النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب ٥٠ / ح ١٥٩٧
كتاب الحج
والطبراني من طريق مجاهد عنه: ((فيَسلُبها حِليَتَها ويُجرِّدها من كِسوَتها، كأنّي أنظُر إليه
أُصَلِعِ أُفَيَدِع، يضرِب عليها بمِسْحاته أو بمِعوَلِه)).
وللفاكهي (٧٤٤) من طريق مجاهد نحوه وزاد: قال مجاهد: فلمَّا هَدَمَ ابن الزُّبَير
الكعبة، جئت أنظُر إليه هل أرى الصِّفة التي قال عبد الله بن عَمْرو، فلم أرَها.
قيل: هذا الحديث يُخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]
ولأنَّ الله حَبَسَ عن مكَّة الفيل ولم يُمَكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قِبلة،
فكيف يُسَلِّط عليها الحَبَشة بعدَ أن صارت قِبلةً للمسلمين؟.
وأُجيبَ بأنَّ ذلك محمول على أنَّه يقع في آخر الزمان قُرب قيام الساعة، حيثُ لا يبقى
في الأرض أحد يقول: الله الله، كما ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (١٤٨/٢٣٤): ((لا تقوم
الساعة حتَّى لا يقالَ في الأرض: الله الله))، وهذا وقع في رواية سعید بن سمعان: ((لا يَعمُر
بعده أبداً»، وقد وقع قبلَ ذلك فيه من القتال،/ وغزو أهل الشّام له في زَمَن يزيد بن ٤٦٢/٣
معاوية، ثمَّ من بعده في وقائع كثيرة من أعظمها وقعة القَرَامِطة، بعد الثلاث مئة، فقَتَلُوا
من المسلمين في المطاف مَن لا يُحصى كَثْرَةً، وقَلَعوا الحجَر الأسوَد فحَوَّلوه إلى بلادهم، ثمَّ
أعادوه بعدَ مُدّة طويلة، ثمَّ غُزِي مِراراً بعد ذلك، كلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا﴾ لأنَّ ذلك إنَّما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله ◌َّ: ((ولن
يستحِلّ هذا البيت إلَّا أهله))، فوقع ما أخبر به النبي ◌ّ، وهو من علامات نُبَّته، ولیس
في الآية ما يدلّ على استمرار الأمن المذكور فيها، والله أعلم.
٥٠- باب ما ذُكِر في الحجر الأسود
١٥٩٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عابسِ بنِ
رَبِيعةَ، عن عمرَ ﴾: أنَّه جاء إلى الحجَرِ الأسوَدِ، فقَبَّلَه، فقال: إنّ أعلمُ أنَّكَ حجرٌ لا تَضُرُّ ولا
تَنْفَعُ، ولولا أنّي رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ يُقبَّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
[طرفاه في: ١٦٠٥، ١٦١٠]

٤٠٢
باب ٥٠ / ح ١٥٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: «باب ما ذُكِرَ في الحجر الأسود» أورد فيه حدیث عمر في تقبيل الحجر وقوله: ((لا
تَضُرّ ولا تَنفَع)»، وكأنَّه لم يَثْبُت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وَرَدَت فيه
أحادیث:
منها: حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص مرفوعاً: ((إنَّ الحجَر والمقام ياقُوتَتان من
ياقوت الجنَّة طَمَسَ الله نورهما، ولولا ذلك لَأضاءا ما بين المشرق والمغرب)) أخرجه أحمد
(٧٠٠٠) والتِّرمِذي (٨٧٨) وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٧١٠)، وفي إسناده رجاء أبو يحيى، وهو
ضعيف. قال التِّرمِذي: حديث غريب، ويُروى عن عبد الله بن عَمْرو موقوفاً. وقال ابن
أبي حاتم عن أبيه: وقْفُه أشبه، والذي رَفَعَه ليس بقوي.
ومنها: حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((نزل الحجر الأسود من الجنَّة وهو أشدُّ بياضاً من
اللََّن، فسَوَّدَته خطايا بني آدم)) أخرجه التِّرمِذي (٨٧٧) وصَحَّحَهُ(١)، وفيه عطاء بن
السائب، وهو صدوق لكنَّه اختَلَط، وجَرِير ممَّن سمع منه بعدَ اختلاطه، لكن له طريق
أُخرى في ((صحيح ابن خُزيمةَ)) (٢٧٣٤) فيقوى بها(٢)، وقد رواه النَّسائي (٢٩٣٥) من
طريق حمّاد بن سَلَمةَ عن عطاء مختصراً، ولفظه: ((الحجَر الأسوَد من الجنَّة))، وحَمَّاد ممَّن
سمع من عطاء قبلَ الاختلاط. وفي ((صحيح ابن خُزيمةَ)) أيضاً (٢٧٣٦) عن ابن عبّاس
مرفوعاً: ((إنَّ لهذا الحجَر لساناً وشَفَتَيْنِ يَشْهَدان لمن استَلَمَه يوم القيامة بحَقٌّ))، وصَحَّحَه
أيضاً ابن حِبَّان (٣٧١١) والحاكم (١ / ٤٥٧). وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضاً
(١ / ٤٥٦)(٣) .
قوله: ((عن إبراهيم)) هو ابن يزيد النَّخَعي، وقد رواه سفيان - وهو الّوري - یإسناد آخر
عن إبراهيم - وهو ابن عبد الأعلى - عن سُوَيد بن غَفَلةَ عن عمر، أخرجه مسلم (١٢٧١).
(١) وانظر الكلام عليه وتمام تخريجه في ((المسند)) برقم (٢٧٩٥).
(٢) لكن في هذه الطريق أبو الجنيد حسين بن خالد الضرير، وهو ضعيف.
(٣) وفي إسناده داود بن الزبرقان، وهو متروك.

٤٠٣
باب ٥٠ / ح ١٥٩٧
كتاب الحج
قوله: ((إنّ أعلم أنَّك حجر)) في رواية أسلَمَ الآتية (١٦٠٥) بعدَ أبواب عن عمر، أنَّه
قال: ((أما والله إنّي لَأعلم أنَّك)).
قوله: ((لا تَضُرّ ولا تَنْفَع)) أي: إلّا بإذن الله، وقد روى الحاكم (٤٥٧/١ -٤٥٨) من
حديث أبي سعيد: أنَّ عمر لمَّ قال هذا، قال له عليّ بن أبي طالب: إنَّه يَضُرّ ويَنفَع، وذكر
أنَّ الله لمَّا أخذَ المواثيق على ولد آدم كَتَبَ ذلك في رَقَّ وألقَمَه الحجَر، قال: وقد سمعت
رسول الله وَله يقول: ((يُؤتى يوم القيامة بالحجَر الأسوَد، وله لسان ذَلِقٍ يشهد لمن استَلَمَه
بالتوحيد)»، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف جدّاً.
وقد روى النَّسائي (٢٩٣٨) من وجه آخر ما يُشعِرِ بأنَّ عمر رَفَعَ قوله ذلك إلى النبيِّ،
أخرجه من طريق طاووسٍ عن ابن عبّاس قال: رأيت عمر قَبَّلَ الحجَر ثلاثاً، ثمَّ قال: إنَّك
حجر لا تَضُرّ ولا تَنفَع، ولولا أنّ رأيت رسول الله وَ ◌ّرَ قَبَّلك ما قَبَّلِتُك، ثمَّ قال: رأيتُ
رسول الله ﴾﴾ فعل مثل ذلك.
قال الطَّبَري: إنَّما قال ذلك عمر، لأنَّ الناس كانوا حديثي عَهدٍ بعبادة الأصنام، فخشيَ ٤٦٣/٣
عمر أن يَظُنّ الجُّال أنَّ استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب
تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يُعلِّم الناس أنَّ استلامه اتِّباع لفعلِ رسول الله وَّةِ، لا لأنَّ
الحجَر يَنفَع ويَضُرّ بذاته، كما كانت الجاهلية تَعتَقِده في الأوثان.
وقال المهلَّب: حديث عمر هذا يَرُدّ على مَن قال: إنَّ الحجَر يمين الله في الأرض
يُصافح بها عباده، ومَعَاذَ الله أن يكون لله جارحة، وإنَّما شُرِعَ تقبيله اختياراً؛ ليُعلَمَ
بالمشاهَدة طاعة مَن يُطيع، وذلك شبيه بقصَّة إبليس حيثُ أُمِرَ بالسجودِ لآدم.
وقال الخطّبي: معنى أنَّه يمين الله في الأرض: أنَّ مَن صافَحَه في الأرض كان له عند
الله عَهد، وجَرَت العادة بأنَّ العهد يَعقِده الملِك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص
به، فخاطَبَهم بما يَعْهَدونَه.

