
فقد وقع عند الدارَقُطني (٢٥٨٢) عنها: ((أخبَرَتني نِسْوة من بني عبد الدار))، فلا يَضُرّه
الاختلاف، والعُمدةُ في الوجوب قوله وَالَ: ((خذوا عنِّي مَناسككم))(١)، واستَدَلَّ بعضهم
بحديث أبي موسى في إهلاله، وقد تقدَّم في أبواب المواقيت (١٥٥٩) وفيه: «طُف بالبيت
وبين الصَّفا والمروة)).
واختَلَفَ أهل العلم في هذا، فالجمهور قالوا: هو رُكْنٌ لا يَتِمّ الحج بدونه، وعن أبي
حنيفة: واجب / يُحِبَرَ بالدَّم، وبه قال الثَّوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه: أنَّه ٤٩٩/٣
سُنَّة لا يجب بتَركِه شيء، وبه قال أنس فيما نقله ابن المنذر، واختُلِفَ عن أحمد كهذه الأقوال
الثلاثة، وعند الحنفيَّة تفصيل فيما إذا تَرَك بعض السعي كما هو عندهم في الطَّواف بالبيت.
وأغرَبَ ابن العربي، فحكى الإجماع على أنَّ السعي رُكْنٌ في العمرة، وإنَّما الاختلاف
في الحج.
وأغرَبَ الطَّحاوي فقال في كلام له على المَشعَر الحرام: قد ذكر الله أشياء في الحج لم
يُرِد بذِكْرها إيجابها في قول أحد من الأُمّة، من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَبِ اللَّهِ﴾
الآية، وكلُّ أجمع على أنَّه لو حجَّ ولم يَطُف بهما أنَّ حَجّه قد تَمَّ وعليه دَم. وقد أطنَبَ ابن
المنيِّر في الردّ عليه في ((حاشيته)) على ابن بَطَّال.
قوله: ((فوالله ما على أحد ◌ُناح أن لا يَطُوف بالصَّفا والمرْوَة ... )) إلى آخره، الجواب
مُصَّله: أنَّ عُرْوة احتَجَّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجُناح، فلو كان واجباً لمَا اكتَفى
(١) أخرجه مسلم (١٢٩٧).

٤٧٢
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
بذلك، لأنَّ رفع الإثم علامة المباح، ويَزدادُ المستَحَبّ بإثبات الأجر، ويَزدادُ الوجوب
علیھما بعقاب التارك.
ومحصَّل جواب عائشة: أنَّ الآية ساكتة عن الوجوب وعَدَمه، مُصَرِّحة برفع الإثم عن
الفاعل، وأمَّا المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مُطابقة
جواب السائلينَ، لأنَّهِم تَوَهَّموا من كونهم كانوا يفعلونَ ذلك في الجاهلية أنَّه لا يستمِرّ في
الإسلام، فخرج الجواب مطابقاً لسؤالهم، وأمَّا الوجوب فيُستفاد من دليل آخر، ولا مانع
أن يكون الفعل واجباً ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جُناح
عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يَلزَم من نفي الإثم عن الفاعل نفي
الإثم عن التارك، فلو كان المراد مُطلَق الإباحة لَنَفى الإثم عن التارك.
وقد وقع في بعض الشَّواذّ باللفظ الذي قالت عائشة: أنَّها لو كانت للإباحة لكانت
كذلك، حكاه الطَّبَري وابن أبي داود في ((المصاحف)) وابن المنذر وغيرهم عن أُبيِّ بن كعب
وابن مسعود وابن عبّاس، وأجاب الطََّري بأنّها محمولة على القراءة المشهورة، و(لا))
زائدة، وكذا قال الطَّحاوي، وقال غيره: لا حُجَّة في الشَّواذّ إذا خالَفَت المشهور، وقال
الطَّحاوي أيضاً: لا حُجَّة لمن قال: إنَّ السعي مُستَحَبٌّ بقوله: ﴿ وَمَن تَطَوَعَ خَيْرًا﴾؛ لأنَّه
راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أنَّ التطوُّع
بالسعي لغير الحاج والمعتمِر غير مشروع، والله أعلم.
