النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
كتاب الحج
حینَ استوت به راحلته»، وأخرج فیه (١٥٥٢) من طریق صالح بن گیْسانَ عن نافع عن ابن
عمر قال: «أهلَّ النبي ێ حين استَوَت به راحلته قائمة)»، وكان ابن عمر ◌ُنكِر على رواية ابن
عبَّاس الآتية بعدَ بابين (١٥٤٥) بلفظ: رَكِبَ راحلته حتَّى استوى على البَيداء أهلَّ.
وقد أزالَ الإشكال ما رواه أبو داود (١٧٧٠) والحاكم (١ / ٤٥١) من طريق سعيد بن
جُبَير، قلت لابن / عبَّاس: عَجِبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله وَّ في إهلاله ... فذكر ٤٠١/٣
الحديث، وفيه: فلمَّ صلَّى في مسجد ذي الحُلَيفة ركعتَينِ أو جَبَ من ◌َجلِسه فأهلَّ بالحجِّ
حينَ فَرَغَ منهما، فسمع منه قومٌ فحَفِظوه، ثمَّ رَكِبَ، فلمَّا استَقَلَّت به راحلته أهَلّ، وأدرك
ذلك منه قوم لم يَشْهَدوه في المرّة الأُولى فسمعوه حينَ ذاك، فقالوا: إنَّما أهلَّ حينَ استَقَلَّت
به راحلته، ثمَّ مضى فلمَّا عَلَا شَرَفَ البَيداء أهَلّ، وأدرَك ذلك قوم لم يَشهَدوه، فنَقَلَ كلّ
أحد ما سمِع، وإنَّما كان إهلاله في مُصلّاه وايْمُ الله، ثمَّ أهلَّ ثانياً وثالثاً. وأخرجه الحاكم
من وجه آخر من طریق عطاء عن ابن عبّاس نحوه دون القصّة، فعلى هذا فكان إنكار ابن
عمر على مَن يَخُصّ الإهلالَ بالقيام على شَرَف البَيداء، وقد اتَّفَقَ فقهاء الأمصار على جواز
جميع ذلك، وإنَّما الخلاف في الأفضل.
فائدة: البَيْداء هذه فوق عَلَمَي ذي الحليفة لمن صَعِدَ من الوادي، قاله أبو عبيد البكري
وغيره.
٢١ - باب ما لا يَلْبَسُ المُحرِم من الّياب
١٥٤٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي
الله عنهما: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، ما يَلْبَسُ المحْرِمُ من الِّياب؟ قال رسولُ اللهَِّتِ: ((لا
يَلْبَسُ القُمُصَ، ولا العَمائمٌ، ولا السَّراوِيلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخفافَ إلا أحدٌ لا تَجِدُ
تَعْلَيْنٍ، فَلْيَلْبَسْ خُقَّيْنٍ، ولْيَقطَعْهما أسفَلَ من الكَعْبِينِ، ولا تَلْبَسُوا من الثِّيَابِ شيئاً مَسَّه زهْفَرانُ
أو وزْسٌ)).

٢٨٢
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما لا يَلْبَس المحْرِم من الثّياب)» المراد بالمحرِمِ: مَن أحرَمَ بحَجِّ أو عمرة أو
قَرْن، وحكى ابن دَقِيق العيد: أنَّ ابن عبد السلام كان يستشكِل معرفة حقيقة الإحرام،
يعني: على مذهب الشافعي، ويَرُدُّ على مَن يقول: إنَّه النّية، لأنَّ النّة شرط في الحج الذي
الإحرام رُكْنه، وشرط الشيء غيره، ويَعتَرِض على مَن يقول: إنَّه التَّلبية، بأنَّها ليست رُكناً،
وكان يُحِرِمُ(١) على تعيين فعل تَتَعلَّق به النّة في الابتداء. انتهى، والذي يظهر أنَّه مجموع
الصِّفة الحاصلة من تَجُّد وتلبية ونحو ذلك، وسيأتي في آخر ((باب التَّلبية)) ما يَتعلَّق بشيءٍ
من هذا الغَرَض.
قوله: ((أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله)) لم أقف على اسمه في شيء من الطّرق، وسيأتي في
((باب ما يُنهى من الطّيب للمُحرِم)) (١٨٣٨) من طريق الليث، عن نافع بلفظ: ((ماذا تأمُرُنا
أن نَلبَس من الثّياب في الإحرام»، وعند النَّسائي (٢٦٧٥) من طريق عمر بن نافع، عن أبيه:
((ما نَلبَس من الثياب إذا أحرَمنا؟))، وهو مُشعِرٍ بأنَّ السُّؤال عن ذلك كان قبلَ الإحرام.
وقد حكى الدارَقُطني عن أبي بكر النَّيسابوري: أنَّ في رواية ابن جُرَيج والليث عن
نافع: أنَّ ذلك كان في المسجد، ولم أرَ ذلك في شيء من الطّرق عنهما. نعم أخرج البيهقي
(٤٩/٥) من طريق حمّاد بن زيد عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد الله
ابن عَوْن، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى رجل رسول الله وَ ال﴿ وهو تخطُب بذلك
المكان؛ وأشارَ نافع إلى مُقدَّم المسجد، فذكر الحديث، وظَهَرَ أنَّ ذلك كان بالمدينة.
ووقع في حديث ابن عبّاس الآتي في أواخر الحج (١٨٤٣): أَنَّه ◌َِّ خَطَبَ بذلك في
عَرَفات، فيُحمَل على التَّعَدُّد، ويؤيِّده أنَّ حديث ابن عمر أجاب به السائلَ، وحديث ابن
عبَّاس ابتَدَأ به في الخُطبة.
قوله: ((ما يَلْبَس المحْرِم من الثّاب؟ قال: لا يَلْبَس القُمُصَ ... )) إلى آخره، قال النَّوَوي:
قال العلماء: هذا الجواب من بَديع الكلام وجَزْله، لأنَّ ما لا يُلبَس مُنحَصِر، فحَصَلَ
(١) كذا في الأصلين، وهو الموافق لما في ((إحكام الأحكام))، وفي (س): وكأنه يحوم!