٤٠٤
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقال المحِبّ الطَّبَري: معناه: أنَّ كلّ مَلِك إذا قَدِمَ عليه الوافد قَبَّلَ يمينه، فلمَّا كان
الحاجّ أول ما يَقْدَمُ يُسَنّ له تقبيله، نُزِّلَ منزلة يمين الملك، ولله المثل الأعلى.
وفي قول عمر هذا التسليمُ للشارع في أُمور الدِّين وحُسْن الاتِّباع فيما لم يكشف عن
معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ◌َّ فیما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دَفْع
ما وقع لبعض الجُهّال من أنَّ في الحجَر الأسوَد خاصَّة تَرجِع إلى ذاته، وفيه بيان السُّنَن
بالقول والفعل، وأنَّ الإمام إذا خشيَ على أحد من فِعْلِهِ فسادَ اعتقاد، أن يُبادر إلى بيان الأمر
ويوضح ذلك، وسيأتي بقيّة الكلام على التقبيل والاستلام بعدَ تسعة أبواب (١٦١٠).
قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذي)): فيه كراهة تقبيل ما لم يَرِدِ الشَّرع بتقبيلِه، وأمَّا قول
الشافعي: ومهما قبَّلَ من البيت فحسن، فلم يُرِد به الاستحباب، لأنَّ المباح من جملة
الحسن عند الأصوليين.
تكميل: اعتَرَضَ بعض الملحِدينَ على الحديث الماضي، فقال: كيف سَوَّدَته خطايا
المشركين، ولم تُبيِّضه طاعات أهل التوحيد؟ وأُجيبَ بما قال ابن قُتَيبة: لو شاءَ الله لكان
ذلك، وإنَّما أجرى الله العادة بأنَّ السواد يصبُغ ولا يَنصَبِغ، على العكس من البياض.
وقال المحِبّ الطََّري: في بقائه أسوَد عِبْرة لمن له بصيرة، فإنَّ الخطايا إذا أثَّرَت في
الحجر الصَّلْد، فتأثيرها في القلب أشدُّ. قال: وروي عن ابن عبَّاس: إنَّا غَيّره بالسواد لئلّا
يَنظُر أهل الدنيا إلى زينة الجنَّة، فإن ثَبَتَ فهذا هو الجواب. قلت: أخرجه الحميدي في
((فضائل مگَّة)) بإسناد ضعيف، والله أعلم.
٥١- باب إغلاق البيت ويصلّي في أيِّ نواحي البيت شاء
١٥٩٨ - حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّنا الليثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم، عن أبيه أنَّه قال:
دخل رسولُ اللهِ وَّ البيتَ هو وأُسامةُ بنُ زيدٍ وبلالٌ وعثمانُ بنُ طَلْحَةَ، فأغلَقُوا عليهم، فلمَّا
فَتَحُوا كنتُ أَوَّلَ مَن وَلَجَ، فَلَقِيتُ بلالاً فسألتُه: هل صلَّى فيه رسولُ الله ◌َلاَ؟ قال: نعم، بين
العَمُودَينِ الْيَمَانَّينِ.

٤٠٥
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
كتاب الحج
قوله: «باب إغلاق البيت، ويُصلِّ في أيّ نواحي البیت شاءَ)) أورَدَ فيه حديث ابن عمر
عن بلال في صلاة النبي ◌َّه في الكعبة بين العمودين، وتُعقِّبَ بأنَّه يُغاير الترجمة من جهة
أنَّهَا تَدُلّ على التخيير، والفعل المذكور يدلّ على التعيين. وأُجيبَ بأنَّه حمل صلاة النبي ◌َّلـ
في ذلك الموضع بعَينِه على سبيل الاتِّفاق، لا على سبيل القَصْد لزيادة فضل في ذلك المكان
على غيره، ويحتمل أن يكون مراده أنَّ ذلك الفعل ليس حتماً، وإن كانت الصلاة في تلك
البُقْعة التي اختارها النبي ◌َّ أفضل من غيرها، ويؤيِّده ما سيأتي في الباب الذي يليه من
تصريح ابن عمر بنصِّ الترجمة مع كونه كان يَقصِد المكان الذي صلَّى فيه النبي ◌َّه ليصلّيَ
فيه لفضلِهِ، وكأنَّ المصنّف أشارَ بهذه الترجمة إلى الحكمة في إغلاق الباب حينئذ، وهو أولى
من دعوى ابن بَطَّال الحكمة فيه لئلا يَظُنّ الناس أنَّ ذلك سُنَّة، وهو مع ضعفه/ مُنْتَقَض ٤٦٤/٣
بأنَّه لو أراد إخفاء ذلك ما اطَّلعَ عليه بلال ومَن كان معه، وإثبات الحُكْم بذلك يكفي فيه
فعل الواحد، وقد تقدَّم بسط هذا في ((باب الغَلْق للكعبة)) من كتاب الصلاة (٤٦٨).
وظاهر الترجمة أنَّه يُشتَرَط للصلاة في جميع الجوانب إغلاقُ الباب ليصيرَ مُستَقبِلاً في
حال الصلاة غيرَ الفضاء.
والمحكي عن الحنفيَّة: الجواز مُطلَقاً، وعن الشافعية: وجهٌ مثله، لكن يُشتَرَط أن
يكون للباب عَتَبَة، بأيِّ قَدْر كانت، ووجهٌ يُشتَرَط أن يكون قَدْرَ قامة المصلِ، ووجهٌ
يُشتَرَط أن يكون قَدْرَ مُؤْخِرِ الرَّحْل، وهو المصحَّح عندهم. وفي الصلاة فوق ظَهْر الكعبة
نَظِير هذا الخلاف، والله أعلم.
وأمَّا قول بعض الشارحين: إنَّ قوله: ((ويُصلِّ في أيّ نواحي البيت شاءَ)) يُعكّر على
الشافعية فيما إذا كان البيت مفتوحاً، ففيه نظر؛ لأنَّه جعله حيثُ يُغلَق الباب، وبعدَ الغَلْق
لا تَوقُّف عندهم في الصِّحّة.
قوله: ((دخل رسول الله وَّلآل البيت)) كان ذلك في عام الفتح، كما وقع مُبيّناً في رواية يونس
ابن يزيد عن نافع عند المصنّف في كتاب الجهاد (٢٩٨٨) بزيادة فوائد، ولفظه: ((أقبَلَ النبي