قوله: (ُهِلُّونَ)) أي: يُحُجّون.
قوله: (لمناة)) بفتح الميم والنون الخفيفة: صَنَم كان في الجاهلية، وقال ابن الكَلْبي: كانت
صَخْرَةً نَصَبَها عَمْرو بن ◌ُخُيّ لهُذَيل، وكانوا يَعبُدونَها، والطاغية: صفة لها إسلامية.
قوله: ((بالمُشَلَّل)) بضم أوله وفتح المعجَمة ولامين الأولى مفتوحة مُثقَّلة: هي الثَّيَّة
المشرفة على قُدَيد، زاد سفيان عن الزُّهْري: ((بالمشَلَّلِ من قُدَيد)) أخرجه مسلم (١٢٧٧/
٢٦١)، وأصله للمصنّف كما سيأتي في تفسير النَّجم (٤٨٦١)، وله في تفسير البقرة (٤٤٩٥)

٤٧٣
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
كتاب الحج
من طريق مالك عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: قلتُ لعائشة وأنا يومَئذٍ حديث السِّنّ -
فذكر الحديث وفيه - كانوا يُهِلّونَ لمناة، وكانت مَناةُ حَذْوَ قُدَيد. أي: مُقابلَه، وقُدَید، بقافٍ
مصغّر: قرية جامعة بين مگّة والمدينة كثيرة المياه، قاله أبو عُبَيد البكري.
قوله: ((فكان مَن أهلَّ يَتَحَرَّجِ أن يَطُوف بين الصَّفا والمرْوَة) وقوله: بعد ذلك: ((إِنّا كنَّا
نَتَحَرَّجِ أن نَطُوف بين الصَّفا والمرْوَة)) ظاهره أنَّهم كانوا في الجاهلية لا يطوفونَ بين الصَّفا
والمروة، ويَقتَصِرونَ على الطَّواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويُصرِّح
بذلك رواية سفيان (٤٨٦١) المذكورة بلفظ: إنَّما كان مَن أهلَّ بمناة الطاغية التي بالمشَلَّلِ
لا يطوفونَ بين الصَّفا والمروة، وفي رواية مَعمَر عن الزُّهْري (٤٨٦١): إنّا كنَّا لا نَطوفُ بين
الصَّفا والمروة تعظيماً لمناة، أخرجه البخاري تعليقاً، ووَصَله أحمد (٢٥٢٩٨) وغيره، وفي
رواية يونس عن الزُّهْري عند مسلم (١٢٧٧ / ٢٦٣): إنَّ الأنصار كانوا قبلَ أن يُسلِموا هم
وغَسَّان يُهِلّونَ لمناة، فَتَحرَّجوا أن يطوفوا بين الصَّفا والمروة، وكان ذلك سُنَّة في آبائهم،
مَن / أحرَمَ لمناة لم يَطُف بين الصَّفا والمروة. فطرق الزُّهْري مُتَّفِقة.
وقد اختُلِفَ فيه على هشام بن عُرْوة عن أبيه، فرواه مالك (١/ ٢٧٣) عنه بنحو رواية
شعيب عن الزُّهْري(١)، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ: إنَّما أنزَلَ الله هذا في أُناس من الأنصار
كانوا إذا أهَلّوا أهَلّوا(٢) لمناة في الجاهلية فلا يَحِلّ لهم أن يطوفوا بين الصَّفا والمروة. أخرجه
مسلم (١٢٧٧/ ٢٦٠)، وظاهره يوافق رواية الزُّهْري، وبذلك جَزَمَ محمد بن إسحاق فيما
رواه الفاكهي من طريق عثمان بن ساج عنه: أنَّ عَمْرو بن ◌ُيّ نَصَبَ مَناةَ على ساحل
البحر ممّاً يلي قُدَيد، فكانت الأزد وغَسّان يَحُجّونَها ويُعَظِّموتَها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا
من عَرَفات وفَرَغوا من مِنَّى، أتوا مَناةَ فأهَلّوا لها، فمَن أهلَّ لها لم يَطُف بين الصَّفا والمروة
- قال - وكانت مَناةُ للأوسِ والخَزْرَج والأزد من غَسّان ومَن دانَ دِينَهم من أهل يَئِب.
