النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب ٣٤ / ح ١٥٦١
كتاب الحج
٣٤- باب التَّمتُّع والإقران والإفراد بالحج وفَسْخ الحج لمن لم
یکن معه هديٌ
قوله: ((باب التمتّع والإقران والإفْراد بالحِّ وفَسْخ الحجّ لمن لم يكن معه هَدْي)» أمَّا ٤٢٣/٣
التمتُّع: فالمعروف أنَّه الاعتمار في أشهر الحج، ثمَّ التحلَّل من تلك العمرة والإهلال بالحجِّ
في تلك السَّنة، قال الله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ فَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ويُطلَق التمتُّع في عُرف السلف على القِرَان أيضاً، قال ابن عبد البَرِّ: لا خلاف بين
العلماء أنَّ التمتُّع المراد بقوله تعالى: ﴿فَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ أنَّه الاعتمار في أشهر الحج
قبلَ الحج، قال: ومن التمتُّع أيضاً القِرَان، لأنَّه تَمَتَّعَ بسقوطٍ سَفَر للنُّسُك الآخر من بلده،
ومن التمتُّع فسخ الحج أيضاً إلى العمرة، انتهى.
وأمَّا القِرَان فوقع في رواية أبي ذرٍّ: ((الإقران)) بالألف، وهو خطأ من حيثُ اللُّغة كما
قاله عياض وغيره، وصورته: الإهلال بالحجّ والعمرة معاً، وهذا لا خلاف في جوازه. أو
الإهلال بالعمرة ثمَّ يُدخِل عليها الحجَّ، أو عَكسُه، وهذا مُتَلَف فيه.
وأمَّا الإفراد: فالإهلال بالحجِّ وحده في أشهُره عند الجميع، وفي غير أشهُره أيضاً عند
مَن يُجيزه، والاعتمار بعدَ الفَراغ من أعمال الحج لمن شاء.
وأمَّا فسخ الحج: فالإحرام بالحجِّ ثمَّ يَتَحلَّل منه بعملٍ عمرة فيصير مُتمتِّعاً، وفي جوازه
اختلاف آخر، وظاهر تصرُّف المصنّف إجازته، فإنَّ تقدير الترجمة: باب مشروعية التمتّع ...
إلى آخره، ويحتمل أن يكون التقدير: باب حُكم التمتُّع ... إلى آخره، فلا يكون فيه دلالة على
أنَّه ◌ُجيزه.
ثم أوردَ المصنف في الباب سبعة أحاديث:
الأول: حديث عائشة من وجهين:
١٥٦١ - حدَّثنا عثمانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، عن عائشةً
رضي الله عنها: خَرَجْنا مع النبيِّ وَِّ ولا تُرَى إلا أنَّه الحِجُّ، فلمَّا قَدِمْنا تَطَوَّفْنا بالبيتِ، فأُمُرَ

٣٢٢
باب ٣٤ / ح ١٥٦١ - ١٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
النبيُّ ◌َّهِ مَن لم يكن ساقَ الهَدْيَ أن تَحِلَّ، فحَلَّ مَن لم يكن ساقَ الهَدْيَ، ونِساؤُه لم يَسُقْنَ
فَأَحَلْنَ. قالت عائشةُ رضي الله عنها: فحِضْتُ فلم أطُفْ بالبيتِ، فلمَّا كانت ليلةُ الحَصْبةِ
قالت: يا رسولَ الله، يَرجِعُ الناسُ بِعُمْرةٍ وحَجَّةٍ وأرجِعُ أنا بحَجَّةٍ! قال: ((وما طُفْتٍ ليالي
قَدِمْنا مِكَّةَ؟)) قلتُ: لا، قال: «فاذهَبي مع أخِيكِ إلى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِي بِعُمْرةٍ، ثمَّ مَوْعِدُكِ كَذا
وكذا)). قالت صَفِيَّةُ: ما أُراني إلا حابسَتَهم، قال: ((عَقْرَى حَلْقَى، أوَما طُفْتِ يومَ النَّحْرِ؟))
قالت: قلتُ: بلى، قال: ((لا بأسَ، انفِرِي)) قالت عائشةُ رضي الله عنها: فَلَقِيَتَي النبيُّ وَّ وهو
مُصْعِدٌ من مكَّةَ، وأنا مُنْهَبِطَةٌ عليها، أو أنا مُصْعِدةٌ وهو مُنْهَِطٌ منها.
١٥٦٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الأسوَدِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن
ابن نَوْفَلٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَير، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّها قالت: خَرَجْنا مع رسولِ الله
مَرِ عامَ حَجَّةِ الوداع، فمِنّا مَن أهلَّ بعُمْرةٍ، ومِنّا مَن أهلَّ بحَجَّةٍ وعُمْرةٍ، ومِنّا مَن أهلَّ
بالحجِّ، وأهلَّ رسولُ الله ◌ِّهِ بالحجِّ، فأمَّا مَن أهلَّ بالحجِّ أو ◌َمَعَ الحجّ والعُمْرةَ، لم يَحِلُّوا حَتَّى
كان يومُ النَّحْرِ.
قوله: ((خَرَجْنا مع النبي ◌َّ)) تقدَّم في الباب قبله بيان الوقت الذي خَرَجوا فيه.
قوله: ((ولا نُرى إلّا أنَّه الحجّ)) ولأبي الأسوَد عن عُرْوة عنها كما سيأتي (٤٤٠٨): مُهِلِينَ
بالحج (١)، ولمسلم (١٢١١/ ١٢٠) من طريق القاسم عنها: لا نذكر إلَّا الحج، وله من هذا
الوجه (١٢١/١٢١١): لَبَّينا بالحج، وظاهره أنَّ عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً
مُحُرِمينَ بالحج، لكن في رواية عُرْوة عنها هنا: فمِنّا مَن أهلَّ بعمرة، ومِنّا مَن أهلَّ بحَجِّ
وعمرة، ومِنّا مَن أهلَّ بالحج. فيُحمَل الأول على أنَّها ذكرت ما كانوا يَعهَدونه من تَّرْك
الاعتمار في أشهُر الحج، فخَرَجوا لا يَعرِفونَ إلَّا الحج، ثمَّ بيَّن لهم النبي ◌َُّ وجوه
الإحرام، وجَوَّزَ لهم الاعتمار في أشهُر الحج، وسيأتي في ((باب الاعتمار بعدَ الحج)) (١٧٨٦)
من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عنها: فقال: ((مَن أحَبَّ أن يُهِلّ بعمرةٍ فليُهِلٌ، ومَن
(١) ما سيأتي عند البخاري من هذه الطريق برقم (٤٤٠٨)، ليس فيه اللفظ المذكور، وإنما وقع عنده من
طريق أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة برقم (١٧٨٨).