٤٠٦
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وَلّ يوم الفتح من أعلى مكَّة على راحلته)»، وفي رواية فُلَيح عن نافع الآتية في المغازي
(٤٤٠٠): ((وهو مُردِف أُسامة - يعني: ابن زيد - على القَصْواء))، ثمَّ اتَّفَقا: ((ومعه بلال
وعثمان بن طلحة حتَّى أناخَ في المسجد)»، وفي رواية فُلَيح: ((عند البيت، وقال لعثمان: («ائِنا
بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب فدَخَلَ))، ولمسلم (٣٩٠/١٣٢٩) وعبد الرزاق
(٩٠٦٤) من رواية أيوب عن نافع: ثمَّ دَعَا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أُمّه فأبَتْ
أن تُعطيه، فقال: والله لتُعطينَّه أو لأُخرِ جَنَّ هذا السيف من صُلْبِي. فلمَّا رأت ذلك أعطَتْه،
فجاء به إلى رسول الله وَلّ فَفَتَحَ الباب. فَظَهَرَ من رواية فُلَيح أنَّ فاعل ((فتَحَ)) هو عثمان
المذكور، لكن روى الفاكهي - من طريق ضعيفة - عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة
يَزْعُمونَ أنَّه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذَ رسول الله وَّ المفتاح ففَتحَها بيدِه.
وعثمان المذكور هو: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العُّزى بن عبد الدار بن
قُصَيّ بن كِلاب، ويقال له: الحَجَبي، بفتح المهمَلة والجيم، ولآلِ بيته: الحَجَبة؛ لحَجْبهم
الكعبة، ويُعرَفونَ الآن بالشَّيبِّينَ: نسبة إلى شَيْبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عَمِّ
عثمان هذا لا ولده، وله أيضاً صحبة ورواية، واسم أُمّ عثمان المذكورة: سُلَافة، بضم
المهمَلة والتخفيف والفاء.
قوله: ((هو وأُسامة بن زيد وبلال وعثمان)) زاد مسلم (٣٩٤/١٣٢٩) من طريق أُخرى:
ولم يَدخُلها معهم أحد، ووقع عند النَّسائي (٢٩٠٦) من طريق ابن عَوْن عن نافع: ومعه
الفضل بن عبَّاس وأُسامة ويلال وعثمان؛ زاد الفضلَ، ولأحمد من حديث ابن عبّاس
(١٨٠١): حدَّثني أخي الفضل - وكان معه حينَ دَخَلها -: أنَّه لم يُصلِّ في الكعبة. وسيأتي
البحث فیه بعد بابین (١٦٠١).
قوله: ((فأغلَقُوا عليهم)) زاد في رواية حسَّان بن عطيَّة عن نافع عند أبي عَوَانة: ((من
داخل))، وزاد يونس: ((فمَكَثَ نهاراً طويلاً))، وفي رواية فُلَيح(١): ((زماناً)) بدل: نهاراً، وفي
(١) ستأتي برقم (٤٤٠٠)، ولكن فيها: ((نهاراً)) بدل ((زماناً)).

٤٠٧
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
كتاب الحج
رواية جُوَيريَة عن نافع التي مَضَت في أوائل الصلاة (٥٠٤): ((فأطالَ))، ولمسلم (١٣٢٩)
من رواية ابن عَوْن عن نافع: ((فمَكَثَ فيها مَليّا))، وله من رواية مُبيد الله عن نافع: ((فأجافوا
عليهم الباب طويلاً))، ومن رواية أيوب عن نافع: ((فمَكَثَ فيها ساعة))(١)، وللنَّسائي
(٢٩٠٧) من طريق ابن أبي مُلَيكة: فوَجَدتُ شيئاً، فذهبتُ ثمَّ جئت سريعاً، فوَجَدتُ النبي
﴿ل* خارجاً منها.
ووقع في ((الموطَأ)) (٣٩٨/١) بلفظ: ((فأغلَقاها عليه)) والضَّمير لعثمان وبلال، ولمسلم
من طريق ابن عَوْن عن نافع: ((فأجافَ عليهم عثمانُ البابَ))، والجمع بينهما أنَّ عثمان هو
المباشر لذلك، لأنَّه من وظيفته، ولعلَّ بلالاً ساعَدَه في ذلك. ورواية الجمع يَدخُل فيها
الآمر بذلك والرّاضي به.
قوله: ((فلمَّا فَتَحُوا كنت أوَّلَ مَن وَلَجَ)) في رواية فُلَيح: ((ثُمَّ خرج، فابتَدَرَ الناسُ
الدُّخول فسَبَقتُهم))، وفي رواية أيوب(٢): ((وكنت رجلاً شاباً قويّاً فبادرتُ الناس
فَبَدَرْتُهم)، وفي رواية جُوَيرِيَة: «كنت أول الناس وَلَجَ على أثره))، وفي رواية ابن عَوْنَ
((فَرَقِيت الدَّرَجة/ فدخلت البيت))، وفي رواية مجاهد الماضية في أوائل الصلاة (٣٩٧) عن ٤٦٥/٣
ابن عمر: ((وأجد بلالاً قائماً بين البابينِ)). وأفاد الأزرَقي في ((كتاب مكَّة)) (٢٦٧/١): أنَّ
خالد بن الوليد كان على الباب يَذُبّ عنه الناس، وكأنَّه جاء بعدَما دخل النبيِ وَسَلّ وأغلَق.
قوله: ((فلَقِيت بلالاً فسألته)) زاد في رواية مالك عن نافع الماضية في أوائل الصلاة
(٥٠٥): ((ما صَنَعَ؟))، وفي رواية جُوَيريَة (٥٠٤) ويونس (٢٩٨٨) وجمهور أصحاب نافع:
((فسألتُ بلالاً: أينَ صلَّ؟)) اختَصَروا أول السُّؤال، وثَبَتَ في رواية سالم هذه حيثُ قال:
((هل صلَّى فيه؟ قال: نعم))، وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مُلَيكة(٣) عن ابن عمر: ((فقلت:
(١) سلفت عند البخاري برقم (٤٦٨)، وليست هي عند مسلم من طريق أيوب عن نافع بهذا اللفظ، كما
يُفهم من ظاهر السياق.
(٢) عند عبد الرزاق (٩٠٦٤).
(٣) رواية مجاهد سلفت عند البخاري برقم (٣٩٧)، ورواية ابن أبي مليكة عند النسائي (٢٩٠٧).