فهذا يوافق رواية الزُّهْري.
٥٠٠/٣
(١) ستأتي برقم (١٦٤٣).
(٢) ((أهلوا)) الثانية سقطت من (س).

٤٧٤
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج مسلم (٢٥٩/١٢٧٧) من طريق أبي معاوية عن هشام هذا الحديث، فخالَفَ
جميع ما تقدَّم، ولفظه: إنَّما كان ذلك لأنَّ الأنصار كانوا يُهِلّونَ في الجاهلية لصَنَمَينٍ على
شَطّ البحر، يقال لهما: إساف ونائلة، ثم يحيؤون(١) فيطوفونَ بين الصَّفا والمروة، ثمَّ يَحِلّون،
فلمَّا جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونَ في الجاهلية. فهذه الرواية
تقتضي أنَّ تَحُّجهم إنَّما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئاً كانوا يفعلونه في الجاهلية، لأنَّ
الإسلام أبطَلَ أفعال الجاهلية، إلَّا ما أذِنَ فيه الشارع، فخَشُوا أن يكون ذلك من أمر
الجاهلية الذي أبطَله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أُسامة، فإنَّها
تقتضي أنَّ التَّحَرُّج عن الطَّواف بين الصَّفا والمروة لكَونِهِم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية،
ولا يَلزَم من تَركِهم فعلَ شيء في الجاهلية أن يَتَحرَّجوا من فعله في الإسلام، ولولا الزيادة
التي في طريق يونس(٢) حيثُ قال: وكانت سُنَّة في آبائهم ... إلى آخره، لكان الجمع بين
الروايتين تُمكِّنَاً بأن نقول: وقع في رواية الزُّهْري حذفٌ، تقديره: أنَّهم كانوا يُهِلّونَ في
الجاهلية لمناة ثمَّ يطوفونَ بين الصَّفا والمروة، فكان مَن أهلَّ - أي: بعدَ ذلك في الإسلام -
يَتَحرَّج أن يطوف بين الصَّفا والمروة، لئلّا يُضاهي فعل الجاهلية.
ويُمكِن أيضاً أن يكون في رواية أبي أُسامة حذفٌ، تقديره: كانوا إذا أهَلُّوا أهَلُّوا لمناة في
الجاهلية، فجاء الإسلام فظَنّوا أنَّه أبطَلَ ذلك فلا يَحِلّ لهم، ويُبيِّن ذلك روايةُ أبي معاوية
المذكورة حيثُ قال فيها: فلمَّا جاء الإسلام كَرِهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونَ
في الجاهلية. إلَّا أنَّه وقع فيها وهمٌّ غير هذا نَبَّه عليه عياض، فقال: قوله: (لصَنَمَينِ على
شَطّ البحر)) وهمٌّ، فإنَّهما ما كانا قَطُّ على شَطّ البحر، وإنَّما كانا على الصَّفا والمروة، إنَّما كانت
مَناةٌ عَمَّا يلي جهة البحر. انتهى، وسَقَطَ من روايته أيضاً إهلالهم أولاً لمناة، فكأنَّهم كانوا
يُهِلّونَ لمناة فيَبدَؤونَ بها ثمَّ يطوفونَ بين الصَّفا والمروة لأجلِ إساف ونائلة، فمن ثَمَّ تَحَرَّجوا
من الطَّواف بينهما في الإسلام، ويؤيِّد ما ذَكَرناه حديثُ أنس المذكور في الباب الذي بعده
(١) عبارة ((ثم يجيئون)) سقطت من (س).
(٢) أخرجها مسلم (١٢٧٧) (٢٦٣).