٣٢٣
باب ٣٤ / ح ١٥٦١ - ١٥٦٢
كتاب الحج
أحَبَّ أن يُهِلّ بحَجِّ فليُهِلَّ))، ولأحمد (٢٦٠٨٦) من طريق ابن شِهاب عن عُرْوة: فقال:
((مَن شاءَ فليُهِلَّ بعمرة، ومَن شاءَ فليُهِلَّ بحَجِّ)).
ولهذه النُّكتة أورَدَ المصنّف في الباب حديث ابن عبّاس: كانوا يرونَ العمرة في أشهُر
الحج من أفجَر الفجور؛ فأشارَ إلى الجمع بين ما اختُلِفَ عن عائشة في ذلك، وأمَّا عائشة
نفسها فسيأتي في أبواب العمرة (١٧٨٣ و١٧٨٦) وفي حَجَّة الوداع من المغازي(١) من طريق
هشام بن عُرْوة عن أبيه عنها في أثناء هذا الحديث قالت: وكنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ. وسَبَقَ في
كتاب الحيض (٣١٦) من طريق ابن شِهاب نحوه عن عُرْوة، زاد أحمد (٢٦٠٦٥) من وجه
آخر عن الزُّهْري: ((ولم أسُق هَدياً)، فادَّعى إسماعيل القاضي وغيره أنَّ هذا غلط من عُرْوة،
وأنَّ الصواب رواية الأسوَد والقاسم وعُرْوة عنها: أنَّها أهلَّت بالحجِّ مُفرداً.
وتُعقّبَ بأنَّ قول عُرْوة عنها: إنَّها أهلَّت بعمرةٍ، صريحٌ، وأمَّا قول الأسوَد وغيره
عنها: لا نُرى إلَّ الحج، فليس صريحاً في إهلالها بحَجِّ مُفرَد، فالجمع بينهما ما تقدَّم من غير
تغليط عُرْوة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي/ كما أخرجه ٤٢٤/٣
مسلم عنه (١٢١٣)، وكذا رواه طاووس (١٣٢/١٢١١) ومجاهد عن عائشة(٢).
ويحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلَّت عائشة بالحجِّ مفرداً كما فعل غيرها من
الصحابة، وعلى هذا يُنَّل حديث الأسوَد ومَن تَبِعَه: ثمَّ أمَرَ النبي ◌َّر أصحابه أن
يَفسَخوا الحج إلى العمرة، ففَعَلَت عائشة ما صَنَعوا، فصارت مُتمتِّعة، وعلى هذا يَتَنَزَّل
حديث عُرْوة: ثمَّ لمَّا دَخَلَت مكَّة وهي حائض، فلم تَقدِر على الطَّواف لأجل الحيض،
أمَرَها أن تُّحِرِم بالحج، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك، والله أعلم.
قوله: ((فلمَّا قَدِمْنا تَطَوَّفْنا بالبيت)) أي: غيرها، لقولها بعده: ((فلم أطُفْ)) فإنَّه تَبِيَّن به أنَّ
قولها: («تَطَوَّفنا)) من العامّ الذي أُريدَ به الخاصّ.
(١) الذي في المغازي (٤٣٩٥) من طريق ابن شهاب عن عروة عنها قالت :... فأهللنا بعمرة.
(٢) لفظ طريق مجاهد عند مسلم (١٢١١) (١٣٣): أنها حاضت بسَرِفَ فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله وَ له:
((يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)).

٣٢٤
باب ٣٤ / ح ١٥٦١ - ١٥٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فأمَرَ النبي ◌َّهِ مَن لم يكن ساقَ الهَدْي أن يَحِلّ)) أي: من الحج بعمل العمرة،
وهذا هو فَسْخُ الحج المترجم به.
قوله: ((ونِساؤُه لم يَسُقْنَ)) أي: اهَدْيَ.
قوله: ((فأخْلَلْنَ)) أي: وهي منهنَّ، لكن مَنَعَها من التحلّل كونها حاضَت ليلة دخولهم
مكَّة، وقد مضى في الباب قبله بيان ذلك، وأنَّهَا بَكَت، وأنَّ النبي ◌َِّ قال لها: ((كوني في
حَجّك))، فظاهره أنَّه وَّهِ أَمَرَها أن تَجَعَل عمرتها حَجّاً، ولهذا قالت: يَرجِع الناس بحَجّ
وعمرة وأرجع بحَجِّ؟! فأعمَرَها لأجلِ ذلك من التنعيم.
وقال مالك: ليس العمل على حديث عُرْوة قديماً ولا حديثاً، قال ابن عبد البَرِّ: يريد:
ليس عليه العمل في رفض العمرة وجعلها حَجّاً، بخلاف جعل الحج عمرةً، فإنَّه وقع
للصحابة، واختُلِفَ في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال
أن يكون معنى قوله: ((ارفُضي عمرتك))(١)، أي: اتركي التحلَّل منها وأدخِلي عليها الحج
فَتَصير قارنة، ويؤيِّده قوله في رواية لمسلم (١١٣/١٢١١): ((وأمسِكي عن العمرة)) أي:
عن أعمالها، وإنَّما قالت عائشة: وأرجِع بحَجِّ، لاعتقادها أنَّ إفراد العمرة بالعمل أفضلُ كما
وقع لغيرها من أُمَّهات المؤمنين. واستُبعِدَ هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها: وأرجع
أنا بحَجَّةٍ ليس معها عمرة؟ أخرجه أحمد (٢٥٣١٦)، وهذا يُقوِّي قول الكوفيين: إنَّ
عائشة تَرَكَت العمرة وحَجَّت مُفرِدة، وتمسّكوا في ذلك بقوله لها في الرواية المتقدِّمة
(٣١٧): ((دَعي عُمرتَك))، وفي رواية (١٧٨٣): ((ارفُضي عُمرتَك)) ونحو ذلك.
واستَدَلّوا به على أنَّ للمرأة إذا أهلَّت بالعمرة مُتمتِّعة فحاضَت قبلَ أن تطوف أن تترك
العمرة وتُهِلّ بالحجِّ مُفرَداً، كما فعَلَت عائشة، لكن في رواية عطاء عنها ضَعف، والرّافع
للإشكال في ذلك ما رواه مسلم (١٢١٣) من حديث جابر: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرة، حتَّى
إذا كانت بسَرِفَ حاضَت، فقال لها النبي ◌ِِّ: ((أهِلّي بالحج)) حتَّى إذا طَهُرَت طافَت
(١) سيأتي (١٧٨٣)، وأخرجه مسلم (١٢١١).

٣٢٥
باب ٣٤ / ح ١٥٦٣
كتاب الحج
بالكعبة وسَعَت فقال: ((قد حَلَلت من حَجّك وعمرَتك)) قالت: يا رسول الله، إنّي أجد في
نفسي أنّي لم أطُفُ بالبيت حتَّى حَجَجت، قال: ((فأعمِرْها من التنعيم))، ولمسلم (١٢١١/ ١٣٢)
من طريق طاووسٍ عنها: فقال لها النبي ◌َّ: ((طوافك يَسَعُك لحجِّك وعمرَتك))، فهذا
صريح في أنَّها كانت قارنة، لقوله: ((قد حَلَلت من حَجّك وعمرَتك))، وإنَّما أعمَرَها من
التنعيم تطبيباً لقلبِها لكونها لم تَطُف بالبيت لمَّا دَخَلَت مُعتَمِرة.
وقد وقع في رواية لمسلم (١٣٧/١٢١٣): وكان النبي ◌َّ رجلاً سهلاً، إذا هَوِيَتِ
الشيءَ تابَعَها عليه، وسيأتي الكلام على قصَّة صَفيَّة في أواخر الحج (١٧٧٢)، وعلى ما في
قصَّة اعتمار عائشة من الفوائد في أبواب العمرة (١٧٨٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وأرجع أنا بحَجَّةٍ) في رواية الكُشْمِيهني: ((وأرجِع لي بحَجَّةٍ)).
قوله في الطريق الثانية: ((فأمَّا مَن أهلَّ بالحجُّ أو جمع الحجّ والعُمْرة، لم يَحِلُّوا حتَّى كان
يوم النَّحْر)) كذا فيه هنا، وسيأتي في حَجَّة الوداع (٤٤٠٨) بلفظ: ((فلم يَحِلّوا)) بزيادة فاء،
وهو الوجه.
الحديث الثاني:
١٥٦٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَّارِ، حدَّثنا غُنْدَرٌ، حَدَثَنَا شُعْبةُ، عن الحَكّم، عن عليٍّ بنِ
حسينٍ، عن مروانَ بنِ الحَكّم، قال: شَهِدْتُ عثمانَ وعليّاً رضي الله عنهما، وعثمانُ بَنْھی عن
المُتْعَةِ وأن يُجمَعَ بينَهما، فلمَّا رَأى عليٌّ، أهلَّ بهما: لَبَّكَ بِعُمْرةٍ وحَجَّةٍ، قال: ما كنتُ لأَدَعَ سُنَّةَ
النبيِّ ◌َّ لقول أحدٍ.
[طرفه: ١٥٦٩]
قوله: ((عن الحَكَم)) هو ابن عُتَيبة، بالمثنَّاة والموخَّدة مصغّراً، الفقيه الكوفي، وعليّ بن
الحسين: هو زين العابدين.
قوله: ((شَهِدْت عثمان وعليّا)) سيأتي في آخر الباب (١٥٦٩) من طريق سعيد بن المسيّب
أنَّ ذلك كان بعُسفان.