٢٨٣
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
كتاب الحج
التصريح به، وأمَّا الملبوس الجائز فغير مُنحَصِر، فقال: / لا يَلبَس كذا، أي: ويَلبَس ما ٤٠٢/٣
سواه. انتهى.
وقال البَيْضاوي: سُئِلَ عمَّا يُلبَس، فأجاب بما لا يُلبَس، ليدُلّ بالالتزام من طريق
المفهوم على ما يجوز، وإنَّما عَدَلَ عن الجواب لأنَّه أخصَر وأحصَر، وفيه إشارة إلى أنَّ حَقَّ
السُّؤال أن يكون عمّا لا يُلبَس، لأنَّه الحُكْم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز
ثابت بالأصل، معلوم بالاستصحاب، فكان الأليَقُ السُّؤال عمَّا لا يُلبَس.
وقال غيره: هذا يُشبِهِ أُسلوب الحكيم، ويَقرُب منه قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونُّ قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلَوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فعَدَلَ عن جنس المنفَق منه،
وهو المسؤول عنه، إلى ذِكر المنفَق عليه، لأنَّه أهمُ.
وقال ابن دَقِيق العيد: يُستفاد منه أنَّ المعتبَرَ في الجواب ما يَحصُل منه المقصود كيف
كان، ولو بتغييرٍ أو زيادة، ولا تُشتَرَط المطابقة. انتهى.
وهذا كلُّه بناءً على سياق هذه الرواية، وهي المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عَوَانة من
طريق ابن جُرَيج، عن نافع بلفظ: ((ما يَترُك المحرِم)) وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن
جُرَيج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: أنَّ رجلاً قال: ما يَجِتَب المحرم من
الثياب، أخرجه أحمد (٤٨٩٩) وابن خُزَيمةَ (٢٦٠١) وأبو عَوَانة في ((صحيحَيهما) من طريق
عبد الرزاق عن مَعمَر عن الزُّهْري عنه، وأخرجه أحمد (٤٥٣٨) عن ابن عُيَينةَ عن الزُّهْري
فقال مرَّة: ((ما يَترُك)، ومَرَّة: ((ما يَلبَس))، وأخرجه المصنّف في أواخر الحج (١٨٤٢) من
طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهْري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزُّهْري يُشعِر بأنَّ
بعضهم رواه بالمعنى، فاستَقامت رواية نافع لعَدَم الاختلاف فيها، واتّجَهَ البحث المتقدِّم.
وطَعَنَ بعضهم في قول مَن قال من الشُّاح: إنَّ هذا من أُسلوب الحكيم، بأنَّه كان
يُمكِن الجواب بما يَحَصُر أنواع ما لا يُلبَس، كأن يقال: ما ليس بمَخيط، ولا على قَدْرِ البَدَن
كالقَميص، أو بعضه كالسراويلِ أو الخُفّ، ولا يَستُر الرَّأس أصلاً ولا يُلبَس ما مَسَّه طيب

٢٨٤
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
كالوَرْسِ والزَّعفَران، ولعلَّ المراد من الجواب المذكور ذِكر المهمّ، وهو ما يَرُم لُبسه
ويُوجِب الفِدْية.
قوله: ((المُخْرِم)) أجمعوا على أنَّ المراد به هنا الرجل، ولا يَلْتَحِق به المرأة في ذلك.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ للمرأة لُبُسَ جميع ما ذُكِرٍ، وإنَّما تَشْتَرِك مع الرجل في مَنْع
الثَّوب الذي مَسَّه الزَّعفَران أو الوَرْس، ويؤيِّده قوله في آخر حديث الليث الآتي في آخر
الحج (١٨٣٨): ((ولا تَنتَقِب المرأة)» كما سيأتي البحث فيه.
وقوله: ((لا تَلَسُ)) بالرفع على الخبر وهو في معنى النَّهي، ورُوي بالجزمِ على أنَّه نَهيٌّ.
قال عياض: أجمع المسلمونَ على أنَّ ما ذُكِرَ في هذا الحديث لا يَلْبَسه المحرِم، وأنَّه نَبَّه
بالقميصِ والسراويل على كلِّ مَخِيط، وبالعَمَائِمِ والبَرانس على كلّ ما يُغَطّى الرَّأس به
تَخَيطاً أو غيره، وبالخِفاف على كلّ ما يَستُر الرِّجل. انتهى، وخَصَّ ابن دقيق العيد الإجماع
الثاني بأهل القياس، وهو واضح.
والمراد بتحريم المَخِيط ما يُلبَس على الموضع الذي جُعل له ولو في بعض البَدَن، فأمَّا
لو ارتدی بالقمیص مثلاً فلا بأس.
وقال الخطَّابي: ذَكَر العِمامة والبُرْنُسَ معاً ليدُلَّ على أنَّه لا يجوز تغطيةُ الرَّأس لا بالمعتاد
ولا بالنادر، قال: ومن النادر المکْتَل محمِله على رأسه.
قلت: إن أراد أنَّه يجعله على رأسه كَلابس القُبْع، صَحَّ ما قال، وإلَّا فمجرَّد وضعه على
رأسه على هَيئة الحامل لحاجته لا يَضُرّ على مذهبه. ومما لا يَضُرّ أيضاً الانغماس في الماء، فإنَّه
لا يُسمَی لابساً، وكذا سَتْر الرّأس بالید.
قوله: ((إلّا أحد» قال ابن المنير في ((الحاشية)»: يُستفاد منه جواز استعمال أحدٍ في الإثبات،
خلافاً لمن خَصَّه بضرورة الشِّعر، قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنَّه لا يُستَعمَل في الإثبات
إلَّا إن كان يَعقُبه نَفيٌّ.

٢٨٥
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
كتاب الحج
قوله: ((لا يَجِد نَعْلَين)) زاد مَعمَر في روايته عن الزُّهْري عن سالم في هذا الموضع زيادة
حسنة تُفيد ارتباط ذِكر النَّعلَينِ بما سَبَقَ وهي قوله: ((وليُحرِم أحدكم في إزار ورِداء
ونَعَلَين، فإن لم يَجِد نَعَلَيْنِ فليَلَبَس الْخُفَّين))(١)، واستُدِلَّ بقوله: ((فإن لم يَجِد)» على أنَّ واجد
الثَّعَلَيْنِ لا يَلْبَس الخُفَّين/ المقطوعَينِ، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، ٤٠٣/٣
وكذا عند الحنفيَّة.
وقال ابن العربي: إن صارا كالنَّعلَينِ جازَ، وإلَّا متى سَترا من ظاهر الرَّجل شيئاً لم يَجُز
إِلَّا للفاقد، والمراد بعَدَم الوِجْدان أن لا يَقدِر على تحصيله، إمّا لفَقِدِه أو تَرك بَذْل المالك له
وعَجزه عن الثَّمَن إن وُجِدَ مَن يَبيعه أو الأُجرة، ولو بِيعَ بغَبْنٍ لم يَلَمه شِراؤُه، أو وُهِبَ له
لم يجب قَبُوله إلَّا إن أُعيِرَ له.
قوله: ((فَلْيَلْبَس)) ظاهر الأمر للوجوب، لكنَّه لمَّا شُرِعَ للَّسهيلِ لم يُناسب التَّثقيل، وإنَّما
هو للرُّخصة.
قوله: ((ولْيَقطعْهما أسفَلَ من الكَعْبين)) في رواية ابن أبي ذِئب الماضية في آخر كتاب العلم
(١٣٤): ((حتَّى يكونا تحت الكعبين)) والمراد كَشف الكعبينِ في الإحرام، وهما العَظمان
الناتئان عند مَفصِل الساق والقَدَم، ويؤيده ما روى ابن أبي شَيْبة(٢) عن جَرِير عن هشام بن
عُرْوة، عن أبيه، قال: إذا اضطُرَّ المحرِمِ إلى الخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهورهما، وتَرَك فيهما قَدْر ما
يستمسِك ڕِ جلاه.
وقال محمد بن الحسن ومَن تَبِعَه من الحنفيّة: الكعب هنا هو العَظم الذي في وسط
القَدَم عند مَعِد الشِّراك، وقيل: إنَّ ذلك لا يُعرَف عند أهل اللُّغة، وقيل: إنَّه لا يَتْبُت عن
محمد، وأنَّ السّبب في نقله عنه: أنَّ هشام بن عُبيد الله الرّازي سمعه يقول في مسألة المحرم،
إذا لم يَجِدِ النَّعَلَينِ حيثُ يقطع خُفَّيِهِ، فأشارَ محمدٌ بيدِه إلى موضع القَطْع، ونقله هشام إلى
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٤٨٩٩)، وابن خزيمة (٢٦٠١).
(٢) في («مصنفه)) برقم (١٤٨٣٨) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٢٨٦
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
غسل الرِّجَلَينِ في الطَّهارة، وبهذا يُتعقَّب على مَن نَقَلَ عن أبي حنيفة كابن بَطَّل أنَّه قال: إنَّ
الكعب هو الشاخص في ظَهر القَدَم، فإنَّه لا يَلزَم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن - على
تقدیر صِحَّتِه عنه - أن یکون قول أبي حنيفة.
ونُقِلَ عن الأصمَعي - وهو قول الإمامية -: أنَّ الكعب عَظمٌ مُستَدير تحت عظم
الساق حيثُ مَفصِل الساق والقَدَم، وجمهور أهل اللُّغة على أنَّ في كلّ قَدَم كعبين.
وظاهر الحديث أنَّه لا فِدية على مَن لَبِسهما إذا لم يَجِد النَّعلَين، وعن الحنفيّة: تجب،
وتُعقّبَ بأنَّهَا لو وَجَبَت ◌َبيَّنِها النبي ◌ََّ، لأنَّه وقت الحاجة.
واستُدِلَّ به على اشتراط القطع، خلافاً للمشهورِ عن أحمد، فإنَّه أجازَ لُبس الخُفَّينِ من
غير قطع لإطلاق حديث ابن عبّاس الآتي في أواخر الحج (١٨٤٣) بلفظ: ((ومَن لم تَجِد
نَعَلَینِ فليلبس خُفَين».
وتُعقّبَ بأنَّه موافق على قاعدة حَل المطلَق على المقيَّد، فينبغي أن يقول بها هنا، وأجاب
الحنابلة بأشياء: منها دعوى النَّسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارَقُطني (٢٤٦٩) من
طريق عَمْرو بن دينار أنَّه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس
حديثه وقال: انظُرُوا أيَّ الحديثَينِ قبلُ.
ثمَّ حكى الدارَقُطني عن أبي بكر النَّيسابوري، أنَّه قال: حديث ابن عمر قبلُ، لأنَّه كان
بالمدينة قبلَ الإحرام، وحديث ابن عبّاس بعَرَفاتٍ.
وأجاب الشافعي عن هذا في ((الأُمّ)) (٢/ ١٦١) فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة
ابن عمر، لا تُخالف ابن عبّاس لاحتمال أن تكون عَزَبَتْ عنه، أو شكَّ، أو قالها فلم يقلها
عنه بعض رواته. انتهى.
وسَلَك بعضهم الترجيح بين الحديثَين، قال ابن الجَوْزي: حديث ابن عمر اختُلِفَ في
وقفه ورفعه، وحديث ابن عبّاس لم يُخْتَلَف في رفعه. انتهى، وهو تعليل مردود، بل لم
يُخْتَلَف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلَّا في رواية شاذّة، على أنَّه اختُلِفَ في حديث