٤٧٥
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
كتاب الحج
(١٦٤٨) بلفظ: أكنتُم تكرَهونَ السعي بين الصَّفا والمروة؟ فقال: نعم، لأنَّها كانت من
شِعار الجاهلية.
وروى النَّسائي (٨١٨٨) بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال: كان على الصَّفا والمروة
صَنَمان من نُحاسٍ يقال لهما: إساف ونائلة، كان المشركونَ إذا طافوا تمسَّحوا بهما، الحديث.
وروى الطبراني(١) وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عبّاس قال:
قالت الأنصار: إنَّ السعي بين الصَّفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ ﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وروى الفاكهي (١٤٣٨) وإسماعيل القاضي في ((الأحكام)) بإسناد صحيح عن الشَّعْبي
قال: كان صَنَم بالصَّفا يُدعى إساف ووَثَنٌّ بالمروة يُدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يَسعَوْنَ
بينهما، فلمَّا جاء الإسلام رُمي بهما، وقالوا: إنَّما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل
أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال فأنزلَ الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾
الآية.
وذكر الواحدي في ((أسبابه)) (٢) عن ابن عبّاس نحو هذا، وزاد فيه: / يَزْعُم أهل الكتاب ٥٠١/٣
أَّهمَا زَنَيا في الكعبة فمُسِخا حَجَرَينٍ، فوُضِعا على الصَّفا والمروة ليُعتَبَر بهما، فلمَّا طالَت
المدّة عُبِدا. والباقي نحوه.
وروى الفاكهي أيضاً بإسناد صحيح إلى أبي مِجْلَزِ نحوه. وفي ((كتاب مكَّة)) لعُمر بن
شَبّة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية قال: قالت الأنصار: إنَّ السعي بين هذين
الحجَرَينِ من أمر الجاهلية، فنزلت(٣). ومن طريق الكَلْبي قال: كان الناس أولَ ما أسلموا
كَرِهوا الطَّواف بينهما، لأنَّه كان على كلّ واحد منهما صَنَم، فنزلت، فهذا كلّه يوضح قوّة
رواية أبي معاوية وتقدُّمها على رواية غيره.
(١) في ((الأوسط)) (٨٣١٩).
(٢) صفحة ٣٨-٣٩.
(٣) وأخرجه الطبري في ((التفسير)) ٢/ ٤٧.

٤٧٦
باب ٧٩ / ح ١٦٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقَينِ، منهم من كان يطوف بينهما على ما
اقتَضَته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يَقرَبهما على ما اقْتَضَته رواية الزّهْري، واشتَرَك
الفريقان في الإسلام على التوقّف عن الطَّواف بينهما، لكَونِه كان عندهم جميعاً من أفعال
الجاهلية، فيُجمَع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي، والله أعلم.
تنبيه: قول عائشة: سَنَّ رسول الله وَِّ الطَّواف بين الصَّفا والمروة. أي: فَرَضَه بالسُّنّة،
وليس مرادها نفي فرضيتها، ويؤيِّده قولها: لم يُتِمّ الله حجَّ أحدكم ولا عمرته ما لم يَطُف
بینھما(١).
قوله: ((ثُمَّ أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن)) القائل: هو الزُّهْري، ووقع في رواية سفيان عن
الزُّهْري عند مسلم (١٢٧٧/ ٢٦١): قال الزُّهْري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، فأعجبَه ذلك.
قوله: ((إنَّ هذا العِلْم)) كذا للأكثر، أي: إنَّ هذا هو العلم المتين، وللكُشميهني: ((إنَّ هذا
لَعِلمٌ)) بفتح اللَّام وهي المؤكِّدة، وبالتنوينِ على أنَّه الخبر.