٤٠٨
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
أصلَّى النبيِنَّ في الكعبة؟ قال: نعم)) فظَهَرَ أَنَّه استَئْبَتَ أولاً هل صلَّى أو لا، ثمَّ سألَ عن
موضع صلاته من البيت.
ووقع في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم (١٣٢٩ / ٣٩٤): ((فأخبرني بلال أو
عثمان بن طلحة)) على الشكِّ، والمحفوظ أنَّه سألَ بلالاً كما في رواية الجمهور.
ووقع عند أبي عَوَانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن ابن عمر: أنَّه سألَ بلالاً
وأُسامة بن زيد حينَ خَرَجا: أينَ صلَّى النبي ◌َّ فيه؟ فقالا: على جِهَته. وكذا أخرجه
البَزَّار نحوه، ولأحمد (٢١٧٨٠) والطبراني (١ / ٤٠٦) من طريق أبي الشَّعثاء عن ابن عمر
قال: أخبرني أُسامة: أنَّه صلَّى فيه هاهنا، ولمسلم (١٣٢٩/ ٤٩١) والطبراني من وجه آخر:
((فقلت: أينَ صلَّى النبيِ نَّهَ فقالوا))، فإن كان محفوظاً ◌ُلَ على أنَّه ابتَدَأ بلالاً بالسُّؤال كما
تقدَّم تفصيله، ثمّ أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة فسألَ عثمانَ أيضاً وأُسامةَ، ويؤيِّد
ذلك قوله في رواية ابن عَوْن عند مسلم (٣٩٢/١٣٢٩): ((ونسيت أن أسألهم كم صلَّى))
بصيغة الجمع، وهذا أولى من جَزْم عياض بوَهم الرواية التي أشرنا إليها عند مسلم، وكأنَّه
لم يَقِف على بقيَّة الروايات.
ولا يعارض قِصَّتَه مع قصَّة أُسامة ما أخرجه مسلم أيضاً (٣٩٥/١٣٣٠) من حديث
ابن عبّاس: أنَّ أُسامة بن زيد أخبَرَه: أنَّ النبيِنَّه لم يُصلِّ فيه، ولكنَّه كَبَّرَ في نواحيه. فإنَّه
يُمكِن الجمع بينهما بأنَّ أُسامة حيثُ أثبَتَها اعتَمَدَ في ذلك على غيره، وحيثُ نفاها أراد ما
في علمه لكَونِه لم يَرَهُ وَّ حِينَ صلَّى. وسيأتي مزيد بسط فيه بعدَ بابينٍ في الكلام على
حديث ابن عبّاس (١٦٠١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((بين العَمُودَينِ اليَمَانيين)) في رواية جُوَيرِيَة (٥٠٤): بين العمودين المقدَّمَين، وفي
رواية مالك، عن نافع (٥٠٥): جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره، وفي رواية عنه
(٥٠٥): عمودينٍ عن يمينه. وقد تقدَّم الكلام على ذلك مبسوطاً في ((باب الصلاة بين
السواري)) بما يُغني عن إعادته، لكن نذكر هنا ما لم يتقدَّم ذِكْره.

٤٠٩
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
كتاب الحج
فوقع في رواية فُلَيح الآتية في المغازي (٤٤٠٠): بين ذَينِكَ العمودين المقدَّمَين، وكان
البيت على ستَّة أعمِدة سَطْرَين، صلَّى بين العمودينِ من السطر المقدَّم وجعل باب البيت
خَلْف ظهره. وقال في آخر روايته: وعند المكان الذي صلَّى فيه مَرمَرةٌ حمراء. وكلّ هذا
إخبار عمّا كان عليه البيت قبل أن يُهدَم ويُبنى في زَمَن ابن الزُّبَير، فأمَّا الآن فقد بێّن موسی
ابن عُقْبةَ في روايته عن نافع كما في الباب الذي يليه (١٥٩٩): أنَّ بين مَوقِفِه وَلآل وبين
الجدار الذي استَقبَله قريباً من ثلاثة أذرُع، وجَزَمَ برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فيما
أخرجه أبو داود (٢٠٢٤) من طريق عبد الرحمن بي مَهْدي، والدارَقُطني في ((الغرائب)) من
طريقه وطريق عبد الله بن وَهْب وغيرهما عنه، ولفظه: وصلَّ وبينه وبين القِبْلة ثلاثة أذرُع.
وكذا أخرجها أبو عَوَانة من طريق هشام بن سعد عن نافع، وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرُع،
لكن رواه النَّسائي (٧٤٩) من طريق ابن القاسم عن مالك بلفظ: نحو من ثلاثة أذرُع،
وهي موافقة لرواية موسى بن عُقْبة.
وفي (كتاب مكَّة)) للأزرَقي (١/ ٢٧١) والفاكهي من وجه آخر: أنَّ معاوية سألَ ابن
عمر: أينَ صلَّى رسول الله وَلَّ؟ فقال: اجعَل بينك وبين الجِدار ذِراعَينِ أو ثلاثة. فعلى هذا
ينبغي لمن أراد الاتِّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجِدار ثلاثة أذرُع، فإنَّه تَقَع قَدَماه في
مكان قَدَمَيه ◌َّلهوإن كانت ثلاثة أذرُع سواء، وتَفَع رُكبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقلّ من
ثلاثة، والله أعلم.
وأمَّا مقدار صلاته حينئذٍ فقد تقدَّم البحث فيه في أوائل الصلاة (٣٩٧)، وأشرت إلى ٤٦٦/٣
الجمع بين رواية مجاهد عن ابن عمر: أنَّه صلَّى ركعتين، وبين رواية مَن روى عن نافع: أنَّ
ابن عمر قال: نسيتُ أن أسأله كم صلَّى، وإلى الردّ على من زَعَمَ أنَّ روایة مجاهد غلط بما فيه
مَقْنَعٌ بحمد الله تعالى.
وفي هذا الحديث من الفوائد: روايةُ الصاحب عن الصاحب، وسؤال المفضول مع
وجود الأفضل والاكتفاء به، والحُجّة بخبر الواحد، ولا یقال: هو أيضاً خبرُ واحد، فكيف