٢٨٧
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
كتاب الحج
ابن عبّاس أيضاً، فرواه ابن أبي شَيْبة (١٠١/٤) بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبَير، عن
ابن عبّاس موقوفاً، ولا يَرتابُ أحد من المحدِّثين أنَّ حديث ابن عمر أصحُّ من حديث ابن
عبّاس؛ لأنَّ حديث ابن عمر جاء بإسناد وُصِفَ بكَونِهِ أصحَّ الأسانيد، واتَّفَقَ عليه عن
ابن عمر غير واحد من الحُفَّاظ منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأتِ
مرفوعاً إلَّا من رواية جابر بن زيد عنه، حتَّى قال الأَصِيلي: إنَّه شيخ بصري لا يُعرَف، كذا
قال! وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمّة.
واستدلَّ بعضهم بالقياس على السراويل كما سيأتي البحث فيه في حديث ابن عبّاس إن
شاء الله تعالى. وأُجيبَ بأنَّ القياس مع وجود النَّصّ فاسدُ الاعتبار.
واحتَجَّ بعضهم بقول عطاء: إنَّ القطع فسادٌ، والله لا يُحِبّ الفساد. وأُجيبَ بأنَّ الفساد ٤٠٤/٣
إِنَّما يكون فيما نهى الشَّرع عنه، لا فيما أَذِنَ فيه.
وقال ابن الجَوْزي: يُحمَل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملاً بالحديثين،
ولا يخفى تكلُّه.
قال العلماء: والحكمة في مَنع المُحْرِم من اللباس والطّيب البُعد عن الترقُّه، والاتِّصاف
بصفة الخاشع، وليتَذَكَّرَ بالتَّجَرُّد القدومَ على رَبّه، فيكون أقربَ إلى مُراقبته وامتناعه من
ارتكاب المحظورات.
قوله: ((ولا تَلْبَسُوا من الثّياب شيئاً مَسَّه زَعْفَران أو وَرْس» قيل: عَدَلَ عن طريقة ما
تقدَّم ذِكْره إشارةً إلى اشتراك الرجال والنِّساء في ذلك، وفيه نظرٌّ، بل الظاهر أنَّ نُكْتة
العُدول أنَّ الذي يُخالطه الزَّعفَران والوَرس، لا يجوز لُبسه، سواء كان ممَّا يَلبَسه المحرم
أو لا يلبسه.
والوَرْس، بفتح الواو وسكون الراء بعدها مُهمَلة: نَبْتُ أصفَر طيِّب الرّيح، يُصْبَغ به،
قال ابن العربي: ليس الوَرْس بطِيبٍ، ولكنَّه نَبَّه به على اجتناب الطّيب وما يُشبِهِه في مُلاءَمة
الشَّمّ، فيُؤخَذ منه تحريم أنواع الطّيب على المحرِم، وهو مُجمَع عليه فيما يُقصَد به التطيُّب.

٢٨٨
باب ٢١ / ح ١٥٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
واستُدِلَّ بقوله: ((مَسَّه)) على تحريم ما صُبِغَ كلّه أو بعضُه، ولو خَفِيت رائحته. قال مالك
في ((الموطَّ)(١): إنَّما يُكرَه لُبس المُصبَّغات لأنَّها تَنفُض. وقال الشافعية: إذا صار الثَّوب
بحيثُ لو أصابَه الماء لم تَفُح له رائحة لم يُمنَع. والحُبَّة فيه حديث ابن عبّاس الآتي (١٥٤٥)
في الباب الذي بعدّه (٢) بلفظ: ولم يَنهَ عن شيء من الثِّياب إلَّ المُزَعفَرة التي تَردَع الجلد.
وأمَّا المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرّائحة جازً خلافاً لمالك، واستُدِلَّ لهم بما
روى أبو معاوية، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع في هذا الحديث: ((إلَّا أن يكون غَسیلاً)»
أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني في ((مسنده)) عنه، وروى الطَّحاوي (١٣٧/٢) عن
أحمد بن أبي عِمْران أنَّ يحيى بن مَعِين أنكَرَه على الحِماني، فقال له عبد الرحمن بن صالح
الأَزْدي: قد گتبته عن أبي معاوية. وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبَه عنه يحيى بن معين.
انتهى، وهي زيادة شاذّة؛ لأنَّ أبا معاوية، وإن كان مُتَقِناً، لكن في حديثه عن غير الأعمَش
مقال، قال أحمد: أبو معاوية مُضطَرِب الحديث في عُبيد الله ولم يَجِئ بهذه الزيادة غيرُه.
قلت: والحِّاني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابَعَه فيه مقال.
واستَدَلَّ به المهلَّب على مَنْع استدامة الطِّيب، وفيه نظرٌ، واستَنبَطَ من منع لُبسَ الثَّوب
المُزَعفَر منعَ أكل الطَّعام الذي فيه الزَّعفَران، وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف،
وقال الحنفيّة: لا يَجِرُم لأنَّ المراد اللُّبس والتطيُّب، والآكِلُ لا يُعَدُّ مُتَطِيِّباً.
تنبيه: زاد الثَّوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث: ((ولا القَبَاء)) أخرجه
عبد الرزاق عنه، ورواه الطبراني (٥٠٣١) من وجه آخر عن الثَّوري، وأخرجه الدارَ قُطني
(٢٤٧٨) والبيهقي (٥/ ٥٠) من طريق حفص بن غياث عن عُبيد الله بن عمر عن نافع
أيضاً. والقَبَاء، بالقاف والموخَّدة معروف، ويُطلَق على كلّ ثوب مُفرَّج، ومَنعُ لُبسه على
(١) برقم (١٠٤٤) من رواية أبي مصعب، وقد وقع في المطبوع بلفظ: المشبَّعات، بدل المصبغات، وهما
بمعنَّى، وقوله: (تَنَفُضُ)) يعني: تُزيل، وفي الترمذي (٢٨١٤) من حديث قَيْلة بنت مخرمة في قصة
المُلاءتين: أنهما كانتا مصبوغتين وقد نَفَضَتا، أي: ذهب وزال لون صِبْغهما ولم يبقَ إلا الأثر. انظر
(«اللسان» (نفض). وقد تحرف في المطبوع إلى: نقص، ولا معنى له في هذا السياق.
(٢) تحرف في (س) إلى: تقدم.

