النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب ٥٧ / ح ١٦٠٤ - ١٦٠٦
كتاب الحج
طريق المعنى أيضاً: أَنَّ فاعل ذلك إذا فعَله تَذَكَّرَ السبب الباعث على ذلك فيَتَذَكَّر نعمة الله
على إعزاز الإسلام وأهله.
قوله: ((فلا نُحِبّ أن نَتْرُكه)) زاد يعقوب بن سفيان عن سعيد شيخ البخاري فيه في
آخره: ((ثمَّ رَمَلَ)) أخرجه الإسماعيلي من طريقه، ويؤيِّده أنَّهم اقتَصَروا عند مُراآة المشركينَ
على الإسراع إذا مرّوا من جهة الزُّكنَين الشاميَّينِ؛ لأنَّ المشركينَ كانوا بإزاء تلك الناحية،
فإذا مُّوا بين الرُّكنَين اليَمَانيَينِ مَشَوْا على هِينَتَهم، كما هو بيِّنٌّ في حديث ابن عبّاس(١)،
ولمَّا رَمَلوا في حَجّة الوداع أسرَعوا في جميع كلّ طَوْفة، فكانت سُنَّة مُستَقِلّة، ولهذه النُّكتة
سألَ عُبيد الله بن عمر نافعاً، كما في الحديث الذي بعده عن مشي عبد الله بن عمر بين
الرُّكنَين اليَمَانيين، فأعلمه أنَّه إنَّما كان يفعله ليكون أسهَلَ عليه في استلام الرُّكن، أي: كان
يَرفُقُّ بنفسه ليتمكَّن من استلام الرُّكن عند الازدحام. وهذا الذي قاله نافع إن كان استَنَدَ
فيه إلى فهمه، فلا يَدفَع احتمال أن يكون ابن عمر فعل ذلك اتِّباعاً للصِّفة الأولى من الرَّمَل،
لمَا عُرِفَ من مذهبه في الاتِّباع.
تكميل: لا يُشرَع تَدارُكِ الرَّمَل، فلو تَرَكَه في الثلاث لم يَقضِه في الأربع، لأنَّ هَيئَتَها
السَّكينة فلا تُغيَّر، ويَخْتَصّ بالرجال فلا رَمَلَ على النِّساء، ويَخْتَصّ بطوافٍ يَعقُبه سَعيٌّ على
المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماشٍ وراكب، ولا دَمَ بتَركِه عند الجمهور. واختُلِفَ
عند المالكية.
وقال الطَّبَري: قد ثَبَتَ أنَّ الشارعِ رَمَلَ ولا مُشِرِك يومَئذٍ بمكّة - يعني: فِي حَجَّة الوداع -
فعُلِمَ أنَّه من مناسك الحج، إلّا أنَّ تارکه لیس تاركاً لعمل بل ھیئةٍ مخصوصة، فكان کرفع
الصَّوت بالتَّلبية، فمَن لَّى خافضاً صوته لم يكن تاركاً للتَّلبية، بل لصِفَتها ولا شيء عليه.
تنبيه: قال الإسماعيلي بعدَ أن خَرَّجَ الحديث الثالث مُقتَصِراً على المرفوع منه، وزاد فيه:
((قال نافع: ورأيت عبد الله - يعني: ابن عمر - يزاحم على الحجَر حتَّى يَدمَى)) قال
الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء، يعني باب الرَّمَل.
(١) سلف برقم (١٦٠٢).

٤٢٢
باب ٥٨ / ح ١٦٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجيبَ بأنَّ القَدْر المتعلِّق بهذه الترجمة منه ثابتٌ عند البخاري، ووجهه أنَّ معنى قوله:
كان ابن عمر يمشي بين الرُّكنَين، أي: دون غيرهما، وكان يَرمُل، ومن ثَمَّ سألَ الراوي
نافعاً عن السبب في كونه كان يمشي في بعض دون بعض، والله أعلم.
تنبيه آخر: استُشكِلَ قول عمر: ((راءَينا)) مع أنَّ الرّياء بالعمل مذموم، والجواب: أنَّ
صورته وإن كانت صورة الرّياء لكنَّها ليست مذمومة، لأنَّ المذموم أن يُظهِر العمل ليقال:
إنَّه عامل، ولا يَعمَله بغَيبةٍ إذا لم يَرَه أحد، وأمَّ الذي وقع في هذه القصَّة فإنَّما هو من قَبِيل
المخادعة في الحرب، لأنَّهم أوهَموا المشركينَ أنَّهم أقوياء لئلّا يَطمَعوا فيهم، وثَبَتَ أنَّ
((الحرب خُدْعة)) (١).
٥٨ - باب استلام الرّكن بالمحجن
١٦٠٧ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح ويحيى بنُ سليمانَ قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني
يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: طافَ
النبيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوداع على بعيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
تابَعَه الدَّراوَرْدِيُّ، عن ابنِ أخي الزُّهْريِّ، عن عَمِّهِ.
[أطرافه في: ١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، ٥٢٩٣]
٤٧٣/٣
قوله: ((باب استِلام الرُّكْن بالمِحْجَن)) بكسر الميم وسكون المهمَلة وفتح الجيم بعدها
نون، هو عَصاً مَحَنَّة الرّأس، والحَجَن: الاعوِجاج، وبذلك سُمّي الحَجُون، والاستلام:
افتِعال من السَّلام بالفتح، أي: التَّحية، قاله الأزهري، وقيل: من السِّلام بالكسر، أي:
الحِجارة، والمعنى: أنَّه يُومِئ بعَصاه إلى الرُّكن حتى يُصيبَه.
قوله: ((عن عُبيد الله)) كذا قال يونس، وخالَفَه الليث وأُسامة بن زيد وزَمعة بن صالح
فَرَوَوه عن الزُّهْري قال: ((بَلَغَني عن ابن عبّاس)) ولهذه النُّكتة استَظهَرَ البخاري بطريق
ابن أخي الزُّهْري فقال: ((تابَعَه الدَّراوَردي عن ابن أخي الزُّهْري))، وهذه المتابعة أخرجها
(١) سلف برقم (٣٠٣٠)، وأخرجه مسلم (١٧٣٩)، وهو من حديث جابر رضي الله تعالى عنه.

٤٢٣
باب ٥٩ / ح ١٦٠٨ - ١٦٠٩
كتاب الحج
الإسماعيلي عن الحسن(١) بن سفيان عن محمد بن عبَّاد عن عبد العزيز الدَّراوَردي، فذكره،
ولم يقل: ((في حَجَّة الوداع)) ولا ((على بعير) وسيأتي البحث في مسألة الطَّواف راكباً بعدَ
خمسة عشرَ باباً (١٦٣٢).
قوله: ((يَستَلِمِ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ)) زاد مسلم (١٢٧٥) من حديث أبي الطَّفَيل: ويُقَبِّل
المِحجَن. وله (١٢٦٧/ ٢٤٦) من حديث ابن عمر: أنَّه استَلَمَ الحجر بيده ثمَّ قَبَّله، ورَفَعَ
ذلك، ولِسعيد بن المنصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر
وجابراً إذا استَلَموا الحجَر قَبَّلوا أيديهم. قيل: وابنُ عبَّاس؟ قال: وابنُ عبَّاس، أحسَبُه قال:
كثيراً. وبهذا قال الجمهور: أنَّ السُّنّة أن يستلِمِ الرُّكن ويُقَبِّل يَدَه، فإن لم يستطِع أن يستلِمه
بيدِه استلمه بشيءٍ في يده و قَبَّلَ ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واکتَفی بذلك، وعن
مالك في رواية: لا يُقبِّل يَدَه، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية: يَضَع يَدَه على فمه
من غير تقبيل.
٥٩ - باب من لم يستلم إلا الرُّكنين اليمانيين
١٦٠٨ - وقال محمَّدُ بنُ بكرٍ: أخبرنا ابنُ جُرَيج، أخبرني عَمُرُو بنُ دينارٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ
أنَّه قال: ومَن يَتَّقي شيئاً من البيتِ؟ وكان مُعاوِيةُ يَسْتَلِمُ الأركان، فقال له ابنُ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما: إنَّه لا يُسْتَلَمُ هذان الرُّكْنان. فقال: ليس شيءٌ من البيتِ مَهْجُوراً، وكان ابنُ الزُبير رضي
الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كَلَّهُنَّ.
١٦٠٩- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا لَيثٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله، عن أبيه
رضي الله عنهما قال: لم أرَ النبيّ ◌َّهِ يَسْتَلِمُ من البيتِ إِلّ الرُّكْنَيِ الْيَمَانيَينِ.
قوله: ((باب مَن لم يَسْتَلِمِ إلّ الرُّكْنَينِ اليَمَانيين)) أي: دون الرُّكنَين الشاميين، واليَمَاني
بتخفيف الياء على المشهور، لأنَّ الألف عِوَض عن ياء النَّسَب، فلو شُدِّدَت لكان جمعاً بين
العِوَض والمعَوَّض، وجَوَّزَ سيبويه التشديد وقال: إنَّ الألف زائدة.
(١) تحرف في (س) إلى: الحسين.