٤١٠
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
يُحْتَجّ للشيءِ بنفسه؟ لأنّا نقول: هو فرد ينضمُّ إلى نظائرَ مثله يُوجِب العلم بذلك، وفيه
اختصاص السابق بالبُقعة الفاضلة، وفيه السُّؤال عن العلم والخِرص فيه، وفضيلة ابن
عمر لشِدّة حرصه على تَتَبُّع آثار النبي ◌َِّ لِيَعمَل بها، وفيه أنَّ الفاضل من الصحابة قد
كان يغيب عن النبي ◌َّه في بعض المشاهد الفاضلة، وتَحِضُره مَن هو دونه فيَطَّلِعِ على ما لم
يَطَّلِع عليه، لأنَّ أبا بكر وعمر وغيرهما ممَّن هو أفضل من بلال ومَن ذُكِرَ معه لم يُشاركوهم
في ذلك.
واستَدَلَّ به المصنّف فيما مضى على أنَّ الصلاة إلى المقام غير واجبة، وعلى جواز الصلاة
بين السواري في غير الجماعة، وعلى مشروعية الأبواب والغَلْق للمساجد.
وفيه أنَّ السُّترة إِنَّا تُشْرَع حيثُ يُخشى المرور، فإِنَّه ◌َلّ صلَّى بين العمودينِ ولم يُصلِّ إلى
أحدهما، والذي يظهر أنَّه تَرَك ذلك للاكتِفاء بالقُربِ من الجِدار كما تقدَّم أنَّه كان بين
مُصلَّاه والجدار نحو ثلاثة أذرُع، وبذلك ترجم له النَّسائي على أنَّ حَدّ الدُّنوّ من السُّترة أن
لا یکون بینھما أکثر من ثلاثة أذرُع.
ويُستفاد منه أنَّ قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطَّوافُ، مخصوص بغير داخل
الكعبة، لكَونِهِ وَيَّ جاء فأناخَ عند البيت، فدَخَله فصلَّى فيه ركعتَين، فكانت تلك الصلاة
إمّا لكون الكعبة كالمسجد المستَقِلّ، أو هو تحية المسجد العامّ، والله أعلم.
وفيه استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خُزَيمةَ (٣٠١٣) والبيهقي (١٥٨/٥)
من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((مَن دخل البيت دخل في حسنة وخرج مغفوراً له)) قال
البيهقي: تفرَّد به عبد الله بن المؤَمَّل وهو ضعيف، ومحلّ استحبابه ما لم يُؤذِ أحداً بدخولِه.
وروى ابن أبي شَيْبة(١) من قول ابن عبّاس: إنَّ دخول البيت ليس من الحج في شيء.
وحكى القُرطُبي عن بعض العلماء: أنَّ دخول البيت من مناسك الحج، ورَدَّه بأنَّ النبي ◌ِّ
إنَّما دَخَله عام الفتح ولم يكن حينئذٍ مُرِماً.
(١) في ((مصنفه)) برقم (١٣٣١٧) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٤١١
باب ٥١ / ح ١٥٩٨
كتاب الحج
وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٠٢٩) والتِّرمِذي (٨٧٣) وصَحَّحَه هو وابن خُزيمة (٣٠١٤)
والحاكم (٤٧٩/١) عن عائشة: أنَّه ◌ِ له خرج من عندها وهو قَرِيرُ العَين، ثمَّ رَجَعَ وهو
كَئِيب فقال: ((دخلتُ الكعبة فأخاف أن أكون شَقَقت على أُمَّتي)) فقد يُتمسَّك به لصاحبٍ
هذا القول المحكي، لكونِ عائشة لم تکن معه في الفتح ولا في عمرته، بل سيأتي بعدَ بابینِ
أنَّه لم يَدخُل في الكعبة في عمرته، فَتَعيَّن أنَّ القصَّة كانت في حَجَّته وهو المطلوب، وبذلك
جَزَمَ البيهقي، وإنَّما لم يَدخُل في عمرته لمَا كان في البيت من الأصنام والصّوَر كما سيأتي،
وكان إذ ذاك لا يُتمكَّن من إزالَتها، بخلاف عام الفتح. ويحتمل أن يكون بَّ قال ذلك
لعائشة بالمدينة بعدَ رُجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، وسيأتي النَّقل عن جماعة من
أهل العلم أنَّه لم يَدخُل الكعبة في حَجَّته.
وفيه استحباب الصلاة في الكعبة، وهو ظاهر في النَّفل، ويَلتَحِق به الفرض إذ لا فرق
بينهما في مسألة الاستقبال للمُقيم وهو قول الجمهور، وعن ابن عبّاس: لا تَصِحّ الصلاة
داخلها مُطلَقاً، وعَلَّله بأنَّه يَلزَم من ذلك استدبار بعضها، وقد وَرَدَ الأمر باستقبالها،
فُيُحمَل على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكية والظاهرية والطَّبَري. وقال المازري:
المشهور في المذهب مَنْع صلاة الفرض داخلها ووجوبُ الإعادة. وعن ابن عبد الحَكَم:
الإجزاء، وصَحَّحَه ابن عبد البَرِّ وابن العربي. وعن ابن حَبيب: يُعيد أبداً، وعن أصبَغَ: إن
كان مُتَعَمِّداً، وأطلقَ التِّرمِذي عن مالك جواز النَّوافل، وقَيَّدَه بعض أصحابه بغير
الرَّواتب وما تُشْرَعُ(١) فيه الجماعة، وفي ((شرح العمدة)) لابن دقيق العيد: كَرهَ مالك
الفرض / أو مَنَعَه، فكأنَّه أشارَ إلى اختلاف النَّقل عنه في ذلك.
ويَلتَحِقِ بهذه المسألة الصلاة في الحِجر، ويأتي فيها الخلاف السابق في أول الباب في
الصلاة إلى جهة الباب، نعم إذا استَدبَرَ الكعبة واستَقبَلَ الحِجر لم يَصِحّ على القول بأنَّ
تلك الجهة منه ليست من الكعبة، ومن المشكِل ما نقله النَّوَوي في ((زوائد الرَّوضة)) عن
٤٦٧/٣
(١) تصحفت في (س) إلى: تسرع.

٤١٢
باب ٥٢-٥٣ / ح ١٥٩٩ - ١٦٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
الأصحاب: أنَّ صلاة الفرض داخل الكعبة - إن لم يُرجَ جماعةٌ - أفضل منها خارجها،
ووجه الإشكال أنَّ الصلاة خارجها مُتَّفَق على صِحَّتها بين العلماء بخلاف داخلها،
فكيف يكون المختلَف في صِحَّته أفضل من المتَّفَقّ.
٥٢ - باب الصلاة في الكعبة
١٥٩٩ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه كان إذا دخل الكعبةَ مَشَى قِبَلَ الوَجْه حينَ يَدخُلُ، ويَجْعَلُ البابَ قِبَلَ
الظَّهْرِ يَمْشي حتَّى يكونَ بينه وبين الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وجْهِه قريباً من ثلاثٍ أذرُع، فيُصلِّي
يَتَوخَّى المكانَ الَّذي أخبَرَه بلالٌ أنَّ رسولَ الله {آلێِ صَلَّی فیه. ولیس على أحدٍ بأس أن يُصلَِّ في
أيِّ نَواحي البيتِ شاءً.
قوله: «باب الصلاة في الكعبة» أورد فيه حديث ابن عمر في ذلك من طريق عبد الله بن
المبارَك عن موسى بن عُقْبةً عن نافع.
قوله: ((قِبَل)) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: مُقابل.
قوله: ((يَتَوَخّى)) بتشديد الخاء المعجمة، أي: يَقصِد.
قوله: ((وليس على أحد بأس ... )) إلى آخره، الظاهر أنَّه من كلام ابن عمر، مع احتمال أن
يكون من كلام غيره، وقد تقدَّم الحديث المرفوع في كتاب الصلاة في ((باب الصلاة بين
السواري)) (٥٠٤).
٥٣- باب من لم يدخل الكعبة
وكان ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يَحُجُ كثيراً ولا يَدخُل.
١٦٠٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن
عبدِ الله بنِ أبي أوَى قال: اعتَمَرَ رسولُ اللهِ وَّهِ فطاف بالبيتِ، وصَلَّى خَلْفَ المقام رَكْعَتَيْنِ،
ومعه مَن يَسْتُه من الناس، فقال له رجلٌ: أَدَخَلَ رسولُ اللهِوَّةِ الكعبةَ؟ قال: لا.
[أطرافه في: ١٧٩١، ٤١٨٨، ٤٢٥٥]

٤١٣
باب ٥٣ / ح ١٦٠٠
كتاب الحج
قوله: ((باب مَن لم يَدخُل الكعبة)) كأنَّه أشارَ بهذه الترجمة إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ
دخولها من مناسك الحج، وقد تقدَّم البحث فيه قبلُ بباب، واقتَصَرَ المصنّف على
الاحتجاج بفعل ابن عمر، لأنَّه أشهَر مَن روى عن النبيِ نَّه دخول الكعبة، فلو كان
دخولها عنده من المناسك لمَا أخلَّ به مع گَثْرة اتباعه.
قوله: ((وكان ابن عُمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه سفيان الثَّوري في ((جامعه)) من رواية
عبد الله بن الوليد العَدَني عنه عن حَنظَلة عن طاووسٍ قال: كان ابن عمر يَحُجّ كثيراً ولا
يَدخُل البيت. وأخرجه الفاكهي في ((كتاب مكَّة)) من هذا الوجه.
قوله: «خالد بن عبد الله)» هو الطّحّان البصري، وهذا الإسناد نصفه بصري ونصفه كوفي.
قوله: ((اعتَمَرَ)) أي: في سنة سبع عام القَضيَّة.
قوله: ((أَدَخَلَ رسول الله وَِّ الكعبةَ؟» الهمزة للاستفهام، أي: في تلك العمرة.
قوله: ((قال: لا)) قال النَّوَوي: / قال العلماء: سببُ تَرْك دخوله ما كان في البيت من ٤٦٨/٣
الأصنام والصُّوَر، ولم يكن المشركونَ يَترُكونه ليغَيِّرها، فلمَّا كان في الفتح أَمَرَ بإزالة
الصُّوَر ثمَّ دَخَلها، يعني: كما في حديث ابن عبّاس الذي بعده.
ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشَّرط، فلو أراد دخوله لَمَنَعوه كما مَنَعوه
من الإقامة بمكّة زيادةً على الثلاث، فلم يَقصِد دخوله لئلا يمنعوه.
وفي ((السّيرة)) عن عليّ: أنَّه دَخَلها قبلَ الهجرة فأزالَ شيئاً من الأصنام، وفي ((الطَّبقات))
عن عثمان بن طلحة نحو ذلك، فإن ثَبَتَ ذلك لم يُشكِل على الوجه الأول؛ لأنَّ ذلك
الدُّخول كان لإزالة شيء من المنكرات لا لقَصد العبادة، والإزالة في الهدنة كانت غير مُمكِنة
بخلاف يوم الفتح.
تنبيه: استَدَلَّ المحبّ الطََّري به على أنَّه ◌َل﴾ دخل الكعبة في حجّته وفي فتح مگَّة، ولا
دلالة فيه على ذلك، لأنَّه لا يَلزَم من نفي كونه دَخَلها في عمرته أنَّه دَخَلها في جميع أسفاره،
والله أعلم.