٢٨٩
باب ٢٢ -٢٣ / ح ١٥٤٣ - ١٥٤٤
كتاب الحج
المحِرِمِ مُتَّفَق عليه، إلَّا أنَّ أبا حنيفة قال: يُشتَرَط أن يُدخِل يديه في كُمَّيه، لا إذا ألقاه على
كَتِفَيه، ووافقه أبو ثَوْر والخِرَقي من الحنابلة، وحكى الماوَرْدي نَظِيرَه إن كان كُمّه ضَيِّقاً،
فإن کان واسعاً فلا.
٢٢ - باب الركوب والارتداف في الحج
١٥٤٣، ١٥٤٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِیرٍ، حدثنا أَبي، عن يونس
الأَيْلِيّ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ أُسامةَ ﴾
كان رِدْفَ النبيِّ وَِّ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفِةِ، ثمَّ أردَفَ الفَضْلَ من المُزْدِلِفِةِ إلى مِنِّى، قال:
فكِلاهما قال: لم يَزَّلِ النبيُّ ◌َّا يُلِّي حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
٤٠٥/٣
[ح ١٥٤٣ طرفه في: ١٦٨٦]
[ح ١٥٤٤ أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]
قوله: ((باب الرُّكُوب والارْتِداف في الحجّ)) أورَدَ فيه حديث ابن عبَّاس في إردافه ◌َّ
أسامة ثمَّ الفَضْل، وسيأتي الكلام عليه (١٦٨٥) في ((باب التَّلبية والتكبير غَداة النَّحر)).
والقصَّة وإن كانت وَرَدَت في حالة الدَّفع من عَرَفات إلى مِنَّى، لكن يُلحَق بها ما تَضَمَّنَتَه
الترجمة في جميع حالات الحج.
قال ابن المنيِر: والظاهر أنَّه وَ ﴿ قَصَدَ بإردافه مَن ذُكِرَ ليحَدِّث عنه بما يَتَّفِق له في تلك
الحال من التَّشريع.
٢٣ - باب ما يَلبَس المُحرم من الثياب والأَرْدية والأُزُر
ولَبِسَت عائشةُ رضي الله عنها الثِّابَ المُعَصْفَرَةَ وهي تُحرِمةٌ، وقالت: لا تَّمْ ولا تَتَبرِقَعْ
ولا تَلْبَسْ ثَوْباً بوَرْسٍ ولا زَغْفَرانٍ.
وقال جابرٌ: لا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيباً.
ولم تَرَ عائشةُ بأساً بالحُلِيِّ، والثَّوبِ الأسوَدِ، والمُورَّدِ، والخُفِّ للمرأةِ.
وقال إبراهیمُ: لا بأسَ أن يُبدِلَ ثيابَه.

٢٩٠
باب ٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب ما يَلْبَس المحْرِم من الثّياب والأردية والأُزُر)» هذه الترجمة مُغايرة للسابقة
التي قبلها من حيثُ إنَّ تلك معقودة لمَا لا يُلبَس من أجناس الثّياب، وهذه لمَا يُلبَس من
أنواعها. والأُزُر۔بضم الهمزة والزّاي -: جمع إزار.
قوله: ((ولَبِسَت عائشة الثّياب المعَصْفَرة وهي مُحرِمة)) وَصَلَه سعيد بن منصور من طريق
القاسم بن محمد قال: كانت عائشة تَلبَس الثّياب المعَصفَرة وهي مُرِمة، إسناده صحيح.
وأخرجه البيهقي (٥/ ٥٩) من طريق ابن أبي مُلَيكة: أنَّ عائشة كانت تَلبَس الثّياب المورَّدة
بالعُصفُر الخفيف وهي مُرِمة.
وأجازَ الجمهور لُبس المعَصفَر للمُحرِمِ. وعن أبي حنيفة: العُصفُر طِيبٌ وفيه الفِدية،
واحتَجَّ بأنَّ عمر كان يَنهى عن الثّابِ المُصبَّغة، وتعقّبه ابن المنذر بأنَّ عمر كَرهَ ذلك لئلا
يَقتَديَ به الجاهل، فيَظُنّ جواز لُبس المُوَرَّس والمُزَعفَر، ثمَّ ساق له قصَّة مع طلحة فيها
بیان ذلك.
٤٠٦/٣
قوله: ((وقالت)) أي: عائشة ((لا تَلَثَّمْ)) بمُثَنَّة واحدة وتشديد المثلَّثة، وهو على حذفٍ
إحدى التاءَين، وفي رواية أبي ذرٍّ: ((تَلَئِم)) بسكون اللَّام وزيادة مُثنَّة بعدها، أي: لا تُغَطّي
شَفَتها بثوب، وقد وَصَلَه البيهقي (٤٧/٥)، وسَقَطَ من رواية الحَمُّوِيّ من الأصل، وقال
سعيد بن منصور: حدَّثنا هُشَيم حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسوَد، عن عائشة،
قالت: تَسْدُلُ المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها.
وفي «مصنَّف ابن أبي شَيْبة))(١) عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن وعطاء قالا: لا
تَلبَس المحرِمة القُفّازَينِ والسراويل، ولا تَبَرَقَع ولا تَلَثَّم، وتَلبَسُ ما شاءَت من الثّياب، إلَّا
ثوباً يَنفُض عليها وَرْساً أو زَعفَراناً، وهذا يُشبِهِ ما ذُكِرَ في الأصل عن عائشة.
قوله: ((وقال جابر)) أي: ابن عبد الله الصحابي.
(١) برقم (١٤٤٢٠) بتحقيق الجمعة واللحيدان، لكن وقع فيه: ((تلبس القفازين والسروايل)) بالإثبات في
سائر طبعاته.