٣٢٦
باب ٣٤ / ح ١٥٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وعثمان يَنْهى عن المُتْعة وأن يُجمَع بينهما)) أي: بين الحج والعمرة ((فلمَّا رَأى عليٌّ»
٤٢٥/٣ في رواية سعيد بن المسيّب: فقال عليّ: ما تريد إلى أن/ تنهى عن أمر فعَله رسول الله وَّت،
وفي رواية الكُشْمِيهني: إلَّا أن تَنهى، بحرف الاستثناء، زاد مسلم (١٥٩/١٢٢٣) من هذا
الوجه: فقال عثمان: دَعنا عنك. قال: إنّ لا أستطيع أن أدَعك.
وقوله: ((وأن يُجمَع بينهما)) يحتمل أن تكون الواو عاطفة، فيكون نهى عن التمتُّع والقِرَان
معاً، ويحتمل أن يكون عطفاً تفسيريّاً، وهو على ما تقدَّم أنَّ السلف كانوا يُطلِقونَ على القِرَان
تَمْتُّعاً، ووجهه أنَّ القارِن يَتَمِثَّعِ بِتَرك النَّصَب بالسفرِ مَرَّتين، فيكون المراد أن يجمع بينهما قِراناً
أو إيقاعاً لهما في سَنة واحدة بتقديم العمرة على الحج، وقد رواه النَّسائي (٢٧٣٣) من طريق
عبد الرحمن بن حَرمَلة عن سعيد بن المسيّب بلفظ: نهى عثمان عن التمتّع. وزاد فيه: فلَبِى
عليّ وأصحابه بالعمرة فلم يَنهَهم عثمان، فقال له عليّ: ألم تسمَع رسول الله وِّهِ تَتّعَ؟ قال:
بَلى. وله من وجه آخر (٢٧٢٢): سمعت رسول الله وَل﴿ يُلبّ بهما جميعاً. زاد مسلم
(١٥٨/١٢٢٣) من طريق عبد الله بن شَقيق عن عثمان قال: أجَل، ولكِنّا كَّا خائفينَ.
قال الثَّوَوي: لعلَّه أشارَ إلى عمرة القضيَّة سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقةً
تَمتّعٌ، إنَّما كان عُمْرة وحدها.
قلت: هي رواية شاذَّة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيّب، وهما
أعلم من عبد الله بن شَقِيق فلمْ يقولا ذلك، والتمتُّع إنَّما كان في حَجَّة الوداع، وقد قال ابن
مسعود كما ثَبَتَ عنه في ((الصحيحين))(١): كنّا آمَنَ ما يكون الناس.
وقال القُرطُبي: قوله: ((خائفينَ)) أي: من أن يكون أجر مَن أفرَدَ أعظمَ من أجر مَن
تَمتّع. كذا قال، وهو جمع حسن ولكن لا يخفى بُعدُه.
(١) بل قائل ذلك هو حارثة بن وهب الخزاعي، أخرجه عنه البخاري (١٦٥٦)، ومسلم (٦٩٦)، وأما قول
ابن مسعود فهو عند البخاري (١٦٥٧)، ومسلم (٦٩٥) بلفظ: صليت مع النبي مثلآ ركعتين، ومع أبي
بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرَّقت بكم الطرق، فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبَّلتان.

٣٢٧
باب ٣٤ / ح ١٥٦٣
كتاب الحج
ويحتمل أن يكون عثمان أشارَ إلى أنَّ الأصل في اختياره وَّفَسْخَ الحَجِّ(١) إلى العمرة في
حَجَّة الوداع دفْعُ اعتقاد قُرَيش مَنْعَ العمرة في أشهر الحج، وكان ابتداء ذلك بالحُدَيبية؟
لأنَّ إحرامهم بالعمرة كان في ذي القَعْدة وهو من أشهر الحج، وهناك يَصِحّ إطلاق كونهم
خائفين، أي: من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركونَ صَدّوهم عن
الوصول إلى البيت، فتَحلَّلوا من عُمرتهم، وكانت أولَ عمرة وقعت في أشهُر الحج، ثمَّ
جاءت عُمْرة القضيّة في ذي القَعْدة أيضاً، ثمَّ أراد ◌َّ تأكيد ذلك بالمبالَغة فيه حتَّى أمَرَهم
بفَسْخ الحج إلى العمرة.
قوله: ((ما كنت لأدَعَ ... )) إلى آخره، زاد النَّسائي (٢٧٢٣) والإسماعيلي: فقال عثمان:
تراني أنهى الناسَ وأنت تفعلُه؟ فقال: ما كنت أدَعُ (٢).
وفي قصَّة عثمان وعليٍّ من الفوائد: إشاعةُ العالم ما عنده من العلم وإظهاره، ومُناظَرة
وُلاة الأُمور وغيرهم في تحقيقه لمن قويَ على ذلك لقَصدِ مُناصَحة المسلمين، والبيان
بالفعل مع القول، وجواز الاستنباط من النَّصّ، لأنَّ عثمان لم يَخْفَ عليه أنَّ التمتُّع
والقِرَان جائزان، وإنَّما نهى عنهما ليُعمَلَ بالأفضلِ كما وقع لعمر، لكن خشتيَ عليّ أن يَحمِل
غيره النَّهي على التحريم فأشاعَ جواز ذلك، وكلٌّ منهما مجتهدٌ مأجور.
تنبيه: ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتُّع دليلاً لمسألة اتِّفاق أهل العصر الثاني
بعدَ اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي ((الصحيح)) أنَّ عثمان كان نهى عن المتعة، قال
الْبَغَوي: ثمَّ صار إجماعاً.
وتُعقّبَ بأنَّ نَهيَ عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبلَ الحج، فلم
يَستقِرَّ الإجماع عليه، لأنَّ الحنفيَّة يخالفون فيه. وإن كان المراد به فسخ الحج إلى العمرة
فكذلك، لأنَّ الحنابلة يخالفون فيه، ثمَّ وراء ذلك أنَّ رواية النَّسائي السابقة مُشعِرة بأنَّ
(١) لفظة ((الحج)) سقطت من (س).
(٢) أخرجه باللفظ المذكور أحمد (١١٣٩) وبنحوه النسائي.

٣٢٨
باب ٣٤ / ح ١٥٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
عثمان رَجَعَ عن النَّهي فلا يَصِحّ التمثيلُ(١) به، ولفظ البغوي بعد أن ساق حديث عثمان في
((شرح السُّنّة)): هذا خلاف يُحِكَى (٢)، وأكثرُ الصحابة على الجواز، واتَّفَقَت عليه الأئمّة(٣)
بعدُ. فحَمَله على أنَّ عثمان نهى عن التمتُّع المعهود، والظاهر أنَّ عثمان ما كان يُبطِله إنَّما كان
يَرى أنَّ الإفراد أفضل منه، وإذا كان ذلك فلم تَتَّفِقِ الأئمّة على ذلك، فإنَّ الخلاف في أيِّ
الأُمور الثلاثة أفضل باقٍ والله أعلم.
وفيه أنَّ المجتهد لا يُلزِمُ مجتهداً آخر بتقليدِه؛ لعَدَمِ إنكار عثمان على عليِّ ذلك مع کَونِ
٤٢٦/٣
عثمانَ الإمام إذ ذاك، والله أعلم.
١٥٦٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ
عِبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كانوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرةَ في أشهُرِ الحجِّ من أفجَرِ الفُجُورِ في الأرضِ،
ويَجْعَلُونَ المحرَّمَ صَفَر، ويقولون: إذا بَرَأَ الدَّبَرِ، وعَفا الأثَر، وانسَلَخَ صَفَر، حَلَّتِ العُمْرةُ لمنِ
اعتَمَرِ، قَدِمَ النبيُّ بَّه وأصحابُه صَبِيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحجّ، فأمَرَهم أن يَجْعَلُوها عُمْرةً،
فتَعاظَمَ ذلك عندهم فقالوا: يا رسولَ الله، أيُّ الِحِلِّ؟ قال: ((حِلٌّ كلُّ)).
[انظر: ١٠٨٥]
الحديث الثالث: عن ابن عبّاس قال: كانوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرة، بفتح أوله، أي: يعتقدون،
والمراد أهل الجاهلية. ولابن حِبَّن من طريق أُخرى(٤) عن ابن عبّاس قال: والله ما أعمَرَ
رسولُ اللهِ وَّهِ عائشةَ في ذي الحِجّة إلَّا ليقطَع بذلك أمر أهل الشِّرك، فإنَّ هذا الحيَّ من
قُرَيش ومَن دانَ دينهم كانوا يقولونَ ... فذكر نحوه، فعُرِفَ بهذا تعيين القائلين.
(١) تحرف في (س) إلى: التمسك.
(٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: علي، والمثبت من (أ) وهو المقارب لما في ((شرح السنة)) ٦٩/٧ - ٧٠ حيث وقع
في مطبوعه: هذا اختلاف محکيٌّ.
(٣) كذا في (أ) و(س)، وفي (ع) والبغوي: الأمة.
(٤) لم نقع في ابن حبان على غير طريق ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، وهو فيه برقم (٣٧٦٥). وهو
من هذا الطريق أيضاً عند أحمد (٢٣٦١)، وأبي داود (١٩٨٧).