٤٢٤
باب ٥٩ / ح ١٦٠٨ - ١٦٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال محمَّد بن بكر: أخبَرَنا ابن جُرَيج)) لم أرَه من طريق محمد بن بكر، وقد
أخرجه الجَوزَقي من طريق عثمان بن الهيثم به.
و((مَن)) في قوله: ((ومَن يَتَّقي)) استفهامية على سبيل الإنكار.
قوله: ((وكان معاوية يَسْتَلِم الأركان)) وَصَلَه أحمد (٢٢١٠) والتِّرمِذي (٨٥٨)
والحاكم(١) من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم(٢)، عن أبي الطَّفَيل قال: كنت مع ابن
عبَّاس ومعاوية، فكان معاوية لا يَمُرّ بُرُكنٍ إلَّا استَلَمَه، فقال ابن عبَّاس: إنَّ رسول الله وَله
لم يستلِمِ إلَّ الحجَر واليَمَاني، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. وأخرج مسلم
(١٢٦٩) المرفوع فقط من وجه آخر عن ابن عبّاس.
وروى أحمد أيضاً (١٦٨٥٨) من طريق شُعْبة عن قَتَادةَ عن أبي الطُّفَيل قال: حَجَّ
٤٧٤/٣ معاوية وابن عبّاس، فجعل ابن عبّاس يستلِم / الأركان كلّها، فقال معاوية: إنَّما استَلَمَ
رسول الله وَل﴿ هذين الزُّكَنَين اليَمَانيين، فقال ابن عبّاس: ليس من أركانه شيء مهجور.
قال عبد الله بن أحمد في ((العِلَل)) (٢٦٧/٢): سألت أبي عنه فقال: قَلَبَه شُعْبة، وقد كان
شُعْبة يقول: الناس يُخالفونَني في هذا، ولكنّني سمعته من قَتَادةَ هكذا، انتهى.
وقد رواه سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادةَ على الصواب، أخرجه أحمد أيضاً (٣٥٣٢)،
وكذا أخرجه (١٨٧٧) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس نحوه.
وروى الشافعي (٢/ ١٨٨) من طريق محمد بن كعب القُرَظي: إنَّ ابن عبّاس كان
يَمسَح الرُّكن اليَمَاني والحجَر، وكان ابن الزُّبَيرِ يَمسَح الأركان كلّها ويقول: ليس شيء من
البيت مهجوراً، فيقول ابن عبّاس: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُّوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عبّاس: أنَّه طافَ مع معاوية، فقال معاوية: ليس شيء
من البيت مهجوراً، فقال له ابن عبّاس: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾، فقال
معاوية: صَدَقتَ.
(١) لم نجده في ((مستدرك الحاكم))، ولم يعزه له الحافظ نفسه في ((إتحاف المهرة)) ٧/ ٣٢١.
-
(٢) تصحفت في (س) إلی: خیثم.

٤٢٥
باب ٥٩ / ح ١٦٠٨ - ١٦٠٩
كتاب الحج
وبهذا يَتَبَيَّن ضَعف مَن حَمَله على التَّعَدُّد، وأنَّ اجتهاد كلّ منهما تَغَيَّر إلى ما أنكَرَه على
الآخر، وإنَّما قلت ذلك، لأنَّ تَخَرَج الحديثَينِ واحد وهو قَتَادةُ عن أبي الطَّفَيَل؛ وقد جَزَمَ
أحمد بأنَّ شُعْبةٍ قَلَبَه، فسَقَطَ التَّجويز العقلي.
قوله: ((إنَّه)) الهاء للشَّأن.
قوله: ((لا يُسْتَلم هذان الرُّكْنان)) كذا للأكثر على البناء للمجهول، وللحَمُّوي والمُستَمْلي:
((لا نَستَلِم هذين الزُّكنَين)) بفتح النون، ونصب ((هذين الرُّكنَينِ)) على المفعولية.
قوله: ((وكان ابن الزُّبَيرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كلّهنَّ)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة(١) من طريق عبَّاد بن
عبد الله بن الزُّبَير: أنَّه رأى أباه يَستلِمِ الأركان كلّها وقال: إنَّه ليس شيء منه مهجوراً.
وأخرج الشافعي (١٨٨/٢) نحوه عنه من وجه آخر كما تقدَّم.
وفي «الموطَّأ)) (٣٦٦/١) عن هشام بن عُرْوة بن الزُّبَيرِ: أنَّ أباه كان إذا طافَ بالبيت
يستلِمِ الأركان كلّها. وأخرجه سعيد بن منصور عن الدَّرَاوَزْدي عن هشام بلفظ: إذا بَدَأ
استَلَمَ الأركانَ كلّها وإذا خَتَمَ.
ثمَّ أورَدَ المصنّف حديث ابن عمر قال: لم أرَ النبيِ وَّه يستلِم من البيت إلَّ الرُّكنَين
اليَمَانيين. وقد تقدَّم قول ابن عمر: إنَّما تَرَك رسول الله وَّه استلام الرُّكنَين الشاميين، لأنَّ
البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم(٢). وعلى هذا المعنى حمل ابن التِّين تَبَعاً لابن القَصَّار
استلام ابن الزُّبَير لهما، لأنَّه لمَّا عَمَّرَ الكعبة أتمَّ البيت على قواعد إبراهيم، انتهى.
وتعقّب ذلك بعضُ الشُّرَاح بأنَّ ابن الزُّبَير طافَ مع معاوية واستَلَمَ الكلّ، ولم يَقِف
على هذا الأثر، وإنَّما وقع ذلك لمعاويةَ مع ابن عبّاس، وأمَّا ابن الزُّبَير فقد أخرج الأزرقي
في (كتاب مكَّة)) فقال: إنَّ ابن الزُّبَير لمَّا فرَغَ من بناء البيت وأدخَلَ فيه من الحِجر ما أُخرِج
منه، ورَدَّ الُّكنَينِ على قواعد إبراهيم، خرج إلى التنعيم واعتَمَرَ وطافَ بالبيت واستَلَمَ
(١) برقم (١٥٢٠٨) طبعة مكتبة الرشد، تحقيق الجمعة واللحيدان.
(٢) سلف برقم (١٥٨٣).