٤١٤
باب ٥٤ / ح ١٦٠١
فتح الباري بشرح البخاري
٥٤- باب من كبَّر في نواحي الكعبة
١٦٠١- حدَّثنا أبو مَعمٍَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، حدَّثْنَا عِكْرمةُ، عن ابنِ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ رسولَ اللهَوَّهِ لمَّا قَدِمَ أبَى أن يَدخُلَ البيتَ وفيه الآلهةُ، فأمَرَ
بها فأُخرِجَت فأخرَجُوا صورةَ إبراهيم وإسماعيلَ في أيدِيهما الأزلامُ، فقال رسولُ الله ◌َيات.
((قاتَلَهم الله! أمَ والله لقد عَلِمُوا أنَّهما لم يَسْتَفْسِما بها قَطُّ))، فدخل البيتَ فكَبَّرَ في نواحيه ولم
◌ُصلِّ فیه.
قوله: ((باب مَن كَبَّرَ في نواحي الكعبة)) أورَدَ فيه حديث ابن عبّاس: أنَّهِوَ كَبَّرَ في
البيت ولم يُصلِّ فیه. وصَحَّحَه المصنِّف واحتَجَّ به مع کونه یری تقدیم حدیث بلال في
إثباته الصلاة فيه عليه، ولا مُعارضة في ذلك بالنّسبة إلى الترجمة، لأنَّ ابن عبّاس أثبَتَ
التكبير ولم يَتعرَّض له بلال، وبلال أثبَتَ الصلاة ونفاها ابن عبّاس، فاحتَجَّ المصنِّف بزيادة
ابن عبّاس. وقد يُقدَّم إثبات بلال على نفي غيره لأمرين: أحدهما أنَّه لم يكن مع النبي ◌ِّل
يومئذٍ وإنَّما أسنَدَ نفيه تارة لأسامة وتارة لأخيه الفضل، مع أنَّه لم يَتْبُت أنَّ الفضل كان
معهم إلَّا في رواية شاذَّة، وقد روى أحمد (١٨٠١) من طريق ابن عبّاس عن أخيه الفضل
نفيَ الصلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقّاه عن أُسامة، فإنّه كان معه كما تقدَّم، وقد مضى في
كتاب الصلاة (٣٩٨) أنَّ ابن عبّاس روى عنه نفي الصلاة فيها عند مسلم (٣٩٥/١٣٣٠)،
وقد وقع إثبات صلاته فيها عن أُسامة من رواية ابن عمر عن أُسامة عند أحمد (٢١٧٨٠)
وغيره، فتَعارَضَت الرواية في ذلك عنه، فَتَرَجَّح رواية بلال من جهة أنَّه مُثبِت وغیرُه
نافٍ، ومن جهة أنَّه لم يُخْتَلَف عليه في الإثبات واختُلِفَ على مَن نفى.
وقال النَّوَوي وغيره: يُجمَع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنَّهم لمَّا دَخَلوا الكعبة
اشْتَغَلوا بالدُّعاء، فرأى أُسامة النبي ◌َّ- يدعو، فاشتَغَلَ أسامة بالدُّعاء في ناحية والنبي وَل
في ناحية، ثمَّ صلَّى النبي ◌َّه فرآه بلال لقُربِه منه، ولم يَرَه ◌ُسامة لبُعدِه واشتغاله، ولأنَّ
بإغلاق الباب تكون الظُّلمة مع احتمال أن يَحِجُبه عنه بعض الأعمِدة فنفاها عملاً بظَنِّه.

٤١٥
باب ٥٤ / ح ١٦٠١
كتاب الحج
وقال المحِبّ الطَّبَري: يحتمل أن يكون أُسامة غابَ عنه بعدَ دخوله لحاجة فلم يَشهَد
صلاته. انتھی.
ويَشهَد له ما رواه أبو داود الطَّيالسي في («مسنده)) (٦٢٣) عن ابن أبي ذِئب عن
عبد الرحمن بن مهران عن عُمَير مولى ابن عبّاس عن أسامة قال: دخلت على رسول الله وَله
في الكعبة، فرأى صوَراً، فَدَعَا بدَلوٍ من ماء، فأتيته به فضَرَبَ به الصُّوَر. فهذا الإسناد جيِّد.
قال القُرطُبي: فلعلَّه استصحَبَ النَّفي لسُرعة عَودِه، انتهى.
وهو مُفَرَّع على أنَّ هذه القصّة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن فقد روى عمر بن شَبّة في ٤٦٩/٣
((كتاب مكَّة)) من طريق عليّ بن بَذيمةَ - وهو تابعي، وأبوه بفتح الموحّدة ثمَّ معجمة وزن
عظيمة - قال: دخل النبي وَلّ الكعبة ودخل معه بلال، وجَلَسَ أُسامة على الباب، فلمَّا
خرج وَجَدَ أُسامة قد احتَبى، فأخذَ بحَبْوَتِه فحَلَّها ... الحديث، فلعلَّه احتَبى فاستراحَ
فَنَعَسَ فلم يُشاهد صلاته، فلمَّا سُئِلَ عنها، نفاها مُستصحِباً للنَّفي لِقِصَرِ زَمَن احتبائه، وفي
كلّ ذلك إِنَّمَا نَفى رُؤيَته لا ما في نفس الأمر.
ومنهم مَن جمع بین الحدیثین بغیر ترجیح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجُه:
أحدها: حمُلُ الصلاة المثبتة على اللُّغَوية، والمنفيَّة على الشَّرعية، وهذه طريقة مَن يَكرَه
الصلاة داخل الكعبة فرضاً ونفلاً، وقد تقدَّم البحث فيه، ويَرُدّ هذا الحمْل ما تقدَّم في
بعض طرقه من تعيين قَدْر الصلاة، فظَهَرَ أنَّ المراد بها الشَّرعية لا مجرَّد الدُّعاء.
ثانيها: قال القُرطُبي: يُمكِن حملُ الإثبات على التطوُّع والنَّفي على الفرض، وهذه
طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدَّم البحث فيها.
ثالثها: قال المهلَّب شارح ((البخاري)): يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين، صلَّى
في إحداهما ولم يُصلِّ في الأُخرى.
وقال ابن حِبَّان (٤٨٣/٧ - ٤٨٤): الأشبه عندي في الجمع أن يُجعَل الخبران في وقتینِ،
فيقال: لمَّا دخل الكعبة في الفتح صلَّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويُجعَل نفي