٢٩١
باب ٢٣
كتاب الحج
قوله: ((لا أرى المعَصْفَر طيباً)) أي: تَطَيُّباً. وَصَلَه الشافعي (١٦١/٢) ومُسدّد(١) بلفظ:
((لا تَلَبَس المرأة ثياب الطّيب، ولا أرى المعَصفَر طيباً) وقد تقدَّم الخلاف في ذلك.
قوله: ((ولم تَرَ عائشة بأساً بالحليِّ والثوب الأسوَد والموَرَّد والخُفّ للمرأة)) وَصَلَه البيهقي
(٥٢/٥) من طريق ابن باباه المكِّي: أنَّ امرأة سألت عائشة: ما تَلبَس المرأةُ في إحرامها؟
قالت عائشة: تَلبَس من خَزّها وبَزّها وأصباغها وحُليِّها.
وأمَّا الموَرَّد، والمراد ما صُبِغَ على لَون الوَرد، فسيأتي موصولاً في ((باب طواف النِّساء)»
(١٦١٨) في آخر حديث عطاء عن عائشة، وأمَّا الخُّفّ فوَصَله ابن أبي شَيْبة (٩٢/٤ -٩٣)
عن ابن عمر والقاسم بن محمد والحسن وغيرهم.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ المرأة تَلبَس المَخِيط كلَّه والخِفاف، وأنَّ لها أن تُغَطَّ
رأسَها وتَسْتُرَ شعرَها، إلَّا وجهَها فَتَسدُل عليه الثَّوب سَدلاً خفيفاً تُستَر به عن نظر
الرجال، ولا تُحُمِّره إلَّا ما رُويَ عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنَّا نُخَمِّر وجوهنا ونحنُ
مُحرِمات مع أسماء بنت أبي بكر؛ تعني: جَدَّتها، قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سَدْلاً
كما جاء عن عائشة قالت: كنَّا مع رسول الله وَ له إذا مرَّ بنا رَكبٌ سَدَلنا الثَّوب على وجوهنا
ونحنُ مُحرِمات، فإذا جاوزنا رَفَعناه. انتهى، وهذا الحديث أخرجه هو من طريق مجاهد
عنها، وفي إسناده ضعف.
قوله: ((وقال إبراهيم)) أي: النَّخَعي.
قوله: ((لا بأس أن يُبدِلَ ثيابه)) وَصَلَه سعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة(٢) كلاهما عن
هُشَيمٍ عن مُغيرة وعبد الملك ويونس، أمَّا مُغيرة فعن إبراهيم، وأمَّا عبد الملك فعن عطاء،
وأمَّا يونس فعن الحسن قالوا: يُغيِّر المحرِم ثيابه ما شاءَ. لفظ سعيد، وفي رواية ابن أبي
شَيْبة: أنَّهم لم يروا بأساً أن يُبدِل المحرم ثيابه.
(١) في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) ٣١٤/٣.
(٢) في ((مصنفه)) برقم (١٤٩٩٧) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٢٩٢
باب ٢٣ / ح ١٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
قال سعيد: وحدَّثنا جَرِير، عن مُغيرة، عن إبراهيم قال: كان أصحابنا إذا أتُوا بئرَ
ميمون، اغتَسَلوا ولَبِسوا أحسن ثيابهم، فدَخَلوا فيها مكَّة.
١٥٤٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المُقَدَّمِيُّ، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني موسى
ابنُ عُقْبةَ، قال: أخبرني كُرَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: انطلقَ النبيُّ ◌َليه
من المدينةِ بعدَما تَرَجَّلَ وادَّهَنَ، ولَبِسَ إزارَه ورِداءَه هو وأصحابُه، فلم يَنْهَ عن شيءٍ من
الأَرْدِيةِ والأُزُرِ تُلْبَسُ، إلا المزَعْفَرَةَ التي تَرْدَعُ على الجِلْدِ، فأصبَحَ بذي الحُلَيفةِ، رَكِبَ راحلته
حتَّى اسْتَوَى على البَيداء أهلَّ هو وأصحابُه، وقَلَّدَ بَدَنَتَه، وذلك لخمسٍ بَقِينَ من ذي القَعْدةِ،
فقَدِمَ مَكَّةَ لأربعٍ لَيَالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجّةِ، فطافَ بالبيتِ وسَعَى بين الصَّفا والمَرْوةِ، ولم يَحِلَّ
من أجْلِ بُدْنِه؛ لأنَّه قَلَّدَها، ثمَّ نزلَ بأعلى مكَّةَ عندَ الحَجُونِ وهو مُهِلٌّ بالحِّ، ولم يَقْرَبٍ
الكَعْبةَ بعدَ طَوافِهِ بها حتَّى رَجَعَ من عَرَفَةَ، وأُمَرَ أصحابَه أن يَطَّوَّفُوا بالبيتٍ وبين الصَّفا
والمَرْوةِ، ثمَّ يُقصِّرُوا من رُؤوسِهم، ثمَّ تَحِلُّوا وذلك لمن لم يكن معه بَدَنةٌ قَلَّدَها، ومَن كانت
معه امرَأْتُهُ فِهِيَ له حلالٌ، والطِّيبُ والِّيابُ.
[طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]
قوله: ((حدّثنا فُضَيل)) هو بالتَّصغير.
قوله: (تَرَجَّلَ)) أي: سَرَّحَ شعره.
قوله: ((واذَّهَنَ)) قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ للمُحرِمِ أن يأكل الَّيت والشَّحم
والسمن والشَّيرَج(١)، وأن يستعمِل ذلك في جميع بَدَنه سوى رأسه ولحيته، وأجمعوا أنَّ
الطِّيب لا يجوز استعماله في بَدَنه، ففَرَّقوا بين الطّيب والزَّيت في هذا، فقياس كَونِ المحرِم
منوعاً من استعمال الطِّيب في رأسه أن يُباح له استعمال الَّيت في رأسه، وقد تقدَّمت
الإشارة إلى الخلاف في ذلك قبلُ بأبوابٍ.
قوله: ((التي تَرْدَعُ)) بالمهمَلة، أي: تُلَطَّخ، يقال: رُدِعَ: إذا الْتَطَخ، والرَّدْع: أثر الطِّيب،
ورُدِعَ به الطّيب: إذا لَزِقَ بجلدِه، قال ابن بَطَّال: وقد رُويَ بالمعجَمة من قولهم: أردَغَت
(١) الشَّيرَج: معرَّب من شيره، وهو دُهن السمسم. انظر ((المصباح المنير)) (شرج).