٣٢٩
باب ٣٤ / ح ١٥٦٤
كتاب الحج
قوله: ((من أفجَر الفُجُور)) هذا من تحكُّماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل.
قوله: ((ويَجْعَلُونَ المحَّمِ صَفَر)) كذا هو في جميع الأُصول من ((الصحيحين))، قال
النَّوَوي: كان ينبغي أن يُكتَب بالألف، ولكن على تقدير حذفها لا بُدَّ من قراءته منصوباً،
لأنَّه مصروف بلا خلاف، يعني: والمشهور عن اللّغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف،
فلا يَلْزَم من كتابته بغير ألف أن لا يُصرَف فيُقرأ بالألف.
وسبقه عیاض إلی نفي الخلاف فيه، لكن في «المحگم)): کان أبو عبيدة لا يَصرِفه، فقيل
له: إنَّه لا يمتنع الصَّرف حتَّى يجتمع عِلَّتان فما هما؟ قال: المعرفة والساعة. وفَسَّرَه المطرِّزي
بأنَّ مراده بالساعة أنَّ الأزمنة ساعات والساعة مؤنَّئة. انتهى، وحديث ابن عبّاس هذا
حُجَّة قوية لأبي عُبيدة، والله أعلم، ونَقَلَ بعضهم أنَّ في ((صحيح مسلم)) (١٩٨/١٢٤٠):
(صَفَراً)) بالألف.
وأمَّا جعلُهم ذلك، فقال النَّوَوي: قال العلماء: المراد الإخبار عن النَّسيء الذي كانوا
يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يُسمُّونَ المحرَّمِ صَفَراً ويُحِلّونَه، ويُؤخّرونَ تحريم المحرَّم إلى
نفس صَفَر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهُر مُحرِّمة، فيَضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتَلَة
والغارة بعضهم على بعض، فضَلَّلهم الله في ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا النَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ
يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
قوله: ((ويقولونَ: إذا بَرَأْ الدَّبَر)) بفتح المهمَلة والموخَّدة، أي: ما كان يَحصُل بظُهور الإبل
من الحَمْل عليها ومَشَقّة السفر، فإنَّه كان يَبرأُ بعدَ انصرافهم من الحج.
وقوله: ((وعَفَا الأثَر)) أي: اندَرَسَ أثر الإبل وغيرها في سَيْرها، ويحتمل أثر الدَّبَر المذكور،
وفي ((سنن أبي داود)) (١٩٨٧): ((عَفَا الوَبَرَ)) أي: كَثُرَ وبرُ الإبل الذي حُلِقَ بالرِّحال، وهذه
الألفاظ تُقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع. ووجه تعلَّق جواز الاعتمار بانسِلاخ صَفَر - مع
كونه ليس من أشهُر الحج وكذلك المحرَّم - أنَّهم لمَّا جعلوا المحرَّم صَفَراً ولا يستِقِرّونَ
ببلادهم في الغالب، ولا (١) يَبرأْ دَبَرُ إبلهم إلَّ عند انسِلاخه، أحَقُوه بأشهُر الحج على طريق
(١) لفظة ((لا)) سقطت من (أ) و(س).

٣٣٠
باب ٣٤ / ح ١٥٦٥ - ١٥٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
التَّبعية، وجعلوا أول أشهُر الاعتمار شهر المحرَّم الذي هو في الأصل صَفَر، والعمرة عندهم
في غير أشهر الحج.
وأمَّا تسمية الشهر صَفَراً، فقال رُؤْبة: أصلها أنَّهم كانوا يُغِيرونَ فيه بعضهم على
بعض، فيَترُكونَ منازلهم صِفْراً، أي: خالية من المتاع، وقيل: لإصفار أماكنهم من أهلها.
قوله: ((قَدِمَ النبي ◌َ ل﴾)) كذا في الأُصول من رواية موسى بن إسماعيل عن ◌ُهَيب، وقد
أخرجه المصنِّف في ((أيام الجاهلية)) (٣٨٣٢) عن مسلم بن إبراهيم عن وُهَيب بلفظ:
((فقَدِمَ)) بزيادة فاء وهو الوجه، وكذا أخرجه مسلم (١٢٤٠/ ١٩٨) من طريق بَهْز بن أسَد،
والإسماعيلي من طريق إبراهيم بن الحجاج، كلاهما عن ؤُهَيب.
قوله: ((صَبِيحة رابعة)) أي: يوم الأحد.
قوله: ((مُهِلّينَ بالحجّ)) في رواية إبراهيم بن الحجاج: وهم يُلُبُّونَ بالحج، وهي مُفسِّرة
لقوله: مُهِلِّين، واحتَجَّ به مَن قال: كان حجّ النبي ◌َّ مُفرِداً، وأجاب مَن قال: كان قارناً،
بأنَّه لا يَلزَم من إهلاله بالحجِّ أن لا يكون أدخَلَ عليه العمرة.
قوله: ((أن يَجْعَلُوها عُمْرة، فَتَعاظَمَ ذلك عندهم)) أي: لمَا كانوا يعتقدونه أولاً، وفي
رواية إبراهيم بن الحجاج: فکبُرَ ذلك عندهم.
قوله: ((أيُّ الِحِلِّ؟) كأنَّهم كانوا يَعرِفُونَ أَنَّ للحجِّ تَحلُّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيَّن لهم
أَّهم يَتَحلَّلونَ الِحِلَّ كلَّه، لأنَّ العمرة ليس لها إلَّا تَحُّل واحد، ووقع في رواية الطَّحاوي
(٢/ ١٥٨): أي الحِلّ نُحِلّ؟ قال: ((الِحِلّ كلّه)).
١٥٦٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المشَّى، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قيسِ بنِ مُسلِم، عن
طارقٍ بنِ شِهابٍ، عن أبي موسى﴾ قال: قَدِمْتُ على النبيِّوََّ، فَأَمَرني بالحِلِّ.
١٥٦٦ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ (ح) وحدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا
مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن حفصةَ رضي الله عنهم زوجِ النبيِّ وَّرِ أنَّها قالت: يا
٤٢٧/٣