قوله: ((أَنَّ الناس إلّا مَن ذَكَرَت عائشة)) إنَّما ساغَ له هذا الاستثناء مع أنَّ الرجال الذينَ
أخبَروه أطلقوا ذلك، لبيان الخبر عنده من رواية الزُّهْري له عن عُرْوة عنها، ومُحُصَّل ما
أخبر به أبو بكر بن عبد الرحمن: أنَّ المانع لهم من التطوُّف بينهما أَّهم كانوا يطوفون بالبيت
وبين الصَّفا والمروة في الجاهلية، فلمَّا أَنزَلَ الله الطَّواف بالبيت ولم يَذكُر الطَّواف بينهما ظَنّوا
رَفْعَ ذلك الحُكْم، فسألوا: هل عليهم من حَرَج إن فعلوا ذلك؟ بناء على ما ظَنّوه من أنَّ
التطوُّف بينهما من فعل الجاهلية.
ووقع في رواية سفيان المذكورة(٢): إنَّما كان مَن لا يطوف بينهما من العرب يقولون: إنّ
طوافنا بين هذين الحجَرَينِ من أمر الجاهلية. وهو يؤيِّد ما شَرَ حناه أولاً.
(١) أخرجه مسلم في أحد طرقه برقم (١٢٧٧) (٢٦٠)، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر في أول الباب.
(٢) وهي عند مسلم برقم (١٢٧٧) (٢٦١).

٤٧٧
باب ٨٠ / ح ١٦٤٤
كتاب الحج
قوله: ((فأسمَعُ هذه الآية نزلَت في الفريقَين)) كذا في مُعظَم الروايات بإثبات الهمزة وضم
العَين بصيغة المضارَعة للمُتكلِّم، وضَبَطَه الدِّمياطي في نسخته بالوَصلِ وسكون العَين
بصيغة الأمر، والأول أصوَب، فقد وقع في رواية سفيان المذكورة: ((فَأَراها نزلت)) وهو
بضم الهمزة، أي: أظنّها، وحاصله أنَّ سبب نزول الآية على هذا الأسلوب كان للردِّ على
الفريقَين: الذينَ تَحرَّجوا أن يطوفوا بينهما لكَونِه عندهم من أفعال الجاهلية، والذينَ امتَنَعوا
من الطُّواف بینھما لگونهما لم يُذكّرا.
قوله: ((حتَّى ذَكَرَ ذلك بعدَما ذَكَرَ الطَّواف بالبيت)) يعني: تأخّرَ نزول آية البقرة في الصَّفا
والمروة عن آية الحج وهي قوله تعالى: ﴿وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ووقع في
رواية المُستَمْلي وغيره: «حتَّى ذَكَرَ بعدَ ذلك ما ذَكَرَ الطَّواف بالبيت»، وفي توجيهه عُسر،
وكأنَّ قوله: ((الطَّواف بالبيت)) بَدَلِّ من قوله: ((ما ذَكَرَ)) بتقدير الأول: إنَّما امتَنَعوا من
السعي بين الصَّفا والمروة، لأنَّ قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ دَلَّ على الطَّواف
بالبيت، ولا ذِكْر للصَّفا والمروة فيه، حتَّى نزل ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَِّ اللَّهِ﴾ بعدَ نزول:
﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ﴾، أمَّا الثاني فيجوز أن تكون ((ما)) مصدرية، أي: بعدَ ذلك الطَّواف
بالبيت الطَّواف بين الصَّفا والمروة، والله أعلم.
٥٠٢/٣
٨٠- باب ما جاء في السّعي بين الصّفا والمروة
وقال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما: السَّعْيُ من دار بني عبَّادٍ إلى زُقاق بني أبي حسينٍ.
١٦٤٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدٍ، حذَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ الله ◌َِّ إذا طافَ الطَّوافَ الأوَّلَ خَبَّ ثلاثاً
ومَشَى أربعاً، وكان يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إذا طافَ بين الصَّفَا والمَرْوةِ.
فقلتُ لِنافعِ: أكان عبدُ الله يَمْشِي إذا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانيّ؟ قال: لا، إلا أن يُزاحَمَ على
الُّكْنِ، فإنَّه كان لا يَدَعُه حتَّى يَسْتَلِمَه.