٤١٦
باب ٥٤ / ح ١٦٠١
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عبّاس الصلاةَ في الكعبة في حَجَّته التي حجَّ فيها؛ لأنَّ ابن عبّاس نفاها وأسنَدَه إلى
أسامة، وابن عمر أثبَتَها وأسنَدَ إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضاً، فإذا حُمِلَ الخبر على ما
وصَفْنا بَطَلَ التَّعارُض.
وهذا جمعٌ حسن، لكن تعقَّبه النَّوَوي بأنَّه لا خلاف أنَّه وَ ل# دخل في يوم الفتح لا في
حَجَّة الوداع، ويشهد له ما روی الأزرقي في «کتاب مگَّة)» (٢٧٣/١) عن سفيان عن غیر
واحد من أهل العلم: أنَّه ◌ِ لهَ إِنَّما دخل الكعبة مرَّة واحدة عام الفتح ثمَّ حَّ فلم يَدخُلها.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دَخَلها عام الفتح مرَّتين، ويكون المراد بالوَحْدة
التي في خبر ابن عُيَينةَ وَحْدة السفر لا الدُّخول.
وقد وقع عند الدارَ قُطني (١٧٤٩) من طريق ضعيفة ما يَشهَد لهذا الجمع، والله أعلم.
ويؤيِّد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شَبّة في ((كتاب مكَّة)) من طريق حمّاد عن أبي
تَمْرة (١) عن ابن عبّاس قال: قلت له: كيف أُصَلّي في الكعبة؟ قال: كما تُصَلّي في الجنازة،
تُسَبِّح وتُكَبِر ولا تَركَع ولا تَسجُد، ثمَّ عند أركان البيت سَبِّح وكَبِرٍ وتَضَرَّع واستَغفِر، ولا
تَرگع ولا تسجُد. وسنده صحيح.
قوله: ((وفيه الآلهة)) أي: الأصنام، وأُطلِقَ عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يَزْعُمون، وفي
جواز إطلاق ذلك وقفة، والذي يظهر كراهته، وكانت تماثيل على صوَر شَتَّى، فامتَنَعَ النبي ◌ِّ
من دخول البيت وهي فيه، لأنَّه لا يُقِرُّ على باطل، ولأنَّه لا يُحِبّ فِراق الملائكة وهي لا
تَدخُل ما فيه صورة.
قوله: ((الأزلام)) سيأتي شرحها مُبيّناً حيثُ ذكرها المصنّف في تفسير المائدة(٢).
قوله: ((أمَ والله)) كذا للأكثر، ولبعضهم: ((أما)) بإثبات الألف.
(١) تصحف في (س) إلى: أبي حمزة، وهو أبو جمرة الضبعي، واسمه نصر بن عمران.
(٢) في باب قوله تعالى: ﴿إِنََّاَ لَّْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ قبل الحديث رقم
(٤٦١٦).

٤١٧
باب ٥٥ / ح ١٦٠٢
كتاب الحج
قوله: ((لقد عَلِمُوا)) قيل: وجه ذلك أنَّهم كانوا يَعلَمونَ اسم أول مَن أحدَثَ الاستقسام
بها، وهو عَمْرو بن لُخُيّ، وكانت نسبَتهم إلى إبراهيم ووَلَده الاستقسام بها افتِراءً عليهما
لتقدُّمِھما على عمرو.
٥٥ - باب كيف كان بَدْءُ الرَّمَل
١٦٠٢ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادٌ - هو ابنُ زيدٍ - عن أيوبَ، عن سعيد بنِ
مُجُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ رسولُ الله وَّةِ وأصحابُه، فقال المشركُون: إنَّه
يَقْدَمُ عليكُمْ وَقْدُّ وهَنَهم مَُّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهم النبيُّ ◌َّهِ أَن يَرْمُلُوا الأشواطَ الثَّلاثةَ، وأن
يَمْشُوا ما بين الرُّكْنَينِ، ولم يَمْنَعْهُ أن يأمرَهم أن/ يَرْمُلُوا الأشواطَ كلَّها إلا الإبقاءُ عليهم.
[طرفه في: ٤٢٥٦]
٤٧٠/٣
قوله: ((باب كيف كان بَدْء الرَّمَل)) أي: ابتداء مشروعيته، وهو بفتح الراء والميم: هو
الإسراع، وقال ابن دُرَيدٍ: هو شبيه بالهَرَوَلة، وأصله أن يُحُرِّك الماشي مَنكِيَيه في مَشِْهِ، وذكر
حديث ابن عبّاس في قصَّة الرَّمَل في عُمْرة القضيَّة، وسيأتي الكلام عليه مُستوفَّى في
المغازي (٤٢٥٦)، وعلى ما يتعلَّق بحُكم الرَّمَل بعدَ باب.
قوله: ((أن يَرْمُلُوا)) بضم الميم، وهو في موضع مفعول ((يأمرهم))، تقول: أمَرتُه كذا،
وأمَرتُه بكذا.
و ((الأشواط)) بفتح الهمزة بعدها معجمة: جمع شَوْط، بفتح الشّين: وهو الجَري مرَّةً إلى
الغاية، والمراد به هنا الطَّوفة حول الكعبة.
و(الإبقاء)) بكسر الهمزة وبالموحّدة والقاف: الرِّفق والشَّفَقة، وهو بالرفع على أنَّه فاعل
((لم يمنعه)) ويجوز النصب.
وفي الحديث جواز تسمية الطَّوفة شَوطاً، ونُقِلَ عن مجاهد والشافعي كراهته، ويُؤخَذ
منه جواز إظهار القوّة بالعُدَّةِ والسِّلاح ونحو ذلك للكفَّار إرهاباً لهم، ولا يُعَدّ ذلك من
الرّياء المذموم. وفيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول، وربَّما كانت بالفعل أولى.

٤١٨
باب ٥٦-٥٧ / ح ١٦٠٣ - ١٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥٦ - باب استلام الحجر الأسود حين يَقدَمُ مكّة أوّلَ ما يَطُوفُ، ويَرْمُلُ ثلاثاً
١٦٠٣ - حدَّثنا أصبَغُ بنُ الفَرَجِ، أخبرني ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهاب، عن
سالم، عن أبيه﴾ قال: رأيتُ رسولَ الله وَِّ حِينَ يَقْدَمُ مكَّةَ إذا استَلَمَ الزُّكْنَ الأسوَدَ أوَّلَ ما
يَطُوفُ يَخُبُّ ثلاثةَ أَطوافٍ من السَّبْعِ.
[أطرافه في: ١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤]
قوله: ((باب استِلام الحجَر الأسوَد حينَ يَقْدَم مَكَّة أوَّلَ ما يَطُوف، ويَرْمُلُ ثلاثاً) أورَدَ فيه
حديث ابن عمر في ذلك، وهو مُطابق للترجمة من غير مزید.
قوله: (يُبّ)) بفتح أوله وضم الخاء المعجمة بعدها موحّدة، أي: يُسرِع في مَشيه،
والخَبَب، بفتح المعجَمة والموخَّدة بعدها موحّدة أُخرى: العَدْو السريع، يقال: خَبَّتِ الدابّةُ:
إذا أسرَعَت وراوَحَت بين قَدَمَيها، وهذا يُشعِرِ بترادُف الرَّمَل والخَبَب عند هذا القائل.
وقوله: ((أوَّل)) منصوب على الظَّرف.
وقوله: ((من السَّبْع)) بفتح أوله، أي: السبع طَوْفات، وظاهره أنَّ الرَّمَل يستوعِب
الطَّوفة، فهو مُغاير لحديث ابن عبّاس الذي قبله، لأنَّه صريح في عَدَم الاستيعاب، وسيأتي
القول فيه في الباب الذي بعده في الكلام على حديث عمر، إن شاء الله تعالى.
٥٧ - باب الرّمَل في الحجّ والعمرة
١٦٠٤ - حدَّثني محمَّدٌ - هو ابن سَلَام - حدَّثنا سُرَيجُ بنُ الُّعْمان، حدَّثْنَا فُلَيِحٌ، عن نافع، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: سَعَى النبيُّ ◌َّه ثلاثةَ أشواطٍ، ومَشَى أربعةً في الحجّ والعُمْرةِ.
تابَعَه الليثُ، قال: حدَّثني كَثيرُ بنُ فَرْقَدٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن
النبيِّ وَّة.
١٦٠٥ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني زيدُ بنُ أسلَمَ،
عن أبيه: أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ ﴾ قال للُّكْنِ: أما والله إني لأعلمُ أنَّكَ حجرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ،