٣٣١
باب ٣٤ / ح ١٥٦٥ - ١٥٦٦
كتاب الحج
رسولَ الله، ما شَأنُ الناس حَلُّوا بعُمْرةٍ، ولم تَحَلِلْ أنتَ من عُمْرَتِكَ؟ قال: ((إنّي لَبَّدْتُ رأسي،
وقَلَّدْتُ هَذْبِي، فلا أحِلُّ حتَّى أنحَرَ)).
[أطرافه في: ١٦٩٧، ١٧٢٥، ٤٣٩٨، ٥٩١٦]
الحديث الرابع: حديث أبي موسى: ((قَدِمت على النبيِِّ، فأمَرَني بالحِلّ)» هكذا أورَدَه
مختصراً، وقد تقدَّم تاماً مشروحاً قبلُ ببابٍ (١٥٥٩). ووقع للكُشْمِيهني: ((فأمَرَه بالحِلّ)»
على الالتفات.
الحديث الخامس: حديث حفصة ((أنَّها قالت: يا رسول الله، ما شَأن الناس حَلّوا بعمرةٍ»
الحديث، لم يقع في رواية مسلم (١٢٢٩) قوله: ((بعمرةٍ))، وذكر ابن عبد البَرِّ أنَّ أصحاب
مالك ذكرها بعضهم وحَذَفَها بعضهم، واستُشكِلَ كيف حَلُّوا بعمرةٍ مع قولها: ولم تَحِلَّ من
عمرتِك، والجواب أنَّ المراد بقولها: بعمرة، أي: أنَّ إحرامهم بعمرةٍ كان سبباً لسُرعة حِلِّهم.
واستُدِلَّ به على أنَّ مَن ساق الهَدْيَ لا يَتَحلَّل من عمل العمرة، حتَّى يُهِلَّ(١) بالحجِّ
ويَفرُغ منه، لأنَّه جعل العِلّة في بقائه على إحرامه کونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر
سابع أحاديث الباب، وأخبرهم أنَّه لا يَحِلُّ حتَّى يَنحَرِ الهَدْي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد
ومَن وافقهما، ويؤيِّده قوله في حديث عائشة أول أحاديث الباب: فأمَرَ مَن لم يكن ساق
الهَدْي أن يَحِلَّ. والأحاديث بذلك مُتضافِرة.
وأجاب بعض المالكية والشافعية عن ذلك بأنَّ السبب في عَدَم تَحَلُّله من العمرة كَونُه
أدخَلَها على الحج، وهو مُشكِّلٌ عليه لأنَّه يقول: إنَّ حَجَّه كان مُفرِداً.
وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مُفرِداً عن هذا الحديث انفصال، لأنَّه إن قال به
استُشكِلَ عليه كونه عَلَّلَ عدمَ التحلُّل بسَوْق الهَدْي، لأنَّ عَدَم التحلُّل لا يمتنع على مَن
كان قارناً عنده، وجَنَحَ الأَصِيلِيُّ وغيره إلى توهيم مالك في قوله: ((ولم تَحِلَّ أنت من
عمرتك)) وأنَّه لم يقله أحد في حديث حفصة غيره، وتعقّبه ابن عبد البَرِّ - على تقدیر تسلیم
(١) تحرفت في (س) إلى: يحل.

٣٣٢
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
انفراده - بأنّها زيادة حافظ فيجب قَبُولها، على أنَّه لم ينفرد، فقد تابَعَه أيوب وعُبيد الله بن
عمر، وهما مع ذلك حُفّاظ أصحاب نافع، انتھی.
ورواية عُبيد الله بن عمر عند مسلم (١٧٧/١٢٢٩)، وقد أخرجه مسلم (١٢٢٩/
١٧٩) من رواية ابن جُرَيج، والبخاري (٤٣٩٨) من رواية موسى بن عُقْبةَ، والبيهقي
(١٣٤/٥) من رواية شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن نافع بدونها، ووقع في رواية عُبيد الله
ابن عمر عند الشَّيخَين(١): ((فلا أَحِلُّ حتَّى أَحِلَّ من الحج)) ولا تُنافي هذه روايةَ مالك؛ لأنَّ
القارن لا يَحِلّ من العمرة ولا من الحج حتَّى يَنحَر، فلا حُجَّة فيه لمن تمسَّك بأنَّه وَلِ كان
مُتمتِّعاً كما سيأتي، لأنَّ قول حفصة: ((ولم تَحِلَّ من عمرتك)) وقوله هو: ((حتَّى أحِلّ من
الحج)) ظاهرٌ في أنَّه كان قارناً.
وأجاب مَن قال: كان مُفرِداً، عن قوله: ((ولم تَحِلّ من عمرتك)) بأجوبةٍ: أحدها: قاله
الشافعي، معناه: ولم تَحِلَّ أنت من إحرامك الذي ابتَدَأته معهم بنيَّةٍ واحدة، بدليلٍ قوله:
((لو استقبلت من أمري ما استَدبَرت ما سُقت الهَذي ولجعلتُها عمرةً))(٢). وقيل: معناه:
ولم تَحِلّ من حَجِّك بعمرةٍ كما أمَرت أصحابك، قالوا: وقد تأتي ((من)) بمعنى الباء، كقوله
عزَّ وجلّ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله، والتقدير: ولم تَحِلَّ أنت بعمرةٍ
من إحرامك. وقيل: ظَنَّت أنَّه فَسَخَ حَجَّه بعمرةٍ كما فعل أصحابه بأمره، فقالت: لِمَ لم
تَحِلَّ أنت أيضاً من عمرتِك؟
ولا يخفى ما في بعض هذه التأويلات من التعسُّف. والذي تجتمع به الروايات أنَّه وَليه
كان قارناً، بمعنى أنَّه أدخَلَ العمرة على الحج بعدَ أن أهلَّ به مُفرِداً، لا أنَّه أول ما أهلَّ أحرَمَ
بالحجِّ والعمرة معاً، وقد تقدَّم حديث عمر مرفوعاً (١٥٣٤): ((وقل: عمرةٌ في حَجَّة))،
وحديث أنس (١٥٥١): ثمَّ أهلَّ بحَجِّ وعمرة، ولمسلم (١٢٢٦ /١٦٨) من حديث عِمْران
(١) سيأتي عند البخاري برقم (١٦٩٧)، وأخرجه مسلم برقم (١٢٢٩) (١٧٧).
(٢) سيأتي برقم (١٦٥١).

٣٣٣
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
كتاب الحج
ابن حُصَين: جمع بين حَجِّ وعمرة، ولأبي داود (١٧٩٧) والنَّسائي (٢٧٢٥) من حديث
البَراء مرفوعاً: ((إنّي سُقت الهَدْي وقَرَنت))، وللنَّسائي (٢٧٢٣) من حديث عليّ مثله،
ولأحمد (١٧٥٨٣) من حديث سُراقة: أنَّ النبي ◌ََّ قَرَنَ في حَجَّة الوداع، وله (١٦٣٤٦) من
حديث أبي طلحة: جمع بين الحج والعمرة، وللدَّارَقُطني من حديث أبي سعيد (٢٦١٨)
وأبي قَتَادَةَ (٢٦١٧)، والبَزَّار (٣٣٤٤) من حديث ابن أبي أوفى، ثلاثتهم مرفوعاً مثله.
وأجاب البيهقي (١٠/٥- ١٥) عن هذه الأحاديث وغيرها نُصْرةً لمن قال: إنَّه ◌َ﴿ كان
مُفرِداً، فنَقَلَ عن سليمان بن حَرْب: أنَّ رواية أبي قِلابةَ عن أنس: أنَّه سمعهم يَصرُخونَ بهما
جميعاً (١)، أثبتُ من رواية مَن روى عنه: أنَّه ◌َ له جمع بين الحج والعمرة، ثمَّ تعقَّبه بأنَّ/ قَتَادةَ ٤٢٨/٣
وغيره من الحُفَّاظ رَوَوه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس نفسه، قال: فلعلَّه
سمع النبيَّ ◌َّ﴿ يُعلِّم غيره كيف يُهِلّ بالقِرَان، فظَنَّ أنَّه أهلَّ عن نفسه، وأجاب عن حديث
حفصة بما نُقِلَ عن الشافعي أنَّ معنى قولها: ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك، أي: من إحرامك
كما تقدَّم، وعن حديث عمر بأنَّ جماعة رَوَوْه بلفظ: صلَّى في هذا الوادي، وقال: ((عُمْرة في
حَجَّة)) قال: وهؤلاء أكثر عدداً مَّن رواه: ((وقل: عمرة في حَجَّةٍ)) فيكون إذناً في القِرَان لا
أمراً للنبي وَ ل﴿ في حال نفسه، وعن حديث عِمْران بأنَّ المراد بذلك إذنه لأصحابه في
القِرَان، بدليل روايته الأُخرى: أنَّه ◌َلِّ أَعمَرَ بعض أهله في العشر، وروايته الأُخرى: أنَّه
وَّهِ تَتَّعَ، فإنَّ مراده بكلِّ ذلك إذنه في ذلك، وعن حديث البراء بأنَّه ساقه في قصَّة عليٍّ،
وقد رواها أنس (١٥٥٨) يعني: كما تقدَّم في هذا الباب، وجابر كما أخرجه مسلم (١٢١٨)
وليس فيها لفظ: ((وقَرَنت))، وأخرج(٢) حديث مجاهد عن عائشة قالت: لقد عَلِمَ ابن عمر
أَنَّ النبي ◌َّه قد اعتَمَرَ ثلاثاً سوى التي قَرَتَهَا في حَجَتِه. أخرجه أبو داود (١٩٩٢). وقال .
البيهقي: تفرَّد أبو إسحاق عن مجاهد بهذا، وقد رواه منصور عن مجاهد بلفظ: فقالت: ما
اعتَمَرَ في رَجَبٍ قَطَّ. وقال: هذا هو المحفوظ، يعني: كما سيأتي في أبواب العمرة
(١) سلف برقم (١٥٤٨).
(٢) أي: البيهقي ١٠/٥.