٢٩٣
باب ٢٣ / ح ١٥٤٥
كتاب الحج
الأرضُ: إذا كَثُرَت مَناقع المياه فيها، والرَّدْغ - بالغَين المعجَمة -: الطّين. انتهى، ولم أرَ في
شيء من الطّرق ضبط هذه اللفظة بالغَين المعجَمة، ولا تَعَرَّضَ لها عياض ولا ابن قُرْقُول،
والله أعلم.
ووقع في الأصل: ((تَردَع على الجلد)) قال ابن الجَوْزي: الصواب حذف ((على)). كذا
قال، وإثباتها موَجَّه أيضاً كما تقدَّم.
قوله: ((فأصبَحَ بذي الحُلَيفَة)) أي: وَصَلَ إليها نهاراً، ثمَّ باتَ بها كما سيأتي صريحاً في
الباب الذي بعده من حديث أنس (١٥٤٦).
قوله: ((حتَّى استوى على البيداء أهلَّ)) تقدَّم نقلُ الخلاف/ في ذلك وطريق الجمع بين ٤٠٧/٣
المختَلَف فيه.
قوله: ((وذلك لخمسٍ بَقينَ من ذي القَعْدَة)) أخرج مسلم (١٢١١) مثله من حديث عائشة،
واحتَجَّ به ابن حَزْم في كتاب ((حَجَّة الوداع)) له على أنَّ خروجَه وَ لّ من المدينة كان يوم
الخميس، قال: لأنَّ أول ذي الحِجّة كان يوم الخميس بلا شكّ، لأنَّ الوَقْفة كانت يوم الجمعة
بلا خلاف، وظاهر قول ابن عبَّاس ((لخمسٍ)) يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم
الجمعة بناء على تَرك عَدِّ يوم الخروج، وقد ثَبَتَ أنَّه وَّهِ صلَّى الظُّهر بالمدينة أربعاً كما سيأتي
قريباً من حديث أنس (١٥٤٨)، فتَبيَّن أنَّه لم يكن يوم الجمعة، فَتَعيَّن أنَّه يومُ الخميس.
وتعقَّبه ابن القيِّم بأنَّ المتَعيِّنَ أن يكون يومَ السبت، بناءً على عَدِّ يوم الخروج، أو على
تَرك عَدِّه، ويكون ذو القَعدة تسعاً وعشرينَ يوماً. انتهى.
ويؤيِّده ما رواه ابن سعد (١٧٣/٢) والحاكم في ((الإكليل)): أنَّ خروجه من المدينة كان
يوم السبت لخمسٍ بَقِينَ من ذي القَعْدة.
وفيه ردٌّ على مَن مَنَعَ إطلاق القول في التاريخ، لئلا يكون الشهر ناقصاً فلا يَصِحّ
الكلام، فيقول مثلاً: لخمسٍ إن بقينَ، بزيادة أداة الشَّرط، وحُجَّة المجيز أنَّ الإطلاق يكون

٢٩٤
باب ٢٤ / ح ١٥٤٦ - ١٥٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
على الغالب، ومُقتَضى قوله أنَّه دخل مكَّة لأربع خَلَونَ من ذي الحِجّة، أن يكون دَخَلها
صُبح يوم الأحد، وبه صَرَّحَ الواقدي.
قوله: ((والطِّيبُ والّيابُ)) أي: كذلك.
وقوله: ((الحَجُونَ)) بفتح المهمَلة بعدها جيم مضمومة: هو الجبل المطِلَّ على المسجد
بأعلى مكَّة، على يمين المُصْعِد، وهناك مقبرة أهل مكَّة. وسيأتي بقيَّة شرح ما اشتمل عليه
حديث ابن عبّاس هذا مُفرَّقاً في الأبواب.
٢٤ - باب من بات بذي الحُلَیفة حتی أصبحَ
قاله ابنُ عمَرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَلؤ.
١٥٤٦ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أخبرنا ابنُ جُرَيج، حدَّثنا
محمَّدُ بنُّ المُنْكَدِرِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ﴾ قال: صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ بِالمدينةِ أربعاً، وبِذي الحُلَيَفةِ
رَكْعَتَينٍ، ثمَّ باتَ حتَّى أصبَحَ بذي الحُلَيفةِ، فلمَّا رَكِبَ راحلتَه واستَوَت به أهلَّ.
١٥٤٧- حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا عبدُ الوهَاب، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ ﴾: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَّى الظُّهرَ بالمدينةِ أربعاً، وصَلَّى العصرَ بذي الحُلَيَفةِ رَكْعتَينِ، قال:
وأحسِبُه باتَ بها حتَّى أصبَحَ.
قوله: ((باب مَن باتَ بذي الحُلَيفَة حتَّى أصبَحَ)) يعني: إذا كان حَجُّه من المدينة، والمراد
من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقُربِ من البلد التي يُسافر منها، ليكون أمكَنَ من
التوَصُّل إلى مُهمّاته التي يَنساها مثلاً. قال ابن بَطَّال: ليس ذلك من سُنَن الحج، إنَّما هو من
جهة الرِّفق ليلحقَ به مَن تأخّر عنه.
قال ابن المنيِر: لعلَّه أراد أن يَدفَع تَوهُّم مَن يَتوهَّم أنَّ الإقامة بالميقات وتأخير الإحرام
شبيه بمن تَعَدّاه بغیر إحرام، فبيَّن أنَّ ذلك غير لازم حتَّی ینفصل عنه.
قوله: ((قاله ابن عُمَر)) يشير إلى حديثه المتقدِّم (١٥٣٣) في ((باب خروج النبي ◌ُّ على
طريق الشجرة)).

٢٩٥
باب ٢٥ / ح ١٥٤٨
كتاب الحج
قوله: ((حدَّثني ابن المُنكَدِر)) كذا رواه الحُفَّظ من أصحاب ابن جُرَيج عنه، وخالَفَهم
عيسى بن يونس فقال: عن ابن جُرَيج، عن الزُّهْري، عن أنس، وهي رواية شاذّة.
قوله: ((وبذي الحُلَيفَة رَكْعتَين)) فيه مشروعية قَصْر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد،
وباتَ خارجاً عنها ولو لم يستمِرَّ سفرُه، واحتَجَّ به أهل الظاهر في قَصْر الصلاة في السفر
القصير، ولا حُجَّة فيه لأنَّه كان ابتداءَ سَفَرِه(١) لا المنتَهى، وقد تقدَّم البحث في ذلك في
أبواب قَصْر الصلاة (١٠٨٩)، وتقدَّم الخلاف في ابتداء إهلاله قريباً.
قوله في الرواية الثانية: ((حذَّثنا عبد الوهَّابِ)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفي.
٤٠٨/٣
قوله: ((وأحسبُه)) الشكُّ فيه من أبي قلابة، وقد تقدَّم في طريق ابن المنكَدِر التي قبلها (١٥٤٦)
بغير شكٌّ، وسيأتي بعدَ بابين (١٥٥١) من طريق أُخرى عن أيوب بأتمَّ من هذا السياق.
٢۵- باب رفع الصوت بالإهلال
١٥٤٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ
، قال: صَلَّى النبيُّ ◌َّهِ بِالمدينةِ الظُّهرَ أربعاً، والعصرَ بذي الخُلَيَفةِ رَكْعَتَينٍ، وسمعتُهم
يَصرُخُونَ بهما جميعاً.
قوله: (باب رَفْع الصوت بالإهلال)) قال الطَّبَري: الإهلال هنا: رَفعُ الصَّوت بالتَّلبية،
وكلّ رافعٍ صوتَه بشيءٍ فهو مُهِلٌّ به، وأمَّا: أهلَّ القومُ الهلالَ، فأرى أنَّه من هذا، لأنَّهم كانوا
يَرفَعونَ أصواتهم عند رُؤيَته. انتهى، وسيأتي للبخاري اختيارُ خلافِ ذلك بعدَ أبواب.
قوله: ((وسمعتهم يَصْرُخُونَ بهما جميعاً)) أي: بالحجِّ والعمرة، ومراد أنس بذلك مَن نَوى
منهم القِرَان، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع، أي: بعضهم بالحجِّ وبعضهم بالعمرة،
قاله الكِرْماني. ويُشكِل عليه قوله في الطَّريق الأُخرى: ((يقول: لَبَّيك بحَجَّةٍ وعمرة معاً))(٢)،
وسيأتي إنكار ابن عمر على أنس ذلك، سيأتي ما فيه في ((باب التمتُّع والقِرَان)».
(١) في (س): لأنه كابتداء سفر. وهو خطأ.
(٢) سيأتي برقم (١٥٥١) و(١٧١٥)، لكن بلفظ: «وأهلَّ بحج وعمرة)).