٤٢٦
باب ٥٩ / ح ١٦٠٨ - ١٦٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
الأركان الأربعة، فلم يَزَل البيت على بناء ابن الزُّبَير، إذا طافَ الطائفُ اسْتَلَمَ الأركان
جميعها حتَّى قُتِلَ ابن الزُّبیر.
وأخرج (١/ ٦٨) من طريق ابن إسحاق قال: بَلَغَني أنَّ آدم لمَّا حجَّ استَلَمَ الأركان
كلّها، وأنَّ إبراهيم وإسماعيل لمَّا فرَغا من بناء البيت طافا به سبعاً يَستلِمان الأركان.
وقال الداوودي: ظَنَّ معاوية أنَّهما رُكْنا البيت اللَّذان وُضِعَ عليهما (١) من أوَّل، وليس
كذلك، لما سبقَ من حديث عائشة، والجمهور على ما دَلَّ علیه حديث ابن عمر.
وروى ابن المنذر وغيره استلامَ جميع الأركان أيضاً عن جابر وأنس والحسن والحسين
من الصحابة، وعن سُوَيد بن غَفَلَةَ من التابعين. وقد يُشعِر ما تقدَّم في أوائل الطَّهارة
(١٦٦) من حديث عُبيد بن جُرَيج، أنَّه قال لابن عمر: رأيتُك تَصنَع أربعاً لم أرَ أحداً من
أصحابك يصنعها، فذكر منها: ورأيتُك لا تمسّ من الأركان إلَّ اليَمَانيين ... الحديث، بأنَّ
الذينَ رآهم عُبيد بن جُرَيج من الصحابة والتابعين كانوا لا يَقْتَصِرونَ في الاستلام على
الرُّكْنَين اليَمَانيين.
وقال بعض أهل العلم: اختصاص الزُّكنَينِ مُبيَّن بالسُّنّة، ومُستَنَدُ التعميم القياس،
وأجاب الشافعي عن قول من قال: ليس شيءٌ من البيت مهجوراً، بأنّا لم نَدَّع استلامهما
٤٧٥/٣ هَجْراً للبيت،/ وكيف يَهجُرُه وهو يطوف به، ولكِنّا نَّبَع السُّنّة فعلاً أو تَركاً، ولو كان تَركُ
استلامهما هَجْراً لهما، لكان تَركُ استلام ما بين الأركان هَجْراً لها، ولا قائل به.
ويُؤْخَذ منه حِفظُ المراتب، وإعطاء كلّ ذي حقّ حَقّه، وتنزيل كلّ أحد منزلتَه.
فائدة: في البيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على
قواعد إبراهيم، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرَينِ شيء منهما، فلذلك يُقَبَّل الأول
ويُستلَم الثاني فقط، ولا يُقَبَّل الآخران ولا يُستَلَمان، هذا على رأي الجمهور. واستَحبَّ
بعضهم تقبيل الرُّكن اليَمَاني أيضاً.
(١) في الأصلين و(س): ((ركنا البيت الذي وضع عليه))، والوجه ما أثبتنا.

٤٢٧
باب ٦٠ / ح ١٦١٠ -١٦١١
كتاب الحج
فائدة أُخرى: استَنْبَطَ بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جوازَ تقبيل كلّ مَن يستحِقّ
التعظيم من آدميٍّ وغيره، فأمَّا تقبيل يد الآدمي فيأتي في كتاب الأدب(١)، وأمَّا غيره فيُقِلَ
عن الإمام أحمد أنَّ سُئِلَ عن تقبيل منبَرَ النبي ◌َّه وتقبيل قبره فلم يَرَ به بأساً، واستَبعَدَ
بعض أَتْباعه صِحَّة ذلك، ونُقِلَ عن ابن أبي الصَّيف اليَمَاني أحد عُلَماء مكَّة من الشافعية
جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث وقُبور الصالحين(٢)، وبالله التوفيق.
٦٠ - باب تقبيل الحجر
١٦١٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا وَرْقاءُ، أخبرنا زیدُ بنُ
أسلَمَ، عن أبيه قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطَّبِ ﴾ قَبَّلَ الحَجَرَ وقال: لولا أني رأيتُ رسولَ الله وَل
قَبَلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
١٦١١- حدَّثنا مُسَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن الزُّبَيرِ بنِ عَرَبِّ، قال: سألَ رجلٌ ابنَ عمرَ رضي
الله عنهما عن استِلام الحجَرِ، فقال: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه. قال: قلتُ: أرأيتَ إن
زُحْتُ؟ أرأيتَ إن غُلِبْتُ؟ قال: اجعَل ((أرأيتَ)) باليمنِ، رأيتُ رسولَ الله وَِّ يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه.
قوله: ((باب تَقْبيل الحَجَر)) بفتح المهملة والجيم، أي: الأسوَد، أورَدَ فیه حدیث عمر
مختصراً، وقد تقدَّم الكلام عليه قبلَ أبواب (١٦٠٥).
ثمَّ أورَدَ فيه حديث ابن عمر: رأيت رسول الله وَّه يستلِمِه ويُقَبِّله.
ولابن المنذر من طريق أبي خالد، عن عُبيد الله، عن نافع: رأيت ابن عمر استَلَمَ الحجَر
وقَبَّلَ يَده، وقال: ما تَرَكته مُنذُ رأيت رسول الله وَ ل يفعله. ويُستفاد منه استحباب الجمع
بين التَّسليم والتَّقبيل، بخلاف الُّكن اليَمَاني فيستلِمه فقط، والاستلام: المسح باليد،
والتَّقبيل بالفَم، وروى الشافعي من وجه آخر عن ابن عمر قال: استَقبَلَ النبي ◌َّ الحجَر
(١) هو في كتاب الاستئذان تحت باب الأخذ باليد، في شرح الحديث رقم (٦٢٦٥).
(٢) لا بد في هذا الزعم من دليل، وإلا فهو مردود، وتقدم قول الشافعي: ولكنا نتبع السنة قولاً أو تركاً.
وهو مقتضى قول أمير المؤمنين عمر فيما خاطب به الحجر الأسود، وهو برقم (١٥٩٧) (١٦١٠).

٤٢٨
باب ٦٠ / ح ١٦١٠- ١٦١١
فتح الباري بشرح البخاري
فاستَلَمَه، ثمَّ وضَعَ شَفَتَيَه عليه طويلاً ... الحديث، واختُصَّ الحجَر الأسوَد بذلك لاجتماع
الفضيلتَينِ له كما تقدَّم.
قوله: «حدّثنا حمّاد» في رواية أبي الوَقْت: ابن زید.
قوله: ((عن الزُّبَير بن عَرَبي)) في رواية أبي داود الطَّيالسي (١٩٧٦): عن حمّاد بن زيد
حدَّثنا الزُّبَيرِ.
قوله: ((سألَ رجل)) هو الزُّبَير الراوي، كذلك وقع عند أبي داود الطَّيالسي: عن حَمَّاد
حدَّثنا الزُّبَير: سألت ابن عمر.
قوله: ((أرأيت إن زُحِمت)) أي: أخبرني ما أصنَع إذا زُحِمت، و((زُحِمت)) بضم الزّاي بغير
إشباع، وفي بعض الروايات بزيادة واو.
٤٧٦/٣
قوله: (اجعل أرأیت بالیمن)) يُشعِر بأنَّ الرجل یماني، وقد وقع في رواية أبي داود
المذكورة: اجعَل ((أرأيت)) عند ذلك الكَوكَب. وإنَّما قال له ذلك، لأنَّه فَهِمَ منه مُعارَضة
الحديث بالرَّأي، فأنكَرَ عليه ذلك، وأمَرَه إذا سمع الحديث أن يأخُذ به ويَتَّقَي الرَّأي،
والظاهر أنَّ ابن عمر لم يَرَ الزِّحام عذراً في ترك الاستلام، وقد روی سعید بن منصور من
طريق القاسم بن محمد قال: رأيتُ ابن عمر يزاحم على الرُّكن حتَّى يَدمَى. ومن طريق
أُخرى أنَّه قيل له في ذلك، فقال: هَوَت الأفئدةُ إليه، فأُريد أن يكون فُؤادي معهم.
وروى الفاكهي من طرق عن ابن عبّاس كراهةَ المزاحَمة وقال: لا يُؤذِي ولا يُؤذَى.
فائدة: المستحبّ في التَّقبيل أن لا يَرفَع به صوته، وروی الفاکھي عن سعيد بن جُبیر
قال: إذا قَبَّلت الُّكن فلا تَرفَع بها صوتَك كَقُبلة النِّساء.
تنبيه: قال: أبو عليّ الجَيَّاني: وقع عند الأَصِيلي عن أبي أحمد الجُرْجاني: ((الزُّبَير بن
عَدِيّ، بدالٍ مُهمَلة بعدها ياء مُشدَّدة، وهو وهمٌّ، وصوابه: ((عَرَبِيّ)) براء مُهمَلة مفتوحة
بعدها موحّدة ثمَّ یاء مُشدّدة، كذلك رواه سائر الرُّواة عن الفِرَبْري، انتھی.