٣٣٤
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
(١٧٧٥ / ١٧٧٦)، ثمَّ أشارَ إلى أنَّه اختُلِفَ فيه على أبي إسحاق فرواه زهير بن معاوية عنه
هكذا، وقال زكريًّا: عن أبي إسحاق عن البراء.
ثمّ روى حديث جابر (١٢/٥): أنَّ النبي ◌َِّ حَجَّ حَجَّتَيْنِ قبلَ أن يُهاجر، وحَجَّة قَرَنَ
معها عُمرة. يعني: بعدَما هاجَر، وحكى عن البخاري أنَّه أعَلَّه، لأنَّه من رواية زيد بن
الحُبَاب عن الثَّوري عن جعفر عن أبيه عنه، وزيد ربَّما يَهِمُ في الشيء، والمحفوظ عن
الثَّوري مُرسَل، والمعروف عن جابر: أنَّ النبيِ ◌ّ أهلَّ بالحجِّ خالصاً.
ثمَّ روى حديث ابن عبّاس (١٢/٥) نحو حديث مجاهد عن عائشة، وأعَلَّه بداود
العَطّار، وقال: إنَّه تفرَّد بوَصلِه عن عَمْرو بن دينار عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس، ورواه ابن
عُيَيْنَةَ عن عَمْرو، فأرسَلَه ولم يَذْكُر ابن عبّاس، ثمَّ روى حديث الصُّبِيِّ بن مَعبَد (١٦/٥)
أنَّه أهلَّ بالحجِّ والعمرة معاً فأُنكِرَ عليه، فقال له عمر: هُدِيتَ لسُنَّة نبيِّك ... الحديث،
وهو في السُّنَن وفيه قصّة(١)، وأجاب عنه بأنَّه يدلُّ على جواز القِرَان لا أنَّ(٢) النبي ◌َّ كان
قارناً، ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من التعسُّف.
وقال النَّوَوي: الصواب الذي نَعتَقِده: أنَّ النبي ◌َليهِ كان قارناً، ويؤيِّده أنَّهَ وَّه لم
يَعتمِر في تلك السنة بعدَ الحج، ولا شكَّ أنَّ القِرَان أفضل من الإفراد الذي لا يُعتَمر في
سَنَتِّهِ عندنا، ولم يَنْقُل أحد أنَّ الحج وحده أفضل من القِرَان.
كذا قال، والخلاف ثابت قديماً وحديثاً، أمَّا قديماً فالثابت عن عمر أنَّه قال: إنَّ أتمَّ
لحجِّكم وعمرَتكم أن تُنشِئوا لكلٍّ منهما سَفَراً، وعن ابن مسعود نحوه، أخرجه ابن أبي
شَيْبة(٣) وغيره، وأمَّا حديثاً فقد صَرَّحَ القاضي حسين والمتولِّ بترجيح الإفراد ولو لم يَعتمِرْ
في تلك السنة، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفيَّة: الخلاف بيننا وبين الشافعي مبنيٌّ على
(١) أخرجه أبو داود (١٧٩٨) و(١٧٩٩)، وابن ماجه (٢٩٧٠)، والنسائي (٢٧١٩).
(٢) في (س): لأن.
(٣) أثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة (١٣١٨٢)، وكذا أثر ابن مسعود (١٤٥٠٣)، تحقيق الجمعة واللحيدان.
وكلا الأثرین أخر جهما البيهقي أيضاً في «سنته)) ٥/ ٥.

٣٣٥
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
كتاب الحج
أنَّ القارن يطوف طوافاً واحداً وسَعْياً واحداً، فبهذا قال: إنَّ الإفراد أفضل، ونحنُ عندنا
أنَّ القارن يطوف طوافَينِ وسَعيَين، فهو أفضل لكَونِه أكثر عملاً.
وقال الخطَّبي: اختَلَفَت الرواية فيما كان النبي ◌َِّ به مُرِماً، والجواب عن ذلك بأنَّ كلَّ
راوٍ أضافَ إليه ما أَمَرَ به اتِّساعاً، ثمَّ رَجَّحَ بأنَّه كان أفرَدَ الحج، وهذا هو المشهور عند
المالكية والشافعية، وقد بَسَطَ الشافعي القول فيه في ((اختلاف الحديث)) وغيره، ورَجَّحَ أنَّه
وَلّهِ أحرَمَ إحراماً مُطلَقاً ينتظر ما يُؤمَر به، فنَزَلَ عليه الحُكْم بذلك وهو على الصَّفا،
ورَجَّحوا الإفراد أيضاً بأنَّ الخلفاء الرّاشدينَ واظَبُوا عليه، ولا يُظَنُّ بهم المواظَبة على ترك
الأفضل، وبأنَّه لم يُنقَل عن أحد منهم أنَّ كَرِهَ الإفراد، وقد نُقِلَ عنهم كراهيةُ التمتّع
والجمع بينهما حتَّى فَعَلَه عليٌّ لبيان الجواز، وبأنَّ الإفراد لا يجب فيه دمٌّ بالإجماع بخلاف
التمتُّع والقِرَان، انتهى.
وهذا ينبني على أنَّ دم القِرَان دم جُبْران، وقد/ مَنَعَه مَن رَجَّحَ القِرَان، وقال: إنَّه دم ٤٢٩/٣
فضل وثواب كالأُضحيَّة، ولو كان دم نقص لما قام الصيام مقامَه، ولأنَّه يُؤكَل منه، ودمُ
النَّقص لا يُؤكَل منه كَدَم الجزاء، قاله الطَّحاوي.
وقال عياض نحو ما قال الخطّابي، وزاد: وأمَّا إحرامه هو فقد تَضافَرَت الروايات
الصحيحة بأنَّه كان مُفرِداً، وأمَّا رواية مَن روى مُتمتِّعاً، فمعناه: أمَرَ به، لأنَّه صَرَّحَ بقوله:
((ولولا أنَّ معي الهَدْي لَأحلَلتُ))(١) فصَحَّ أنَّه لم يَتَحلَّل. وأمَّا رواية مَن روى القِرَان، فهو
إخبار عن آخر أحواله، لأنَّه أدخَلَ العمرة على الحج لمَّا جاء إلى الوادي، وقيل له: ((قل:
عمرة في حجّة)) انتهى.
وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سَبَقَ إليه قديماً ابن المنذر وبيَّنه ابن حَزْم في ((حَجَّة
الوداع» بياناً شافياً، ومَهَّدَه المحِبُّ الطََّري تمهيداً بالغاً يَطُول ذِكْره، ومحُصَّله: أنَّ كَلَّ مَن
روى عنه الإفراد حَمَلَ على ما أهلَّ به في أول الحال، وكلَّ مَن روى عنه التمتُّع أراد ما أمَرَ به
أصحابَه، وكلَّ مَن روى عنه القِرَان أراد ما استَقَرَّ عليه أمره.
(١) سلف برقم (١٥٥٨).