٢٩٦
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه حُجَّة للجمهورِ في استحباب رفع الأصوات بالتَّلبية، وقد روى مالك في ((الموطَّ))
(٣٣٤/١) وأصحاب السُّنَن(١)، وصَحَّحَه التِّرمِذي (٨٢٩) وابن خُزَيمةَ (٢٦٢٥) والحاكم
(١/ ٤٥٠) من طريق خَلّاد بن السائب عن أبيه مرفوعاً: ((جاءني جِبريلُ فأمرَني أن آمُرَ
أصحابي يَرفَعونَ أصواتهم بالإهلال)» ورجاله ثقات، إلّا أنَّه اختُلِفَ على التابعي في صحابيِّه.
وروى ابن أبي شَيْبة(٢) بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المُزَني قال: كنت مع ابن عمر
فلَبِّى حتَّى أسمَع ما بين الجبلَين. وأخرج أيضاً (١٥٢٧١) بإسناد صحيح من طريق المطَّلِب
ابن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله وَ ◌ّهيَرَ فَعونَ أصواتهم بالتَّلبية حتَّى تُبَعَّ أصواتُهم.
واختَلَفَ الرُّواة عن مالك، فقال ابن القاسم عنه: لا يَرفَع صوته بالتَّلبية إلَّا في المسجد
الحرام ومسجد مِنَّى، وقال في ((الموطَّأ)): لا يَرفَع صوته بالتَّلبية في مسجد الجماعات، ولم يستثنِ
شيئاً. ووجه الاستثناء أنَّ المسجد الحرام جُعِلَ للحاجِّ والمعتمِر وغيرهما، وكان المُلِّي إنَّما
يقصد إلیه، فكان ذلك وجه الخصوصيّة، و كذلك مسجدمِنّی.
٢٦ - باب التلبية
١٥٤٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عمر رضي
الله عنهما: أنَّ تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ وَّةِ: ((لَّيَكَ اللهِمَّ لَبَّيكَ، لَبَّكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّكَ، إنَّ الحمدَ
والنِّعْمَةَ لكَ والملْكَ، لا شَرِيكَ لكَ)).
٤٠٩/٣
١٥٥٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن عُمارةَ، عن أبي عَطيَّة،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: إنّي لَأَعلمُ كيفَ كان النبيُّ ◌َهِ يُلِّي: ((لَبَّكَ اللّهِمَّ لَبِّكَ،
لَبَّكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحمدَ والنِّعْمَةَ لكَ)).
تابَعَه أبو مُعاوِيةَ عن الأعمَشِ.
وقال شُعْبةُ: أخبرنا سليمانُ، سمعتُ خَيْثَمَةَ، عن أبي عَطيَّةٌ، سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها.
(١) أخرجه أبو داود (١٨١٤)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، والنسائي (٢٧٥٣).
(٢) في ((مصنفه)) برقم (١٥٢٦٤) بتحقيق الجمعة واللحيدان.

٢٩٧
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
كتاب الحج
قوله: ((باب التَّلْبية)) هي مصدر لَبّى، أي: قال: لَبَّيك، ولا يكون عامله إلَّا مُضمَراً.
قوله: ((لَبَّكَ)) هو لفظ مُثَنَّى عند سيبويه ومَن تَبِعَه. وقال يونس: هو اسم مُفرَد وأَلِفُه
إِنَّما انقَلَبَت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير كَلَدَيَّ وعليّ. ورُدَّ بأَّهَا قُلِبَت ياءً مع المظهَر.
وعن الفَرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله: لَّاً لك، فتُنِّيَ على التأكيد، أي: إلباباً
بعدَ إلباب، وهذه الَّنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير أو المبالَغة، ومعناه: إجابةً بعدَ إجابة،
أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباري: ومثله: حنانَیك، أي: تَحتّاً بعدَ نَحُّن.
وقيل: معنى (لَبَّيك)): اتّجاهي وقَصْدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تَلُبُّ دارك،
أي: تُواجهها. وقيل: معناه: ◌َحَبَّتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأةٌ لَّة، أي: مُحِبّة. وقيل:
إخلاصي لك، من قولهم: حَسَبٌ لُبابٌ، أي: خالص. وقيل: أنا مُقيم على طاعتك، من
قولهم: لَبَّ الرجل بالمكان: إذا أقامَ. وقيل: قُرباً منك، من الإلباب: وهو القُرب. وقيل:
خاضعاً لك. والأول أظهَر وأشهَر، لأنَّ المحرِمِ مُستَجيب لدعاء الله إيّاه في حَجِّ بيته، ولهذا
مَن دُعِيَ فقال: لَبَّك، فقد استجاب.
وقال ابن عبد البَرِّ: قال جماعة من أهل العلم: معنى التَّلبية: إجابة دعوة إبراهيم حينَ
أذَّنَ في الناس بالحج. انتهى، وهذا أخرجه عبد بن حُميدٍ وابن جَرِير (١٤٤/١٧) وابن أبي
حاتم بأسانيدِهم في تفاسيرهم عن ابن عبَّاس ومجاهد وعطاء وعِكْرمة وقَتَادةَ وغير
واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عبّاس ما أخرجه أحمد بن مَنِيع في
((مسنده) وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظَبْيان عن أبيه عنه قال: لمَّا فَرَغَ إبراهيم
عليه السلام من بناء البيت قيل له: أذِّن في الناس بالحج، قال: رَبِّ، وما يَبلُغ صوتي؟ قال:
أَذِّن وعليَّ البَلاغ. قال: فنادى إبراهيم: يا أيّها الناس، كُتِبَ عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق،
فسمعه مَن بين السماء والأرض، أفلا تَرَونَ أنَّ الناس يَجيؤونَ من أقصى الأرض يُلبّونَ.
ومن طريق ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عبّاس وفيه: فأجابوه بالتَّلبية في أَصلاب
الرجال، وأرحام النِّساء، وأول مَن أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن
تقوم الساعة إلَّا مَن كان أجاب إبراهيمَ يومئذٍ.