٤٧٨
باب ٨٠ / ح ١٦٤٤ - ١٦٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
١٦٤٥ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ دينار، قال: سألنا ابنَ عمرَ ـ
عن رجلٍ طافَ بالبيتِ في عُمْرةٍ ولم يَطُف بين الصَّفا والمَرْوةِ، أيأتي امرأتَه؟ فقال: قَدِمَ النبيُّ ◌ِيه
فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصَلَّى خَلْفَ المقامِ رَكْعتَينٍ، فطافَ بين الصَّفا والمَرْوةِ سَبْعاً: ﴿لَّقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١].
١٦٤٦ - وسألْنا جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، فقال: لا يَقْرَبَنَّها حتَّى يَطُوفَ بين الصَّفا
والمَرْوةِ.
١٦٤٧ - حذَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عَمُرُو بنُ دينارٍ، قال:
سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: قَدِمَ النبيُّ ◌َّهِ مِكَّةَ فطافَ بالبيتِ، ثمَّ صَلَّى رَكْعتَينِ،
ثمَّ سَعَى بين الصَّفا والمَرْوةِ، ثمَّ ثَلا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ ﴾
[الأحزاب: ٢١].
١٦٤٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمٌ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ
أكنتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بين الصَّفا والمَروةِ؟ قال: نعم، لأنَّها كانت من شَعائِرِ الجاهليَّةِ، حتَّی
أَنزَلَ الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ الهَّ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
[طرفه في: ٤٤٩٦]
١٦٤٩- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، قال: إنَّا سَعَى رسولُ اللهِوَّه بالبيتٍ وبين الصَّفا والمَرْوةِ لِيُرِيَ المشر كِينَ قُوَّتَه.
زادَ الحُميديُّ: حدّثنا سفيانُ، حدَّثْنَا عَمْرٌو، سمعتُ عطاءً، عن ابنِ عبَّاسٍ، مِثْلَه.
[طرفه في: ٤٢٥٧]
قوله: ((باب ما جاء في السَّعْي بين الصَّفا والمرْوَة)) أي: في كيفيته.
قوله: ((وقال ابن عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه الفاكهي (٢١٢٩) من طريق ابن جُرَيج
أخبرني نافع قال: نزل ابن عمر من الصَّفا، حتَّى إذا حاذى باب بني عبَّاد سَعَى، حتَّى إذا

٤٧٩
باب ٨٠ / ح ١٦٤٤ - ١٦٤٩
كتاب الحج
انتهى إلى الزُّقاق الذي يَسلُك بين دار بني أبي حسين ودار بنت قَرَظة. ومن طريق عُبيدِ الله
ابن أبي يزيد قال: رأيت ابن عمر يَسعَى من تَجَلِس أبي عبَّاد إلى زُقاق ابن أبي حسين. قال
سفيان: هو بين هذين العَلَمین.
وروى ابن أبي شَيْبة(١) من طريق عثمان بن الأسوَد عن مجاهد وعطاء، قال: رأيتهما
يَسعَيان من خَوخَة بني عبَّاد إلى زُقاق بني أبي حسين، قال: فقلت لمجاهد، فقال: هذا بطن
المسيل الأول. انتهى. والعَلَمَان اللَّذان أشارَ إليهما معروفان إلى الآن.
وروى ابن خُزَيمةَ(٢)/ والفاكهي (١٣٧٠) من طريق أبي الطَّفَيل قال: سألت ابن عبّاس ٥٠٣/٣
عن السعي فقال: لمَّ بَعَثَ الله جِبريلَ إلى إبراهيم ليُريَه المناسك، عَرَضَ له الشيطان بين
الصَّفا والمروة، فأمَرَ الله أن يُحيز الوادي، قال ابن عبّاس: فكانت سُنَّة. وسيأتي في أحاديث
الأنبياء (٣٣٦٤) أنَّ ابتداء ذلك كان من هاجَرَ.
وروى الفاكهي بإسناد حسن عن ابن عبّاس قال: هذا ما أَورَثَتَكُموه أُمّ إسماعيل(٣).
وسيأتي حديثه في آخر الباب في سبب فعل النبي ◌َّ ذلك.