٤٢٩
باب ٦١-٦٢ / ح ١٦١٢ - ١٦١٣
كتاب الحج
وكأنَّ البخاري استَشعَرَ هذا التَّصحيف، فأشارَ إلى التحذير منه، فحكى الفِرَبْري: أنَّه
وَجَدَ في كتاب أبي جعفر - يعني محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري - قال: قال أبو عبد الله،
يعني: البخاري: الزُّبَير بن عَرَبي هذا بصري، والزُّبَير بن عَدِيّ کوفی. انتهى، هكذا وقع
عند أبي ذرِّ عن شيوخه عن الفِرَبْري.
وعند التِّرمِذي (٨٦١) من غير رواية الكَرْخي، وعَقِبَ هذا الحديث: الزُّبَير هذا: هو
ابن عَرَبي، وأمَّا الزُّبَيرِ بن عَدِيّ، فهو كوفي. ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي داود المقدَّم ذِكْرها:
الزُّبَير بن العربي، بزيادة ألف ولام، وذلك ممّا يَرفَع الإشكال، والله أعلم.
٦١ - باب من أشار إلى الرُّکن إذا أتی علیه
١٦١٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الوهَاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ
عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: طافَ النبيُّونَ﴿ بالبيتِ على بعيرٍ، كلَّما أتى على الرُّكْنِ أشارَ إليهِ.
قوله: ((باب من أشار إلى الُّكْن)) أي: الأسوَد.
قوله: ((إذا أتى عليه)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس: ((طافَ النبي ◌َِّ بالبيت على بعِيرٍ،
كلَّما أتى على الرُّكن أشارَ إليه))، وقد تقدَّم قبلُ بيابين (١٦٠٧) بزيادة شرح فيه.
قال ابن التِّين: تقدَّم أنَّه كان يستلِمه بالمِحجَن، فيدلّ على قُربِه من البيت، لكن مَن طافَ
راكباً يُستَحَبُّ له أن يُبعِدَ إن خافَ أن يُؤذي أحداً، فيُحمَل فعله ◌َ ◌ّ على الأمن من ذلك. انتهى.
ويحتمل أن يكون في حال استلامِه قريباً حيثُ أمِنَ ذلك، وأن يكون في حال إشارَتِه
بعيداً حيثُ خافَ ذلك.
٦٢ - باب التکبیر عند الرُّکن
١٦١٣ - حدَّثنا مُسدّدٌ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن عِكْرمةَ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: طافَ النبيُّ نَّهِ بالبيتِ على بعيرٍ، كلَّما أتى الرُّكْنَ أشارَ إليه
بشيءٍ كان عنده و کَبَّرَ.
تابَعَه إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ، عن خالدِ الحذّاءِ.

٤٣٠
باب ٦٣ / ح ١٦١٤ - ١٦١٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب التَّكْبير عند الرُّكْن)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس المذكور، وزاد: («أشارَ إليه
بشيءٍ كان عنده وكَبَّرَ)) والمراد بالشيء: المِحجَن الذي تقدَّم في الرواية الماضية قبلَ بابين
(١٦٠٧)، وفيه استحباب التكبير عند الرُّكن الأسوَد في كلّ طَوفَة.
٤٧٧/٣
قوله: ((تابَعَه إبراهيم بن طَهْمَانَ عن خالد)) يعني: في التكبير، وأشارَ بذلك إلى أنَّ رواية
عبد الوهّاب عن خالد المذكورة في الباب الذي قبله الخالية عن التكبير لا تَقدَح في زيادة
خالد بن عبد الله؛ لمُتَابَعة إبراهيم، وقد وَصَلَ طريقَ إبراهيم في كتاب الطَّلاق (٥٢٩٣)،
وسيأتي الكلام في طواف المريض راكباً في بابه (١٦٣٢) إن شاء الله تعالى.
٦٣ - باب من طاف بالبيت إذا قدم مكّة قبل أن يرجع إلى بيته
ثُمَّ صَلَّى رَكْعتَينِ ثمَّ خَرَجَ إلى الصَّفا
١٦١٤ - حذَّثنا أصبَغُ، عن ابنِ وَهْبٍ، أخبرني عَمْرٌو، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن: ذَكَرْتُ
لِعُرْوةَ، قال: فأخبَرَتْني عائشةُ رضي الله عنها: أنَّ أوَّلَ شيءٍ بَدَأ به حينَ قَدِمَ النبيُّ وَّ أَنَّه
تَوضَّأ، ثمَّ طاف، ثمَّ لم تكن عُمْرةً، ثمَّ حجَّ أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما مِثْلَه، ثمَّ حَجَجْتُ مع
أبي الزُّبَيرِ ﴾، فأوَّلُ شيءٍ بَدَأ به: الطَّوافُ، ثمَّ رأيتُ المهاجرِينَ والأنصار يفعلُونَه.
[طرفه في: ١٦٤١]
١٦١٥ - وقد أخبرتْني أُمّي: أنَّها أهلَّتْ هي وأُختُها والزُّبَيرُ وفُلانٌ وفُلانٌ بِعُمْرةٍ، فلمَّا
مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
[طرفاه في: ١٦٤٢، ١٧٩٦]
قوله: «باب من طاف بالبيت إذا قَدِمَ مَگَّة قبلَ أن يرجع إلى بيته ... )) إلى آخره، قال ابن
بَطَّل: غَرَضُه بهذه الترجمة الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ المعتمِر إذا طافَ حَلَّ قبلَ أن يَسعى بين
الصَّفا والمروة، فأراد أن يُبيِّن أنَّ قول عُرْوة: ((فلمَّا مَسَحوا الرُّكنَ حَلّوا)) محمول على أنَّ
المراد: لمَّا استَلَموا الحجَر الأسوَد وطافوا وسَعَوا حَلّوا، بدليلٍ حديث ابن عمر الذي
أردَفَه به في هذا الباب.