٢٩٨
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): وفي مشروعية التَّلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأنَّ
وُفودهم على بيته إِنَّما كان باستدعاء منه سبحانه وتعالى.
قوله: ((إنَّ الحمد)) رويَ بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحِها على التعليل، والكسر
أجوَدُ عند الجمهور، وقال ثَعلَب: لأنَّ مَن كَسَرَ جعل معناه: إنَّ الحمد لك على كلّ حال،
ومَن فتحَ قال: معناه: لَبَّك لهذا السبب. وقال الخطّابي: لَهَجَ العامّة بالفتح، وحكاه
الََّشَري عن الشافعي.
قال ابن عبد البَرِّ: المعنى عندي واحد، لأنَّ مَن فتحَ أراد: لَبَّيك، لأنَّ الحمد لك على
كلّ حال، وتُعقِّبَ بأنَّ التقييد ليس في الحمد، وإنَّما هو في التَّلبية.
قال ابن دقيق العيد: الكسر أجوَد، لأنَّه يقتضي أن تكون الإجابة مُطلَقة غير مُعلَّلة،
وأنَّ الحمد والنِّعمة لله على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنَّه يقول: أجَبتُك لهذا
السَّبب، والأول أعمُّ، فهو أكثر فائدة.
ولمَّا حكى الرّافعي الوجهين من غير ترجيح، رَجَّحَ النَّوَوي الکسرَ، وهذا خلاف ما
نقله الَّتَشَري أنَّ الشافعي اختار الفتح، وأنَّ أبا حنيفة اختار الكسر.
قوله: ((والنِّعْمة لك)) المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء ويكون
الخبر محذوفاً، والتقدير: إنَّ الحمد لك، والنِّعمة مُستَقِرّة لك، قاله ابن الأنباري.
وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): قَرَنَ الحمد والنِّعمة وأفرَدَ المُلكَ، لأنَّ الحمد مُتَعَلَّقُ
النِّعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نِعَمِه، فجمع بينهما كأنَّه قال: لا حَمد إلَّا لك، لأنَّه لا
نِعمة إلَّا لك، وأمَّ المُلك فهو معنّى مُستَقِلّ بنفسه ذُكِرَ لتحقيق أنَّ النِّعمة كلّها لله، لأنه
صاحب الملك.
٤١٠/٣
قوله: ((والمُلْك)) بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك/ كذلك.
ووقع عند مسلم (١١٨٤/ ٢٠) من رواية موسى بن عُقْبةَ عن نافع وغيره عن ابن عمر: كان
رسول الله وَ ◌ّه إذا استَوَت به راحلته عند مسجد ذي الحُلَيفة أهلَّ، فقال: ((لَبَّكَ)) الحديث.

٢٩٩
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
كتاب الحج
وللمصنّف في اللباس (٥٩١٥) من طريق الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه: سمعت
رسول الله وَّه يُهِلَّ مُلِّداً يقول: ((لَبَّيَكَ اللهمَّ لَبَّيَّكَ)) الحديث، وقال في آخره: ((لا يزيد
على هذه الكلمات))، زاد مسلم (٢١/١١٨٤) من هذا الوجه: قال ابن عمر: كان عمر يُهِلّ
بهذا ويزيد: لَبَّيك اللهمَّ لَبَّيك وسعدَيك، والخير في يَدَيك، والرَّغباء إليك والعمل. وهذا
القَدْر في رواية مالك أيضاً(١) عنه عن نافع عن ابن عمر: أنَّه كان يزيد فيها، فذكر نحوه،
فعُرِفَ أنَّ ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه.
وأخرج ابن أبي شَيْبة(٢) من طريق المِسوَر بن مَخَرَمةَ قال: كانت تَلبية عمر ... فذكر مثل
المرفوع وزاد: لَبَّيك مَرغوباً ومَرهوباً إليك، ذا النَّعماء والفضل الحسن.
واستُدِلَّ به على استحباب الزيادة على ما وَرَدَ عن النبي ◌َّ في ذلك.
قال الطَّحاوي بعدَ أن أخرجه (١٢٤/٢ و١٢٥) من حديث ابن عمر وابن مسعود
وعائشة وجابر وعَمْرو بن مَعْدي كَرِب: أجمع المسلمونَ جميعاً على هذه التَّلبية، غير أنَّ
قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذِّكر لله ما أحَبَّ، وهو قول محمد والثَّوري
والأوزاعي، واحتَجُّوا بحديث أبي هريرة، يعني: الذي أخرجه النَّسائي (٢٧٥٢) وابن
ماجه (٢٩٢٠)، وصَحَّحَه ابن حِبَّان (٣٨٠٠) والحاكم (٤٤٩/١ -٤٥٠) قال: كان من
تلبية رسول الله وَله: ((لَبَّيك إلهَ الحقّ لَبَّيَكَ))(٣)، وبزيادة ابن عمر المذكورة.
وخالَفَهم آخرونَ فقالوا: لا ينبغي أن يُزاد على ما عَلَّمَه رسول الله ◌َّ الناس كما في
حديث عَمْرو بن مَعدي كَرِبَ، ثمَّ فعَله هو ولم يقل: لَبّوا بما شِئتُم ممَّا هو من جنس هذا، بل
عَلَّمَهم كما عَلَّمَهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يَتَعَدّى في ذلك شيئاً ممَّ عَلَّمَه.
ثمَّ أخرج (١٢٥/٢) حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه: ((أنَّه سمع رجلاً
(١) في ((الموطأ)) ٣٣١/١-٣٣٢.
(٢) في ((مصنفه)) برقم (١٣٦٢٨) بتحقيق الجمعة واللحيدان.
(٣) وأخرجه أحمد في («مسنده)) (٨٤٩٧) و(٨٦٢٩) و(١٠١٧١) وإسناده صحيح.

٣٠٠
باب ٢٦ / ح ١٥٤٩ - ١٥٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
يقول: لَبَّك ذا المعارج؟ فقال: إنَّه لَذو المعارج، وما هكذا كنَّا نُلَبّي على عهد رسول الله وَّ).
قال: فهذا سعد قد گره الزيادة في التَّلبية، وبه نأخذ. انتهى.
ويدلُّ على الجواز ما وقع عند النَّسائي (٢٧٥١) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن
ابن مسعود قال: كان من تلبية النبي ◌َ *... فذكره، ففيه دلالة على أنَّه قد كان يُلبّ بغير
ذلك، وما تقدَّم عن عمر وابن عمر، وروى سعيد بن منصور من طريق الأسوَد بن يزيد
أنَّه كان يقول: لَبَّك غَفّار الذُّنوب، وفي حديث جابر الطّويل في صفة الحج(١): حتَّى
استَوَت به ناقته على البَيداء أهلَّ بالتوحيد: ((لَبَّيك اللهمَّ لَبَّيك ... )) إلى آخره، قال:
وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهِلّونَ به، فلم يَرُدَّ عليهم شيئاً منه، ولَزِمَ تلبيتَه، وأخرجه أبو
داود (١٨١٣) من الوجه الذي أخرجه منه مسلم، قال: والناس يزيدونَ: ذا المعارج
ونحوه من الكلام، والنبي ◌َّر يسمع فلا يقول لهم شيئاً، وفي رواية البيهقي (٤٥/٥): ذا
المعارج وذا الفواضل.
وهذا يدلُّ على أنَّ الاقتصار على الثَّلبية المرفوعة أفضل لمُداوَمتِهِ هو ◌َّهِ عليها، وأنَّه
لا بأس بالزيادة لكَونِه لم يَرُدَّها عليهم وأقرَّهم عليها، وهو قول الجمهور، وبه صَرَّحَ
أَشهَبُ، وحكى ابن عبد البَرِّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعي، وقال
الشَّيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعي، يعني: في القديم أنَّه كَرِهَ الزيادة على
المرفوع، وغَلِطوا، بل لا يُكرَه ولا يُستَحَبّ.
وحكى التِّرمِذي(٣) عن الشافعي قال: فإن زاد في التَّلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس،
وأحَبُّ إليَّ أن يَقْتَصِر على تلبية رسول الله وَ ل﴾، وذلك أنَّ ابن عمر حَفِظَ التَّلبية عنه ثمَّ زاد
من قِبَله زيادة.
ونَصَبَ البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي فقال: الاقتصار على المرفوع أحَبّ،
ولا ضَيقَ أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن.
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٢) بإثر الحدیث (٨٢٥) من ((جامعه)).