٣٣٦
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
وتَترجَّح رواية مَن روى القِرَان بأُمورٍ، منها:
أنَّ معه زيادةَ علم على مَن روى الإفراد وغيره.
وبأنَّ مَن روى الإفراد والتمتُّع اختُلِفَ عليه في ذلك: فأشهرُ مَن روى عنه الإفراد عائشةٌ
وقد ثَبَتَ عنها أنَّه اعتَمَرَ مع حَجَّتِه كما تقدَّم، وابنُ عمر وقد ثَبَتَ عنه أَنَّه ◌ِ﴿ بَدَأ بالعمرة ثمَّ
أهلَّ بالحجِّ كما سيأتي في أبواب الهَدْي (١٦٩١)، وثَبَتَ أنَّه جمع بين حجِّ وعمرة، ثمَّ حَدَّثَ أنَّ
النبيِ وَ ل﴿ فعل ذلك وسيأتي أيضاً، وجابرٌ وقد تقدَّم قوله: إنَّه اعتَمَرَ مع حَجَّتِه أيضاً.
وروى القِرَانَ عنه جماعةٌ من الصحابة لم يُخْتَلَف عليهم فيه، وبأنَّه لم يقع في شيء من
الروايات النَّقْلُ عنه من لفظه أنَّه قال: أفرَدتُ ولا تمتَّعتُ، بل صَحَّ عنه أنَّه قال: ((قَرَنتُ)»
وصَحَّ عنه أنَّه قال: ((لولا أنَّ معي الهَدْي لَأحلَلت)).
وأيضاً فإنَّ مَن روى عنه القِرَان لا يحتمل حديثه التأويل إلَّا بتَعسُّف، بخلاف مَن
روى الإفراد فإنَّه محمول على أول الحال وينتفي التَّعارُض، ويؤيِّده أنَّ مَن جاء عنه الإفراد
جاء عنه صورة القِرَان كما تقدَّم، ومَن روى عنه التمتُّع فإنَّه محمول على الاقتصار على سَفَرِ
واحد للتُّسُكَين، ويؤيِّده أنَّ مَن جاء عنه التمتّع لمَّا وَصَفَه وَصَفَه بصورة القِرَان، لأنَّهم
أَنَّفَقوا على أنَّه لم يَحِلَّ من عمرته حتَّى أتمَّ عمل جميع الحج وهذه إحدى صُوَرِ القِرَان.
وأيضاً فإنَّ رواية القِرَان جاءت عن بضعة عشرَ صحابياً بأسانيد جياد، بخلاف روايتَي
الإفراد والتمتّع، وهذا يقتضي رفع الشكِّ عن ذلك والمصير إلى أنَّه كان قارناً.
ومُقتَضى ذلك أن يكون القِرَان أفضلَ من الإفراد ومن التمتُّع، وهو قول جماعة من
الصحابة والتابعين، وبه قال الثَّوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، واختارَه من
الشافعية المُزَني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي، ومن المتأخّرينَ تقيُّ الدِّين السُّبْكي،
وبَحَثَ مع النَّوَوي في اختياره أنَّه وَ لِّ كان قارناً، وأنَّ الإفراد مع ذلك أفضل، مُستِداً إلى
أنَّهِ وَّ اختارَ الإفراد أولاً، ثمَّ أدخَلَ عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهُر الحج،
لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجَر الفجور كما في ثالث أحاديث الباب. ومُلخَّص ما يُتعقَّب

٣٣٧
باب ٣٤ / ح ١٥٦٦
كتاب الحج
به كلامه أنَّ البيان قد سَبَقَ منه ◌َّهِ فِي عُمَرِه الثلاث، فإنَّه أحرَمَ بكلٍّ منها في ذي القَعْدة،
عُمْرة الحُدَيبية التي صُدَّ عن البيت فيها، وعُمْرة القضيّة التي بعدها، وعُمْرة الجِعْرانة،
ولو كان أراد باعتماره عمرةَ حَجَّتِه بيانَ الجواز فقط مع أنَّ الأفضل خلافه، لاكتَفى في
ذلك بأمره أصحابه أن يَفسَخوا حَجَّهم إلى العمرة.
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم إلى أنَّ التمتُّع أفضل لكَونِهِ وَِّ تمنَّاه
فقال: ((لولا أنّ سُقْتِ الهَدْي لَأحلَلتُ)) ولا يَتمنَّى إلَّا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل
في المشهور عنه، وأُجيبَ بأنَّه إنَّما تمنَّاه تطييباً لقلوب أصحابه لحُزنهم على فوات موافقته،
وإلَّا فالأفضل ما اختاره الله له واستَمرَّ عليه.
وقال ابن قُدَامةَ: يَترجَّح التمتُّع بأنَّ الذي يُفرِد إن اعتَمَرَ بعدها، فهي عمرة مُتَلَف في
إجزائها عن حَجَّة الإسلام، بخلاف عمرة التمتُّع، فهي مُجزِئة بلا خلاف، فيترجَّح التمتّع
على الإفراد ويليه القِرَان، وقال مَن رَجَّحَ / القِرَان: هو أشَقُّ من التمتُّع وعمرتُه مُجُزِئة بلا ٤٣٠/٣
خلاف فیکون أفضل منهما.
وحكى عياض عن بعض العلماء أنَّ الصُّوَر الثلاث في الفضل سواءٌ، وهو مُقْتَضى
تصرُّف ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)) (١٦٤/٤-١٦٥). وعن أبي يوسف: القِرَان والتمتُّع في
الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد. وعن أحمد: مَن ساق الهَدْي فالقِرَان أفضل له
ليوافق فعلَ النبي ◌َّهِ، ومَن لم يَسُقَ الْهَدْي فالتمتُّع أفضل له ليوافق ما تمنَّاه وأمَرَ به
أصحابه، زاد بعض أتباعه: ومَن أراد أن يُنشِئَ لعمرَتِه من بلده سفراً، فالإفراد أفضل له،
قال: وهذا أعدَلُ المذاهب وأشبهُها بمُوافَقة الأحاديث الصحيحة، فمَن قال: الإفراد
أفضل، فعلى هذا يَتَنَزَّل، لأنَّ أعمال سفرَينِ للنُّسُكَينِ أكثر مشقَّةً، فيكون أعظمَ أجراً،
ولتُجزئ عنه عمرته من غیر نقص ولا اختلاف.
ومن العلماء مَن جمع بين الأحاديث على نَمَطٍ آخر مع موافقته على أنَّه كان قارناً،
كالطَّحاوي وابن حِبَّن وغيرهما، فقيل: أهلَّ أولاً بعمرةٍ، ثمَّ لم يتحلَّلْ منها إلى أن أدخَلَ عليها