٤٣١
باب ٦٣ / ح ١٦١٤ - ١٦١٥
كتاب الحج
وزَعَمَ ابن التِّينِ: أنَّ معنى قول عُرْوةَ: ((مَسَحوا الرُّكنَ)) أي: رُكْنَ المروة، أي: عند خَتْمِ
السعي، وهو مُتَعقَّبٌ برواية أبي(١) الأسوَد عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء قالت:
اعتَمَرتُ أنا وعائشة والزُّبَير وفلان وفلان، فلمَّا مَسَحْنا البيت أحلَلْنا. أخرجه المصنِّف،
وسيأتي في أبواب العمرة (١٧٩٦).
وقال النَّوَوي: لا بُدَّ من تأويل قوله: (مَسَحوا الرُّكن)) لأنَّ المراد به الحجَر الأسوَد،
ومَسْحُه يكون في أول الطَّواف، ولا يَحصُل التحلُّل بمجرَّدٍ مَسْحِه بالإجماع، فتقديره: فلمَّا
مَسَحوا الرُّكن وأتموا طوافهم وسَعيَهم وحَلَقوا: حَلُّوا. وحُذِفَت هذه المقدَّرات للعلم بها/ ٤٧٨/٣
لظُهورها، وقد أجمعوا على أنَّه لا يَتَحلَّل قبلَ تمام الطَّواف، ثمَّ مذهب الجمهور أنَّه لا بُدَّ
من السعي بعده ثمَّ الحلق.
وتُعقّبَ بأنَّ المراد بمسح الرُّكن: الكِناية عن تمامِ الطَّواف، لا سيّما واستلام الرُّكن
يكون في كلّ طَوفَة. فالمعنى: فلمَّا فَرَغوا من الطَّواف حَلّوا، وأمَّا السعي والحلق فمُختَلَف
فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى: فلمَّا فرَغوا من الطَّواف وما يَتْبَعه حَلّوا.
قلت: وأراد بمَسْح الرُّكن هنا: استلامَه بعد فراغ الطَّواف والركعتَينِ، كما وقع في
حديث جابر(٢)، فحينئذٍ لا يَبقى إلَّا تقدير: وسَعَوا؛ لأنَّ السعي شرط عند عُرْوةَ، بخلاف
ما نُقِلَ عن ابن عبّاس، وأمَّا تقدير: حَلَقوا، فيُنظَر في رأي عُرْوةَ، فإن كان الحلق عنده نُسُكاً
فيُقدَّر في كلامه وإلا فلا.
قوله: ((أخبَرَني عَمْرو)) هو ابن الحارث، كما سيأتي بعدَ أربعةَ عشرَ باباً (١٦٤١) من وجه
آخر عن ابن وَهْب.
قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن)) هو أبو الأسوَد النَّوفلي المدني المعروف بيتيمٍ عُرْوة.
قوله: ((ذَكَرْتُ لِعُرْوةَ، قال: فأخبَرَتْني عائشة)) حَذَفَ البخاري صورةَ السُّؤال وجوابَه،
(١) تحرف في (س) إلى: ابن.
(٢) في حجة النبي وَ لّ عند مسلم (١٢١٨).

٤٣٢
باب ٦٣ / ح ١٦١٤ - ١٦١٥
فتح الباري بشرح البخاري
واقتَصَرَ على المرفوع منه، وقد ذكره مسلم (١٢٣٥) من هذا الوجه، ولفظه: أنَّ رجلاً من
أهل العراق قال له: سَلْ لي عُرْوةَ بن الزُّبَير عن رجل يُهِلّ بالحج، فإذا طافَ أيَحِلُّ أم لا؟
فإن قال لك: لا يَحِلّ، فقُل له: إنَّ رجلاً يقول ذلك. قال: فسألته، فقال: لا يَحِلّ مَن أهلَّ
بالحجِّ إلَّا بالحج، قال: فَتَصدّى لي الرجلُ فحَذَّئته، فقال: فقُل له: فإنَّ رجلاً كان يُخْبِرِ أنَّ
رسولَ اللهَوَ ◌ّه قد فعل ذلك، وما شَأنُ أسماءَ والزُّبَيرِ فعَلا ذلك؟ قال: فجئته - أي: عُرْوةَ -
فذكرتُ له ذلك، فقال: مَن هذا؟ فقلت: لا أدري - أي: لا أعرِف اسمه - قال: فما بالُه لا
يأتيني بنفْسِه يسألني؟ أظنّه عِراقياً - يعني: وهم يَتَعَنََّونَ في المسائل - قال: قد حجّ
رسول الله وَ ﴿، فأخبَرَتني عائشةُ أنَّ أول شيءٍ بَدَأ به رسول الله وَهِ حِينَ قَدِمَ مَّة أنَّه
تَوضَّأ ... فذكر الحديث.
والرجل الذي سألَ لم أقف على اسمه، وقوله: ((فإنَّ رجلاً كان يُخْبِرِ)) عَنَى به ابن
عبَّاس، فإنَّه كان يذهب إلى أنَّ مَن لم يَسُقِ الهَدْي وأهلَّ بالحجّ، إذا طافَ تَحِلّ من حَجّه،
وأنَّ مَن أراد أن يستمِرّ على حَجّه لا يَقرَب البيت حتَّى يَرجِع من عَرَفة، وكان يأخُذ ذلك
من أمْرِ النبيِ وَّ لمن لم يَسُق الهَذْي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، وقد أخرج المصنّف
ذلك في ((باب حَجَّة الوداع)) في أواخر المغازي (٤٣٩٦) من طريق ابن جُرَيج: حدَّثني
عطاء، عن ابن عبّاس قال: إذا طافَ بالبيت فقد حَلّ. فقلتُ: من أينَ قال هذا ابنُ
عبّاس؟ قال: من قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ومن أمر النبي
وَلَّه أصحابَه أن يَحِلّوا في حَجَّة الوداع. قلت: إنَّما كان ذلك بعدَ المعَرَّف، قال: كان ابن
عبَّاس يَرَاه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم (١٢٤٥) من وجه آخر عن ابن جُرَيج بلفظ: كان
ابن عبَّاس يقول: لا يطوف بالبيت حاجٌّ ولا غيره إلَّا حَلّ. قلت لعطاءٍ: من أيّ تقول
ذلك؟ فذكره.
ولمسلم (١٢٤٤) من طريق قَتَادةَ: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل لابن
عبّاس: ما هذه الفُتيا أنَّ مَن طافَ بالبيت فقد حَلَّ؟ فقال: سُنَّة نبيكم وإن رَغِمتُم.

٤٣٣
باب ٦٣ / ح ١٦١٤ - ١٦١٥
كتاب الحج
وله (١٢٣٣/ ١٨٧) من طريق وبَرَة بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً عند ابن عمر،
فجاءه رجل، فقال: أيَصلُحُ لي أن أطوف بالبيت قبلَ أن آتي الموقِف؟ فقال: نعم. فقال:
فإنَّ ابن عبّاس يقول: لا تَطُف بالبيت حتَّى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجَّ
رسول الله ﴿﴿ فطاف بالبيت قبلَ أن يأتي الموقف، فبقول رسولِ الله وسلّمْ أَحَقّ أن نأخُذَ أو
بقول ابن عبّاس، إن كنتَ صادقاً؟
وإذا تَقرَّرَ ذلك فمعنى قوله في حديث أبي الأسوَد (١٧٩٦): «قد فعل رسولُ الله
ذلك)) أي: أمَرَ به، وعُرِفَ أنَّ هذا مذهب لابن عبّاس خالَفَه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس
قليل، منهم: إسحاق بن راهويه، وعُرِفَ أنَّ مأخذه فیه ما ذُكِر.
وجواب الجمهور: أنَّ النبي أمَرَ أصحابه أن يَفسَخوا حَجَّهم فيجعلوه عمرةً، ثمَّ
اختلفوا، فذهب الأكثر إلى أنَّ ذلك كان خاصاً بهم، وذهب طائفة إلى أنَّ ذلك جائز لمن
بعدهم، واتَّفَقوا كلّهم أنَّ مَن أهلَّ بالحجِّ مُفرِداً / لا يَضُرّه الطَّواف بالبيت، وبذلك احتَجَّ ٤٧٩/٣
عُرْوةُ في حديث الباب أنَّ النبي ◌َّهِ بَدَأ بالطَّواف، ولم يَحِلّ من حَجّه ولا صار عمرةً، وكذا
أبو بكر وعمر، فمعنى قوله: ((ثمَّ لم تكن عمرةً)) أي: لم تكن تلك الفِعلةُ عمرةً، هذا إن كان
بالنصب على أنَّه خبر (كان))، ويحتمل أن تكون ((كان)) تامّة، والمعنى: ثمَّ لم تَحصُل عمرةٌ،
وهي على هذا بالرفع.
ووقع في رواية مسلم (١٢٣٥/ ١٩٠) بدل عمرة: ((غيره)) بغَينٍ معجمة وياء ساكنة
وآخره هاء، قال عياض: وهو تصحيف، وقال النَّوَوي: لها وجه، أي: لم يكن غير الحج،
وكذا وجَّهَه القُرطُبي.
قوله: (ثُمَّ حَجْتُ مع أبي: الزُّبَيرِ)) كذا للأكثر، والزُّبیر بالكسر بدل من («أبي))، ووقع في
رواية الكُشْمِيهني: ((مع ابن الزُّبَير)) يعني: أخاه عبد الله، قال عِيَاض: وهو تصحیف،
وسيأتي في الطَّريق الآتية بعدَ أربعةَ عشرَ باباً (١٦٤١): ((مع أبي: الزُّبَير بن العَوّام))، وكأنَّ
سبب هذا التَّصحيف أنَّه وقع في تلك الطَّريق من الزيادة بعدَ ذِكْر أبي بكر وعمر ذِكْرُ