٤١٩
باب ٥٧ / ح ١٦٠٤ - ١٦٠٦
كتاب الحج
ولولا أنّي رأيتُ النبيَّ ◌َّهَاستَلَمَكَ ما استَلَمْتُك. فاستَلَمَه، ثمَّ قال: ما لنا ولِلرَّمَلِ؟! إِنَّا كنَّا
راءَينا به المشركِينَ، وقد أهلَكَهم الله. ثمَّ قال: شيءٌ صَنَعَه النبيُّ وَّه فلا نُحِبُّ أن نْكَه.
١٦٠٦ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما
قال: ما تَرَكْتُ اسْتِلامَ هَذَينِ الرُّكْنَينِ في شِدّةٍ ولا رَخاءٍ مُنْذُ رأيتُ النبيَّ وَّهِ يَسْتَلِمُها.
قلتُ لِنافعٍ: أكان ابنُ عمَرَ يَمْشي بين الرُّكْنَينِ؟ قال: إنَّما كان يَمْشِي ليكونَ أيسَرَ
لاستلامهِ.
[طرفه في: ١٦١١]
قوله: ((باب الرَّمَل في الحجّ والعُمْرة)) أي: في بعض الطَّواف، والقَصد إثبات بقاء ٤٧١/٣
مشروعيته، وهو الذي عليه الجمهور. وقال ابن عبّاس: ليس هو بسُنَّة، مَن شاءَ رَمَلَ ومَن
شاءً لم يَرمُل.
قوله: ((حدَّثني محمَّد: هو ابن سَلَامٍ)) كذا لأبي ذرِّ، وللباقينَ سوى ابن السَّكَن غير
منسوب، وأمَّا أبو نُعَيم فقال بعد أن أخرج الحديث من طريق محمد بن عبد الله بن نُمَير
عن سُرَيج: أخرجه البخاري عن محمد، ويقال: هو ابن نُمَير. ورَجَّحَ أبو عليّ الجَيَّاني أنَّه
محمد بن رافع لكَونِه روى في موضع آخر عنه عن سُرَيج، ويحتمل أن يكون ابنَ يحيى
الذُّهْلي، وهو قول الحاكم.
والصواب أنَّه ابن سَلَام، كما نَسَبَه أبو ذرّ، وجَزَمَ بذلك أبو عليّ بن السَّكَن في روايته،
على أنَّ سُرَيْجاً شيخ محمدٍ فيه قد أخرج عنه البخاري بغير واسطة في الجمعة (٩٠٤)
وغيرها، فيحتمل أن يكون محمد هو البخاري نفسه، والله أعلم.
قوله: ((سَعَى)) أي: أسرَعَ المشي في الطَّوْفات الثلاث الأُوَل.
وقوله: ((في الحجّ والعُمْرة) أي: حَجَّة الوداع وعُمْرة القضيَّة؛ لأنَّ الحُديبية لم يُمگّن فيها
من الطَّواف، والجِعْرانة لم يكن ابن عمر معه فيها ولهذا أنكَرَها، والتي مع حَجَّته اندَرَجَت

٤٢٠
باب ٥٧ / ح ١٦٠٤ - ١٦٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
أفعالها في الحج، فلم يَبقَ إلَّا عُمْرة القضيّة. نعم عند الحاكم من حديث أبي سعيد: رَمَلَ
رسول الله في حَجَّته وعُمَره كلّها وأبو بكر وعمر والخلفاء(١).
قوله: ((تابَعَه الليث، قال: حدَّثني كثير ... )) إلى آخره، وَصَلها النَّسائي (٢٩٤٣) من
طريق شعيب بن الليث عن أبيه، والبيهقي (٨١/٥) من طريق يحيى بن بُكَير عن الليث
قال: حدَّثني، فذكره بلفظ: إنَّ عبد الله بن عمر كان يَخُبّ في طوافه حينَ يَقدَم في حَجِّ أو
عمرةٍ ثلاثاً، ويمشي أربعاً، قال: وكان رسول الله وَ ﴿ يفعل ذلك.
قوله: ((أنَّ عُمَر بن الخطّاب ﴾ قال للُّكْن)) أي: للأسوَد، وظاهره أنَّه خاطَبَه بذلك،
وإنَّما فعل ذلك ليُسمِع الحاضرين.
قوله: ((ثمَّ قال» أي: بعدَ استلامه.
قوله: ((ما لنا ولِلرَّمَل)) في رواية بعضهم: ((والرَّمَل)) بغير لام، وهو بالنصب على
الأفصَحِ، وزاد أبو داود (١٨٨٧) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلَمَ: فيمَ الرَّمَل
٤٧٢/٣ والكشف عن المناكب ... الحديث، والمراد به الاضطباع،/ وهي هيئة تُعين على إسراع المشي
بأن يُدخِل ◌ِداءَه تحت إبطه الأيمن، ويَرُدّ طرفه على مَنكِبِه الأيسَر، فيُبدي مَنكِبه الأيمن
ويستُر الأيسر، وهو مُستحب عند الجمهور سوی مالك، قاله ابن المنذر.
قوله: ((إنَّما كنَّا راءَينا)) بِوَزنِ فاعَلْنا من الرُّؤية، أي: أرَيناهم بذلك أنّا أقوياء، قاله
عياض، وقال ابن مالك: من الرِّياء، أي: أظهَرْنا لهم القوّة ونحنُ ضُعَفاء، ولهذا رويَ
((رايَيْنا)) بياءَينٍ حملاً له على الزّياء، وإن كان أصله الرِّئاء بهمزَتَين. ومُصَّله: أنَّ عمر كان
هَمَّ بتَركِ الرَّمَل في الطَّواف لأَنَّه عَرَفَ سببه وقد انقَضى، فهَمَّ أن يَترُكه لفَقدِ سببه، ثمَّ
رَجَعَ عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمةٌ ما اطَّلِعَ عليها، فرأى أنَّ الاتِّباع أولى، ومن
(١) لم تقف عليه من حديث أبي سعيد، لا عند الحاكم ولا غيره، وإنما هو من حديث ابن عباس عند أحمد
(١٩٧٢) وأبي يعلى (٢٤٩٢) بإسناد صحيح. وقد عزاه الحافظ نفسه لأحمد من حديث ابن عباس في
((التلخيص الحبير)) ٢/ ٢٥٠ ولم يذكر الحاكم.