ثم أورد المصنف في الباب أربعة أحاديث:
أولها: حديث ابن عمر.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن عُبَيد)) زاد أبو ذرٍّ في روايته: ((هو ابن حاتم)) (٤) ولغيره: محمد بن
عُبَيد بن ميمون، وهو الصواب وبه جَزَمَ أبو نُعَيم، ولعلَّ حاتماً اسم جَدّ له إن كانت رواية
أبي ذرِّ فيه مضبوطة. وقد ذكر أبو عليّ الجَيَّاني أنَّه رآه بخَطِّ أبي محمد الأَصِيلي في نسخته:
حدَّثنا محمد بن عُبَيد بن حاتم.
(١) برقم (١٤١١٢) تحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) في «صحيحه)) برقم (٢٢٧٩) و(٢٧١٩) بنحوه.
(٣) ((أخبار مكة)) (١٣٧١) ولفظه عن ابن عباس قال: أول من سعى بين الصفا والمروة أم إسماعيل.
(٤) في (أ) و(س): ابن أبي حاتم، والمثبت من (ع)، وهو الصواب، ويؤيده قول الحافظ بعده: ولعل حاتماً
اسم جَدّ له.

٤٨٠
باب ٨٠ / ح ١٦٤٤ - ١٦٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كان إذا طافَ الطَّواف الأوَّل)) أي: طواف القدوم.
قوله: (خَبَّ)) بفتح المعجَمة وتشديد الموخَّدة، وقد تقدَّم في ((باب مَن طافَ إذا قَدِمَ
مگۆ))(١).
قوله: ((وكان يَسْعِى بَطْن المسيل)) أي: المكان الذي يجتمع فيه السيل، وقوله: ((بطن))
منصوب على الظَّرف، وهذا مرفوع عن ابن عمر، وكأنَّ المصنِّف بَدَأ بالموقوفِ عنه في
الترجمة لكَونِهِ مُفسِّراً لحَدّ السعي، والمراد به شِدّة المشي، وإن كان جميع ذلك يُسمَّى سَعياً.
قوله: ((فقلت لنافع)) القائل عُبيد الله بن عمر المذكور، وقد تقدَّم الكلام على ما يَتعلَّق
بالاستلام قبلُ بأبوابٍ (١٦٠٣).
الثاني: حديث ابن عمر أيضاً في طواف النبي وَّل بالبيت وبين الصَّفا والمروة، أورَدَه
من وجهَين، وقد تقدَّم في ((باب صلَّى النبي وَل﴿ لسُبوعِه ركعتين)) (١٦٢٣)، قال شيخنا ابن
المُلقِّن هنا: قال صاحب ((المحيط)) من الحنفيَّة: لو بَدَأ بالمروة وخَتَمَ بالصَّفا أعاد شَوطاً
فإنَّ البِداءة واجبة، ولا أصل لمَا قال الكِرْماني: إنَّ الترتيب ليس بشرط، ولكنَّ تَرْكه
مكروه لتَّرْك السُّنّة، فيُستَحَبُّ إعادة الشَّوط.
قلت: الكِرْماني المذكور عالم من الحنفيَّة، وليس هو شمسَ الدّين شارح البخاري،
وإِنَّمَا نَبَّهت على ذلك لئلا يُتَوَهَّم أنَّ شيخنا وقَفَ على شرحه ونَقَلَ منه، فإنَّ هذا الكلام
ما هو في شرح شمسِ الدّين، وشمسُ الدّين شافعيُّ المذهب يَرَى الترتيب شرطاً في
صِحَّة السعي.
الثالث: حديث أنس في نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَبِ اللَّهِ﴾ وقد تقدَّم
الكلام عليه في الباب الذي قبله.
الرّابع: حديث ابن عبّاس: إنَّما سَعَى رسول الله وَ لَه بالبيت وبين الصَّفا والمروة ليُري
المشركينَ قوَّته.
(١) برقم (١٦٠٣)، لكن اسم الباب: ((باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثاً)).