٤٣٤
باب ٦٣ / ح ١٦١٦
فتح الباري بشرح البخاري
عثمان ثمَّ معاوية وعبد الله بن عمر قال: (ثمَّ حَجَجت مع أبي الزُّبَير)) فذكره، وقد عُرِفَ أنَّ
قتل الزُّبَير كان قبلَ معاوية وابن عمر، لكن لا مانع أن يَحُجّا قبلَ قتل الزُّبَير فرآهما عُرْوةُ،
أو لم يَقصِد بقوله: ((ثمَّ) الترتيب، فإنَّ فيها أيضاً: ((ثمَّ آخرُ مَن رأيتُ فَعَلَ ذلك ابن عمر)»
فأعاد ذِكْرَه مرَّة أُخرى، وأغرَبَ بعض الشارحينَ، فَرَجَّحَ رواية الكُشْمِيهني موَجِّهاً لها بما
ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله.
قوله: ((وقد أخبَرَتْني أُمّي)) هي أسماء بنت أبي بكر، ((وأُختها)) هي عائشة، واستُشكِلَ
من حيثُ إنَّ عائشة في تلك الحجة لم تَطُف لأجلِ حيضها، وأُجيبَ بالحملِ على أنَّه أراد
حَجَّةً أُخرى غير حَجَّة الوداع، فقد كانت عائشة بعدَ النبي ◌ِِّ تَحُجّ كثيراً(١)، وسيأتي الإلمام
بشيءٍ من هذا في أبواب العمرة (١٧٨٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فلمَّا مَسَحُوا الرُّكْن حَلُّوا)) أي: صاروا حلالاً، وقد تقدَّم في أول الباب ما فيه
من الإشكال وجوابُه.
وفي هذا الحديث استحباب الابتداء بالطَّواف للقادم؛ لأنَّه تَحيَّة المسجد الحرام، واستَثْنَى
الشافعيُّ ومَن وافقه المرأةَ الجَميلة أو الشَّريفة التي لا تَبرُز، فيُستَحَبّ لها تأخيرُ الطَّواف إلى
الليل إن دَخَلَت نهاراً، وكذا مَن خافَ فوتَ مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مُؤَّدة أو فائتة؛
فإنَّ ذلك كلّه يُقدَّم على الطَّواف.
وذهب الجمهور إلى أنَّ مَن تَرَك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثَّوْرٍ من
الشافعية: عليه دَم. وهل يَتَدَارَكه مَن تَعَمَّدَ تأخيره لغير عذر؟ وجهان كَتَحيَّة المسجد.
وفيه الوُضوء للطَّواف، وسيأتي حيثُ ترجم له المصنِّف بعد أربعةَ عشرَ باباً (١٦٤١).
١٦١٦ - حذَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حَدَّثنا أبو ضَمْرةَ أنسٌ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَِّ كان إذا طافَ في الحجّ أو العُمْرةِ أوَّلَ ما
يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أطوافٍ ومَشَى أربعةً، ثمَّ سَجَدَ سَجْدتَينٍ، ثمَّ يَطُوفُ بين الصَّفا والمَرْوةِ.
(١) سيأتي عند الحديث رقم (١٧٩٦) تراجع الحافظ ابن حجر عن هذا الرأي، وأن المراد بهذه العمرة هي
التي وقعت لهم في حجة الوداع.

٤٣٥
باب ٦٤ / ح ١٦١٧ - ١٦١٨
كتاب الحج
١٦١٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبیدِ الله، عن نافع، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَِّ كان إذا طافَ بالبيتِ الطَّوافَ الأوَّلَ يَخُبُّ ثلاثةَ أطوافٍ
ويَمْشي أربعةً، وأَنَّه كان يَسْعَى بَطْنَ المسِيلِ إذا طافَ بين الصَّفا والمَرْوةِ.
الحدیث الثاني: حديث ابن عمر:
أخرجه من وجهين كلاهما من رواية نافع عنه: أحدهما من رواية موسى بن عُقْبةَ،
والآخر من رواية عُبيد الله، والراوي عنهما واحد: وهو أبو ضَمْرً أنس بن عياض، زاد في
رواية موسى: ((ثُمَّ سَجَدَ سجدتَين - والمراد بهما ركعتا الطَّواف - ثمَّ سَعى بين الصَّفا
والمروة، وزاد في رواية عُبَيد الله: أنَّه كان يسعى ببطن المسيل.
وقد تقدَّم ما يَتعلَّق بالرَّمَلِ قبلَ خمسة أبواب (١٦٠٤)، وأمَّا السعي بين الصَّفا والمروة
فسيأتي الكلام عليه حيثُ ترجم له المصنّ بعدَ خمسة عشرَ باباً (١٦٤٤) إن شاء الله تعالى.
والمراد ببطن المسيل: الوادي؛ لأنَّه موضع السيل.
٦٤ - باب طواف النّساء مع الرّجال
١٦١٨ - وقال لي عَمُرُو بنُ عليٍّ: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرني عطاءٌ، إذْ مَنَعَ ٤٨٠/٣
ابنُ هشامِ النِّساءَ الطَّوافَ مع الرِّجال، قال: كيفَ يَمْنَعُهُنَّ وقد طافَ نساءُ النبيِّ وَطِّ مع
الرِّجال؟ قلتُ: بعدَ الحِجاب أو قبلُ؟ قال: إي لَعَمْري! لقد أدرَكْتُهُ بعدَ الحِجاب، قلتُ: كيفَ
يُخالطْنَ الرِّجالَ؟ قال: لم يَكُنَّ يُخالطْنَ، كانت عائشةُ رضي الله عنها تَطُوفُ حَجْرةً من الرِّجال
لا تُخالطُهم، فقالتِ امرأةٌ: انطَلِقِي نَسْتَلِم يا أُمَّ المؤمنينَ، قالت: انطَلِقِي عنكِ. وأَبَتْ؛ يَخْرُجْنَ
مُتَنَكِّراتٍ بالليلِ فِيَطُفْنَ مع الرِّجال، ولكنَّهُنَّ كُنَّ إذا دَخَلْنَ البيتَ قُمْنَ حينَ يَدخُلْنَ، وأُخِرِجَ
الرِّجالُ، وكنتُ آتي عائشةَ أنا وعُبِيدُ بنُ عُمَيرٍ وهِيَ مُجاوِرةٌ فِي جَوْفٍ ثَبِيرٍ. قلتُ: وما حِجَابُها؟
قال: هي في قُبَّةِ تُرْكِيَّةٍ لها غِشاءٌ، وما بينَنَا وبينَها غيرُ ذلك، ورأيتُ عليها دِرْعاً مُوَرَّداً.
قوله: ((باب طواف النِّساء مع الرِّجال)) أي: هل يَخْتَلِطْنَ بهم أو يَطُفْنَ معهم على حِدَةٍ
بغير اختلاط، أو يَنفرِذْنَ.