٣٣٨
باب ٣٤ / ح ١٥٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحَجَّ يوم التروية، ومُستنَد هذا القائل(١) حديث ابن عمر الآتي في أبواب الهَدْي (١٦٩١)
بلفظ: فَبَدَأ رسول الله ◌َّهِ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحج. وهذا لا يُنافي إنكار ابن عمر على أنس
كونه نَقَلَ: أَنَّه ◌ِ له أهلَّ بالحجّ والعمرة، كما سيأتي في حَجَّة الوداع من المغازي، لاحتمال أن
يكون من إنكاره كَونه نَقَلَ أنَّه أهلَّ بهما معاً، وإنَّما المعروف عنده أنَّه أدخَلَ أحد النُّسُكَينِ على
الآخر، لكنَّ جَزْمه بأنَّه ◌َ لِّ بَدَأ بالعمرة مخالف لما عليه أكثر الأحاديث فهو مرجوح.
وقيل: أهلَّ أولاً بالحجِّ مُفرِداً، ثمَّ استَمرَّ على ذلك إلى أن أمَرَ أصحابه بأن يَفسَخوا
حَجَّهم فيجعلوه عمرةً وفَسَخَ معهم، ومَنَعَه من التحلُّل من عمرته المذكورة ما ذكره في
حديث الباب وغيره من سَوْق الهَدْي، فاستَمرَّ مُعتَمِراً إلى أن أدخَلَ عليها الحج، حتَّى تَحلَّلَ
منهما جميعاً، وهذا يستلزم أنَّه أحرَمَ بالحجّ أولاً وآخراً، وهو مُتَمَل لكنَّ الجمع الأول أَولى.
وقيل: إنَّه ◌َ لّهِ أهلَّ بالحجِّ مُفرِداً واستَمرَّ عليه إلى أن تَحَلَّلَ منه بِمِنَّى، ولم يَعتمِر في تلك
السنة، وهو مُقتَضى مَن رَجَّحَ أنَّه كان مُفرِداً.
والذي يظهر لي أنَّ مَن أنكَرَ القِرَان من الصحابة، نفى أن يكون أهلَّ بهما جميعاً في أول
الحال، ولا يَنفي أن يكون أهلَّ بالحجِّ مُفرِداً ثمَّ أدخَلَ عليه العمرة، فيجتمع القولان كما
تقدَّم، والله أعلم.
قوله: ((ولم تَحلِلْ)) بكسر اللَّام الأولى، أي: لم تَحِلّ، وإظهار التَّضعيف لغة معروفة.
قوله: ((لَبَّدْت)) بتشديد الموحّدة، أي: شعر رأسي، وقد تقدَّم بيان التَّلبيد، وهو أن يُعَل
فيه شيء ليَلتَصِقَ به. ويُؤخَذ منه استحباب ذلك للمُحرِم.
قوله: ((فلا أَحِلُّ حتَّى أنحَر)) يأتي الكلام عليه في الحديث السابع.
الحديث السادس:
١٥٦٧ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، أخبرنا أبو جَمْرةَ نَصْرُ بنُ عِمْرانَ الضُّبَعِيُّ، قال: تَمَّعْتُ
فنهاني ناسٌ، فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فأمَرَني، فرأيتُ في المنام كأنَّ رجلاً يقول لي:
(١) في (ع): التأويل.

٣٣٩
باب ٣٤ / ح ١٥٦٧
كتاب الحج
حَجِّ مَبْرورٌ وعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلةٌ، فأخبرتُ ابنَ عبَّاسِ فقال: سُنَّةُ أبي القاسم ◌ََّ، فقال لي: أقِمْ عندي
وأَجعَلَ لكَ سَهْماً من مالي.
قال شُعْبةُ: فقلتُ: لِمَ؟ فقال: للرُّؤْيا التي رأيتُ.
[طرفه في: ١٦٨٨]
قوله: (أبو جَمْرة)) بالجيمِ والراء.
قوله: (تَمَّعْت فنهاني ناس)) لم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زَمَن ابن الزُّبَير، وكان
يَنهى عن المتعة، كما رواه مسلم (١٢١٧) من حديث أبي نَضْرة(١) عنه وعن جابر، ونَقَلَ ابن
أبي حاتم عن ابن الزُّبَير أنَّه كان لا يَرى التمتُّع إلَّا للمُحصَر، ووافقه عَلقَمة وإبراهيم،
وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للمُحصَر.
قوله: ((فأمَرَني)) أي: أن أستمرَّ على عمرتي، ولأحمد (٢١٥٨) ومسلم (١٢٤٢) من
طريق ◌ُندَر عن شُعْبة: فأتيتُ ابنَ عبَّاس فسألته عن ذلك، فأمَرَني بها، ثمَّ انطلقتُ إلى
البيت فنِمتُ فأتاني آتٍ في منامي.
قوله: ((وعُمْرة مُتَقبَّلَة)) في رواية النَّضر عن شُعْبة كما سيأتي في أبواب الهَدْي (١٦٨٨):
(مُتْعة مُتَقَبَّلة)) وهو خبر مُبتَدَأ محذوفٍ، أي: هذه عمرة مُتَقبَّلة، وقد تقدَّم تفسير المبرور
في أوائل الحج (١٥١٩).
قوله: ((فقال: سُنَّة أبي القاسم)) هو خبر مُبتَدَأ محذوف، أي: هذه سُنَّة، ويجوز فيه النصب،
أي: وافقت سُنَّةَ أبي القاسم، أو على الاختصاص، وفي رواية النَّضر (١٦٨٨): فقال: الله
أكبَرَ، سُنَّة أبي القاسم. وزاد فيه زيادة يأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: (ثمّ قال لي)) أي: ابن عبّاس ((أَقِمْ عندي وأجعَلُ لك سَهْماً من مالٍ)) أي: نصيباً((قال
شُعْبة: فقلت)) يعني: لأبي جَمْرة ((ولِمَ؟)) أي: استفهمَه عن سبب ذلك ((فقال: للرُّؤْيا)) أي:
لأجل الرُّؤيا المذكورة.
(١) في الأصلين و(س): من حديث أبي الزبير، وهو تحريف.

٣٤٠
باب ٣٤ / ح ١٥٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٣١/٣
ويُؤخَذ منه إكرام مَن أخبر المرءَ بما يَسُرُّه، وفرحُ العالم بموافقتِهِ الحقَّ، والاستئناس
بالرُّؤيا لموافقة الدليل الشَّرعي، وعرض الرُّؤيا على العالم، والتكبير عند المَسَّة، والعمل
بالأدلَّة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمَل بالراجح منه الموافق للدليل.
الحديث السابع:
١٥٦٨ - حدَّثنا أبو نُعَيم: حدّثنا أبو شِهابٍ قال: قَدِمْتُ مُتمتِّعاً مكَّةَ بِعُمْرةٍ، فَدَخَلْنا قبلَ
التَّرُوِيَةِ بثلاثةِ أيام، فقال لي أُناسٌ من أهلِ مَّة: يَصيرُ الآنَ حَجُّكَ مَكِّيّاً، فدخلتُ على عطاءٍ
أستَفْتِيه، فقال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّه حجَّ مع النبيِّ وَّهِ يومَ سَاقَ الْبُدْنَ
معه وقد أهَلُّوا بالحجِّ مُفْرَداً، فقال لهم: ((أحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيتِ وبين الصَّفا
والمَرْوةِ، وقَصِّرُوا، ثمَّ أقِيمُوا حلالاً، حتَّى إذا كان يومُ الثَّوِيةِ، فأهِلُّوا بالحجِّ واجعَلُوا التي
قَدِمْتُم بها مُتْعَةً)) فقالوا: كيفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وقد سَمَّينا الحجَّ؟ فقال: ((افعَلُوا ما أُمَرْتُكُم، فلولا
أنِّ سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أُمَرْتُكُم، ولكن لا يَحِلُّ منّي حرامٌ حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُّ مَحِلَّه»
ففَعَلُوا.
قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له حديث مسندٌ إلا هذا.
[انظر: ١٥٥٧]
قوله: «حدّثنا أبو شهاب)» هو الأكبر، واسمه موسی بن نافع.
قوله: ((حَجُّك مَكًِّا)) في رواية الكُشْمِيهني: ((حَجَّتك مَكّية)) يعني: قليلة الثَّواب لِقِلّة
مَشَقَّتها، وقال ابن بَطَّال: معناه أنَّك تُنشِئ حَجَّك من مكَّة، كما يُنشِئ أهل مكَّة منها،
فيَفُوتك فضل الإحرام من الميقات.
قوله: ((فدخلت على عطاء)) أي: ابن أبي رَبَاح.
قوله: ((يوم ساقَ البُذْن معه)) بضم الموحّدة وإسكان الدال: جمع بَدَنة، وذلك في حَجَّة
الوداع، وقد رواه مسلم (١٢١٦) عن ابن نُمَير عن أبي نُعَيم شيخ البخاري فيه بلفظ: عامَ
ساق اهدي.