٤٣٦
باب ٦٤ / ح ١٦١٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال لي عَمْرو بن عليّ: حدَّثنا أبو عاصم)) هذا أحد الأحاديث التي أخرجها عن
شيخه (١) أبي عاصم النَّبيل بواسطةٍ، وقد ضاق على الإسماعيلي ◌َرَجُه، فأخرجه أولاً من
طريق البخاري، ثمَّ أخرجه هكذا، وكذا البيهقي (٧٨/٥)، وأمَّا أبو نُعَيم فأخرجه أولاً من
طريق البخاري، ثمَّ أخرجه من طريق أبي قُرّة موسى بن طارق عن ابن جُرَيج، قال: مثلَه
غير قصَّة عطاء مع عُبَيد بن عُمَير، قال أبو نُعَيم: هذا حديث عزيز ضيِّقُ المخرَج.
قلت: قد أخرجه عبد الرزاق في ((مصنَّفَه)) (٩٠١٨) عن ابن جُرَيج بتمامه، وكذا وجدته
من وجه آخر أخرجه الفاكهي في ((كتاب مكَّة)) (٤٨٣) عن ميمون بن الحَكَم الصنعاني عن
محمد بن جُعْشُم، وهو بجيم ومعجمة مضمومتَينِ بينهما عَين مُهمَلة، قال: أخبرني ابن
جُرَيج، فذكره بتمامه أيضاً.
قوله: ((إِذ مَنَعَ ابن هشام)) هو إبراهيم - أو أخوه محمد - ابن إسماعيل بن هشام بن
الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، وكانا خالَي هشام بن عبد الملك،
فَوَلّى محمداً إمْرةَ مَّة، ووَلّى أخاه إبراهيم بن هشام إمْرةَ المدينة، وفَوَّضَ هشام لإبراهيم
إِمْرةَ الحج بالناس في خلافته، فلهذا قلت: يحتمل أن يكون المراد، ثمَّ عَذَّبَهما يوسف بن
عمر الثَّقَفي حتَّى ماتا في مِحتَتَه في أول ولاية الوليد بن يزيد بن عبد الملك بأمره سنة خمس
وعشرينَ ومئة، قاله خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه))، وظاهر هذا أنَّ ابن هشام أول مَن مَنَعَ
ذلك، لكن روى الفاكهي (٤٨٤) من طريق زائدة عن إبراهيم النَّخَعي قال: نهى عمر أن
يطوف الرجال مع النِّساء، قال: فرأى رجلاً معهُنَّ فضَرَبَه بالدِّرّة. وهذا إن صَحَّ لم
يعارض الأول، لأنَّ ابن هشام مَنَعَهنَّ أن يَطُفنَ حينَ يطوف الرجال مُطلَقاً، فلهذا أنكَرَ
عليه عطاء واحتَجَّ بصَنِيع عائشة، وصَنِيعُها شبيه بهذا المنقول عن عمر.
قال الفاكهي: ويُذكَر عن ابن عُيَينَةَ: أنَّ أول مَن فَرَّقَ بين الرجال والنِّساء في الطَّواف
خالدُ بن عبد الله القَسْري. انتهى، وهذا إن ثَبَتَ فلعلَّه مَنَعَ ذلك وقتاً ثمَّ تَرَكَه، فإنَّه كان
أمير مكَّة في زَمَن عبد الملك بن مروان، وذلك قبلَ ابن هشام بمُدّةٍ طويلة.
(١) زاد هنا في (س) لفظة ((عن)) وهو خطأ.

٤٣٧
باب ٦٤ / ح ١٦١٨
كتاب الحج
قوله: ((كيف يَمْنَعُهُنَّ)) معناه: أخبرني ابن جريج (١) بزمان المنع قائلاً فيه: كيف يمنعهُنّ.
قوله: ((وقد طافَ نساء النبي ◌ٍِّ مع الرِّجال)) أي: غير مُتَلِطات بهم.
قوله: ((بعدَ الحِجاب)) في رواية المُستَمْلي: ((أبعْدَ)) بإثبات همزة الاستفهام، وكذا هو
للفاکھي.
قوله: «إِي لَعَمْري)» هو بكسر الهمزة، بمعنى: نعم.
قوله: ((لقد أدرَكْته بعدَ الحِجاب)) ذكر عطاء هذا لرفع تَوَهُّم مَن يَتَوَهَّم أنَّه حمل ذلك
عن غيره، ودَلَّ على أنَّه / رأى ذلك منهنّ، والمراد بالحجاب: نزول آية الحجاب وهي قوله ٤٨١/٣
تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وكان ذلك في
تزويج النبي ◌َّ بزينب بنت جَحْش كما سيأتي في مكانه(٢)، ولم يُدرِك ذلك عطاء قطعاً.
قوله: ((يُخالِطْنَ)) في رواية المُستَمْلي: ((يُخالطهُنَّ)» في الموضعين، والرجال بالرفع على
الفاعلية.
قوله: ((حَجْرة)) بفتح المهمَلة وسكون الجيم بعدها راء، أي: ناحية، قال القَزّاز: هو
مأخوذ من قولهم: نزل فلان حَجْرةً من الناس، أي: مُعتَزلاً. وفي رواية الكُشْمِيهني:
(حَجْزة)) بالزّاي، وهي رواية عبد الرزاق (٩٠١٨) فإنَّه فسَّره في آخره فقال: يعني محجوزاً
بينها وبين الرجال بثوپٍ.
وأنكَرَ ابن قُرْقُول ((حُجرة)) بضم أوله وبالراء، وليس بمُنكَر، فقد حكاه ابن عُدَيس
وابن سِيدَه فقالا: يقال: قَعَدَ حَجرةً، بالفتحِ والضمّ، أي: ناحية.
قوله: ((فقالت امْرَأة)) زاد الفاكهي: ((معها)»، ولم أقف على اسم هذه المرأة، ويحتمل أن
تكون دِقْرة - بكسر المهمَلة وسكون القاف ــ امرأة روى عنها يحيى بن أبي كثير، أنَّها كانت
تطوف مع عائشة بالليل، فذكر قصَّة أخرجها الفاكهي.
(١) كذا وقع هنا للحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم، والصواب ((أخبرني عطاء)) فإنه هو الذي قال هذا الكلام
في زمان المنع.
(٢) في باب رقم (٨) من تفسير سورة الأحزاب.

٤٣٨
باب ٦٤ / ح ١٦١٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((انطَلِقي عنك)) أي: عن جهة نفسك.
قوله: ((يَخْرُجْنَ)) زاد الفاكهي: ((وكُنَّ يخرجنَ ... )) إلى آخره.
قوله: ((مُتَنَكِّرات)) في رواية عبد الرزاق (٩٠١٨): ((مُستَتِرات))، واستَنْبَطَ منه الداوودي
جواز النِّقاب للنِّساء في الإحرام، وهو في غاية البُعد.
قوله: ((إذا دَخَلْنَ البيت قُمْنَ)) في رواية الفاكهي: ((سُتِنَ)).
قوله: ((حينَ يَدخُلْنَ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((حتَّى يَدخُلنَ))، وكذا هو للفاكهي، والمعنى:
إذا أرَدْنَ دخول البيت وقَفنَ حتَّى يَدخُلنَ حال كون الرجال ◌ُرَجینَ منه.
قوله: ((وكنت آتي عائشة أنا وعُبَيد بن عُمَير)) أي: الليثي، والقائل ذلك عطاء، وسيأتي
في أول الهجرة (٤٣١٢) من طريق الأوزاعي عن عطاء قال: زُرتُ عائشة مع عُبَيد بن
عُمَیر.
قوله: ((وهي مُجاِرةٌ فِي جَوْف ثَبِير)) أي: مُقيمة فيه، واستنَبَطَ منه ابن بَطَّال الاعتكاف في
غير المسجد، لأنَّ ثَبِيراً خارج عن مكَّة وهو في طريق مِنى، وهذا مبنيٌّ على أنَّ المراد بشَير:
الجبل المشهور الذي كانوا في الجاهلية يقولونَ له: أشِرِق ثَبِيرُ كَيما نُغير، وسيأتي ذلك بعدَ
قليل، وهذا هو الظاهر، وهو جبل المزدَلِفة، لكن بمكّة خمسةُ جبال أُخرى يقال لكلٍّ منها:
ثَبير، ذكرها أبو عُبَيد البَكْري وياقوت وغيرهما، فيحتمل أن يكون المراد أحدها، لكن لا (١)
يَلَزَم من إقامة عائشة هناك أنَّها أرادت الاعتكاف، سَلَّمنا لكن لعلَّها اتَّخَذَت في المكان
الذي جاوَرَت فيه مسجداً اعتكَفَت فيه، وكأنَّها لم يَتَيَسَّر لها مكان في المسجد الحرام تَعتكِف
فيه فاتّخَذَت ذلك.
قوله: ((وما حِجابُها؟)) زاد الفاكهي: ((حينئذٍ)).
قوله: ((تُرْكيَّة)) قال عبد الرزاق (٩٠٢١): هي قُّبّة صغيرة من لُبُود تُضرَب في الأرض.
(١) لفظة ((لا)) سقطت من (س).

٤٣٩
باب ٦٤ / ح ١٦١٩
كتاب الحج
قوله: ((دِرْعاً مُوَرَّداً) أي: قميصاً لَونُه لون الوَرْد، ولعبد الرزاق (٩٠١٨): ((دِرْعاً
مُعَصفَراً وأنا صَبيّ)) فبيَّن بذلك سبب رُؤيَته إياها، ويحتمل أن يكون رأى ما عليها اتّفاقاً،
وزاد الفاكهي في آخره: قال عطاء: وبَلَغَني أنَّ النبي ◌َِّ أَمَرَ أُمّ سَلَمَةَ أن تطوف راكبةً في
خِدْرها من وراء المصلِّينَ في جوف المسجد. وأفرَدَ عبد الرزاق هذا (٩٠١٩)، وكأنَّ
البخاري حَذَفَه لكَونِهِ مُرسلاً، فاغتَنى عنه بطريق مالك الموصولة، فأخرجها عَقِبَه.
١٦١٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ نَوْفَلٍ، عن عُرْوةَ بنِ
الزُّبَير، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَِّ، قالت: شَكَوْتُ
إلى رسولِ الله ◌َ له أنّي أشتكي، فقال: ((طُوفي من وَرَاءِ الناس وأنتِ راكِيةٌ)) فطُفْتُ ورسولُ الله ◌ِّ
حِينَئِذٍ يُصلِّي إلى جَنْبِ البيتِ وهو يَقْرَأُ: ﴿وَالُطُورِ ) وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢].
قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرحمن)) هو أبو الأسوَد يَتِيم عُرْوة.
قوله: ((عن أُمّ سَلَمة)) هي والدة زينب الراوية عنها.
قوله: ((أنّ أشتكي)) أي: إنَّها ضعيفة، وقد بيَّن المصنّف من طريق هشام بن عُرْوة عن
أبيه سبب طواف أُمّ سَلَمةَ، وأنَّه طواف الوداع، وسيأتي بعدَ ستَّة أبواب (١٦٢٦).
قوله: ((وأنتِ راكِبة)) في رواية هشام: ((على بعيرٍك)).
قوله: ((والنبي ◌َِّ يُصلِّي)) في رواية هشام: ((والناس يُصلُّونَ)) وبيَّن فيه أنَّها صلاة
الصبح، وقد تقدَّم البحث في ذلك في صفة الصلاة (٤٦٤).
وفيه جواز الطَّواف للرّاكبِ إذا كان لعُذر، وإنَّما أمَرَها أن تطوف من وراء الناس
ليكون أستَرَ لها، ولا تَقطَع صُفوفَهم أيضاً، ولا يَتأذَّونَ بدابتها، فأمَّا طواف الرّاکب من/
غير عُذر فسيأتي البحث فيه بعدَ أبواب (١٦٣٢)، ويلتحقُ بالرّاكب: المحمولُ إذا كان له ٤٨٢/٣
عُذرٌ، وهل يُجْزِئ هذا الطَّواف عن الحامل والمحمول؟ فیه بحث.
واحتَجَّ به بعض المالكية لطَهارة بَوْل ما يُؤكَل لحمُه، وقد تقدَّم توجيه ذلك والتَّعَقُّب
عليه في ((باب إدخال البعير المسجد للعِّة)) (٤٦٤).

٤٤٠
باب ٦٥ / ح ١٦٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
٦٥ - باب الكلام في الطّواف
١٦٢٠ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيجِ أخبَرهم، قال: أخبرني
سليمانُ الأحْوَل، أنَّ طاووساً أخبَرَه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وََّ مَرَّ وهو
يَطُوفُ بالكعبةِ بِإِنْسانِ رَبَطَ بَدَه إلى إنْسانٍ بسَيرٍ - أو بخَيطِ أو بشيءٍ غيرِ ذلك - فقَطَعَه النبيُّ ◌َله
بيدِه، ثمَّ قال: ((قُدْ بيدِه)).
[أطرافه في: ١٦٢١، ٦٧٠٢، ٦٧٠٣]
قوله: ((باب الكلام في الطَّواف)) أي: إباحته، وإنَّما لم يُصرِّح بذلك، لأنَّ الخبر وَرَدَ في
كلام يَتعلَّق بأمرٍ بمعروفٍ لا بمُطلَق الكلام، ولعلَّه أشارَ إلى الحديث المشهور عن ابن
عبّاس موقوفاً ومرفوعاً: ((الطَّواف بالبيت صلاةٌ، إلّا أنَّ الله أباحَ فيه الكلام، فمَن نَطَقَ فلا
يَنطِقِ إلَّا بخيرٍ)) أخرجه أصحاب السُّنَن(١) وصَحَّحَه ابن خُزَيمة (٢٧٣٩) وابن حِبَّان
(٣٨٣٦)، وقد استَنْبَطَ منه ابن عبد السلام: أنَّ الطَّواف أفضلُ أعمال الحجّ، لأنَّ الصلاة
أفضلُ من الحج، فيكون ما اشتملت عليه أفضلَ، قال: وأمَّا حديث ((الحجُّ عَرَفةُ))(٢) فلا
يَتَعَّن التقدير: مُعظَم الحج عَرَفة، بل يجوزُ إدراكُ الحج بالوقوفِ بِعَرَفة.
قلت: وفيه نظرٌ، ولو سُلِّمَ فما لا يَتَقَوَّم الحج إلَّا به أفضل ممَّا يَنجَبِرِ، والوقوف
والطَّواف سواءٌ في ذلك، فلا تفضیل.
قوله: ((بإنسانٍ رَبَطَ يده إلى إنسان)) زاد أحمد (٣٤٤٣) عن عبد الرزاق عن ابن جُرَيج:
((إلى إنسان آخر))، وفي رواية النَّسائي (٣٨١١) من طريق حَجّاج عن ابن جُرَيج: ((بإنسانٍ
قد رَبَط یده بإنسانٍ)).
قوله: ((بسَيرٍ)) بمُهمَلة مفتوحة وياء ساكنة معروف، وهو ما يُقدّ من الجلد وهو الشِّراك.
(١) أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٤٧) (١٨٤٨).
(٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) (٣٨٩٢)، وانظر تمام تخريجه فيه.